اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: من رسالة عمر

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:19-08-2019
    الساعة:06:42 AM

    المشاركات
    4,860
    العمر
    41

    من رسالة عمر

    ومن وصاية عمر لأبي موسى في رسالته المشهورة في القضاء ، منها ما قال في وصف الحق الأول : "فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ" ، فالحق أول قديم إذ هو من علم الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى ، وعلمه من وصفه الأول بالنظر في النوع وإن كان من حدوث الآحاد ما يجري مجرى الفعل والقوة ، فثم قوة أولى قديمة النوع ، وثم من الآحاد المحدَثة ما يصدقها في الخارج ، فثم من المعلومات الحادثة ما يكون بالكلمات النازلة ، فذلك ما عم فاستغرق بدلالة الإضافة إلى الضمير في قول البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ" ، فثم من العموم في "أمره" ما استغرق أمر التشريع الذي يَتَنَزَّلُ نجوما تَتْرَى كما قد دل عليه السياق فسبب الورود حكم شرعي ناسخ قد حدث ، وهو النهي عن الكلام في الصلاة ، فنسخ ما تقدم من الإباحة الشرعية أن كان الكلام في الصلاة جائزا ، أو رفع ما ثبت أولا من الإباحة العقلية ، وإن كان القول بالإباحة الشرعية أولى فإن ذلك حكم تعبدي لا فعل عادي استصحب من عوائد الناس قبل الرسالة ، فكان من سكوت الشرع عن الكلام في الصلاة ما استصحب حتى تكلم الشرع فأحدث من آحاد الكلمات الشرعية أن : "لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ" ، وهو ما حُدَّ حَدَّ الاسم المؤول من "أن" وما دخلت عليه من المضارع المنفي "لا تكلموا" ، على تقدير : أحدث من الأمر الشرعي الحاكم عدم الكلام في الصلاة ، وهو ما يحمل ، بداهة ، على كلام الناس خارجها لا مطلق الكلام فَفِي الصلاة من الكلام الشرعي قراءة وذكرا ما لا تصح الصلاة إلا به فهو يَتَرَاوَحُ بين الركن كالفاتحة ، والواجب كالتسبيح في الركوع والسجود ، فخص الكلام من هذا الوجه ، وقد حُدَّ حَدَّ المضارعة التي دخلت عليها "أن" فَمَحَّضَتْهَا للاستقبال فذلك حكم مستأنف قد نسخ الحكم الأول فاستغرق ظرف الزمان التالي فمن زمن العلم به يجري ، وزمانه يتصل فهو الرافع لما تَقَدَّمَ بزيادة علم ثابتة ، فيستصحب أصلا حتى يرد ناسخ آخر ، وهو ما انْتَفَى باستقراء نصوص الشرع فضلا عن قرينة تستصحب في كل الأحكام وهي اكتمال الدين وانقطاع الوحي فلا نسخ بعد أن استقرت أحكام الشريعة ، فكان من الكلام الشرعي المحدَث ما به تأويل العلم الأول ، فتأويل القدر الشرعي الحاكم أن يَتَنَزَّلَ نجما يُشَرِّعُ ما لم يكن قبل نزوله فيكون من الزيادة ما يجري مجرى النسخ في اصطلاح من تقدم إذ يطلق في عبارتهم على كل زيادة سواء أخالفت عن أمر تقدمها أم كانت مستأنفة من كل وجه ، فلا تخلو ـ، من وجه آخر ، أن تكون نسخا ولو نسخ ما كان يجزئ بدونها قبل نُزُولِهَا فلم يعد ثم إجزاء معتبر به براءة الذمة إلا أن يُتَأَوَّلَ ما قد نَزَلَ من النجم المحدَث ، فيصدقه إن كان خبرا يثبت أو ينفي ، ويمتثله إن كان إنشاء يأمر أو ينهى ، فإذا كان ثم إجزاء في الدين قبل تَنَزُّلِ آي الصيام ، على سبيل المثال ، فثم حكم جديد قد استأنف فهو يوجب الصيام بعد أن لم يكن فقد شغل الذمة بأمر جديد ورفع ما كان من إجزاء قبل تشريعه فكان يجزئ في الإتيان بالقدر الواجب من الدين ألا يصوم الإنسان الصوم الواجب إذ لم يكن قد شُرِعَ بعد ، فَلَمَّا شُرِعَ اشتغلت الذمة بالوارد الجديد الذي نَسَخَ أو رفع الإجزاء الأول ، إِجْزَاءَ فِعْلِ العبد بلا صيام في حصول البراءة من عهدة التكليف .
    فتأويل القدر الشرعي الحاكم : التصديق الخبري والامتثال الحكمي ، وتأويل القدر الكوني النافذ ، في المقابل ، أن يكون من المعلوم في الشهود ما يصدق عِلْمًا أولا به التقدير في الغيب فيكون من خلقه تقديرا وبرئه أن يخرج من العدم إلى الوجود ، من الغيب إلى الشهادة ، فيكون ذلك على وِزَانِ ما ثبت أزلا في العلم الأول فلا يغادره في دقيق أو جليل فهو تصديقه كما ثَبَتَ وَسُطِرَ ، فيكون من المعلومات المحدَثة ما يسطر ويدون في كتاب ثان يصدق الأول ، فثم علم ثان يحدث وهو علم الانكشاف والظهور وما بعده من علم الإحصاء الذي لا يغادر ، فَثَمَّ من الحدوث ما يطرأ بعد كل معلوم يأتي تأويله في الخارج فهو تصديق ما كان في الغيب أولا ، فَيُنَاطُ العلم الثاني بآحاد من المعلومات تحدث ، فَيَصْدُقُ فيه ، من هذا الوجه ، أنه محدَث ، وإن كان قديم النوع فقد استقر أولا في العلم المحيط ، علم الأزل وبه درك المعلومات تقديرا فيصدقه العلم الثاني إحصاء وتدوينا ، فانفكت الجهة على وجه يزول به ما قد يُتَوَهَّمُ ، بادي الرأي ، من تعارض أو تناقض ، فجهة العلم الأول قديمة تحيط ، وجهة العلم الثاني حادثة تحيط ، وَكُلٌّ من أمر الرب ، جل وعلا ، فهو من وصفه غير المخلوق إذ قام بذات القدس غير المخلوقة .
    فالحق قديم قدم الذات الإلهية ، فهو من العلم الأول المحيط الذي يدل عليه اسم العليم ، جل وعلا ، فهو فعيل من فاعل فهو العالم الذي أُطْلِقَ اسمه فاستغرق كل معلومٍ سواء أكان غير مخلوق كوصف الرب المعبود ، جل وعلا ، أم مخلوقا كسائر الموجودات دون رب الأرض والسماوات ، جل وعلا ، فكان من العلم ما استغرقه الأمر في الخبر آنف الذكر ، فإن أمره يتراوح فمنه أمر التكوين النافذ ، كما في قول الرب الخالق جل وعلا : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فثم من الحصر ما يؤكد وهو قصر حقيقة قد استغرق جميع الآحاد من الأشياء إذ نُكِّرَ اسم "شيئا" في سياق الشرط فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، فكان من الأمر ما أجمل ، ثم أبين عنه بالبدل فذلك مما يجري مجرى الإطناب فأجمل فشحذ ذهن المخاطَب أن يصغي ، ثُمَّ أبان بالبدل ، فإن الأمر عام قد استغرق بدلالة ما تقدم من إضافة الاسم إلى الضمير ، فاستفاد التعريف لفظا والتعميم معنى ، والعام ظني الدلالة بادي الرأي فيحتمل التخصيص ، فكان من التنصيص على عمومه بالقصر ما رفع احتمال التخصيص ، فضلا عن مواضع أخرى من الوحي كان التنصيص فيها على العموم ، كما في العموم المستغرِق في نحو قول الرب المهيمِن جل وعلا : (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فثم من تقديم ما حقه التأخير وهو الظرف "بكل شيء" ما أفاد الحصر والتوكيد فضلا عن دلالة العموم نصا فتلك دلالة "كل" ، فهي ، كما يقول أهل اللسان والأصول ، هي نَصٌّ في العموم ، وكذلك الشأن في قوله تعالى : (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) ، فَثَمَّ تَنْصِيصٌ على العموم أفادته "مِنْ" ، وذكر الورقة في هذا السياق يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، فهو دليل يُبَيِّنُهُ ، فيستغرق الأوراق وسائر الموجودات ، فـ : (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) ، فكان من السطر ما أُكِّدَ إذ أطنب بالجملة على حد الإخبار بالكينونة الماضية ، وهي مئنة من تحقق الوقوع مع ما تدل عليه من ديمومة الاتصاف في الزمن الماضي ، فضلا عن تقديم الظرف "في الكتاب" وحقه التأخير ، فكان من العموم ما جاوز المذكور ، أيضا ، فدلالة الإشارة "ذلك" إلى مذكور تقدم : (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا) ، فهو إشارة إلى مصدر قد تُصُيِّدَ من السياق المتقدِّم ، وهو الإهلاك أو العذاب ، فكل ذلك أو كلاهما كان في الكتاب مسطورا فالإشارة المفردة إلى اثنين ، وكأنها تحكي الجنس الذي يستغرقهما وهو الفناء سواء أكان بالموت أو العذاب ، فالكتاب قد استغرقه واستغرق غيره ، فكان ذكره ، أيضا ، مثالا يُبِينُ عن عام قد استغرق ، فلا يخصصه ذكر المثال ، فكان من الأمر في الآي آنف الذكر : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، ما قد استغرق ، وإن قُيِّدَ بالبدل أو الحال "إِذَا أَرَادَ شَيْئًا" فاقتصر على الأمر الكوني بقرينة قوله تعالى : (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فكان من الكينونة ما انصرف إلى الكلمات الكونية النافذة ، وذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، فثم من الأمر ما هو شرعي حاكم وهو غير مخلوق بالنظر في لقظه ومعناه ودلالته على الشرع خبرا أو إنشاء ، وإنما المخلوق ما يكون من فعل العبد إذ تحصل الصورة العلمية في جنانه ، فالعلم ، علم الجنان بالخبر أو الإنشاء ، هذا العلم مخلوق إذ قَاَم بجنان مخلوق ، كما أن علم الرب المعبود ، جل وعلا ، غير مخلوق إذ قام بذات أولى غير مخلوقة ، فهو الحق القديم الذي أشار إليه عمر ، رضي الله عنه ، في وصايته ، وذلك قياس الحكمة أن يَحِلَّ في كل مَحَلٍّ من الأحوال ما يلائمه وأن يقوم بكل ذات من الأوصاف ما يواطئها ، فصورة العلم في جنان المكلف إذ تحصل بإخبار الرسالات التي جاءت بالكلمات الشرعيات : الخبرية والحكمية ، هذه الصورة مخلوقة في جنان العبد وأما المعلوم من الوحي لفظا ومعنى فهو وصف الرب ، جل وعلا ، فليس بمخلوق إذ قام بذات غير مخلوقة ، فحصول الصورة العلمية في الجنان معرفة وتدبرا أو اللسان تلاوة وَتَلَفُّظًا ، هذا الحصول مَخْلُوقٌ فهو من فِعْلِ المكلَّفِ المخلوق ، وأما المعلوم أو المنطوق من خبر الوحي أو حكمه ، ذلك المعلوم غير مخلوق ، فهو وحي مُنَزَّلٌ من الرب المهيمن ، جل وعلا ، وفعل المكلف إذ يَبْلُغُهُ الوحي المنزل فلا تكليف قبل البلاغ ، فعله تصديقا وامتثالا هو ، أيضا ، من آحاد المخلوقات ، وأما الأمر الإلهي كله ، كونا أو شرعا فهو غير مخلوق ، وإن كان تأويله في الخارج مخلوقا ، فتأويل الأمر الكوني ما يكون من المقدور الكوني الحادث بعد أن لم يكن ، فيوجده الله ، جل وعلا ، من العدم ، ويخرجه بَرْءًا من الغيب إلى الشهادة ، ويصوره على وجه متقن به يمتاز كل مخلوق من آخر ، فَكُلٌّ قد خلق لغاية بالنظر في قدر التكوين النافذ ، وإن كان ثم غاية شرعية محكمة فَهِيَ قدر التكليف الحاكم ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فذلك ما اختص به الجنس العاقل المكلَّف فهو مأمور أن يَتَعَبَّدَ شرعا ، وما سواه فهو يُسَبِّحُ كونا ، فـ : (إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) ، فانفكت الجهة وإن كان الفعل واحدا ، فإن تسبيح المكلَّف اختياري وَبِهِ يُنَاطُ التكليفُ الشرعي ، وتسبيح غيره اضطراري يجري بالأمر الكوني ، وتأويل الأمر الشرعي الحاكم ، من وجه ، هو ما يكون من فعل المكلف المخلوق الذي يقوم بذاته المخلوقة ، فيكون التصديق في مواضع الخبر ، ويكون الامتثال في مواضع الحكم ، كما في الخبر آنف الذكر : "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ" ، فَثَمَّ فيه من العموم ما استغرق الأمر الكوني والشرعي وإن رجح السياق في هذا الموضع بعينه ، كلم التشريع الحاكم ، فذلك ما يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، وكذلك الشأن في الآي آنف الذكر : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فثم ، أيضا ، من العموم ما استغرق ، وإن رجح السياق في هذا الموضع بعينه كلم التكوين النافذ ، فهو ما يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، وكلاهما يدخل في حد الحق القديم فهو أول قد قام بالذات القدسية الأولى ، فكلاهما يدخل في حد الاسم الأحسن اسم الأول ، فـ : (هُوَ الْأَوَّلُ) ، وذلك مِمَّا يجري مجرى القصر بتعريف الجزأين ، وهو ، أيضا ، مما يحمل على الحقيقة بالنظر في العهد الخاص في اسم الأول إذ دخلت عليه "أل" فهي تحتمل من المعنى : بيان الجنس ، جنس المدخول من وصف الأولية ، وتحتمل استغراقه فاستغرقت معاني الأولية الذاتية والوصفية ، وتحتمل لأجل ذلك العهد الخاص ، العهد الذهني فليس ثم مَنْ وَصْفُهُ كذلك أنه الأول مطلقا ، ليس إلا الله ، جل وعلا ، فذلك الحق القديم الذي سُطِرَ في لوح التكوين ، وَنَزَلَ من تأويله موجودات وجدت بالكلم الكوني النافذ ، وأحكام نَزَلَتْ ، فهي الكلم الشرعي ، وتأويل الأولى واقع لا محالة ، كما في الآي آنف الذكر : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فكان من الشرط "إذا" ما يفيد الكثرة فهو مئنة من ثبوت المعنى طردا وعكسا ، فيجري مجرى الحكم الذي يدور مع علته وجودا وعدما ، فكان من الشرط ما قد أُشْرِبَ معنى الظرف وهو من القيد ، وهو ما قد عَمَّ من وجوه ، فَقَدْ تَسَلَّطَ الشرط على المصدر الكامن في الفعل "أراد" ، وهو ما يحمل ، بادي الرأي ، على آحاد الجنس كله ، جنس الإرادة ، فَاسْتَغْرَقَ الإرادات الكونية النافذة ونظائرها الشرعية الحاكمة ، فكان من قرينة السياق ما قصرها على الإرادات الكونية ، فهي إرادة واحدة بالنظر في الجنس العام المطلق ، وهي إرادات بالنظر فيما يُحْدِثُ ، جل وعلا ، منها كلما أراد شيئا ، فيكون من الإرادة ما يوجبه في الخارج ، فهو ابتداء من الجائز محتمل الطرفين ، فلا بد من مرجح من خارج ، وذلك قدر التكوين النافذ الذي يُرَجِّحُ حال أراد الله ، جل وعلا ، الوجود ، يُرَجِّحُ الإيجاد ، وَيُرَجِّحُ حال أراد ، تبارك وتعالى ، العدم ، يُرَجِّحُ الإعدام ، فنوع الإرادة قديم ، وآحادها محدثة إذ تناط بالمشيئة ، فالإرادة والمشيئة ، من هذا الوجه ، كالعموم والخصوص المطلق فكل مشيئة فهي إرادة ولا عكس ، فدائرة الإرادة أعم إذ منها ، كما يقول أهل الشأن ، الكوني النافذ والشرعي الحاكم ، خلاف المشيئة فليس منها إلا الكوني النافذ ، فكان من آحاد الإرادات الكونية النافذة ما به تكون آحاد المرَادَاتِ الكونية في الخارج ، فهي مما يَحْدُثُ إرادةً بعد أخرى ، ولا يستلزم ذلك أنها مخلوقة ، إذ جنسها الأعم جنس الإرادة الأول ، قديم قدم الذات القدسية ، فهو ، أيضا ، مما يدخل في حد الحق القديم في قول الخليفة عمر : "فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ" ، فدلالة "أل" في "الحق" مئنة من بيان لجنس المدخول ، وهو الحق الثابت ، فما حق فهو ثابت سواء أكان الحق الكوني أم نظيره الشرعي ، فكلاهما قديم أول ، وإن حدث من آحاده ما يصدق في الخارج ، فيكون من آحاد الحق الشرعي الحاكم ما يتنزل نجوما رسالية بها اكتمال الملة خبرا وحكما ، ويكون من آحاد الحق الكوني النافذ ما به تأويل الحق الثابت أولا ، فيكون من الإرادات والكلمات ما يَحْدُثُ آحادا تَتْرَى ، وبكل إرادة يكون مُرَادٌ ، ولكل وصفٍ من التأويل ما هو كلم تكوين ، فوصف الخلق تأويله إرادة الخلق ، والمخلوق يكون تأويلا في الخارج لكلمة كونية خالقة ، وعلى هذا فقس في كل وصف من رزق وإحياء وإماتة وتدبير ........ إلخ .

    وكلاهما : آحاد الإرادات والكلمات ، كلاهما غير مخلوق وإن حدث ، فالمحدَث ، من هذا الوجه ، هو ، أيضا ، جنس عام تندرج تحته أنواع وآحاد ، فثم المحدَث غير المخلوق وهو ما يكون من آحاد الكلمات الربانية : الكونية والشرعية ، فهو غير مخلوق إذ هو وصف لغير مخلوق ، فهو وصف الرب المعبود ، جل وعلا ، فقام بذات غير مخلوقة فهو غير مخلوق ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، قياس الحكمة ، فوصف المخلوق مخلوق ، ووصف غير المخلوق في المقابل ، غير مخلوق ، وهذا المحدث غير المخلوق منه محدث أول هو علة التكوين الأولى التي لا علة وراءها قطعا للتسلسل في المؤثِّرِين أزلا فكل علة تَتَقَدَّمُهَا أخرى حتى يبلغ الجميع علة أولى لا علة وراءها ، فذلك محل اتفاق بين العقلاء ، وإن اختلفت بهم الأقوال ، فثم ، كما قرر الفلاسفة ، ثَمَّ من جعل العلة الأولى هي الذات القدسية الأولى فجردها من وصف الفعل والتأثير ، وجعلها علة بسيطة لا إرادة لها ولا مشيئة ، فَفِعْلُهَا اضطرار لا اختيار ، وإن كان لها من العلم حظ فهو علم مجمل بالكليات لا آخر مفصل يستغرق الجزئيات ، فنفوا العلم المفصل ولعله مما ظهرت آثاره في التشريعات المحدثة التي تأبى الانقياد لأحكام الرسالات فهي لا تؤمن ابتداء أن ثم علما إلهيا أول ولو في حوادث الكون فكيف بأحكام القضاء والفصل في الخصومات الحادثة ، فالإله عندهم رَبٌّ قد خلق وانتهى فعله ، فليس له من الشرع والسيادة شيء ، لا فِي سياسة ولا في حرب ولا فِي أَيِّ فِعْلٍ في الأرض ، بل ليته خَلَقَ بإرادة تختار بل قَدْ كان خلقه خلق الاضطرار ، فهو كالنار تحرق بلا إرادة فتحرق بما ركز فيها من قوة الطبع لا باختيار في الفعل أو الترك فَلَيْسَ ثَمَّ حق قديم مُفَصَّلٌ به الخلق والشرع ، وأما أتباع الرسالات ، فقد واطئوا الفلاسفة في هذا الضروري العلمي الذي يحصل في العقل مقدمة لا تفتقر إلى دليل ، فلا بد من أول لا أول وراءه ، ولكنه ليس ذاتا مجردة من الوصف عاجزة عن الفعل ، بل العلة الأولى كلمة التكوين النافذة التي تقدم ذكرها ، كلمة : (كُنْ فَيَكُونُ) ، وهي تأويل الوصف ، فلكلِّ وصف ، كما تقدم ، من كلمات التكوين ما يصدقه في الخارج فتصديق الخلق كلمة خلق توجد ، وتصديق الرزق كلمة رزق ترزق ، فاستمسك أتباع الرسالات بالوحي رائدا يهدي في هذا الباب المغيَّب الذي لا يدركه العقل مفصلا وإن أدركه جملة قد رُكِزَتْ في الفطرة الأولى ، فجاء الوحي يصدقها ، من وجه ، ويفصل ما أجمل منها من آخر ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر لا يقتصر على أمور العلم بالغيب وما كان مبدأ الخلق ..... إلخ ، وإنما يستغرق أحكام التكليف ، فَثَمَّ فطرة أولى مجملة تُحَسِّنُ ضرورة القيم والمبادئ الشريفة كخاصة التنسك في المخلوق فإنه أبدا يفتقر إلى إله يتعبد له فضلا عن حاجته وافتقاره إليه ، فهو يحتاجه كونا وشرعا فلا غنى له عنه طرفة عين وإن أبى واستكبر ، فعند الشدة يستبين كذب الدعوى أن لا حاجة لنا في رب نعبده ، فـ : (إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) ، ولا غنى له عنه في التعبد والتنسك فتلك خاصة قد ركزت في النفوس ضرورة فلا ينكرها إلا جاحد أو مسفسط ، فإن زعم أنه حر يستنكف أن يتأله للخالق فليس إلا خروجا من قيد إلى آخر فيخرج من قيد شريف وهو التأله للرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، إلى آخر وضيع وهو التأله لمخلوق يَطْغَى ، فهو طاغوت إن رضي بذلك ، سواء أكان الطغيان من ذاته فاستكبر وواطأ فرعون إذ صير نفسه ربا وإلها ! ، أم كان من غيره كسائر الآحاد الوضيعة التي تخضع لهذا الطاغوت اختيارا ، فخرجت من ربقة العبودية العليا إلى أخرى دنيا ، فمن أبى أن يدخل في العبودية الشريفة اختيارا ، دخل في أخرى وضيعة اضطرارا فإنه مجبول أن يتأله فإن لم يتأله للإله الحق فثم آلهة الباطل فهو يخضع لها ويتنسك ، فذلك قدره في الخليقة ، إذ الشريف يستنكف أن يخضع لمخلوق مثله فلا يرضى إلا الخضوع للإله الحق ، وذلك ما قد أجمع عليه العقلاء أيضا ، إلا من كابر فجحد أو كان مريضا يسفسط ، فوجب التفتيش طلبا لهذا الإله ، فهو الحق القديم الذي عنه خَرَجَ الحق في التكوين والتشريع ، ووجب النظر في المقالات ، والمسدَّد من عقل وَهُدِيَ فَنَظَرَ في المقالات وحيا أو وضعا فماز من يستحق التأله ممن لا يستحق ، فَلَهُ من مقدمات الضرورات العقلية ما به يدرك الإله الحق ، وإن إدراكا مجملا يفتقر إلى بيان ، وبذا جاءت الرسالات ، فقد جاءت ، كما تقدم ، بأعظم المنن والعطايا إذ صدقت ما قد أُجْمِلَ من فطرة التأله الأولى ، فَاطْمَأَنَّتْ بِهَا النَّفْسُ ، وَفَصَّلَتْ من أخبارها وأحكامها ما به عمران الباطن والظاهر ، فجاءت بالخبر الصادق يعمر الجنان ، فكان من توحيد الخبر ما قد أبان عن كمال الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، وكان من توحيد العمل ما قد عَمَرَ اللسان ذكرا والأركان فعلا ، فاستغرق ماهية التكليف جميعا ، واستغرق محال التكليف جميعا ، ما خص وما عم ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، فطرة أولى ، فطرة الضرورة التي تُحَسِّنُ القيم والمبادئ الشريفة ، فَتُحَسِّنُ خاصة التأله لإله كامل يَرُبُّ الخلق بعطاياه الكونية والشرعية ، وتحسن العدل والإحسان والحرية ...... إلخ من القيم الأخلاقية الشريفة التي أجمع العقلاء على حسنها ، وذلك ، أيضا ، مما لا يخلو من إجمال يفتقر إلى بيان إذ العقول وإن أدركت حسن الأجناس العامة من العدل والحرية ...... إلج ، إلا أنها تختلف في آحادها في الخارج ، فلا بد من مرجع من خارج يحكم بين العقول حال اختلفت فلا تخلو من الحظوظ أهواء وأذواقا ، فلا بد من مرجع من خارجها قد بَرِئَ من قوادحها ، فليس ذلك إلا كتاب رسالة منزل من إله حق يهيمن ، فذلك الحق القديم ، كما تقدم ، فكلمات هذا الكتاب هي محدث آخر غير مخلوق ، وإن كان تأويله في الخارج مخلوقا بالنظر في أفعال المكلف تصديقا وامتثالا .

    فَثَمَّ من جنس المحدَث ، كما تقدم ، ثَمَّ محدث غير مخلوق وهو آحاد الكلمات الإلهية ، الشرعية والكونية وإن كانت أنواعها قديمة أزلية ، فهي الحق القديم ، وَثَمَّ المحدَث المخلوق من أفعال المخلوقات الاضطرارية والتكليفية ، وهي آثار لمحدثات أخرى تَتَقَدَّمُهَا وهي الكلمات الكونية النافذة ، فَبِهَا حركات الاضطرار فحركات الجسد الباطنة نَبْضًا وَحَرَكَةَ أحشاءٍ وَجَرَياَنَ دماءٍ ..... إلخ ، لا تكون إلا بقدر التكوين النافذ ، وهو مما يدخل في عموم الأشياء في الآية : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، وأما أفعال التكليف الاختيارية فهي مما يتناولها الجنسان : كلم التشريع أمرا ونهيا فهو الأسباب التي أُمِرَ المكلف أن يباشرها ، وهو ما يجاوز أسباب التشريع إلى أسباب التكوين ، فثم أمر شرعي أن يباشرها المكلف كما أسباب التشريع ، فكان الأمر بالأكل والشرب أن : (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) ، فلا يخلو من إباحة بها يظهر معنى المنة ، ولا يخلو من إرشاد وتحذير يحول دون التنطع والتكلف ، فضلا عن إيجاب بالنظر في الجنس العام فإن الامتناع عن المطعوم والمشروب وسائر أسباب الحياة يُفْضِي إلى الموت والمرض والضعف والتقاعس أن يَنْهَضَ المكلف بأعباء الحياة الشرعية أو الكونية ، فإن الطعام والشراب مما يجري مجرى الوسائل فَلَهَا أحكام المقاصد ، فلا تخلو مباشرتها أن تجري عليها قسمة التكليف إيجابا أو ندبا أو تحريما أو كراهة ، فذلك فعل جبلة لا يخلو من حكمة في الشرعة ، فضلا عن قدر التكوين فلا يقع الفعل إلا بإذن الرب الخالق ، جل وعلا ، سواء أكان فعل شرعة أم فعل جبلة ، فكل أولئك مما يدخل في عموم الشيء في قول الرب جل وعلا : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، فهو خالق الأفعال الجبلية : الاختيارية كالأكل والشرب ، والاضطرارية كحركة الأحشاء ونشوز العظم ونبات اللحم ، وهو خالق الأفعال الشرعية التي تقوم بالذات المكلفة من صلاة وصيام ...... إلخ ، وهي ، من وجه آخر ، ما به تأويل كلمات الحق الشرعية ، فكما أن الفعل يخلق بكلمة تكوين ، فالنسك يفرض بكلمة تشريع ، وهو ما يُجَاوِزُ ، من وجه ، كلمات التكليف المباشر بأقوال وأعمال يظهر فيها معنى التعبد ، فثم من الأعمال ما ظاهره العادة وغايته العبادة ، فيكون من تجريد القصد والباعث ما به رِضَى الخالق ، جل وعلا ، فالمحدَث ، كما تَقَدَّمَ ، محدَث غير مخلوق مِنْ أقوال وأفعال تقوم بالذات الإلهية ، وآخر مخلوق يقوم بالذوات المخلوقة سواء أكان اضطراريا أم اختياريا ، جبليا أم تكليفيا ، وذلك ما يكون بالكلمة الكونية النافذة ، وهي ما حُدَّ حَدَّ الإطناب في قوله تعالى : (أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فثم مصدرية في "أَنْ" وما دخلت عليه من العامل المضارع "يقولَ" : تأويلها الاسم المفرد وهو القول ، فتقدير الكلام : أمر الله ، جل وعلا ، هو القول الكوني ، ولا تخلو المضارعة في "يقول" من استحضار للصورة ، وديمومة تستغرق الزمن المستقبل ، فلا زالت أقدار التكوين تَتْرَى ، فكلمة التكوين كن تأويلها أن يكون الشيء المقدَّر ، فكان من المضارعة ما استحضرت به الصورة ، وكل أولئك من الحق القديم بالنظر في نوعه ، وإن حدثت آحاده ، فالحق منه الكوني النافذ ، جنسا تحته أنواع ، فمنه الجلال ومنه الجمال ، ومنه الرخاء ومنه الشدة ، ومنه الفرح ومنه الحزن ، وتحت الأنواع آحاد ، بها تدبير الكون في كل حركة أو سكنة ، فقدم نوعه وحدثت آحاده ، وكذلك الشأن في الحق الشرعي الحاكم ، فيكون من آحاد الحق الشرعي كلمات الخبر وتأويلها التصديق ، وكلمات الحكم وتأويلها الامتثال ، وهو ، أيضا ، من القديم المسطور في لوح التقدير ، فكلمات الرسالة الخبرية والإنشائية قديمة تَنَزَّلَتْ تَتْرَى على قلوب الأنبياء ، عليهم السلام ، فحدثت آحادها منجمَّة ، كلمة بعد أخرى ، خبرية أو إنشائية ، كما الرسالات التي بعثت واحدة بعد أخرى ، وآحادها أخبارا وأحكاما مما تَنَزَّلَ نجوما تترى ، على خلاف مشهور أكانت تلك خاصة الرسالة الخاتمة فغيرها قد نَزَلَ جملة ، أم كان وصفا قد استغرق الرسالات جميعا ، فكلها مما نزلت أخباره وأحكامه منجَّمة ، فالحق كله ، كونا وشرعا ، الحق كله قديم بالنظر في ثبوته أزلا في العلم الأول المحيط ، علم الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فهو معدن الحق القديم الذي أشاد به عمر في وصايته لأبي موسى في رسالته المشهورة : "لَا يَمْنَعُكُ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بِالْأَمْسِ رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ" ، فذلك نهي مؤكد بالنون المثقَّلة في "يَمْنَعَنَّكَ" فلا يخلو من إلزام بالنظر في منصب الولاية العامة ، فما دونها من الولايات يدخل تحتها لا دخول الخضوع المطلق كما الحال في حكومات الاستبداد والتحكم سواء انتحلت الرسالة وهي من الظلم والقمع بَرَاءٌ أو كانت نِسْبَتُهَا ، بادي الرأي ، نسبة أرضية محدَثة ، فالولاية في الحكم الرسالي الراشد ولاية عدل رائدها الوحي ، فوحده من يخضع له الجميع ، مَنْ وَلِيَ ولاية عظمى ومن كان تحته ، فولاية القضاء من ولايات الحكم ، وإن كان لها ، من وجه آخر ، استقلال فلا تخضع لولاية السياسة والحرب إن كان ثم عدل فضلا أن يكون ثم وحي فهو معدن العدل المطلق الذي لا يستجيز النسبية الأخلاقية التي يَرَاهَا الناظر في أعصار غابت فيها الرسالة فلا سلطان لها في الأرض ، وإن بقي من آثارها ما به قيام الحجة بصحيح الملة ، فيكون من استقلال القاضي ما به يأمن الخصوم ، فلا يخضع لسلطانٍ مِنْ خارج ، وإن وَلِيَ الأمر بتفويض منه ، فما ولي إلا بالشرط أن يَكُونَ له من الولاية ما بِهِ يأمن فلا يخاف ، وذلك مقصد رئيس من مقاصد الرسالة فلا يَظْهَرُ العدل وَيَعُمُّ إلا أن تكون السيادة للرسالة والحكومة للوحي فهو حكم من خارج قد تجرد من الأهواء والحظوظ ، فجاء يهدي ويرشد بأخبار الصدق وجاء يقضي ويفصل بأحكام العدل ، وهو ما يوجب التحري في الخصومات ، فتأويل الأحكام الشرعية ما يجري القاضي من الأحكام ، وليس بعالم للسرائر ، بل لا يحكم بعلمه على الراجح ، وإنما يحكم بما حصل له من القرائن المرجِّحَةِ ، فيجتهد في إعمالها أو إهمالها ، ويجتهد في تحرير مناط الحكم ، ويجتهد في تحقيقه في النازلة محل الخصومة ، فيحكم بما غلب على الظن وهو مجموع مركب من استنباط العلة وتحري الحكمة واستجماع القرائن المحتفة والعزيمة على الرشد فيتجرد القاضي في تحقيق الحكم ، فإن اجتهد فاستبان خطؤه فهو يرجع ويراجع الحق ، كما أثر عن عمر ، فـ : "لَا يَمْنَعُكُ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بِالْأَمْسِ رَاجَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ" ، فَنَهَى نَهْيَ الإرشاد ولا يخلو من دلالة الإلزام بما له من ولاية عامة فَيُطَاعُ في الحق فكان من النهي ما أُكِّدَ بالنون المثقلة ، كما تقدم ، وكان من الإطناب ما به الاستدراك في القضاء بما يوجب نقض السابق إذا استبان للقاضي من وجوه الحق أو قَرَائِنِ الحال ما كان يخفى فهو كالمجتهد الذي يصيب ويخطئ فيجتهد في جمع الأدلة ودرك الدلالات فاجتهاده في اللفظ والمعنى وما يحتف من القرائن التي تُرَجِّحُ وجها على آخر حال الإجمال أو الاشتراك ، وكذلك القاضي فهو يجتهد في النازلة محل الخصومة ، فكلاهما إن بذل الجهد واستفرغ الوسع فقد خرج من عهدة الإثم وَثَبَتَ له من الأجر ما يتفاوت فَلِلْمُصِيبِ اثْنَانِ وللمخطئ واحد .
    وثم من الإيجاز بالحذف والإيصال ، وهو من الحذف القياسي في اللسان العربي ، فتقدير الكلام : لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس من أن تراجع الحق ، فحذفت "مِنْ" ، ولا يخلو السياق من إطناب بالمصدرية ، فتأويل "أن" وما دخلت عليه من فعل المراجعة "تراجع" ، تأويلهما : تأويل المصدر ، على تقدير : مراجعة الحق ، فلا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس من مراجعة الحق ، فكان من الإطناب في المبنى ما يحكي آخر في المعنى وذلك آكد في تَقْرِيرِهِ وَتَوْكِيدِهِ ، والتقييد بالأمس يجري مجرى التغليب فلا مفهوم له فلا يقتصر على الأمس المتبادر وإنما يستغرق كل حكم مَضَى ، بالأمس القريب أو نظيره البعيد ، فالحق ، كما قال عمر ، قديم ، فهو مما ثبت في الأزل إن حق التشريع في الأحكام أو حق التكوين في الإيجاد والإعدام وسائر الأقوال والأعمال اختيارا يناط به التكليف أو اضطرارا لا يجري فيه قلم التشريع ، فكان من نقض الحكم المتقدم إذا استبان خطؤه فذلك كما قال عمر خير من التمادي في الباطل ، فـ : "مُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ" ، فَثَمَّ من المقابلة بين الشطرين وطباق الإيجاب بين الألفاظ : مراجعة وتماديا ، حقا وباطلا ، ثم منهما ما يزيد المعنى تقريرا وتوكيدا إذ بضدها تتمايز الأشياء ، فإقرار القاضي بالخطإ وإن ظهر ، بادي الرأي ، أنه يحط من درجته وينتقص من مهارته ، إقراره بالخطإ خير من التمادي في الباطل ، وإنما يحول بينه وبين الإقرار والرجوع ، الكبر وهو من أعظم الخذلان أو الرغب في عطية أو الرهب من سلطان جائر ، فحسبه أن يزول ويغادر فلا يشهد منكرا إذا لم يطق الإنكار ، فضلا أن يكون هو الأداة في الإجراء والإنفاذ فيتحمل من العار أبد الدهر ، وموعد الحساب والجزاء أدهى وأمر ، ودلالة التفضيل في السياق مما نزعت دلالته فإنه لا خير في التمادي في الباطل مطلقا ، وإن نجا صاحبه في الحال القريب فلا يزال الله ، جل وعلا ، يجري عليه من العقاب ما قد يخفى ، فآيات الذل والشؤم لا تفارق وجهه وإن نُعِّمَ في العيش فذل المعصية وألم الصغار وإن خَفِيَ فلا يسلم منه ظالم حاكما كان أو قاضيا أو جلادا ، فلكلٍّ من الشؤم والذل قسط يعدل ما قارف وذلك قضاء العدل الناجز ، وما كان من قصاص في الأولى فهو مقصد رئيس من مقاصد التشريع ، وَإِنْ لَمْ يقع في كل نَازِلَةٍ فلا يوافق قدر التكوين في مواضع ، فليس على المكلف إلا السعي في أسبابه بلاغا به تقام الحجة ، وأخذا به إن كان ثم مكنة ، فذلك تكليف عام بالنظر في المعنى الأعم أَنْ يحصل من صورة الجمع ما يُعَظِّمُ الحقوق ويتحرى العدل فينصف المظلوم ويرد إليه ما استلب ، ويقتص من الظالم فلا يكون ذلك بداهة بآحاد لا شوكة لهم أو في أعصار قد عمت فيها الغفلة فضرب الذل عقابا ناجزا واستحق الجمع المهانة فلا يقدس الله ، جل وعلا ، أمة لا يُنْتَصَفُ فيها لمظلوم فالناس بين ظالم أو غافل فضلا عن العاجز وإن لم يخل كلٌّ من تكليف بما يطيق ولو كلمة نصح وإرشاد إن كان يُرْجَى من المخاطَب هدى ورجوع وإلا فوضعها في محل ناقص يجافي عن قياس الحكمة ، فهي تقضي أن يوضع الشيء في المحل القابل لآثاره ، فليس حال الغفلة والعجز إلا التفتيش طَلَبًا لمعذرة إلى الرب ، جل وعلا ، وهو ما يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لتفاوت الحال فلكلٍّ من التكليف ما يُوَاطِئُ القدرة ، وليس من الحكمة أن يحرق العاقل نفسه ليهدي أعمى لا يبصر فآلة الإدراك فاسدة فلا تَنْفَعُهَا مباشرة السبب ولو نَفَعَتْ غيرها من المحال الصحيحة ، وذلك أمر يفتقر إلى النظر فالعاقل يَنْظُرُ من يُخَاطِبُ ، أينفعه النصح ابتداء ، وبأي لسان ينصح فلا يتكلف من الألفاظ ما لا تدركه الفهوم ، ومن يقدر ومن يعجز ، فلا يخاطب العاجز بما لا يطيق ، فضلا أن يكون هو أحد العاجزين فلا يخاطبهم بما لا يطيق تأويله فيكون ممن يقول ولا يعمل ، فيذم ولا يمدح .
    فكان من الرجوع إلى الحق القديم ما هو معدن الخير ، كما في وصاية عمر ، فـ : "مُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ" ، وذلك ما حده أهل العلم بما خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا أو ظهر من الأسباب الفاسدة ما يوجب نقضه كشهاد زور أو نحوه خلاف ما كان من اجتهاد في مواضع الظن فليس ثم دليل قطع يوجب النقض ، فذلك ما يَجْرِي فلا يُنْقَضُ كما يضرب المثل باجتهاد الخلفاء الأربعة ، رضي الله عنهم ، فقد اجتهدوا في مواضع الاجتهاد السائغ فاختلفوا ولم يبطل الخلف منهم اجتهاد السلف ، فكان من الرجوع إلى الحق في هذا الباب ما هو مناط السلامة والنجاة ، وهو ما قد أبان عنه عمر بما قد حُدَّ حَدَّ التوكيد : "فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ" ، فلا يخلو من دلالة تعليل ، فلا تخلو الفاء من دلالة السببية فضلا عن الفور والتعقيب إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، وهو ما يجري ، من وجه ، مجرى الجواب عن سؤال قد حُذِفَ ابتداء لدلالة السياق عليه اقتضاء ، فما العلة فيما تقدم من النهي ألا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس فاستبان خطؤه أن تراجع الحق ؟! ، فكان الجواب على حد التوكيد ولا يخلو من دلالة التعليل فإن الحق قديم وهو ، ما استغرق ، كما تقدم ، حق التشريع الحاكم وحق التكوين النافذ ، وبعده كان الإطناب بتوكيد آخر يجري مجرى العلة الثانية : "وَإِنَّ الْحَقَّ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ" ، ولا يخلو من إطناب إذ أظهر في موضع الإطناب فقياس الكلام أن يقال : وإنه لا يبطله شيء فقد تقدم ذكره قريبا فأظهره تقريرا وتوكيدا للمعنى ، وقد أطنب في الإخبار بالجملة "لا يبطله شيء" ، ولا يخلو عامل الإبطال "يبطله" من طباق إيجاب مع الحق وهو أيضا مما به يستبين المعنى تمايزا بين الأضداد ولا يخلو الخبر من عموم فدلالة "شيء" في سياق النفي مئنة من العموم ، كما قرر أهل الشأن ، فالحق هو الأصل فكيف يبطله غيره ، فهو الثابت وما دونه فهو يحول وَيَتَغَيَّرُ فقياس العقل أن يحكم الثابت فِي المتغير ، فلا ينسخ الفرعُ أصلًا ، ولا يُذْهِبُ الباطل حقا ، بل الحق هو الغالب والباطل وإن طال زمانه فمآله أن يذهب ويزهق ، فـ : (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 13-07-2019 في 03:16 PM

  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:19-08-2019
    الساعة:06:42 AM

    المشاركات
    4,860
    العمر
    41

    ومن الوصاية في نفس الأثر : "ثُمَّ الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا أَدْلَى إِلَيْكَ مِمَّا وَرَدَ عَلَيْكَ مِمَّا لَيْسَ فِي قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، قَايِسْ بَيْنَ الْأُمُورِ عِنْدَ ذَلِكَ، وَاعْرِفِ الْأَمْثَالَ، ثُمَّ اعْمَدْ فِيمَا تَرَى إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ، وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ" :

    فكان من الخبر ما يراد به الإنشاء ، فإن تأويل الخبر : افهم وتدبر فلا تتعجل في الحكم حتى يحصل التصور التام أو الغالب ، فإن الحكم على الشيء فرع على تصوره ، والفهم ، لو تدبر الناظر ، أمر يجاوز ما قد يتبادر من القياس الاصطلاحي في علم الأصول الذي يقاس فيه الفرع غير المنصوص على أصل منصوص لمعنى جامع اصطلح أنه العلة أو السبب ، فالفهم يستغرق سائر أجناس الاجتهاد والرأي ، وهو ما اشترط فيه العلم والفقه الذي يجاوز فقه الأحكام إلى فقه القرائن التي تحتف بكل واقعة ، فذلك ما يُدْخِلُ العرف والعادة في حد الاجتهاد فإنه يستغرق عمل العقل في تدبر المعاني والقرائن ، وهو ما يجاوز استنباط العلة الاصطلاحية إن بالتخريج سبرا وتقسيما أو التنقيح ، فثم فقه آخر الناسُ فيه بين الإفراط والتفريط ، فإن اعتبار العرف والعادة أمر قد تقرر وإن لم يخل من خلاف ، فقد اشترط فيه ألا يُخِلَّ بالنص أو المقصد ، فلا يعارض نصوص الشريعة ولا يُخِلُّ بمقاصدها ، فإن هذا العرف قد اشترط فيه ألا يخالف عن نص ، فإن خالف عنه فهو كالقياس في مقابل النص فهو فاسد الاعتبار ، فكل ما خالف من أجناس الاجتهاد : القياس والاستحسان والمصلحة والعرف وسد الذريعة ...... إلخ ، فكل ما خالف منها عن النص أو الإجماع فهو فاسد الاعتبار ، وإن قال بعض أهل الشأن أن العرف العام في نفسه يصلح معارضا للنص لا أنه يبطله أو ينسخه ، وإنما يخصصه كأي دليل مخصص سواء أكان نصا أو قياسا فكما جاز تخصيص النص العام بالقياس فكذا العرف إن كان عاما غالبا قد اطرد ، فضلا عما اشترط في العرف العام الذي يصلح دليل تخصيص ، فضلا عما اشترط فيه أن يكون مؤسسا على دليل أو أصل شرعي معتبر كما يضرب المثل بعقد الاستصناع ، فإنه يؤسس على أصل قد اطرد في مسلك الشريعة المحكمة فجاءت به النصوص المنزلة ، وهو رفع الحرج ، فهو أصل محكم قد اجتمع له دليل النقل ، كما في قوله تعالى : (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) ، فثم عموم قد أكد ، فدلالة "مِنْ" دلالة التنصيص على العموم ، فهي مما يرفع العام الظني الذي يحتمل التخصيص إلى العام القطعي المحفوظ فلا يحتمل التخصيص ، وهو خبر يفيد الإنشاء على تقدير : ارفعوا الحرج ولا تتنطعوا فمآل التنطع والتكلف هو الانقطاع ، فلا تَتَجَشَّمُوا المشقة بلا مسوغ يعتبر ولا تجعلوها مقصدا ، فهي مما يطرأ عرضا ، ولا تُجَشِّمُوهَا غيركم فَتُنَفِّرُوا الناس من الحق ، فكل أولئك من دلائل الإنشاء الذي دل عليه الخبر ، فرفع الحرج ، كما تقدم ، أصل محكم قد شهد له النقل ، وشهد له العقل فهو معنى تحمده النفوس السليمة والطبائع السوية ، وشهد له استقراء فروع الفقه نصا أو اجتهادا ، فاستنبط منها هذا الأصل الجامع ، فإذا استند العرف العام إلى هذا الأصل فهو دليل يصح تخصيص العام به ، فَضُرِبَ المثل بعقد الاستصناع ، فهو مما جرى العمل به عرفا عاما وهو مع ذلك مما يعارض نصا يَنْهَى عن بيع المعدوم ، فكان من رفع الحرج ما خَصَّصَ هذا العموم ، وثم من طرد الباب فالعام محفوظ لم يدخله التخصيص بالعرف ، فإن النهي في الخبر ، خبر النهي عن بيع ما ليس عندك ، ينصرف إلى العين لا الموصوف في الذمة ، فَالسَّلَمُ والاستصناع كليهما بَيْعُ موصوفٍ في الذمة لا معدوم ، فَثَمَّ من فساد الاعتبار ما يخالف عن الفهم الذي ذكر عمر في سياق الخبر ، فكرره وتكراره ، كما يقول أهل اللسان ، يجري مجرى النصب على الإغراء أن الزم الفهم فتكرار المعمول ينوب عن ذكر العامل ، فتأويله : الزم الفهم ، فحذف العامل ومحله أن يتقدم ، فدل المذكور المتأخر من المعمول الذي تكرر ، دل على المحذوف المتقدم وهو العامل ، وذلك مما يجوز في اللسان فيواطئ قانونه وإن خلاف الأولى الذي اشتهر ، فالأصل أن يدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر لا عكسه إذ ذكره متقدما يجري مجرى العهد الذكري فلما ذُكِرَ اسْتَقَرَّ في ذهن السامع وصار قرينة تدل على المتأخر ، فكان من دلالة "أل" في "الفهم" ما يجري مجرى البيان لجنس المدخول ، فضلا عن دلالة استغراق لجميع أنواعه وآحاده في الخارج ، فتستغرق الأدلة الكلية ذات الأصل العقلي التي تَتَّسِعُ فيها دائرة النظر والاجتهاد ما لا تتسع في الأدلة النقلية كالكتاب والسنة والإجماع وشرع من قبلنا وقول الصحابي فكلها أدلة نقلية ، وإن كان للاجتهاد فيها مسلك فهو في إثبات صحة النقل فيما سوى المتواتر من آي الكتاب العزيز ويسير من السنة ، فلا يفتش الناظر في ثبوتها إذ ذلك ما قد ثبت ضرورة ، فهو من العلم الضروري الذي يفيد القطع والجزم فلا يفتش في ثبوته فقد ثبت من طرق متكاثرة يعضد بعضها بعضا فتفيد بالمجموع تواترا يجاوز حد الصحة الآحادية في الاصطلاح المتأخر ، فثم من قرائن الطرق المتكاثرة ما ارتقى بالآحاد الصحيح ظني الدلالة على جهة الرجحان الذي يوجب الأخذ به في كل مسائل الديانة فلا يشترط فيها القطع الجازم وإلا تعطلت أغلب أبواب الشريعة أحكاما أو أخبارا ، فثم من القرائن حَالَ التواتر ما ارتقى بهذا الآحاد الظني من رتبة الظني الراجح إلى القطعي الجازم ، جزم الضرورة لا جزم النظر ، فثم قرائن أخرى قد تحتف بالخبر فتبلغ به حد العلم ولكنه دون الضروري ، فثم آخر نظري يستفاد بالنظر في القرائن المحتفة بالخبر ، وثم آخر اصطلح أنه علم الطمأنينة ، وهو ما يفيد الخبر المشهور الذي تَوَاتَرَ فيما علا طبقة الصحابي الذي تحمل الخبر عن صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكان من الاجتهاد في الأدلة الكلية النقلية آنفة الذكر ما يدخل في حد "الفهم" ، فدلالة "أل" تستغرق فهم اللفظ المنطوق وما يدل عليه من معنى وما سلك الناظر في دركه من مسالك النظر نصا أو ظاهرا أو مفسرا أو محكما ...... إلخ ، وتستغرق فهم دقائق الرواية اجتهادا في الحكم على ما سوى المتواتر من آحاد النقولات سواء أكانت من المرفوع أم الموقوف أم المقطوع أم آثارٍ من شَرْعِ مَنْ تَقَدَّمَ أم إجماعات لا تثبت بالظن أو التشهي وإنما تفتقر إلى نص أو ما يضاهيه من الاستقراء التام الذي لا يَتَيَسَّرُ انضباطه في كل عصر ، لا جرم كان من احتراز المحققين كأحمد ، رحمه الله ، أن لم يقطع بإجماع وإنما قَصَرَ القول على انتفاء العلم بالمخالف ، وكذا صنع بعض من حقق فصنف في هذا الباب ، باب الإجماع ، فنقل من الإجماعات ما لا يخلو من نظر ونقد ، فقد احترز صدر كلامه أن قَصَرَ الإجماع على مَنْ لقي مِنَ الحفاظ فَتَحَمَّلَ عنهم من القول ما اتفق ، ولم يَلْقَ بداهةً كل عالم في زمانه ، فكانت حكايته الإجماعَ بما بَلَغَهُ من الأقوال ، فلم يطلق القول إذ تلك دعوى عظيمة لا تَتَيَسَّرُ في كل جيل وإن كان وقوعها في النظر جائزا ، وإنما الخلاف ، كما يقول أهل الشأن ، في وقوعها بالفعل ، وذلك ، بداهة ، مما يمتاز من قول آخر ينكر الإجماع مطلقا فلا يجوز وقوعه ولو في النظر قبل التفتيش في وقوعه بالفعل ، فالإجماع ، وهو محل شاهد تقدم ، لا يخلو أن يكون دليلا يعلم بالنقل فلا بد من الاجتهاد في تحريره وتمييز قَطْعِيِّهِ من ظَنِّيِّهِ ، ولا بد من اجتهاد آخر في تحرير مستنده ، على خلاف مشهور أيصح له من المستند ما سوى النص كتابا وسنة ، فيكون منه ما يستند إلى قياس أو مصلحة ..... إلخ ، فثم اجتهاد لا تخلو منه هذه الأدلة الكلية في الأصول وإن كانت مما يعلم بالنقل ، فتحرير صحته مما يفتقر إلى اجتهاد ، فالحكم على خبر أنه صحيح أو حسن ، أو مناط احتجاج ولو ضَعُفَ بما يحتف به من قرائن لا تعلم إلا بجمع طرق الباب ، فإذا كان ثم شاهد معتبر فإنه مما يصلح عضدا به يَتَقَوَّى الضعيفُ الذي لم يشتد ضعفه فهو من المحتمل الذي يعتضد بالشواهد فَيَرْقَى إلى درجة الاحتجاج وإن أدناه ، فالاحتجاج كسائر المعاني والأجناس الكلية مما تَتَفَاوَتُ درجاته فبعضه فوق بعض وذلك ما يفيد حال الترجيح بين الأدلة الصحيحة في الباب إن تعذر الجمع ولم يُعْلَمْ مُتَقَدِّمٌ من مُتَأَخِّرٍ ليجوز المصير إلى النسخ فليس ثم إلا الترجيح ، وهو ، أيضا ، مما يدخل في حد "الفهم" في أثر عمر آنف الذكر ، فهو مما يحصل بإعمال النظر في وجوه الترجيح ومنها ما يكون في النقل والرواية للمباني كما أن منها ما يكون في العقل والدراية للمعاني ، فمنه الترجيح بين الطرق ، ومنه الترجيح بين الرتب ، فالصحيح يرجح الحسن ، والصحيح الذي شهد راويه الواقعة يقدم على الصحيح الذي يُرْوَى بواسطة ، والصحيح الذي يَرْوِيهِ صاحب القصة يقدم على ما يَرْوِيهِ غيره ، والصحيح الذي يرويه الشيخان معا يقدم على ما انفرد به أحدهما ، والصحيح فيهما يقدم على الصحيح في غيرهما وذلك ، كما يقول أهل النظر ، أمر أغلبي لا كلي ، فهو يصح بالنظر في المجموع لا الجميع ، فيجري مجرى التفاضل بين الأجناس العامة فلا يستلزم ذلك التفاضل بالنظر في الآحاد جميعا ، بل قد وُجِدَ بالاستقراء آحادٌ من الأخبار ، ولو قَلَّتْ ، مما روي في غير الصحيحين ، وهو مما يَرْجُحُ روايتهما ، فَيُرْوَى من طريق أصح ، فالتفاضل في هذه الحال بين صحيح وأصح وهو مما يصح الاستدراك به على الشيخين أن نَزَلَا عن شرطهما الذي اشترطاه والذي علم بالاستقراء ، فاشترطا الرتبة العليا من الصحة فَفَاتَهُمَا الشرط في مواضع انْتُقِدَتْ إذ رَوَيَا ما نَزَلَ عن هذه الدرجة ، وإن لم ينزل عن درجة الصحة إلا في مواضع يسيرة فَاتَهَا الإجماع الذي عُلِمَ ، أيضا ، بالاستقراء ، فإنه لم يثبت دعوى بلا أصل يجازف فيها من يجازف من الغلاة بلا دليل يشهد ، بل قد علم ذلك إذ تُلِقِّيَ بالإجماع طباقا عن آخر ، فَكُلٌّ قد فَتَّشَ ونظر فيما حصل له من الطرق ، فتضافرت أبحاث القوم وهي اجتهادات تفيد الظن ، فتضافرت ظنا إلى آخر إلى ثالث إلى رابع ..... إلخ ، فهي كالطرق المتكاثرة في المتواتر ، فتفيد بمجموعها ما لا تفيد بآحادها ، فَتَرْقَى من رتبة الظن إلى رتبة العلم ، وإن نظريا يدرك بالاستقراء فلا يثبت بادي الرأي كما العلم الضروري الذي لا يفتقر إلى استدلال أو نظر ، فكان من نظر المجتهدين في أخبار الصحيحين ، وهو ، أيضا ، مما يدخل في حد "أل" في "الفهم" ، فكان من نظرهم أَبَلَغَ الخبر ما اشترط الشيخان فلا استدراك أم لم يَبْلُغْ فهو مما يستدرك بالاستقراء والتتبع وذلك ، أيضا ، من وجوه الفهم الصريح ، فيكون الاستقراء حتى يحصل علم قاطع أو ظن راجح يورث النفس طمأنينة تجزئ في إطلاق الحكم ، فكان من القرائن ما تضافر في نظر المتقدمين إذ اطلعوا على طرق لم تَتَيَسَّرْ للمتأخرين فالمتقدمون هم من باشر الرواية ورحل في طلب الطرق ، فكان له من المباشرة ما لم يكن للمتأخرين وإن دُوِّنَتْ في أعصارهم الروايات فجمعت في مصنفات يسيرت لمن طالعها البحث فقد كفته مؤنة الرحلة في الأمصار فصار يرحل في الصحف والأورواق والأجزاء والخزائن لعله يظفر بطريق فيها من الزيادة ما يَنْفَعُ إن في الإسناد أو في المتن ، كتصريح يرفع احتمال التدليس في طريق معنعنة لم يصرح فيها رَاوٍ عُرِفَ بالتدليس ، لم يصرح بالتحديث فوجب التوقف في روايته فهو ، أيضا ، من الضعيف المحتمل الذي يفتقر إلى شاهد يعضد ، فإذا شهد له غيره ولو آخر محتملا مثله فهو يَرْقَى إلى درجة الحسن ، ولو لغيره ، فهو دون الحسن لذاته ، فكل أولئك مما يعلم بالبحث والاستقراء وهو مما تفاوت فالمتقدمون لهم من ذلك حظ أوفر بما باشروا من طرق الخبر رحلةً وروايةً ، فكان لاستقرائهم أخبار الصحيحين ما يجعل تلقيهم إياها بالقبول بلا استدراك ، ولو سكوتا ، فذلك يجري ، من وجه ، مجرى الإجماع السكوتي الذي يفيد الظن الراجح فهو حجة عند بعض الأصوليين ، وما يجري من آخر مجرى التواتر فهو إجماع على العمل بالخبر وإجماع أنه قد استوفى شرائط الصحة العليا التي اشترطها الشيخان ، ولو لم ينطق القوم ، فإنهم لما تَتَبَّعُوا وَأَلْزَمُوا فاستدركوا في مواضع ، فتلك قرينة تدل بالمفهوم أن ما سكتوا عنه فقد قتلوه بحثا فاستبانت لهم صحته صحة الشرط الأعلى فجاوز ما سواه من الآحاد ، فكان ذلك مما تَأَيَّدَ بإجماعِ المتقدمين على تَلَقِّيهِ بالقبول على خلاف أيجزئ ذلك أن يفيد العلم النظري وهو ما رَجَّحَ كثير من أهل الشأن أم لا يفيد فلا يعمل عمل القرائن المحتفة التي تَرْقَى بالظني إلى درجة القطعي ولو نظريا لا ضروريا لا يفتقر إلى نظر أو استدلال .
    فكان من تفاوت أخبار الصحيحين إن في نفسها فَثَمَّ قدر يسير قد فاته الإجماع فهو مما استدرك سواء أكان الاستدراك فيه نزولا عن الشرط الأعلى شرط الأصح إلى آخر دونه لا ينحط عن درجة الاحتجاج المعتبر صحيحا أو حسنا أو ضعيفا قد تَقَوَّى بغيره على وجه معتبر يجزئ فَبَلَغَ رتبة الاحتجاج فهو الحسن لغيره ، فضلا عن آحاد أقل قد تَبَيَّنَ فيها من العلة ما يقدح وإن كان أكثرها في شواهد تَتَأَخَّرُ فلا يُصَدَّرُ بها الباب ، فثم آحاد لم تَخْلُ من نَقْدٍ لا يصح الاحتجاج به للطعن في بقية الصحيح فجمهوره قد استوفى شرط الشيخين ، وإنما هو أمر يجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها فضلا أنه لا يقبل إلا من عالم بالشأن لا مشكِّك في الباب لا مُسْتَنَدَ له إلا الدعوى العريضة المجملة فيثير بها شبهة بلا دليل معين يشهد لدعواه في محل التشكيك ، فليس إلا دعوى مجملة تفتقر إلى دليل في محل النزاع فيجزئ في ردها دعوى مثلها بضد ما ادعت إذ لا دليل مع أَيٍّ ، فَتَعَارَضَا وَتَسَاقَطَا ، فضلا أن يقيم المخالف دليلا يَنْقُضُ هذه الدعوى المجملة التي تثير الشبهة فقد صدرت من جاهل بالرواية لم تخل الحال من قَرَائِنَ تُبِينُ عن سوء قصده فليس يروم طلب الحق في نفس الأمر ، فليس ذلك ، بداهة ، ممن يُؤْبَهُ بقوله فخلافه لا يضر إذ ليس من أهل النظر في الباب ، فلا يقدح خلافه في إجماع قد تقدم ، فالخلاف من عالم بعد انعقاد الإجماع لا يَنْقُضُهُ ، على تفصيل في ذلك ، فكيف إن كان الخلاف من جاهل ليس من أهل الشأن ، فلا يَنْقُضُ الإجماع من باب أولى ، فكل أولئك مما يحصل باجتهاد زائد فهو يجاوز حد النظر ، بادي الرأي ، فهو فهم مدقق يفتقر إلى علم بالأصول واستقراء للفروع ، وذلك ما رجح في مواضع ، كما تقدم ، رواية ما ليس في الصحيحين على رواية ما فيهما ، فالتفضيل ، من هذا الوجه ، تفضيل مجموع لا جميع .
    فَثَمَّ أدلية كلية تَنْدَرِجُ في باب النقل سواء أكانت من المتفق عليه كالكتاب والسنة والإجماع ، فلا عبرة بمن خالف في حجيته ، أَمِّنَ المختلف فيه كقول الصحابي وشرع من تقدم ، وباب الاجتهاد فيها ينصرف ، بادي الرأي ، إلى إثبات صحتها على تَفَاوُتٍ فَبَعْضُهَا أَصَحُّ مِنْ بَعْضٍ ، فيقدم الأصح على الصحيح ، ويقدم المتواتر على الآحاد ، وبعضها مما لا يسلم بصحته ابتداء فهو محل خلاف بالنظر في ثبوته ، فقد يبلغ واحدا من طريق غير صحيحة فيحكم بضعفه ويحصل لآخر من الطريق الصحيحة السالمة من القادح ما لم يطلع عليه الأول ، فيقدم قول الثاني إذ معه زيادة علم تُقْبَلُ فلم يكن تصحيحه الخبر بلا طريق تشهد فهي البينة التي تُرَجِّحُ دعواه على دعوى الأول ، فالأول قد أقام دعوى الضعف استنادا إلى ما قد بلغه من الطريق الضعيفة ، فَقُبِلَتْ دعواه بادي الرأي إذ معه دليل ، فجاء الآخر بدليل يرجح دليل الأول ، إذ اطَّلَعَ على طُرُقٍ لم يطلع عليها فمعه زيادة علم تَرْجُحُ ، فذلك يجري ، من وجه ، مجرى الترجيح بين الأدلة المتعارضة ، وهو ، أيضا ، مما يندرج في عموم "الفهم" في أثر عمر آنف الذكر ، ويقدم الكتاب بالنظر في ثبوته يقدم كله تقديم الجميع لا المجموع على ما سواه من أدلة النقل ، وإن كان بالنظر في دلالة النظر مما قد يرجحه غيره ، كخبر آحاد خاص فهو قطعي الدلالة وإن كان ظني الثبوت ، فيخصص عام كتاب فهو ظني الدلالة وإن كان قطعي الثبوت ، وبعده السنة ، على خلاف أيضا ، فتقديمها تقديم المجموع لا الجميع فإن من أهل العلم من احتج بموقوف الصحابي الصحيح فَقَدَّمَهُ على المرفوع إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إن كان ضعيفا ، فَقُدِّمَتْ بعض الموقوفات على بعض المرفوعات ، فتقديم المرفوع على الموقوف ، من هذا الوجه ، يجري ، أيضا ، مجرى التفاضل بالنظر في الجنس العام أو المجموع لا الجميع ، فليست جميع المرفوعات تُقَدَّمُ على جميع الموقوفات ، بل الصحيح أن يقال إن جميع المرفوعات الصحيحة التي تشهد في محل النِّزَاعِ نصا قاطعا او ظنا راجحا ، إِنَّهَا تُقَدَّمُ على غيرها من الموقوفات ، وإن احتمل الباب وجهَ ترجيح آخر ، كأن يكون الموقوف الصحيح أدل على محل النزاع من مرفوع آخر صحيح ، فَثَمَّ ترجيح بالنظر في المبنى نقلا وفي المعنى عقلا ، وهو ما يحصل فيه التفاوت ، فالآحاد إذا كان خاصا فهو أدل على المعنى من المتواتر إذا كان عاما فدلالة الخاص القطعية تَقْضِي في دلالة العام الظنية ، فالقطعي يقضي في الظني ، وإن كان الأول أضعف في الثبوت ، فالآحاد أضعف من المتواتر ، كما أن المتواتر في نفسه على أنحاء فثم ما تواتر لفظا فالفهم أن يُقَدَّمَ على المتواتر معنى إذا تعارضا ، فالأول نص ، والثاني مما استنبط تخريجا من مواضع عدة ، فكان من الاجتهاد في تخريج المعنى ما يفتقر إلى فهم أشاد به عمر ، وثم فهم آخر وهو الترجيح بين النص والمخرَّج ، فالنص يقدم إذ دلالته آكد فهي يفيد القطع خلاف التخريج فدلالته دلالة الظن ، وكذا المتواتر على أنحاء تتفاوت ، فثم متواتر خاص وآخر عام ، وكذلك الآحاد فهي على أنحاء تتراجح ، إن في النقل غريبا أو عزيزا أو مشهورا لم يبلغ حد التواتر ، أو في الدرجة صحيحا أو حسنا أو ضعيفا ، أو في الدلالة نصا أو ظاهرا .... إلخ ، فكل أولئك مما يدخل في حد "الفهم" ، وهو ما يَعُمُّ ، فثم اجتهاد في الترجيح بين منصوصات ، وثم استنباط لغير المنصوص برده إلى منصوص أخص ، أو رده إلى أصل آخر أعم ، كالمصلحة والعرف والاستحسان فهي أصول تغاير عن القياس الاصطلاحي الأخص ، فدائرة النظر فيها أوسع ، فالمصالح والذرائع ...... إلخ ، لا نص فيها يَتَعَيَّنُ ، فكان الاجتهاد في رَدِّ النازلة إلى مقاصد الشريعة ، وهي جُمَلٌ عامة تَنْدَرِجُ فيها آحاد كَثِيرَةٌ ، فكان "الفهم" في الأثر مما قُيِّدَ فهو مما لا نص فيه من كتاب وسنة ، فالفهم يَقْضِي أن ما نص عليه الوحي فلا اجتهاد فيه برأي ، فكان من القيد ما له مفهوم ، فالمفهوم أن ما ثَمَّ فيه نص من كتاب أو سنة فلا فهم فيه ، إذ الفهم إعمال الرأي ولا رأي مع نَصٍّ ، وإن كان النص يفتقر إلى الفهم ، فإن ثَمَّ فهما آخر أدق ، وهو فهم ألفاظ المنصوص فدلالتها على المعاني تَتَفَاوَتُ ، فَثَمَّ نص في اصطلاح الأصول وهو أخص من اصطلاح النص كتابا أو سنة أو أثرا ، فإن النص في اصطلاح الأصول ما دل على معنى واحد لا يحتمل فهو قطعي الثبوت .
    فكان من الفهم فهو التصور ، ثم المقايسة ، فـ : "قَايِسْ بَيْنَ الْأُمُورِ عِنْدَ ذَلِكَ" ، فالمقايسة تجري مجرى الحكم فبعد التصور يكون الحكم ، فالمقايسة لا تخلو من مفاعلة إذ هي ترجيح بين طرفين ، والمقايسة لا بد لها من معيار محكم به توزن الأمور ، فلا بد من أصول تجري مجرى المقدمات الضرورية في أي استدلال ، فلكلِّ نتيجة نظرية مقدمةٌ أو مقدماتٌ ضرورية ، فإذا اجتمعت المقدمات الضرورية في تسلسل منطقي صريح كان التوسل إلى نَتَائِجَ صريحة ـ، فإن مبنى الاستنباط لمعلوم نظري هو ما تَوَافَرَ من أدلة ومقدمات ، فلا بد من الرجوع إلى قواعد في النقل والعقل ، صحيحة صريحة ، فصحة المبنى وصراحة المعنى ، فكان من تسلسل الأدلة إذ يُبْنَى بعضها على بعض بِنَاءَ الفرع على الأصل ، فَيُلْحَقُ غير المنصوص بالمنصوص ، وَيُلْحَقُ ما جَدَّ من النَّوَازِلِ على ما استقر من المقاصد ، وهو ، لو تدبر الناظر ، أمر يجاوز أحكام الشرع إلى أحكام الكون ، فإن ثم سننا محكما به يدبر الله ، جل وعلا ، الخلق ، وهو أمر يجاوز الإيجاد إلى الإعداد والإمداد بالأسباب سواء أجرت مجرى العادة أم الآية ، فإن لله ، جل علا ، آيات تترى في الكون ، وهي ، لو تدبر الناظر ، مما يجري مجرى الجنس العام ، فثم آي شرعي ، ومنه الخبري ومنه الحكمي ، والخبري منه العادي الذي يواطئ السنن الظاهر المطرد في الكون ، كما في قوله تعالى : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فإن نزول المطر سبب في ربو الأرض وخروج النبت فتلك ، لو تدبر الناظر في دقائق الخلق ، آي محكم يدل على وجود رب مدبر محكِم ، فالمحكَم يدل على المحكِم كما أن المخلوق يدل على الخالق ، والحادث يدل على المحدِث ، فذلك من بدائه الضرورة العقلية التي يَنْتَفِعُ بِهَا الناظر في حصول الفهم والفقه ، جريا على مقدمات تَتَوَالَى على وجه صحيح يشهد له علم الضرورة وما استقر عليه قانون النظر المحكم ، فالأمر لو تدبر الناظر : مقدمات تُفْضِي إلى نتائج عبر قانون نظر محكم به الفهم والفقه ، فالفهم أعم والفقه أخص وكلاهما يُفْضِي إلى نَتَائِجَ تَتَفَاوَتُ فَبَعْضُهَا أَدَقُّ مِنْ بَعْضٍ ، وكلما دقت كان طلبها أعوص فانتقل الناظر من الفهم الأعم إلى الفقه الأخص ، فلا يخلو الخلق بالماء ، وما يكون من خصب ونماء ، لا يخلو وإن كان مما اعتاده النظر فهو يتكرر في كل موسم ، لا يخلو من دقائق في الخلق لا تدركها العين فثم إعجاز في الخلق وسنن محكم يجري عليه الفعل ، فهو ، أيضا ، محل نظر ومقايسة ، فيدخل في عموم "الأمور" في وصاية عمر ، رضي الله عنه ، أن : "قَايِسْ بَيْنَ الْأُمُورِ عِنْدَ ذَلِكَ" ، وإن كان كلامه ينصرف إلى الأمور الشرعية فلا يخلو الاعتبار والمقايسة أن يجري في سنن الكون فبه تحصل الفكرة الباعثة على التقوى ، فتوحيد العلم والخبر وإن كان مستنده النقل لِمَا غاب عن الحس والإدراك من الغيب الإلهي الذي لا يدرك إلا بالوحي الرسالي ، إلا أنه مما يدل عليه النظر ضرورة لا تخلو من إجمال أبانت عنه النبوات بما جاءت به من مَدَدِ الآي والأثر الذي يواطئ صريح النظر ، فكان من صحة الكلمة ما وَاطَأَ صراحة الفكرة ، فتوحيد الخبر وإن كان ذلك حده فهو من النقل ابتداء إلا أنه قد استعمل المقايسة في إثبات الحقائق فأمر بالاعتبار والنظر في هذا الكون الهائل بأجرامه وأفلاكه ، فـ : (انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) ، فذلك أمر بالنظر في حقائق الكون وبها يتوسل الناظر إلى امتثال أحكام الشرع فيصدق ويمتثل ، فلا يكون ذلك إلا بعلم أول يُبَاشِرُ مبادئ النظر والاعتبار في جنانه ، وهو أول الفكرة والإرادة ، وهما باعث القول والعمل ، ما ظهر منه وما بطن ، فلم يخل توحيد العلم والخبر ، وإن كان مستنده النقل ، كما تقدم ، لم يخل من مقايسة بها يعتبر الناظر آيَ الكون المشهود فالنظر فيه من جنس النظر في آي الشرع إثباتا واستنباطا لما عُقِلَ من معاني الأحكام فهو الذريعة إلى المقايسة الناصحة التي يُلْحَقُ الفرع فيها بالأصل لجامع يُعْقَلُ فلا ينكره النظر المسدد ، فكذلك الشأن في النظر في آي الكون المنظور فهو أصل به إثبات حقائق الربوبية خلقا ورزقا وتدبيرا ، وهو ما استغرق ، كما في الآي آنف الذكر ، فـ : (انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) ، فكان من أمر الاعتبار والنظر ما قَدْ تَوَجَّهَ إلى الجمع المخاطَب ، وهو ما اتسعت دلالته فاستغرقت كل عاقل صح تكليفه فالنظر وإن لم يجب ابتداء ، فليس بأول واجب على العبيد ، فثم التوحيد بأنواعه ، فذلك أول واجب ، وإن تفاوت فمنه ما وجب لذاته بالنظر في معنى التَّعَبُّدِ بتصديق الأخبار والآثار ، ووجب لغيره فهو ذريعة إلى توحيد آخر هو الغاية العظمى من بعث الرسل وإنزال الكتب فذلك توحيد التأله والتنسك ، فهو لازم ضروري في المقايسة بين الخبر والإنشاء ، فتوحيد العلم ربوبية ذريعة إلى نظيره من توحيد العمل ألوهية ، فالتلازم بينهما من أصح أجناس المقايسة بل هو الأصل الذي يبنى عليه غيره من أجناس المقايسة في الكون والشرع ، فذلك أصل الأصول وهو الغاية من النظر في آي الكون ، وذلك ما استغرقه السياق على حد الطباق إيجابا فاستوفى شطري القسمة سماواتٍ وأرضًا ، فـ : (انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، فالنظر في آي الكون ذريعة إلى آخر في آي الشَّرْعِ ، وهو الغاية ، كما أن توحيد التأله هو الغاية فتوحيد العلم وإن كان واجبا لذاته فلا يصح إيمان إلا به إذ يُفْرِدُ صاحبه الرب ، جل وعلا ، بالملك والتدبير ، فهو الخالق فذلك أول الإيمان ، وبعده يكون اللازم على حد المقايسة آنفة الذكر ، إذ منها مقايسة التلازم فثم اطراد وانعكاس بين المتلازمين إذ يدوران مع بعضهما دوران المعلول مع علته ، فلازم التوحيد الخبري نظيره العملي ، كما أن آيةَ التصديق الامتثالُ ، فلا يجزئ في براءة الذمة أن يصدق الجنان واللسان دون الأركان فهي دليل الصدق الناجز ، إذ العمل يصدق القول ، فتلك مقايسة أخرى تجري مجرى التلازم الضروري ، فلا عبرة بقول يخالفه العمل ، ولا عبرة بدعوى لا شاهد لها من خارج من أفعال الجوارح ، فضلا أن يكون الشاهد على ضدها يشهد ، فهو يُكَذِّبُ ولا يُصَدِّقُ فلا عبرة بدعوى بلا دليل فذلك ، أيضا ، مِمَّا يجري مجرى التعليل ، فإن الشاهد من خارج ، وإن كان تَبَعًا للدعوى فهو جزء من ماهيتها في باب الإيمان إذ العمل جزء من ماهية الإيمان المركبة ، إلا أنه نتيجة لمقدمة ، فالدعوى الإيمانية مقدمة نتائجها في الخارج تحصل قولا وعملا ، فمن زعم الصدق والإخلاص في القصد فلا بد أن تظهر آثار هذه الدعوى في القول والعمل ، فهي ، من هذا الوجه ، الباعث والعلة ، فهي باعث الخير في الخارج ، فإن كذبت فهي باعث ضده من الشر وَالْفَسَادِ وإن أشهد صاحبها الله ، جل وعلا ، على ما في قلبه ، فـ : (مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) ، فثم مقايسة أخرى تطرد وتنعكس ، فدعوى الخير الصادقة باعث خير آخر في القول والعمل ، وضدها باعث ضده في القول والعمل ، فكان من الأمر بالنظر في الآي الكوني ما به يعتبر العاقل إذ يُقَايِسُ الأمور كما قد أوصى عمر أبا موسى ، فثم مقايسة على مشهود ، إذ لكل فِعْلٍ فَاعِلٌ ، ولكل خلق خالق ، ولا توجد صنعة أرضية بلا صانع من البشر قد صنعها ، فإذا أبصر الناظر كأسا من الزجاج فأعجبه فإنه بداهة يسأل عن صانعه وبلد منشإه ..... إلخ ، فاهتدى ضرورة لا تفتقر إلى استدلال أو نظر أن هذا الكأس بهذا الإتقان لا يكون صدفة بل لا بد له من صانع ، فكيف بهذا الكون أرضا وسماء ؟! ، فثم مقايسة أولى ، إذ قياس الأولى يشهد أن لهذا الكون صانعا مُتْقِنًا قد أَحْكَمَ الصنعة وأجرى المصنوع على سَنَنٍ محكم ، فإن صانع الكأس يقدر في الغيب قبل أن يشرع في الفعل ، فيصنع الكأس على مثال محكم يواطئ قياس الحكمة أن يحصل به الانتفاع فيما صنع لأجله ، فيكون سهل التناول واسع المشرَب ليشرب من الشارب بلا جهد ، فكيف بهذا الكون أَلَا يكون له صانع قد أتقنه إذ قَدَّرَهُ في الغيب بعلم محيط ثم أخرجه من الغيب إلى الشهادة على وجه يواطئ المقدور الأول في الغيب ، فالمقدور الثاني في الخارج يصدقه ، فجرى هذا الكون في خلقه وإيجاده وتصوير أعيانه وتدبير أحواله ، جرى على سنن محكم فكان الأمر بالنظر ، على وجه يجاوز نظر البصر فهو المبدأ إذ به تحصل صورة الاعتبار في الذهن : حصول التجريد فلا تصديق ولا تكذيب ابتداء ، فتلك المعرفة الأولى الساذجة التي تحصل لكل أحد ، فليس بها تمايز بين الفهوم ، وإنما التمايز بما يكون من المقايسة والاعتبار فذلك قدر زائد على صورة العلم المجردة ، فبعد المعرفة تكون المقايسة التي يتأول بها الناظر مقدمات الضرورة البصرية فيستنبط منها أحكاما وعلوما نظرية ، فتلك نتائج النظر التي تحصل بالمقايسة ، فالأمر بالنظر في الآية : (انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يجاوز نظر البصر فهو المبدأ ، فثم آخر هو الغاية وهو نظر التدبر والاعتبار وبه تحصل الفكرة في الجنان ، وهي ، أيضا ، باعث للحركة في الخارج ، لسانا يَنْطِقُ وأركانا تَفْعَلُ وَتَتْرُكُ ، على وجه يستغرق جميع المحال ، ما بَطَنَ وما ظَهَرَ ، فذكر النظر في هذا السياق يجري مجرى الكناية بالعلة عن المعلول فليس نظر البصر يُرَادُ لذاته بل هو وسيلة لآخر وهو نظر الجنان فهما ومقايسة ، وهما ، جميعا ، وسيلة إلى صورة علم محقق يجاوز حد التصديق المجرد ، وهو وسيلة إلى حركة في الجنان إرادةً بِهَا تَنْبَعِثُ المشاعر ، وتأويلها في الخارج ما يكون من الأقوال والأعمال ، فهي تصديق ما يقوم بالجنان من علم أول يجاوز حد العرفان المطلق وإرادةٍ هي باعث الحركة في الخارج ، فالفكرة باعث الحركة ، والحركة تصدق الفكرة ، فثم تلازم من وجهين : فالفكرة ترفد الحركة فهي الباعث ، والحركة ترفد الفكرة فهي تصدقها ، فصار الأمر بالنظر في الآية ، من هذا الوجه ، مبدأ تسلسل لنتائج تَتَوَالَى ، فكل واحدة تفضي إلى أخرى حتى تبلغ الغاية العظمى من إيمان كامل يجزئ ، فَبِهِ براءة الذمة إذ استغرق المحال كلها باطنا وظاهرا ، اعتقادا محله الجنان ، وقولا يجري على اللسان ، وأفعالا وَتُرُوكًا تصدر عن الأركان ، فيكون ذكر النظر ، من هذا الوجه ، خاصا يحكي عاما فهو يستغرق جميع المحال لا نظر البصر ولا نظر الجنان ، بل قد استغرق جميع الأركان على وجه تحصل به صورة الإيمان المجزئ فيحصل من توحيد الربوبية خلقا ورزقا وتدبيرا وإحكاما للخلق أبان عنه المثال المضروب سماء وأرضا ، فذكرهما مثال لجنس عام ، فلا يخصصه ، وإنما يبين عن ماهيته ، فالنظر قد استغرق غيرهما ، فكان من آي الأنفس والآفاق وآي الخلق في الإنبات والزرع وفي الحمل والضرع ..... إلخ ، كان منها مَحَالُّ نَظَرٍ واعتبار ينفع فَبِهِ يحصل العلم النافع أَنَّ ثَمَّ ربا يخلق ، وتلك ، كما تقدم ، وسيلة أو سبب أو علة بِهَا يتوسل الناظر إلى الغاية العظمى ، غاية التعبد والتنسك ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فكان من الخلق الأول وهو من فعل الربوبية وهو ما يجاوز خلق الصور في الخارج ، فثم خلق التقدير الأول بالعلم المحيط ، وثم خلق التصوير المتقن الذي يواطئ قياس الحكمة أن وُجِدَ كل مخلوق على وجه يواطئ الحكمة من خلقه ، فَرُكِّبَ فيه من الأركان والأسباب وَرُكِزَ فيه من قوى الحس والحركة والإرادة ما به يحصل الانتفاع فيؤول أمر هذا العالم إلى انتظام وجريان على سنن محكم ، وهو ما يدل ضرورة أن ثم ربا واحدا يخلق الخلق كله : التقدير والإيجاد والإعداد والإمداد والتدبير ، فوحده ضرورة من يستحق الإفراد بأفعال التأله الإرادية ما بطن منها وما ظهر على وجه يستغرق جميع المحال والأحوال ، فتلك الغاية العظمى التي أطلق عاملها ختام الآية : (لِيَعْبُدُونِ) فاستغرق سائر أجناس التعبد ، فضلا عن مضارعة تستغرق ، فكل أولئك مما يجري مجرى المقايسة نظرا في الآيات ، وهي ، كما تقدم ، جنس عام مطلق ، فثم آي كوني منه ما يجري مجرى العادة ، ومنه ما جاوزها فكان آية أو كرامة ، وثم آي شرعي ، ومنه الخبري ومنه الحكمي ، والخبري منه العادي الذي يواطئ السنن الظاهر المطرد في الكون ، كما في قوله تعالى : (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ، ومنه ما يخالف عن العادة إعجازا كما قد قص الوحي من آي النبوات فهي آي تخرج عن العادة ، كما في آي الكليم ، عليه السلام ، وهي مثال تَوَاتَرَ في الوحي ، وكما في جملة آيات تأيدت بها النبوة الخاتمة ، وإن كانت النبوة الخاتمة لامتيازها من بقية النبوات فهي الجامعة لخلاصتها في العلم والعمل ، وإن كانت النبوة الخاتمة لأجل ذلك قد جاءت بما يفوق الآي الظاهر فكانت آيَتُهَا العظمى الباقية ما قد أُحْكِمَ من الشرعة الكاملة فلم يطرد فيها ما اطرد في سوابقها من الآي الكوني ، لا لانحطاط في درجتها فهي العليا ، وإنما لاشتغالها بالأكمل من إحكام الوحي المنزل فهو ختام الرسالات فجاء بالأصدق والأعدل ، وإن كان مدد الرسالة كله صادقا عادلا ، فقد جاءت تُبِينُ عما أُجْمِلَ منه في العلوم والغيوب ، وجاءت بما يَنْسَخُ أحكام الجلال تارة والجمال أخرى فجاء بالكمال الجامع ، فهو معيار الإحكام والنسخ ، فَثَمَّ ما أحكمه من شرائع السابقين وثم ما نسخه بجديد ، فَلَمْ يكن للرسالة الخاتمة من آي الكون المعجز ما لسابقتها ، وإن كان لها منه حظ ، فذلك من الآي محل الاعتبار إذ به تأيدت ، فكان إخبار النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بِغُيُوبٍ وَقَعَ تأويلها لا أنه يعلم الغيب المطلق فلا يعلمه إلا الرب المهيمن ، جل وعلا ، وإنما يُعَلَّمُ منه الرسل ، عليهم السلام ، ما قد عُلِّمُوا ، فـ : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) ، والآي الحكمي ، وهو محل الشاهد من أَثَرِ عمر فهو محل التَّفَهُّمِ والمقايسةِ ، الآي الحكمي منه ما لا يعقل معناه فهو محل اعتبار في باب الحكمة لا العلة ، كما يضرب المثل بأعداد الركعات وماهية الصلوات التوقيفية ، فلا يقاس عليه ، وإنما يعتبر الناظر في معانيه التعبدية وَحِكَمِهِ الربانية في استصلاح النفوس بمقادير من العبادة والنسك التوقيفي بها يكون التسليم والانقياد وإن لم يدرك العقل وجه العلة فتلك آي الإيمان الجازم : أن يؤمن الناظر وإن لم يعلم العلة ، فهو يجد آثار الحكمة ، فضلا أنه يزيد في خاصته الإنسانية فَلَيْسَ غيره من الكائنات يُؤْمِنُ بالغيب وإن حار في ماهيته فلا يخاطبه الوحي بما لا يَتَصَوَّرُ من المحالات ، وإن جَوَّزَهَا فَرْضًا في سياق التَّنَزُّلِ في الجدال مع المخالف ، كما تقدم مرارا من قوله تعالى : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) ، فيمتاز الإنسان بالتسليم في باب الغيب وأحكام الوقف فتلك خاصته الإنسانية في الإيمان بما غاب عن مداركه فَلَيْسِ إلا الحيوان الأعجم مَنْ تَقْتَصِرُ مداركه على الحس الشاهد فلا يطيق ما وراءه من الغيب لا جرم كان انحطاط المذاهب المادية المحدَثة بالإنسان أن صيرته حيوانا تقتصر مدراكه على غرائزه طعاما وشرابا ونكاحا ، فصارت اللذة المحسوسة هي الغاية ، وصارت القوة هي الوسيلة سواء أكانت قوة المال أم السياسة أم الحرب ..... إلخ ، فَثَمَّ تَوَسُّعٌ في استخدامها استلابا لِلَّذَّةِ العاجلة على وجه يصير الحياة جحيما إذ صارت صراعا غايته احتكار أدوات القوة واحتكار أسباب الحياة لو استطاع المحتكر ، فـ : (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) ، ومع احتكار أدوات القوة يكون احتكار اللذات العاجلة فقد صارت هي الغايات الكاملة فلم يستفد مَنْ تلك حاله إلا أَنِ انحط إلى دركة الحيوان ، فاقتصر ، كما تقدم ، على الشاهد المحسوس ، وإن خاض في معقول فطلبا لهذا المحسوس فلا يؤمن إلا بما غَاَيُتهُ ناجزة في هذه الدار إذ لم يجاوز بنظره القاصر إلى ما يليها من دار الحساب والجزاء الكامل ، بل قد صار من ذلك يَسْخَرُ إذ فسد القصد وضل السعي ، فـ : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) .
    ومن الآي الشرعي ما يُعْقَلُ معناه ، فهو مما تُسْتَنْبَطُ عِلَّتُهُ إما بالتنقيح أو التخريج أو ما قد نَصَّ عليه الوحي ابتداء فكفى الناظر مؤنة الاجتهاد في تحريره ، فاجتهاده في تحقيقه في نظائر الأصل ، فذلك ما قد نَوَّهَ به عمر ، رضي الله عنه ، فـ : "قَايِسْ بَيْنَ الْأُمُورِ عِنْدَ ذَلِكَ، وَاعْرِفِ الْأَمْثَالَ، ثُمَّ اعْمَدْ فِيمَا تَرَى إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ، وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ" ، فكان الأمر بالمقايسة ، وهو ما يجري مجرى المعالجة ، فلئن حُدَّ حَدَّ المفاعلة وهي مظنة الاشتراك إلا أنه مما يكون من واحد فلا مشاركة فيه ولا تفاعل ، فالقياس في اللسان أن يقول : قس الأمور ، فتكون الزيادة في المبنى مئنة من أخرى تجاوزها في المعنى ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن تقييد العامل بالمقايسة بين الأمور فهي أطراف تَتَنَازَعُ أن ذلك : يجري مجرى المشاركة ولو في المفعول ، وهو ما ينظر فيه من الأمور ، فضلا أن يُضَمَّنَ العامل معنى آخر على تقدير : رجح بين الأمور ، وثم أمر بالمعرفة أن : "اعْرِفِ الْأَمْثَالَ" ، فذلك ما به يسترشد القاضي إذ ينظر في النظائر والأمثال ، فَيَقِيسُ ما جَدَّ على ما قد نَزَل وانقضى فهو يسترشد بما تقدم من قضائه أو قضاء غيره من أولي النهى ، وثم ختام يجري مجرى النتيجة إذ مَهَّدَ بَيْنَ يَدَيْهَا بالمقدمات ، فكان من عرفان الأمثال ما به يعمد الناظر أن يختار ، فـ : "اعْمَدْ فِيمَا تَرَى إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّهِ، وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ" ، فهو يجتهد في الترجيح ، فأحبها إلى الله ، جل وعلا ، هو الحق إن كان الترجيح بين حق وباطل ، فتكون "أحب" مما نُزِعَتْ دلالته التفضيلية فالله ، جل وعلا ، لا يحب الباطل بداهة ، وأحبها إليه ، تبارك وتعالى ، هو الأفضل إن كان الترجيح بين فاضل وأفضل فكلاهما حق وإن تفاوتا في الدرجة فتكون "أحب" في هذه الحال مما جرى مجرى الأصل في باب التفضيل ، وكلا الوجهين يصح وهو مما قد يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فَلَفْظٌ واحد قد دل على أكثر من معنى صريح في سياق واحد صحيح ، وكذلك الشأن في أَشْبَهِهَا إلى الحق ، وهو مما استخدم النظار في جنس مشهور من القياس هو قياس الشبه إذ يَتَرَدَّدُ الفرع بين أصلين فيلحق بالأشبه ، فهو الحق الراجح في مقابل ضد آخر مرجوح .

    والأوامر في الأثر : بالفهم والمقايسة ثم الصيرورة إلى أحبها إلى الرب ، جل وعلا ، وأشبهها بالحق ، كل أولئك مما يصدر من عمر مصدر الإرشاد ، فلا يظهر فيه معنى الإيجاب الشرعي الذي لا يصدر إلا عن وحي ، وليس عمر ، رضي الله عنه ، بِنَبِيٍّ بداهة ، وإن صح الإيجاب فيه بمعناه الشرعي إذ يأمر عمر بما تواتر في الوحي من الأمر بالفهم والقسط ، فضلا عن آخر في السياسة فثم إيجاب سياسي بما لعمر من ولاية عامة تُوجِبُ له السمع والطاعة ما لم يعص أو يخطئ .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •