اعرض النتائج 1 من 3 إلى 3

الموضوع: الاقتصاد المتوسط والاقتصاد الصغير

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:25 AM

    المشاركات
    4,862
    العمر
    41

    الاقتصاد المتوسط والاقتصاد الصغير

    خطاب الاقتصاد الناشئ في الدول الناهضة فِي الشرق ، وَتُرْكِيَا هي المثال الأبرز إذ حَقَّقَتْ في العقدين الماضيين إصلاحات سياسية وحقوقية انعكست آثارها على الاقتصاد وَرَفَاهِ العيش ، وهو الخطاب الذي تُمَثِّلُهُ طبقةُ الإنتاج المتوسط والصغير ، هذا الخطاب ، لو تَدَبَّرَ الناظر ، هو جزء من بيئة استراتيجية تَرُومُ نَقْلَ الإسلامِ من المحتوى الأيديولوجي الحاد إلى آخر منفتح يتخذ القيم البرجوازية ، قِيَمَ صغارِ الْمُلَّاكِ ، يَتَّخِذُهَا قاعدةَ أفكارٍ وقيمٍ مع صبغها بصبغة رسالية مخفَّفَةٍ كما يضرب بعض الباحثين المثلَ بالنخبة الاقتصادية الإسلامية في تُرْكِيَا خلال العقدين الماضيَيْنِ فقد انْتَفَعَتْ بما تَرَاكَمَ من حصادِ السياسة الاقتصادية في الثمانينيات إذ اعتمدت السلطة فيها سِيَاسَةَ دَعْمِ الصادرات لزيادة ثروة البلاد من العملة الصعبة في إطارِ انْفِتَاحٍ اقتصادي رأسمالي يَتَمَاهَى مع قيم الناتو ، المنظومة الجامعة للكتلة الغربية بِقِيَمٍ تُجَاوِزُ القوةَ العسكرية ، فظهرت طبقة "نمور الأناضول" في تركيا لِتُعِيدَ ، كما يقول الباحث آنف الذكر ، لِتُعِيدَ للإسلام اعتباره مُمَثَّلًا في مؤسسات اقتصادية صغيرة ومتوسطة في مواجهة النخبة العلمانية الْأَتَاتُورْكِيَّةِ ، وهو ، من الناحية الإجرائية ، أمر يحمد ، فإن عماد الاقتصاد الرئيس هُوَ نَشَاطُ الطبقات الدنيا : قاعدةِ الهرم الاجتماعي فهي تَتَرَاكَبُ في بناء متدرِّج من أسفل المنظومة إلى أعلاها ، وإنما السيل اجتماع النقط ، فالاقتصاد الكلي هو محصلة اجتماعِ اقتصاديات جزئية : صغيرة ومتوسطة فهي التي تُوَفِّرُ السلع بأسعار ملائمة فَيَزِيدُ ذلك من حركة الاستهلاك فالسعر ملائم لا سيما إن كانت الخامات محلية ، فضلا أن يكون ثم قاعدة إنتاج محلية ولو بَسِيطَةً تُوَفِّرُ الحدَّ الأدنى من الطلب المحلي في السلع الاستراتيجية ، وقد تُحَقِّقُ الفائضَ وهو هدف تال بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي ، فذلك تسلسل المنطق الصريح ، فإن أَيَّ اقتصاد لا يُلَبِّي احتياجات الداخل فهو يَسْتَنْزِفُ ثروة المجتمع بِفَاتُورَةِ استيرادٍ كبيرة ، فَإِنَّهُ إن نَظَرَ في الاقتصاد نظرة رأسمالية ربحية دون أخرى ذات بعد أخلاقي واجتماعي فضلا عن الجانب الإداري ، فإن الدولة لها دور يجاوز حد الإدارة للاقتصاد انطلاقا من نظرية ربحية تكون فيها هي الوسيط في صَفَقَاتٍ لا تخلو من فساد فضلا عن تحلل مفهوم الدولة ، ولو انطلاقا من التعريف السياسي المحدَث ، فإنها تَتَحَوَّلُ إلى حد أدنى من القواعد والقيود ، فيكون القطاع الخاص هو نواة الاقتصاد الصلبة دون أي تدخل فاعل من الدولة وهو ما يفتح ذرائع الاحتكار وسائر مظاهر الفساد الرأسمالي الذي يَتَّسِمُ بالأثرة وتقديم المصلحة الخاصة على نظيرتها العامة ، فلا بد أن يكون للدولة دور في ضبط الأداء انطلاقا من قيم أخلاقية واجتماعية لا تهدر فرص الاقتصاد الخاص في الإنتاج والربح ، بل تدخل الدولة الزَّائِدُ يُؤَدِّي إلى الركود ، إذ تمارس الدولة في الاقتصاد الاشتراكي ذي التخطيط المركزي ، تمارس الاحتكار في مقابل احتكار رءوس الأموال الكبرى في المثال الرأسمالي ، فَإِنْ هَيْمَنَتِ الدولة على الإنتاج فذلك يُقَلِّلُ حَرَكَةَ المالِ الخاص الذي يوفر فرص العمل ، فدخول السلطة في التجارة كمنافس غير عادل يملك أدوات الإنتاج أو يحتكرها يحول المجتمع إلى قبيلين : قبيل عامل لا يملك أدوات الإنتاج فهو أجير يأكل بقدر ما يعمل ، فضلا أن دوره يقتصر على الإجراء الفني والإداري دون أن يتدخل في وضع سياسة الإنتاج فلا دور له في التخطيط الذي يرسم خريطة الإنتاج انطلاقا من بواعث ذاتية مستقلة ، فالدولة المركزية هي من يتحكم في هذه السياسة على وجه يمثل مصالحها وإن احتكرت الخطاب باسم الشعب ، فضلا أن تكون تابعة لجهة مركزية في الخارج ، فهي تلعب الدور الوظيفي في السياسة والاقتصاد فليست إلا وسيط الصفقة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما لا يسلم منه اقتصاد سواء أكان مركزيا اشتراكيا أم لا مركزيا رأسماليا ، فَثَمَّ مراكزُ تحكمٍ وسيطرة سواء أكانت داخل السلطة كما الحال في المثال الاشتراكي أم خارجها من مجموعات الضغط السياسي والاقتصادي .... إلخ ، كما الحال في المثال الرأسمالي ، فهي مراكزُ تَحْكُمُ من الكواليس انطلاقا من بواعث أنانية ، فالمجتمع في الصورة المركزية الاشتراكية يَتَحَوَّلُ إلى قَبِيلَيْنِ : قَبِيلٍ عاملٍ بأجرة ، وَقَبِيلٍ يَشْتَرِي السلعةَ التي تُنْتِجُهَا السلطة أو تستوردها أو تحتكرها ، فالربح يَتَرَاكَمُ في خِزَانَتِهَا إذ تملك سِلَعُهَا مَزَايَا تَفْضِيلِيةً تنصرف ابتداء إلى السعر ، ولو على حساب الجودة ، فإنها معفاة من الرسوم وتكلفة الخدمات الأساسية في مقابل ما يفرض من رسوم هي المكوس المحرمة وما يوضع من عقبات أمام المنافس من القطاع الخاص ، واضرب له أمثلة معاصرة من السوق المصري وهو الآن مثال لانعدام العدالة في التنافس في المنتجات والخدمات ، ففي خدمة المعلومات والاتصالات تباشر الشركة المملوكة للجهة السيادية الحاكمة ، ولو عَبْرَ وسائط ظاهرة ، تمارس التحديث لِلْبِنْيَةِ التحتية التي تَتَمَيَّزُ بِالرَّدَاءَةِ الشديدة تحت عنوان رئيس وهو : عدم الكفاءة وعدم النزاهة وفي مقابل ذلك تحتكر الشركة وصول الخدمة مباشرة إن كانت هي مَنْ يُمِدُّ العملاء بها فإن تَوَلَّتْ شركة أخرى منافسة من القطاع الخاص إمدادَ العملاء بالخدمة فلن تصل إلا بعد أسبوعين أو يزيد في ظل ما يوضع قصدا من العراقيل لِتَنْفِيرِ العملاء من التعاقد مع شركة أخرى فَتَسْتَثْمِرُ الشركة السيادية ! فرصة التحديث لتجعلها فرصة احتكار في ظل قانون منافسة غير عادل فضلا عن إعفاء الشركة السيادية من الضرائب خلافا لنظائرها وَزِدْ عليه تخمة السوق ابتداء وهو أمر تكرر في صناعة الإسمنت الذي أتخم فيه السوق المحلي وَأَبَتِ الجهاتُ السيادية إلا المنافسة مع التضييق على الخصوم لإخراجهم من السوق فَتَحْتَجُّ السلطة أن الشركة المنافسة خاسرة ! ، فَتُسَارِعُ بالتصفية والبيع فلا يكون ثم إلا الجهة السيادية التي تحتكر بما لها من صلاحيات واسعة ، واضرب له مثلا آخر بالتضييق على شركة مشهورة تملك تطبيقا لتسيير مركبات الأجرة ، فقد فرضت عليها السلطة ضرائب ، بل ، كما يذكر بعض الباحثين في الاقتصاد العسكري ! ، تَلْعَبُ شركة الاتصالات السيادية دورا فاعلا في تقليل كفاءة التطبيق بالعبث في خوادمه ، فضلا عن ضغوط أمنية تسعى في تحويلها إلى شبكة تجسس عبر التطبيق آنف الذكر ! ، فسارعت الجهة السيادية ! بإطلاق تَطْبِيقٍ منافس لا يخلو من أغراض استخباراتية إذ يُوَفِّرُ بَيَانَاتِ العملاء وخط سيرهم للجهات الأمنية فاستثمار وتجسس في آن واحد ! ، مع سعي حثيث يجاوز الأمثلة آنفة الذكر فهو يَرْغَبُ في بسط نفوذه على جميع القطاعات المربحة بإفشال مُتَعَمَّدٍ لكل مؤسسة عامة أو خاصة ، فذلك يعطيه فرصة الدخول في المنافسة بذريعة الإنقاذ لسفينة هو من نَقَبَهَا ، فَيَتَرَاكَمُ الفشلُ المتعمد في مؤسسات الدولة الظاهرة لِتَتَوَلَّى أخرى باطنة إدارتَها انطلاقا من نظرية احتكارية غير عادلة تَتَنَافَى مع بدائه الاقتصاد الحر اللامركزي ، فضلا عن معيار تفضيلي يجري مجرى الترجيح بلا مرجح وذلك عين التحكم ، كما يقول أهل الأصول والنظر ، فَتُسْنَدُ المشاريع بالأمر المباشر أو بما اصطلح أنه المناقصة المحدودة ، فالسلطة تَتَحَكَّمُ في المتقدِّمين بالعطاءات فمن يتقدم بها فهم ظواهر وهي الباطن إذ تَتَّجِرُ مع نفسها ! ، فانعدمت معايير الكفاءة والنزاهة ، فإن الأكثر ولاء وَقُرْبًا والذي يَتَوَلَّى دور الوكيل الوظيفي نِيَابَةً عن السلطة هو مَنْ يفوز بالصفقة ، فَيُفْضِي ذلك إلى تراكم الأرباح في اتجاه واحد ، فتضعف قدرة المنافس على الصمود أمام السلطة التي تمارس الجبروت بما تملك من أدوات خشنة وأخرى ناعمة ، وهو ما يقلل حجم الثروة العامة ، وهي مصدر الرفاه والكفاية حَقًّا ، فإنها حلقة من سلسلة محكمة ، فإعطاء المجتمع فرصةَ الاستثمار لا سيما في القطاعات الاستراتيجية الإنتاجية : الزراعية والصناعية ، فضلا عن التجارة فهي صورة تحكي مآل الزراعة والصناعة إذ الإنتاج لا يُؤْتِي أكله إلا بسياسة توزيع محكمة انطلاقا من قيم أخلاقية ، لو تدبرها الناظر لوجد أنها معيار أصيل في التفريق بين الحضارات ، فَثَمَّ معيار احتكار في المجتمعات الرأسمالية فطبيعة الاقتصاد الرأسمالي وإن لِيبْرَالِيًّا أنه يَسْعَى في الاحتكار وإن كانت منظومة القانون محكمة فإنها لا تخلو من ثغرات فضلا عن الفساد الذي يخترق أي منظومة فإن الباعث الرسالي ونظيره الأخلاقي هما صمام الأمان ، فإن غَابَا في أي نظام فقد غابت النزاهة فلا تجدي الكفاءة شيئا إلا في الإجراء التنفيذي الذي ينطلق من باعث مادي ، فكيف إن كانت الحال : لا نَزَاهَةَ ولا كفاءةَ فذلك مما يُفَاقِمُ من آثار الفساد ويسارع في انهيار المؤسسات والشركات وتراجع حجم الثروة في المجتمع وتراجع دورها في تحقيق الرفاه ، فإن تفتيت الثروة وهو ، لو تدبر الناظر ، غاية رئيسة في تشريعات الرسالة كما يظهر في أحكام الإرث ونحوه ، فهي تَحُولُ دون تَرَكُّزِ الثروة في يد واحد ، سواء أكان شخصه حقيقيا كما كانت الحال في الإقطاع الأوروبي في العصر الوسيط فَبِذَرِيعَةِ الحفاظ عليه من التَّفَتُّتِ كان الولد الأكبر هو من يَرِثُهُ كله فَيُحْرَمُ بقية الإخوة من الإرث ، وهو ، كما يقول بعض الباحثين ، ما أفضى إلى ظاهرة اصطلح أنها "جوع الأرض ، فأولئك الفرسان الذين حُرِمُوا الإرثَ وإن كان ابتداء إرثا جائرا يظلم رقيق الأرض حقهم في الحريات الرئيسة : العمل والتنقل .... إلخ ، فأولئك الفرسان الذين حُرِمُوا قَدْ تَحَوَّلُوا إلى قُطَّاعِ طَرِيقٍ فَمَارَسُوا أعمال القتل والسلب طلبا للثروة ، فَتَرَكُّزُ الثروة في يد واحد قد أفضى إلى اضطراب اجتماعي إذ كَثُرَتْ أعداد العاطلين فَاحْتَرَفُوا الإجرام وسيلةَ كسبٍ ! ، وهو ما يحدث في أي مجتمع احتكاري ، أيا كانت بواعثه وأيديولوجياته ، فإنه يسعى في تَرْكِيزِ الثروة في أيدي القلة وحرمان الأكثرية من حقهم الأصيل في المشاركة على قاعدة عدالة تُجَاوِزُ حَدَّ العدالة في تَوْزِيعِ الثروة فلا بد من أخرى في فرص العمل وثالثة في الاختيار وصناعة القرار السياسي في إطار شوري جامع ، فتلك صمامات الأمان لأي نظام سياسي أو اجتماعي ، ولو تدبرها الناظر لوجد أن الوحي قد أَشَادَ بها جميعا فهي أُسُسُ أي بِنَاءٍ إنساني راسخ ، فتوزيع الثروة على نطاق واسع والسعي في تَفْتِيتِهَا لا ظُلْمًا كما تصنع الأنظمة الاشتراكية في مظاهر دعائية تُعَالِجُ خطأً بآخر ، كما كانت الحال في مصر فيما اصطلح أنه قانون الإصلاح الزراعي وليس إلا إفسادا إذ كانت البواعث سياسية لا رَغْبَةً في عدالة اجتماعية ، كما رَوَّجَ النظام الاشتراكي آنذاك فكان الانْتِقَالُ الحاد غَيْرُ المدروس من نظام الإقطاع إلى نظام اشتراكي فَتَّتَ رءوس الأموال الكبيرة تَفْتِيتًا عشوائيا فَضْلًا أنه كان على عَجَلٍ انطلاقا من نظرية الصدمة المفاجئة وما يعقبها من آلام متعمدة ! ، تَرَى السلطة أَنَّهَا آلام المخاض لمجتمع جديد يواطئ تصورها الخاص الذي استبدت به فلم تَسْتَشِرِ المجتمع الذي تحول إلى كَمٍّ مهمل فهو قطيع يساق طبقا لما اصطلح بعض الفضلاء أنه السلطة الرأسية ، فهي هرم محكم قاعدته جمهور مُغَيَّبٌ عَلَى قَاعِدَةٍ قياسية ، قاعدة : (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) ، ومن فوقهم الجند القامع ، وفوقه رأس المال الْمُتَنَفِّذُ وصانع الفكر والسياسة الْمُتَزَلِّفُ ومنه رَجُلُ الدين الذي صار رجل كهانة وَرَجُلُ الأدبِ الذي صار رَجُلَ نِفَاقٍ ودياثة ، فكلاهما يُضْفِي الشرعية على الظلم أن يُلْبِسَهُ لِبَاسَ العدلِ والحكمة بل ويجعله من محكم الدين والشرعة ، فَثَمَّ مجموع مركب من فكرة باطلة وسياسة فاسدة ، وفوق الجميع يقبع فرعون فهو هرم البناء الهش الذي يبدو متماسكا بقبضة القمع وسطوة المال الذي يَسْتَرِقُّ به المجتمع وإن كان المال مال المجتمع ابتداء فهو نِتَاجُ كَدِّهِ الذي تجبيه السلطة ضَرَائِبَ وَمُكُوسًا تخالف عن قاعدة الوحي وقاعدة العدل جَمِيعًا ! ، فَيُفْضِي هذا المجموع المتراكم عبر عقود ، يُفْضِي ، كما يقول بعض الفضلاء ، إلى انهيار البنية التحتية للإنسان ، فلا يطيق دفع الاستبداد وهو ما يصيبه بالإحباط والانزواء فلا يجد حافزَ إنتاجٍ ولا يجد باعث انتماء إلى هذا الهرم الاجتماعي والسياسي المشوه فمحله منه أبدا القاعدة السفلى ، فهو المنفَعِل لا الفاعل ، فلا يملك فرصة اختيار حر ولا زمام مبادرة ، وإنما يُفْرَضُ عليه قَرَارُ السلطةِ المركزية قَسْرًا بما تملك من أدوات القوة سواء أَسْتَخْدَمَتْهَا بذريعة الحفاظ على الدين والآداب العامة أم استخدمتها بذريعة إطلاق الحريات ولو كَرْهًا ! ، في تناقض يُثِيرُ السخرية والتهكم من أطروحات ليبرالية في باب الأخلاق والاجتماع والاقتصاد دون التطرق إلى باب السياسة والحكم ، فكان من الشؤم أَنِ اسْتُخْدِمَ الوحيُ كذريعةِ قَمْعٍ فاستخدم في ضِدِّ ما نَزَلَ أن يُخْرِجَ العبدَ من طغيانِ العبدِ إلى فَضَاءٍ رحب فلا يُوَحِّدَ إلا الرب ، جل وعلا ، خالق الاثنين : الحاكم والمحكوم ، فلا يكون ثَمَّ فَرْقٌ ، كما قد أُثِرَ عن عمر ، رضي الله عنه ، وهو يسبق نظريات السياسة المحدثة فإنما الوالي أو النائب واحد ممن اسْتُنِيبَ فيهم وإنما زِيدَ في حقه أَنْ كان أَثْقَلَهُمْ حملا فكلما علت درجته في الحكم كان أعظم الناس مَغْرَمًا ، فلا مغنم في هذا الأمر لمن فَقِهَهُ حَقَّ الفقهِ ولا يكون ذلك ، بداهة ، وليس ثم باعث رسالي أو أخلاقي على أدنى تقدير ، فإذا كان ثَمَّ تَفَاوُتٌ فَصَارَ بَعْضٌ فَوْقَ القانونِ وآخر تحته ! ، فلم يَعُدِ الناس سَوَاسِيَةً في نظامِ سلطةٍ أُفُقِيٍّ فهم كَأْسَنَانِ المشط في الحقوق والواجبات بَلِ واجباتُ الحاكم أكثر وأعظم ، وهو يُخَالِفُ ، كما يَقُولُ الفاضل آنف الذكر ، عن نظام السلطة الهرمي المركزي ، فإن السلطة والثروة تَتَرَكَّزُ في قمته وما يَكْتَنِفُهَا من دوائر مُتَنَفِّذَةٍ في الفكر والسياسة والحرب والمال ، فتلك دوائر الحكم الفرعوني آنف الذكر ، فلا عدالة في توزيع أسباب القوة والثروة توزيعا عادلا لا يُلْغِي فِي نَفْسِ الآن ما يكون من تفاوت كوني في المواهب والمكاسب ، فلا يحول دون تميز المجتهد انطلاقا من اجتهاده لا من موقعه في السلطة ! ، ولا تكون الأفقية فيه قَرَارًا فَوْقِيًّا تَتَّخِذُهُ سلطة مركزية مستبدة ، فلا يُعَالَجُ الاستبدادُ الرأسمالي الذي يحتكر الثروة باستبداد اشْتِرَاكِيٍّ يُفَتِّتُ الثروة قَهْرًا ! ، فضلا أنه لا يخلو من فسادٍ آخر يُعِيدُ إنتاج النظام الرأسمالي ولو على المدى الطويل فإن مراكز الفساد الجديدة تحتكر الثروة أيضا وإن عبر وسائط اشتراكية تَرْفَعُ شِعَارَ المساواةِ والحريةِ ! ، وهو ما أفضت إليه الحال بعد يوليو 52 في مصر ، فكان انتقام النخبة العسكرية الجائعة من النخبة الإقطاعية المتخَمة ، فمارست الأولى ضد الثانية صورا من الإذلال الذي يحكي حقدا لا يُنْكِرُ بعض منظري الشيوعية وهي المحضن الرئيس الذي خرجت منه الاشتراكية ، لا ينكر هذا المنظر وهو الداهية تروتسكي ، لا ينكر أنه ، أي الحقد ، هو وسيلة التغيير السريعة الفاعلة ، فإذا أُلِّبَتِ الطبقات الفقيرة على نظائرها الغنية التي احتكرت الثروة ومارست الاستبداد بما تملك من أدوات السلطة ، فَاسْتُثِيرَتْ فِي نُفُوسِ العامةِ غَرَائِزُ الانتقامِ والاستئصال الراديكالي الحاد للطبقة الغنية التي تَسَبَّبَتْ في حرمانهم من لَذَّاتِ الحياة بل وَحَدِّهَا الأدنى الملائم لأي إنسان كامل ! ، فإذا كان التأليب والاستثارة لغرائز الانتقام والتشفي فلا باعثَ رسالةٍ أو أخلاقٍ يَتَسَامَى عن هذه المشاعر الراديكالية ، وهي مشاعر يُعَزِّزُهَا الظلم والإقصاء فَيَتَرَاكَمُ في النفوس من الأحقاد ما يجعلها مظنة الانفجار في أي لحظة لا سيما إن تَرَاخَتْ قَبْضَةُ القمعِ التي تَحْكُمُ بِهَا الطبقة الغنية المتنفِّذة ، فيكون الانفجار الذي يجاوز حد العدل في الخصومة فَبَاعِثُهُ لا يخلو من حظِّ نَفْسٍ في الانتقام والثأر فضلا عن رغبة في انْتِزَاعِ أسباب الثروة واللذة من يد الطبقة المترفة ، فيجاوز طالبها حَدَّ الشعار المعلن وهو العدل في التسوية فلم تُفْضِ الأطروحة الشيوعية في روسيا ولا الأطروحة الاشتراكية في بلد كمصر بعد اتخاذها قاعدةَ حكمٍ في الخمسينيات والستينيات ، لم تُفْضِ إلى حَلِّ الإشكال بل أعادت إنتاج المنظومة نَفْسِهَا فَقَدْ قَضَتْ على طبقة الإقطاع انطلاقا من باعث نَفْسَانِيٍّ شَائِهٍ فليس إلا الحقد الثوري ! الذي نَوَّهَ به تروتسكي ، وليس إلا الحرمان فليس صاحبه ذا عفة ، وإنما يصدق فيه ما قال أبو الطيب :
    وَالظّلمُ من شِيَمِ النّفوسِ فإن تجدْ ******* ذَا عِفّةٍ فَلِعِلّةٍ لا يَظْلِمُ .
    فلم يكن صبر القوم عفة وإنما عجزا فلما قدروا أبانوا عن لؤمِ أَصْلٍ وَخُبْثِ طبع فهو باعث الظلم الذي اتَّخَذَ الإصلاحَ شِعَارًا إِنْ في الزراعة أو في الصناعة ، فإنه لم يَنْطَلِقْ من قاعدةِ كَفَاءَةٍ وَنَزَاهَةٍ فضلا أن يكون باعثه من روح الشرق رسالةً وديانةً فَقَدْ كان عنهما أَبْعَدَ بل كانت خصومته معهما أعظم ، فانطلق من نَظَرِيَّةِ فَقْرٍ وحرمان في القيم والأخلاق مع جهل مطبق ، فإن النخب التي تمتلك ثَرَاءً في الفكر مع فَقْرٍ في القيم والأخلاق ، فإن هذه النخب ، كما يقول بعض الفضلاء ، تهدم المجتمع إذ تَفْتَقِرُ إلى قاعدةٍ صلبةٍ من الأخلاق والقيم ، ولو أرضيةً محدثةً ، فلا يكون بناء محكم ومعيار الأخلاق قد غُيِّبَ ، فذلك ما يُؤْذِنُ بِذَهَابِ الأمم ، كما في قول الأمير شوقي :
    وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت *******فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا .
    فكيف إن لم يكن ثم قِيَمٌ ولا أخلاق في قاعدة السياسة ، ولا ثَرَاءَ في عقلٍ يدير المشهد ، وتلك حال نخبة يوليو في الجملة فَفِيهَا يصدق قول أبي الطيب :
    لا خَيْلَ عِندَكَ تُهْديهَا وَلا مالُ ******* فَليُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لم تُسعِدِ الحالُ .
    فلا قَوْلَ ولا حَالَ ! ، وإنما أفضى الأمر إلى إعادة إنتاج المنظومة الرأسمالية بِنَكْهَةٍ عسكرية مركزية ، فَاسْتُلِبَ الإقطاعُ المدني ثروتَه التي آلت إلى الإقطاع العسكري ، وهو ما اتَّخَذَ القطاع العام ذريعة ، ثم هو اليوم يستثمر ويضارب انطلاقا من قيم الخصخصة لهذا القطاع العام الذي أُفْشِلَ قصدا لِتَنُوبَ عنه كيانات اقتصادية سيادية فهي تمارس دور رأس المال المحتكِر في النظام الرأسمالي ، فَغَايَتُهُ أن يَنْفَرِدَ بالمشهد ويضرب الخصوم في مَقْتَلٍ دون عناية ، كما تقدم ، بِتَوْزِيعٍ عادلٍ للثروة ، وذلك ما يُخَالِفُ عن مقصد رِسَالِيٍّ رَئِيسٍ في هذا الباب ، باب الثروة ، وهو تَفْتِيتُ الأصول لا قسرا أو خبط عشواء وإنما انطلاقا من آليات محكمة في التوزيع والجباية ، فإن توزيع الثروة إرثا ، أو جبايةَ لِحَقِّ المال الواجب زكاةً وخراجًا فضلا عن تَعْزِيزِ الباعث الأخلاقي الحاضِّ على أعمال البر التي يَعُمُّ نَفْعُهَا ، فإن ذلك يُفْضِي إلى تَفْتِيتِ الثروة ، فضلا عن إعادة استثمارها في مُنَاخٍ يَتَّسِمُ بالعدالة في المنافسة ، وَيَتَوَلَّى كبره صاحب الكفاءة ، وهو ما يزيد من ثروة الأفراد الخاصة ، فَتَعْظُمُ قوتهم الشرائية ، فذلك ، بداهة ، يفضي إلى نشاط في الاقتصاد إذ تَرُوجُ السلع بزيادة الطلب ، فثم ثروة أو مدخرات تُنْفَقُ في شراء السلع أساسية أو كمالية فلكلِّ شريحة في المجتمع احتياجاتُهَا ، فَكُلَّمَا زَادَ النَّقْدُ في أيدي الناس زادت حركة البيع والشراء ، فَيَزْدَادُ الطلب وزيادة الطلب تُفْضِي إلى زيادة الإنتاج ، وزيادة الإنتاج تُفْضِي إلى زيادة فرص العمل ، فضلا عن باعث الابتكار والإبداع في الصناعة لِتَوْفِيرِ التكاليف : تكاليف الخدمات والخامات ..... إلخ ، فينشط العقل في ابتكار حلول أو أدوات تُوَفِّرُ الطاقة ، وَتَنْشَطُ السلطة في البحث والتنقيب عن الخامات لا لِبَيْعِهَا بأسعار زهيدة لمن يملك أدوات الإنتاج ليعيد معالجتها وتكريرها فضلا أن يستخدمها في صناعات ذات قيمة مضافة هي قيمة الابتكار وقيمة الإنتاج الذي يحول الخام إلى منتج يصلح للاستهلاك ، فامتلاكه أدوات البحث العلمي وقاعدة الصناعة ذات التقنية العالية فضلا عن احتكاره يجعل الثروة تَتَرَاكَمُ في رصيده في مقابل مَا يستنزف من ثروة المالك للخام دون قاعدة إنتاجٍ فدوره يقتصر على الاستخراج والشحن ، فلا قاعدة إنتاج له لا كبيرة ولا متوسطة ولا صغيرة ، فقاعدة الصناعة قاعدة هشة ، أو هي ، كما توصف في اصطلاح الاقتصاديين ، هي قاعدة غير مريحة إذ تشكو من وجوه نقص وعيب في الإدارة وفي كفاءة الآلات وتحديثها وصيانتها ونظم الأمان ..... إلخ ، وهو ، كما يُشِيرُ بَعْضُ الاقتصاديين ، ما يُفَسِّرُ فَشَلَ الاقتصاد المصري في الاستفادة من قَرَارِ تعويم العملة الوطنية ، فإن مراجعة أرقام الصادرات المصرية في مقابل الواردات يكشف زيادة في عجز الميزان التجاري خلاف ما طمح إليه من اتخذ قرار التعويم أو أَوْهَمَ السامع أن هذا قَرَارٌ فاعل في تَنْشِيطِ عجلة الاقتصاد الراكد ، وفي تقرير أصدره الجهاز المركزي للمحاسبات في مصر يَرَى الناظر زيادة في فاتورة الاستيراد في شهر إبريل الماضي فقد جاوزت ستة مليارات دولار ، في مقابل 880 مليون دولار من الصادرات أو يَزِيدُ وهو رقم ضيئل يكشف أن الصادرات تشكل سدس الواردات ، فمقابل كل دولار تستفيده البلاد من حركة التصدير فإنها تدفع ستة دولارات في استيراد احتياجاتها ! ، وهو ما يُفْضِي ولو على المدى المتوسط أو البعيد إلى أزمة سيولة تَتَكَرَّرُ ، فالطلب على العملة الأجنبية يزيد وهو ما يُبِينُ عن زيف التحسن الحاصل في سعر الصرف في هذه الآونة فتلك ظاهرة مركبة من عوامل منها تَقْلِيصُ فاتورة الاستيراد وهو ما يسبب ركودا في حركة التجارة الداخلية إذ ثم سلع كثيرة تستوردها البلاد منها الضروري ومنها الكمالي ، فإذا تَقَلَّصَتْ فاتورة الاستيراد في دولة غير منتجِة كمصر تقلصت حركة التجارة جملةً وتجزئةً إذ المعروض يَقِلُّ وهو ما يُفْضِي ، من وجه آخر ، إلى ارتفاع السعر ، لا سيما إن كان المستورد المقلَّص أو ما تُفْرَضُ عليه زيادة في الجمارك ، خلاف ما لو كان سلعةً ضرورية تَرَى السلطة أنها كمالية أو هكذا تُوهِمُ الناظر لِيَرْضَى بهذا الإجراء المتعسِّف في حق عامة المستهلكين من الطبقة الوسطى والدنيا وهم الجمهور الغالب خلاف ما لو كانت السلعة المقلَّصة أو المفروض عليها زيادة في الجمارك ، خلاف ما لو كانت كمالية يَشْتَرِيهَا من لا يؤثر ارتفاع سعرها في معاشه كثيرا بل ربما لم يؤثر مطلقا فمهما بَلَغَ الثمن فهو يشتري بأريحية دون أن يشعر بالفرق ، فَتَقْلِيصُ فاتورة الكمالي هو الذي يتبادر وهو في الغالب ما لا يكون إذ أصحاب الدخول العالية لا يطيقون الصبر عن رغائبهم ولو تَرَفًا لا ينفع ، فثم من ينفق على إطعام كلبه أو هِرِّهِ ما لا تُنْفِقُ عائلة من الطبقة الفقيرة أو المتوسطة ، وطعام الحيوانات التي تمتلكها النخبة لا يكون بداهة من فضلات الطعام وبقايا اللحم والعظم ! ، بل يُطْعَمُونَ ما يُسْتَوْرَدُ خصيصا ! ، وهو ما يَزِيدُ في فاتورة الاستيراد بالنقد الأجنبي ، فغاية ما تصنع السلطة التي تمثل هذه النخبة دون بقية شرائح المجتمع أن تفرض هامش زيادة في الجمارك ، فضلا أن السلطة لا تطيق إغضابها ولو في كمالي تافه ! ، فإنها جمهورها الرئيس وهي الحاضنة التي تستفيد من وجودها في تحقيق أكبر قدر من الثروة نَظِيرَ ما تُقَدِّمُ من دعم مادي ومعنوي ، فالمال له من السلطان ما يُرَجِّحُ في معادلة السياسة وأصحابه في الغالب لا يريدون أي تَغْيِيرٍ يضر بمصالحهم الخاصة ولو صَبَّ في قناة المصلحة العامة ، لا جرم كانت السلطة المستبدة هي ملاذهم الآمن فَوَحْدَهَا من يُرَجِّحُ كِفَّتَهُم في هذه المتراجحة السياسية الجائرة التي تخالف عن قياس العقول الناصحة إذ تُرَجِّحُ المرجوح بلا مرجح صحيح ، فليس إلا التحكم فالمرجح الوحيد هو قوة السلطان والمال إذ يَتَّحِدَانِ جميعا ضد الصالح العام لجمهور الناس ، فالنخبة تَرْجُحُهُمْ في النفوذ وإن لم تَرْجُحْهُمْ في العدد ، فلا بد أن تُلَبِّي السلطة رَغَائِبَ هذه النخبة ، ولو كماليات تافهة على حساب سلع ضرورية للعامة ، فكمالي النخبة يَرْجُحُ ضروري العامة ، ولو كان الترجيح بينهما فكفة النخبة أرجح ، واضرب له مثلا بِتَقْلِيصِ مساحات زراعة الأرز لتوفير الماء بعد الأزمة التي تسببت فيها السلطة فلا بد أن يَتَحَمَّلَهَا أحد فإما السلطة وهي ، بداهة ! ، بَرَاءٌ من كل خطإ ونقيصة ! ، وإما النخبة التي يجب عليها في هذه الحال أن تُرَشِّدَ ما تستهلك في حمامات السباحة وَرَيِّ ملاعب الجولف والمساحات الخضراء الشاسعة في قصورها وتجمعاتها السكنية الفاخرة ، فضلا عن النهر الجديد الذي يُشَقُّ الآن ليستمتع به سكان العاصمة الجديدة ويتوقع أن يَسْتَنْزِفَ من حصة البلاد من ماء النيل 850 مليون متر مكعب ، ولو وُفِّرَ ما تُرْوَى به ملاعب الجولف وما تُمْلَأُ به حمامات السباحة مع إلغاء مشروع النهر الجديد فما يضير النخبة أن تعيش في العاصمة الجديدة بجميع امتيازاتها دون نهر يَشُقُّهَا ؟! ، فلو ادخر كل ذلك لكفى زراعة محصول استراتيجي كالأرز ولكن ذلك يَقُضُّ مضاجع النخبة إذ يَسْلُبُهَا بَعْضَ كمالياتها التي بها تَتَرَفَّهُ ، ولا إشكال عندها في الطعام والشراب وسائر الاحتياجات الضرورية من دواء ومسكن ومركب ..... إلخ ، فهي تملك من الثروة ما تشتري به الأرز الفاخر المحلي أو المستورد بأي سعر فلا يعنيها كثيرا أن تَتَحَوَّلَ البلاد من منتجة للأرز إلى مستوردةٍ مستهلِكة ، فذلك عليهم أهون من استلاب بَعْضِ حظوظهم في الحياة ولو تَرَفًا لا ينفع ، وهو ما يعكس طبيعة العقلية الرأسمالية التي تَنْطَلِقُ من قاعدة الأنا أثرة وأنانية ورغبة في حيازة أكبر قدر من الأرباح والمتع واللذات الخاصة ولو على حساب المصلحة العامة ، خلاف العامة فهم من يَتَضَرَّرُ من ذلك بما يكون من ارتفاع السعر فضلا عن فساد شبكات التصدير التي تملكها النخبة فَلَنْ تُطْعِمَ العامة بَدَاهَةً مما تطعم ، بل سَتَسْتَوْرِدُ لها كل رديء يضر فلا يعنيها إلا أكبر قدر من الربج ، فهي تستورد الرديء للجمهور ، والفاخر لها ، فالنخبة في جميع الأحوال لا تَتَضَرَّرُ ، وتلك فلسفة تَنْعَكِسُ على السياسة الاقتصادية العامة ، فإن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة ، على سبيل المثال ، وهي العاصمة الملكية التي تَقْتَصِرُ على النخبة ودوائرها المقرَّبة ، هذا المشروع كَمَالِيٌّ في هذا التوقيت وإن كان مشروعا عملاقا ، ولكن المشاريع العملاقة لا يَبْتَدِئُ بِهَا أَيُّ مثال اقتصادي ناجح فهو قمة الهرم ولا هرم يَنْشَأُ إلا من قاعدة راسخة ، بل لا هرم ينشأ بداهة من القمة فالهرم يُبْنَى من قاعدته لا من قمته إلا إذا كانت معلقة في الهواء بسحر ساحر أو فِعْلِ فَاعِلٍ يخالف عن قانون الجاذبية الأرضية ! ، فلا بد ابتداء من إنشاء قاعدة محكمة من الصناعات الصغيرة والمتوسطة قبل الانتقال إلى المشروعات العملاقة ، فيكون ثم كفاية وفائض يَتَوَجَّهُ استثماره إلى المشاريع العملاقة التي يُتَوَّجُ بِهَا المثال الاقتصادي الناجح لا أن تُسْتَقْطَعَ الأموال من موازنات عاجزة وتستلب المكوس ظلما من ثروة المجتمع لِتَصُبَّ في قناة المشروع العملاق ذي الطابع الدعائي فضلا أنه استثمار اقتصادي غير منتج ، فهو ، كما يقول بعض الخبراء ، ما اصطلح أنه مشروعُ المرة الواحدة ، فالعقارات لا تُنْتِجُ إِنْتَاجًا حقيقيا فَغَايَتُهَا أن تُدِرَّ دَخْلًا رِيعِيًّا يَقْتَصِرُ نَفْعُهُ على صاحب العقار ، فلا يحتاج إلى عمالة إذ استثماره غير منتج فلا يتحرك المال في سوق العمل في دورةِ اقتصادٍ نافعة ، فاستثماره مؤقت يَنْتَهِي عند إتمام المبنى ، فلا يمكن أن يَعْتَمِدَ عليه اقتصاد إذ له حد ونهاية فالناس لن يشيدوا لمجرد التشييد إلا إذا فسدت العقول فصارت ممن يَصْدُقُ فيه النكير قول الحميد المجيد جل وعلا : (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) ، فذلك استثمار لا يمكن أن يحقق نهضة عامة فَغَايَتُهُ نَشَاطٌ مُؤَقَّتٌ في استثمار معين وهو الاستثمار العقاري حتى تُتْخَمَ السوق وَيَزِيدَ المعروض مع ضعف القدرة الشرائية إذ نفد المال أو جُمِّدَ في المصارف أو العقارات أو الأرض ، أو هرب من بيئة استثمار غير آمن ، فرحل إلى أسواق أخرى آمنة ، فقد أتخم السوق العقاري في مصر ، على سبيل المثال ، فَثَمَّ الآن 125% إذ ثم 10 ملايين وحدة سكنية مغلقة من 40 مليونا ، فَرُبعُ الوحدات السكنية مغلق فَلَيْتَهُ كان مؤجرا يُدِرُّ ريعا على صاحبه فَيَزِيدُ استهلاكه وهو ما يحرك دوائر اقتصادية أخرى بما يكون من وَفْرٍ في السيولة ، فضلا أن يسهم في علاج أزمة الإسكان بِزِيَادَةِ المعروض التي تَفْضِي إلى انخفاضٍ في قيمة الإيجارات ، فقد صارت الغاية تَأْمِينَ الثروة بِتَجْمِيدِهَا في أصول ثابتة ولو غير منتجة ، فلا أحد يغامر في سوق غير آمنة أن يضخ أمواله في نشاط اقتصادي منتج فضلا عن غياب العدالة في التنافس مع دخول السلطة منافسا في الأنشطة الاقتصادية العقارية والصناعية ، المنتجة وغير المنتجة ! ، فقد دخلت في الاستثمار العقاري لا سيما في المدن الجديدة التي لا تسهم في علاج الأزمة فهي وحدات فاخرة لا يُطِيقُ العامة شراءها أو تأجيرها ، فذلك استثمار مُوَجَّهٌ إلى النخبة ، فلا يجني أرباحه إلا النخبة الحاكمة التي تستخدم أدوات السلطة في احتكار السوق ، بل وتكلف المجتمع أعباء استثماراتها وإنجازاتها ! ، كما يظهر في الموازنة الأخيرة فَثَمَّ مخصصات مادية بلغت 26 مليار جنيه إن لم تخن الذاكرة قد استقطعت من موازنة عاجزة ابْتِدَاءً أَنْ تَفِيَ بالخدمات الضرورية ، فَاسْتُقْطِعَتْ هذه المخصصات لِتُضَخَّ في استثمارات العاصمة الجديدة بوصفها مشروعا قوميا وإن لم تجن أرباحه إلا النخبة ! ، ولن يجد رفاهه إلا النخبة أيضا ! ، فما ذنب المجتمع أن يشارك في هذا الاستثمار ولا ناقة له فيه ولا جمل ، فَيُحَمَّلَ من نَفَقَاتِهِ ما يُسْتَقْطَعُ من خدماته على وجه يضر بالطبقة الوسطى أصالة فهي أعظم من يَتَضَرَّرُ من ذلك ، وهي ، مع ذلك المستهدف الأول على خلفية الخصومة السياسية إذ هي المحرك الفاعل في أي مجتمع لأي حِرَاكٍ يَعْتَرِضُ على السلطة فلا بد من إضعافها وتقليصها إلى الحد الأدنى لِنَزْعِ محرك الفعل من المجتمع ولا مركبة تسير بداهة بلا محرك ، فالطبقة الوسطى أعظم من يتضرر من دخول السلطة منافسا في الاقتصاد فضلا عن دخولها محتكرا فذلك ما يصيب المشاريع المتوسطة والصغيرة في مَقْتَلٍ ، وذلك ما ظهر في أرقام الموازنة الأخيرة كما ذكر تقرير صادر من البنك الدولي : الراعي الرسمي للاقتراض المصري ! ، فقد أبان عن ثمرة إصلاحاته الاقتصادية في مصر ! ، فَثَمَّ انخفاض في مخصصات التعليم من 3,6% إلى 2,5% جريا على النظرية خالدة الذكر : ماذا يصنع التعليم في وطن ضائع ؟! ، فلا بد من اسْتِنْقَاذِهِ بتجهيله وإفقاره وإمراضه وَقَصْرِ فُرَصِ الحياة الكريمة فيه على النخبة أو من يملك ثمن الخدمة الحر دون زيادة تضاهيه في الدخل ، وهو ما يظهر ، أيضا ، في تقليص موازنة الصحة إلى 1,6% فقط ! ، وحال القطاع الصحي العام على ذلك يشهد فقد آل إلى انهيار غير مُعْلَنٍ في إطار سياسة الخصخصة اضطرارا فلا بد من إفشال القطاع وإضعافه تمهيدا لِبَيْعِهِ لمستثمر محلي أو أجنبي بذريعة إعادة الهيكلة وتحديث الميكنة وزيادة الكفاءة ...... إلخ من الشعارات الكلاسيكية لسياسة الخصخصة الرأسمالية ، وهو أمر يجري على قدم وساق في جميع قطاعات الخدمة والإنتاج ، حتى بلغت الحال حد الطرفة أن ألغت مصلحة الضرائب عقد مَيْكَنَةٍ وتحديث مع جهة مختصة لِتَتَوَلَّى جهة سيادية هذه الميكنة ولا خبرة لها بداهة ! ، فتعاقدت من الباكن مع نفس الجهة الأولى التي أُلْغِيَ معها التعاقد المباشر فقد دخلت الجهة السيادية وسيطا لِتَنَالَ جزءا من الأرباح ! ، فكلمة السر : إفشالٌ ، ولو على الورق ، فقد تكون المؤسسة ناجحة فلا بد من تسجيلها فاشلة أو السعي في إفشالها فتلك ذريعة الخصخصة آنفة الذكر ، وتلك ثمرة من ثمار الإصلاح طبقا لتقريرات البنك الدولي ! ، فكل أولئك إنما استقطع لأجل المشروعات العملاقة أو mega project في دولة نسبة الفقر فيها حقيقة أو احتمالا تُنَاهِزُ 60% ، فاستقطع من التعليم والصحة ما يَصُبُّ في قنوات عدة كلها تصب في مصلحة السلطة حقيقة لا تَنَدُّرًا ! ، فَثَمَّ ما يصب في قناة المؤسسات السيادية شراء للولاءات السياسية بزيادة الرواتب والمعاشات وسائر المخصَّصات فضلا عن جودة الخدمات الصحية ..... إلخ ، وَثَمَّ ما يُدْفَعُ خدمةَ دينٍ أو قسط من أقساطه وهو دَيْنٌ على السلطة لا على المجتمع فإنما اقْتَرَضَتْهُ لأجل الإنفاق على مشروعاتها التي لا تجد التمويل فَتَلْجَأُ السلطة كأي رجل أعمال ! أن تقترض من الداخل كما اقترضت من البنوك المحلية أخيرا 20 مليار جنيه لاستئناف العمل المتعثر في العاصمة الجديدة ، وكما اقترضت من الصين 3 مليارات دولار ، ومن يدفع بداهة هو المجتمع الذي يتضامن مع سلطته المخلِصة فإنها لن تسدد الدين الداخلي ذا الفائدة العالية إلا بِفَرْضِ مَزِيدٍ من الضرائب والرسوم على العامة ، وكذلك الشأن في الدين الخارجي إن أطاقت السداد وإلا فمقابله جزء جديد من البلاد يُبَاعُ أو يسدد عوضا عن قيمة الدين ، وكأنك ترى غَرِيبًا يتصرف بالبيع والشراء في بيتك الذي يُؤْوِيكَ ولا تحرك ساكنا ، فالبيع والشراء يتم في حضورك وهو بيتك لا بَيْتُ البائع فضلا أن يهبه للمشتري أو يجامله بتخفيض قيمته ! ، وهو ، بداهة ، ما ينسف نظرية الولاء الوطني نسفا إِنْ سُلِّمَ ابتداء أنها صحيحة فكانت قيمة الإنسان أن يَنْتَمِيَ إلى حد جغرافي مُتَوَهَّمٍ لا إلى عقدٍ رسالي محكم ، فما يجري الآن ينسف هذه النظرية الوطنية نسفا وهو ما عبر عنه الصحفي البريطاني روبرت فيسك في عبارة موجزة جامعة مانعة تجري مجرى المثل السائر فالمصريون يُنَظِّفُونَ بيوتهم لأنهم يملكونها ولا يُنَظِّفُونَ شوارعهم لأنهم لا يملكونها ، ولذلك نَظَّفُوا شوارعهم وَنَظَّمُوا حركة السير فيها لما أَحَسُّوا ، ولو لحظة ، أنهم يملكونها بعد 25 يناير ، بل بيوتهم الآن قد صارت مهددة بِنَزْعِ الملكية طوعا أو كرها لمآرب سياسية كما الحال في سيناء أو أخرى اقتصادية لا تخلو من سداد فواتير سياسية آجلة كما الحال في جزيرة الوراق وإذ قال القوم : وطن لا نحميه فلا نَسْتَحِقُّ العيش فيه ، فالرد المباشر : وطن لا نملكه فلا يَسْتَحِقُّ الدفاع عنه ! ، فالبلاد تُبَاعُ قطعةً قطعةً ولو في صورة استثمار أجنبي أو حق انتفاع بل قد صار الأمر على المكشوف مع فتح باب التملك المطلق لأي مستثمر وافد من خارج دون التفتيش في تاريخه لا سيما بعد قانون التجنيس الأخير الذي يَفْتَحُ الباب على مصراعيه تحقيقا لأهداف سياسية واقتصادية بعيدة المدى تُحَوِّلُ البلاد تدريجا إلى مستعمرة أجنبية السادة فيها أصحاب رءوس الأموال الوافدة ، والعبيد هم أصحاب الأرض الذين صاروا رقيق الأرض ! .
    فَالدَّيْنُ الخارجي يُضَخُّ ، كما تقدم مرارا ، في استثمارات السلطة ذات الطابع الربحي السريع غير المنتِج ، فضلا عن الإعفاءات الضريبية والتسهيلات الإدارية التي تحظى بها المؤسسات السيادية فهي المستثمر وهي في نفس الآن جزء أصيل من السلطة فكيف تَفْرِضُ السلطة ضرائب ورسوما على نفسها ! ، فهي تفرض على المجتمع الذي يتحمل أعباء استثماراتها الموجَّهَةِ إلى غيره ، فلا نفع يعود عليه إلا نشاطا مؤقتا في الاستثمار العقاري ونفعه يعود على العمالة المؤقتة وَيَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ المشروع فليس ، كما تقدم مُنْتِجًا يُدِرُّ ربحا مستمرا وَيُوَظِّفُ عمالةً ويدفع رواتب منتظمة تسهم في زيادة الثروة الورقية في أيدي العامة على وجه يحرك عجلة البيع والشراء إذ تَزِيدُ قوة الشراء بما يحصل في يد الناس من نَقْدٍ وهو ما يَنْعَكِسُ بداهة على الإنتاج فهو يُغْرِي أصحاب الأموال أن يستثمروا في إنتاج السلع الضرورية التي يطلبها المستهلك العادي لا نظيره النخبوي فَيَتَوَجَّهُ الاقتصاد إلى وجهته الصحيحة : حاجات العامة لا كماليات النخبة ، والأولى لو تدبر الناظر أربح إذ هي أكثر ، فَعَدَدُ من يريد الطعام والشراب والكساء والدواء .... إلخ أكثر بداهة من عدد من يَقْتَنِي كلبا أو هِرًّا ويريد إطعامه طعاما فاخرا مستوردا ! ، وشرط ذلك ، أبدا ، أن يكون ثم عدالة في التنافس ، فَلَيْتَ السلطة إذ أرادت الربح اقتصرت في استثمارها إنتاجا أو استيرادا على كماليات النخبة فاستثمرت أموالها في إطعام الكلاب والقطط المترَفة ! ، ولكنها جاوزت ذلك فَضَيَّقَتِ الخناق على المنتج المحلي فقد زاحمته في القطاعات الاستهلاكية المربحة ، في إطار ما تقدم من متراجحة التنافس غير العادل فتحظى بإعفاءات وامتيازات فهي تستورد الخامات بلا جمارك ولا تدفع ضرائب بل ولا تدفع رواتب عمالة منتظمة فَتَسْتَفِيدُ من رقيق الأرض الذي يؤدي الخدمة الوطنية الإلزامية في مشاريع النخبة الاقتصادية نظير أجور رمزية فتلك عمالة موسمية مؤقتة تعمل سخرةً وَكَرْهًا بمقابل مادي زهيد وفي مناخ عمل فاسد ، فذلك شرط الحصول على صَكِّ الحرية من الخدمة الإلزامية ! ، فالسلطة لم تَتْرُكْ للمستثمر المحلي أو نظيره الأجنبي إن أرادا الاستثمار المباشر في قواعد إنتاج فاعلة في زراعة أو صناعة ، لم تَتْرُكْ لهما إلا هامشا ضيقا غير آمن ، فسرعان ما يغادران السوق طوعا أو كرها لتحتكر السلطةُ السوقَ وتوجهه حيث تريد إنتاجا أو تصديرا أو استيرادا فَثَمَّ شبكات فساد ومحسوبية تتحكم في سائر الأنشطة الاقتصادية مع تحالف آخر آثم مع رءوس الأموال الكبيرة التي تَضَعُ قدما في السوق بما يكون من علائق مع الجهات المتنفِّذَةِ في السلطة وهي ما لا يخلو بداهة من فساد ورشوة ، فإذا كانت الحال كما تقدم : بنية إنتاجية غير مريحة مع تعمد السلطة التضييق عليها لا سيما وهي تخطط للاستيلاء عليها عبر مؤسسات رسمية كوزارة الإنتاج الحربي بذريعة علاج الأزمة ، أزمة المشروعات المتعثرة ، ولو كانت السلطة من تسبب في عثرتها ، فهي تضع أمامها العراقيل وَتَدْخُلُ ضِدَّهَا في تَنَافُسٍ غير عادل فهو ، كما تقدم ، تراجح لا تعادل ، فكفة السلطة أرجح بامتيازاتها المادية والمعنوية فإذا فشل المنتج المحلي وأغلق مصنعه طوعا أو كرها بادرت السلطة فاستولت عليه وأعادت تَشْغِيلَهُ بذريعة العلاج فهي تفتتح المصانع ولو لم تكن مصانعها فقد أفشلتها ثم سَطَتْ عليها ونسبتها إلى نفسها جريا على سَنَنِ لباسِ الزور ! ، كما قد أُثِرَ عن المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ" ، فَثَمَّ رغبة نَرْجِسِيَّةٌ مَرَدُّهَا ، لو تدبر الناظر ، إلى تشوه نَفْسِيٍّ مُزْمِنٍ يشكو صاحبه عقدة النقص واحتقار الذات مع الرغبة في الظهور بمظهر العظيم في مشاهد الإنجاز المتوهَّمِ في افتتاح قناة أو تشييد عاصمة أو افتتاح جسر أو إنشاء أطول برج في القارة أو الإقليم ....... إلخ ، مع الحرص على ضَرْبِ الأرقام القياسية في مشاريع غير نافعة بالنظر في الحال الآنية فلا هي إنتاجية ولا هي تَفِي بحاجات استهلاكية مُلِحَّةٍ يحتاجها المجتمع فيعود نَفْعُهَا ابتداء عليه ، فقياس العقل أن المشروعات العملاقة تأتي تبعا لا أصلا ، وقد يصح تَبَعًا ما لا يصح ابتداء ، كما يقول أهل الشأن في ضوابط الفقه ، وذلك تَرْتِيبُ المقاصد في الشرع المحكم فالضروري أولا ثم الحاجي ثانيا ثم الكمالي ثالثا ، لا أَنْ يُنْفَقَ المال في الكمالي ولما يستوف صاحبه الضروري أو الحاجي ، فليس إلا الرغبة في الظهور بمظهر الغني المترف استنادا إلى ما تقدم من عقدة النقص واحتقار الذات ، وذلك إن احْتُمِلَ في سلوك فَرْدٍ سَفِيهٍ لا يحسن يُوَظِّفُ المال في وجوه النفقة تقديما للضروري على الكمالي فلا يُحْتَمَلُ ، بداهة ، في إدارة اقتصاد عام يخدم عشرات الملايين من البشر ، فالجناية في هذه الحال تطال الناس جميعا فَلَيْتَهَا جناية السفيه على نَفْسِهِ فَوَحْدَهُ من يتحمل أوزارها ـ بل لا يَتَحَمَّلُ منها شيئا فالمجتمع هو الذي ينوب عنه في تسديد فواتير مغامراته السياسية أو العسكرية وفواتير لقطاته الدعائية في افتتاح مشروعاته العملاقة وإن كان المجتمع لا يجد أكثره الحد الأدنى من المعاش الكريم والكفاية لما هو ضروري .

    والناظر في مفردات الصادرات والواردات آنِفَةِ الذكر ، فاتورة إبريل الماضي ، يجد أن الواردات من الضروري فهو مما تمس حاجة الناس إليه في استهلاكهم اليومي كالقمح فهو على رأس القائمة وأخيرا الأرز بعد أن تحولت البلاد بفضل السياسة الراشدة في علاج الأزمة المائية ! ، بعد أن تحولت من مُصَدِّرٍ ذي تَرْتِيبٍ متقدم وسمعة حسنة لجودة الأرز المصري كما قد كانت سمعة القطن والقمح رحمهما الله ! ، فتحولت البلاد من مصدِّر للأرز إلى مستورد لأردأ الأنواع فهي تستورد الآن الأرز الصيني الذي تزيد فيه نسب العناصر الثقيلة إذ قد زُرِعَ في تربة ملوَّثة ! ، فالناظر في فاتورة الاستيراد يجد أنها سلع ضرورية فضلا عن قيمة الفاتورة الكبيرة ، ويجد في المقابل فاتورة تصدير لمواد خام بلا معالجة أو منتجات تقليدية لا تضيف جديدا إلى قواعد الإنتاج فهي صناعات بسيطة فضلا أن بعضها شديد الخطر على البيئة فالدول الغنية تحظره على أرضها وَتَسْتَثْمِرُ في إِنْتَاجِهِ في الدول التابعة كما الحال في الإسمنت فهو من الصناعات الضارة جدا بالبيئة فضلا أَنْ لا قِيمَةَ مضافة فِيهِ بالنظر في تِقْنِيَاتِ الإنتاج القديمة ، وهو من أبرز الصادرات المصرية وليت القطاع الخاص هو من يُنْتِجُ إِذْ قَدْ دخلت السلطة كالعادة ! ، فزاحمت شركات القطاع العام حتى أفشلتها طبقا لسياسة الخصخصة آنفة الذكر وزاحمت القطاع الخاص فهو أضعف ثم احتكرت جزءا كبيرا من السوق المحلي المتخم الذي يشهد حال ركود فضلا عن سوق التصدير ، وَقُلْ مثله في بَقِيَّةِ الصادرات كالخضروات والفواكه فالسلطة الآن تملك قطاعا زراعيا عضويا لا تعالج فيه المحاصيل وِرَاثِيًّا أو كيميائيا ، وذلك ، بداهة ، ما يصدر إلى الخارج فالمجتمع لا يستحقه فضلا أنه لا يملك ثمنه إلا نخبة تشتري هذه المنتجات الفاخرة من المراكز التجارية العملاقة فلا يدخلها العامة بداهة إلا للفرجة أو للاستفادة من بعض العروض لمنتجات شارفت صلاحيتها على الانتهاء ! ، فالصادرات قليلة فضلا أنها تقتصر في الجملة على الخامات ، فلئن شهدت السوق المصرية طفرة في الصادرات عقيب قرار التعويم للعملة المحلية بلغت 20% إلا أن ذلك ، كما يقول البنك الدولي أيضا ! ، إنما مرده إلى طفرة في إنتاج البترول والغاز الذي يصدر إلى الخارج ولا يُضَخُّ في الداخل فَضَخُّهُ ابتداء في الداخل يزيد في المعروض ويؤدي إلى انخفاض أسعار الطاقة على وجه يخدم المجتمع الذي لا يستحق كالعادة ! ، فالتصدير واستجلاب العملة الصعبة أهم من احتياجات الناس الضرورية على وجه لا يخلو بداهة من فساد في الصفقات إن على قاعدة الفواتير السياسية التي تُسَدِّدُهَا السلطة ، وما أكثرها ! ، كما ظهر في منح شركة إيني الإيطالية حصة وافرة من حقل غاز ظهر لغلق ملف مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في يناير 2016 ، فضلا عن الفساد الاقتصادي بالاستيراد بأسعار عالية كما هي الحال في الغاز المسروق المستورد من كيان يهود بذريعة تغطية الاحتياجات المحلية وإقامة قاعدة تسييل وتصدير تسهم في تَنْشِيطِ الاقتصاد ولو بمال مسروق وليت الأمر كذلك مع كَوْنِهِ محرَّما منزوع البركة ! ، بل السلطة الوظيفية في مصر تؤدي وظيفة جديدة وهي تسهيل نقل الغاز المسروق من الكيان اليهودي وهو السارق ! ، فَيُصَدَّرُ ما سرقه من الغاز إما من مصر فَبَعْضُ حقوله تقع في مياه مصر الاقتصادية وإما من أصحاب الأرض ، فَيُصَدَّرُ ما سرقه عبر مصر التي تُفْسِحُ في حَدِّهَا المائي ما يغني الكيان الصهيوني عن البديل التُّرْكِيِّ ! ، فَثَمَّ خط ملاحة دولي لا يخضع لسلطة أحد بعد أن قَلَّصَتْ مصر حَدَّها المائي الشمالي فضلا عن مدها أُنْبُوبًا إلى قبرص الشقيقة ! وإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط بعد استبعاد العدو التُّرْكِيِّ وتقريب نظيره اليهودي والقبرصي واليوناني مع ممارسة التحرش بتركيا عبر قبرص على وجه يرجح أن هذا المنتدى ، منتدى غاز المتوسط ، هو منتدى عسكري ولو بالنظر في المآل رغبة في استدراج تركيا إلى حرب كخيار أخير في إسقاطها وإرجاعها دولة وظيفية تابعة فهي الآن تحاول الخروج عن هذا الوصف إلى وصف الدولة المستقلة ولو جزئيا وكذا الشأن في إيران على تَفْصِيلٍ ليس هذا محله فليست التَّجْرُبَتَانِ على حد سواء ، فالحرب ، كما يقول بعض الفضلاء ، هي الإجراء الأخير في هذا الملف ، فأي دولة تجاوز حدها الوظيفي أو تَرُومُ ذلك وتسعى في تحويله من القوة إلى الفعل باتخاذ إجراءات على الأرض فلا بد من المسارعة بالحصار الاقتصادي أو الاغتيال السياسي أو الانقلاب العسكري أو الحرب فآخر الدواء الكي ! .
    والشاهد أن هذه الطفرة في الصادرات المصرية عقيب تحرير سعر صرف العملة الوطنية لم يكن مردها إلى طفرة في الإنتاج ، وإنما كانت طفرة في استخراج البترول والغاز الذي لا ينتفع فيه الشريك المصري إلا بنحو 20% فقط من قيمته فالباقي يذهب إلى الشريك الأجنبي في صور عدة كدفع تكاليف الحفر وأثمان المعدات على وجه لا يخلو بداهة من المبالغة في تقدير الأسعار بما يدفع من عمولات تحت الطاولة ، مع التصدير بأسعار تفضيلية زهيدة ، فَيُشْتَرَى الغاز المسروق من كيان يهود بأسعار تفضيلية عالية ويصدر المحلي في المقابل بأخرى تفضيلية ولكن زهيدة ، فالمستفيد أبدا ليس المجتمع وإنما الخارج فضلا عن السلطة التي تقبض عمولتها بوصفها الموظَّف الفاسد الذي يسهل تمرير الصفقة المشبوهة .
    فإذا كان إِنْتَاجٌ في الداخل فالسلطة تُنْتِجُ الرديء بأقل التكاليف لتربح ولو على حساب المجتمع ، وإن أنتجت فاخرا فالنخبة هي من يأكل ويشرب ويستهلك ، وإن استوردت فَقُلْ مثل ذلك فالرديء للعامة كالقمح غير الصالح الاستهلاك الآدمي أو الأرز الملوث بالعناصر الثقيلة ، والفاخر للنخبة من طعام الكلاب والقطط وخلافه ! ، وهو ما يُذَكِّرُ الناظر بالمثال الرأسمالي القياسي في المركز فالأطراف على منواله تَنْسِجُ ، فثم مثال اصطلح أنه "المجمع العسكري الوطني" في أمريكا وقد كان الرئيس الراحل دوايت أيزنهاور أول من ذكره في خطاب وداعه للأمة الأمريكية بعد انتهاء فترة رئاسته الثانية 17 يناير 1961 ، كما تذكر بعض الموسوعات الإلكترونية ، فهو مجمع النخبة الصناعية الرأسمالية التي تهيمن على السوق انطلاقا من قيم نيوليبرالية احتكارية لا تلتزم بمبادئ الديمقراطية التي تَتَشَدَّقُ بِهَا ليلَ نهارَ أنها واحدة من أعظم المنجزات الفكرية للحضارة الغربية ، فتلك فِئَةٌ يُعَرِّفُهَا بعض الباحثين أنها : "فئة من القادة السياسيين والعسكريين وأصحاب الأعمال تحركهم مصالح مشتركة ، وهم القادة الحقيقيون للدولة ، وهم بعيدون على نحو فعال عن السلطة الديمقراطية" . اهـ

    فهم نخبة نيوليبرالية تجاوز بمصالحها الخاصة القيمَ الديمقراطية ذات الطابع الاجتماعي ولو في شقها الإجرائي المعلن بِغَضِّ النظر عن عَوَارِهَا الأيديولوجي الذي يخالف عن الوحي السماوي ، فالنيوليبرالية هي اختيار الأقلية على حساب الأغلبية على وجه يَنْسِفُ النظرية الديمقراطية إذ يَؤُولُ الأمر إلى نخبة صغيرة تحكم بما احتكرت من أدوات القوة والثروة ، فَتَحْكُمُ بما يواطئ مصلحتها الخاصة وإن أهدرت لأجلها المصلحة العامة .
    وَمَرَدُّ ذلك ، لو تدبر الناظر ، إلى المرجعيات الفكرية الأولى فمن ينطلق من مرجعية السماء التي تجاوز الأرض فهو بداهة لا يضع سياسة الاقتصاد على هذا المثال الاحتكاري الأناني إذ ثم قيم تجاوز الأنا فهو يخضع للإله الحق ، جل وعلا ، خلاف من يَرَى أنه هو الإله فلا مرجع يجاوزه من خارج بل قد مات الإله وصار هو البديل فهو ينطلق من مرجعية ذاتية لا تجاوزه ، فغاية ما يروم هو تحقيق أرباحه وَلَذَّاتِهِ الخاصة على وجه تَعْظُمُ فيه الأنا وَتَتَضَخَّمُ فَتَمْلَأُ المشهد وما سواها فهو خادم لها تُوَظِّفُهُ تارة وَتَلْهُو به أخرى فَلَيْسَ إلا أدة كسب أو متعة ! .
    وذلك ، لو تدبر الناظر ، هو تعريف النخبة الوظيفية التابعة في الأطراف وإن كانت صورتها أردأ وأحقر ، فهي تَنْظُرُ إلى المجتمع نَظْرَةَ المركز إلى بقية العالم : أداة الكسب والخدمة والمتعة ، وفي جميع الأحوال فإن الثروة تتدفق في اتجاه واحد من المجتمع المستنزَف إلى السلطة المستنزِفة ، على وجه يدمر بِنْيَةَ الاقتصاد المتوسط والصغير إذ المنافس محتكر يَسْعَى في القضاء على المنافس الأضعف ، ولم يستفد الاقتصاد المصري من قرار التعويم آنف الذكر إلا استثمارات مباشرة بلغت مليار دولار فقط ! ، فَأُفْقِرَ الناس وَخَسِرُوا نصف مدخراتهم بالعملة المحلية في يوم وليلة ! جَرَّاءَ هذا القرار الجريء لتربح البلاد مليار دولار فقط في استثمار أجنبي مباشر وقد كان هو الحجة لهذا القرار الجائر فإنه إن كان يفيد فإنما يفيد بلادا تملك قواعد إنتاج متطورة فَلَهَا إنتاج كبير يَزِيدُه تعويم العملة الوطنية رواجا لانخفاض سعره مع جودة تلائم جميع الشرائح المستهلِكة فَثَمَّ تَفَاوُتٌ في الخامات بما يلائم الجميع ، فإذا امتلكت الدولة قاعدةَ إِنْتَاجٍ مع وفرة في الأيدي العاملة ، كما يُضْرَبُ المثل بالصين ، فإن تعويم العملة الوطنية لا يضر الاقتصاد بل هو أمر نَافِعٍ تَسْعَى فِيهِ السلطة ، لا جرم كان سعر صرف اليوان الصيني منخفضا ، وكان ضغط واشنطن أن تَرْفَعَ الصين قيمته فذلك ما يَزِيدُ من أسعار السلع الصينية وهو ما يُفْقِدُهَا ميزتها التنافسية ، وقد اتخذ الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون القرار نَفْسَهُ فخفض قيمة الدولار لِتَنْشِيطِ الاقتصاد الأمريكي ، فألغى التزام أمريكا أن تُغَطِّيَ الدولارات خارج حدودها بغطاء ذهبي فانخفضت قيمة الدولار وأفضى ذلك إلى تراجع في أسعار المنتجات الأمريكية وزيادة الطلب عليها وهو ما زَادَ في حركة الإنتاج والتصدير وَقَلَّصَ من أزمة البطالة ولو بإفقار الآخرين بهذا القرار الصادم الذي حمل لقب صدمة نيكسون وهو ، لو تدبر الناظر ، ما يَتَمَاهَى مع القيم الرأسمالية الأمريكية التي تَتَّسِمُ بالأثرة والأنانية فلا يَعْنِيهَا إلا مصلحتها الخاصة ولو إضرارا بغيرها ، فالاقتصاد الأمريكي يَحْتَمِلُ تبعات هَذَا القرار بل هو ، كما تَقَدَّمَ ، يَنْفَعُ بِزِيَادَةِ الإنتاج والتصدير وَتَوْفِيرِ فُرَصِ العمل إذ مناطه : أن تمتلك الدولة قاعدة إنتاج متطورة فَثَمَّ وفرة في الإنتاج تغطي احتياج السوق المحلي بأسعار ملائمة فضلا عن فائض تصدير ، فَتَزْدَادُ ثروة البلاد من العملة الأجنبية ، فتعويم العملة الوطنية في هذه الحال يُفْضِي إلى استجلاب العملة الأجنبية ، إما بزيادة التصدير بأسعار تنافسية أو بزيادة الاستثمارات الأجنبية في البلاد إذ الأيدي العاملة رخيصة فالعملة الوطنية منخفضة القيمة لا سيما إن كانت بيئة الاستثمار آمنة ، فلا بد من منظومة قانونية محكمة توفر الحماية والعدالة في التنافس وهو ، بداهة ، ما يناقض الاحتكار الذي يمارسه رأس المال لا سيما إن كان من النوع السيادي ! ، فإذا كان ثم قاعدة إنتاج متطورة مع منظومة اقتصاد آمن يمتاز بعدالة التنافس فذلك ما يستجلب رءوس الأموال المحلية والأجنبية فهي تستثمر في أسواق آمنة ، لا سيما إن كانت الفائدة البنكية في أدنى درجاتها ، فإذا بلغت الرقم صفر ، فالأموال تغادر المصارف اضطرارا إذ لا فائدة في رُكُودِهَا فَذَلِكَ يُفْضِي إلى انخفاض قوتها الشرائية ، فتضخ في سوق العمل الآمن ، وتستثمر في قطاعات إنتاج فاعلة تزيد من حجم الثروة العامة إذ تَزِيدُ فُرَصُ العمل وَتَرْتَفِعُ الدخول لا سيما إن كان ثم فائض تصدير لمنتج ذي قيمة مضافة وهي جودة الصناعة فلا يصدر خامات أولية لا إبداع فيها سوى استخراجها ! ، وإذا زادت الدخول زاد الطلب على المنتجات ، فاكتملت الحلقة رواجا في الإنتاج وهو المبدأ لِتُعَادَ الكرة ، ويكون من زيادة فرص العمل بزيادة المشاريع الإنتاجية التي تحفز الدولة والمجتمع فَثَمَّ هدف مشترك في تحقيق الكفاية الذاتية دون حاجة إلى الخارج فذلك ما يستنزف الثروة الوطنية بفاتورة استيراد عالية سواء أكانت للخامات أم للمنتجات فالدولة المنتِجَة تملك حافز التنقيب عن المواد الأولية لا لتصدرها خامات ساذجة وإنما لِتَنْتَفِعَ بها في مشاريع إنتاج محلية فالدولة ذات التخطيط المحكم تملك الحوافز كلها : حافز التنقيب عن الخامات ، وحافز الابتكار لأدوات الإنتاج ، وحافز التصنيع ، وحافز التكثير لسوادها فإنها تحتاج إلى وفرة في الأيدي العاملة فالحلقات جميعا تَزْدَهِرُ خلافا لما يَرَى الناظر في النظم الفاشلة التي تَرَى زيادة القوة البشرية أزمة اجتماعية بل ثم من السفهاء من يستثمر فيها ترويجا لبضاعة سياسية كاسدة : بضاعة مكافحة الإرهاب والتطرف فإن زيادة السكان رافد رئيس من روافد الإرهاب ! ، والسلطة ، بداهة ، بَرِيئَةٌ ! ، وآية بَرَاءَتِهَا ، لو صدقت ، أَنْ تُعَبِّرَ عن هوية المجتمع تَعْبِيرًا صادقا يحسم الإشكالات الأيديولوجية التي تستنزف العقول في صراعِ أفكارٍ يفترض في أي أمة ناهضة أنها قد حسمته انتصارا لهوية المجتمع الذي تَنُوبُ عنه عوضا أن تصادمه في خصائص ثقافته وحضارته فَتُوَفِّرَ بيئةَ تَوَتُّرٍ خصبة بما تستفز به المجتمع في باب الهوية والفكرة فهي تَتَقَصَّدُ الطعن في ثوابته والحط من أخلاقه .... إلخ ، فإذا اجتمع مع ذلك فشلها في تَنْمِيَةٍ بشرية معتبَرَةٍ ، ولو انطلاقا من مشروع تَغْرِيبٍ وعلمنة يخالف عن قيم المجتمع الأصيلة ، فلا تعليم ولا صحة ولا إنتاج يستوعب الداخلين في سوق العمل ، فليس إلا الهيمنة انطلاقا من نظرية احتكار واحتقار ، فاحتكار للثروة واحتقار لبني الجلدة فهم المتخلفون الرجعيون العالة على الدولة إذ لا يعملون ولا يُنْتِجُونَ وَإِنْ ضُيِّقَ عليهم فضاء العمل والإنتاج وَحُوِربُوا حَرْبًا غير عادلة تفتقر إلى أدنى معايير العدالة والنزاهة ، فتلك نظرية السلطة المستبدة لا سيما إن كانت من النوع العسكري ، فهي ، كما يَتَنَدَّرُ بعض المحللِينَ ، تحتقر المجتمع إذ تعتقد خيانته حتى يثبت عكسها ، ومعيار أمانته الوحيد أن يكون للسلطة التابعَ الذليل ، فمعيار ولائه أن يهتف بحياة الزعيم الذي اختزل البلاد في شخصه المقدس ، سواء أكان شخص السلطة الاعتباري أم شخصه الحقيقي ، وهي ، أي السلطة المستبدة تَنْسِبُ النجاح إليها وحدها ، وليس ثم نجاح يذكر إلا النجاح في فَرْضِ استقرارٍ هِشٍّ عمادُه الرئيس قبضة القمع مع التحول من الاقتصاد المنتج المجهِد إلى الاقتصاد السهل : اقتصاد الاستهلاك إن كان ثم فائض ثروة في البلاد الغنية ، ونظيره من اقتصاد التسول في البلاد الفقيرة التي أتت السلطة على ثروتها من الموارد وقواعد الإنتاج والعقول المفكرة ...... إلخ ، فهي سلطة ترفع شعار : الانكماش والإفقار ، وإن في النسل ، فتلك دعاية الأنظمة المستبدة التي لا تملك رؤية ولا تخطيطا ، فضلا أن يكون ذلك قَرَارًا يجاوزها فليست إلا سلطة إنفاذ وظيفية تدير البلاد طبقا لإملاءات من خارج فليس ثم ذاتية في المرجع السياسي مع أنها تزعم أنها علمانية والعلمانية تعتد بالمرجعية الذاتية فتأبى الانقياد لمرجع يجاوزها من خارج ! ، فهي تأبى الانقياد لمرجع سماوي يجاوزها من خارج ، ولا تأبى نظيره إن كان المرجع المجاوز من خارج هو النظام الدولي فهو ، كما يتندر بعض الفضلاء وهو يشرح نظرية التقييم لأعمال الإدارة والصيانة ..... إلخ ، هو كالمكتب الفني الذي ينظر من خارج فَيَضَعُ خطة العمل ولا يشغل عقله بدقائق التفاصيل في عملية الإنتاج فدوره أن يضع الخطوط العريضة فالنظام الدولي يضاهي هذا المكتب الفني الذي يضع الخطة فهو المرجع المجاوز من خارج الذي يحكم الأطراف عبر وسائط وظيفية تخصم من الاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، فَتُحَوِّلُ المجتمع من مجتمع فاعل ذي هوية خاصة إلى مجتمع خامل تابع بلا هوية وهي باعث الإنتاج الأول ، سواء أكان إنتاج الفكرة أم السلعة ، فيتحول من مُنْتِجٍ إلى مستهلك في الدول الغنية التابعة ، ومن منتِج إلى مُتَسَوِّلٍ في الدول الفقيرة التابعة ، فلا يكون ثم إنتاج ولا استثمار في الموارد البشرية أو الطبيعية ، فلا أداةَ صناعةٍ لفكرة ذاتية تشكل الرأي العام المستقل غير التابع ، ولا أداة تنقيب عن الثروة إلا لِبَيْعِهَا بأسعار تفضيلية للدول المالكة لأدوات الإنتاج التي وضعت على الأطراف أنظمةً وظيفية غَايَتُهَا : العمولةُ السياسية أو المالية ، فهي تُسَهِّلُ عبور الثروة من الأطراف إلى المركز نظير العمولة آنفة الذكر ، سواء أكانت الثروة المادية من الخامات أم نظيرتها من العقول والأفكار ولو بصناعة بيئة استراتيجية طاردة للعقول النابهة لِتَتَلَقَّفَهَا جهات البحث والابتكار في المركز ، فهو يتمدد في مقابل انكماش الأطراف ، فتلك نظم الاستبداد الذي لا تعرف إلا سياسة الانكماش ، فانكماش في العدد ، وانكماش في الثروة وفق مخطط محكم يجاوز بداهة دوائر صنع القرار في الأطراف فذكاؤها لا يبلغ هذا الحد ، وإن بلغه في نوادر لا حكم لها فهو لا يجاوز دوائر التنفيذ ، فدوائر التخطيط العليا تجاوز هذه العقول الفقيرة ، فَلَوْ كانت ثرية ما رضيت خطة الخسف ، فَفَقْرُهَا ينعكس على المجتمع فهي ساعية في إفقاره راغبة في انكماشه البشري والمادي والمعنوي ، فَفَقْرُ النخبة وفقر الثروة وفقر الفكرة ، فلا يكون ثم منافس تخشى بأسه بعد تجفيف منابع القوة بذرائع شتى لا سيما الذرائع الأيديولوجية ، فتجفيف منابع القوة يَتَسَتَّرُ خلف الشعار المركزي الرائج : تجفيف منابع الإرهاب والتطرف ، ولو كان ثم ثراءُ فكرةٍ ولو في الإجراء والتنفيذ ، فَثَمَّ ، كما تقدم من مقال بعض الفضلاء ، ثَمَّ فقر في الضمائر والأخلاق ، فما تَنْفَعُ الفكرة في الإدارة والإنتاج إن كان ثم فقر في الضمائر والأخلاق ؟! ، فالفكرة في هذه الحال وَبَالٌ فلا بد من منظومة قيم وأخلاق تحرسها ، فهي تشكو ، أيضا ، الفقر والانكماش : العنوان الرئيس في حكم الاستبداد لا سيما إن كان من النوع الوظيفي التابع ، فثم انكماش في الاقتصاد ، محل الشاهد ، فالقوة الشرائية للعملة الوطنية تقل ، وحجم الثروة في المجتمع يقل إذ السلطة تَسْتَنْزِفُهَا بما تفرض من ضرائب ورسوم تجاوز حد السلع والخدمات ، فهي تلجئ رأس المال الأجنبي أو المحلي أن يغادر السوق المحلية فلا يجازف في بيئة استثمار غير آمنة وغير عادلة في معاييرها التنافسية ، فهو إما أن يختار الاستثمار الآمن ! في سعر الفائدة المرتفع الذي يجتذب المال فيغادر سوق الاستثمار وهو ما يصب في قناة المحتكر الراغب في تصفية الخصوم فهو يضيق فضاء الاستثمار في مقابل ما يمتلك من أدوات الإنتاج وما يحتكر من أدوات السلطة الناعمة والخشنة ! ، فَيُلْجِئُ الخصمَ أن يغادر فهو إما أن يغادر إلى الخارج فَيُصَفِّيَ أصوله ويبحث عن سوق استثمار آمنة وإما أن يغادر إلى المصارف التي تجتذب رءوس الأموال بأسعار الفائدة العالية وهي ، أيضا ، عنوان فشل رئيس في أي بيئةِ اقتصادٍ غير مُنْتِجٍ ، فما يحمل رأس المال أن يجازف في أصول إنتاج ذات عائد بعيد المدى وثم استثمار آمن في أدوات الدين المحلي بأسعار فائدة عالية ، فلو كانت بيئة الاستثمار آمنة وكان العائد أقل من سعر الفائدة لانصرفت رءوس الأموال إلى الربح الأعلى في البنوك ، فكيف وبيئة الاستثمار كاسدة وغير آمنة لما تقدم من انعدام العدالة وَالنَّزَاهَةِ ، فانصراف رءوس الأموال إلى البنوك ذات الفائدة الأعلى يثبت من باب أولى لا سيما ومنظومة القيم والتشريعات قد حادت ابْتِدَاءً عن جادة الوحي وجادة القيم التي تَسْتَقْبِحُ الأثرةَ والأنانية ، فإن رأس المال الباحث عن الربح السريع الآمن لا يقيم وزنا لمعنى التكافل والتراحم فَغَايَتُهُ أن يربح ولو خسر المجتمع كله وَتَحَمَّلَ أعباء ربحه ، وهو ما يصنع رأس المال الربوي فإن فوائده التي تَلْتَزِمُ الجهات المدِينَةُ بسدادها ، فإن فوائده تستقطع من ثروة المجتمع ، فإن كان المدين هو المستتثمر الصغير فإنه يحمل المستهلك أي زيادة ، زيادة فائدة القرض أو تكلفة الخدمات والخامات ..... إلخ ، وإن كان المدين هو الدولة فإنها تستقطع الفائدة من ثروة المجتمع بانكماش آخر في الخدمات التي تَتَرَاجَعُ فَيَقِلُّ الإنفاق عليها فضلا عن زيادات مطردة في الأسعار بذريعة تحرير السوق ورفع الدعم دفعة دون خطط حماية محكمة تَقِي الطبقات الفقيرة تَبِعَاتِ ذلك ، فَتُفْضِي الحال إلى تَقَلُّصٍ في ثروة المجتمع بما يستنزف منها ، وهو ما يُفْضِي تِلْقَائِيًّا إلى تَقَلُّصِ الطلبِ على السلع والخدمات ، وهو ما يُفْضِي إلى تَرَاجُعِ الإنتاج فَتَقِلُّ الأرباح ويضطر المنتِج أن يُقَلِّصَ نشاطه فيستغني عن جزء من العمالة فضلا أن يوظف أخرى جديدة فليس ثم إنتاج ، وهو ما يفضي به إلى التصفية والخروج من السوق طوعا أو كَرْهًا بما تفرض الجهات السيادية من مَعَايِيرِ تَنَافُسٍ غير عادلة تعطيها الأولوية في السوق لا كفاءة ولا نَزَاهَةً وإنما إساءة في استخدام النفوذ ، فتخرج الأموال من سوق العمل الراكدة إلى أخرى رائجة ، أو تتراكم في المصارف لتفاقم الأزمة فقد صارت عالة على المجتمع فلم تعد لها وظيفة إنتاج خادمة للمجتمع بل قد صارت أدواتِ استنزاف لثروته بما تحقق من أرباح ربوية ، فليس ثم ربح إِنْتَاجٍ فتلك كلمة لا توجد في قاموس الاستبداد لا سيما إن كان من النوع الوظيفي التابع الذي يمارس التجارة والاستثمار انطلاقا من نظرية الفهلوة ! ، فَيَرُومُ الكسب السريع فما أيسر تصفية قاعدة الإنتاج المحلي فهي عبء على المستورد الذي يضيق ذرعا بالمنتج المحلي فهو راغب في تصفيته وإخراجه من السوق لتخلو له فيحتكر السلعَ إما استيرادا لكل رديء ، أو إنتاجا في الداخل بمعايير رديئة وأسعار مرتفعة فليس ثم منافس يخشاه فهو يتحكم في السوق لا عن كفاءة أو نَزَاهَةٍ وإنما بِسَطْوَةِ القانون الذي يكتبه بما يواطئ حظوظه الخاصة ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، ما يُقَلِّصُ حجم الثروة فَيَقِلُّ الإنفاق والاستهلاك الذي يزيد في فرص الاستثمار والإنتاج انطلاقا من نظرية "التدفق الفعال" فزيادة الثروة في أيدي الناس تَزِيدُ من الطلب على السلع فَتَزِيدُ فرصُ الاستثمار لا سيما إن كان ثَمَّ قواعدُ إنتاجٍ محلية تُوَفِّرُ السلعَ بأسعار ملائمة ، وإن كان ذلك ، كما يقول بعض الاقتصاديين ، سلاحا ذا حدين ، فإن زيادة الثروة في أيدي الناس دون ثقافة استهلاك راشد فضلا عن أخرى في الإنتاج النافع ، فإن زيادتها مع ذيوع ثقافة الاستهلاك غير الرشيد تفضي إلى سحب المعروضِ كله وحصول أزمة تُفْضِي إلى ارتفاع الأسعار ، فالسلطة الرأسمالية تلجأ في هذه الحال إلى رفع سعر الفائدة البنكية لتجتذب فوائض الأموال فلا تنفق في استهلاك غير راشد ، وخير من ذلك وأفضل بمعيار الوحي والعقل جميعا ، أن يحفز أولئك على الاكتتاب بفوائض أموالهم في أصول إنتاجية تحقق لهم أرباحا حقيقية لا أخرى ورقية تدفعها البنوك إما باستقطاعها من ثروة المجتمع بما تقدم من سياستها في الإقراض للمستثمر أو الدولة ، أو بطبع العملة فتزيد نسبة التضخم التي تلتهم هذه الزيادة الورقية التي لا تعكس أخرى في الإنتاج الحقيقي ، فهذا الإنتاج لا يكون إلا ثمرة سياسة وتخطيط راشد بَاعِثُهُ تَمَايُزٌ في القيم والأفكار التي تصنع الحضارة فذلك شق أيديولوجي ، واستقلال ذاتي فذلك شق سياسي ، ومعايير تَنَافُسِيَّةٌ عادلة فذلك شق اقتصادي ، ولا يكون ذاك ، بداهة ، وثم احتكار ، سواء أمارسته السلطة أم مارسته رءوس الأموال الخاصة أم مارسه كلاهما في إطار ما يطرد في الأنظمة المركزية المستبدة من تحالف آثم بين قوة السلطة وقوة المال ، فضلا أن يجمعهما واحد فيكون السلطان هو الزارع والصانع والمالك لأدوات الإنتاج في إطار ما تقدم من سياسة الاحتكار وإن بقشرة رأسمالية ليبرالية فإن الليبرالية ، لو تدبر الناظر ، تحمل في رحمها جنين الاستبداد والاحتكار إذ تُعَظِّمُ قِيَمَ الذات والأنا فَلَذَّتُهَا هي الغاية وإن توسلت إليها بالقوة الجائرة إن في السياسة أو في الحرب أو في الاقتصاد ، محل الشاهد ، فلا تَتَوَرَّعُ أن تحتكر وتضر بالمنافس ، إذ ثَمَّ ضيقُ أُفُقٍ لا تُجَاوِزُ العين فِيهِ الأنا فَلَا تَنْظُرُ بعين الاعتبار في المصلحة العامة ، فكيف إن اقْتَرَنَ ذلك بالاستبداد فلم يكن ليبراليا قياسيا ، فالليبرالية وإن قياسية تكرس قيم الاحتكار الذي تمارسه رءوس الأموال الكبيرة طوعا بصفقات الاندماج ونحوه أو كرها وإن ناعما في الدولة المتقدمة فلا يكون الإقصاء الخشن بالمصادرة والضغط كما هي الحال في الدول المتخلفة ! ، فلا يكون ثَمَّ عدالة في التنافس ، فالصفقات تمنح للجهة السيادية ، ولا أحد بداهة يسأل : من أعطاها هذه الصفقة في إطار ما تَزْعُمُ السلطة أَنَّهَا ليبرالية في باب الاقتصاد ، فلا تعرف من الليبرالية إلا تحرير الأسعار لتوافق السعر العالمي مع انخفاض الدخول عن أدنى الحدود في الدول التي يُقَارَنُ سعر الخدمة في مصر بها ، مع كون الخدمة في مصر رديئة ، فضلا أن ما يُلْغَى من دعمها لا يسد ، كما تزعم السلطة ، لا يسد أبوابا أخرى على وجه فاعل ، فهو مبلغ زهيد تافه لا يجاوز في بعض التقديرات عشر الأقساط المستحقة من فوائد الدين لا أصله ! ، فهذا المبلغ هو ما سَيُصْلِحُ حال البلاد الخربة ! ، وليس الأمر إلا انصياعا لشرط الجهة المقرِضة مع ملاينة فلا ممانعة إذ لا تشعر السلطة في بِنْيَتِهَا الصلبة ودوائر الانتفاع المحيطة بها ، لا تشعر بهذه الأعباء ، فضلا أن لها هوى سياسيا يَرْغَبُ في تأديب الشعب الأهوج لئلا يحدث قلاقل أو اضطرابات فأي انفراج في المعاش يفضي إلى نشاط الطبقة الوسطى بعد كمون ، ونشاطها ، وهي الطبقة الأكثر فاعلية في أي حراك سياسي أو اقتصادي مستقل يخرج بالمجتمع عن سيطرة السلطة المباشرة ، نشاطها يَقُضُّ مضجع السلطة ، فإجهاد المجتمع واستنزافه ، وعدم توفير الشبكات الاجتماعية الآمنة التي تحمي المجتمع من توابع السياسات الليبرالية التحريرية إلا ما يكون من شبكات هشة تحكي هشاشة الدولة في مقابل تضخم السلطة فلا يكون ذلك إلا على حساب المجتمع والدولة كأجهزة تنفيذ وخدمة فقد صار اختبار ولائها السياسي هو واجب الوقت لا اختبار الكفاءة والحياد في تقديم الخدمات ، فثم شبكات حماية هشة تجري مجرى الوفاء بالشرط على الورق ! ، شرط الجهة المقرِضة أن يحرص المقترِض على تقليل الخسائر بما يزيد من برامج الدعم للطبقات الفقيرة ، فضلا أن يعطي المجتمع دورا حقيقيا في المشاركة في العمل الخدمي بلا خوف من المراقبة أو المصادرة فضلا عن وضع العراقيل البيروقراطية .
    ولو انتفت الشبهات السياسية فَبِنْيَةُ الدولةِ التي صنعتها السلطة : بنية فاسدة في النوايا والمقاصد وفي الإجراءات معا ، فلا هي تريد العدل ولا هي تُحْسِنُ الإدارة فلو كانت عادلة في مقاصدها فهي فاشلة في إجراءاتها ، فكيف وقد جمعت السوأتين : الظلم والفساد ، فشبكات الحماية الرسمية فاسدة القصد فإنها لا تريد خدمة المجتمع ، وإنما اضطرت أن تَلْتَزِمَ بشرط الجهة المقرِضة على الورق ، فضلا أن الجهة الدولية المقرِضة لا يعنيها كثيرا حال الطبقات الفقيرة وما دونها من الطبقات الأشد فقرا فهي جهات رأسمالية بَوَاعِثُهَا لا تخلو من قيم مركزية في الفكر الغربي ترى الفقير والضعيف عالة فسحقه يخفف الأعباء ، وزد عليه ما تبطن هذه الجهات المقرِضة من أغراض غير نزيهة فهي تروم السيطرة على الأسواق الكبيرة في الأطراف بتسهيل فرص الخصخصة على قاعدة الاضطرار بعد إغراق السلطة في الديون فتعجز عن سداد الفوائد والأصول ، فذلك ما يجعلها تَتَسَاهَلُ في بيع أصول البلاد لمستثمر أجنبي لا يخلو استثماره من توظيف سياسي يحول الدولة المخصَّصة إلى دولة خادمة إن في السلم أو في الحرب ، فالقرار السياسي ونظيره العسكري في يد المقرِض أو المستثمِر الأجنبي ذي الصلاحيات الواسعة فهو يَتَمَلَّكُ أصولا استراتيجية يخصم فقدانها من سيادة البلاد أو ما تَبَقَّى من سيادتها إن شئت الدقة ! ، فكيف يكون ثم سيادة في دولة تحتكر فيها شركة أجنبية خدمة استراتيجية كالصحة أو الزراعة .... إلخ تحت ستار الاستثمار الأجنبي متعدد الجنسيات في إطار محكم من قيم العولمة عابرة الحدود التي تسهل سيطرة الجهات المركزية الفاعلة على الأطراف ، فذلك هو النظام الدولي الذي يحاوز ما قد يتبادر من سيطرة عواصم المال والأعمال كنيويورك على قطاعات المصارف ونحوه ، فهو نظام يعزز قوة المركز في مقابل تلاشي السلطة في الأطراف وتحولها إلى مثال سياسي يُتَدَاوَلُ الآن في مصر كما قد نَطَقَ به بعض سفهاء العسكر ، اصطلاح : شبه الدولة العاجزة أن تبلغ حد الدولة ولو بالمعيار العلماني المحدَث ، فالنظام الدولي لا يريد إلا مَرْكَزًا واحدا إذ لا سفينة يقودها رُبَّانَانِ فهما يختلفان فَيُفْضِيَانِ بِهَا إلى الغرق ، فليس إلا رُبَّانٌ واحد في المركز يجاوز المؤسسات الظاهرة فهي أدوات التحكم والسيطرة بما تملك من خبرات فنية وبيروقراطية متراكمة ، فليست في النهاية تملك قرار السياسة ، فالجانب الفني البيروقراطي وإن أجاد التنفيذ في الدول الناجحة إلا أنه لا يملك التخطيط بعيد المدى ذا الأبعاد السياسية التي لا تخلو من دوافع أيديولوجية ، فلا يملك وضع هذه الرؤية إِلَّا في الجوانب الفنية من تطوير وتحديث لمنظومة العمل ..... إلخ ، فهو العامل الماهر والمدير النابه والمخترع البارع ..... إلخ وليس منهم بداهة السياسي الماكر ، فذلك حكر على نَوَاةٍ صلبة تصنع السياسة الباطنة التي تخالف بداهة عن الخطاب المعلن ، فلا يمكن لهذا النظام أن ينجح في إدارة الأطراف إلا إذا تلاشت فيها السلطة أو وصلت إلى حد أدنى يخرج بها عن معيار الدولة الناجحة إلى أخرى فاشلة ، وإن سُمِحَ لها بالنجاح فلا يجاوز ذلك النجاح الخدمي والإداري الذي يحقق نَوْعَ رفاهٍ في المعاش دون أن يواكبه نفوذ سياسي حقيقي فلا يخرج المثال عن دور التابع الوظيفي ، فالتوابع على أنحاء وهي من هذا الوجه تحاكي الجنس المطلق في الأذهان كما قد حَدَّهُ أهل المنطق ، فَتَحْتَهُ أَنْوَاعٌ إذ ثم التابع الناجح ونظيره الفاشل ولكلٍّ دوره في المشهد ، فالفاشل قد يَنْهَضُ بوظائفَ قَذِرَةٍ يستنكف الناجح أن يُقَارِفَهَا ، وفي جميع الأحوال تكون الهشاشة السياسية هي الوصف الدقيق لهذه التوابع الوظيفية وإن كان بعضها قد نجح أو سُمِحَ له بالنجاح في باب الخدمة والسلعة .
    فشبكات الحماية في الأنظمة الهشة الفاسدة : هشة فاسدة أيضا ، فهي فرع عن الأصل ، فَلَهَا حكمه كما يقضي القياس الصريح ، فلا هي تحقق حماية اجتماعية حقيقية تَقِي المجتمع تبعات السياسات الاقتصادية الليبرالية ، ولا هي نَزِيهَةٌ في الإجراء فلا تخلو من فساد في السرقة والمحسوبية وشراء الولاء السياسي للطبقات الفقيرة لحشدها خلف السلطة في أي مواجهة سياسية أو ميدانية ، فثم بعد سياسي آخر إذ يكون إضعاف المجتمع باختزال الطبقة الوسطى ما أمكن ولها من الدَّخْلِ حد أدنى يضمن لها معاشا كريما أو آخر مستورا يحقق لها نوع استقلال في الفكر والحركة ، فالسيطرة عليها تكون بإدماجها في السلطة عبر سلم وظيفي محكم يُحَرِّرُ ولاء الموظف للسلطة ، ولو لم يشعر فهو عدو التغيير الذي ارْتَبَطَ في عقله الباطن ارْتِبَاطًا شرطيا بالفوضى التي تهدد معاشه ، فهو يدور معها وجودا وعدما كما يقول أرباب الأصول والمنطق ، فالتغيير يُفْضِي إلى الفوضى التي تهدد المعاش فتلك المقدمة ، والنتيجة : سد باب التغيير لئلا يَتَهَدَّدَ مستقبَلُه أو مستقبل أولاده بهذا التغيير وإن كانت غَايَتُهُ ، لَوْ تَدَبَّرَ ، توفيرَ فُرَصِ حياةٍ أكرم له ولأولاده فيكون تهديده وقد اعتاد نمطا بيروقراطيا في العمل انعكست آثاره في الحياة فلا يرغب في المغامرة انطلاقا من نظرية : عصفور في اليد ! ، ولو هزيلا لا يسمن ولا يغني من جوع فهو أفضل من لا شيء ، فثم ضمور في الطموح وهو نِتَاجُ التَّقَزُّمِ الحاصل في بِنْيَةِ السلطة الوظيفية التابعة ، فلا بد أن تكون سلطةَ أقزامٍ تخضع سريعا للإملاءات ، وهي ، بداهة ، لا تطيق عملاقا في جهازها الإداري ، فلا بد من تقزيم العنصر الوظيفي : التقزيم الفكري بما يصنع من غيبوبة ، والتقزيم السياسي والاجتماعي فَيَتَقَزَّمُ الطموح ، وَتَقَزُّمُ السلطة يَنْعَكِسُ على المجتمع ، إذ الناس على دين الملوك صَحَّ أو فَسَدَ ، واضرب له المثل بما كان من حال الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وقد قُبِضَ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكانت أعظم مصيبة حلت بهم حتى تَزَلْزَلَتِ القلوب لا سيما والردة قد ذاعت فصاروا كما يصفهم الواصف كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ، فكان من صنيع أبي بكر ، رضي الله عنه ، ما جَاوَزَ حَدَّ البراعة في السياسة والحرب فَقَبْلَهُمَا كانت الزعامة التي نجحت في تجاوز الأزمة النفسية سريعا فامتصت الصدمة وَبَثَّتْ في النفوس شجاعة صيرتهم كالأسود ، كما في بعض الآثار ، ثم كان النهوض والإجراء السياسي والعسكري ، فلولا الباعث الأول الذي استمد قوة الفكرة من الوحي ، وكان له من الاستقلال بالرأي ما يصدق المجتمع ، فثم ذات فكرية وسياسية وعسكرية عملاقة تملك الطموح وتدرك الغاية ، فلا يكون ذلك ، بداهة ، والقائد قزم في روحه وفكره فغايته أن يحفظ ملكه ولو تابعا وظيفيا من الدرجة الدنيا كما الحال في الشرق الآن ومصر عليه أَبْرَزُ مثال ، وإذا كان القائد على هذا النحو فلا يَرْضَى بداهة أن يكون ثم عملاق يجاروه في المشهد وإن لم يُنَافِسْهُ ، فإن ظهوره المجرد من أي باعث سياسي يفضح القزم الذي يصدق فيه قول القائل :
    مما يزهدني في أرض أندلس ******* أسماء معتمد فيها ومعتضد
    ألقاب مملكة في غير موضعها ******* كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد .

    فلا يطيق إلا مضاهاة الأسد في الصورة بما يتكلف من الانتفاخ ومادته مادة الافتعال ، فهو مئنة من تكلفِ صورةٍ ليس لها حقيقة ، فأي صورة أخرى لها حقيقة تفضح زيفها ، فلا بد من القضاء على أي عملاق في المجتمع يصلح مثالا يُقْتَدَى سواء أكان ذا شخص حقيقي أم آخر اعتباري فَثَمَّ شخص الفكرة وهو شخص اعتباري يجاوز الواقع المرئي إلى آخر يستقبل ، فلا يكون استقرار النظام الوظيفي المتقزِّم إلا أن يُقَزِّمَ المجتمع كله ، فيقزم عقله بما يكون من تغييب الوعي بالشبهات تارة والشهوات أخرى ، ويقزم معاشه إذ ينتهي طموحه عند أول كل شهر فهو يقبض راتبه من السلطة رشوةً سياسية مقنعة إذ معيار التوظيف وَالتَّرْقِيَةُ هو : الولاء للسلطة وإن خالفت عن صحيح الشرعة وصريح الفكرة .
    والطبقة الوسطى هي المستهدف الرئيس في مخطط التقزيم ، إما باحتوائها وإدماجها في بِنْيَةِ السلطة الرافضة لأي تغيير ، لا سيما إن كان الموظف فاسدا فدخله يجاوز الراتب إلى فضاءات من الرشوة والعمولة ...... إلخ تَبَعًا لدرجته الوظيفية ، فإذا بَلَغَ درجة عُلْيَا فهو أشد مقاومة للتغيير ، فتلك متلازمة شرطية أخرى ، إذ كلما علت درجة العنصر الوظيفي في نظام بيروقراطي محكم ، كانت رغبته في التغيير أضعف إذ اعتاد العمل وفق هذه الآليات الصارمة ، ومقاومته تَزْدَادُ إن كان مُنْتَفِعًا من هذا النظام بما تَفَشَّى في جنباته من فساد ، فالطبقة الوسطى تُسْتَهْدَفُ بهذا الاحتواء تارة ، وبالاستئصال أخرى إن تعذرت رشوتها ، وأما الطبقات الفقيرة فالسيطرة عليها أيسر إن تدجينا أو تدميرا ، فأدوات المقاومة في يَدِهَا أضعف ، وما يُسْتَهْدَفُ مِنْهَا في برامج الحماية الاجتماعية المعلنة ليس الفقير ، وإنما من اشتدت فاقته فَيَكَادُ يهلك فَيُعْطَى من الطعام والشراب ما يسد رمقه دون زيادة تجعله يَنْتَعِشُ فضلا أن يَنْتَقِلَ من الطبقة الفقيرة إلى نظيرتها الوسطى ، فبرنامج الجهة المقترِضة لا يُوَاطِئُ بالضرورة ما يعلن في برنامج الجهة المقرِضة وإن كانت هي الأخرى كاذبة ، فبرنامج الجهة المقترِضة : تحجيم الطبقة المتوسطة وهي أكثر من يَتَضَرَّرُ من سياسات الاقتصاد الليبرالي في المجتمعات غير المنتِجة ، إذ ثم إجماع في الخارج وفي الداخل ألا يكون ثم إنتاج حقيقي في نظام وظيفي وذلك أمر بدهي ، فإن الإنتاج الحقيقي فضلا عن عدالة التوزيع للثروة وفرص العمل ، فإن ذلك يعزز استقلال الدولة ، والمركز انطلاقا من قيمه الرأسمالية الاحتكارية ذات الروح الأنانية لا يطيق بداهة أي بادرة استقلال سياسي أو اقتصادي في الأطراف لا سيما إن كانت تخالفه في القيم والأفكار ، فالشرق ذو الروح الرسالية لا يواطئ بداهة توجهات السياسة والاقتصاد الدولية إن على مستوى الغايات أو على مستوى الآليات والإجراءات ، واضرب له مثلا يُزْرِي وهو ما يجري الآن في تركستان الشرقية من تطهير عرقي حاد على خلفية مزدوجة من الدين والعنصر ، فدين الإسلام وقومية الإيجور أو الترك هما المستهدف من ذلك على وجه يؤلم كل حي ! ، وهو ما يجري على قدم وساق على خلفية مشروع اقتصادي طموح تَرُومُ به الصين سيادة اقتصادية عَبْرَ ما اصطلح أنه طريق الحرير ، وهو يمر لسوء الحظ في أرض تركستان الشرقية ، فلا بد من القضاء على هذه الكتلة الراديكالية المتماسكة التي تخالف عن توجه النظام الصيني ذي الأيديولوجية الشيوعية ضد الدينية ، فإذا قيل إن 22 دولة غربية غير مسلمة تستنكر عبر سفرائها في منظمة حقوقية دولية ، تستنكر هذا التطهير ، فليس ذلك إلا تَقَاسُمَ أدوارٍ ذرا للرماد في العيون وتبرئة للذمة أمام بقايا الضمير العالمي ، فإن أكثر من ستين دولة ! سوف تستفيد من هذا الطريق فهي للصين شريك تجاري ، وربما كان منها من يمارس دوره الأخلاقي العلني ، وهو شريك في الطريق الحريري فسوف يستفيد منه ، وهو ما يستوجب التحالف مع النظام الصيني فَيَكُونُ الانتقاد العلني والتفويض الضمني بتصفية هذه الكتلة المتماسكة التي تقف أمام الطريق عقبة ، وإن شئت الدقة فهي خطر يَتَهَدَّدُهُ ولو احتمالا ، فلا بد من تصفيته استباقا ، فيمهد الطريق ويرصف ولو بإفناء قومية تجاوز الأربعين مليونا ! ، ولم تكن الدول العربية أو دول العالم الإسلامي لم تكن تَفْتَقِرُ إلى تَجَمُّلٍ كما كانت الحال في الماضي فقد صار اللعب على المكشوف ، كما يقال في مصر ، فإنها إِذْ لَمْ تشارك ولو رَمْزًا في هذا البيان شديد اللهجة ! ، فَلَمْ تَنْقُصْهَا الشجاعة أن تصدر بَيَانًا آخر يعارض البيان الأول فهي تَقِفُ مَعِ الصين قَلْبًا وَقَالِبًا ، ولا شك أن للاقتصاد دور ، إذ كلها يخطب ود الصين كجهة مستثمِرة مقرِضة تسد حاجة الدول المفلِسة ، فحجم التبادل التجاري بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصين أكبر من حجم الدماء التي تسفك في تُرْكِسْتَانَ الشرقية ، ونظام كنظام الحكم في مصر يضرب المثل كعادته في التَّبَعِيَّةِ السياسية المستندة إلى الحاجة الماسة إلى الاقتراض مع الفشل الذريع في إدارة الموارد فضلا عن التفريط والتنازل ، فالصين ، وهي دولة ذات مشروع اقتصادي أممي ، تَتَرَاوَحُ في أمرها مع مصر فقد شاركت ابْتِدَاءً في استثمارات العاصمة الإدارية الجديدة ثم انسحبت بعد أن شعرت بِقِلَّةِ الجدوى بالنظر في مُنَاخِ الاستثمار غير الآمن في مصر وسياسة الإدارة الْفَاشِلَةِ فَضْلًا عن غياب العدالة فِي التنافس مع ما تُمَارِسُ السلطة من احتكار عبر هيئاتها الإنشائية ذات الطابع العسكري ، فَانْسَحَبَتِ الصين كمستثمِر ولكنها لم تَنْسَحِبْ كَمُقْرِضٍ ، وهي تمارس ما مارست قبل ذلك مع بلاد كبنجلاديش وباكستان ، إذ أغرقتهما في الديون حتى عجزا عن السداد ، ثم وضعت يدها على مَوَانِئَ استراتيجية تخدم مشروعها الاقتصادي ، فهي الآن تمارس ذلك مع مصر إذ تُقْرِضُهَا بسخاء لتستكمل إنشاءات العاصمة الجديدة فَثَمَّ قرض معلَن ! قيمته ثلاثة مليارات دولار ، طبقا لنظرية الاغتيال الاقتصادي الكلاسيكية كما قد أبان عنها صاحبها : أَقْرِضِ الدولة الفاشلة بأريحية حتى تعجز عن السداد ، ثم صادر بهذا القرض قَرَارَهَا السياسي والاقتصادي فكثير من هذه الدول يقترض من الصين فَهَلْ يَتَصَوَّرُ عاقل أن مصر التي تمد يدها طلبا لقرض ، هل يُتَصَوَّرُ أن تعض اليد الصينية التي امتدت إليها بالقرض فَتُشَارِكَ فِي بَيَانِ إدانةٍ لما تقارف من جرائم في تركستان الشرقية ؟! ، بل البدهي أن تشارك في بَيَانِ التأييد ، لا سيما إن اتخذ الأمر بعدا آخر سياسيا وهو ما يَتَبَارَى فيه القوم من المزايدة في مكافحة الأيديولوجيا الإسلامية المتطرفة ! ، فالأمر ، كالعادة ! ، يمرر عبر الدعاية الكلاسيكية : دعاية الحرب على الإرهاب والتطرف فهي ذريعة الإفناء والتهجير ، كما هي الحال في مصر على سبيل المثال ، فما يحدث في سيناء هو صورة مُخَفَّفَةٌ أقلُّ حدة مما يحدث في بلاد الإيجور ، فَثَمَّ اصطناع لمعركة مع الإرهاب المحتمل الذي صار حقيقة على الأرض عبر عملية إنضاج متدرج لمعركة الإرهاب والتطرف ، وهو ما يستوجب المدافعة الأيديولوجية بتصحيح المفاهيم تحت شعار التجديد ! ، لتواطئ منظومة القيم الدولية ! ، والمدافعة الميدانية التي تطلب فيها السلطة تفويضا ودعما دوليا ، ولا يعجب الناظر أن ثم دولا علمانية ضد دينية في الشرق المسلم تدعم الصين فمصر تسلمها طلابا في الأزهر ، وأخرى من الخليج تَتَفَهَّمُ قيادتها الرشيدة ! مخاوف بكين خلال زيارة لها في فبراير الماضي ، فَلَهَا الحق المشروع المكفول أن تكافح الإرهاب في تركستان الشرقية .

    وتلك هي الخطة القياسية لمكافحة القيم الرسالية السياسية والاقتصادية فهي خصم لدود لقيم النظام الدولي ، فلا يمكن لقيم الوحي المنزَل أن تُلَائِمَ المنظومة الدولية ذات المنطلقات اللادينية في أحسن أحوالها إن لم تكن ضد دينية ، وهو ما يستوجب هندسة اجتماعية دقيقة تَطَالُ الشرائح الفاعلة في كل مجتمع ، لا سيما الطبقة المتوسطة التي تُشَكِّلُ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، العمود الفقري للاقتصاد المتوسط والصغير ، فلا بد من تَغْيِيبِ الوعي فذلك ما يُسَهِّلُ التحكم والسيطرة ، فالسلطة تَرَى الخطر الداهم في أي إنتاج فاعل تَتَصَدَّرُهُ الطبقة الوسطى بما لها من إبداع وطموح ، فالاقتصاد الصغير والمتوسط هو المستهدف الرئيس ، ورأس المال الخاص الذي يجاوز الخطوط الحمراء في اقتصاد غير تَنَافُسِيٍّ تسيطر عليه الدولة المركزية التي تزعم أنها ليبرالية لا مركزية ، هذا المال في مَرْمَى السلطة المستبدة .
    وَتَدَخُّلُ الدولة ، كما تقدم ، أمر لا يخلو من تَفْصِيلٍ ، فإنها قد تَتَدَخَّلُ تدخلا يضر بالاقتصاد فَتَرُومُ السيطرة على المجتمع بالتحكم في الثروة عبر قوانين تأميم ومصادرة مع تخطيط شديد المركزية يقتل الطموح والإبداع في نفوس الأفراد إذ لا بد من قسط معتبر من الحريات العامة ومنها حرية العمل والتجارة وحركة المال وإن كان ثَمَّ قَيْدٌ ، فهو قيد المصلحة العامة الذي يستوجب التدقيق فهو ، أيضا ، اصطلاح حَمَّالُ أوجه ، فإن المصلحة العامة قد تُنْتَحَلُ زورا ، فَتَتَّخِذُهَا السلطة ذريعة لمصادرة رءوس الأموال استنادا إلى خصومة أيديولوجية أو أخرى سياسية أو ثالثة اقتصادية فَتَرَى أن ثَمَّ رأسٍ مال يُنَافِسُهَا فهو يُهَدِّدُهَا ، ولو على المدى البعيد ، لا سيما إن كانت سلطة شديدة الوسوسة لافتقارها إلى شرعية سياسية معتبرة فلا تطيق أي تميز وإن لم يكن في عالم السياسة الذي احتكرته ، فهي تخشى من رجل أعمال ناجح أو رياضي أو إعلامي ذي حضور لافت ..... إلخ ، فدائرة خصوماتها كثيرة ، وهي ، مع ذلك ، تافهة ضئيلة تحكي فشلا سياسيا ذريعا إذ لم تنجح السلطة في صناعة الأنصار الدائمين وإن نجحت في لحظات حشدٍ مؤقتٍ تَزِيدُ فِيهَا وَتُضَخِّمُ تَشَبُّعًا بما لم تعط فهي لابسة أثواب الزور كمافي الخبر الصحيح المشهور ، فـ : "الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ" ، فالمصلحة العامة قد تُتَّخَذُ ذريعة إلى مآرب تخص السلطة فَتُكْسَى لحاء الصالح العام ، وهو ، كما تَقَدَّمَ ، اصطلاح فَضْفَاضٌ ، قد يُرَادُ به الباطل كالمصادرة ، وقد يُرَادُ بِهِ الحق فيكون ثَمَّ تلاعب في أسعار الصرف مع اصطناع أَزَمَاتٍ في السيولة الأجنبية وذلك من عيوب النظام النيوليبرالي ذي القيود المخففة ، فإن حرية تحرك رءوس الأموال حرية معتبرة لا يجحدها وَحْيٌ ولا وَضْعٌ ، ولكنه قد يستثمر في تجفيف منابع النقد اصطناعا لأزمة ذات جذور أيديولوجية أو سياسية ، فَتَمَلُّكُ جهةٍ أجنبية لمصرف أو مؤسسة نقدية محلية مع تخفيف القيود على حركة المال قد يحمل هذه الجهة أن تُضَارِبَ بِمَا يضر بِسِعْرِ الصرف ، فَتَنْهَارَ العملة المحلية انهيارا كليا أو آخر جزئيا ، كما وقع في تركيا في الآونة الأخيرة وهي دولة رأسمالية نيوليبرالية تشكو عيوبا رئيسة في بِنْيَةِ الاقتصاد كسائر الدول النيوليبرالية ، وإن كانت مستهدفة على خلفية صراعات سياسية مع بعض دول الإقليم التابعة ، ومع النظام الدولي المحرك لها ، فالاقتصاد النيوليبرالي يخفف القيود على حركة المال ، فالشركات الأجنبية يحق لها تحويل أرباحها أو سحب استثماراتها دون قيود محكمة ، وإن لم يخل الاقتصاد النيوليبرالي بداهة من آليات مراقبة ولكنها تَنْتَصِرُ في الغالب لرأس المال ، فما نشأت النظرية النيوليبرالية إلا انتصارا لرأس المال من أي خصم ، ولو كان السلطة ، في إطار ما اصطلح أنه دولة الحد الأدنى ، وكذلك الحال في الأموال الساخنة فهي تدور في الاقتصاد دورة غير نافعة إذ لا تُسْتَثْمَرُ استثمارا طويل المدى لا فِي إِنْتَاجٍ أو استهلاك ! ، وإنما تستثمر في أدوات دين ربوي يجفف منابع الثروة في المجتمع بما يحوز من فائدة عالية تُسْتَقْطَعُ من ثَرْوَةِ المجتمع الذي يكيف نفسه في إطار ما تقدم من الهندسة الاجتماعية التي تُؤَطِّرُ المجتمع في إطار ضيق تصعب فيه الحركة ، فالسلطة تضغط على المجتمع بما تستقطع من خدماته وما تفرض من ضرائب تَسْتَنْزِفُ ثَرَوَاتِهِ ، وهو ما يذهب جزء منه خدمة دين ساخن أو بارد ! ، وآخر يذهب إلى كبار المتنفِّذين عبر وسائط اقتصادية ماكرة ، فَبَعْضُهُ يذهب في هِبَاتٍ مباشرة أجورا ومعاشات .... إلخ ، وآخر يضخ في مشاريع اقتصادية من النوع السيادي الذي تقتصر أرباحه على النخبة وما يَنَالُ العامة منه لقمة أو لقيمة تُقِيمُ الصلب لا أكثر لِيُوَاصِلَ العمل والإنتاج ويدير المنظومة الإدارية بما يضمن بقاء السلطة الوظيفية ، فلا يجد المجتمع وقد قَلَّتْ ثروته بما اسْتَنْزَفَتِ السلطة مع عجزه أن يُغَيِّرَ لا سيما في أعصار القمع الشديد ، لا يجد المجتمع إلا أن يُحَمِّلَ بَعْضُهُ بَعْضًا تبعات هذا التضخم والزيادة في الأسعار فهو يَدْفَعُ أقساط الدائنين ، فَتَقِلَّ الثروة فَيَزِيدَ كلٌّ في سعره ليحقق هامش ربح سواء أكان مريحا أم غير مريح ! ، فالطبيب يزيد في أجرته إذ قد زاد صاحب المطعم في سعر وجبته ، فإذا اشتراها الطبيب بالسعر الجديد فلا بد أن يَزِيدَ في أجرته لِيُعَوِّضَ الهامش ، وهكذا فَكُلٌّ ، كما يتندر بعض الخبراء ، كُلٌّ يضع يده في جيب جاره ، والسلطة تَنْظُرُ وَتَتَفَرَّجُ فهي تَسْتَنْزِفُهُم وهم لا يَسْتَنْزِفُونَهَا بإضراب أو عصيان أو مقاطعة لمنتجاتها السيادية فذلك أدنى حد في المقاومة ، وهي مما يضر مصالح النخبة ولو على المدى الطويل فَتَضطر أن تُقَدِّمَ بعض التنازلات لتدور عجلة الإنتاج فلا يديرها إلا صغار الموظفين والعمال فإضرابهم يشل الحركة العامة من وجه ويقلل الثروة من آخر وهو ما يقض المضاجع ! ، لا جرم كانت خشية السلطة المستبدة من أي نوع من أنواع الاعتراض الذي يعطل العمل ويستخدمه كورقة ضغط فالسلطة المستبدة تخشى من ذلك ولو لم يكن على خَلْفِيَّةٍ سياسية تُهَدِّدُ نظام الحكم تهديدا مباشرا ، فهي تقتات على ثَرْوَةِ المجتمع وَجُهْدِ أفراده ، فإذا استنزفتهم زادت ثروتها وَقَلَّتْ ثروتهم فاضطر بعضهم أن يسرق بَعْضًا إما سرقة خشنة بالإكراه أو أخرى ناعمة بتحريك الأسعار ، فزيادة المواد الخام والوقود ..... إلخ تُحَمَّلُ على ثَمَنِ السلعة أو الخدمة ، فَتَرْتَفِعُ الأسعار ، ويزيد فقر المجتمع في مقابل زيادة مطردة في ثروة السلطة وَدَوَائِرِهَا المقربة ، فالسلطة تَنْسَحِبُ وَتُخَفِّفُ من أعبائها في تقديم الخدمات تذرعا بتحرير الأسعار ! وَتَنْشِيطِ الاقتصاد واجتذاب رءوس الأموال الأجنبية ...... إلخ ، وهو ما يُفْضِي إلى انهيار الخدمات العامة لا سيما والمنظومة البيروقراطية تَتَّسِمُ ، كما تقدم ، بعدم النزاهة وعدم الكفاءة ، فَثَمَّ فساد شديد في الجانب الفني والإداري ، وثم عنصر وظيفي رخيص فهو يَبِيعُ ذمته بأي مقابل رغبة في زيادة الدخل ولو بِازْدِرَاءِ النَّفْسِ ، فَتَؤُولُ الصورة إلى سلطة تستنزف ثروة المجتمع ، في استنساخ مصغر للنظام الدولي إذ يدير الأطراف بهذا المكر .
    فالنظام النيوليبرالي يَنْتَصِرُ ، كما تقدم ، لرأس المال ، وهو ما يضطر أي دولة نيوليبرالية أن تُخَفِّفَ القيد على حركة المال ، وهو ما يفتح الباب للمضاربات غير النزيهة كما حدث أخيرا في تُرْكِيَا ، فذلك عيب رئيس في هذا النمط من الاقتصاد ، فضلا عن حرية الاقتراض من جهات أجنبية فالقطاع الخاص يقترض من البنوك الأجنبية ، وإن لم تقترض الدولة ، فإذا تَعَثَّرَ القطاع الخاص في السداد بما يكون من كساد ، ولو مصطنعا بما يكون من تلاعب في سعر الصرف فَتَزِيدُ الأعباء على القطاع الخاص فإذا عجز عن السداد مع تَقَلُّصِ الأرباحِ فمآله الإفلاس والتعثر ، وهو مصدر دخل الدولة التي أقامت بُنْيَانَهَا على جباية الضرائب وإن كانت نَزِيهَةً في الإجراء والتوظيف لما تجبي فيجد المجتمع آثارها في الخدمات العامة ، إلا أنها تقوم على مصادر دخل تأرز إلى قروض ربوية ذات فوائد تستقطع جزءا غير يسير من الأرباح وما تَبَقَّى فالدولة تجبي منه الضريبة فَيَتَقَلَّصُ صافي الربح الذي يفترض أن يعاد ضخه في أصول الاستثمار ليتسع نشاطه الذي يستوعب أعدادا أكبر من الموظفين والعاملين ، فتزيد الثروة في أيديهم بما يَتَقَاضَون من رواتب تُضَخُّ ، كما تقدم ، في دورة الاقتصاد طبقا لنظرية التدفق الفعال ، فَزِيَادَةُ الأجور ، زيادة حقيقية لا أخرى تَلْتَهِمُهَا الزيادات المطردة كما الحال في الزيادات الأخيرة في مصر فضلا أنها غير عادلة فثم زيادات تضاهيها وَتَزِيدُ لدوائر الولاء العسكري والشرطي والقضائي ....... إلخ ، فزيادة الأجور حقيقةً لا دعايةً سياسيةً رَدِيئًة ، هذه الزيادة الحقيقية تصب في قناة الاقتصاد الكلي إذ تَزِيدُ قوة الْفَرْدِ الشرائية فَتُحِرُّكُ دوائر أخرى في الإنتاج والخدمة ، فإذا افْتُعَلَتْ أزمة في سعر الصرف فذلك ما يزيد في أعباء الدين الخارجي وإن كان دين شركات صغرى أو متوسطة ، وهي ، كما تقدم مرارا ، عماد الاقتصاد المحلي ، فإذا زادت أعباء الدَّيْنِ فضلا عن الضرائب المستحقة تقلصت الأرباح وهو ما يُقَلِّصُ من فرص العمل فَتَزِيدُ البطالة ولو تدريجا ، وَتَتَقَلَّصُ القوة الشرائية للأفراد ويكون الكساد الذي يُفْضِي إلى تَعَثُّرِ هذه الكيانات الاقتصادية المتوسطة أو الصغيرة فهي أعظم من يَتَضَرَّرُ في هذه الحال إذ يعجز عن سداد خدمات الدين سواء أكان محليا أم آخر خارجيا ، فتقل حصيلة الدولة من الضرائب إذ تَتَعَثَّرُ أَوْعِيَتُهَا على وجه قد يفضي إلى الإغلاق أو الإفلاس ، فلو كانت السلطة نزيهة كما الحال في تُرْكِيَا فلا أوعية ضريبية تصب في قناة الخدمات العامة من صحة وتعليم .... إلخ وهو ما يؤدي إلى تراجع مؤشراتها ، فكيف إن كانت السلطة فاسدة كما الحال في مصر فاجتمعت فيها السوأتان : جفاف المنابع الضريبية بما يكون من كساد وإفلاس للشركات والمصانع إذ تعجز عن سداد خدمات الدين الربوبي المحلي أو الخارجي ، وفساد السلطة في توظيف ما يجتمع في يدها من ضرائب فلا تضخها في خدمات عامة أو أصول إنتاجية يعم نفعها .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:25 AM

    المشاركات
    4,862
    العمر
    41

    وفي كلتا الحالين : التركية النزيهة والمصرية الفاسدة ، في كلتا الحالين فتش عن سبب الشؤم ! : الربا وهو عماد الاقتصاد النيوليبرالي النزيه أو الفاسد ! ، فَهُوَ فِي جَمِيعِ الأحوال يُرَاكِمُ الثروة في جانب واحد ، جانب رأس المال الذي يُقِيمُ بِنَاءَ المجتمع على المثال الهرمي ، وهو المثال القياسي النيوليبرالي إن في السياسة أو في الحرب أو الاقتصاد ، فَثَمَّ مَرْكَزٌ يُشَكِّلُ قمة الهرم فهو أقل عددا ولكنه أوسع نفوذا في اتخاذ القرار السيادي : السياسي والاقتصادي ، وَثَمَّ أطراف وهي الروافد التي تُغَذِّي المركز بالعقول المفكرة والأيدي المنفِّذَةِ والخامات ، فالأطراف تَوَابِعُ يُقَامُ بُنْيَانُهَا عَلَى مِثَالٍ وظيفي تَابِعٍ ، فإن زَرَعَتْ فَإِنَّمَا تَزْرَعُ ما يحتاج المركز لا ما تحتاج ، وهو ما قد يحقق لها ازدهارا يَغُرُّ ، فيكون ثَمَّ فَائِضُ ثَرْوَةٍ من بَيْعِ الخام وذلك أمر حصل ويحصل في بلاد الشرق الأوسط بَعْدَ أن تحولت إلى تَوَابِعَ يَقْتَصِرُ دورها على استخراج الخام أو زراعته ، فيكون ثم رواج في الاقتصاد وَرَفَاهٌ في العيش لا يُنْكَرُ ، ولكنه يرجع إلى قَرَارِ المركز ، فهو الذي يتخذ قرار السياسة والاقتصاد ، الصناعة والزراعة ، واضرب له المثل بصناعة كصناعة الإسمنت ، وهي من أشد الصناعات تَلْوِيثًا للبيئة ، فالمركز يحظرها في بعض دوله واتحاداته كما الحال في دول الاتحاد الأوروبي ، فتلك صناعات تُوكَلُ إلى الأطراف ، فهي الأشد تلوثا وهي الأليق بصناعات لا تحقق قيمة تكنولوجية مضافة وإن حققت أرباحا مادية لا تسهم في تحقيق نهضة أو رفاه فهي رقم نمو لا تَنْمِيَةٍ ، إذ لا عدالة في توزيع الثروة فهي تَتَرَاكَمُ في اتجاه واحد ، فَثَمَّ رءوس أموال تحتكر ، وهي ، لو تدبر الناظر ، صورة مصغرة من النظام المالي الدولي ، فَثَمَّ بِنَاءٌ هرمي تحتكر النخبة قِمَّتَهُ ، وكلما اتجهت إلى القاعدة قَلَّ نصيب الفرد من الثروة وَزَادَتْ في المقابل المشقةُ ، فالقاعدة أَكْثَرُ مَنْ يَعْمَلُ وَأَقَلُّ من يَرْبَحُ ، والقمة أقل من يَعْمَلُ وَأَكْثَرُ من يَرْبَحُ ، وهو أَمْرٌ يَزْدَادُ سوءا إن كان رأس المال المحتكِر هو السلطة التي تعمل بواجهة غير حكومية ، فَتَلْجَأُ إلى إِنْشَاءِ شركاتٍ خاصة تحظى بالعقود الكبيرة بلا منافسة ، فالسلطة لن تختار بداهة إلا رجالاتها ! لتنفيذ مَشَارِيعِهَا ، فَيَدُورُ المال في حَلَقَةٍ ضَيِّقَةٍ ولا يَتَحَرَّكُ في نطاق واسع يَنْتَفِعُ به أكبر قطاع من المجتمع ، فالأرباح ، لو تدبر الناظر ، تستقطع من حجم الثروة العامة لتصب في قناة خاصة ضيقة ، قناة النخبة ، وهي ظاهرة يُطْلِقُ عليها علماء الاقتصاد لَقَبَ "التسرب" ، فالأرباح التي تحققها النخبة لا ينتفع بها المجتمع ، إذ تستقطع من ثروته ، فضلا أنها تكون على حساب القطاع الخاص الذي تلجئه السلطة أن يغادر السوق إذ هامش التَّنَافُسِ ضَئِيلٌ ، فلا يترك المحتكر السلطوي إلا نسبة صغيرة من السوق لا تَسْتَوْعِبُ حجم الاستثمار الخاص ، فَتُغَادِرُ منه رءوس أموال إلى أسواق أخرى أرحب تجد فيها فُرَصَ تَنَافُسٍ أعدل ، ولا تجد من بيروقراطية الجهاز الإداري أو الفعل الاحتكاري ما يُنَفِّرُ رأس المال .
    فالمثال الهرمي هو المثال القياسي في الطرح النيوليبرالي ، فالقمة تنطلق من قاعدة الاحتكار والاستغلال لمن تحتها من العمالة الرخيصة طِبْقًا لِلنَّظَرِيَّةِ السان سيمونية ، فالغني يستغل الفقير ، والسيد يستغل العبد ..... إلخ ، وتلك نظرية رومانية قديمة ، فهي إمبراطورية العبيد التي أقامت بُنْيَانَ المجتمع على قاعدة الاسترقاق ، فَنِسْبَةُ الرَّقِيقِ من غَيْرِ الشعب الروماني تُنَاهِزُ ، كما يقول بعض الباحثين ، 30% ، فهي العمالة الرخيصة التي تنهض بأعباء الخدمة والحراسة والمتعة والأعمال الشاقة التي تَنْفِرُ مِنْهَا النخبة ، فَهَرَمُ الاقتصاد في المركز قد اسْتَنْسَخَ أخرى في الأطراف على وجه يفتح ذرائع الاحتكار فيكون الاندماج الذي يَلْتَهِمُ فيه الكبيرُ الصغيرَ ، وإلا ألجأه أن يُغَادِرَ السوق ، والقاعدة أَبَدًا تخضع للقمة ، فهي التي تضع سياسة السوق ، على وجه يُرَاكِمُ أرباحها ، فَتُشَجِّعُ صناعات وَتُثَبِّطُ أخرى ، على وجه يضمن فجوة تكنولوجية هَائِلَةً بَيْنَ المركزِ والأطراف ، كما تَقَدَّمَ من صناعة الإسمنت ، فلا جديد فيها يُقَلِّصُ فجوة التكنولوجيا بين المركز والأطراف ، ولا قيمة مضافة فيها إلا ثروة ورقية لا تعود بالنفع على المجتمع إذ تستأثر بها رءوس الأموال المحتكرة وهي أنانية بَطَبِيعَتِهَا فلا يَعْنِيهَا تحقيق نهضة عامة بل هي من أسباب التَّرَاجُعِ على كافة المستويات ، فكل ما تحقق من الربح فإنما يستقطع من طاقة العمل دون أجر يلائم ، فضلا أن الأرباح الطائلة تَفْتَقِرُ إلى إرادة سياسية مستقلة فمهما عظمت الثروة في يَدِ إنسان فإنه لا يحسن الاستثمار إلا إِذَا كَانَ صَاحِبَ رؤية وقَرَارٍ ، فلا تكفي الرؤية إِنْ لَمْ يكن ثَمَّ إرادة سياسية فكيف إن وقع المال في يد سفيه ضعيف فلا هو صاحب رؤية ولا هو قوي ! ، فَحَشَفًا وسوء كيلة .
    واضرب له المثال بالأطراف فَمِنْهَا دول غنية تملك من الخامات والأرصدة الورقية ما يَعْظُمُ دون أن يَرَى النَّاظِرُ ما يعدلها من تَنْمِيَةٍ حقيقية إن إنتاجية أو خدمية ، فَثَمَّ نمو وتضخم في الثروة مع سوء استغلال مرجعه الرئيس إلى سوء التخطيط من وجه ، ومن وراءه ، لو تدبر الناظر ، قَرَارٌ سيادي من المركز ألا يكون من التَّنْمِيَةِ في الأطراف إلا ما يُحَقِّقُ أهداف المركز فلا تخرج به الأطراف عن تَبَعِيَّتِهِ ، فإذا زرعت الأطراف فَمَا يحقق اكتفاء المركز من المنتجات الزراعية سواء أكان غذائية أم خامات أولية ، والمثل الذي يتبادر وهو يحكي فلسفة الاستعمار في إقامة الدولة الوظيفية التابعة في الأطراف على مثال مُؤَطَّرٍ محكم التأطيرِ تظهر آثاره في أدق التفاصيل ولو تصميم البيوت وتفاوت بُنْيَانِهَا تَبَعًا لتفاوت الطبقات في هرم اجتماعي آخر لم يخرج ، أيضا ، عن وصف التابع ، فلا بد أن يُوضَعَ عَلَى مِثَالٍ وظيفي يخدم أغراض المركز ، فَثَمَّ هرم عسكري وهو الأبرز إذ القوة الصلبة هي أبرز المجموعات الوظيفية الخادمة في الأطراف فهي أداة القمع لأي حراك مستقل يَرُومُ الخروج عن هيمنة المركز ، وَثَمَّ هرم اقتصادي نيوليبرالي يضمن هيمنة النخبة الرأسمالية فهي وكيل مُتَعَدِّدٌ ، فَيَنُوبُ تارة عن السلطة التي تدخل السوق عبر شركات خاصة تعمل خلالها من الباطن ، وَيَنُوبُ أخرى عن المركز فَثَمَّ عائلات رأسمالية مشهورة في الأطراف قد نسجت من العلائق المحكمة مع المركز ما جعلها الوكيل الذي يباشر السوق انطلاقا من نظرية المركز النيوليبرالية فَهِيَ تحافظ على قِيَمِ السوق الرأسمالية فضلا أنها تباشر تنفيذ مشروعات بِعَيْنِهَا فَتَظْهَرُ في مشاهد إعادة الإعمار وأعمال المقاولات ذات الطابع الاستعماري ، فَهِيَ ، أبدا ، في ذيل الاحتلال كمجموع وظيفي خادم ، وثم هرم اجتماعي تظهر آثاره في التخطيط العمراني فهو يحكي فلسفة الاستعمار الذي يسيطر على المجتمع بواسطة النخبة ، فهي التي تملك الثروة والأرض ، فإذا زرعت في ضياعها فلا تَزْرَعُ إلا المحصول الخادم للسوق في المركز ، فاقتصادها اقتصاد التابع ، فالمثل الذي يَتَبَادَرُ كما يذكر صاحب "استعمار مصر" ، وهي مثال قياسي على التخطيط المركزي ذي الطابع الاستعماري ، فلا يجحد أحد أن الاحتلال البريطاني قد حَقَّقَ نهضة مادية في مصر ، ولكنه لم يخرج عن قاعدة الاستثمار الأجنبي الذي لا ينفق بداهة إلا وهو يريد الربح ، فبريطانيا لم تَفْتَحْ ذرائع الزراعة في مصر مطلقا ، بل شجعت زراعة القطن على وَجْهٍ يُغَذِّي صناعة النسيج العالمية فدور مصر أن تمد المركز بالخامات دون أن تملك أدوات الإنتاج ، فلا تملك تِقْنِيَةَ النسجِ ، وإنما يقتصر دورها على الزرع لمحصول واحد فقط بعد أن كانت كما يقر المصنف آنف الذكر ، مصنف "استعمار مصر" ، بعد أن كانت واحدا من محاور التجارة في العالم العثماني وما وراءه فكانت تُنْتِجُ ما يكفيها من المحاصيل والمنسوجات وتصدر الفائض فَثَمَّ توازن في الاقتصاد يَتَوَجَّهُ ، أول ما يَتَوَجَّهُ ، إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي فلا يكون ذلك إلا وَثَمَّ إرادة سياسية مستقلة وهو ما يشهد للدولة العثمانية وإن في أدوارها المتأخرة التي غَلَبَ عَلَيْهَا الطابع الإمبراطوري المركزي فلم تكن ، بداهة ، قوة احتلال ، فالاحتلال لا يفتح ذرائع الاستقلال فَيُتِيحُ للبلاد التي احتلها أن تستقل بسياسة الإنتاج والتصدير بل لا بد أن تضع البلاد في إطار محكم من السياسات والإجراءات الخادمة للمركز المحتل فتحولت بَلَدٌ كمصر وهي مضرب المثل في الإنتاج الزراعي ، تحولت من دولة متعددة السلع فاقتصادها متنوع لا يقتصر على محصول دون آخر ، تحولت من هذا الوصف الذي يضمن استقلالها إلى آخر يضمن تَبَعِيَّتَهَا للمركز ، فصار اقتصادها وحيد السلعة وإن حقق فائضا من الثروة يضرب بها المثل في ازدهار الاقتصاد إبان الحكم الملكي ، فالمصريون يفتخرون ! أنهم أقرضوا بريطانيا العظمى ، وليس الأمر ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الباحثين ، إلا محاصيل استولت عليها بريطانيا ولم تدفع ثمنها ! ، فتحول اقتصاد مصر المستقل مُتَعَدِّدُ السلع إلى اقتصاد تَابِعٍ وحيد السلعة ، فعشية الحرب العالمية الأولى ، كما يحكي صاحب "استعمار مصر" ، كان القطن يشكل 92% من إجمالي صادرات مصر ! ، وهو دَلِيلٌ على خَلَلٍ كَبِيرٍ في عملية الإنتاج والتصدير ، فَرَبْطُ الاقتصاد بسلعة واحدة يجعله على خطر عظيم إذ يَتَفَاوَتُ السعر صعودا وهبوطا وليس ثم بدائل اقتصادية تُعَوِّضُ النقص إذا انهار سعر الخام أو السلعة التي قام عليها الاقتصاد وحيدُ المصدر ، وإن حقق ، كما تقدم ، فائض ثروة ، فازدهرت زراعة القطن على حساب بَقِيَّةِ المحاصيل وإن كانت استراتيجية كالقمح والذرة ، فالقطن ، كما يصفه أهل الشأن ، محصول نقدي يحقق ربحا ورقيا فهو خام أولي في صناعة المنسوجات ، وأما القمح فهو محصول استراتيجي لا سيما في بلد كمصر تطلق على رغيف الخبز لقب "العيش" فَهُوَ حياتها ، فَكَيْفَ تَنْصَرِفُ عنه إلى زراعة محصول نقدي لا يسد احتياجاتها وإن حقق لها فائض ثروة ورقية فماذا تصنع بالورق ؟! إلا أن تستورد به ما كانت تَزْرَعُهُ بتكاليف أقل وجودة أعلى ، فما استفاد من هذا المثال الشائه إلا المحتل الذي حَوَّلَ البلاد إلى ملكيات خاصة تُنْتِجُ ما يريد فلا استقلال لها في اختيار ما تَزْرَعُ ، فضلا عن استفادة رءوس الأموال الطفيلية غير المنتجة التي استغلت نَقْصَ السلع الاستراتيجية فتحولت إلى مافيا استيراد ، فَهِيَ تَسْتَوْرِدُ الرديء بعد أَنْ حُرِمَ المزارع المصري من زراعة الجيد بتكاليف أقل ، فضلا عما حدث من ركود في السوق المحلية ، فالمزارع يحرك من حوله دَوَائِر اقتصادية كثيرة فإذا هَجَرَ الأرضَ لِقِلَّةِ العائد مع ما يكون من إغراق السوق بالمستورَد الرخيص ، فالدوائر من حوله تَرْكُدُ ، وتلك صورة استنسخت فِي كافة الدوائر الاقتصادية الزراعية والصناعية فَحُرِمَتِ الأطراف من التكنولوجيا وَحُرِمَتْ قَبْلَهَا من الإرادة السياسية المستقلة ، فَثَمَّ مِثَالٌ وظيفي تابع يكرس هيمنة المركز وإن امتلكت الأطراف أسباب الاستقلال فلا تمتلك إراداتها .

    وفي ظل هذا المناخ الاحتكاري التابع تجبن رءوس الأموال الكبيرة أن تَدْخُلَ السوق ، بل وَيُهَاجِرُ ما دخل منها السوق ، إلا أن يكون ثم اتفاق غير معلن ! مع جهة سيادية فيكون ثم اتفاق تحت الطاولة ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الاقتصاديين ، فهو يضاهي آخر فوق الطاولة ، فالرقم المعلن شيء ، والرقم الحقيقي آخر إذا ضُمَّ إليه ما يدفع من عمولات هي ، لو تدبر الناظر ، جزء من ظاهرة "التسرب" آنفة الذكر ، فإنها تُدْفَعُ لِتَثْمِينِ أرضٍ أو مصنع بأقل من قِيمَتِهِ الحقيقية ، فَيُسْتَقْطَعُ من المال العام جزء بل اثنان ، فواحد يذهب إلى الجهة السيادية مقابل ثان يُخَفَّضُ من قِيمَةِ الصفقة ، وَقَدْ تُدْفَعُ العمولة لمنح الصفقة لجهة بِعَيْنِهَا وإن لم تكن لها أهلا ، فهي تُقَدِّمُ عطاءً أغلى فَمَا يَتَعَهَّدُ غَيْرُهَا أن يُنَفِّذَهُ بِتِسْعَةٍ فهي تُنَفِّذُهُ بعشرة ، وقياس العقل والعدل أن تُمْنَحَ الصفقة للأول إذ عطاؤه أوفر ، ولكن الفساد الإداري في الجهاز البيروقراطي يمنحه للأغلى فَيَحُوز من المال العام قسطا أكبر بلا وجه حق ، وهُوَ ، أَيْضًا ، مِمَّا يَتَسَرَّبُ من الاقتصاد ، فكل هذه الأموال لا تخضع لرقابة ، ولا تُوضَعُ ، بَدَاهَةً ، في أرصدة رسمية ، بل غالبا ما تُجَمَّدُ في أصول ثابتة بأسماء الأبناء أو الأرقاب ، أو تُغْسَلُ في أنشطة مشروعة يَقْتَصِرُ رِبْحُهَا على صاحب المال وإن شئت الدقة فَقُلْ : سارقِه أو مُخْتَلِسِه مع دائرة ضيقة من المنتفعين من الموظفين أو العمال ..... إلخ ، أو تُوضَعُ في أرصدة في الخارج فَتَخْرُجُ من دائرة الاقتصاد المحلي وذلك ، أيضا ، تَسَرُّبٌ ، فالمال الفاسد إِمَّا أن يَتَسَرَّبَ في الداخل في صورة أصول ثابتة أو أنشطة اقتصادية مشروعة يَنْتَقِلُ فيها المال من الذمة العامة إلى ذمة خاصة ، ذمة الجهة أو الموظف الفاسد ، وإما أن يَتَسَرَّبَ إلى الخارج فهو آمن ! ، فثم أرصدة خاصة شديدة السرية تَتَضَخَّمُ بما يَتَسَرَّبُ من المال العام ، وهذه الظاهرة تَتَكَرَّرُ على مستويات كثيرة ، واضرب له مثلا بأستاذ كبير ! من أساتذة الطب ، وهو مثال من الواقع والعهدة على الراوي وهو مِمَّنْ يَعْمَلُ في هذا المجال وقد بَاشَرَ هذا الأمر في دائرة عمله الخاصة ، فَيَضْرِبُ المثلَ بذلك الأستاذ فَهُوَ يَمْلِكُ نَشَاطًا طِبِّيًّا خاصا خارج دائرة العمل الرسمي ، ويستغل ما تحت يده من العهدة العامة أن يُحَدِّثَ أجهزته الخاصة فَيَسْتَبْدِلَ العهدة العامة الجديدة بها ، فيكون حظ المريض في المستشفى العام هو الجهازَ القديم المستهلَك الذي خَلَفَ الجديدَ الذي دخل العهدة الخاصة عبر العهدة العامة فَهِيَ وسيط يَنْتَقِلُ به المال العام إلى ذمة خاصة بلا وجه حق ، فَيَتَسَّرَبُ من المال العام القدرُ الفارق بين ثمن الجهاز الجديد ونظيره القديم فضلا عن سوء الخدمة الذي يتحمله المريض الفقير الذي لا يجد ثمن الخدمة الخاصة فما أَلْجَأَهُ إلى العامة الرديئة إلا ضيق ذات اليد ، وتكاليف الصيانة للجهاز القديم ..... إلخ ، فكل أولئك مما يُسْتَنْزَفُ وَيَتَسَرَّبُ مِنَ المال العام ، بل ثم من الأطباء الذين يعملون في القطاع العام مَنْ يَسْتَقْطِعُ من المال العام لَوَازِمَ عمله الخاص خارج دائرة العمل الرسمي فَيُجْرِي جراحات خاصة فِي محل عمله الرسمي ، فَلَوَازِمُ الجراحةِ تُسْتَقْطَعُ من العهدة الخاصة نظير ما يَتَقَاضَى الطبيب من قيمة الكشف في عيادته الخاصة وقيمة الجراحة والاستشارة والمتابعة ...... إلخ ، فكل أولئك مما يَتَسَرَّبُ من المال العام إلى جيب خاص ، فالتسرب ، كما تقدم ، ظاهرة تَتَدَرَّجُ فلا تقتصر على الجهات السيادية ، بل تَعُمُّ كُلَّ موظَّفٍ فاسد في جهاز بيروقراطي مُتَرَهِّلٍ كالجهاز الإداري المصري الذي صُنِعَ على عين الاستبداد وهو من أعظم ما يفسد الأديان والأخلاق ، فَتَسْتَغْرِقُ الظاهرة كُلَّ موظفٍ فاسد في جهاز يَصْنَعُ الفساد بالفعل أو بالقوة ، كما يَقُولُ أهل النظر والمنطق ! ، فَإِنْ لم يُبَاشِرِ الفساد فعلا فهو يُهَيِّئُ البيئة القياسية لسائر جرائم الفساد على كافة المستويات من الموظف السيادي إلى أصغر موظف ، فَيَتَسَرَّبُ المال العام في كل درجات الوظيفة ، وذلك أمر لا يَقْتَصِرُ على قطاع دون آخر ، وإن كان للقطاعات السيادية حظ أوفر بما تملك من صلاحيات أوسع فَحَجْمُ الفسادِ في الوزارات السيادية أكبر بداهة من حجم الفساد في نَظَائِرِهَا الخدمية ! ، فكل أولئك غَيْضٌ من فَيْضٍ يُبِينُ عن فساد البيئة الاستثمارية التي تُصْنَعُ على عين الاستبداد السياسي ، فهو مَنْشَأُ كُلِّ فسادٍ اجتماعي ، أو هو ، على أدنى تقدير ، عَامِلٌ حافز يُسَرِّعُ من وَتِيرَةِ الفساد ، فالسلطان إذ يَفْتَحُ ذَرَائِعَ الفساد ، صَرَّحَ أو كَنَّى ، وكلُّ لبيب بالإشارة يفهم ! فَلَنْ يُكَبِّلَ أيدي رجالاته أن يَقْتُلُوا أَخْذًا بالثأر ويسرقوا أَخْذًا بالقهر ، فَهُوَ يعطي الضوء الأخضر ، فَيُسَهِّلُ على الفاسد أن يَعْمَلَ فِي مأمن من العقاب ، فلا عقاب بعد الآن لقاتل أو سارق أو مختلس ..... إلخ إلا ذَرًّا للرماد فِي العيون تُقَدَّمُ به أكباش الفداء الإعلامية لتحقيق وجاهة سياسية .
    فالأمر يجاوز الفساد المباشر في الاقتصاد إلى فساد آخر أعظم يُوَفِّرُ مظلة عامة لسائر أجناس الفساد ، فالسلطة بما تملك من أدوات القوة الناعمة والخشنة تَرْعَى الظواهر التي تُوَاطِئُ أغراضها ، فإن كانت صالحة صلحت بها الرعية ، وإن كانت فاسدة فسدت بها الرعية ، فهي كالجنان من الأركان ، فإذا صَلُحَ صَلُحَ الجسد كله وإذا فَسَدَ فَسَدَ الجسد كله ، فإذا فسدت السلطة فَسَدَ المجتمع كله أو فَسَدَ قطاع عريض منه ، شَعَرَ أو لم يَشْعُرْ ، فَثَمَّ أخلاقٌ تَتَسَلَّلُ إلى كُلِّ بَيْتٍ وَفَرْدٍ ، فَنَمَطُ الحياة العام يَفْرِضُ نَفْسَهُ بِقُوَّةٍ على طبائع الناس ، فإذا أرادت السلطة شد أطراف المجتمع فإنها تمارس القمع وتضيق أسباب الرزق بما تملك من صلاحيات تشريعية وتنفيذية ، فَتَضِيقُ النفوس وَتَفْسَدُ العلائق العامة والخاصة وَتَنْتَشِرُ الجرائم التي تعكس أسباب الأزمة ، فإذا كثرت جرائم الزنى على سبيل المثال ، فهي تعكس أزمة أخلاقية إذ تذيع الفاحشة بما يكون من تسهيل أسبابها وتزيين أشكالها بالصوت والصورة فَثَمَّ ضوء أخضر من صاحب القرار أن يُفْتَنَ الناس في أديانهم وأخلاقهم ، فهي أزمة عفة ، فضلا عن أزمة اقتصادية تُعَسِّرُ أسباب الحلال فَتُفْتَحُ ذرائعُ الحرام تِلْقَائِيًّا فتلك سنة ربانية جارية تجري مجرى المعادلة الرياضية المطردة فإذا أردت أن تفتح ذرائعَ أَمْرٍ فَسُدَّ ذارئعَ ضدِّه ، فَفَتْحُ ذرائع الحلال يسد ذرائع الحرام ، وسد ذرائع الحلال يفتح ذرائع الحرام ، فضلا عن أزمة أخرى في الفكر والتصور يَنْعَكِسُ عَلَى أَعْرَافٍ وأنماط في السلوك كما يضرب المثل بازدراء المجتمع لظواهر شرعية كالتعدد في الزواج ، فهو أمر يستهجنه المجتمع الذي فَسَدَ تصوره بالبعد عن مصادر ثقافته الأصيلة .
    وذلك مثل واحد يمكن استنساخه في جميع الجرائم فإنها ظواهر تَنْشَأُ من أسباب متراكمة لها روافد كثيرة ، فالسلطة ، كما تقدم ، تَرْعَى الصلاح أو الفساد ، فيظهر أثرها سريعا خلاف أَيِّ راع آخر لا يملك من الأسباب ما تملك ، واضرب له المثل برجل كعمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، فهو استثناء في سياقه ، وإن لم يكن سياقا أسود قاتما كما يُصَوِّرُ الاستشراق المعاصر وَرَوَافِدُه من التشيع الغالي ، فلم يكن أسود قاتما ولكنه ، في المقابل ، لم يكن أبيض ناصعا كما كانت الحال في الخلافة الأولى ، فجاء ابن عبد العزيز استثناء في سياقه الأموي ، وتلك حسنة عظمى حفظها التاريخ لابن عمه سليمان بن عبد الملك الذي نَزَلَ على قول الوزير النابه رجاء بن حيوة وتلك ، لو تدبر الناظر ، من بَرَكَةِ الشورى الناصحة للدين والرعية ، فلا تختار إلا ما يُصْلِحُ الحال والمآل ، فجاء ابن عبد العزيز بمشورة ابن حيوة وَنَجَحَ بما يملك من أدوات السلطة أن يُزِيلَ مظالم كثيرة ، لا سيما مظالم العائلة الأموية المالكة ! ، فَبَدَأَ بهم وهو ما أثار سخطهم وإنما صبروا أن كان وَاحِدًا منهم فلئن خرجت الثروة من أيديهم فلم تخرج السلطة فلا زالت في البيت الأموي ، فلما رام إخراج الأمر منهم وإرجاعه إلى الأصل الأول فَتَرَدَّدَتْ أَنْبَاءٌ أنه يَعْتَزِمُ استخلاف القاسم بن محمد بن أبي بكر ، فلم يكن ثم بد من التخلص منه ، فَقَدْ جَاوَزَ الخط الأحمر ، فالمال يُعَوَّضُ والسلطة لا تُعَوَّضُ ! ، فإن خرجت من أيديهم فلن ترجع أخرى إلا بالحرب والقتل ، كما انْتَزَعَهَا جدهم الأعلى مروان بن الحكم وجدهم الأدنى عبد الملك بن مروان من عبد الله بن الزبير بالحرب التي طالت عشر سنوات أو يزيد ، فَقَتْلُهُ بالسم أيسر من قِتَالِ خليفته والخروج عليه ! ، فاختاروا الطريق الأقصر ، وإن كانت عَاقِبَتُهُ أسوأ ، فانتهى المثال السياسي الراشد سريعا إذ تَكَالَبَ عليه أصحاب المصالح من داخل البيت الأموي قبل غيرهم ! ، بل هم أول من يَتَكَالَبُ فهم أعظم من تَضَرَّرَ من خلافته ، فأصحاب النفوذ أعظم مَنْ يَتَضَرَّرُ من السياسة العادلة فَيَسْعَوْنَ في استبدال أخرى جائرة بها فَهِيَ الحافظة لمصالحهم الخاصة ولو على حساب المصلحة العامة كما تَقَدَّمَ من ظاهرة التسرب الاقتصادي ، فإنها تحقق مصلحة خاصة على حساب المصلحة العامة ، فَيُسْتَقْطَعُ لحساب خاص في مصرف أو متجر أو عقار أو أرض ، يُسْتَقْطَعُ له مَا يُسْتَقْطَعُ من الحساب العام ، حساب المجتمع المالك الحقيقي للثروة ، فالخاص يَقْضِي على العام ! ، والنخبة الرأسمالية أبدا هي الخصم الرئيس لأي مثال سياسي عادل ، ولو رساليا محكما ، فبنو أمية لم يكونوا خصوم الوحي على قاعدة إيمان وكفر ، فجاوزوا هذه ولم يطيقوا أن يجاوزوا أخرى ، فكانوا خصوم ابن عمهم عمر بن عبد العزيز على قاعدة عدل وظلم ، فضاقوا ذرعا بعدله الذي نجح في زمن قياسي أن يَسْتَرِدَّ المثال السياسي الراشد ، فقد امتلك السلطة فأنجز بها ما لا ينجز غيره ، فالسلطة تملك من أدوات التغيير ما لا يملك المجتمع ، وإن كان المجتمع يطيق التغيير ولكنه أبطأ وأفدح ثمنا ، فما يقطعه المجتمع في شهر تقطعه السلطة في يوم بِقَرَارٍ سيادي واحد ، وبعده امتلك خَلَفَهُ من أدوات السلطة ما نَسَخَ به عدل عمر ، ولو على مراحل تَتَدَرَّجُ ، فلم يكن خلفه يزيد بن عبد الملك يَنْوِي ذلك ابتداء بل قد سلك جادته برهة لم تجاوز أربعين يوما كما تقول بعض المصادر ، فوسوس له أصحاب المصالح كالعادة ، فحملوه أن يخالف عن جادة عمر فَبَدَأَ النقص الذي تدرج شيئا فشيئا وهو ما أتاح للدعوة العباسية أن تَزْدَهِرَ فإنها لم تَزْدَهِرْ إلا باستقطاب خصوم بني أمية الذين كثروا بما كان من مظالم كَثُرَتْ ، فلو سلكوا جادة عمر ما وجد الخصوم حجة ليؤلبوا الناس عليهم ويجمعوهم لحربهم ، وإنما نمت الثورة العباسية في بيئة ظلم أموية لم تخل من تعصب وعنصرية للجنس العربي ، وهو ، بداهة ، ما لا يكون في يوم وليلة فالظالم إذا فسدت بصيرته فإنه لا يقدر العواقب البعيدة ، فإن الثورة لم تنضج في يوم وليلة ، وإنما نضجت في ثلاثين سنة أو يَزِيدُ ، فلا يقدر الظالم هذه العواقب والمآلات البعيدة التي تَفْتَقِرُ إلى سعة أفق سياسي ولو لم يكن ذا مرجع أخلاقي ، فالسياسة ، ولو براجماتية ، لا بد أن تنظر في العواقب وتستقرئ التجارب لئلا تقارف من الأخطاء ما قارف أسلافها من الممالك الزائلة ، فلا عناية للظالم المغتر بقوته الآنية ، لا عناية له بالنظر في المآلات البعيدة لَا سِيَّمَا إن كان مضطرب النفس ، وهو من يوصف في الطب النفس المعاصر أنه السيكوباتي ، فهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، رجل لا ينظر في العواقب البعيدة وإنما يقصر نظره فيمارس السياسة ممارسة الغريزة التي لا يَعْنِيهَا إلا تحصيل اللذة العاجلة ، لو مؤقتة ، ولو أورثت حسرة آجلة دائمة ، فَكَانَ النَّقْصُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وازدهرت أسباب الثورة شَيْئًا فَشَيْئًا ، وبلغ الأمر غايته أن وَلِيَ الأمر الوليد بن يزيد بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك ، آخر رجالات بني أمية الأقوياء من ذوي الملك المستقر الراسخ ، فَوَلِي ابن أخيه الوليد مع ما قد عُلِمَ من فجوره وإن زِيدَ فيه ما ليس فيه ، فلم يخل ، مع ذلك ، من نقص شديد ، وسرعان ما انفرط العقد وانصدع البيت الأموي من داخله فخرج عليه ابن عمه يزيد الناقص ، وولي بعده أخوه إبراهيم فخرج عليه رجل من رجالات البيت الكبار وهو مروان بن محمد الرجل الجلد الهمام الذي لم يخل مع ذلك من عسف وعنف فلا يصلح لسياسة الملك لا سيما وقد خرجت أعلام الثورة من الشرق ، فكانت هزيمته في الزاب الأعلى 132هـ بين أربيل والموصل مع أن جنده كانوا الأكثر ولكنهم لم يكونوا الأجمع على قلب رجل واحد ، فلم يصف الأمر لبني أمية على المدى البعيد ، فافتقروا إلى الرؤية السياسية الثاقبة التي تنظر ، كما تقدم ، في المآلات ، وإنما اشتغلوا باللذات ، فَتَوَهَّمُوا صفو الأمر بعد أن تَخَلَّصُوا من عمر بن عبد العزيز فَرُبَّمَا اسْتَلَبُوا بَعْضَ ما اسْتَرَدَّ من الحقوق واستمتعوا به برهة ، ولكنهم لم يفطنوا إلى ما بعد ذلك فقد خسروها بل وخسروا الأمر كله بل وخسر كثير منهم حياته في مذابح دموية قَارَقَهَا بنو العباس في حقهم فلم يَسْتَثْنُوا إلا المرأة والطفل الذي لم يَبْلُغْ ، وَلَمْ يَقُمْ بنو العباس في الجملة بما قاموا ، فخلافة بني أمية مع ذلك خير في مجموعها من خلافة بني العباس ، وإن كان في بِنِي العباس من الخلفاء من رَجَحَ في الفضل والسياسة كثيرا من رجالات البيت الأموي ، فتفضيل بني أمية على بني العباس ، لو تدبر الناظر ، تفضيل مجموع على آخر ، لا الجميع ، فبنو أمية كما وصف ابنُ عباس معاويةَ ، رضي الله عن الجميع ، إذ بلغه موته فاسترجع وأمر بالطعام أن يُرْفَعَ وسكت برهة ثم قال بحكمة بالغة : أما والله ما كان خيرا من أسلافه من خلفاء النبوة ، ولن يَأْتِيَ بعده مثله ، فلم يكن بنو أمية خيرا ممن تقدمهم من الأئمة المهديين ، وليس بَعْدَهُمْ مَنْ يَعْدِلُهُمْ في السياسة والفتح على ما قد قَارَفُوا من مظالم واستأثروا من مغانم ، فَلَيْسَ بَعْدَهُمْ من يعدلهم من العباسيين أو من تلاهم ، فَتَفْضِيلُهُمْ عَلَى من تَلَاهُمْ : تَفْضِيلُ المجموعِ ، كما يضرب المثل السائر في كتب النحو واللسان أن الرَّجُلَ خَيْرٌ من المرأة فالتفضيل تفضيل جنس على آخر لا آحاد على نظائرها فمجموع الرجال خير من مجموع النساء لا الجميع ، فَثَمَّ من النساء من يفضل كثيرا من الرجال ، فكان الأوائل أرسخ في الملك وأوسع في الفتح والحرب ، وإنما اسْتُلِبُوا الملك إذ ضجروا بالعدل ، عدل ابن عمهم وذي رحمهم عمر ، وتلك سنة ربانية أخرى ، فإذا ضجر الناس بعادل فاستبدال ظالمٍ به حتم لازم ، ومثال مصر الآن على ذلك خير شاهد ، مع القدر الفارق بداهة ، فَهِيَ معادلة أخرى قياسية ، فَإِذَا أَرَدت أن تُعَاقَبَ بحكم ظالم فاضجر بحكم عادل ، فالأول يُوَفِّرُ بِيئَةَ الظلم والفساد التي تُوَاطِئُ في الغالب أهواء النخبة وَأَغْرَاضَهَا إذ جُلُّ ما حصلت من مكاسب خاصة فإنما استقطع من المصلحة العامة ، فلم يكن لها أن تَعْلُوَ وَتَثْرَى إلا بمظلة السلطة الظالمة الفاسدة التي رَعَتْهَا حَقَّ رعايةٍ ! نظير ما تُحَصِّلُ من رشى وعمولات ، فكان تَبَادُلُ المصالحِ الخاصة على حساب المصلحة العامة ، لا جرم كانت النخب أبدا إلا من رحم الله ، جل وعلا ، كانت أبدا الخصم الألد لأي تغيير سواء أكان سماويا أم أرضيا ، فالنخب المترفة أعداء الرسالات ، فـ : (كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) ، والنخب الرأسمالية في الأمثلة السياسية والاجتماعية الأرضية أعداء الإصلاح ولو انطلق من قاعدة أرضية تُوَاطِئُ مرجعياتهم الفكرية ، واستئثار النخب بالجاه والثروة وفرص العمل ...... إلخ لا يكون إلا بمظلة سياسية تَتَّسِمُ بالفساد والأثرة ، فهي أَنَانِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الأفقِ ، فالأناني لا يَنْظُرُ إلا تحت قدمه فغايته أن يحقق المأرب العاجل ولو أضر بأجيال ، وهذه المظلة السياسية الفاسدة لا يمكنها أن تكون ضامنا لأي استثمار محلي أو أجنبي ، كبير أو متوسط أو صغير ، وهو محل الشاهد الرئيس ، فهي تطارد الجميع ولو على أنحاء تَتَفَاوَتُ فبقدر ما يملك رأس المال من وسائل الحماية المشروعة أو غيرها ! تكون سلامته من بطشها ، لا سيما وهي تمارس الاحتكار الفج الذي يجبن رأس المال أن يجاوره في سوق عمل لا تَتَّسِمُ بِحَدٍّ أدنى من العدالة أو الشفافية .

    واضرب له المثل بما تشهد مصر الآن من احتكار سلطوي لم يقتصر على الشأن السياسي بل تمدد تلقائيا إلى الشأن الاقتصادي وتلك طبائع الأشياء ، فمن طغى في السياسة وجاوز الحد فاتساع صلاحياته السيادية يُغْرِيهِ أن يَقْتَحِمَ السوق ليحقق الأرباح التي لا تخلو من أهداف سياسية وأمنية بعيدة المدى ، فاحتكاره للغذاء والدواء سوط به يُؤَدِّبُ المجتمع إذا حَدَّثَتْهُ نفسه أن يَعْتَرِضَ ، فقد سلب أسباب القوة الذاتية فَحُرِمَ أن يَزْرَعَ وَيُنْتِجَ لا أنه لا يفقه ، وإنما وضع عليه من القيد المحكم ما يحول دون ذلك ، واضرب له المثل ، أيضا ، باحتكار السلطة إنشاءات الطرق ، فهي تحقق أهدافا متعددة ، فتحصل من الرسوم ما يصب في قنواتها الخاصة دون أن يجد المجتمع آثاره جريا على ما تقدم من نظرية "التسرب" فتلك أموال لا تدخل الخزينة الرسمية للدولة الظاهرة وإنما تدخل أخرى موازية للدولة الباطنة ! أو دولة الظل التي تَعْمَلُ حينا من وراء ستار ، وآخر ظاهرةً تحت عنوان الإنجاز والإنقاذ ، إنجاز المشروعات ولو وهمية أو رديئة التنفيذ وإنقاذ المجتمع من الأزمات ولو مصطنعة تعطي الذريعة للتحكم في الأسعار مع احتكار العلاج ، فوحدها السلطة من يملك السلعة المفقودة ! ، وذلك أمر يتكرر في كل مشهد ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مسلك عام نجحت السلطة بما تَقَدَّمَ من أدواتها في شد الأطراف وإفساد الأخلاق بما تمارس من ضغوط هائلة على المجتمع وما تفتح من آفاق الفساد مع غياب الوازع الرسالي أو الأخلاقي وغياب الرقيب الأرضي فضلا عن غفلة عظمى عن الرقيب السماوي ، فَنَجَحَتِ السلطة في ظل هذا المشهد البائس أن تصدر هذه السياسة ، سياسة صناعة الأزمة ، إلى المجتمع الذي يصنع فَئِامٌ منه الأزمات لِيَتَرَبَّحُوا جَرْيًا على سياسة الاحتكار للخدمة ، على وجه يعجب الناظر فيه من قلة المروءة فضلا عن ضعف الديانة ، واضرب له مثلا آخر من أرض الواقع والعهدة على راويه أيضا فقد حكى ما شهده وباشره في نازلة أَلَمَّتْ به ، وهو جار على ما تقدم من نظرية التسرب الاقتصادي الذي يُقَلِّلُ حجم الثروة العامة لا سيما مدخرات الطبقات الوسطى وما دونها فتلك سياسة عامة تَتَوَجَّهُ إلى هذه الطبقات إن في اقتصادهم القائم على أدوات الإنتاج المحدودة أو في مدخراتهم وليست ، أيضا ، مما يكثر فلا تصمد طويلا لسياسة الاستنزاف والتسرب ، فَثَمَّ ، وهو محل الشاهد ، ثَمَّ مؤسسة علاجية تَتْبَعُ أخرى جامعية أكاديمية ، وفيها من التجهيزات ما يصلح لتقديم خدمة مجانية ، ولكن القائمين عليها من كبار الأساتذة الذين أُوتُوا ذكاء ولم يُؤْتَوا زَكَاءً ، كما يصف بعض المحققين الفلاسفةَ في كلمة مشهورة متداولة ، وقد لا يُؤْتَون كلا الأمرين فلا ذكاء ولا زكاء ، وإنما أُوتُوا ولاء مطلقا للسلطة فذلك مسوغ التَّعْيِينِ الأول في أي وظيفة رسمية ، فهم يوعزون إلى العاملين أن يمتنعوا عن تقديم الخدمة المجانية بذريعة تعطل الأجهزة ، وقد أوجدوا البديل الخاص وهم فيه شركاء فأوجدوه على مقربة من المؤسسة العلاجية العامة ، فيضطر المرضى أن يلجئوا إلى البديل الخاص الذي يمتلكه القائمون على العلاج المجاني العام ، فيدفعوا ثمن خدمة مجانية وذلك ، أيضا ، ما يَسْتَنْزِفُ الثروة العامة التي تذهب في جيوب الخاصة الذين احتكروا أدوات الخدمة ، بل وعطلوا نظائرها العامة قَصْدًا لِيَتَرَبَّحُوا على حساب المجتمع ، فتلك صورة أخرى من صور التسرب للثروة العامة على وجه يضر بالمجتمع فهذا المال الذي أُكِلَ سُحْتًا بلا وجه حق استثمارا في حاجة مريض يحتاج العلاج ، هذا المال لو بَقِيَ في جيبه لأنفقه في حاجات أخرى فَنَشَّطَ به دَوَائِرَ اقتصادية أخرى على وجه تعم به المنفعة ، ولكن صاحب المصلحة الخاصة أبى إلا أن يحتكر الخدمة التي يستنزف بها هذا المال ، فهو ، على المدى البعيد المتراكم ، يجفف منابع الثروة العامة ، فليست الجهات السيادية وحدها من يقارف هذه الخطيئة ، فلئن أُلْقِيَ عليها القدر الأكبر من المسئولية بما تمارس من الفساد استنادا إلى صلاحياتها الواسعة ، فإنها آخر أمرها نِتَاجُ المجتمع ولو في أصل النشأة مع ما طَرَأَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ من تَشَوُّهٍ زائد بمقارفتها الفساد وَتَدَرُّجِهَا في مراتبه العليا ، فضلا أن المجتمع قَدْ تَقَاعَسَ وهو يَرَاهَا تُفْسِدُ فَسَكَتَ ولم يُنْكِرْ ، بل قد شَارَكَهَا كُلٌّ في مكانه ! إلا من رحم الرب جل وعلا ، فَأَغْرَاهَا أن تَتَمَادَى ، فهو شريك أصيل في الجرم إما بالمشاركة أو السكوت رضى بما تصنع ! ، وهذه الأمثلة تَجْرِي ، أيضا ، مجرى السنة الربانية العامة فلا يسلم منها مجتمع دخل هذا النفق المظلم ولو كان غَنِيًّا فَثَمَّ من ظواهر الفقر في الدول الغنية كما الحال في بعض دول الإقليم النفطية ، ثم منها ما يؤذن بذلك وهو ، لو تدبر الناظر ، عقاب ناجز على ما يكون من تبديل النعمة والمجاهرة بالمعصية وَتَرَاكُمِ المظالم وما تعدى ضرره إلى الجوار مع أن نجاحه كان حائط الصد الذي يحول دون هذا العقاب الناجز فما استعلن واستأسد الفاسق وَجَاهَرَ بما يقارف إلا أَنْ لَمْ يَجِدْ في الجوار من يَنْصَحُ أو يزجر بل قد سعى في إزاحة الناصح وَتَوْلِيَةِ الخائن فكان من شؤم ما صنع أن بدأت العدوى الاجتماعية والاقتصادية في الانتقال إليه ولو تدريجا فَتِلْكَ سنة ربانية جارية وعقوبة ناجزة إلا أن يكون من الاستغفار والتوبة ما يَرْفَعُهَا .

    فالسلطة فِي المثال السابق ، إنشاءات الطرق ، تحصل الرسوم من طرق رَدِيئَةٍ لم تَسْتَوْفِ مَعَايِيرَ الأمن والسلامة ، وَثَمَّ ، من وجه آخر ، شق لطرق حيوية تفتح للنخبة آفاقا اقتصادية وإن كانت تحتمل التأجيل لا سيما وحاجات المجتمع أعظم أن تُضَخَّ هذه الأموال في بِنًى تحتية خدمية فهي الأولى من طريق في صحراء لا يسكنها أحد ! ، فمثله كمثل ما قال الفقهاء في حكم من بَنَى مسجدا في الصحراء فهو آثم إذ لم يَنْتَفِعْ به أحد فذلك من الإسراف وإن في بناء مسجد ، فكيف بطريق لا يَنْتَفِعُ به أحد إلا من أنشأه فَثَمَّ صفقة تُوكَلُ إليه بالأمر المباشر مع فَسَادٍ في تقدير النفقات ، فضلا عما يكون من العمران ، ولو على المدى البعيد ، على جانبي الطريق فهو يحظى باحتكار الأرض على جَانِبَيْهِ بأعماق كبيرة فالطريق يَزِيدُ فِي أسعارها الآجلة ، والبائع هو المالك ، والمالك هو السلطة التي احتكرت ملكية الأرض ، فهي تشارك أي مستثمر يُرِيدُ هذه الأرض بعد أن يَزِيدَ سعرُها وَيَعْلُوَ قَدْرُهَا بما فَتَحَ الطريق من آفاقِ استثمارٍ ولو في مجال الدعاية والإعلان على جَانِبَيْهِ ! ، وتقديم الخدمات من محطاتِ تَزَوُّدٍ بالوقود ومتاجر ومطاعم واستراحات تملكها السلطة أو تمنحها القطاع الخاص جريا على ما تقدم من نظرية الفساد في اختيار الجهة المنفذة نظير ما تقدم من رشى وعمولات ، وقد تكون الجهة المنفذة مِلْكًا لأخرى سيادية في الدولة فهي الشريك من الباطن فَتَتَّجِرُ وَتَسْتَثْمِرُ مع نَفْسِهَا إذ تُوكِلُ إلى شركاتها الخاصة ما تقترح من الإنشاءات والمشاريع العامة ! ، فهي المتعَاقِد والمتعَاقَدُ معه جميعا ! ، وكل أولئك لو تدبر الناظر إنما يصب أكثره في قناة السلطة ذات البناء الهرمي ، وليت هذا المثال المستَبِدَّ الذي حَوَّلَ المجتمع إلى قاعدة هرم يستنزف الثروة العامة لَيْتَهُ يَعْدِلُ في اقتسام الغنيمة بل هو في نفسه هرم آخر تَتَفَاوَتُ درجاته ، فلا يستأثر بالقدر الأكبر من هذه الأرباح إلا النخبة من قيادات الصف الأول ومن قاربها فكلما ارْتَقَى العنصر أو الموظف في الرُّتْبَةِ فحظه من الغنيمة أعظم ! ، وهذا الهرم الوظيفي في الأطراف ليس ، أيضا ، إلا قاعدة لهرم آخر يقبع المركز على قمته ، فالنظام الدولي كما الإقليمي والمحلي ، فكلها قَدْ أُقِيمَ على هذا المثال الهرمي الجائر الذي لا يقسم بالسوية ولا يعدل في القضية ، بل تستأثر النخبة فِيهِ بمعظم الامتيازات المادية والأدبية ولا يَنَالُ القاعدةَ منها إلا الفتاتُ وإن كانت أكثر من يعمل ويدفع ، بل انظر في المجتمع ، فَثَمَّ ظواهر اجتماعية آلت بالعلم الأكاديمي أن يَصِيرَ مَوْضِعَ تَبَاهٍ وَتَفَاخُرٍ فلا أحد يَتَعَلَّمُ ما يَفْقَهُ وَيَرْغَبُ فشرط العلم النافع أن يجرد صاحبه النية وَأَنْ يَتَعَلَّمَ مَا يَنْفَعُ وأن يكون ذلك مما يَهْوَى وَيَرْغَبُ وأن يطيق دركه فَيَفْهَمَ أصوله ويفقه دقائقه وأن يعمل بما تعلم ، وإنما يتعلم المتعلم الآن في المجتمعات التي قامت على الأنا التي تشكل قمة هرم آخر يتسابق أعضاؤه لاعتلاء قمته بالالتحاق بما اصطلح أنه كليات القمة ! التي صارت في نفسها هدفا لا لِتَعَلُّمِ ما يَنْفَعُ وإنما للتفاخر على من هو أدنى ، فيتعلم المتعلم الآن لِيَفْخَرَ على أَقْرَانِهِ وَلِيُقَالَ هو عالم ، فيقال طبيب أو مهندس ..... إلخ من الدرجات الوظيفية العليا في إطار ما تَقَدَّمَ من صراع مجتمعي يكرس في الذات حب الأنا ، فَثَمَّ أهرام شتى وكل هرم يُفْرِزُ آخر ، فَهَرَمٌ اجتماعي مَبْنَاهُ التفاخر بالألقاب العلمية والدرجات الوظيفية ، وهرم آخر في السلطة الوظيفية التابعة في الأطراف قد حَوَّلَ المجتمع إلى قاعدة يَسْتَنْزِفُهَا ، وثالث في المركز قد حَوَّلَ الأطراف كلها إلى قاعدة يَسْتَنْزِفُهَا ، والمركز في نفسه هرم رابع إذ ثَمَّ على قمته نخبة أعلى قد استنزفت ما تحتها ، فلا زالت قمة الهرم تضيق وَكُلَّمَا عَلَتْ درجة العضو ظهرت آثار الأنانيةِ والشح ، فكان الطغيان بما حَصَّلَ من أسباب الرفاه والعيش ، فـ : (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) .
    فذلك الهرم الرأسمالي الذي يجاوز الإجراء السياسي إلى نظيره الاقتصادي ، ذلك الهرم هو معدن الإشكال ، وهو ما يَتَكَرَّرٌ في الداخل وفي الخارج فكل هرم يسلم إلى الآخر حتى يَنْتَهِيَ الأمر ، كما تقدم ، إلى نخبة دولية حاكمة فليست نخب الأطراف إلا أَدَوَاتٍ وظيفيةً تَابِعَةً ، وذلك ما يَضَعُ اليد على مكان الداء فإن هذا الهرم الرأسي لا بد أن يُهْدَمَ أو يُفَكَّكَ ، وليس شَرْطًا أن يكون ذلك بأداة القوة الخشنة ، بل قد يكون ذلك في أحيان علاجَ خطإٍ بأعظم ، لا سيما في مثال السلطة المعاصر إذ حرصت أن تَسْتَأْثِرَ بأدوات القوة جَمِيعًا لا سيما الخشنة ، فَثَمَّ ابتداء فارق هائل في القوة وهو ما يجعل لها اليد الطولى في أي مواجهة خشنة ، بل قد تسعى في أحيان إلى استدراج المجتمع إلى هذا الميدان إذ ليس ثم تكافؤ في القوة المادية ، فتستدرجه لِتُوَجِّهَ له ضربة قوية تُضْعِفُهُ وَتَزِيدُهَا ، في المقابل ، قُوَّةً وَمَنَعَةً ، فَيَتَمَاسَكَ هَرَمُهَا الوظيفي أكثر لا سيما مع ما تَبُثُّ من دعاية الخوف الْغَرَائِزِيَّةِ التي تحفز عناصرها بل وتستقطب فِئَامًا كثيرة من المجتمع ممن تَسْتَفِزُّهُمْ الدعاياتُ الديماجوجية الشعبوية ، فالوطن في خطر والبلاد على حافة الضياع .... إلخ ، فلا بد من تَفْوِيضِ القائد الهمام ذي الخلفية العريضة وَمَنْحِهِ صلاحيات مفتوحة فلا صوت يعلو على صوت المعركة ضد قوى الشر المتربصة ، وهو ما يُسْتَثْمَرُ في قمع المجتمع كله من فَوَّضَ ومن لم يُفَوِّضْ ! ، فَتَزْدَادُ السلطة بأسا وظلما وَيَزْدَادُ هرمها تماسكا ، ويحصل نقيض المقصود إذ اسْتُعْمِلَتِ القوة الخشنة في غير مَوْضِعِهَا دون نظر في موازين القوى في الداخل وفي الخارج ، فتلك قضية تحتف بها قرائن فلا بد من جمعها والتحري في فِقْهِهَا قبل الدخول فيها ، وإن كان ثم إجماع أن هذا الهرم السلطوي الجائر هو الإشكال ، فلا بد من إزالته لِيَحِلَّ عوضا عنه مثالٌ أُفُقِيٌّ يستوي فيه الناس جميعا فهم كأسنان المشط ، فلا يَتَقَدَّمُ أحد إلا بَسَبَبِ حقٍّ يوجب تقديمه ، وإلا كان الترجيح بلا مرجح فَقُدِّمَ مَنْ قُدِّمَ وحقه التأخير فلا سبب يوجب تقديمه ، فذلك التحكم كما يقول أهل النظر والمنطق وهو ما يخالف عن الوحي الصحيح والعقل الصريح .

    فَفِي المثال السباق ، إنشاءات الطرق ، تُحَقِّقُ السلطة ، كما تَقَدَّمَ ، أهدافا عدة ، فاستثمار مباشر في التنفيذ وآخر في تقديم الخدمات وجباية الرسوم ، وثالث في التشييد على جانبي الطريق ، ورابع في التقييد ، تقييد المجتمع بالتحكم في هذه الطرق ، فَثَمَّ هاجس أمني لأي سلطة مستبدة فهي تَسْعَى أبدا في تطويق المجتمع وإضعافه ، فتسعى في السيطرة على الطرق وهي شرايين الحياة بما يُنْقَلُ عليها من سِلَعٍ وَبَضَائِعَ فإذا قَطَعَتْهَا فقد قَطَعَتِ الإمداد اللوجستي عن أي حِرَاكٍ يُعَارِضُ ، فذلك مثل يتكرر في كل نشاط اقتصادي وهو ما يلجئ رأس المال الكبير أن يَفِرَّ من منافسة غير عادلة مع سلطة مستبدة تمارس الاحتكار استثمارا لما تملك من صلاحيات سياسية وتشريعية وإدارية ، وبعض الاقتصاديين يقدر حجم الاستثمارات الخارجة من السوق المصرية من 2016 وحتى الآن بنحو 1,5 مليار دولار أو يزيد ، من 6,5 مليار دولار وهو رقم ضئيل ابتداء في سوق كبيرة كالسوق المصرية إلى أقل من 5 مليار دولار هي الآن حجم الاستثمارات المباشرة في مصر ، وهو ما يدحض حجة السلطة في قَرَارِ تعويم العملة الوطنية فقد تذرعت بِتَنْشِيطِ الإنتاج وزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وهو ما لم يحدث ، فبيئة الاستثمار غير آمنة ، وآلة الإنتاج غير فاعلة ! ، فكيف برءوس الأموال المتوسطة والصغيرة فهي ، كما تقدم مرارا ، أعظم من يَتَضَرَّرُ من هذه السياسة النيوليبرالية التي انطلقت من قواعد الاحتكار والربا فهو من أعظم الآفات التي تلتهم ثروة المجتمع وتستنزف جهد طبقاته الأفقر فهي أول من يَتَحَمَّلُ عبء الفوائد المتراكمة ، واضرب له المثل بقطاع حيوي كالصحة ، فَثَمَّ فِي الموازنة العامة للدولة المصرية لهذه السنة ، 2019_2020 ، ثَمَّ تَقْلِيصٌ لمخصصات التأمين الصحي بِمَا يَزِيدُ عن 800 مليون جنيه ، نحو 880 مليون جنيه إن لم تخن الذاكرة ، فضلا عن تقليص مخصصات المستشفيات الجامعية ، وهي ملاذ الطبقة الأشد احتياجا التي تَرَى فِيهَا فُرْصَةً ولو في الحصول على سرير علاج بسعر رمزي فهي من يَتَكَفَّلُ بأعباء العلاج كُلِّهِ أو جُلِّهِ ، ولك أن تَنْظُرَ في حركة البيع والشراء في أي صيدلية تجاور مستشفى عام أو جامعي لتجد أقارب المرضى يَتَقَاطَرُونَ عليها طلبا لمستلزمات العلاج وإن إِبْرَةً وخيطًا جِرَاحِيًّا فضلا عن الأدوية ! ، فإذا قُلِّصَتْ هذه الميزانية الضئيلة ابْتِدَاءً فلا تحقق حدا أدنى من العلاج الآدمي ، مع زِيَادَةِ الضغط عَلَيْهَا فأعداد الناس في تَزَايُدٍ ، والقدرة على ارْتِيَادِ المستشفيات أو العيادات الخاصة قد تضاءلت وذلك مظهر آخر من مظاهر الإصلاح الاقتصادي النيوليبرالي الذي أَضْعَفَ القدرة الشرائية للعملة وَأَضْعَفَ القدرة الشرائية للعامة ، وأعداد المرضى في تَزَايُدٍ إذ البيئة والغذاء والهواء .... إلخ كل أولئك قد صار من أسباب المرض والعدوى ! ، وهو ما يعكس قصورا آخر في مجالات أخرى اسْتُقْطِعَ من موازناتها ما اسْتُقْطِعَ مع زيادة الضغط ، فالمستقطَع يذهب جزء منه في تمويل مشاريع النخبة فضلا عن تَقْدِيمِ الرشى السياسية في الداخل إلى رجالات الحكم ، وتقديم أخرى في الخارج في صورة صَفَقَاتِ سلاحٍ وتحديثٍ لِلْبِنْيَةِ التحتية المتهالكة ..... إلخ فغاية رئيسة من غاياتها هي انْتِزَاعُ الاعتراف الدولي ولو بشرائه من نظام دولي يَرَى كل شيء قابلا للبيع والشراء فلا يعظم إلا الربح المادي المباشر ، زِدْ عَلَيْهِ ، وهو محل الشاهد ، خدمة الدين المحلي والأجنبي ، فهي أقساط ربا واجبة السداد ! فمن يتحمل أعباءها هم العامة بما يُسْتَقْطَعُ من خدماتهم وَبِنَاهُم التحتية لا سيما الخدمية المباشرة كالصحة والتعليم ، فتلك ثمرة من ثمار الربا الْمُرَّةِ ، وهو عماد الاقتصاد النيوليبرالي المعاصر ، وهو ما يصيب الاقتصاد المتوسط والصغير في مقتل فَلَيْسَ ثَمَّ جهة تمويل تُقَدِّمُ القروض الحسنة أو السيئة ! بنسبة فائدة ضئيلة وإن كان الربا كله مجرما في الشرع مفسدا للتجارة ولو بمعايير الاقتصاد المادية ، فإذا عُدِمَتْ جهة التمويل الملائمة لمتوسطي المستثمرين وصغارهم فلا يطيقون سداد القروض ذات الفوائد العالية إذ يَلْزَمُ منه تحميل الفائدة على سعر المنتج الذي يتوجه إلى سوق متوسط وصغير ، فالاقتصاد المتوسط والصغير يتوجه إلى الطبقة الوسطى والفقيرة وأي زيادة في السعر فهي تُؤَثِّرُ في قدرتهم الشرائية فيكون الكساد الذي يضطر أصحاب الاقتصادات المتوسطة والصغيرة أن يُعَلِّقُوا نشاطهم أو يُصَفُّوهُ بعد تجشمهم خسائر كبيرة وتحملهم قروضا كبيرة يَتَعَثَّرُونَ في سدادها فَيَلْجَئُونَ إلى الجدولة بأسعار فائدة إضافية تُرَاكِمُ الديون عليهم ، والربا إِنَّمَا يُسْتَقْطَعُ ابتداء من الثروة العامة وعمادها مدخرات الطبقة المتوسطة وما دونها ، فَيُسْتَقْطَعُ الرِّبَا منها في صورة ضرائب ورسوم ..... إلخ ، فأكثر من يَدْفَعُهَا هم متوسطو الممولين وصغارهم وهو ما يضعف القدرة الشرائية للشريحة الأوسع من المجتمع فَيُفْضِي ذلك إلى الإضرار أيضا بالاقتصاد المتوسط والصغير ولو قَدَّمَ السلعة أو الخدمة بسعر مناسب فقد استنزفت الثروة العامة وَقَلَّ النقد في يد الناس فَضَعُفَتْ قدرتهم الشرائية فَكَسَدَ السوق فيكف لو اجتمع الاثنان : الغلاء وضعف القدرة الشرائية فذلك الكساد الذي يُفْضِي إلى تسريح العمالة فَتُضَافُ إليهما البطالة وهي مما يضعف القدرة الشرائية أكثر إذ ليس ثم فرص عمل يتقاضى أصحابها رواتب ينفقونها في شراء احتياجاتهم فَيُنَشِّطُونَ بها دوائر اقتصادية أخرى .

    والله أعلى وأعلم .


  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:25 AM

    المشاركات
    4,862
    العمر
    41

    ومن المفارقات أن ظاهرة كظاهرة انخفاض سعر صرف الدولار أمام العملات الوطنية ، أن ظاهرة كهذه الظاهرة ، كما يرصدها بعض الباحثين ، هي نِتَاجُ تَصَرُّفٍ رَاشِدٍ للرئيس ترامب من وجه ! ، وما أقل تصرفاته الراشدة ! ، فقد ضغط بِاتِّجَاهِ خَفْضِ سِعْرِ الفائدةِ الرَّبويةِ في البنوك الأمريكية ، وهو ما يقارب النظام الإسلامي الذي يَنْحَطُّ بالفائدة الربوية إلى الصفر فربا الجاهلية كله موضوع تحت قدم المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَضْعَ الإبطالِ والنسخ أو الرَّفْعِ على خلاف بين أهل الأصول ليس هذا محله فهو في جميع الأحوال أمر لاغ ، وذلك من جملة ما أتى به الوحي ليحرر الناس من ربقة الطغيان ومنه طغيان رأس المال إذا استبد وصار أداة لاستنزاف ثروات المجتمع وطاقاته ، وتلك غاية الربا فصاحب المال الذي يحتكر الثروة هو أقل من يَعْمَلُ وأكثر من يربح لا ربح التجارة والمضاربة ، وإنما ربحا آمنا يَغْتَذِي به رأس المال على جهد الآخرين الذين يكدون ويجهدون طَلَبًا لِلرِّبْحِ ليذهب قسط منه إلى كائن طفيلي يَغْتَذِي بطعام غيره فلم يجهد في صناعته ، فاحتكاره لرأس المال مادة طغيان يُمَارِسُ صاحبه الاستبداد إذ يَتَحَكَّمُ في حركة المال فَقَدْ ضَاهَى شريعة الوحي بأخرى من الأرض باعثها الأثرة والجشع والافتقار إلى قوة المال وما تستجلبه من الزينة واللذة ، فالوحي إذ يُبْطِلُ الرِّبَا ، فلا يُبْطِلُ فِعْلًا مُحَرَّمًا تحريمَ الفروع في الفقه وحسب ، وإنما يُبْطِلُ سَبَبًا من أسباب الطغيان القادح في كمال التوحيد والألوهية ، إذ يحرر الإنسان من رق رأس المال المحتكر الذي يَسْتَنْزِفُ طاقاتِ المجتمعِ ويحوِّلُهَا إلى ثَرْوَةٍ تَتَرَاكَمُ في أرصدته فَيَزْدَادُ غنى وطغيانا وَيَزْدَادُ المجتمع فَقْرًا وإملاقا ، فإذا ذاع الربا وفشا كما قد عمت به البلوى في هذا العصر ، فالمال لا يسلك جادته التي لأجلها قد أُنْزِلَ أن يَتَحَرَّكَ في دورات اقتصادية نافعة تكسر الاحتكار .
    فإذا انخفضت أسعار الفائدة ، فذلك ما يحفز البنوك أن تَتَصَرَّفَ في مخزونها النقدي في دورات استثمار ، إذ انخفاض سعر الفائدة يُقَلِّلُ من حجم ثروتها الورقية بما يضاف إليها من فائدة الربا ، فلو كانت 10% على سبيل المثال ، فإن الألف تصير بعد سنة 1100 ، فإذا انخفضت إلى 1% ، فإن الألف تصير بعد سنة 1010 فقط فيقل حجم الثروة الورقية وهو ما يحفز البنك أن يتصرف في الأموال المودعة في دورات استثمار ، ولكنها ، من وجه آخر ، لم تحسن الاستثمار الحلال الطيب الذي ينفع المجتمع ! ، فالقياس أن تُيَسِّرَ الاقتراض للمستثمر المحلي الذي ينشئ قواعد إنتاج صناعية وزراعية ، وقد يكون ذلك حاصلا في الداخل الأمريكي لا سيما وهو دَاخِلٌ اقتصاديٌّ نَشِطٌ إن في الصناعة أو في الزراعة فمعدل استهلاك الخامات فيه مُرْتَفِعٌ واضرب له المثل بالنفط ، سلعة الطاقة الرئيسة التي تدور بها آلة الإنتاج بما يُشْتَقُّ من أجناس الوقود ، فأمريكا أكبر مستورد للنِّفْطِ في العالم ، 12 مليون برميل يوميا طبقا لبيانات النصف الأول من 2001 ، وذلك ما يدل على نشاط كبير في آلة الإنتاج فَخَفْضُ سِعْرِ الفائدةِ وخفض قيمة العملة في هذه الحال مما يُسَرِّعُ عَجَلَةَ الاقتصادِ مع صناعة البيئة الاستثمارية الآمنة بحزم تشريعات محكمة ، فَيَجِدُ فَائِضُ الثروة مجال حركة تَنْفَعُ المجتمع بما يُوَفِّرُ من فرص العمل ، خلاف ما لو حصل فائض الثروة بلا إنتاج كما هي الحال في الدول ذات الوفرة النقدية من تصدير الخامات الأولية دون أن يكون ثم فرص استثمار حقيقي لهذه الأموال فإنها إن لم تستثمر فهي تُهْدَرُ في أنماط استهلاكية سَلْبِيَّةٍ فَيَزِيدُ الطلب على الكماليات التي لا تضيف أي قيمة للاقتصاد ، بل هي سبب في تَبْدِيدِ الثروة مع ما يكون من ظواهر اقتصادية سلبية كالتضخم ، فزيادة الثروة الورقية في أيدي الناس وثقافتهم استهلاكية بالدرجة الأولى سبب في حصول التضخم بِمَا يَكُونُ مِنْ تَوَسُّعٍ فِي الشراء يُقَلِّلُ المعروض فَيَزِيدُ سعره وذلك ما يَتَضَرَّرُ منه الفقراء ومتوسطو الدخل فَبَذَخُ الأغنياء وَسَفَهُهُمْ فِي الإنفاق لا يضرهم وحدهم ، ولو على المدى الطويل ، وإنما يضر غيرهم فَنُدْرَةُ السِّلَعِ تُفْضِي إلى ارتفاع أسعارها ، وليست ندرتها دوما مَئِنَّةً من نَقْصِ المال اللازم لتصنيعها أو استيراد خاماتها أو استيرادها كاملة من الخارج ، بل قد تكون الندرة مئنة من زيادة المال في يَدٍ غَيْرِ رشيدة لا تحسن إنفاقه ولا استثماره ، فإما أن تسرف في الشراء بلا حاجة في مجتمعات الوفرة الاستهلاكية أو النخب الغنية في الدول الفقيرة كما الحال في مصر ، فهذه الظاهرة في بلد كمصر تَقْتَصِرُ على النخبة ذات الوفرة فهي لا تَنْظُرُ في الصالح العام فلا يَعْنِيهَا إلا تَوَفُّرُ السلع التي تَتَرَفَّهُ بِهَا ولو بأثمان غالية ، فهي تُنْفِقُ ببذخ وتشتري بسفه على وجه يخل بميزان العرض والطلب ، فَزِيَادَةُ طَلَبِهَا على السلع تُقَلِّلُ المعروض فيزيد السعر الذي يُثْقِلُ كَاهِلَ الطبقة الوسطى وما دونها ، فالنخبة الثرية إذ تفتقد الشعور بالآخر فضلا عن ضعف منظومات الإدارة والرقابة ، هذه النخبة تضر نفسها على المدى الطويل بما تستنزف من مدخراتها في استهلاك غير ذي قيمة مضافة لا في الأولى ولا في الآخرة ، وتضر غيرها إذ تُقَلِّلُ المعروض من السلع ، فضلا أنها تمارس الضغوط بما تملك من نفوذ لاستيراد ما لا تمس له الحاجة من الكماليات وَالتَّوَافِهِ مما يفضي إلى استنزاف العملة الصعبة في استيراد ما لا يعم نفعه ، فتتوجه الثروة العامة في اتجاه واحد فهي في خدمة النخبة تلبية لرغائبها الاستهلاكية ، فإذا لم تجد ما تنفق فيه ثروتها فلا تملك بدائل استثمارية نافعة إذ تعيش في مجتمعات استهلاكية لا تنتج فلا توجه ولا إرادة سياسية أن تُقَامَ قاعدة إنتاجية فذلك ما يحقق استقلالية اقتصادية تخالف عن مآرب المركز في ضمان تبعية الأطراف إن في السياسة أو في الاقتصاد فهي معادن الخامات الأولية وأسواق تصريف لِلْبَضَائِعِ الاستهلاكية ، فلا تملك مجتمعات الوفرة الاستهلاكية فُرَصَ استثمار حقيقي ، فثروتها ، كما يتندر بعض الباحثين ، ثروتها في هذه الحال عبء عليها ! ، فإما أن تودعها المصارف فتكون الجناية على المجتمع بما تستنزف من ثروته وطاقته فَوَائِدَ ربوية كما تَقَدَّمَ ، وهي ، أيضا ، مما يسهم في زيادة ظاهرة التضخم إذ الدولة التي تسرف في الاقتراض المحلي تَقْتَرِضُ من هذه الأموال المودعة في المصارف بأسعار فائدة عالية فَتَضَّطر الدولة أن تضغط على المجتمع بما تفرض من رسوم وضرائب فلا يَتَحَمَّلُهَا في الغالب إلا الطبقة المتوسطة وما دونها لِيَتَوَجَّهَ المال إلى أرصدة النخبة المودعة في البنوك فإذا انتهت الدولة من استنزاف آخر قرش في جيوب العامة ! فهي تلجأ إلى طباعة النقد في الداخل لِتُسَدِّدَ ديونها لأصحاب الودائع فَتُسَدِّدُهَا وَرَقًا بلا قيمة إذ لا إنتاج يضاهيه فتكون الوفرة في الثروة الورقية بلا غطاء وهو ما يضعف النقد المحلي ، فقوته الشرائية تَتَرَاجَعُ وهو ما يُفْضِي ، كما تقدم ، إلى التضخم .
    فالنخبة الثرية في الأطراف إما أن تودع فَوَائِضَ ثَرْوَتِهَا في البنوك الربوية ، كما تقدم ، وإما أن تستثمرها في المركز الذي صنع مشهد الاقتصاد بما يواطئ أغراضه ، ففي الأطراف الغنية بالخامات الأولية كالنفط : ثروة بلا اقتصاد ولا إنتاج ، فَيَتَدَفَّقُ المال إلى اقتصاد المركز المنتِج الذي احتكر أدوات الإنتاج ، فما يدفع في شراء الخامات فهو يرجع إلى اقتصاده في صورة فواتير استيراد لمنتجاته ، أو استثمارات مباشرة أو غير مباشرة ، وهي ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، إتاوة أو جزية سياسية تَدْفَعُهَا الأطراف طوعا أو كرها ، فمهما حققت الأطراف من دُخُولٍ من بَيْعِ الخامات الأولية فلا نَفْعَ يُرْجَى منها على المدى المتوسط أو البعيد إذ لا قَوَاعِدَ إنتاجٍ ولا فرصَ استثمارٍ تحفظ هذه الثروة وَتَزِيدُهَا على وجه يَعُمُّ به النَّفْعُ ، فكيان يهود ، كما يضرب بعض الباحثين المثل ، ذو ناتج محلي إجمالي أَقَلَّ من دخول بعض الدول النفطية في المنطقة ، وهو ما أثار مخاوف بعض مراكز البحث اليهودية ، فذلك يؤذن ، كما تقول ، بشرق أوسط جديد يخالف عن شرق أوسط شيمون بيريز ! ، وهي ، لو تدبر الناظر ، مخاوف مبالغ فيها ، إذ لا إرادة سياسية لهذه الدول أن تُنْشِئَ اقتصادا مستقلا عن المركز بما يُهَدِّدُ كيان يهود ، كيانه الوظيفي الأول في الشرق ، فليست تلك الأطراف المنتجة للنفط إلا كيانات وظيفية تالية لا سيما وهي الآن تُسَارِعُ في التطبيع مع الكيان الوظيفي الأول ، كيان يهود ، لتدخل في حِلْفِهِ دخولَ التابع الذي يحفظ لها استقرار الملك مع ما تُقَدِّمُهُ من خدمات سياسية وأمنية واقتصادية لمركز التحكم والسيطرة الجديد في الشرق الأوسط الجديد ، فضلا أن هذه الكيانات وإن كانت ذات ثروة ، ويضرب الباحث آنف الذكر المثلَ بدخولها من النفط في 2007 ، 250 مليار دولار و 180 على التوالي في مقابل 170 مليارا لكيان يهود ، فهي وإن كانت أكبر في الرقم فذلك رجحان على المدى القريب ، وأما على المدى المتوسط والبعيد فكيان يهود أقوى إذ معظم ناتجه المحلي أو شَطْرٌ رَئِيسٌ منه يأرز إلى قاعدة اقتصاد محكمة إن في الإنتاج ، لا سيما الإنتاج الصناعي والرقمي الدقيق ، أو في الخدمة فَلَيْسَ يعتمد كما الحال في الدول الرِّيعِيَّةِ ، ليس يعتمد على استخراج المواد الأولية وبيعها دون أي قيمة مضافة في الإنتاج أو الاستثمار .

    فالبنوك الأمريكية ، وهو محل الشاهد ، إذ انخفضت أسعار الفائدة في أمريكا ، قَدْ تَوَجَّهَتْ بأموالها إلى الاستثمار ، ومنه الاستثمار في أدوات الدين في الدول ذات الفائدة الربوية العالية كما هي الحال في مصر وتركيا والأرجنتين ، فَلَجَأَتْ إلى الاستثمار لِتَعْوِيضِ هامش الخسائر الناجم من انخفاض سعر الفائدة ، ولكنها كمؤسسات إِقْرَاضٍ ربوي لم تحد عن هذه الجادة ، فَخَرَجَتْ بأموالها إلى خارج أمريكا لا لتستثمر استثمارا مباشرا في قواعد إِنْتَاجٍ فلو كانت تروم الاستثمار المباشر لكانت أمريكا أولا في عهد رئيس اتخذ شعار "أمريكا أولا" شعار انتخابه واتخذ من الإجراءات الحمائية للصناعة الوطنية ما أثار خصومات مع قوى صناعية كبرى كالصين وألمانيا ، واتخذ أخرى في حماية المنتج المحلي من الإجراءات المضادة فدعم المزارع الأمريكي لتعويض خسائره من إجراءات حمائية مضادة اتخذتها الدول المنافسة فَقَدَّمَتْ الدولة الأمريكية النيوليبرالية ! قَدَّمَتْ دَعْمًا للمزارع الأمريكي الذي يحظى بأكبر دعم على مستوى العالم فهو ركيزة من ركائز الإنتاج وهو قبل ذلك رَكِيزَةٌ من رَكَائِزِ الاستقلال إذ يُوَفِّرُ المحاصيل الاستراتيجية التي تَسُدُّ حاجة السوق المحلية وتحقق فائض تصدير ، فلا يمكن لقرار سياسي أن يَسْتَقِلَّ وليس ثَمَّ قاعدة إنتاج محكمة ، إن في الزراعة أو في الصناعة ، فَلَوْ كَانَ ثَمَّ استثمار مباشر فالسوق الأمريكي أولى ، ولكن هذه الأموال قد خرجت من أمريكا إلى دول أخرى سعر الفائدة فيها أعلى ! ، لا سيما الأرجنتين وتركيا ومصر فهي الآن من أعلى الدول فائدة ولذلك تَجِدُ الأموالُ الساخنة فِيهَا هَامِشَ رِبْحٍ كبير وهو ما يجتذب رءوس الأموال الساخنة سواء أكانت استثمارات أفراد يضاربون بمدخراتهم الصغيرة أم استثمارات بنوك ومؤسسات كبيرة ، فَزَادَ المعروض من النقد الأجنبي في الأسواق الأرجنتينية والتركية والمصرية ..... إلخ ، وهو ما أدى إلى انخفاض السعر كما يرى الناظر الآن في مصر فَثَمَّ من يَتَعَجَّبُ من انخفاض سعر الدولار وهو مؤشر قوة للجنيه المصري لا يُؤَيِّدُهُ الواقع على الأرض فَثَمَّ تراجع في الإنتاج وكساد وتضخم وبطالة .... إلخ من الأعراض الاقتصادية المزمنة ، فما الذي يجعل الجنيه يَتَعَافَى أمام الدولار وليس ثم موارد نقد أجنبي كبيرة ، لا سيما في التصدير الذي تراجع إذ ثم إشكال كبير في هياكل الإنتاج وقواعده في مصر وهو إشكال لا يقتصر على الجوانب الفنية من تصميم وتشغيل وصيانة ، بل يجاوزها إلى السياسة الاقتصادية العامة لا سيما بعد دخول السلطة الحالية السوقَ دخولَ المحتكر المستأثر بمزايا الإنتاج والاستيراد ....... إلخ ، فذلك مناخ طارد للاستثمار الأجنبي المباشر جاذب للاستثمار الربوي في الأموال الساخنة لا سيما مع ارتفاع سعر الفائدة وهو مؤشر كساد وركود ، فدخلت الأموال الأمريكية إلى هذه الأسواق المحلية التي تُعَانِي من أزمة سيولة ألجأتها إلى حل عاجل دون نظر في أي بُعْدٍ شرعي أو أخلاقي أو إجرائي دُنْيَوِيٍّ ، فإن الإجراء الدنيوي بالنظر في العاقبة يَسْتَوْجِبُ الحدَّ من الاقتراض الربوي وَخَفْضَ سِعْرِ الفائدة كما صنع الرئيس ترامب غير المسلم ! فذلك إجراء يَنْفَعُ على المدى الطويل إذ يلجئ رأس المال أن يَدْخُلَ دورةَ استثمارٍ تُنَشِّطُ الاقتصاد فلا يكون خصما من ثروة المجتمع بما يكون من فوائد تُسْتَقْطَعُ من هذه الثروة فهي تذهب إلى رءوس الأموال المودعة في البنوك الربوية ، فلجأت تلك الدول إلى الحل السريع العاجل وإن أَضَرَّ على المدى البعيد في الأولى والآخرة ! ، فكان رفع سعر الفائدة الذي يجتذب الاستثمارات غير المباشرة في الأموال الساخنة ، فدخلت السوق المحلية كميات كبيرة من النقد الأجنبي ومنه القادم من بنوك أمريكا فزاد المعروض وانخفض السعر لا أن ثم قوة في الاقتصاد المحلي وإنما لزيادة المعروض مع اختلاف الوجهة في استثمار هذه الزيادة ، فقد تنتفع بها دولة كتركيا ذات توجه اقتصادي مُنْتِجٍ وإن لم يخل من خَطَرِ الربا فإن المال الساخن يخصم من حصيلة هذا الإنتاج فَسِعْرُ الفائدة مُرْتَفِعٌ ، فضلا أنه غير آمن فقد يغادر في أي لحظة لا سيما إن كان الأمرُ ذا بعد سياسي فقد تغرق الدولة بالديون فتعجز عن السداد وذلك ما يخضع قرارها السياسي والعسكري للجهة المقرِضة ، وكذلك الشأن في الأموال الساخنة فَقَدْ تُتْخِمُ السوق وتكون عماد السيولة ثم يَصْدُرُ قَرَارٌ سِيَاسِيٌّ مُفَاجِئٌ استنادا إلى نظرية الصدمة ! ، يصدر هذا القرار من جهة دولية بسحب هذه الأموال مع ما استقطعته من ثَرْوَةِ البلاد في صورة أرباح كبيرة ، فتجف السوق فجأة ويشح المعروض من النقد الأجنبي ويرتفع سعره في مقابل العملة المحلية التي تَنْهَارُ سريعا مع عجز الدولة أن توفر مصادر نقد أجنبي بديلة لا سيما إن كانت تعتمد على الاستيراد إما للسلع الأساسية كما الحال في مصر وهي الأسوأ أو للخامات التي تدخل في عملية الإنتاج فضلا عن الطاقة كما الحال في تركيا وهي ثغرة كبيرة في الاقتصاد التركي وإن كانت بداهة أضيق بكثير من الثغرة المصرية الواسعة جِدًا فهي ثَغْرَةٌ في الإنتاج والاستهلاك جميعا ! .
    فَكَانَ قَرَارُ الرئيس ترامب أن يخرج المال الأمريكي ليجول في الدول ذات الفائدة الربوية المرتفعة ليحقق الأرباح السريعة ، فلا تخلو نظرته كرجل أعمال محترف يَنْطَلِقُ من قيم الرأسمالية التي تُعَظِّمُ الربح ولو بإضرار غَيْرِهَا وَتَتَّسِمُ بالأثرة والأنانية فهو يُخَفِّضُ سِعْرَ الفائدة في بلاده ويسعى في إِلْغَائِهِ ولا يَسْعَى في ذلك في بقية البلاد بل ما يَتَحَرَّجُ أن يفعله في بلاده فهو يفعله خارجها انطلاقا من نظرية المواطن الصالح داخل أمريكا لا الإنسان الصالح فصلاحه في أي مكان داخل أمريكا أو خارجها فلا يمكن لذلك أن يكون إلا إذا جاوزت الهويةُ والمرجع نطاق الوطن الضيق فصارت هوية عالمية تجاوز الأطر المحلية الضيقة ، فضلا أن تجاوز المراجع الأرضية المحدثة التي لا تخلو من قصور إذ بَاعِثُهَا الحاجة والافتقار مع نقص العقول التي تصدر عنها فلا تعلم من المصلحة إلا ما عجل وظهر بادي الرأي ، فتجهل المآلات القريبة والبعيدة في الأولى والآخرة ، فإذا جاوزتها إلى مرجع الوحي المنزل فهو مرجع يجاوز العقول من خارج ، فتلك الهوية العالمية الجامعة ، وتلك المرجعية التشريعية الكاملة ، مرجعية الرحمة العامة بِجَمِيعِ الخلق مُوَاطِنًا في الداخل أو آخر في الخارج ! ، فَتِلْكَ رحمة الوحي والرسالة ، فلا يدرك ذلك من يَنْطَلِقُ من مرجعية المواطن الصالح داخل الحد الجغرافي الضيق فإذا جاوزه حَلَّ له ما كان محرما ! ، فالمواطن الصالح إنسان فاسد خارج الوطن يشبه ، من وجه ، ما يصنع بعض المواطنين الصالحين فهم يَتَحَرَّجُونَ من مُقَارَفَةِ الفواحش داخل بلادهم إذ لا تجيزها الشرائع أو القوانين أو الأعراف المحافظة فَيَضَّطر المواطن الصالح آسفا ! أن يسافر إلى بلاد أخرى تُبِيحُ هذه الفواحش ! ، فمرجع القيم في هذه الحال نسبي يَتَفَاوَتُ فَلَمْ يَعُد ثَمَّ حُسْنٌ وَقُبْحٌ ذاتي في الفعل ، بل قد صار حَسَنًا فِي حال قَبِيحًا في أخرى ، فخفض نسبة الربا أمر يحمد في أمريكا ، ولكنها في المقابل لا ترغب في ذلك خارج حدودها بل ما صنعت ذلك إلا لتستفيد من سعر الفائدة المرتفع في الأسواق الأخرى ، فخفض سعر الفائدة في الأرجنتين أو تركيا أو مصر ...... إلخ أمر لا يحمد ! ، مع أن نَفْسَ الإجراء يحمد في أمريكا ، إذ المعيار نسبي يَتَفَاوَتُ فَغَايَتُهُ تحقيق مصلحة طرف واحد وهو الطرف الأقوى الذي يدير العالم إدارة الشركة أو المزرعة فلا غاية له إلا تحقيق أعظم الأرباح بأقل تكاليفَ لِلْإِنْتَاجِ ! ، كما أن الابتكار والبحث العلمي وتطوير قاعدة الإنتاج وزيادته وتحقيق الاكتفاء الذاتي ...... إلخ ، كما أن كُلَّ أولئك يحمد في المركز فهو مباح ، ولا يحمد في الأطراف فهو محظور إذ يحقق للأطراف استقلالا عن المركز وهو ما يُثِيرُ حَفِيظَتَهُ وَيُلْجِئُهُ أن يَتَدَخَّلَ إما مباشرة أو عبر وكلائه الوظيفيين في الداخل ، فلا بد من وأد أي محاولة استقلال في الأطراف إن في السياسة أو في الاقتصاد ..... إلخ وجميعها لو تدبر الناظر دوائر تَتَّصِلُ ، وخطرها على المركز يَعْظُمُ إذا كَانَ الباعث هَوِيَّةً ذاتية تروم الاستقلال في الأفكار والقيم قبل الاستقلال في الإجراءات التنفيذية ، فإذا كان الباعث هوية مستقلة فذلك ما يُثِيرُ حفيظة المركز أكثر ويجعله يُسَارِعُ بالتحرك المباشر أو عبر وسيط وظيفي ، وهو أمر رآه الناظر في التحرك الأمريكي الرأسمالي في الدول اليسارية في أمريكا الوسطى والجنوبية عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية كما وقع في تشيلي والبرازيل والحروب الأهلية كما وقع في نيكاراجوا ، وعبر الاغتيالات كما وقع في بنما في واقعة اغتيال الجنرال عمر توريخوس المناهض للتدخل الأمريكي في بلاده .
    فَرَأَى النَّاظِرُ فِي هذه الأمثلة تدخلا حاسما من المركز مع أن الخصم لم يخرج عن القاعدة العلمانية وإن خالف في المثال السياسي والاقتصادي ، فخالف عن المثال الرأسمالي الليبرالي اللامركزي إلى آخر يساري اشتراكي ذي طبيعة مركزية ، فلم يشفع له أن الخلاف قد وَقَعَ داخل الدائرة العلمانية فكيف إن كان الخلاف خارجها فكانت الهوية الباعثة على الاستقلال السياسي والاقتصادي هي الوحي والرسالة ، ولو خطوطا مجملة بل وَبَاهِتَةً في أحوال ، كما يَرَى الناظر في المثال التركي النيوليبرالي الذي يصدر عن طرح محافظ ذي جذور إسلامية لا تؤثر في القرار الاقتصادي سواء أكان ذلك إجراء مستديما أم آخر مرحليا كما يَرْجُو المتحمِّس المؤيد لا سيما والقيادة السياسية التركية الحالية لا تخفي انْزِعَاجَهَا من ارتفاع سعر الفائدة فهي راغبة في خَفْضِهَا ولكنها لا تملك ذلك فالأمر يجاوزها إلى نظام اقتصاد مركب قد ارْتَبَطَ بنظام دولي مهيمن ، وليس ذلك حكاية اعتذار بل حكاية واقع لا يُنْكِرُهُ مُؤَيِّدٌ أو مُعَارِضٌ ، فالنظام الدولي قد أحكم قبضته الاقتصادية لا سيما في الأطراف فَتِلْكَ أداةٌ من أدوات التحكم والسيطرة قد تَفُوقُ فِي أحيان الأدوات السياسية والعسكرية المباشرة ، فالتحرر الاقتصادي من منظومة الربا شَرْطٌ رَئِيسٌ من شروط الاستقلال التام ، فَإِنَّ ارْتِفَاعَ فائدته في الأطراف يضمن بقاءها تحت سيطرة المركز بل ويجعلها سوقا لاستثمار المركز بأمواله الساخنة ، فضلا أنها إذا زادت المعروض في السوق المحلية من الأموال الساخنة فذلك ما يُنَشِّطُ حركة الاستيراد لا سيما في الدول ذات القواعد الإنتاجية الهشة كمصر ، فَتَنْشَطُ حركة الاستيراد من المركز الذي يحقق الفائدة المزدوجة ، فهو يكسب مرتين ! : مرة بما تحقق هذه الأموال الساخنة من أرباح وأخرى بما يكون من زيادة حركة الاستيراد منه فذلك ما يُنَشِّطُ اقتصاده بدروان عجلة إِنْتَاجِهِ لتوفير السلع التي تُصَدَّرُ لتلك الدول المستهلِكَةِ فَتَدْفَعُ أثمانها من الأموال الساخنة التي دَخَلَتْهَا من المركز الذي استفاد الربح واستفاد تَنْشِيطَ اقتصاده وزيادة إنتاجه واستفادت الأطراف في المقابل ! دَفْعَ الفائدة الكبيرة التي تُخْصَمُ من ثَرْوَةِ المجتمع وجودة خدماته وَبِنْيَتِهِ التحتية وزيادة اعتمادها على المركز في تلبية احتياجاتها وهو ما يعني مزيدا من التبعية ! .
    والإجراء المحكم العادل الذي لا يَضُرُّ بالآخر أن يخفض سعر الفائدة بل ويصل إلى صفر ، فتتحرك الأموال في السوق المحلية في استثمار مباشر يزيد من ثروة المجتمع وإذا كان ثم فائض فإنه يتحرك في أسواق أخرى في استثمار مباشر لا استثمار في مال ساخن أو آخر استهلاكي يستنزف ثروة المجتمع في سلع كمالية لا تمس إليها الحاجة أو أخرى استراتيجية تحتكرها الجهات المصدِّرة وَيَعْجَزُ عنها السوق المحلي أو يُعَجَّزُ قَصْدًا لِيَظَلَّ أبدا أسيرا في قبضة المنتِج أو المورِّد الأجنبي والمستورِد المحلي الذي يمارس التجارة انطلاقا من نظرية احتكار فضلا أن يضم إليها السلطة فَتَعْظُمَ الفاجعة الاقتصادية كما يضرب المثل مرارا بالمثال المصري المعاصر الجامع بين النقائض ! فهو مركزي في الإنتاج إذ تَتَحَكَّمُ السلطة في قطاع رئيس منه انطلاقا من قيم البيروقراطية الاشتراكية ، وهو لا مركزي ليبرالي في تحرير أسعار الخدمات دون العناية بإقامة قواعد إنتاج توفر فرص العمل وتزيد في الدخول لِتُطِيقَ الحصول على الخدمات بالأسعار العالمية .

    وإذا أرادت الدولة ، في مشهد آخر ، أن تُقَيِّدَ إِنْفَاقَ المجتمع في وجوه ترف ذي طابع استهلاكي فَجٍّ فَلَيْسَ الحلُّ أن تَرْفَعَ سعر الفائدة لِتُغْرِيَ أصحاب الأموال أن يُودِعُوهَا في البنوك ولا يُنْفِقُوهَا في وجوه التَّرَفِ الزائد ، وإنما الحل أن تُوَفَّرَ لهم البدائل في استثمارات منتِجة تُدِرُّ عليهم الربح وتسهم في إقامة قاعدة إنتاج قوية تُوَفِّرُ فُرَصَ عملٍ حقيقية ..... إلخ ولن يبلغ ذلك الغاية إلا إذا انخفض سعر الفائدة إلى صفر فَضَاهَى النظرية الرسالية في إدارة الاقتصاد والموارد .
    وهو أمر يظهر ، بادي الرأي ، أنه إجرائي ، ولكنه ، لو تدبر الناظر ، لا يخلو من إشكال في الهوية ، فَثَمَّ هوية أيديولوجية لا تخلو من روافد في السياسة والاقتصاد ، فقد جاوز الربا الحد الإجرائي فصار قيمة مركزية من قيم النظام الدولي الذي ينطلق من باعث الأنا والذات ، فهي ذاتٌ راغبة في التأله ناقمة على الوحي عامة والخاتم منه خاصة ، فهي تأبى الانقياد إلى مرجع يجاوز من خارج ، وهي ذاتٌ راغبة في الاحتكار ، احتكار القوة والسلطة والثروة واللذة ، فالقوة تستجلب المال بِمَا لَهَا من سطوة ، والمال يطلب الزيادة ومعها الحماية ، فَيَرْغَبُ في تحقيق المكاسب وهو مع ذلك يخشى من الدهر النَّوَائِبَ ، فَيَسْعَى في اصطناع قوة وظيفية حارسة ، إن بصورتها المباشرة كما يصنع رجل الأعمال أو الثَّرِيُّ أو نجم المجتمع إذ يحيط نفسه بِسِيَاجٍ من الفحول ! ، يَتَّسِمُونَ بالولاء المطلق لمن يدفع أكثر ، فهم يعرضون قوتهم للبيع إن لم يكونوا أصحاب ثروة ، فيتخذون القوةَ وظيفةً بعد نَزْعِ المرجع الأخلاقي واستبدال نظيره البراجماتي النَّفْعِيِّ به ، فصار الربح هو الغاية انطلاقا من نظرية وظيفية مجردة من القيم ، فالمال ، كما تقدم ، يبحث عن زوج وهو القوة سواء أكانت في صورتها البسيطة المباشرة أم في أخرى مركبة معقدة كما هي الحال في الكيانات الأكبر ، فجاوز الأمر حد الحماية لشخصية عامة أو شركة ..... إلخ ، فتكون الصفقة في هذه الحال بين الدول ، فالدولة الأضعف في القوة إن كان لها حظ من الثروة ، فهي تفتش عن بلطجي أو ما اصطلح أنه حارس شخصي ! ، كما يضرب بعض الباحثين المثل ، باستثمارات الدول التابعة في أمريكا ، وهي القوة العسكرية الأولى في العالم فَعِنْدَهَا من فائض القوة ما به تحقق الهيمنة وإن كستها لحاء الحماية أو نجدة الصديق أو الحليف انتصارا لِقِيَمِ العدل من قِيَمِ الشر والظلم ..... إلخ من الدعايات الأخلاقية المبتذلة ! ، فمقابل الحماية السياسية والعسكرية يكون المقابل الذي يُدْفَعُ في صور مزايا تَفْضِيلِيَّةٍ في بيع الخامات ، فالأطراف التي تملك الخامات تضبط الأسعار بالتحكم في الإنتاج زِيَادَةً أو نَقْصًا على وجه يواطئ مصالح المركز السياسية والاقتصادية ، فالأمر يجاوز حد الإجراء الاقتصادي المباشر إلى آخر سياسي إذ الضغط الناعم على الخصوم يستوجب التحكم في مصادر الطاقة وسائر الخامات كما يرى الناظر الآن في الأزمة الأمريكية الإيرانية والعقوبات الاقتصادية سلاح فاعل يَفْرِضُهُ المركز بما يملك من أدوات القوة المركبة التي تجاوز القوة العسكرية ، وإن كانت القوة العسكرية هي العامل الرئيس في منظومة سياسية عمادها الأول نَظَرِيَّةٌ ليبرالية تَقْتَصِرُ على اللذة والثروة غاية ، والقوة بصورها المتعددة وسيلةً .
    فأمريكا وهي الآن القوة العسكرية الأولى في العالم تُنْفَقُ في التصنيع العسكري وما يستوجبه من بحث علمي وتقنية متقدمة ، تُنْفِقُ فِيهَا مبالغ طائلة تستقطع جزءا كبيرا مِنْهَا من الضرائب في إطار نظام ضريبي صارم ، وإن كان ، من وجه آخر ، يحكي انخراما في العدالة ولو في الجباية على وجه لا تسلم فيه المشاريع المتوسطة والصغيرة من أعباء كبيرة في مقابل ما يُخَفَّضُ من ضرائب الشرائح الأوسع نشاطا والأكبر ثَرْوَةً ، فذلك وعد اليمين لجمهور ناخبيه من الأثرياء وأصحاب الشركات الكبرى التي تُشَكِّلُ مجموعات ضغط سياسي وَدِعَائِيٍّ فاعلة فِي مقابل زيادة الضرائب على الشرائح الأدنى ، أو ثَبَاتِهَا دون تخفيف ، في مقابل ما تحظى به الشرائح الأغنى من امتيازات وإعفاءات ضريبية فهي ، لو تدبر الناظر ، تُقَدِّمُ رشى سياسية للسلطة التنفيذية ، فَتَشْتَرِي قوتها كما يشتري رجلُ الأعمال الحارسَ الشخصي ذا الطابع الوظيفي المجرد من أَيِّ قِيمَةٍ أو مرجعية أخلاقية ، فَلَئِنْ جاز ذلك في الحراسات الخاصة فكيف يكون سياسة عامة تحكم بها المجتمعات ذات الشرائح المختلفة فمنها القوي ومنها الضعيف ، فلا يستويان بداهة بل السلطة التنفيذية إن كَانَتْ راشدةً تَعْدِلُ ولو انطلاقا من مرجع أرضي محدث ، فهي تَسْعَى في الانتصار للطبقات الأضعف من نظائرها الأقوى لا سيما والقوة تُغْرِي صاحبها بالظلم والطغيان بما استجمع من أسباب ، كما قد أبان عنه الوحي في قَوْلِ الرب الأعز الأكرم تَبَارَكَ وتعالى : (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) ، فلا بد من وازع يزجر ، إن قرآنا أو سلطانا ، والسلطان يَزَعُ به الله ، جل وعلا ، ما لا يَزَعُ بالقرآن ، كما أُثِرَ عن عثمان رضي الله عنه ، فَثَمَّ من يخشى العقاب الناجز ولا يأبه بنظيره الآجل بل يستخف به وَيَتَهَكَّمُ ، لا سيما إن كان مرجع مذهبه السياسي مَرْجِعًا أرضيا محدَثا بَاعِثُهُ الفقر والحاجة ، والرغبة الجامحة في الطغيان والتأله وإن حقيرا لا يؤبه ، فتلك خاصة الكائن الأرضي لا سيما الوظيفي ، سواء أكان شخصا اعتباريا أم آخر حقيقيا في الخارج ، واضرب له المثل ، كما يقول بعض المحللين ، بالكائن الوظيفي في أي نظام تابع فهو يصنع على عين المركز أو يختار بعناية وفقا لمعيار محكم يضمن ولاءه الوظيفي التام مجردا من الأخلاق والقيم إلا ما يحقق مصالح الذات ، فَثَمَّ أنانية مفرطة وهي ما يَتَّسِقُ مع قِيَمِ النظام الدولي فليس ثم غاية إلا المصلحة الذاتية انطلاقا من بواعث الأنا مع فَقْرِهَا وحاجتها فالباعث أرضي محدث لا رسالي منزل ، وذلك قاسم مشترك أعظم بين المركز ووكلائه في الأطراف فلا يختار بداهة إلا من يشاكله في المرجع والمسلك ، وإن كان التابع في الأطراف أحقر وأدنى فلا يخلو الاثنان من توافق في البواعث والمنطلقات فَمَدَارُهَا على المصلحة الناجزة ، وإن كان التابع ، كما تقدم ، أحقر وأدنى ، فلا بد أن يكون فَقِيرَ الذات ، إن فَقْرَ المعنى فهو طامح في جاه أو ثروة مع انحطاط مواهبه وملكاته ، فطموحه أكبر من ذاته المتواضعة ، أو فقر الحس فذلك ما يجعله أيسر في القياد ، فلم يجالس النخبة فما أسرع أن يُفْتَنَ بِثَرَائِهَا وَرَفَاهِهَا الذي لا عهد له به ، فذلك أمر لم يسلم منه من كان ابتداء ذا مسلك حسن ، فلما ابْتُلِيَ فُتِنَ ، وإن كانت حكمة الرب ، جل وعلا ، أن يكون ثم مادة خبث ولو انْزَوَتْ في ركن مظلم في جنان المفتون فما تورع أن يظلم إلا عجزا ، فلما قدر أبان عما استتر من خبثه ، فصدق ما تَقَدَّمَ من قول أبي الطيب :
    وَالظّلمُ من شِيَمِ النّفوسِ فإن تجدْ ******* ذَا عِفّةٍ فَلِعِلّةٍ لا يَظْلِمُ .

    فلا يسلم منه مَنْ ظاهره ابتداء يحسن فما أسرع أن يُخْدَعَ بِهِ الأفاضل ، لا سيما في مبدإِ أمره فلا زال صَغِيرًا قَرِيبَ العهد بالعدالة ولو اضطرارا فَلَمْ تكن ، كما تقدم ، إلا من عجز ! ، فلما ابْتُلِيَ بالقدرة أبان عما لَطُفَ من مادة خَبَثٍ لم تظهر ، بادي الرأي ، فكيف بمن مبدؤه خبيث ، فهو مفتون ابتداء ، فذلك أيسر في الاختيار فدوافعه في الاستبداد والطغيان أقوى ، مع ما تقدم من فَقْرِ الذاتِ وَضَعْفِهَا ، فَلَمَّا ابتليت بالقوة صارت أشد قسوة على الضعفاء ، وكأنها تَتَصَنَّعُ العزة والنسب الأصيل إلى النخبة القوية ، فلم تكن يوما ضعيفة مهينة فَوَيْلٌ لأمة يَتَصَدَّرُهَا هذا المثال النفساني المشوَّه فهو أشد قسوة على الضعيف ، ولو تدبر الناظر ، لوجد ذلك الإشكال مِمَّا قد عمت به البلوى في الأطراف فلم يسلم منه أحد ولو فاضلا شريف النفس ، فَثَمَّ غالب قد ألجأ المغلوب أن يَتَشَدَّقَ بِقِيَمِهِ ، وإن كسى ذلك لحاء الوحي لِيُخَرِّجَ قِيَمَ المركز اللادينية أو ضد الدينية في ثياب رسالية تُقَرِّبُهَا إلى الجمهور ليتجرع القيم العلمانية في كؤوس رسالية ، كما يضرب بعض المحققين المثل بما صنع الفلاسفة الإسلاميون فقد راموا تقريب الحقائق الفلسفية الوثنية إلى دائرة النظر والبحث الإسلامية فاستعاروا لها ألفاظا رسالية بعد إفراغها من معانيها الأصلية وَتَحْمِيلِهَا أخرى محدثة لا تحتملها إلا على وجه بَعِيدٍ متكلف لا شاهد له من سياق أو عقل ، فضلا أن يكون باطنا باطلا لا حظ له من الدليل ولو شُبْهَةً ، فكذا تصنع بعض النخب في الشرق في أعصار الهزيمة التي تسللت إلى كُلِّ نَفْسٍ إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، على تفاوت في ذلك فَثَمَّ من هُزِمَ واستسلم بل وَسُحِقَ سحقا ، وثم من يقاوم إن في ساحات الجدال أو نظائرها في الجدال ولو مغلوبا مرجوح الكفة ، فهو يتأول ما استطاع النهي في آي التنزيل المحكم أن : (لَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ا) ، وهو ، مع ذلك ، لم يسلم من كدر الهزيمة الأيديولوجية ، وإن جاهد أن يَنْفِيَ خَبَثَهَا ، فلا يسلم أمام أضواء المركز الباهرة ، لا يسلم من صدمة ثقافية ولو مؤقتة حتى يستجمع قوته الذاتية لِيُقَاوِمَ ، وهو أمر يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لِتَثْبِيتِ الله ، جل وعلا ، وتوفيقه ، ورسوخ المعنى الحضاري في الجنان وهو أمر يسهل قوله ويعسر فعله لا سيما والغالب قد اكتسح بقيم حضارته على وجه قلب به الموازين وأخل فِيهِ بالمعايير البدهية ، فَلَكَ أن تَتَصَوَّرَ أن ذات العفة والحشمة قد تشعر بالخجل والانهزام وربما التخلف أمام أخرى عارية قد صارت نهبا ، وإن كانت الأولى تَعْلَمُ حَقَّ العلم أنها أفضل وأرقى بالمعايير الإنسانية خلاف الأخرى التي انحطت إلى معايير حيوانية إذ صار التجرد فضيلة مع أن خاصة الإنسان السوي أنه يستر جسده بالثياب فتلك خاصة إنسانية ومكرمة ربانية ، فـ : (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ، وبعدها كان التحذير من فتنة نَزْعِ الثياب ، فـ : (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) ، فهي تَنْحَطُّ بصاحبها إلى دركة الحيوان ، فَأَيُّ هزيمة حضارية تلك التي تجعل المحتشِمة تشعر بالخجل ، ولو عرضا ، أمام العارية فتصير الأخيرة هي المستعلية بقيم حضارتها في التعري والانحلال ؟! .

    فَثَمَّ ، كما تقدم ، أصل مشترك ، فالمركز وإن تظاهر بالعدل ، فعدله يقتصر على القوي وإن ظلم ، فقد صارت قوته معيار ترجيح ، لا جرم كان لجماعات الضغط السياسي والاقتصادي ، وأقواها في أمريكا ، كما يقول بعض الأكاديميين ، أقواها في أمريكا مجموعات الضغط التابعة لشركات السلاح في بلد يَنْتَحِلُ قِيَمَ الحرية والعدالة التي يقيم لها تمثالا ، فلا أكثر كلاما عن الفضيلة والعفة مِنَ الْبَغِيِّ ! ، ولا أكثر تشدقا بالعدل من الظالم ، ولا أكثر تكرارا لقيم الأمانة والوفاء من الخائن الغادر ، وعلى هذا فَقِسْ ، فذلك قانون محكم في السياسة البراجماتية ، فالقوة هي عمادها الرئيس ، إن في المركز أو في الأطراف ، إن في التصور الأخلاقي أو في الإجراء السياسي أو العسكري ...... إلخ ، فالسلطة في الإطار المحلي تَتَحَوَّلُ إلى قوة وظيفية خادمة للمال فهي حارسة له نظير ما يدفع من أجرة الحراسة ، فَتَضَعُ له من التشريعات والإجراءات ما يحفظه ، في مقابل ما يكون من سحق الضعيف الفقير فما يجعل السلطة الوظيفية تأبه به ؟! ، فلا مال عنده ولا خيل يهديها ، فغايته أن تَتَّخِذَ منه الجند الوظيفي المطيع الذي تباشر به القمع الناعم أو الخشن ، وهو ، كما تقدم ، ما يستوجب القضاء على الطبقات الوسطى ، وهم في الاقتصاد أصحاب المثال المتوسط والصغير الذي يروم الكبير احتواءه أو سحقه بإجراءات تَنَافُسِيَّةٍ غير عادلة ، فإذا آلت به الحال إلى الفقر ازداد ضعفه فَسَهُلَ التحكم به واتسعت دائرة الاختيار في نظر السلطة أن تَصْطَفِي منه الجند والأتباع ، فهو في أي نظام وظيفي : الجهلة الفقراء ، فلا بد من زيادة هذه الشريحة لِتَتَحَوَّلَ هي الأخرى إلى مجموعة وظيفية خادمة للسلطة والنخبة معا ، فهي الشريحة المستهلِكة للسلع التي تحتكرها السلطة والنخبة وإن سِلَعًا رِدِيئَةً تلائم قوتها الشرائية المتواضعة فلا يستورد لها بداهة الفاخر أو الآدمي الذي يحقق الحد الأدنى من معايير الصحة والسلامة ، وهي الشريحة التي يصطفى منها الجند المطيع الذي لا يعرف من أمره إلا السمع والطاعة فلا قدرة له أن يقاوم طغيان السلطة التي انتزعت منه أسباب القوة المعنوية والمادية فذلك شرط الالتحاق بها إذ تُفَضِّلُ الجاهل الفقير ذات النفس الوضيعة فلا يعيب المرء فَقْرٌ وإنما يعيبه جهل وضعة نفس ، فتلك ، لو تدبر الناظر ، معايير اختيار المركز لوكلائه في الأطراف ، فوكلاؤه يسلكون الجادة نفسها في اختيار العناصر الوظيفية فذلك سلم متدرج من المركز إلى الأطراف ، فلا يختار إلا العنصر الوظيفي الذي لا يملك تصورا ولا رؤية ، ولا يأرز إلى مرجع أخلاقي محكم فيفتقد إلى مشروع الحياة إذ اختل معياره في التحسين والتقبيح بما تقدم من الهزيمة الحضارية في أيام المحنة كما قال أبو الطيب يصفها :
    يُقْضَى عَلَى المَرْءِ فِي أَيَّامِ مِحْنَتِهِ ******* حَتَّى يَرَى حَسَناً مَا لَيْسَ بِالحَسَنِ .

    فالسلطة في هذا المثال الشائه قد صارت أداة وظيفية تستأجرها النخبة في أعمال الحراسة ، وذلك أمر يتكرر في المركز وفي الأطراف ، وإن كانت الصورة في الأطراف أجمل ، فهي تخفي وراءها قبح الحقيقة ، فالنظرية الصانعة للسياسة واحدة ، فَثَمَّ جماعات ضغط نافذة تهيمن على الاختيار السياسي وإن ديمقراطيا شفافا فهي تحتكر أدوات التزوير الناعم ، خلاف ما يرى الناظر في الأطراف من تزوير خشن ، فمآلهما جميعا اختيار السلطة الوظيفية التي تحمي الأقوياء وتسحق الضعفاء ، وهو ما خاصمته رسالة السماء ، فـ : "لا قَدَّسَ اللَّهُ أُمَّةً لا يَأْخُذُ ضَعِيفُهَا حَقَّهُ مِنْ شَدِيدِهَا ، وَهُوَ لا يُتَعْتِعُهُ " ، فكان من فقه الصديق ، رضي الله عنه ، أن فطن لهذه النكتة ، فَوَضَعَ القوي مَوْضِعَ الضعيف حتى يؤخذ منه الحق ، ووضع الضعيف في موضع القوي حتى يؤخذ له الحق ، فصارت السلطة عضد الأضعف ، فتلك وظيفة أخلاقية تظهر آثارها في السياسة والاقتصاد ...... إلخ .

    وفي مرحلة تالية يكون تغول صاحب القوة إذ يدرك أن المال وحده لا يحمي وإن اشترى الحماية ، فالقوة أصل وبها تصنع الثروة ، فلا يقتصر دورها على الحماية ، كما يضرب بعض الباحثين المثل بالارتباط الوثيق بين القوة العسكرية والاقتصاد في الأمثلة السياسية المحدثة التي اتخذت القوة المجردة من القيم ، اتخذتها قيمة عظمى حاكمة وإن جردتها ابتداء من القيم ! ، فيضرب المثل بأمريكا فجيشها هو الأقوى واقتصادها في نفس الآن هو الأقوى ، وكذلك كانت بريطانيا في عصرها الإمبراطوري ، فكانت القوة ابتداء وبعدها كانت الثروة .
    فتوسعت أمريكا الآن في أعمال الحماية نظير ما تقبض من أجر ، وإن شئت الدقة فَقُلْ نظير ما تجبي من جزية ، فالدول الضعيفة تدخل في حماية الدول القوية نظير ما تبذل من أجرة ، سواء أكانت استثمارات أم هبات ، وإن كانت لا تملك المال فهي تَبِيعُ نَفْسَهَا أو تُؤَجِّرُهَا كما العاهرة لمن يبذل لها الثمن فَتَتَوَلَّى أداء المهام الوظيفية القذرة التي تستنكف الدول القوية أن تباشرها ، والدول كالبشر ، فمنها القوي ومنها الضعيف ، ومنها المستقل ومنها التابع ، ومنها العامل ومنها العاطل الذي لا يملك مشروعا غير منتج لا على مستوى الأفكار أو السلع ، فَيَلْجَأُ إلى بيع ذاته كعنصر وظيفي خادم ، قد يستخدم في الإدارة : إدارة الأطراف كما تصنع السلطة الوظيفية التابعة في الأطراف فهي مستأجرة لإدارة المستعمرة أو الكيان التابع ، فقد صارت تكلفة الإدارة المباشرة عالية فَلَئِنْ صبر المركز فحتى ينشأ الجيل التابع الذي يباشر الإدارة بالنيابة دون أن يكون له بداهة أي تصور خاص فهو أداة تنفيذية فلا دور لها في تخطيط أو استراتيجية إلا ما يصب في قناة الإجراء التنفيذي ، فلا تابع يملك رؤية قِيَمِيَّةً مستقلة ، ولو أرضية محدثة يناجز بها المركز ، بل شرط استخلافه هو الهزيمة الحضارية الساحقة .


    والشاهد أن المصلحة العامة قد تُتَّخَذُ ذريعة إلى مآرب تخص السلطة فتكسى لحاء الصالح العام ، كما تقدم في مثال القيد الذي قد تفرضه الدولة على حركة المال ، فقد يُتَّخَذُ قَيْدًا يحول دون التلاعب في سعر الصرف وذلك حق ، وقد يتخذ ذريعة إلى باطل ! ، وهو مصادرة الأموال استنادا إلى خصومات سياسية وهو ما يجعل بيئة الاستثمار غير آمنة فهي طاردة لرءوس الأموال المحلية التي تخشى على نفسها المصادرة والمطاردة فكيف تكون وحالها تلك ، كيف تكون جاذبة لرءوس الأموال الأجنبية ؟! ، وقل مثله في صورة أخرى تحتمل حقا وتحتمل ضده ، وهو تدخل الدولة في السوق ضبطا للأسعار ولو طرحت مُنْتَجَاتٍ تَزِيدُ في المعروض على وجه يَنْزِلُ بالسعر ، فقد يكون ذلك حقا فهي تطرح السلع بأسعار أقل لتضبط سِعْرًا قَدِ ارْتَفَعَ فجاوز الحد المعتاد باحتكار أو نحوه ، فيكون دور الدولة أن تَرْجِعَ بالسعر إلى سابق العهد دون أن تُلْحِقَ الضرر بالتجار ، فلم تدخل السوق منافسا وإنما دخلته اضطرارا لتضبط الأسعار ، فضلا عن دخولها من باب آخر أن تَزِيدَ من المنح والمزايا الاجتماعية للطبقات الفقيرة ، فهذا الوجه حق ، وقد يكون ثم آخر باطل ! ، فيكون السعر في الحد المعتاد ، فتدخل الدولة أو دوائر سيادية في السلطة ، تدخل السوق منافسا إذ تطرح سلعا أرخص من المتداول ، ولو رديئة ، فهي تستغل تراجع القدرة الشرائية للأفراد ، فَتَتَظَاهَرُ أنها تدعمهم بهذه السلع الرديئة التي لا تصلح في أحيان كثيرة للاستهلاك الآدمي ! ، أو قد شارفت صلاحيتها على الانتهاء فذلك سر سعرها الرخيص كما حدث في مصر في صفقة دجاج مشهورة استوردتها جهة سيادية كالعادة وضختهافي السوق أنها منحة وهي المحنة ! ، بل وَضَيَّقَتْ على المستثمرين في الدواجن الحية لتطرح دواجنها الفاسدة دون منافسة من أخرى صالحة ولو محلية تَزِيدُ من ثروة المجتمع ، فذلك ما يضر بثروة السلطة استنادا إلى نظرية الاستنزاف آنفة الذكر فأي زيادة في ثروة المجتمع فهي تضر بثروة السلطة الرأسمالية الحاكمة ، فلا بد من ضرب أي استثمار محلي وإغراق السوق إما بمنتج محلي تحتكره السلطة أو آخر تستورده ، فهذا الدخول غير المتكافئ يجبر رأس المال الخاص أن يَنْزَوِيَ إذ فُرَصُ الرِّبحِ تَقِلُّ ومخاطر المنافسة مع خصم أقوى مخاطرُ كبيرة ، فيفضل رأس المال مجالات الاستثمار الآمن ، فإما أن يغادر إلى سوق أخرى أكثر أمانا ، وإنما أن يختصر الأمر ! ، فَيُصَفِّيَ أصوله وَيُودِعَهَا المصارف لتكون هي الآخرى عبئا على المجتمع بما تستنزف من ثروته في صورة فوائد ربوية ، مع أن الأصل في هذا المال أن يكون قيمة مضافة للمجتمع بما يكون من استثمار في أصول إنتاج استراتيجي : صناعي أو زراعي ، أو آخر خدمي ، أو ثالث استهلاكي ينصرف ابتداء إلى توفير السلع الاستراتيجية .

    والشاهد أن السلطة تَتَظَاهَرُ أنها تَصُبُّ في مصلحة المواطن ! ، فهي تطرح سلعا رخيصة تكافح بها جشع التجار ! ، مع أنهم لا يحتكرون السلعة ولا يَتَقَصَّدُونَ زيادة في الأسعار ، فالأسعار في الحد الآمن أو قد ارتفعت رغما عنهم فَلَيْسُوا مَنْ صنع أزمة التضخم وإنما السلطة من صنعها ، فضلا أن السلطة لا تتحمل ما يتحمل المنتج المحلي من ضرائب وجمارك وفواتير خدمات فهامش الربح أوسع وهو ما يجعلها تبيع بسعر أدنى لا تخفيفا للأعباء على الجمهور ، وإن كان ذلك مما يحسن حال توحشت رءوس الأموال الخاصة فلا بد من كابح فالدولة إن كانت لا محالة داخلة في الاقتصاد إنتاجا واستيرادا .... إلخ ، فَلِضَبْطِ الأسعار إذا ارتفعت ، فيكون دخولها مؤقتا بهدف الحماية الاجتماعية ، فهي تسعى في زيادة المعروض لا لضرب القطاع الخاص وإنما لكبح جماحه إن جاوز الحد فمارس الاحتكار واصطنع الأزمات ، وأما أن تكون هي من يصنع الأزمة ويطرح البديل الرخيص الذي يضرب الصناعة الوطنية واضرب له المثل بأسعار الأضاحي في مصر هذا العام فقد شهدت انخفاضا وهو ما يحمد ، بادي الرأي ، وَلَكِنْ بالنظر في الدقائق ، يظهر أن ثم إشكالا كبيرا فَثَمَّ خطة لضرب الإنتاج المحلي من اللحوم بإغراق السوق بالمستورد الأرخص وإن كان كالعادة الأردأ فذلك ما يَهْبِطُ بسعر المحلي مع ما ينفق عليه من علف وخدمة ... إلخ ، فقد هَبَطَ سعره في أنواع إلى ثُلُثِ ثَمَنِهِ الرئيس فصارت تكلفة تَرْبِيَتِهِ أكبر من ثمنه ، وهو ما يجعل المرَبِّينَ المحليين يهجرون المجال تدريجا لِتُخْلَى الساحة للمحتكر مُنْتِجًا محليا أو مُسْتَوْرِدًا فما كان يستورده من رديء فيطعمه الناس بسعر رخيص ليضرب المنتج المحلي الجيد في مَقْتَلٍ فهو غدا سيطعمه الناس بسعر المحلي وأغلى بعد أن يُلْجِئَ المنتِج المحلي إلى مغادرة السوق فيحتكره وحده فيطرح ما شاء من الأنواع ولو رَدِيئَةً فليس ثم منافسة .

    وهو أمر قد عمت به البلوى ، فَلَئِنْ كَانَ اصطناع الأزمات أمرا لا يستغرب من اقتصاد رأسمالي يجعل الربح هو الغاية العظمى ، فلا يُتَصَوَّرُ بداهة من سلطة تصطنع أزمة لتحتكر سلعة ، وَلَيْتَهَا كانت المنتِج الذي يضيف قيمة جديدة ، قيمة التقنية والابتكار ، فالسلع ما بين مستورد أو مُنْتَجٍ بِتِقْنِيَاتٍ قديمة فضلا أن تكون رَدِيئَةً لا تطابق المواصفات القياسية ، فلا قيمة مضافة فضلا عن غياب القيمة الأخلاقية التي تكسب السلطة شرعية الحكم ، وهو ما يقترن في العادة بالاستبداد ، فلا يتصور أن المجتمع يختار بآليات فاعلة تجاوز ما قد يَتَبَادَرُ من الاقتراع المباشر عبر الصندوق الزجاجي الشفاف ! ، فَثَمَّ تزوير خشن يقدح مباشرة في نَزَاهَةِ الاقتراع ، وثم آخر ناعم يقدح في الاقتراع لا في إجرائه وإنما في أمر أدق ، وهو العقل الجمعي الذي تَنْبَعِثُ منه قيم الفكر والسياسة ، فالسلطة في الأنظمة المركزية ، أو جماعات الضغط الموجه في الأنظمة الليبرالية ، السلطة أو جماعات الضغط كلاهما يوجه الرأي العام بما يملك من أدوات الدعاية والإعلام فضلا عن قوة المال الوظيفي غير النَّزِيهِ ! ، وإن تفاوتت صوره ، فهو فج سخيف في الأنظمة المتخلفة التي تحرص أبدا على زيادة رقعة الفقر والجهل فتلك شريحتها الانتخابية الرئيسة التي تَسْهُلُ رشوتها الرشوةَ المالية المباشرة استثمارا في ظروف متردية صنعتها السلطة فهي البيئة الاستراتيجية التي تستطيع السلطة المستبدة أن تَنْمُوَ فيها وَتَتَمَدَّدَ ، فالمجتمع هش يسهل اختراقه ، فلا تجد السلطة مانعا قويا يحول دون نفاذها إلى زوايا المجتمع وأركانه عبر شبكات معقدة من المصالح فضلا عن شبكات التجسس على الخلائق ! ، وهي ، أيضا ، مما يزدهر في الأنظمة المستبدة فَجًّا قَبِيحَ الهيئة ، فالفقر والجهل فضلا عن غياب الوازع الرسالي والأخلاقي ، كل أولئك يصيب البنية الإنسانية في مقتل ، وهو أمر تحرص عليه السلطة المستبدة ، لا جرم كانت عنايتها الكبيرة بصناعة الغيبوبة فهي تسهل ، ولو عبر وسائط فضلا عن المكاسب المباشرة ، تُسَهِّلُ دخول المخدرات وكل ما يسكر العقل السكر المباشر ، وهي تَرْعَى كل مظاهر الفحش والانحراف الأخلاقي فَتُوَفِّرُ له الحماية باسم القانون بذريعة حماية الحريات العامة ، ولو على حساب الآداب العامة فضلا أن هذه الحريات العامة تَقْتَصِرُ بَدَاهَةً على حريات الفرد الخاصة ولو في الانحلال والإلحاد دون الحريات السياسية العامة فهي المحظور الأعظم في أي نظام مستبد لا سيما إن كان استبداده استبداد التابع الوظيفي الذي فَقَدَ الاستقلال السياسي ومن قبله الاستقلال الفكري ، فالسلطة تَفْتَحُ ذرائع الحريات الخاصة الفتح المطلق دون لجام يحكم ، حتى بلغت الحال أن يقول بعض السفهاء أنه لا يجد غضاضة أن يكفر المواطن ! بالله ، جل وعلا ، فذلك حقه الأيديولوجي الخالص ، مع أنه لا يسمح بأي نقد لشخص السلطة المقدس ! ، فَيُحْدِثُ من منظومة التشريع والقضاء ما يجعل انتقاد السلطة ولو في إجراء تنفيذي ، ما يجعل ذلك جناية بل وخيانة عظمى في أحيان ، فَيَنْتَصِرُ لِذَاتِهِ السياسية المقدسة التي اختزلت فيها السلطة ، يَنْتَصِرُ لها ما لا يَنْتَصِرُ للذات الإلهية العليا ، فَسَبُّ شَخْصِ السلطةِ الاعتباري أو الحقيقي جناية لها من النص التشريعي ما يُجَرِّمُ وَيُعَاقِبُ ، وسب الله ، جل وعلا ، والمجاهرة بحربه وحرب وحيه ولو في الآداب والمظاهر العامة فضلا عن التشريعات والسياسات ..... إلخ ، كل أولئك مباح بل ثم ضوء أخضر من السلطة فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر بالله ، جل وعلا ، وأما السلطة فليس إلا الإيمان بها ، فالإكراه فيه يجوز ، وتلك رسالة الْتَقَطَهَا مَنِ الْتَقَطَهَا من مناضلي الحريات العامة ولو على مواقع التواصل الاجتماعي إذ لا يملك رفاه الحراك على الأرض ، ولا يملك نظيره ولو في العالم الافتراضي إن تعلق الأمر بشخص الزعيم السياسي ، فيمارس النضال الآمن فقد أعطته السلطة الأمان فَلْتَسُبَّ الذات الإلهية ولتسخر من الأحكام والآداب الرسالية كيف شئت فذلك لا يضجر السلطة بل يصب في قناتها ولو على المدى الطويل فهي تريد جيلا من المنحرفين في أفكارهم وأخلاقهم قد أغرقتهم موجات الشبهة والشهوة فلا يملكون قِيَمَ نِضَالٍ راسخة بها يتصدون لطغيان السلطة ، بل قد صاروا مصارف تجري فيها أقذار السخط والغضب بعيدا عن السلطة ، فقد خافوا منها إذ عقابها يُبَاشِرُ في الحال فلا حلم لها ولا صبر ، وغرهم حلم الله ، جل وعلا ، وصبره ، فصار سَبُّهُ إذ يؤخر العقاب ، صار أمرا سهل المنال بل قد صار ضربا من الثورة والنضال ، فقد فشل القوم في الثورة على السلطة إذ تمسك بالسيف والسوط ، فَقَرَّرُوا الثورة على الله ، جل وعلا ، فعقابه ضرب من الغيب ، فهو حديث الخرافة ! ، فصارت البطولة في ميادين النضال الافتراضية أن تبرز لسانك فهو سيف النضال ، أن تبرزه بأقذع الألفاظ سبا وسخرية من الوحي فلا بواكي له ولا سيف له ينصر ، فنزاله آمن والنضال ضده بلا عواقب بل السلطة العلمانية ضد الدينية تحرض وتشجع ، فذلك فضاء حرية بلا سقف ، والشجاعة أن يناضل الإنسان حرا يملك حق الرد والدفع لا مُكَمَّمًا مكبلا لا يطيق الدفع ، فهو كالميت أو الغائب فليس ثم تكافؤ فما شجاعة من يناضل غائبا غير حاضر فهو يبارز بسيفه الهواء فلا خسائر بداهة إذ الهواء لا يدفع ولا يقتل ، فتلك حال الجبان كما يحكيها أبو الطيب :
    وَإذا ما خَلا الجَبَانُ بأرْضٍ ******* طَلَبَ الطّعْنَ وَحدَهُ وَالنّزَالَ .
    فطلب النزال وحده ، فلو وجد خيالَ مُنَازِلٍ لَوَلَّى فِرَارًا لأنه ما نَزَلَ بسيفه إلا وقد خَلَا الميدان ! ، فانحطت النفوس بانحطاط أخلاقها وضعفت مقاومتها لأي استبداد سياسي يَنْتَصِرُ لشخص السلطة ما لا يَنْتَصِرُ لِرَبِّ العزةِ ، جل وعلا ، وهل ثم طغيان وتأله يجاوز ذلك ؟! ، ولو حكاية للوازم وإن كان الأمر ، لو تدبر الناظر ، مما يجاوز حكاية اللوازم فَثَمَّ تصريح في مواضع يَبْلُغُ حَدَّ الاعتراف الكامل ، فكان من رعاية السلطة لكل مظاهر الغيبوبة الفكرية والسياسية ما يُؤَمِّنُ مراكزها فهي راعية كل ما يُغَيِّبُ الوعي ولو رعاية لبطولة رياضية أو مهرجان فني فذلك استثمار يَتَرَاكَمُ فقد لا يؤتي أكله في الجيل الأول الذي يدافع بما له من رصيد أخلاقي محافظ فضلا أن يكون ذا رصيد رسالي سماوي ، فالجيل الأول يُدَافِعُ ، والجيل الثاني يُخْتَرَقُ ، والجيل الثالث يولد في قبضة الخصم ! ، وهو المستهدف الرئيس من هذا المخطط ، إن في الأنظمة المتخلفة ، كما تقدم ، أو في الأنظمة المتقدمة وإن اختلفت الوسائل ، فهي في الأنظمة المتقدمة أَرْقَى فَتُجَاوِزُ ، بداهة ، الرشاوى المالية المباشرة وإن لم تسلم منها لا سيما في دوائر صناعة القرار العليا فلا تُقَدَّمُ ، بداهة ، في صورة رشوة وإنما تُقَدَّمُ في صورة دعم مالي لحملة مرشح سياسي في إطار شرعي تُنَظِّمُهُ القوانين واللوائح ، وإن لم يخل الأمر من تلاعب بل وتآمر وَضِيعٍ قَارَفَهُ رجال دولة كبار كالرئيس الراحل ريتشارد نيكسون الذي تورط حزبه في فضيحة جاوزت حد التجسس ، فكان من تفاصيلها استئجار رجال من حزبه الجمهوري فَتَيَاتِ لَيْلِ لِيُوقِعْنَ بَنُوَّابٍ من الحزب الديمقراطي المنافس على وزان ما اصطلح في مصر أنه "الكنترول" ! الذي يحتفظ بملفات فسادٍ مالي وأخلاقي يمكن من خلالها التحكم في الشخصيات العامة بما يواطئ رغائب السلطة ! ، فالفساد ، لو تدبر الناظر ، إن في الأفكار أو في السياسة أو في الاقتصاد .... إلخ ، الفساد جنس عام تندرج تحته أنواع وآحاد فهي آخر أمرها تصدر عن مرجع واحد ومهما اختلفت في الصورة فالحقيقة واحدة إذ النَّفْسُ بِغَرَائِزِهَا وَبَوَاعِثِهَا وَرَغَائِبِهَا واحدةٌ ، فلا يهذبها إلا الوحي ، ولا يفسدها إلا الشبهة والشهوة .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •