الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
اعرض النتائج 1 من 20 إلى 33

الموضوع: السلطة الهرمية

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    السلطة الهرمية

    ولا شك أن المثال الهرمي المركزي سبب رئيس في انهيار منظومة القيم والأخلاق ، فإنها لا يمكن أن تستقيم في ظل استبداد يخل بمعايير الحياة ، معايير السعادة والنجاح ...... إلخ ، فالنجاح في المنظومة الهرمية المستبدة يتلخص في الوصول إلى المنصب أو الثروة من أقصر الطرق بأدنى كلفة من فكرة أو حركة ، استنادا إلى مبدإ "الفهلوة" ، فلا خبرة تَرَاكَمَتْ تجعل صاحبها ذا كفاءة وكفاية ، وإنما القفزة المفاجئة التي تفتقر إلى سبب من خارج ، فثم شبكة من العلائق التي تقوم على مبدإ الولاء ، وهو ما تَتَعَدَّدُ درجاته في هَرَمِ السلطة ، فَثَمَّ تَرَاتُبِيَّةٌ تحول دون الاتصال المباشر بَيْنَ قمة الهرم وقاعدته ، وهو ، كما يقول بعض المختصين ، مظنة الفشل في إدارة أي منظومة فالمثال الرأسي الهرمي يحول دون التواصل بين القاعدة والقمة ، في إطار من السرية التي تحرص النخبة الحاكمة عليها بذريعة الحفاظ على الأمن القومي ! ، فَوَدَّتْ ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الإعلاميين ، أن تطفئ النور وتحكم في الظلام الدامس فلا يفطن عاقل لما تصنع ، ففي المثال الهرمي تعظم حاجة القاعدة إلى مَنْ يَعْلُوهَا فِي درجات السلطة ، مع فساد المنظومة : فساد القيم الأخلاقية وفساد الإجراءات التنفيذية ، ولو في القطاعات الخدمية التي يُفْتَرَضُ فِيهَا الحياد السياسي والإنساني فَهِيَ محل إجماع من كافة البشر ، فَثَمَّ تَقَصُّدٌ فِي غَيْرِ المحل يَنْحَطُّ فِيهَا الخصم في خصومته السياسية أن يَنْزِلَ بِهَا إلى دركة الخصومة في حُقُوقِ البشر الأساسية في العمل والتعليم والعلاج ..... إلخ ، فَالْفَسَادُ في المنظومات الخدمية تَظْهَرُ آثاره المباشرة في واقع المجتمع ما لا تظهر آثار الفساد في الجهات السيادية ، فَفَسَادُهَا وإن كان الأخطر إلا أنه آخِرُ ما يَظْهَرُ ، فهو مِمَّا يَتَرَاكَمُ جيلا بَعْدَ آخَرَ ، فَيَجِدُ المجتمع من آثَارِهِ الْمُتَرَاكِمَةِ تَآكُلَ المنظومة القيمية في الأسرة والشارع والمدرسة والهيئة وتآكل المنظومة الخدمية فلا يَبْلُغُ المجتمع أصل الفساد في مركز السلطة فَهُوَ مِمَّا حُجِبَ وَرَاءَ الأستار ، أستار السلطة التي تَتَّخِذُ من القرار المباشر وتعطي من الضوء الأخضر ما يُسَرِّعُ من وَتِيرَةِ الفساد ، فَلَا يشترط أن تَتَّخِذَ الإجراء المباشر بل دورها يَقْتَصِرُ على صناعة البيئة الحاضنة للفساد الأخلاقي والإداري ومن ثَمَّ تَتْرُكُ المفسِدَ يُبْدِعُ وَيَبْتَكِرُ ! فيكون من تَرَاكُمِ الفساد ما يفرز المؤسسة الفاشلة التي تشد أطراف المجتمع فلا يحصل على أدنى قدر من الخدمة الرديئة ! إلا بَعْدَ أن يجهد الجهد الشديد ، وتلك معادلة السيطرة على المجتمع بإرهاقه ، فهو يعمل كثيرا ولا يُحَصِّلُ إلا قليلا لا يكفيه ، وهو يجهد في الوقوف أمام نافذة خدمة أو مؤنة لِيَنَالَ حظه من الخدمة الرديئة والمؤنة غير الصالحة لاستهلاك البشر وهي ، مع ذلك ، تحمد السلطة ! أن وَفَّرَتْ لَهَا الخدمة فخيرها وفير وفضلها عظيم ، ولك أن تدخل قسم الاستقبال في أي مؤسسة علاجية حكومية في نظام حكم هرمي مستبد ، فهو يحكي حال المجتمع إذ يكتظ المكان بالمرضى مَعَ رَدَاءَةِ الخدمة وسوء التهوية وَفَوْضَى تسيطر على المكان مع ارتجال في الأداء فَبَعْضٌ يُسِيئُ القول والفعل إن من طاقم العمل أو من المرضى ، فكلاهما يَئِنُّ من ضغط الواقع فلا يجد إلا الانفجار في الآخر ، فلا أحد منهما ينفجر خارج هذه الدائرة الاجتماعية الضيقة ، وهو ما يشبه ، من وجه ، نظرية سياسية مشهورة تستعملها السلطة إذا تمكنت وتستعملها الثورة إن حَسَمَتْ أمرها فَلَمْ تَرَ خِيَارًا دون المواجهة الصريحة بلا تَرَدُّدٍ ، فَالتَّرَدُّدُ في موضع كهذا يكافئ الانتحار ! ، وكذلك السلطة ، فإنها ابتداء لا بد أن تضرب المجتمع بعنف فتوجه ضربة قاضية لمراكز القوة وصناعة القرار في المجتمع ، وبعد انهيار المقاومة وسقوط المجتمع في قبضة السلطة ولا يكون ذلك إلا باستخدام قوة غاشمة مفرطة ، ومذبحة المماليك مارس 1811م مثال أول وفيها استخدم الباشا الجديد القوة النارية المفرطة ضد النخبة العسكرية القديمة التي لا تصلح نواة لجيشه الجديد فلا تدين له بالولاء التام ، وما تصنع أي ثورة مضادة مطلع هلالها وَبَعْدَ اسْتِوَائِهَا بَدْرًا على التمام والكمال مِثَالٌ ثَانٍ ، فَبَعْدَ سقوط المجتمع فِي قبضة السلطة يُعَادُ تشكيله فَتَكُونُ التَّرْبِيَةُ بعد القمع ! ، كما يضرب صاحب "استعمار مصر" المثال من كلام ضابط فرنسي في الجزائر إبان حقبة الاحتلال ، فَيَشْرَحُ باختصار الطريقة المثلى لإنشاء سلطة سياسية مستقرة ، فلا بد من القمع أولا وهو الذي يسيطر على الجسم ، وبعده تكون التَّرْبِيَةُ التي تسيطر على العقل على المدى الطويل وهو ما يستوجب هدوء الجسم فلا يكون في حال ثورة ولا يكون ذلك إلا بَعْدَ تَوْجِيهِ الضربات المؤلمة بأقصى قوة ، فهي تصهر المجتمع وتحوله إلى مادة خام أولية يسهل تشكيلها بعد ذلك على مثال معين يحقق مآرب الغالب الذي امتلك السلطة وأدوات القوة ، فمنها أدوات هدم يبدأ بها عاجلا فإذا نجح في هدم المثال القديم بما يوجه من ضربات متتالية لمنظومة القيم والأخلاق ومنظومة الجسد وما يحتاج من سلع وخدمات ، فإذا نجح في ذلك على المدى القريب فهو يشرع في مرحلة التربية التي تَتَوَجَّهُ إلى العقل وذلك ما يكون على المدى البعيد ، وَلَنْ تَنْجَحَ السلطة في ذلك إلا إن كانت ضربات الهدم قوية حاسمة فالضربة الضعيفة تقوى البنيان ولا تقصمه ، فكانت النصيحة الْمِيكْيَافِيلِّيَّةِ أَنَّ الأمير إن ضَرَبَ فَلْتَكُنْ ضربته قاصمة وإلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ ، وكذلك الثورة فاكتفاؤها بضربة جزئية يَشُدُّ ظَهْرَ الثورةِ المضادة ، فهي تَنْقَضُّ بَعْدَ ذلك بِمُنْتَهَى الشراسة ، فلا بد من الضرب المبرح والإهانة البالغة ابتداء فإذا استسلم الخصم كان تشكيله وِفْقَ مَعَايِيرَ جديدة ، معايير الغالب المتمكن الذي يبدأ في تربية العقل بعد استسلام البدن ، فالسلطة إذا ضربت فأوجعت فكل ما يكون منها بعد ذلك من عطاء ، ولو رَدِيئًا لا يصلح لحيوان ! ، كل ما يكون بعد ذلك فهو خير وبركة ! ، واضرب له المثل بما يكون من فعل السلطة مع الأسرى من المعارضين ! أو صغار المجندين من الدفعات الجديدة فلا بد ابتداء من تَقَصُّدِ الإهانة البدنية والنفسية البالغة لكسر الفرد وإضعافه ، فإذا زاد الضغط فاستسلم ، فكل ما تُلْقِيهِ إليه السلطة بعد ذلك من فتات فهو خير وبركة ! ، ولو ألقت إليه الماء بالدلو أو الجردل ! وألقت إليه الطعام بَقَايَا خُبْزٍ على الأرض ، ومبدأ الأمر ، كما تقدم من كلام الضابط الفرنسي ، مبدأ الأمر السيطرة على الجسد بممارسة العنف المفرِط ، وبعده تكون السيطرة على العقل بالتعليم وهو ما يضرب له صاحب "استعمار مصر" المثل بِتَعْلِيمِ صغارِ العمال العاداتِ الانضباطية للعمل المأجور ، فالسلطة تحرص عَبْرَ أجهزتها المركزية في التعداد والحصر أن تَكْتَشِفَ طبيعة الخصم ! وهو المجتمع ، فتحصر قوته العاملة التي توظفها في تحقيق مآربها ، فَيَتَحَوَّلُ المجتمع إلى طاقة خادمة لمركز السلطة المحلي أو الخارجي ، والإنتاج الرأسمالي في مصر إبان القرن التاسع عشر مثال يضربه بعض الباحثين فإنه قد اعتمد آليات محكمة حَوَّلَتْ قوة المجتمع إلى قوة عمل في المشروعات الوطنية العملاقة ! ، كحفر قناة السويس الأم ! ، فكانت السخرة التي وُظِّفَ فيها آلاف لتحقيق حلم السلطة ! في الثَّرَاءِ والشهرة ، وإن كان ثم إنجاز مادي على الأرض فهو خادم لهذه الصورة الوظيفية التي تستنزف قاعدة المجتمع لصالح نخبته القابعة في قِمَّةِ الهرمِ ، وهو ما يضرب له المثل ، أيضا ، بمصر ، فالاحتلال البريطاني قد أنشأ في مصر واحدة من أقدم شبكات السكك الحديدية في العالم وأكبرها طاقة في النقل ، فنقلت أرقاما قياسية في نَقْلِ الأفراد بمعايير ذلك الزمان ، فنقلت 4,7 مليون راكب في 1890م ، و30 مليونا في 1906م ، ولكن ذلك ، بداهة ، لم يكن ينصرف ابتداء إلى تقديم الخدمة العامة ، وإنما أرادت السلطة أن تُوَفِّرَ خطوط النقل للعمالة الرخيصة التي تَسْتَعْمِلُهَا في مشروعاتها التي لا حظ للمجتمع منها إلا الفتات ، فهو أكثر من يعمل ويجهد وأقل من ينتفع بالثمرة ، ومن يخالف عن هذا المثال ، فثم الإجراء العقابي الذي يستند إلى النظرية آنفة الذكر : نظرية الضرب الموجع المهين الذي لا يطيق الخصم دفعه فَيَسْتَسْلِمُ وَيَرْضَى بأي عطاء ، وهو ، أيضا ، ما باشرة الاحتلال البريطاني لمصر ، كما يذكر المصنف آنف الذكر : مصنف "استعمار مصر" فلم يخل المشهد ابتداء من حركات مقاومة ولو في الأطراف فاستعملت بريطانيا وهي مضرب المثل في الحكمة خلافا لفرنسا الغاشمة ، استعملت بريطانيا الحكيمة وسائل اعتقال وتعذيب بشعة ولو إلى حين حتى تقمع الجسد ، كما يضرب المصنف المثلَ بوسائل كحرق الجسم بمسامير حديدية محماة ! ، وبعد استسلام الجسد تحت وطأة التعذيب وتلك صورة تكبر لِتَسْتَغْرِقَ المجتمع كله ، فما صورته الكلية إلا حكاية صور جزئية تَجْتَمِعُ ، فبعد استسلام الجسد على المدى القريب تحت وطأة التعذيب تكون صناعة العقل بوسائل التربية التي تؤتي أكلها على المدى البعيد الذي يجيده الإنجليز ، فالعنف في سياستهم أمر عارض ، والمستقر مِنْهَا هو العمل الطويل الهادئ في تربية العقل وصناعة الرأي وشرطه ، كما تقدم ، إجهاد البدن بحرمانه إلا من حد أدنى به اسْتِبْقَاءُ مهجتِهِ ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما سلكت جادته السلطة الوظيفية النائبة بعد خروج المركز فلم تخرج عن هذه الفلسفة وإن قَارَفَتْ منها المثال الأسوأ .

    فالسلطة هي التي صنعت هذا الواقع الخدمي الرديء فَهَنْدَسَتِ المؤسسة أو المنظومة ، ولو خطوطا عريضة ، فإنها ، بداهة ، لم توعز إلى الطبيب أو الممرِّض أن يصرخ في المريض ، ولم توعز إلى المريض أن يبادلهما الصراخ بمثله ، ولكنها صنعت البيئة الحاضنة لهذا المشهد البائس ، وهي ، أبدا ، بعيدة عن الصراخ فهي تَنْظُرُ من أعلى إذ تَقْبَعُ في قمة الهرم وتدير الأمر إدارةَ الأزمةِ ، فلا يَعْنِيهَا عِلَاجُ الأزمة بل تحرص على استمرارها ولكن تحت السيطرة استنادا إلى نظرية "الصراع منخفض الحدة" ، فهو لا يَبْلُغُ درجة الاشتعال ولا يَنْحَطُّ إلى دركة الانطفاء ، فيكون ثَمَّ شَدٌّ وَتَوَتُّرٌ لا يبلغ حد الثورة أو الفوضى التامة ، فثم فوضى جزئية تستنزف المجتمع عبر أطر وهياكل مترهلة تتسم بالبيروقراطية الشديدة فَثَمَّ انهيار أخلاقي وانهيار إجرائي ، فَقِلَّةُ موارد وَقِلَّةُ كفاءات مع فساد في الأخلاق وانهيار آخر في منظومة القيم ، ولك أن تستنسخ هذه الصورة في كل مؤسسة تنفيذية خدمية تباشر مصالح الجمهور .

    واضرب له المثال المشهور في الجهاز الْبِيرُوقْرَاطِي المصري ، فَأَيُّ وَرَقَةٍ أو معاملة لا بد أن تُمْهَرَ بِتَوْقِيعَاتٍ عدة من الموظف المباشر إلى مدير الإدارة إلى مدير القطاع إلى مدير المصلحة أو المؤسسة ....... إلخ ، فذلك ما يُدْخِلُ صَاحِبَهَا فِي نَوْعٍ من أَنْوَاعِ العبودية ! ، فإن قلبه قد تَعَلَّقَ بالموظف الذي صار يملك الضر والنفع ! ، فيملك تمرير المعاملة أو إيقافها ! ، فالأمر ، لو تدبر الناظر ، يجاوز ما قد يتبادر إلى الذهن من إجهاد صاحب المعاملة واستنزاف طاقته في إطار سياسة محكمة تضمن السيطرة على الفرد فلا ينال جزءا يسيرا من حقه إلا بعد إزهاق روحه ! ، فلا يكون ثم هامش قوة يناجز به السلطة فهو تحت السيطرة والتحكم وهو أبدا إلى السلطة يحتاج ، ولو في ورقة قد يَتَوَقَّفُ عليها مستقبل أيامه في الحصول على فرصة عمل أو فرصة هرب من هذا الجحيم ! ، فَثَمَّ هدف أكبر ، وهو تكريس العبودية ، عبودية الفرد للدولة الإله ، وإن بيروقراطية مترهلة كالبيروقراطية المصرية المعاصرة ، فإنها بِمَا تملك من صلاحيات كبيرة قد أُسْنِدَتْ إلى جهاز وظيفي فاسد ، فهو طامح طامع ، طامح للسلطة طامع في الثروة ، قد جعل التزلف والرياء وصناعة الولاء ، ولو ظاهرا ، قد جعل هذه القيم الفاسدة هي درجات التَّرَقِّي في هرم السلطة ، فلا يبلغ الغاية إلا الماكر الذي يجيد التلون فلا رصيد له من كفاءة تجعله أهلا لولاية ، فَاسْتَعَاضَ عَنْهَا بِعَرْضِ نَفْسِهِ في سوق نخاسة سياسي في الداخل وفي الخارج ، فهو مملوك يروم الالتحاق بهرم السلطة فلا بد أن يدخل في الرق طوعا ، فهو يبيع ولاءه لمن يدفع ، فَيَلْتَحِقُ بِقَبِيلٍ أو جناح في السلطة ، فهو يَتْبَعُ الأستاذ فلان أو الأمير فلان كما كانت الحال في النظام المملوكي ، أو الجناح الفلاني من السلطة ، فَفِي كل مؤسسة لا سيما المؤسسات السيادية تَتَشَكَّلُ الأحزاب والأجنحة التي تَنْتَهِي نِسْبَتُهَا إلى مجموعة من كبار الموظفين هم النواة الصلبة لهذا الجناح أو الحزب وعلى كل موظَّف أو عنصر أن يختار إلى أي الأحزاب يُنْسَبُ فهو محسوب على فلان من القادة أو على الجناح الفلاني من المؤسسة ، وذلك ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، ما يظهر في أي تجمع ، ولو طلبةً في المدارس ، فَثَمَّ شِلَلٌ كما يقال في مصر وهي جمع "شِلَّة" ، فالطلبة في الفصل أو في المدرسة على أنحاء فَثَمَّ شِلَلٌ مركزية ، فَيُصَنَّفُ الطالب تَبَعًا لذلك فأنت من شِلَّةِ فلان أو شِلَّةِ فلان فلا بد أن تختار لك نسبة ! ، فإذا كان ثم طالب حُرٌّ صاحب اختيار وموقف في الحياة ، فهو أبدا يُنْبَذُ ، فتجتمع الشلل على حربه إذ لم تَنْجَحْ فِي ضمه ، فالمؤسسات الهرمية المركزية ، ولو شِلَلًا في المدارس ، هذه المؤسسات تكره أَيَّ حُرٍّ ذا رأي واختيار لا جرم كان فشله في التأقلم مع الوظيفة الرسمية أو حتى الرسالة الدعوية إن تحولت إلى عمل هرمي مركزي فَدَخَلَهُ مَا دَخَلَ السلطة من أمراض الولاء الشخصي ، وهو ما يكشف عن أزمة المعارضة السياسية المعاصرة ، سواء أكانت ذات مرجع رسالي أم آخر أرضي ، واضرب له المثل بمصر فثم سلطة هرمية شديدة المركزية قد تَجَذَّرَتْ وَانْشَعَبَتْ بِتَعَاقُبِ أجيالها مع اختلاف توجهاتها اليسارية تارة والرأسمالية أخرى وعديمة التوجه ثالثا ! ، وأخيرا النيوليبرالية التي تعتبر امتدادا للحقبة الساداتية فهي التطور الطَّبِيعِيُّ لما كان من تَسْوِيَاتٍ سياسية واقتصادية بعد مناورة أكتوبر 73 التي أعطت المشهد زخما إعلاميا كَسَى السلطة شرعية الإنجاز العسكري وهو ما استثمر في الإجراء الاقتصادي الليبرالي والإجراء السياسي التَّطْبِيعِيِّ ، فَكَانَ المشهدُ الآن ، لو تدبر الناظر ، ثمرة من ثمار أكتوبر 73 ! ، لا جرم كان على رَأْسِهِ عنصر يَنْتَمِي إلى جيل ما بعد الحرب ، جيل السلام والتطبيع انطلاقا من القاعدة الرأسمالية الغربية ، فَثَمَّ سلطة قد تجذرت وانشعبت مع اختلاف تَوَجُّهَاتِهَا ، كما تقدم ، ولكنها لم تخرج في جميع نسخها اليسارية أو الرأسمالية ، لم تخرج عن المثال الهرمي المركزي ، فَهِيَ هَرَمِيَّةٌ مركزية ذات طَبِيعَةٍ عسكرية سَوَاءً أكانت يسارية أم رأسمالية ! ، فالقاسم المشترك الأعظم هو الطبيعة المستبدة التي تَغْلِبُ على النظام العسكري ما لا تَغْلِبُ عَلَى غَيْرِهِ ، فالاستبداد كسائر الأجناس الأخلاقية والسياسية العليا ، فهو قيمة مطلقة في الذهن يندرج تحتها من الأنواع والأمثلة ما يَتَفَاوَتُ فمنه استبداد مدني وآخر عسكري ، وكلاهما لا يطيق الخروج عن الرواية الرسمية ، رواية السلطة التي لا تسمع صوتا غير صوتها ولو ناصحا يَرُومُ الإصلاح من داخل المنظومة فضلا أن يكون ذا خصومة سواء أكانت إصلاحية أم ثورية ، فلا تطيق سماع النصح فَضْلًا عن المعارضة والقدح ، فعناصرها من النوع التنفيذي ذي الولاء المطلق ، فَلَا يكون أبدا صاحب موقف أو رأي ، فذلك مظنة الاعتراض أو التوقف ، فَثَمَّ مثال تحتكر قمته اتخاذ القرار فهي تمنع حق تداول المعلومة بذريعة ما تَقَدَّمَ من الحفاظ على أسرار الدولة وأمنها القومي الذي يختزل في أمن هذه النواة المركزية التي احتكرت اتخاذ القرار بما يَتَوَافَرُ لَهَا من معلومات احتكرتها ووظفتها لتحقيق مآربها الخاصة وإن كَسَتْهَا لحاء المصلحة العامة ، فَتِلْكَ عدوى انْتَقَلَتْ إلى بقية مستويات السلطة ، فَكُلُّهَا ذَاتُ أنوية صلبة تَتَصَارَعُ عَلَى النفوذ والثروة أو الرشوة ! ، فَثَمَّ فساد في إدارة المخصصات وثم آخر تحصيل الجبايات ، وَثَمَّ ثالث في قبول الرشى والعمولات فتلك مصادر تمويل السلطة الهرمية فَهِيَ بِطَبِيعَتِهَا تكره العمل والإنتاج إذ لم يكن يوما معيار التَّرَقِّي في درجاتها ، بل من كان يَعْمَلُ أكثر وَيَرُومُ الإصلاح حقا فهو أبدا يُنْبَذُ وَيُنْبَزُ ، فتجده في أي مكتب رسمي قد انْزَوَى وَانْطَوَى ، ولا يسلم مع ذلك من الأذى فمن حوله يسعى جاهدا في نسبته إلى التقصير وإلحاق أي خطإ به على وجه يُعَرِّضُهُ للتحقيق والجزاء والإيقاف عن العمل أو النَّقْلِ إلى دائرة أخرى أقل في الدرجة والامتيازات أو الفصل النهائي ، بل قد يصل الأمر إلى حد الوشاية السياسية اسْتِثْمَارًا لِظَرْفٍ اسْتِثْنَائِيٍّ ، كما هي الحال الآن فِي مصر ، فقد صارت الوشاية بِزَمِيلِ العمل انطلاقا من خصومة السلطة مع التيار الإسلامي السياسي الذي تخوض الآن ، ولو في روايتها الرسمية ، حربَ الاسْتِئْصَالِ الصفرِيَّةِ ضِدَّهُ ، صارت هذه الوشاية أمرا شَائِعًا لا سيما في دوائر السلطة الأكثر جهلا وفسادا ، وهو ما يجعل هذا العنصر المحارَب يَتَوَخَّى الحذر فهو يمارس عمله في بيئة فاسدة قد انحط فيها معيار القيم والأخلاق ، فإما أن يسلك الجادة ! فيصير موظفا صالحا بمعيار السلطة ! فهو يداهن ويشارك في إدارة الفساد ، وإما أن يُدَارِي فَيَبْذُلَ من الدنيا ما لا يضر قِيَمَهُ وَأَخْلَاقَهُ ، وإما أن يعتزل السلطة وما تعبد من آلهة تَضُرُّ وَتَنْفَعُ ، فهي ، كما تقدم ، تحتكر الختم والتوقيع الذي يُسَهِّلُ الأمر أو يُعَسِّرُهُ ! ، فلا يسلم من عبوديتها إلا من صَدَّقَ القولَ المشهور المأثور : من عَرَفَ الناس استراح ، فقال من قال من المحققين يشرح هذا القول : يعني أنهم لا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ ، وذلك أمر قد يسهل تصوره ولكن تأويله في الخارج قد يعسر إلا على آحاد هم الاستثناء ، فقد يكون من الحكمة الاعتزالُ ولو بالجنان فالخلطة بالأبدان أمر يتحتم في دوائر العمل والحياة ، وَثَمَّ من يجاوز فهو يعتزل بالجنان والبدن ، وذلك أمر يدق ، فلا بد له من فِقْهٍ وإلا صار صاحبه نَهْبًا للوساوس ، وثم من يَفِرُّ من هذه الأجواء ، فهو يصبر حتى يجعل الله ، جل وعلا ، له مخرجا فيهاجر من هذه الأرض ويفارق هذا الجمع كما يَرَى الناظر الآن من تَنَامِي ظاهرة الهجرة الشرعية وغير الشرعية من بلد كمصر ، وهي ما لم يَقْتَصِرْ على طالب السعة في العيش بعد تَضْيِيقِ أسبابه ، فَثَمَّ من لا يجد ضيقا في أسباب المعاش ولكنه لا يطيق التفريط في عمره وعقله الذي يُسْتَنْزَفُ إما في عمل بيروقراطي عقيم لا إبداع فيه ولا تجديد فتلك ، أيضا ، خاصة رئيسة من خصائص النظام الهرمي المركزي فهو نظام رتيب لا يشبع رغائب النفس بما فُطِرَتْ عليه من حُبِّ التعلم والابتكار ، فَلَهَا فضول وشغف بكل جديد وذلك بداهة ما لا يكون في نظام بيروقراطي رتيب لا سيما إن كان من النوع الهرمي المركزي فإنه يمنع ، كما تقدم ، حق احتكار المعلومة إلا بالقدر الذي يحقق مآربه ، فإن أدخل تحديثا أو تعديلا فَبِمَا يُوَاطِئُ رغائبه ، فمثله في ذلك كمثل المحتل من خارج واضرب له المثل في مصر بما تقدم من صَنِيعِ الاحتلال البريطاني فإنه لم يسع في تحديث مصر وإدخال أنظمة تقنية جديدة إلا ليحقق مصالحه في استغلال الأطراف ، فهو يحدثها بِمَا يزيد من إنتاجِها الخادم للمركز ، لا سيما الإنتاج الأولي من الخامات ، فَبِهِ تَتَحَرَّكُ آلة الإنتاج التي يحتكر المركز أسرارها ، فهو ، أيضا ، كنواة النظام الصلبة ، فَيَمْنَعُ حَقَّ تَدَاوُلِ المعلومة إلا بالقدر الذي يحقق مآربه ، فالعنصر النابه لا مكان له في نظام هرمي مركزي يقيس الكفاءة بالولاء ذي الطابع السلطوي المستبد ، فهو ولاء لشخص أو مجموعة شخوص تشكل نواة صلبة ، ومن حولها فهو في فَلَكِهَا يدور ، فلا يرضى عاقل ذو نفس شريفة أن يكون لبشر مثله تَبَعًا ، فليس بصاحب رسالة يُوحَى إليه ، وليس ، بداهة ، بإله يعلم ويرزق ، فليس إلا بشرا مثله لا يضر ولا ينفع فما يجعل له سيادة ؟! لا سيما وهو ليس بذي كفاءة ولا كفاية وإنما اعتلى هَرَمَ السلطة غفلةً بما يجيد من فنون النفاق والرياء وهي ، بداهة ، لا تَزِيدُ في الكفاءة والإنتاج ! ، وإنما تُرَسِّخُ السلطة على حساب الكفاءة ، فهي تَعْتَمِدُ المركزية المستبدة فلا تُمَارِسُهَا رَغْبَةً فِي الإشراف والرِّقَابَةِ بِمَا يحقق أهداف المنظومة من تقديم الخدمة العامة وزيادة الإنتاج ..... إلخ ، فضلا أن تكون بَوَاعِثُهَا رسالية تجاوز هذه الدار إلى ما بعدها من دار الحساب والجزاء ، فيكون عنوانها العنوان العمري المحكم : لو عَثُرَتْ دابة في العراق لَسُئِلَ عنها عمر لِمَ لَمْ يُسَوِّ لها الطريق ويمهد ؟! .
    فالسلطة الهرمية تَعْتَمِدُ المركزية المستبدة التي تستبعد من لا تَثِقُ فِي ولائه التام فتمارس التطهير لكافة مستويات السلطة لا سيما في المناصب السيادية ، وَتُقَرِّبُ من يُوَالِيهَا ولو مُنَافِقًا يَتَزَلَّفُ فهو من أصحاب الولاء المزيف ولكنه يجيد المكر فَيَتَصَنَّعُ الولاء وَيُبَالِغُ فِي الخضوع ، ويحسن يَلْبَسُ لكلِّ حالٍ لبوسها ، فهو ، أبدا ، مُتَشَبِّعٌ بما لم يعط ، فَثِيَابُهُ ثِيَابُ الزُّورِ ، وليس له من مؤهلات الرياسة إلا المداهنة والتصنع دون حرج في صدره فَلَيْسَ ابْتِدَاءً ذا رأي أو موقف في الحياة لِتَلُومَهُ نَفْسُهُ إِنْ فَرَّطَ في قيمة أو مبدإ ، فإذا آل الأمر لواحد أو نخبة مركزية ذلك وصفها فلا بد أن تسعى بداهة في تطهير المنظومة بذريعة اجتثاث الفوضى التي تآمر مَنْ أَثَارَهَا على الدولة والوطن والأمة بل والدين إن لزم الأمر ! ، وتلك هي الدعاية الرئيسة التي روج لها نظام الحكم في مصر بعد يوليو 2013 ، فهي مِثَالٌ قِيَاسِيٌّ على ما تَقَدَّمَ من وصف السلطة الهرمية المركزية التي جمعت الفساد والترهل في نفس الآن ، فبيروقراطيتها من النوع القديم الذي يثير السخرية تارة والاشمئزاز أخرى ، وهو ما يجده صاحب أي معاملة يسوقه القدر سوقا إلى مَكَاتِبِهَا ويضطره الظرف القاهر أن يُدَارِي عَنَاصِرَهَا فمنهم من يصدق فيه قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ" ، وإن لم يخل المشهد فِي أحيان من صاحبِ ذوق وتهذيب فذلك إنما يرجع في الغالب إلى أصل كريم ونشأة أسرية طيبة ، وإلا فالسلطة الهرمية المستبدة لا تَزْرَعُ هذه المشاعر في نُفُوسِ عناصرها ، بل تحرص على أضدادها لا سيما في مستويات السلطة السيادية التي تملك صلاحيات تنفيذية واسعة في تقييد الحركة والضبط والإحضار ، فتلك مستويات تُلَقَّنُ مشاعر الكره والكبر ، فالمجتمع خصم حقير فوضوي لا يستحق التقدير فلا تصلحه إلا العصا الغليظة ، فهو كالعبد الذي ذمه أبو الطيب في قوله :
    لَا تشـتَـرِ الـعَـبـد إلا والـعَـصَـا مـعــه ******* إِن الـعَـبِـيــدَ لأنـــجـــاسٌ مَـنـاكــيــد

    فلا تَحْكُمِ المجتمع إلا والعصا في يدك فالمجتمع لئيم يجحد المعروف ! ، وإن كان هو صاحب اليد على السلطة فَلَوْلَا ما تجبيه من مكوس وما تستقطعه من رسوم ما وجدت مالا لِتَشْتَرِيَ به ولاءات الجند والخدم وكهنة الفكرة والدعاية ، فليست إلا كائنا طفيليا يَغْتَذِي عَلَى دماءِ المجتمع اللئيم الذي يُنْكِرُ الجميل ، جميل الأمن والأمان ! ، فَلَوْلَا السلطة لسقطت الدولة وآلت الحال إلى الفوضى ، فقد نجحت السلطة في تَرْسِيخِ دعائمها إذ انتحلت زورا لقب الدولة فضلا أن تَزِيدَ في الدعوى فَتَزْعُمَ أنها قد خرجت من رحم الأمة وليست إلا ابنا غير شرعي لمركز احتلال واستبداد من خارج ، فهي تزعم أنها تمثل المجتمع فَتَحْفَظُ أمنه وتحقق مصالحه وتسعى في تطهيره من العناصر الفاسدة ، فكل من خالف عن أمرها فاتخذ القرار أن يكون ذا موقف في الحياة ، ولو في مشهد واحد ، فتلك علامة التمرد والعصيان فلا بد من الْبَتْرِ والاستئصال وَتَنْظِيفِ الجرح من الصديد والقيح ، لا جَرَمَ كَانَ من وُعُودِ السلطةِ الحالية فِي مصر بعد أن اسْتَوْلَت على مقاليد الأمر أن وعدت لجان التفتيش من خارج أنها سوف تطهر الجيش ، وهو مركز السلطة الهرمية فِي مصر ، أنها سوف تُطَهِّرُهُ من كل ذي أيديولوجيا تخالف عن قيم المركز الرأسمالية ، وذلك وعد يقدمه كل حكم وظيفي تابع أيا كان الخصم ، كما يضرب بعض الباحثين المثل بحركة الجيش في تركيا في 12 سبتمبر 1980 فقد تحرك لقمع النخبة اليسارية التي تخالف عن قيم الحلف الأطلسي الذي يَتْبَعُهُ ، فليس إلا أداة وظيفية تطوق المعسكر الشرقي فلا يسمح ، بداهة ، بِتَمَدُّدِ أي حركة أو تَنْظِيمٍ يحمل قيم اليسار ، فليست السلطة في هذه المواجهة إلا أداة وظيفية وسيطة بين المركز من خارج وخصومه في الداخل لا سيما خصوم الأيديولوجيا ، وهو مشهد تكرر في مصر في يوليو 2013 ، فقد تحرك الجيش لقمع النخبة الإسلامية التي تخالف ، أيضا ، عن قيم الغرب الليبرالية ، فليس إلا أداة وظيفية تُطَوِّقُ الصحوة الإسلامية في الشرق على ما اعْتَرَاهَا من نَقْصٍ ، وذلك أمر بَدَهِيٌّ وإن لم يكن مُسَوِّغًا يُبَرِّرُ الإخفاقات المتكررة التي تدل على قلة الفقه والاعتبار بما جرى ويجري من وَقَائِعَ لم يطل بِهَا العهد وَيَبْعُدْ ، فلم تَسْلَمِ الصحوة الإسلامية من النَّقْصِ إذ لا صغير يكبر فجأة فَيَتَعَلَّمُ المشي دَفْعَةً بل لا بد له من عَثَرَاتٍ ، لا سيما وقد خرج من مخاض مؤلم بعد أن استعمل المركز أدواته الوظيفية الصلبة في ضرب الهوية الشرقية الأصيلة وَأَحَلَّ عوضا منها هوية مصطنعة لا تحكي قيم المجتمع فلا بد من فرضها بالقوة المسلحة ، فهي في هذا المشهد ، أيضا ، أداة وظيفية وسيطة بين المركز في الخارج وخصومه في الداخل ، وهي من احتكر معيار الصحة والفساد ، فمن صالحها فهو الصالح ومن ناجزها فهو الفاسد فَهِيَ مركز الأمر والنهي ومعيار الحسن والقبح ، فما سواها من القيم والأفكار فليس إلا المتشابه الذي يُرَدُّ إلى محكمها ، فَانْتَقَلَ مركز التشريع إِلَيْهَا من الوحي ، وَانْتَقَلَ مركز الاختيار والتأثير إِلَيْهَا من المجتمع ، فاحتكرت السلطات جميعا ، فلا يجد أي حُرٍّ يحمل قيم الهوية الأصيلة بل ويملك حد أدنى من احترام الذات ولو انطلاقا من نظرية أرضية محدثة لا يملك إلا الانزواء في ركن بعيد أو الهجرة إلى وطن بديل ، فالأمر يجاوز حد الهجرة طلبا للرزق ، وإن كان ذلك مما يحمد فهو من مقاصد الوحي المحكم ، فـ : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فَثَمَّ هجرة طلبا للرزق ، وثم أخرى فِرَارًا بالدين أو الحياة أو العقل الذي يستنكف المثال الهرمي آنف الذكر ، فهو يُمَارِسُ من الاستبداد والتسلط ما يَضِيقُ به الفضاء الواسع ، فَثَمَّ ما اصطلح أنه التأطير الذي يفصل أنشطة الحياة ويضعها في أطر محكمة تخضع للسلطة التي تَبُثُّ قِيَمَهَا عَبْرَ هذه الأطر الفكرية والسياسية والإدارية والأمنية ، فهي ، كما الحال في مصر الآن ، تصنع مثال الحكم الشمولي الذي يتدخل في أدق تفاصيل الحياة فيجاوز حد الشرع والعقل والعرف في احترام الخصوصية الذاتية ، فمن عجب أن يتحدث رأس النظام علنا ! أنه يجهز قاعدة بيانات تحت الأرض على عمق كذا وكذا من الأمتار ، 14 مترا إن لم تخن الذاكرة ، وهو مغرم باستعراض قدراته الفذة على حفر القنوات والخنادق ! ، فيجهز قاعدة بيانات تُدِيرُهَا نخبة جديدة ، نحو خمسين ألفا من الموظفين المختارين بعناية المصنوعين على عين السلطة فَهُمْ نواة صلبة لنسخة جديدة من نسخ الحكم المركزي في مصر وإن كانت أشد مركزية وشمولية فهي أشد وسوسة إذ لا تملك حدا أدنى من الشرعية السياسة إلا شرعية الأمر الواقع الذي يفتقر إلى احتياطات أمنية كبيرة يَطُولُ زَمَانُهَا على وجه يستنزف قوة الأفراد والهيئات ، وهو ما يجعل الانتقال إلى الملاذ الآمن حتما لازما ، فمنه يُدَارُ المجتمع من قمة الهرم المدفون تحت الأرض ! ، فَثَمَّ مثال شديد المركزية يأرز إلى عقل أمني غير مبدع ، فهو لا يجيد إلا أعمال التجسس والتحسس وحيازة الْمُسْتَمْسَكَاتِ اللاأخلاقية ! ، فتلك أدواته في التحكم والسيطرة ، وهي أدوات قذرة تلجأ إليها السلطة الفاشلة إذا أَخْفَقَتْ في إدارة الدولة وتقديم الخدمة العامة وتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم ، وهو حد لا يقتصر ، كما تقدم ، على عيش الأبدان فذلك ما يشترك فيه الإنسان والحيوان ، وإنما يجاوزه إلى الأديان ومنظومات القيم والأخلاق ، فلا أفسد عليها من المثال الهرمي المركزي فهو يُفْسِدُ الطبائع السوية بِمَا يمارس من التَّلْقِينِ الإجباري والفصل التَّعَسُّفِيِّ بَيْنَ أجزاء الحياة بذريعة التنظيم والإرادة ، فهو الحق الذي يُرَادُ به الباطل ، فَلَيْسَ الْغَرَضُ من هذا التأطير والترتيب خدمة المجتمع وإنما الْغَرَضُ ، كما يقول بَعْضُ الباحثين ، هو إحكام السيطرة عَلَيْهِ ، السيطرة على مَوَادِّهِ الجسمية والعقلية فَتِلْكَ السيطرة على الفرد ، والسيطرة على المجتمع بصناعة الملل والأفكار ، فالسيطرة المركزية قد اتخذت أسماء ذاتَ بُعْدٍ أخلاقي ، كأسماء التربية والترتيب ، كما يذكر بعض الباحثين في ظاهرة التأطير الاجتماعي في مصر ، فالقاسم المشترك الأعظم بَيْنَ مؤسسات الدولة الحديثة ، هو الهيمنة على الفرد والمجتمع مِنْ خلال أمثلة سلطوية ، فالمؤسسة التعليمية والمؤسسة السياسية والمؤسسة الإعلامية ...... إلخ ، مؤسسة هَرَمِيَّةٌ تحكي الفلسفة الشمولية ، فَثَمَّ سلطة أرضية فقيرة طامحة في الاستيلاء على الحكم طامعة في الاستمتاع بمباهجه ، فلا تَعْدِلُ ، بداهة ، في الحكومة أو الخصومة ، فَإِنَّ الفقير إلى شيء لا تؤمن حكومته إذ تَمِيلُ بِهِ الأهواء العقلية وَتَتَقَاذَفُهُ الحظوظ النفسانية ، فكيف يصح في الأذهان أن السلطة الأرضية التي تفتقر إلى الأسباب هي مَنْ يَعْدِلُ في الحكومات ، وَلَهَا في كل حالٍ مأرب ؟! ، وذلك معيار حاكم في أي سلطة ، فلا بد من توصيف المشرِّعِ الذي يضع القانون ، فَيُشْتَرَطُ فيه العلم والعدل والحياد الذي يخرجه أن يكون طَرَفًا في الخصومة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما تَفْتَقِدُهُ السلطة الأرضية ، لا سيما الهرمية المركزية ، فاجتهادها أن تُفَتِّشَ فِي السَّرَائِرِ وَتَتَجَسَّسَ على الأفراد والهيئات فَقَوَاعِدُ بَيَانَاتِهَا قواعد تَحَكُّمٍ وسيطرة ، فلا يَعْنِيهَا ، ولو في أعرق الديمقراطيات الأرضية ، أن تخدم المواطن بقدر ما يَعْنِيهَا السيطرة والتحكم انطلاقا من نظرية السلطة الانضباطية التي تَبُثُّ في رُوعِ المواطن أنها إله يعلم ما يطوي صدره من الأفكار والرغائب ، فَغَايَتُهَا ، كما يقول بعض الباحثين ، أن يَتَحَوَّلَ المجتمع كله إلى سجن ذي شكل هندسي ، وهو ما ينعكس على أخلاق الفرد فإن للسجن منظومة أخلاق تخالف بداهة عن منظومة الحياة خارجه ، فداخل السجن لا طموح يُجَاوِزُ اليوم ، فَضِيقُ السجن يُؤَثِّرُ فِي طاقة العقل أن يَبْتَكِرَ ويجاوز الحاضر إلى المستقبل لا تَخَرُّصًا وَإِنَّمَا أَخْذًا بِالْأَسْبَابِ وَجَرْيًا على الخطوات التي تَتَرَاكَبُ تَرَاكُبَ القياس الصريح مقدماتٍ وَنَتَائِجَ ، فذلك من عمل العقل الحر الذي لا يمكن أن يَنْشَأَ فِي مهاد الاستبداد ، فالاستبداد والظلم يصيب النفس بالإحباط والإحجام فلا تملك تصورا ولا إرادة ، فَتَجْبُنُ أَنْ تُفَكِّرَ فَقَدْ تخرج عن النص المحكم ، نص السلطة الذي يُوَاطِئُ حَظَّهَا في رياسة مطلقة لا تكون إلا أن يَنْزَوِي الفرد وَيَخْجَلَ ، فالخجل وَالتَّرَدُّدُ وصعوبة النطق فهو يحكي صعوبة أخرى في صناعة الفكرة ، فمنطق الظاهر ليس إلا تأويلا لما يحصل في المنطق الباطن ، وفسادُ الرأي وهو مجموع مركب من فساد المدخَلَات إذ لا معلومة صحيحة يَنَالُهَا العقل من ناصح ، فالسلطة غاشة للرعية يصدق في صاحبها قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" ، فثم رأي فاسد إذ المدخَلات فاسدة فهي كاذبة إما في مادة الخبر وإما في التحليل والاستنباط فَثَمَّ مَنْ يَتَحَكَّمُ في صناعة الرأي فهو يمارس الوصاية على العقول فَيُقَزِّمُهَا فَلَيْسَتْ تَعْلَمُ إلا ما تُعَلَّمُ من سلطة مركزية تحتكر المعلومة وتحجبها عن الجمهور ، وهو مَنْ يدفع ثَمَنَ الإهمال والترهل في بيروقراطية اخْتُزِلَتْ في السلطة فَحِفْظُ مصالحها ولو على حساب الجمهور هو الغاية ! ، مع أن هذه البيروقراطية تَرْفَعُ شعار الخدمة العامة للجمهور ، فذلك العنوان الرسمي ، وأما الإجراء الفعلي فهو تقزيم المجتمع وإضعافه ، فالمدخَلات الفاسدة من المعلومات ، وآلة العقل الذي شَوَّهَهُ الاستبداد فهو من يعالج هذه المدخلات ، فَثَمَّ فساد في المدخلات ، وفساد في الآلة المعالِجة ، فلا تكون المخرَجات بداهة إلا فاسدة ، وذلك فعل الاستبداد الذي أضعف النفوس وأفسد الأخلاق ، فالمواطن المصري كما يصفه اللورد كرومر : خجول مُتَوَحِّدٌ ولا يكون ذلك إلا من الاستبداد والتحكم الذي يستهدف الفرد بجرعة عالية التَّرْكِيزِ من الإهانة النفسية والبدنية ، وهو ما يحمله على الانزواء جانبا فلا يطيق أي مواجهة إذ يفتقد الثقة في النفس بما مُورِسَ ضده من العنف ، وضعف الثقة يُفْضِي إلى انعدام المبادرة وذلك وصف آخر من أوصاف المصريين كما يقرر اللورد كرومر ، فثم أخلاق اللامبالاة والسكون وذلك وصف القمع والقهر فلا يكترث صاحبه إذ قُتِلَتْ فيه معادنُ النجدة ، وهو ما يُفْضِي إلى انعدام الإحساس بالأمان بالنسبة إلى المستقبل ، ولا عيشة لخائف ولا طموح لمن يخشى مستبدا قد يسلبه ما شَيَّدَ من عمران أو اكتسب من تجارة أو صناعة ، فما يحمله أن يغامر وليس ثم ضامن من قانون أو حارس ؟! ، فالمستبد قد استجمع السلطات جميعا فَصَارَ هواه هو الحكم فلا يأمن أولياؤه فضلا عن خصومه ! ، فلا يَتَقَوَّى به ضعيف ليأخذ حقه من قوي ، كما أبان الصديق ، رضي الله عنه ، في خطبته ، فـ : "أضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه" ، بل قد صارت السلطة عَضُدَ القويِّ فهو يُؤَثِّرُ في قَرَارِهَا بجاهه وماله ، فلا يستقر الملك في بيئة الاستبداد وهو ، كما يقول اللورد كرومر ، ما يَقْتُلُ روح الاجتهاد والحاجة إلى التملك فما يُلْجِئُكَ أن تكد لِتَتَمَلَّكَ ما لا تملك ؟! ، فالسلطة المستبدة قد تملكت البلاد والعباد ، ما عَلَا الأرض وما سفل ! ، وذلك ما زَادَهُ إدوارد لين بَيَانًا فأرجع إفراط المصريين في تعاطي التبغ والقهوة والحشيش ، والقاهرة تحتل مركزا متقدما بين مدن العالم ، الخامسة عالميا فِي تعاطي هذا المخدر بعينه ، فذلك إفراز بدهي لحال القمع الذي يسد الأفق وَيَقْضِي عَلَى الطموحِ في غَدٍ أفضل ، فالاستبداد لا يقتصر على ما أفسد في الماضي وما يفسد في الحاضر فهو يصادر المستقبل فَيَقْتُلُ الحلم في مَهْدِهِ ، فيلجأ المجتمع إلى الهروب من هذا الواقع بما يَتَعَاطَى من المكيِّف والمخدر وما يُهْدِرُ من الوقت على المقاهي وأمام الشاشات وفي الشوارع تَنَزُّهًا بلا غاية فليس من جَمِّ النفوس لتستأنف نشاطا يَنْفَعُ في دين أو دنيا بل قد صار التَّنَزُّهُ والاستجمام هو النشاط كله ! إذ اعتاد صاحبه الكسل فليس ثم ما يحرك بواعث الإرادة والفعل ، فالعامل ، كما يقول إدوارد لين ، يَقْضِي عادة يومين في عمل يمكنه إنهاؤه بسهولة في يوم واحد مع عناد وتحكم ، فلا يستجيب صاحبه لنصح ، فالاستبداد يُوَلِّدُ في النفوس العناد ، ولو أَضَرَّ ، فهو رَدُّ فِعْلِ العاجز إذ لا يطيق دفع الصائل ، واضرب له المثل بعناد الطفل الصغير ، فهو يستجيب قهرا تحت وطأة العنف والتوبيخ ولكنه يُبْطِنُ العناد فَبِهِ يَدْفَعُ الصائل الذي يَرُومُ قَهْرَهُ وإلغاء وجوده فمصادرة الإرادة إلغاء لوجود الإنسان إذ خاصته الرئيسة ، ولو طفلا ، أنه ذو موقف واختيار لا يمكن حمله على ضده بالقهر والإكراه ، بل قد أبطل الوحي إيمان المكره ، فـ : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) ، فلا رأي لمكره إن في أصل الدين الجامع أو في فَرْعٍ من فروعه ، ولو دق ، بل لا نجاة في إيمان يُكْرَهُ صاحبه فإيمانه ابتداء باطل ! ، فكان من شؤم الاستبداد أن وَلَّدَ في النفوس العنادَ ولو في حق ، فلا أثقل على النفس أن تُهَانَ وَتُكْرَهَ ، ولو أظهرت الخضوع فَهُوَ عارض مُؤَقَّتٌ حتى تحين فرصة بها تَثْأَرُ ممن ظلمها وقد تُجَاوِزُ في الغالب حَدَّ العدل فيكون رَدُّ فالفعل ظلما بآخر فلا تَعْدِلُ في ثَأْرِهَا بل تَزِيدُ لا سيما وليس ثم معيار محكم به تُقَاسُ الأفعال وردود الأفعال فالبيئة ، في الجملة ، قد فسدت ، وحظوظ النفس إن في الظلم أو في الثأر من الظالم ، حظوظ النفس قد عَظُمَتْ ، فإذا كانت النفوس تُمَارِسُ العناد ، ولو عناد الأطفال ، لِتُبْدِيَ الاعتراض والمقاومة ، فلا تستجيب لنصح ، ولا تَتْبَعُ رَأْيًا يُخَالِفُ عَنْ رَأْيِهَا ، ولو صحيحا ، مع تأخير العمل عن موعده فلا رغبة في ابتكار أو إنتاج ، فلا يكون ذلك في فكرة أو حركة إلا إذا كان من الحرية ما يفتح الآفاق بلا انفلات ويحفظ الحقوق فلا انْتِهَاكَ ، فانصرف المصريون إلى المكيِّفَاتِ والمخدرات كما يرصد إدوارد لين في القرن التاسع عشر ، فكيف لو عَاشَ في هذا العصر ونظر في حال المصريين بعد انْتِقَالِهم من الاستبداد الملكي إلى نظيره الجمهوري ذي الطابع العسكري الذي تذرع أنه جاء ليحرر المصري من رق الملكية فأدخله في رق الجمهورية العسكرية المركزية ! ، فأبان نظام يوليو 52 عن أمراض المركزية آنفة الذكر في النفس المصرية المقهورة ، فلا زالت خاملة لا تريد الحركة فهي تهدر ساعات طويلة يمكن استخدامها في شيء مفيد مُرْبِحٍ إن في الدين أو في الدنيا ، إن في الفكرة أو في الحركة ، فَذَاعَ الكسل وهو سبب في تدهور الشعوب ، وقوة الشعوب ودرجتها ، كما يقول بعض المفكرين ، هي مجموع من أخلاق الأفراد ، فإذا فَسَدَتِ الأخلاقُ الفرديةُ ، وَهُوَ مَا يكون في الأنظمة الاستبدادية ، فالمجتمع يَفْسَدُ تَبَعًا ، فهو مجموع الأفراد ، كما تقدم ، فمن عجب أن فطن الإنجليز وهم المحتل الوافد ، أن فطنوا لهذه الأمراض النفسانية التي أصابت المصريين من جراء الاستبداد ، فاعتبر البريطانيون ، كما يقول صاحب "استعمار مصر" ، اعتبر البريطانيون أن مهمتهم هي تخليص مصر من شرط الإفراط في الحكم ، وهو ما يكون في الحكم الهرمي المركزي ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر لا يقتصر على الشعب المصري بل هو قانون عام في جميع الشعوب ، ولكنهم ، أي البريطانيون ، لم يَنْصَحُوا النصح الكامل فهم كأي محتل وافد لا يعنيه إلا زيادة الطاقة الإنتاجية للأطراف بما يعود على المركز بالرخاء والرفاه ، فَغَايَتُهُم ، كما يقول صاحب "استعمار مصر" أن تُطْلَقَ الطاقة الإنتاجية للفلاح المصري إلى آخر مداها ! ، فكان من الاستبداد ما قمع الحرية وهو ما تذرعت له السلطة بالأمن ، والحرية ، كَمَا تَقُولُ بَعْضُ الباحثاتِ ، هي القيمة العظمى في أخلاق الرجال ، في مقابل الأمن فهو القيمة العظمى في أخلاق النساء ، وهو ما يرجح ما قال بعض المصنفين في سيكولوجية الشعوب أن الجمهور أُنْثَوِيُّ المشاعرِ فهو يروم من يغازله ويجامله فَيَصِفُهُ بما ليس فيه من أوصاف الجمال والفتنة ! ، وإن كان الممدوح يعلم أن المادح كاذب ، فهو يغتذي بهذه المشاعر ، ولو مصطنعة ، وهو يروم من يحميه فلا بد من بطل ذي خلفية عريضة ! ، فهو الذي يحوط الأنثى بذراعه ويحملها على حماره ! ، فكذلك الشعوب التي حملت في جيناتها جين العبادة للبطولة ، كما يقول بعض المفكرين الإنجليز ، وهو يحكي أَبْرَزَ ما ورثت الحضارة الغربية المعاصرة من الحضارة اليونانية والرومانية فقد ورثت مركزية هذا البطل الذي يحمي الأمة في مقابل أن تسلم له القياد فلا تُنَاقِشَ ولا تُجَادِلَ ، فهو يعلم المصلحة أكثر منها ، وليست الْأُمَّةُ إلا امرأة ضعيفة يحوطها البطل بِذِرَاعَيْهِ فليس لها أن تعترض أو تَمْتَنِعَ ! ، فكذلك يريد المستبد من الجمهور ، أن يتحول إلى امرأة تحركها بواعث الخوف من المجهول والرغبة في الأمن والاستقرار ولو أَفْسَدَ البطل المعاشَ والمعادَ مَعًا ! ، فأعظم قيمة في حياتها هي قيمة الأمن ، ولو وهما ، لا جرم كان المستبد أبدا يمارس التخويف والترهيب بضرب المثال على الهدم والتخريب فهو مَنْ حَالَ دونه وهو من أنقذ المجتمع من ويلاته ، فوجوده وإن ظالما معطِّلا للوحي والعدل خير من عدمه ، مع أن وجود العادل المعظم للوحي والعدل خير منه ! ، فلا يكون ضرب المثل إلا بالأدنى تخويفا يحمل المرأة أن تَرْضَى بأدنى معيشة في كنف زوج ظالم جريا على نظرية : ظل رجل ولا ظل حائط ، كما يقال في المثل الدارج في مصر ، فكذا الشعوب إذ تَأَنَّثَتْ ولم يظهر من فحولتها ما يَكُفُّ يَدَ المستبد ، وليس ذلك ، لو تدبر الناظر ، مما اختص به شعب دون آخر ، وإن كان للشعب المصري منه أوفر حظ بما مُورِسَ ضده من استبداد وَتَغْيِيبٍ عن صنع القرار عبر العصور ، إن في ممالك الكفر أو ممالك الإيمان ، إن في ممالك العدل أو ممالك الطغيان ، فالشعب المصري ، في الجملة ، لم يكن ذا رأي أو مشورة فهو أبدا يَتْبَعُ من غلب عادلا كعمرو بن العاص وصلاح الدين الأيوبي أو ظالما كالمعز الفاطمي ومحمد علي فضلا عن الأمثلة المحلية بعد يوليو 52 فهي أمثلة استبداد محلي وإن كانت ذا ولاء للمركز على تَفَاوُتٍ بَيْنَهَا في هامش المناورة السياسية ، ولو تدبر الناظر ، لوجد أَنَّ مَنْ يحمل جينات الفحولة التي تُنَاجِزُ السلطة هي الطبقة الوسطى ، فهي ، أبدا ، خصم الاستبداد ، إذ تُعَانِي ، كما يقول بعض الباحثين ، تُعَانِي من القلق فهي أَبَدًا تُفَكِّرُ وَتَرْغَبُ في غَدٍ أفضل ، ولا أشد على الاستبداد من عقل يُفَكِّرُ ويقترح ما يُهَدِّدُ وجود السلطة فَتَغْيِيبُ العقول ، وحجب المعلومات ، عامل رَئِيسٌ في استقرار الحكومات ! ، فضلا عن القمع الخشن ، فلا تخشى السلطة المركزية المستبدة إلا مَنْ يُفَكِّرُ وَيَقْتَرِحُ فهو يَعْتَرِضُ على ما يَرَى مِنْ فساد السلطة ، وهو يملك من هامش القوة والثروة ما يجعله خطرا ولو على المدى البعيد ، فَثَمَّ فائضُ وقتٍ لا بد أن تَشْغَلَهُ السلطة بالبحث عن الرزق ، فَتُضَيِّقُ عليه وَتُعَسِّرُ لِتُلْحِقَهُ بالطبقة الأدنى فلا تملك إرادة التغيير ولا تملك أدواته ولا تملك أي فائض من فكر أو جهد أو ثروة أو وقت ، فهي أبدا تكابد لِتَبْقَى على قَيْدِ الحياةِ ، وفوقهما جميعا طبقة مترفة وإن امتلكت أدوات التغيير إلا أنها بداهة لا تمتلك إرادته فقد أفسدها التَّرَفُ ، بل لا ترغب في ذلك ابتداء فهي ضد أي تغيير قد يضر بمصالحها شديدة المركزية ولو أضرت بالمصلحة الجماعية فالسلطة الهرمية ذات الطابع المركزي سلطةٌ شديدة الْأَثَرَةِ والأنانية ، تمارس التضييق على الجمهور ، ولو في تصميم العمران والفضاء الخارجي فله تأثير غير مباشر في الوجدان النفساني ، فَتَصْمِيمُ المدينة والقرية تصميم يجاوز البنية الظاهرة إلى أخرى باطنة انطلاقا من نظرية التربية الرسمية ، أو التربية العمومية التي احتكرتها السلطة وَانْتَزَعَتْهَا من مؤسسات المجتمع التي تَصْنَعُ هَوِيَّتَهُ الذاتية بلا تدخل من خارج ، فالسلطة قد فطنت لذلك فَلَنْ تستطيع السيطرة على المجتمع طالما استقل بالفكرة والحركة فكان له من الموارد الذاتية ، المعنوية والمادية ، ما يجعله خصما يُنَاجِزُ السلطة الهرمية المركزية ، فهي سلطة تحتكر من النفس موضع الإله مع افتقارها إلى خصائص الألوهية الصحيحة ، فلا هي أعلم ، ولا هي أنصح ، ولا هي أفصح ، فلا تعلم ما يَنْفَعُ المجتمع ويضرُّه وإن مارست عليه من أبوة الْفِكْرِ والسياسة ما يَنْفِرُ منه أي عاقل حر يأبى الانقياد لبشر يضاهيه في الماهية والوصف ، ولا تَنْصَحُ وإن تظاهرت بذلك فغايتها ولو في أعرق الأنظمة الديمقراطية أو الليبرالية ، غايتها أن تسيطر على المجتمع بتأميم أفكاره وأمواله سواء أكان ذلك بطرائق خشنة كما الحال في الأمثلة الهرمية الصلبة ، أم بأخرى ناعمة لا يفطن لها المجتمع لا سيما وقد قُطِعَتْ صِلَتُهُ بالوحي فما أسهل التحكم في تَوَجُّهَاتِهِ فَهُوَ يختار ما اختارت له السلطة الناعمة بأدوات دعايتها وإعلامها .

    فَلَا بُدَّ في جميع الصور ، الناعمة أو الخشنة ، لا بد من مركزية تحتكر الفكرة والقرار ، وباعثها ، كما تقدم ، الحاجة والافتقار ، خلافا لمركزية الرسالة التي جاءت تهدم المؤسسات المركزية ، الكهنوتية والسياسية ، فَثَمَّ تَنْظِيمُ الكهنةِ الذي امتاز من المجتمع فَلَهُ ألقاب ودرجات وله أزياء ومراسم ، فَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يدخله ، وَثَمَّ تنظيم السياسة الذي ينطلق من مبدإ الحق الإلهي المتوارث الذي يمنحه الكهنوت فِي مُقَابِلِ ما يحظى به من الامتيازات الأدبية والمادية ، وثم تَنْظِيمُ الاقتصادِ الإقطاعي ، فالحكم المركزي الهرمي الصلب قد احتكر جميع السلطات : التشريعية والقضائية والتنفيذية وإن زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ على مثال حداثي يَفْصِلُ بَيْنَ السلطات ، وتلك ، أيضا ، من الدعاية التي أطلقت فَفِيهَا من الحق ما أُرِيدَ به الباطل ، فلا يَعْرِفُ الوحي ذلك الفصل الحاد بَيْنَ السلطات كما الحال في الأنظمة الأرضية العلمانية ، فالوحي قد جاء فاستغرق الجميع فهو مصدر التشريع وهو من يُنَظِّمُ إجراءات التقاضي والإنفاذ للأحكام على قاعدة العدل والمساواة ، فمركزيته تخالف بَدَاهَةً عن مركزية المرجع الأرضي الذي يحتكر السلطة وإن تَظَاهَرَ أنه يُنَظِّمُهَا وَيُجَزِّئُهَا بَيْنَ تشريع وقضاء وإنفاذ ، فذلك إن صَحَّ فَفِي الإجراء لا في أصل النظرية الفلسفية التي تُبَرِّرُ طغيان العقل الأرضي في مناجزة الوحي السماوي ومنازعتِه أَخَصَّ أوصافه أنه من يُنْزِلُ الشرع فهو المصدر والمرجع المجاوز من خارج فَبَرِئَ مما لم تبرأ منه المراجع الأرضية فلا تجاوز قصور العقل وحظ النفس وإن اجتهدت ما اجتهدت أن تصيب الحياد والتجرد فلا تسلم من بواعث ذاتية ولو خفية .

    فاسم المركزية الأرضية يَظْهَرُ في عَنَاوِينِ السلطة المستبدة واضرب له المثال بمصر ، أيضا ! ، فَثَمَّ الأمن المركزي والجهاز المركزي للمحاسبات ، والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ...... إلخ ، وكلها أدوات تحكم وسيطرة تجتهد في جمع أكبر قدر من المعلومات عن الخصم ! ، فالمجتمع ، كما تَقَدَّمَ مرارا ، هو الخصم الألد ، فتلك مركزية جاء الوحي يهدمها ، وفي مقابلها السلطة الأفقية ، وهي مثال الإدارة الناجح ، كما يقول بعض الباحثين ، فإن الاتصال المباشر بين القيادة والأفراد يسهم في زيادة الكفاءة بِتَجَاوُزِ الإجراءاتِ البيروقراطية المعقدة التي يَضَعُهَا المثال السلطوي الهرمي عَرَاقِيلَ فِي طريقِ الأفراد فلا يَتَّصِلُونَ بالقيادة إلا بعد جهد ، سواء أكان ذلك بذواتهم فلا يحظون بِلِقَاءِ القائد المقدس ! في النظام الهرمي إلا بعد إجراءات معقدة أَمْنِيَّةٍ وإدارية ، فالسلطة الهرمية تُضْفِي على ذَاتِهَا قَدَاسَةَ الإله الغائب عن الأنظار وإن حَضَرَ بِعِلْمِهِ المحيط ! ، فهي تَبُثُّ في روع المجتمع أنها ترقبه من خارج ، من عاصمة أو خندق خفي في مكان ما لا تفصح عنه ، فهو سر ألوهيتها الأعظم ! ، فَتَتَقَمَّصُ دور المرجعية المجاوزة من خارج ، فهي مرجعية الإله ، مع أنها تزعم أنها علمانية لادينية أو ضد دينية ، فالقياس أن تأبى الانقياد لأي مرجع يجاوزها من خارج ، فَبَثَّتْ في المجتمع روح التمرد على الإله الحق ، جل وعلا ، فَأَبَتِ الانقياد لرسالتِهِ السماوية ، المرجعِ المجاوز من خارج العقل ، عَقْلِ الفرد أو العقل الجمعي الذي نجحت السلطة فِي تَشْكِيلِهِ بِمَا تملك من أدوات الثقافة والدعاية والتعليم ، فَلَيْسَ التَّعْلِيمُ في هذا المثال الهرمي أَدَاةً لصناعة الوعي الذي يحرر العقل من الأوهام والخرافات ، بل هو أداة لِتَغْيِيبِ الوعي بذريعة تحريره من خرافة الميتافيزيقا الغيبية ، فهو أداة لعزله عن الرسالة السماوية ، وإحلال المرجع الأرضي محلها ، فهو الإله الجديد الذي صنعته السلطة من خارج المجتمع ، فَهُوَ مثال هَرَمِيٌّ شديد التَّمَايُزِ وَالانْعِزَالِ عن الأفراد ، وكلما امتاز منهم فكان كَيَانًا خارجا عنهم بَعُدَتِ الشُّقَّةُ فلا يدخلون عليه إن كان ذلك ممكنا ! ، إلا بعد إجراءات معقدة ، فالدخول في حضرته الإلهية يمر عبر إجراءات بيروقراطية شديدة التعقيد ، فَلَا جرم أن سُلْطَةً على هذا المثال الهرمي تحرص أيما حرص أن تمتاز من المجتمع امتيازَ الربِّ من العبد ! ، فلا تخالطه بذاتها المقدسة ، فهي في منزل أعلى ترقب وترصد ، وتعطي وتمنع ، وتشرع وتحكم فتمارس من وظائف الربوبية والألوهية ما به تَصِيرُ مرجعا من أعلى يجاوز مع أن النظرية العلمانية ، كما تقدم ، نظرية تأبى الانقياد لأي مرجع يجاوز من خارج ، فلم تخرج عن فطرة التأله التي رُكِزَتْ فِي كُلِّ فَرْدٍ وجماعةٍ ، فإنها إن لم تَنْقَدْ لمرجع حق يجاوزها من خارج فلا بد أن تَنْقَادَ لغيره لِتُشْبِعَ غَرِيزَتَهَا في التأله والتنسك ، فمن خرج عن عبودية الإله الحق وأبى الانقياد لمرجعه الرسالي من خارج دَخَلَ ضرورة في عبودية غيره وانقاد جبرا لمرجعه الأرضي فاستبدله بالمرجع الرسالي ، فلا بد من إله من خارجه يعبده فهو الذي يشرع ويحكم ، فإن لم يكن الإله الحق فَثَمَّ آلهة باطلة تَتْرَى ومنها الدولة الإله وذلك اصطلاح غربي لم تَنْقُصِ الصراحة واضعه إذ أبان عن حقيقة السلطة العلمانية في الدولة المدنية الحديثة .

    فَفِي المثال الأفقي تَزُولُ الحواجز بين القيادة والأفراد في منظومات الإدارة البشرية ، فكفاءتها تزيد إذ يكون الاتصال المباشر الذي يَخْتَزِلُ الإجراءات البيروقراطية المعقدة ، فلا يجهد الفرد أن يَتَّصِلَ بالقيادة ، ولا يدخل المحرَّر الرسمي نَفَقَ البيروقراطية المظلم فلا يصير نافذا إلا بعد مائة توقيع وختم فَيَنْتَقِلُ من موظف إلى آخر ، ومن إدارة إلى أخرى ، مع ما يكون من العراقيل التي تَتَقَصَّدُهَا السلطة تَارَةً ، وأخرى يَكُونُ ذلك من ضعف الأداء وَقِلَّةِ الكفاءة إذ المنظومة ابتداء لم تَقُمْ إلا على الولاء المطلق دون اعتبار لكفاءة أو كفاية ، فَثَمَّ قَامُوسٌ تَزْدَهِرُ مواده في أروقة هذه البيروقراطية الفاشلة ، فمنها مواد الاعتذار من قَبِيلِ "معلش ، حقك علي ، هدي أعصابك ، خمس دقايق والموضوع يخلص ، حاضر المدير جاي في السكة حالا ......." ، فهي اصطلاحات تَدُورُ على تَطْيِيبِ الخواطر وترحيل المشاكل دون حل ناجز ، وثم مواد التسويف من قبيل : "الموظف المختص مجاش ، فوت علينا بكرة ، السيستم واقع ، الجهاز عطلان" ، فذلك قاموس عامي مصري يحفظه كل موظف وَمُرَاجِعٍ ، وهو ما يكرس هرمية السلطة ، فالمحرَّر أو المستند لا يصدر إلا بعد سلسلة طويلة من الإجراءات التي لا يمكن اختزالها إلا بالمحسوبية أو الرشوة ، وتلك من أبرز خصائص السلطة الهرمية الفاشلة كما الحال القياسية في مصر الجمهورية العسكرية المركزية .

    واضرب له المثل بِعَارِضٍ مُؤَقَّتٍ قد خالف فيه الجيش في مصر عن مثال الهرم ذي القمة المعزولة عن القاعدة ، فبعد هزيمة 67 اقتضى المخطط السياسي التجهيزَ لضربة عسكرية محدودة تَدْفَعُ بمفاوضات السلام والتطبيع قُدُمًا إلى الأمام ، وهو ، بداهة ، أمر يدبر في غرف السياسة المغلقة فلا تدركه القواعد الجماهيرية ، المدنية أو العسكرية ، بل ولا يدركه كثير من القيادات الوسطى والعليا ، فهي قيادات تَنْفِيذِيَّةٌ تخضع للقرار السياسي ، وهو ما كان في مرحلة التجهيز للحرب ، فلم يكن المثال الهرمي يصلح بداهة في مرحلة إعادة البناء للجيش وبث روح التضحية والفداء في جنده ، فكان من حسن التدبير أن تَوَلَّى رئاسة الأركان قائد مشهور يتحرك من باعث ذاتي محترف ، فَلَمْ يدرك أبعاد اللعبة السياسية إلا بعد حين فلما اعترض كان نصيبه الإبعاد والتشهير ثم المحاكمة والسجن ، ومحل الشاهد أنه نجح في التحول من المثال الهرمي إلى نظيره الأفقي ، فَقَدْ كَانَ حريصا على الاجتماع بالجند والرتب الدنيا والاستماع إلى شكاواهم واقتراحاتهم دون عوائق بيروقراطية ، ولما اتسع نطاق العمل حرص على ترسيخ هذه الثقافة الأفقية داخل وحدات الجيش فلا يغيب قُوَّادُهَا عن الجند فذلك ما يسهم في رفع المعنويات وزيادة الكفاءة ، وهو ، لو تدبر الناظر ، من آحاد نوادر في تاريخ العسكرية المصرية الحديثة فلا يُقَاسُ عليه بالنظر في تاريخ الجيش المصري الحديث فلم يكن يَوْمًا إلا جيشا وَظِيفِيًّا تَابِعًا ، بل لم يخرج في تلك اللحظة عن هذا الدور الوظيفي ولكن الحال اقتضت آنذاك فتح هوامش كبيرة يَتَحَرَّكُ فِيهَا المجتمع بطاقاته الروحية والإدارية فَيَقْتَرِبُ أكثر من المؤسسة العسكرية التي وجدت نفسها مضطرة أن تَسْتَعِينَ بِهِ وَلَوْ مُؤَقَّتًا ، فصارت تحكي روح المجتمع الراغب في الثأر ، ولو انتحلت هذه الروح فذلك جزء من مخطط السياسة فلا بد من الاستعانة بالمجتمع في هذه اللحظة لصناعة نصرٍ ولو جزئي يُنْسَبُ إلى البطل الذي يُعَزِّزُ شرعيته لِيَتَّخِذَ بها قرار الانفتاح الاقتصادي والتطبيع السياسي الذي يُرْجِعُ المعادلة إلى صورتها الأولى : صورة الهرم المنعزل عن القاعدة وهو ما ترسخ عبر عقود من التطبيع كما يظهر الآن من حال القيادات والجند فَثَمَّ فجوة هائلة ، وثم قمة شديدة العزلة عن القاعدة ، فضلا عن عُزْلَةِ الهرم العسكري كله عن سائر المجتمع بل الخصومة بَيْنَهُمَا قد اشتدت ، فتآكلت شرعية النظام وهو ما ألجأه أن يُفْرِطَ في استعمال العنف في الداخل ، وَيُفْرِطَ في التنازل في الخارج فَذَانِكَ رَافِدَا شَرْعِيَّتِهِ الوظيفية في هذه اللحظة الفاضحة ، وهو ما زاد الهرمية المركزية على حساب الأفقية ، فالهرمية أليق بالاستبداد الذي يخالف عن توجه المجتمع الفكري والسياسي فلا بد من تنظيم صلب يقمع أي حراك فاعل في المجتمع ولا يكون ذلك بداهة وثم اتصال وثيق بين القيادة والقاعدة بل لا بد من وضع العراقيل وبث الكراهية في أروقة السلطة ضد المجتمع الذي تُسْرِفُ السلطة في نَبْزِهِ بألقاب التخلف والجهل والفوضى والاتكالية فضلا عن وَسْمِ فِئَامٍ منه بالإرهاب والتطرف الذي يُحِلُّ الدم والمال والعرض ، فالرسالة ، لو تَدَبَّرَ الناظر ، هي أَمْضَى مَعَاوِلِ الهدم لهذا المثال الهرمي إن في الكهنوت أو في السياسة ، فقد جاءت تُزِيلُ الحواجز بين الإله الحق ، جل وعلا ، وسائر الخلق ، فهي الواسطة بين الحق والخلق ، واسطة البلاغ والبيان ، لا التحكم والاستبداد وَاسْتِرْقَاقِ الخلق بذريعة التنسك للإله ، فيكون الكهنوت باب الملكوت فلا يَلِجُهُ إلا من رَضِيَ عنه هرم السلطة الدينية في الأرض ! ، فجاء الوحي ليهدم هذا الهرم فيكون الاتصال المباشر بالوحي إذ نصوصه ظاهرة لا بواطن لها ولا أسرار تَحْتَكِرُهَا سلطة مركزية ، فحق تداول المعلومة الرسالية مكفول لكل مؤمن بالوحي ، وليس ثم تنظيم صلب يُمَارَسُ الدين من خلاله ، فالعبد يدخل في الحضرة الإلهية بلا واسطة ، لا دخول الغلاة من أهل الرياضة ، وإنما دخول النساك من أهل الديانة فالصلاة ، لو تدبر الناظر ، مع كونها شعيرة واجبة فهي تحكي هذا المعنى اللطيف فلا تَنْظِيمَ بين العبد وربه ، جل وعلا ، بل إذا كَبَّرَ العبد ودخل في الصلاة فهو يسأل ما يشاء وَيُنَاجِي ربه بِلَا واسطة من حَبْرٍ أو رَاهِبٍ أو شيخ أو مَرْجِعٍ ..... إلخ من الوسائط الطاغوتية الأرضية ، وإن كان ثَمَّ أُطُرُ تَعْلِيمٍ لا تحتكرها فئة مخصوصة بل كلٌّ يطيق النظر في الوحي بل والاجتهاد في الاستنباط إذا استوفى آلة البحث والنظر ، بل مثال التعليم الرسالي مثال أفقي يسهل اتصال الطالب فيه بالأستاذ في حلقات درس مفتوحة تُتِيحُ قدرا أكبر من التواصل والتفاعل خلافا لمثال التعليم الهرمي فهو كالمثال الهرمي في السياسة فلا يخلو من العراقيل التي تضعها البيروقراطية الإجرائية .

    ومركزية الرسالة السماوية تمتاز من المركزية الأرضية في السلطة الهرمية ، مركزية الرسالة تمتاز أنها مركزية غَنِيَّةٌ قد تَنَزَّهَتْ عن أعراض النقص والحاجة التي لا تسلم منها السلطة الأرضية ، فالله ، جل وعلا ، غني عن خلقه ، بل هم الفقراء إلى سلطته ووحيه لتحصل لهم السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) .
    واضرب له المثل من تاريخ الرسالة ، بما كان من وصف صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو رجل يدخل عليه الناس جميعا بلا حجاب ، فليس ثَمَّ من الْعَرَاقِيلِ ما يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، فَيَجْلِسُ حَيْثُ انْتَهَى به المجلس ويدخل الأعرابي مجلسه فيسأل عنه إذ لا يمتاز من بقية أصحابه في شيء ، وهو مع ذلك يخالط الناس ويسايرهم في الأسواق ، وذلك وصف من قَبْلَهُ من الأنبياء ، عليهم السلام ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) ، واضرب له المثل ، أيضا ، بعمر الفاروق ، رضي الله عنه ، مع ما اشتهر من مركزيته الشديدة فإنها ، لو تدبر الناظر ، كانت مركزية إدارية اقتصرت صَرَامَتُهَا على الولاة فكان شديدا عليهم فَهُمْ أصحاب الأمر والنهي فَخَشِيَ أن يَتَوَسَّعُوا ، ولو في مباح ، بما تحت يدهم من صلاحيات ، فكانت مركزيته المشهورة في رقابة الولاة والاحتساب عليهم حرصا على مصالح الرعية فلم تكن مركزيته ضد المجتمع كما هي الحال الآن ، فإن السلطة الهرمية المستبدة تُدَاهِنُ أفرادها على حساب المجتمع وذلك ضِدُّ ما كان من عمر الذي اشتد على ولاته في مقابل لِينِهِ ورحمته بالأمة ، فكان عمر كسابقيه في الأمر ، صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخليفته الأول ، فكلاهما لم يكن ذا حجاب يحول دون الناس ، فلما انقضى زمن الخلافة الراشدة كان ملك معاوية ، رضي الله عنه ، وهو البرزخ بين الخلافة والملك العضوض ، فَلَئِنْ لَمْ يخل من رحمة فهو خَيْرٌ ممن أتى بعده إلا أنه لم يخل من نقص إذ بدأت السلطة تمتاز من المجتمع وإن احتفظت بعلائق قوية معه فكان اتخاذ الحجاب والمقصورة في الصلاة وإن أَمْلَى ذلك الظرف الأمني عقيب محاولات الاغتيال السياسي التي نَفَّذَهَا الخوارج ضد علي ومعاوية وعمرو بن العاص ، رضي الله عن الجميع ، في العراق والشام ومصر ، فَنَجَحُوا في الأولى إذ قَتَلَ ابن ملجم الخليفة الرابع ، رضي الله عنه ، وفشلوا في الشام ومصر ، فكان الاحتياط باتخاذ الحجاب ولكنه ، من وجه آخر ، قد ساهم في تشكل السلطة بعيدا عن المجتمع لا سيما بعد الانتقال من الملك والرحمة إلى الملك العضوض بِتَوَلِّي يزيد وما كان بعده من أحداث جسام فلا زالت السلطة تَبْتَعِدُ عن المجتمع ولكنها لم تكن أبدا كما الحال الآن فلم تخالف المجتمع في المرجع والباعث الرسالي فَنَقْصُهَا لم يُجَاوِزِ الجانب الإجرائي ، وإلا فالوحي رائد وتحته السلطة السياسية والقوة العسكرية انطلاقا من نَظَرِيَّةٍ "الكتاب الهادي والحديد الناصر" ، إن حديد السياسة أو الحرب أو المال ، فكان النقص الإجرائي وهو أمر معتبر ولكنه لا يعدل ، بداهة ، النقص الفاحش الذي طرأ بعد زوال الإطار الرسالي السياسي الجامع على ما أصابه من تَرَهُّلٍ وفساد آخر أيامه ، وكان من المثال ، أيضا ، ما يشهد لمثال السياسة الأول ، مثال الرسالة والخلافة الراشدة ، فكان الأشج العادل : عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، على رأس المائة الأولى إمامَ تجديد ، فلم يكن منه ، لو تدبر الناظر ، إلا أن رجع بمثال الحكم إلى الصورة الأولى ، الصورة الأفقية فلا عَوَائِقَ بَيْنَ السلطة والمجتمع ، فهدم ما شَيَّدَ أسلافه من بني أمية مِنْ هرم السلطة المركزية ، وإن لم يصبر القوم عليه طويلا فكان الجزاء أن استبدلوا مثالَ ظلمٍ وَنَقْصٍ لم يَزَلْ في ازدياد ، فاستبدلوه بِمِثَالِ العدل والتمام ، فَفِيهِم يصدق الآي المحكم إذ يُنْكِرُ وَيُوَبِّخُ : (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) ، فكان من السنة الجارية أن عُوقِبُوا بما اختاروا فلم يزل ملكهم في نَقْصٍ حتى كانت النهاية الدامية على يد الجيوش العباسية الثائرة ، ولو تدبر الناظر حال مصر الآن ، مع القدر الفارق بداهة ، لم يجد خروجا عن السنة الربانية المحكمة ، فكان من المحاولة ، ولو في الجملة ، أن تَتَحَوَّلَ السلطة من مثال الهرم المركزي إلى آخر أفقي ، فلم يصبر الناس على صاحبها ، فاستبدلوا وإن شئت الدقة فَقُلِ استرجعوا المثال الهرمي المركزي فكان من العقاب الرباني أن آلت بهم الحال إلى حكم استبداد أشد ، فمن بطر المعيشة وجحد النعمة فجزاؤه أن تُسْلَبَ ويستبدل بها من النقمة ما يعظم ، وهو أمر ، لم يخل منه المعارِض ، وإن كان ذا توجه رسالي ، ولو في الجملة ، فالمعارض الأبرز لنظام الاستبداد في مصر ، وهو ما اصطلح أنه الإسلام السياسي لم يخل في أطره التَّنْظِيمِيَّةِ من أمراض السلطة الوظيفية ، وإن كانت حاله في الجملة أحسن ، ولكنه لم يخرج ، أيضا ، عن المثال الهرمي المركزي الذي يستند إلى الولاء التنظيمي فهو ولاء يجاوز الفكرة الرسالية إلى أخرى إجرائية تجعل الكيان مُقَدَّمًا وإن لم يستعلن بذلك أصحابه بل قد لا يشعر كثير منهم فَيَرَى تعصبه للكيان انتصارا للفكرة ، وإن جاوزها فقد صار الكيان هو الأصل ، فذلك عيب بارز في المعارضة يجعلها صورة تُشْبِهُ الأصل ! ، وهو السلطة الهرمية المستبدة ، وهو ما يجعل التَّغْيِيرَ في هذه الحال متعذرا إذ لا يمكن تغيير صورة باستخدام نفس أدواتها فلا يمكن ، ولو من باب ضرب المثال فَثَمَّ بَعْضُ التجوز ، لا يمكن تطهير البول بالبول ، ولو كان الثاني أخف تَرْكِيزًا فَنَجَاسَتُهُ أقل ، فلا يطهر النجس بآخر ، وإنما يطهر النجس بطهور يذهب عَيْنَهُ وَأَثَرَهُ .

    والصلاحيات المطلقة في الأنظمة الهرمية ولو حَقَّقَتِ المعايير الديمقراطية الغربية لو سُلِّمَ أنها مثال الفكرة المحكم ، هذه الصلاحيات وإن حصلت بانتخاب حر فَهِيَ تُؤْذِنُ بالنقص والاضطراب ، فالاستبداد يضر إن في الأنظمة الشمولية وذلك أمر ظاهر لا يَفْتَقِرُ إلى مزيد استدلال ، أو في الأنظمة الديمقراطية الحرة ، ولو في الجملة ، ، وأمريكا الآن أَبْرَزُ مِثَالٍ على ذلك ، فمع رسوخ مؤسساتها السياسية إلا أنها تَجِدُ في التَّعَاطِي مع البيت الأبيض الآن حَرَجًا أيَّ حرج ! ، فَثَمَّ رَئِيسٌ سلطوي قد بَلَغَ سدة الحكم انطلاقا من قيم الدولة الديمقراطية فجاء بمثال استبداد يهدد قيم المنظومة التي أفرزته ! ، وهو ، كما تقدم مرارا ، ما يَعْكِسُ إشكالا رَئِيسًا في جوهر النظرية الديمقراطية التي لا تجاوز في أحسن أحوالها أن تكون آلة لا نظرية فَلَيْسَتْ فِي نَفْسِهَا فكرة ، فَأَفْرَزَتْ من يهدم قيم المجتمع الأمريكي فَثَمَّ صلاحيات كبيرة في النظام الرئاسي قد تستعمل في أحيان آلةً تهدم النِّظَامَ أو تضعفه انطلاقا من قيم انغلاق عنصرية تسلب أمريكا خاصتها العظمى في رعاية المواهب واحتضان المبادرات المهاجِرة ، ولعل ذلك ما جعل بَعْضًا يُرَشِّحُ فِي علاج الاستبداد في الأطراف ألا يكون المثال الرئاسي هو المبدأ في مجتمع حديثِ عَهْدٍ باستبداد ! ، فيكون العلاج ابتداء بنظام برلماني تَتَوَزَّعُ فيه الصلاحيات العظمى فلا يستأثر بها طرف على حساب بقية الأطراف ، وإلا أفضى الأمر إلى إنتاج الاستبداد ولو في سياق ديمقراطي حر ! ، مع التَّفْرِيقِ بَيْنَ القائد والمؤسسة ، فلا بد من مؤسسة أو نظام أفكار وإجراءات محكم لا يَتَأَثَّرُ باختلاف الشخوص انطلاقا من نظرية الصديق الخالدة نظرية : " ألا مَنْ كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، وَقَرَأَ : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)" ، فَثَمَّ في مثال الرسالة مرجع تشريع وتكوين لا يغيب فهو الحي الذي لا يموت ومن سواه فهو ميت كما قد نص الوحي المنزل ، فـ : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) ، و : (مَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) .

    وهو أمر يستوجب ، كما يقول بعض المحققين ، يستوجب العدل والحكمة ، فتارة ترجح المناصحة لا سيما في أوقات الرخاء ، وأخرى ترجح المناصرة لا سيما في أوقات الشدة مع استحضار المناصحة أبدا فليست الشدة ذريعة للمجاملة وإنما حسن العدل في كُلٍّ ، في الرخاء وفي الشدة ، مع الحذر أن يستدرج الذهن إلى المثال العلماني الذي يُرَوَّجُ تحت شعار : فضل الدعوي عن السياسي فتلك ذريعة إلى علمنة الوحي تحت هذا العنوان الجذاب الذي يظهر النصح ويبطن الغش ، علم صاحبه أو جهل ، فالفصل بين السلطات ، كما تقدم ، أمر قد اعتبره الوحي بالنظر في الجانب الإجرائي لا في الأصل الفلسفي الذي تنطلق منه النظرية السياسية العلمانية ، وليس الإفراط يقابل بتفريط فَلَئِنْ أَفْرَطَ التيار الإسلامي في اعتبار التنظيمات الهرمية حتى صيرها الأصل ، فلا يكون الحل هو التفريط بإهدارها بالكلية فلا يوجد عمل يؤتي أكله إلا وثم إطارُ تَنْظِيمٍ محكم ، ولكن الخطأ أن يجاوز العامل بهذا الإطار حده فَيَجْعَلَهُ ، كما تقدم ، هو الأصل ، ويجعل الفكرة هي الفرع ، فهو يغضب للتنظيم ما لا يغضب للحق ، فذلك من الظلم الذي يضاهي به خصمَه من السلطة الهرمية المركزية فكيف يناجزه وهو على مثاله في الاستبداد وإن باسم الحق المحكم ، بل وباسم الوحي المنزل ؟! .

    ولا يعني ذلك أن فكرة التنظيم والتهذيب فكرة خاطئة بالكلية ، فلا يزدهر الوحي إلا في محيط من الفوضى والتخلف ! فذلك ما لا يقوله عاقل ، فهو نَبْزٌ للرسالة أنها وإن نَزَلَتْ من عليم حكيم إلا أنها لا تجزئ في حصول التقدم والرفاه ! ، وتلك فحوى الدعاية البريطانية التي أطلقها اللورد كرومر في كتابه "مصر الحديثة" ، فَلَئِنْ صدق في رصد بعض الظواهر الأخلاقية السلبية في المجتمع المصري فقد احتلت بريطانيا مصر وهي في أوج تقدمها العلمي والصناعي بعد أن جنت ثمار الحقبة الفيكتورية ، حقبة التحول من الزراعة إلى الصناعة فخلال 64 عاما تحولت بريطانيا من قطر زراعي إلى آخر صناعي مُزْدَهِرٍ ذي أسواق كبيرة إذ سيطرت جيوش البلاد على الأطراف شرقا وغربا فكانت الإمبراطورية التي جاوزت حُدُودَ الجزرِ البريطانيةِ ، وفي المقابل كانت مصر في مرحلة من مراحل التخلف الفكري والسياسي والتقني ، مع أنها مع كل ذلك كانت دولة مُكْتَفِيَةً بذاتها في غذائها وسلعها الأساسية فكانت دولة زراعية ناجحة ، فكان من أَثَرِ بريطانيا المباشر أن حافظت على بِنْيَةِ الاقتصاد الزراعي ولكنها حولته من اقتصاد مستقل إلى آخر تابع ، فحافظت على حصة الماء ، وحافظت على رقعة الزراعة ، ولكنها تحكمت في المحاصيل بما يُوَاطِئُ نَهْضَةَ الصناعة في بِرِيطَانْيَا فهي تفتقر إلى الخامات التي تُنْتِجُهَا الأطراف ، فتحولت مصر إلى تابع زراعي ناجحٍ في الإنتاج ، فاشلٍ في الإدارة واستثمار الموارد إذ وضع الاحتلال يده على الأرض والثروة ، ووضع مثال الإدارة وسياسة الزراعة التي تضمن تدفق الخامات من الأطراف إلى المركز ، وكان من أَثَرِ بريطانيا غير المباشر أنها أنشأت قوة عسكرية وظيفية تَتَّسِمُ بالسطحية والجهل وَقِلَّةِ الثقافة وغياب الوعي فَثَمَّ مستوى علمي منخفض رَسَّخَ مَا تَوَاتَرَ بعد ذلك من ضحالة الفكر في نخبة القوة المسلحة ، فذلك ما يواطئ سياسة المركز في صناعة الأداة التنفيذية ، فالعنصر المسلح في المركز لا سيما في مستويات القيادة العليا عُنْصُرٌ لا يخرج عن طابع المهنية التي تفرض على العسكري أن يطيع الأوامر ، وذلك جزء من فلسفة التربية في المركز فإنها تمارس التأطير في مدارسها كما تمارسه في الأطراف ، مع القدر الفارق بداهة ، فالتأطير في مدارسها يخرج عنصرا جيد التخطيط والتدريب فهو يجاوز ، لا سيما في مستويات القيادة العليا ، يجاوز حد العنصر الوظيفي التنفيذي فَثَمَّ صناعة لعقل استراتيجي يضع خطة الحرب استنادا إلى معطيات تجاوز المعطيات المادية المباشرة ، فثم إِدْرَاكٌ واسع للتاريخ والجغرافيا السياسية يسهم في تشكيل العقد العسكري الجامع ، فصناعة العنصر المحترف في المركز صناعة متكاملة ذات روافد فلا تقتصر على الرَّافِدِ التنفيذي الذي يحول الإنسان إلى آلة حرب بلا عقد أيديولوجي إلا عقد السلطة المركزية ، وإن تحكمت الجهات المتنفذة في المركز في صناعة هذا العقد عبر مؤسسات هرمية لا تخرج عن المثال الهرمي محل الشاهد ، فلا يخلو الأمر من تَزْيِيفٍ للحقائق مع جرعة عنصرية مركزية تَسْتَنِدُ إلى نظرية التفوق العرقي ، فمع فساد هذا العقد الأيديولوجي وهو منشأ الإرادة والحركة ، إلا أن ثم عملا منظما مُؤَطَّرًا يَتَّسِمُ بالحرفية الشديدة في دراسة حزمة من العلوم السياسية والعسكرية مع جرعة أيديولوجية تسهم بدور فاعل في صناعة العقد العسكري ، وهو ما لا يجد الناظر في الأطراف مَثِيلَهُ أو شبيهه إلا في الاسم دون المسمى ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، يجري مجرى الاشتراك اللفظي ! ، فَثَمَّ في الأطراف صناعة أخرى لعنصر تَنْفِيذِيٍّ تابع يَتَّسِمُ عمله بالطابع الوظيفي غير المبدع فهو جزء من أجزاء البيروقراطية التابعة فليست ذات قَرَارٍ مستقل فضلا أن كفاءتها دون كفاءة نظيرتها في المركز فَلَيْتَهَا كانت كالتكنوقراط المحترف الذي يملك الكفاءة المهنية وإن لم يملك الرؤية السياسية ، فالتكنوقراط في الأطراف إلا ما نَدَرَ ، لا كفاءة ولا رؤية ، فهي عناصر تَنْفِيذٍ تَتَّسِمُ بالجمود وانعدام المبادرة ، وذلك ، أيضا ، مما ذكره كرومر في كتابه إذ يصف أخلاق المصريين فالاستبدادُ قد قَتَلَ الطموح في النفوس فلا تمتلك جرأة المبادرة وإن كان ثم فكرة فلا تجد من البيئة الحاضنة ما يَرْعَاهَا ، وهو ما زاده الاحتلال البريطاني وإن نجح في تحديث البنية التحتية فانطلاقا من نظرية التبعية ، فقد وضع الإنجليز نَوَاةَ القوة الوظيفية منخفضة الوعي والعلم غائبة التصور والفكر فإسنادها الحضاري إلى مصادر ثَقَافَتِهَا منقطع بل وَمُنْعَدِمٌ ! ، فهي نخبة منبتة لا جذور لها في الداخل ، فتوجهت شطر المركز الذي صنعها فانتماؤها إليه ولو انتماء الوظيفية أقوى من انتمائها إلى الداخل ، فتلك النخبة التي رسخت الأخلاق التي يَنْتَقِدُهَا اللورد كرومر ، فما ترسخت إلا في ظل نخب مستغربة إِنْ نخبةَ محمد علي باشا الفرنسية أو النخبة البريطانية التي دخلت مصر بعد الثورة العرابية التي شن الإعلام الوظيفي الموجه ضدها حملة شرسة فهي سبب الفوضى التي يَقِفُ النظام ضدها وهو النظام الذي أدخلته بريطانيا ! ، فمع كل ما كان في الثورة العرابية من أخطاء إن في الفكرة أو في الحركة أو في الركون إلى النصيحة الفرنسية ألا يغلق عرابي قناة السويس أو يَرْدِمَهَا فَهِيَ ، لو تدبر الناظر ، سبب رئيس في احتلال مصر إن احتلالا مباشرا بالجيوش البريطانية التي دخلت مصر من شرقها فكان معبرها هو القناة ، أو آخر غير مباشر بما كان من شق قناة صيرت مصر محل أطماع عالمية فضلا أنها أفصت إلى ركود التجارة الداخلية وما كان من روافد لوظائفِ النقل الداخلي والتبادل البيني بين الوافد من الشرق عبر البحر الأحمر ، والتجار في الداخل فضلا عن محطة تبادل أخرى مع شمال المتوسط الذي يَتَبَادَلُ مع مصر التجارة تَبَادُلَ النِّدِّ للند قبل أن تسقط مصر في قبضة الاحتلال المركزي لا سيما الاحتلال البريطاني المباشر ، فمع كل ما تقدم من أخطاء إلا أن ثورة عرابي في أدنى أحوالها كانت ، كما يقول بعض الفضلاء ، ظاهرة سياسية وعسكرية تَنْطَلِقُ من الداخل مع ما أصاب الهوية المصرية من تَشَوُّهٍ فَهِيَ فِي أحسن أحوالها مشروع وطني غير تابع ، فضلا أن روحها لم تَزَلْ تحمل قِيَمَ الوحي فإن الوعاء الذي يخرج الكوادر التي التحقت بمؤسسات الدولة الحديثة هو الأزهر ، وهو ، مع ما أصابه من جمود وتقليد ، لم يزل يحكي روح الهوية الرسالية ، ولو في الجملة ، فالكوادر التي انضمت إلى ثورة عرابي كان أكثرها من خريجي الأزهر إذ لم يكن ثم تَعْلِيمٌ نظامي مستقر إلا الأزهر فالمدارس النظامية لَمَّا تَكْفِ بَعْدُ في سد الثغرة فكان لجوء الدولة العلمانية الحديثة اضطرارا ! إلى الأزهر الذي يخالف عن قيمها اللادينية وعرابي نفسه من خريجي الأزهر فكان يحكي ، ولو في الجملة ، قيم الأمة المصرية ذات الجذور الرسالية ، لا جرم كان الحط عليها واتهامها بالفوضى التي تضاد النظام ، فهو اتهام آخر للوحي ، ولو من طريق غير مباشرة ، أنه معدن الفوضى والاضطراب إذ لم يفرز في تلك الآونة إلا حركة عرابي المارقة ! .

    وإن صح اتهام عرابي أنه عدو النظام ! ، فلم يكن ذلك إلا النظام الوظيفي وإن كان ذا بِنْيَةٍ تحتية محكمة ، فإن الأمور بمقاصدها ، من وجه ، فلم يكن مقصد بريطانيا أن تَتَقَدَّمَ مصر وَتَتَحَدَّثَ إلا أنها جزء من أملاك الإمبراطورية البريطانية فهي تَلْعَبُ دور الطرف الذي يمد المركز بما يحتاج من الخامات ، والأمور ، من وجه آخر ، بمآلاتها ، فقد آلت الحال إلى ما يَرَى الناظر اليومَ من انهيار الأطراف بعد أن تسلمت النخب الوظيفية التابعة الحكم كوكيل حصري لمصالح المركز الأنجلوساكسوني في بلادٍ والفرانكفوني في أخرى ، فما ذكر اللورد كرومر من الأخلاق السلبية في مصر حق ولكنه ، من وجه آخر ، مما يراد به الباطل ، فَلَوْ رام كرومر نقل قيم الإنتاج البريطانية إبان العهد الفيكتوري المزدهر إلى مصر ، فلا يكون ذلك في ظل احتلال يقتل الفكرة والطموح فلا مبادرة لمهزوم ، وهو ما حرص عليه المركز إبان احتلاله الأطراف فما كان من مبادرة فمآلها الحرب إن خرجت عن سيطرة المحتل ، أو الاحتواء والتوظيف بما يملك المركز من أدوات الجذب والمكر ، كما يرى الناظر الآن في نَزِيفِ العقلِ في الأطراف فإن البيئة غير الحاضنة للمواهب والمبادرات ليست إلا نِتَاجَ الاستبداد الذي رعاه كرومر وَنُخَبُهُ ، فَأَفْرَزَ النخب الوظيفية التابعة التي فاقمت الحال فمن سيئ في ظل الاحتلال الخارجي إلى أسوأ في ظل الاحتلال الداخلي ! ، فمن صنع هذه النخب إلا كرومر الذي يَنْبِزُ مصر أنها غير مبدعة ولا مبادرة ، وهل ثم فاقد للحرية يبدع ويبتكر في مناخ استبداد لا يَرْعَى المواهب ولا يطلق المبادرات إلا مبادرات الدعاية السياسية بلا أساس محكم ، فهي صور جذابة بلا حقائق وراءها ، في مقابل ما يقدم المركز من مناخ حرية في البحث ورعاية للفكر وحفاظ على الملكيات الخاصة ، الفكرية والمادية ، فلا يخشى صاحب المبادرة المصادرةَ أو التأميمَ ، وإن كان ذلك محدودا كسائر قيم المركز فلا تجاوز الخط الأحمر الذي وضعته النخب المهيمنة على القرار الدولي ، فَعِنْدَهَا تضمحل منظومة القيم الرأسمالية وتكون الحرب الضروس على المنافس كما يظهر في الحروب التجارية فلا تَقِلُّ شراستها ، ولو على المستوى الفكري ، عن الحرب العسكرية المباشرة ، ومع ذلك فهامش الحرية في المركز يتيح للفارين من الأطراف بإبداعاتهم ومبادراتهم أن يَعْمَلُوا في مناخ أفضل ، وإن كان إنتاجهم آخر أمره إلى المركز الذي رَعَى وَأَنْفَقَ وَهَيَّأَ الظرف الملائم وتلك قسمة العدل فمن بذر وسقى وتعاهد فهو أحق بالثمرة بداهة ، فالمناخ في المركز ، كما يقول بعض الاقتصاديين ، قد أتاح لآحاد من الشباب أن يطلقوا مبادرات من قبيل محركات البحث ومواقع التوصل الاجتماعي على ما وراءها من أهداف سياسية واجتماعية بعيدة المدى ، فثم مناخ أتاح للشباب أن يطرحوا أفكارهم ومبادراتهم في سوق ذات ضوابط فهي تَرْعَى المواهب وتحفظ حقها فلا تصادر ولا تُؤَمِّمُ إلا في أضيق الحدود الرسمية طبقا لمعطيات النظرية الرأسمالية لا سيما نسختها الليبرالية ، وأما خارج هذه الحدود فالنخب المهيمنة تصنع ما تشاء فلا قيد يحكمها إن تعلق الأمر بمصالحها المباشرة ، فَفِي المركز على أقل تقدير ! ، هامش حرية في الإبداع والإنتاج ، وأما في الأطراف فلا هامش إذ المناخ طَارِدٌ لكل فكرة ومبادرة بل قد يجرمها فَيُعَاقِبُ من أبدع إذ اجترأ فَفَكَّرَ خارج الصندوق المحكم ، صندوق الاستبداد القاتل للمواهب ، الطامحِ في المكاسب العاجلة لا استنادا إلى كفاءة وكفاية وإنما استعمالا للصلاحيات التنفيذية في تحقيق مكاسب مباشرة تعكس ضيق الأفق فلا يرى صاحبها ما يجاوز يومه من كسب عاجل ، ولو أفضى إلى خراب آجل ، فضلا أن يُعَجَّلَ الخراب بشوم الظلم والاستبداد ، فكل أولئك مما روج له كرومر وغيره أنه طبائع المصريين ، وقد صدق من وجه ، ولكنه كذب من وجوه إذ زعم أن الاحتلال قد جاء يخلص البلاد من هذه الطبائع ولئن صدق أخرى في جزء لا كُلٍّ فَلَئِنْ صَحَّ أنه جاء يصنع ذلك لِيُخْرِجَ البلاد من الفوضى فلم يكن يروم إلا تأطيرها في منظومات عمل محكمة تطلق طافة الفرد الإنتاجية لا انطلاقا من استقلال في النظرية وإنما تكريسا للتبعية المركزية ، فالأطراف ، كما تقدم مرارا ، خودام المركز وخطوط إمداده بالخامات ، فكان تركيزه وتركيز غيره على ظواهر تحكى فوضى فكرية واجتماعية ليست إلا نِتَاجَ استبداد تجذر من لدن الباشا محمد علي فأفرز نخبا ضعيفة خاملة فلا يفرز الاستبداد غيرها ، فَرَصَدَ كما يعنون صاحب "استعمار مصر" : "الضوضاء والفوضى" ! ، فقد تضاعف عدد المقاهي والبارات وصالات القمار أكثر من ثلاثة أضعاف ! ، وذلك ، بداهة ، يعكس أزمة أخلاق وأزمة مجتمع يَفْتَقِرُ إلى المشروع الجامع ، حقيقة لا وهما ، فلا يكون ذلك إلا انطلاقا من روح ثقافته التي تحرره من التبعية فلا أمة تنهض وقد استعارت من غيرها مشروع نهضة لا يأرز إلى مصادرها الأصلية ، فيعكس روحا لا تبادر في مجتمعات كسولة خاملة قد انتشرت فيها الأمراض الاجتماعية ، ولها يضرب الباحث آنف الذكر المثال بِإِدمان الخمور والمخدرات فذلك جزء من ضعف عام في الإرادة يلحق الأذى بالبنية الاجتماعية فلا يزدهر ذلك إلا في اللحظات الاستثنائية ، اللحضات الحضارية الحرجة التي تشكو فيها الجماعة من فساد الفكرة وخمول الحركة فَثَمَّ أزمة ثقافة ومرجع قبل أن تكون أزمة آلة ومصنع ، فلا بد لحركته من فكرة تَسْبِقُ فَهِيَ التصور الذي يسبق الحكم إذ الحكم على الشيء ، كما يقول أهل الشأن ، فرع عن تصوره ، وجاء آخر وهو المفكر الفرنسي "دوك داركور" ، جاء يُنَوِّهُ بجمل من السمات السلبية للمصريين فثم الأخلاق الخانعة ، وهل رسخها في المصريين إلا رجلهم المخلص محمد علي باشا المبدِع ؟! ، وثم التبلد تجاه الألم ، وذلك ، أيضا ، من إفرازات الاستبداد ، فقد اعتاد الفرد فيه الهوان فلم يعد ثَمَّ شعور بألم ، كما يحكي أبو الطيب في بيته المشهور :
    مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ ******* ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ .

    وثم فساد وعدم نزاهة وسبات ذهني فلا إبداع فتلك من الأخلاق التي تَنْشَأُ فَرْعًا عن بيروقراطية تابعة للخارج ، كما يرى الناظر الآن فيما آلت إليه الحال في مصر ، محل الشاهد ، فهل كان ذلك ، أيضا ، إلا وللمركز فيه دور فاعل ؟! وإن لم يحسن إلقاءُ التبعةِ كُلِّهَا عليه وتبرئة الذمة ، فلم يكن الشرق آنذاك محل التهمة ! ، بل كان محل تهمة أولى بما فشا فيه من الجمود والتقليد فخمدت الفكرة والحركة وهو ما أعطى القوى المستغرِبة الذريعة أن تَتَّجِهُ نحو الغرب بل وَتُرَدِّدَ دعايته الكاذبة وهي التي استعملها اللورد كرومر البريطاني والدوك داركور الفرنسي ، فأجمع الأنجلوساكسوني والفرانكفوني اللاتيني أن سبب تخلف الشرق هو استمساكه بالوحي ! ، فالإسلام قد صنع بيئة الاستبداد الخانقة لأي فكرة ! ، وهو الذي أرشد العقول أن تتدبر وتتفكر في الآي المحكم : الشرعي والكوني ، فكانت هذه الدعاية التي انطلت على فئام من المهزومين حضاريا في الأطراف ! ، فَرَأَوا في الغرب مثال التهذيب والانضباط ، وفي الشرق مثال الفوضى وسيئ الأخلاق ! ، فلا بد من استيراد المثال الغربي في الفكرة والسلطة فلا يقتصر ذلك على استيراد ما ينفع من تقنية الإنتاج فليس يحتاج صاحب الحضارة المستقلة أكثر من ذلك ، فعنده من رصيد الثقافة ما يُغْنِيهِ عن تسول الفتات من موائد الخصوم ، فلم يظفر إلا بما يشوه ذاته الحضارية مع تَوَافِهِ التكنولوجيا الاستهلاكية دون إبداع يجاوز حد الاستعمال إلى الابتكار والإنتاج ولو محاكاة مبدأ الأمر حتى تحصل ملكة الاستقلال في التطوير والتحديث فلا يكون ذلك إلا وقد تحررت الفكرة والإرادة السياسية ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، جوهر الإشكال في الشرق في مثال السلطة المعاصر فلا يملك استقلالا أول في الفكرة ولا آخر يَتْلُو في الإرادة والحركة فهو تابع وظيفي لا أكثر على تفاوت في درجة التبعية فلا يخرج عن الاسم العام : اسم التبعية المطلق وإن كانت على أنحاء .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    فَثَمَّ في هذا المثال الهرمي : تمايز تام بين المجتمع والسلطة ، فالسلطة كيان منفصل مُسْتَعْلٍ ، وهو كيان يمارس السيادة انطلاقا من نظرية الرق التي قامت عليها الإمبراطورية الأمريكية مَطْلَعَ أمرها ، كما يُقِرُّ بَعْضُ قَرَاصِنَتِهَا الاقتصاديين في مُصَنَّفٍ مَشْهُورٍ يُشْبِهُ أن يكون سيرة ذاتية خاصة ، فأصحاب المزارع من البيض قد استجلبوا الخدم والرقيق من الأطراف ليحرثوا أرض المركز ، وهو ما يحصل اليوم أيضا ، فَثَمَّ استجلاب للعقول الخادمة للإمبراطورية الأمريكية الحاكمة بما توفر من فُرَصِ الحياة والبحث ، فَالرِّقُ الآن ألطف وأرق إذ المستَرَقُّ يدخل اختيارا فَثَمَّ هندسة محكمة للأطراف بما فَشَا فِيهَا من استبداد متعمَّد فهو ، من وجه ، يَئِدُ أي حركة إصلاحية لا سيما إن كانت بَوَاعِثُهَا رسالية ، وهو ، من آخر ، يصنع بيئة استراتيجية طاردة للعقول والمواهب فهي تَفِرُّ من نيران الأطراف إلى جنان المركز حيث الغنى والرفاه وتحقيق الأحلام ، فكان من استعلاء السلطة البيضاء التي استجلبت الرقيق الأسود والملون ليحرث أرض الإمبراطورية الناشئة فَثَمَّ ، كما يقول بعض الباحثين ، هَرَمٌ اجتماعي يَرْفُضُ الرق نظريا ويمارسه عمليا إن رقا مباشرا أو آخر غير مباشر فهو الرق الماكر الذي يرى الناظر اليوم آثاره في الإمبراطوريات الرأسمالية الصناعية فهي وارثة نظائرها الزراعية ، فالفكرة والأيديولوجيا واحدة وإن اختلفت الأدوات من محراث الزراعة إلى ماكينة الصناعة ، فالنظام الرأسمالي بطبيعته نظام هرمي تستأثر قمته الحاكمة بمعظم المكاسب ، فَتَتَرَاكَمُ الثروة والنفوذ في قمة الهرم في مقابل القاعدة التي تعمل في مزارع السادة قديما ومصانعهم حديثا ، فلا بد لاستمرار النظرية الرأسمالية في العمل ، لا بد من اعتماد نظام الرق حلا والحفاظ عليه أبدا كما قال أحد الآباء المؤسسين لأمريكا ، وهو توماس جيفرسون ، فالرق ضرورة لا غنى عنها وانهيار نظامه يؤدي إلى فوضى اجتماعية واقتصادية فإذا تحرر الرقيق من عبودية صاحب المزرعة وصاحب المصنع ، فمن يقوم بالعمل الشاق بأقل تكلفة على وجه يحقق أعلى الرباح للنخبة المالكة التي تشارك النخبة الحاكمة صناعة المثال السياسي والاقتصادي الخادم للأيديولوجيا الرأسمالية ، فذلك ، كما يقول الباحث آنف الذكر ، ذلك تَرْتِيبٌ هرمي محكم ذو قيود صلبة صارمة ، فَثَمَّ حفنة قليلة من الملاك يقبعون أعلى القمة ، وثم قاعدة مِنْ جيش ضخم مِنَ العمال يمكن تصنيفهم كعبيد وإن في نظام أكثر لياقة ولباقة فَهْوَ يُقَدِّمُ المزايا التي تجعل الإنسان يدخل في رِقِّهِ اختيارا ومن أبى فَثَمَّ أوراق ضغط سياسي وعسكري واقتصادي ...... إلخ ، وإن تأخرت الورقة العسكرية في الأمثلة المعاصرة فهي آخر الدواء فَقَبْلَهَا أدوية أخرى ناجعة قد أثبتت فعالية كبيرة في حسم الأمر دون حاجة إلى الغزو ، الغزو العسكري المباشر ، فما تُنْجِزُهُ الكلمة والفكرة فَلَيْسَ ثَمَّ حاجة إلى الرصاصة والمدفع ، وما يُنْجِزُهُ مدفع صغير فليس ثم حاجة إلى آخر كبير جريا على نظرية معاوية ، رضي الله عنه ، فما يُجْزِئُ فيه اللفظ فلا حاجة إلى السوط ، فلا يضع سوطه حيث يجزئ لسانه ، وما يجزئ فيه السوط فلا حاجة فيه إلى السيف فلا يضع سيفه حيث يجزئ سوطه ، ولها حظ من الوجاهة فالسياسة هي : الاقتصادُ في القوة فلا تستخدم إلا ضرورة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا فَكُلَّمَا كان السياسي أنجح كان استخدامه للقوة أقل ، وكلما كان أفشل كان إفراطه في استخدام القوة فلا يملك من حلول السياسة التي لا يجيدها إلا مَنْ رَفَقَ بالناس فَطَالَ صبره واتسع صدره ولو انطلاقا من نظرية براجماتية فكيف إن كانت السياسة تأرز إلى نظرية الوحي المحكمة ، وهي ، كما يقول أهل الشأن من المصنفين في النبوات وَسِيَرِ أصحابها ، عليهم السلام جميعا ، هي من جملة ما عُلِّلَ به احترافهم جميعا رعي الغنم فَفِي رعايتها مع كثرة العدد وضعف العقل وتفرق الجمع في المرعى وهو يجهد صاحبه أن يجمع الشتات فلا بد من صبر وأناة ، فَفِي رعايتها ما لا يكون إلا لمن اتَّسَعَ صدره فلا يزيدها العنف إلا نفورا وشتاتا فلا بد من التَّرَفُّقِ في الجمع والرعاية مع الاقتصاد في العنف والزجر وذلك ، لو تدبر الناظر ، حد السياسة .
    فنظام الرق الآن ، وهو محل الشاهد ، قد تَطَوَّرَ وصار أكثر لباقة ، وذلك ما وصفه المصنف آنف الذكر أنه الكوربوقراطية أو نظام الشركة المركزية ذات النخبة القليلة التي قررت السيطرة على كوكب الأرض ! ، فما يمارس من إصلاح اقتصادي في الأطراف تَنْفِيذًا لتعليمات الجهات المركزية المقرِضة ، قد يسهم في زيادة الثروة رَقَمًا ، لا إِنْتَاجًا يحرر الأطراف من هيمنة المركز أن تَسْتَقِلَّ بإنتاج ما تحتاج فَغَايَتُهُ اقتصاد ذو طبيعة استهلاكية أو خدمية في أحسن الأحوال دون وجود قاعدة محكمة في القطاعات الاستراتيجية كالصناعة والزراعة وما يَرْفِدُهُمَا من البحث العلمي المبتكِر الذي يجاوز حد التَّلْقِينِ والتكرار دون قيمة علمية مضافة كما الحال في معاهد الدرس والبحث في الأطراف التي لا تجاوز في أحسن أحوالها مراحل التعليم الأساسي في دول المركز ، وَلَا عدالة في التوزيع ولو لثروة ورقية غير منتِجة ، فمآل هذا الإصلاح أن يَزْدَادَ هذا الهرم السياسي الاقتصادي تماسكا وصلابة ، فمن يَتَرَبَّعُ على قِمَّتِهِ يَزْدَادُ غنى ونفوذا ، والقاعدة ، في المقابل ، تَزْدَادُ فَقْرًا وضعفا فَتَرْضَى بما تُلْقِي إليها النخبة من فتات الأجر ، وهو ما يفاقم الأوضاع في الأطراف فهي تموج بالأمراض الاجتماعية والصحية ...... إلخ بما سلب من ثرواتها وبما استعمل عليها من نخب وظيفية لا تَنْتَمِي إليها إلا صورة بلا حقيقة ، فلا فكرة تجمع وإن خَرَجَا من نفس المنشإِ ، وانظر في إشكالات رئيسة في مجتمعات الأطراف التي ازدادت توحشا فصارت تُقَارِفُ من الجرائم ما يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لتفاوت أحوالها في التردي والانهيار حتى بلغت الحال حد الاسترقاق والبيع ، بيع الأحرار وأكل أثمانهم ، بل واستثمار الحرائر في أعمال السخرة والبغاء كما ترصد بعض الوثائقيات من موجات الهجرة المتدفقة من جنوب الصحراء ، فثم هجرة إلى الشمال الإفريقي رغبة في الجواز إلى البر الأوروبي ، وأثناء هذه الرحلة تجري أعمال الخطف والاسترقاق والاستغلال في أعمال السخرة والبغاء ..... إلخ مع أن أولئك قد خرجوا من بلاد غنية بالموارد الطبيعية ، ولكنها تفتقر إلى القوة التي تحمي بها ثرواتها فقد أصبحت ، كما يقول بعض الفضلاء ، وبالا عليها فثروة بلا قوة تحميها هي المصيبة التي تجعل صاحبها مطمع كل ناهب وسارق ، وتفتقر إلى آلة الإنتاج التي تستثمر بِهَا هذه الخامات ، وهو ما كَرَّسَهُ المركز من واقع التَّفَاوُتِ الكبير في القوة وفي التقنية ليضمن السيطرة طويلةَ المدى على الأطراف بِإِضْعَافِهَا وَتَجْهِيلِهَا ، فتلك نظرية إقطاعية رأسمالية تشكل نواة النظام الدولي المعاصر لا سيما مع تعاظم نفوذ القطب الأوحد الذي امتلك ترسانة السلاح الأقوى ونشر قواته على مدى جغرافي واسع ، نحو 750 قاعدة عسكرية في 130 دولة ، فَرُقْعَتُهُ الجيوعسكرية رقعة واسعة قد ضمن بها الهيمنة على الأطراف بل وبقية دول المركز بوصفه رأس الإمبراطورية الرأسمالية ، فإنها وَإِنْ في المركز لا تخلو من ظاهرة الهرمية ، محل الشاهد ، فالمركز الرأسمالي في نفسه على درجات فَثَمَّ قمة تحتلها أمريكا فهي عاصمة الإمبراطورية الجامعة ، التي أقامت بنيانها جريا على النظرية آنفة الذكر : نظرية سيطرة المركز القوي الذي لا يملك موراد طبيعية وإن امتلك القوة العسكرية والتكنولوجية ، سيطرته على الأطراف التي تمتلك الموارد الطبيعية ولا تمتلك القوة لتدفع ولا التقنية لتصنع فهي سبب ما حاق بالأطراف من أمراض اجتماعية وصحية ..... إلخ ، على وجه ألجأ شباب الجنوبِ الغنيِّ بموارده الفقيرِ بكوادره المدربة التدريبَ الحديث الذي يؤهلها للاستفادة من ثرواتها على الوجه الأمثل ، على وجه ألجأ أولئك أن يخاطروا بحياتهم في رحلة هجرة مبدؤها في الصحراء ومنتهاها في الماء ، فمن الصحراء الإفريقية الكبرى إلى الشمال مجازفة بِرُكُوبِ مياه المتوسط عَلَّهَا تلقي بهم على الضفة الأخرى شمال المتوسط ، فهي رحلة المجازفة بالحرية والحياة ، فكم يَكْتَنِفُهَا من مخاطر وَكَمْ تَؤُولُ إلى مصائب من قتل أو سرقة أو اغتصاب أو اختطاف وَبَيْعٍ يُصَيِّرُ الحرَّ عبدًا ! ، فسيده يستثمر فيه استثمار المركزِ في الأطراف التي فَرَّ منها ، فهو استثمار الاستنزاف لا الاستصلاح سعيا في تحقيق أكبر عائد بأقل تكلفة ، فذلك ، كما يقول بعض المختصين ، عنوان آخر من عناوين النظام الرأسمالي الذي رَدَّ الناس إلى زمن الرق الأول وإن زعم أنه نظام الحرية في العمل والتَّنَقُّلِ ........ إلخ ، فَتَسَبَّبَ في جُمَلٍ من الأمراض النفسية المزمنة في الأطراف ، وانظر في حكايات من احترف حِرَفَ الاقتصاد الأسود كتجارة الرقيق الأبيض والأسود طلبا لِلَذَّةٍ تَطْرَأُ ، وتجارة المخدرات ، وتجارة الأعضاء ...... إلخ ، فتلك تجارات تزدهر في المجتمعات المنهارة التي تَصَدَّعَ بُنْيَانُهَا المادي والمعنوي ، وغالبا ما يدفع المجتمع ، وهو قاعدة الهرم ، غالبا ما يدفع القسط الأكبر من الثمن ، فهو أضعف أجزاء الهرم ، وغالبا ما يكون ذلك تحت سمع وبصر السلطة التي استأثرت بأجهزة الدولة الحاكمة فَوَظَّفَتْهَا لتحقيق مآربها الخاصة سواء أكانت وزارات سيادية أو أخرى خدمية ، واضرب له المثل بتجارة الأعضاء ، فهي شبكات كشبكات التهريب والدعارة ، فذلك عمل جماعي لا يقوم به واحد ولا يطيقه أَفْرَادٌ بل لا بد من نظام هرمي محكم ، يجاوز الشبكة الدُّنْيَا التي تباشر العمل جراحة واستئصالا ، وما يسبقها من سمسرة ومساومة في السعر ، وتحاليل تضمن سلامة العضو المباع لئلا يكون ثم غش أو تَدْلِيسٌ في السلعة ! ، فَبَعْدَ ذلك لا بد من تَرَاتُبٍ هرمي يَنْتَهِي إسناده في الغالب إلى المنصب السيادي الأعلى فهو الراعي الرسمي لهذه السوق الاقتصادية السوداء ، فلا أحد يتجر فيها إلا وله منها حظ ولو عمولةَ غَضِّ الطرف فضلا أن يكون شريكا فاعلا فهو يسهل مرور البضاعة إلى الخارج فتجارة الأعضاء ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الصحفيين ، ليست من أعمال النشل في وسائل المواصلات العامة ، فليست الْكُلْيَةُ أو الكبد حافظة نقود في الجيب الخلفي ، فلا بد من إجراءات محكمة تحت رعاية جهة سيادية مُتَنَفِّذَةٍ ، ولا بد أن تكون مع ذلك خائنة على تفاوت في خيانتها فهي تابعة للمركز أو مَنْ يَدْفَعُ أكثر إذ لا تُعَظِّمُ إلا الربح المادي المباشر الذي يُتَرْجَمُ في هذا العصر إلى أوراق النقد ، فَغَايَتُهَا تحصيل أكبر رقم من الثروة والاستمتاع بِأَوْفَرِ قِسْطٍ من اللذة المادية لا جرم إذا فَتَّشْتَ في الأصول وجدت ما يهول فَثَمَّ نفوس نشأت على أكل السحت ولو حقيرا ، فَثَمَّ ، على سبيل المثال المعاصر في نخب الجند الوظيفي التابع ، ثَمَّ من نشأ على الاختلاس من عهدة التعيين ، أو الاتجارِ في مواد غذائية رديئة في سجن أو وحدة عسكرية استثمارا لرداءة الأطعمة الرسمية ! واستنزافا لمدخرات النزلاء والجند ، برفع الأسعار وعدم توافر البديل الآدمي ، وإن كان ما يَبَيِعُ هو أيضا مِنْ غير الآدمي أو مِنَ المتوافر بأسعار مناسبة فيبالغ في الثمن على وجه يُبِينُ عن ماهية النفس الوضيعة فما ظنك به إن ولي منصب سيادة فصار رأسا لهرم في سياسة أو حرب ، فلا يَصِلُ في الغالب إلا بالخيانة والغدر ومن يختاره ممن يَصْطَفِيهِ وإن شئت الدقة فقل يَشْتَرِيهِ فهو من جملة الرقيق الذي يشتريه المركز من الأطراف ، مَنْ يَشْتَرِيهِ فلا يَشْتَرِيهِ بداهة إلا والعصا معه فهو عبد لئيم يصدق فيه ، كما تقدم مرارا ، قول أبي الطيب :
    لا تشتـر العبـد إلا والعصا معـه ******* إن العبيـد لأنـجاس مناكيــد .
    فلا بد من مُسْتَمْسَكَاتٍ تَزْجُرُهُ إن رام غدرا أو خيانة ، فَمَنْشَأُ اختياره الخيانة ومن اختاره لم يختره ، بداهة ، ليكون خالدا يوم اليرموك ، فلم يختره قائدا وإنما اختاره خائنا تابعا ، فلا بد أن يختاره من الدرجة السفلى فلا يختاره من السَّافِلَةِ فهو من قعر سلة المهملات يستنبط ، فليس من القاذورات التي تطفو على السطح بل لا بد أن يكون من القعر ، وهو مع ذلك عقوبة من الرب الحكيم المهيمِن ، جل وعلا ، فيكون في أحيان كثيرة بعد سَعَةٍ وَنِعْمَةٍ لا يَقْدُرُهَا الناس حق القدر ، ولو لم تكن المثلى إلا أنها خير يستوجب الصيانة والحمد ، فلا يكون إلا التفريط والجحد ، فيصدق فيهم أنهم من القرية التي بطرت معيشتها ، فـ : (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) ، فهم كأهل سبأ إذ بطروا النعمة فـ : (قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) ، فكان من الجزاء البلاء بعد النعمة ، فـ : (جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) ، وذلك قانون يطرد فما ابْتُدِئَ قوم بنعمة فَرَدُّوهَا إلا وَكُوفِئُوا بنقمة أشد ، فكان من الابتلاء ما هو أسوأ فقد جاءتهم السعة فَأَبَوا إلا الضيق فجزاهم الله ، جل وعلا ، بما طلبوا ولا يظلم ربك أحدا .
    فالجهة السيادية المتنفذة في الأطراف هي الوكيل الحصري للمركز في انْتِهَابِ ثروات الأطراف وإدارته إدارة الاقتصاد الأسود ، وذلك أمر يَتَكَرَّرُ في كل تجارة سوداء تَزْدَهِرُ في دول العالم الثالث المتخلفة فهي سوق التوريد فمنها يُوَرَّدُ الرقيق الأبيض والأسود إما طَلَبًا لِلَذَّةٍ في الشمال الغني ، الأوروبي والأمريكي ، بل الشطر الأوروبي الشرقي وإن انْتَمَى إلى الشمال اسما فهو يَنْتَمِي إلى الجنوب الفقير المتخلف مسمى فهو ، أيضا ، مركز توريد لهذه البضاعة البشرية ، فَيُوَرَّدُ الرقيق من الأطراف إلى المركز إما طلبا لِلَذَّةٍ أو سَدًّا لحاجات الشمال من الأيدي العاملة الرخيصة التي تُبَاشِرُ الأعمال الشاقة فَتَصْنِيفُهَا أنها العمالة غير الذكية ، فإما أن تُسْتَثْمَرَ طاقتها في أعمال شاقة لا تَفْتَقِرُ إلى مهارة ، وإما أن تُدَرَّبَ لِتَكْتَسِبَ المهارة وتسد الحاجة ، والمثل المشهور الآن هو ألمانيا التي تستقبل المهاجرين بكثافة سدا لحاجاتها البشرية وَالْعُمَّالِيَّةِ فَتُعِيدُ تأهيلهم وفق برامج محكمة ليدخلوا سوق العمل الألماني الذي يستوجب قدرا كبيرا من المهارة .
    فالجنوب الأسود والملون وهو الفقير هو قاعدة الهرم العالمي الذي يقبع على قمته الشمال الأبيض وهو الغني ، فمن يدفع فاتورة رفاهه هو الجنوب الذي يشكو الجهل والفقر والمرض والاستبداد وغياب الرؤية والاستراتيجية لا أنه عاجز عن التفكير والتخطيط وإنما هو مُكَبَّلٌ بنخب حاكمة هي قمة هرم آخر في الداخل ، فهي تحكم الجنوب نِيَابَةً عن الشمال نظير ما تقبض من عمولات السياسة والمال فالمركز يضمن بقاءها في سدة الحكم ، والمركز يقسم لها من غنيمة البلاد المسروقة ، فهي نخبة القمع والحراسة : قمع المجتمعات في الأطراف أن تُطَالِبَ بحقها في الحياة والثروة فذلك ما قد يُضَيِّقُ على الصفوة في المركز إذ تحوز الشعوب في الأطراف حَقَّهَا فلا يكون ذلك إلا خصما من الثروة المسروقة التي يَسْتَنْزِفُهَا المركزُ من الأطراف خاماتٍ قد احْتَكَرَ ، كما تقدم ، تكنولوجيا معالجتها وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة ، فلا بد من قمع هذه الشعوب وذلك ما يكون بالحرب المباشرة وذلك عصر قد وَلَّى وإن لم يختف ، فلا زال ثم خيار عسكري مباشِر ولكنه ليس الأول كما كانت الحال في الاستعمار الكلاسيكي القديم ، فثم الآن استعمار بالوكالة تباشره نخب الفكر والسياسة التي تُشَوِّهُ العقل وتحكم بالجور ، فلا تصون الثوابت الأيديولوجية والأخلاقية ، ولا تعدل في قضية ولا تَقْسِمُ بِسَوِيَّةٍ ، فهي ، كما تقدم ، نخب القمع والحراسة : قمع المجتمعات وحراسة مصالح المركز في الأطراف ، فذلك رأس هرم آخر في الداخل يضاهي رأس الهرم الخارجي : المركز بمؤسساته السياسية والاقتصادية .... إلخ ، فما النظام السياسي المحلي إلا صورة مصغرة من مثال قياسي وهو النظام السياسي الدولي ، وكما تظهر الأمراض العقلية والاجتماعية والصحية ...... إلخ ، كما تظهر في الأطراف من جراء هذه السياسة الجائرة فهي تظهر في المركز الغني المترَف الذي لم يحقق السعادة المنشودة ، بل كان من عاجل العقوبة أن فشت فيه ، أيضا ، الأمراض الاجتماعية والنفسانية ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، وربما كانت أمراضه أشد فَتْكًا ، كما يقول بعض الباحثين وهو من أبناء المركز بل وَمِنْ صُنَّاعِ هذه السياسة الجائرة فلم يخل من نوبة صدق ! أبان فيها عن حقيقة الأمر ، فالحضارات الغنية في تاريخ الإنسانية تُبْتَلَى بأعلى نسب الانتحار والإيذاء الجسدي المتسبَّب عن المخدرات والعنف .

    ومناط الأمر : نخبة رأسمالية محلية أو دولية تصوغ تسلطها في قَوَانِينَ ومراسيم ومبادئ حاكمة ، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب ، فظاهرها الحرية والإخاء والمساواة ..... إلخ من الشعارات المستهلَكة وباطنها العبودية والنظرة الدونية للآخر ، واضرب له المثل بمبدأ الرئيس الأمريكي جيمس مونرو 1823 ، مبدأ ارفعوا أيديكم عن العالم الجديد ، فيخاطب أوروبا فهي مرجع الضمير في "ارفعوا" ، والعالم الجديد هو أمريكا بشطريها الشمالي الأنجلوساكسوني والجنوبي اللاتيني ، فظاهر المبدأ الرغبة في الحرية والاستقلال وتقليص النفوذ الاستعماري الأوروبي في الشطر الغربي من الكرة الأرضية ، وله باطن أول وهو رغبة أمريكا في الانعزال المؤقت حتى تصنع قوتها الذاتية بمعزل عن أي مؤثرات خارجية تحقيقا لاستراتيجية طويلة المدى تُفْضِي إلى نشوء إمبراطورية جديدة تَرِثُ الإمبراطوريات الأوروبية القديمة لا سيما البريطانية والفرنسية والإسبانية التي كانت تملك نفوذا كبيرا في الجوار الأمريكي : في الكاريبي وأمريكا الوسطى ونظيرتها الجنوبية ، وثم باطن ثان وهو الأخطر ، فهو ، كما يقول بعض الباحثين ، يُكَرِّسُ حَقَّ أمريكا أن تغزو أمريكا الوسطى والجنوبية إذا ما رأت في ذلك ما يحقق مصالحها الذاتية ويكاد هذا المبدأ يكون أصل كل تدخل أمريكي سافر في جمهوريات أمريكا الوسطى كجواتيمالا التي وقع فيها الانقلاب تحقيقا لمآرب شركة الفواكه الكبرى في أمريكا والتي كانت تحتكر المزارع في جواتيمالا فلما جاء نظام وطني يروم استعادة الحق المغتصب كان الانقلاب 1954 الذي حرضت عليه الشركة وخططت له وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ونفذته النخبة المحلية المستبدة في جواتيمالا ، فتلك ترجمة دقيقة للنظرية الرأسمالية التي تحرك أجهزة الاستخبارات وتمول مراكز الأبحاث وَتُؤَثِّرُ في صناعة القرار ، فيكون الضوء الأخضر في المركز ولا بد من نخبة في الداخل تُنَفِّذُ فيكاد هذا السيناريو يَتَكَرَّرُ في كل انقلاب أمريكي ناعم أو خشن ! ، لا سيما في أمريكا الوسطى والجنوبية فذلك ما كان في جواتيمالا وبنما فضلا عن التدخلات في نيكاراجوا ، وفي الجنوب كانت انقلابات البرازيل وتشيلي والأرجنتين والإكوادور ..... إلخ ، وهي انقلابات خشنة فضلا عن أخرى ناعمة كانقلاب البرازيل الأخير إذ وصل اليمين الموالي للرأسمالية الأمريكية ، وصل إلى سدة الحكم بعد إنهاء حكم اليسار الذي استمر 15 سنة أو يزيد ، فانتهى بإلقاء رئيس ورئيسة في السجن ! ، وإن بطريقة قانونية ناعمة فضلا عن الاقتراع السياسي الشفاف ! الذي أوصل الرئيس اليميني الحالي إذ نجح في العزف على وتر الأمن فهو الجنرال القوي الذي سَيُعِيدُ للبلاد الأمن الذي افتقدته ، فتصبح خيرا من سوريا والعراق ! ، لا سيما وهي من البلاد ذات المعدلات العالية في الجريمة ، فاختاره الناس اختيارا حُرًّا من الناحية الإجرائية ولكنه موجه بآلة إعلامية صَنَعَتِ العقل الجمعي الخائف الذي يَنْتَظِرُ الجنرال القوي الصارم ليدخل في رِقِّهِ طوعا ويضحي بحريته رجاءَ الأمن ولو في كنف نظام تابع يكرس هيمنة المركز على بلد خَرَجَتْ عن طوعه ، ولو حِينًا ، وحققت نتائج اقتصادية واجتماعية جيدة فاستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير ، فكان من العقاب الناجز ، لو تدبر الناظر ، ما يجري الآن في غابات الأمازون من حريق والنظام فيه متهم رَئِيسٌ فِي ظِلِّ ما يَتَرَدَّدُ من أَنْبَاءٍ ، والله أعلم بالصحة أو الكذب ، أنه يَنُوبُ عن المركز في محاولة السيطرة على ثروات تَقْبَعُ تحت أرضِ الأمازون ولو أُحْرِقَ بِمَنْ فِيهِ ! ، فكل أولئك ، لو تدبر الناظر ، من مخرجات مبدأ مونرو الذي توسع فيه من توسع من رءوساء أمريكا التالين ، فكان التوسع الثاني في أمريكا الشمالية ونظيرتها الجنوبية نهاية الحرب العالمية الثانية إبان حكم الرئيس فرانكلين روزفلت ، ثم كان التوسع الأكبر فقد صار هذا المبدأ عالميا بعد أن كان إقليميا ، فانتقل من شطر الكرة الأرضية الغربي إلى العالم كله مع انتقال أمريكا من قوة إقليمية إلى أخرى عالمية فصار ذريعة لأي تدخل أمريكي سافر في العالم كله لا في شطره الغربي فقط ، وهو ما اتخذ عناوين عدة تَتَغَيَّرُ تَبَعًا لِتَغَيُّرِ الحال ، فكان العنوان في الشطر الثاني من القرن الماضي : مكافحة الشيوعية ، وصار اليوم مكافحة الأصولية الإسلامية ولكلِّ مرحلة عنوان يلائمها وعدو يناسبها ، والنخبة في المركز هي من يضع العنوان بما لها من نفوذ في السياسة والحرب والاقتصاد والإعلام ، فهي النخبة القائدة التي تصنع أخرى تابعة في الأطراف ليس لها دور إلا الإنفاذ مع هامش مناورة يَتَّسِعُ تارة وَيَضِيقُ أخرى ، ولكنه لا يخرج عن السيناريو الرئيس الذي تحركه بواعث الشح والأنانية ، وتلك بواعث كل نخبة مستبدة إن في المركز أو في الأطراف ، فإن المجتمعات في المركز قد يؤلمها ما تَرَى من حروب ودماء وانتهاكات في الأطراف فهي تُلَامِسُ بَقَايَا الفطرة الآدمية فيها فقد تَتَأَثَّرُ وقد تَذْرِفُ الدمع وتمارس الإنكار والشجب .... إلخ ، مع هامش حرية أوسع ونطاق عَمَلٍ أهلي أرحب ، ولكن كل أولئك ليس إلا وسائل لتفريغ الشحنة العاطفية كما الحال في التظاهرات السياسية التي تَغْلِبُ فيها العاطفةُ الفكرةَ ، فضلا أن الأمريكي أو الأوروبي بعد أن يَتَفَاعَلَ مع المأساة التي تَسَبَّبَتْ فيها بلاده ، فَيُجَاوِزَ حَدَّ التعاطف إلى المطالب ، فالنخبة في المركز مباشرة تذكره أن ما يطلب من العدل والإنصاف في الأطراف قد يُفْضِي إلى ضيق في معاشه ! ، فهو ، كما يقول بعض الباحثين في الشأن الاقتصادي الانْتِهَازِيِّ ، فهو يعتمد في حياته بشكل مباشر أو غير مباشر على استغلال الشعوب النامية في الأطراف بما يستنزف من مواردها الطبيعية ويستجلب من عمالتها الرخيصة ، فهل يطيق الاستغناء عن هامش رفاه فضلا أن يَرُدَّ الحق المنتهب كله ؟! ، وهو الذي يثور ويضج بالشكوى مع أي ارتفاع طفيف في أسعار الوقود واضرب له المثل القريب المشهود بِتَظَاهُرَاتِ السترات الصفراء في فرنسا أُمِّ الحريات ! ، فَقَدْ ثَارَ الناس احتجاجا على زيادة أسعار المحروقات ، ولا يخلو تظاهرهم من رأي معتبر إذ يشكون كما الأطراف من تَسَلُّطِ النخبة المركزية الحاكمة في مثال رأسمالي نيوليبرالي ذي ميول يمينية وإن لم تكن صريحة ، ولكن هذا الشعب هو نفس الشعب الذي يعلم أن 85% من ثروة غرب إفريقيا ، أو إفريقيا الفرنسية كما يسمونها ، أَنَّهَا تقبع في أقبية البنك المركزي الفرنسي فلولا ثروات إفريقية المنهوبة ما قامت لفرنسا قائمة وهو ما صرح به الرئيس الأسبق جاك شيراك ولم تنقصه الشجاعة أن يقر أن فرنسا ليست إلا قرصانا اقتصاديا بدرجة دولة ! ، فهل يطيق الأوروبي الأبيض صاحب العيش المرَفَّهِ أن يَتَخَلَّى عن بعض حظه في الرفاه تضامنا مع أخيه الأسود أو الملون في الجنوب ؟! .

    والله أعلى وأعلم .


  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    وتأمل ما كان في مصر الاشتراكية ! ، وهي مثال للحكم المركزي ذِي البناء الهرمي المتدرج فِي مستويات السلطة ، فقد نجح النظام الذي حكم في الخمسينيات وما بعدها ، نَجَحَ فِي صناعة هَرَمَيْنِ من البيروقراطية : البيروقراطية الإدارية فَثَمَّ جهاز حكومي متضخم يشتري السلم الاجتماعي بما يمنح من رواتب بلا عمل ولا إنتاج ، فهي بدل ولاء ، من وجه ، وبدل بطالة من آخر ، فسوء الإدارة قد استنزف الخزانة العامة ، إِذْ ثَمَّ رواتب تدفع بلا نظير يعدلها أو يقاربها من مُنْتَجِ السلعةِ أو الخدمةِ ، بل البيروقراطية الحكومية قد ساهمت بما تَرَاكَمَ من فساد ، فساد الإدارة والرشوة والمحسوبية ..... إلخ ، قد ساهمت بما تَرَاكَمَ من ذلك في ضعف الخدمة والإنتاج ، فهي تَسْتَنْزِفُ الخزينةَ العامةَ بما يصرف من رواتب ، وتستنزف ثروة المجتمع بما تقبض من رِشًى وعمولات .... إلخ ، فضلا عن سوء المخرَج والمنتَج سلعةً أو خدمةً ، فذلك ما يضطر المجتمع أن يدفع من المال العام مَرَّةً بَعْدَ أخرى لإصلاح ما فَسَدَ ، فالمنتج الرَّدِيءُ يُفْسِدُ الحال ولا يصلحها وإن ظن صاحبه أنه يُصْلِحُ ، فَثَمَّ تكلفة علاج وإصلاح ، واضرب له المثل بمنتج غذائي فاسد فإنه بِمَا يَتَرَاكَمُ من أضراره يَسْتَنْزِفُ مِيزَانِيَّةَ الصحة العامة في العلاج مع أن الوقاية خَيْرٌ وَأَوْفَرُ فَلَوْ حُسِمَتْ مادة الفساد أولًا ما اضطر المجتمع أن يدفع من ثَرْوَتِهِ ثانيًا ليعالج المرض .
    فهذه البيروقراطية الحكومية قد زادت الحال سوءا وزادت المجتمع فَقْرًا وضعفا فهي ، لو تدبر الناظر ، آلةُ تَحَكُّمٍ وسيطرة ، فهي تقيد المجتمع إذ تَرْبِطُهُ بالسلطة رَبْطًا مباشرا ، فَهُوَ يَنْتَظِرُ آخر الشهر لِيُمْنَحَ الرَّاتِبَ أو المنحة ، وذلك ما يجعل الجمعية العمومية للبيروقراطية الحكومية ، وهي هيئة الموظفين ، وذلك ما يجعلها تُنَافِحُ عن النظام فقد ارْتَبَطَتْ مصالحها به ارْتِبَاطًا مباشرا فَبَقَاؤُهَا مِنْ بَقَائِهِ ، لا سيما رجال الصفوف العليا ، فَكُلَّمَا عَلَتْ درجة العنصر في هذا الهرم كان أحرص على بَقَائِهِ ، فَانْتِفَاعُهُ منه أعظم ، لا سيما إن فَتَحَ قَنَوَاتِ الفساد فَمِنْهَا يَرْبَحُ وَيَثْرَى ، وهي بيروقراطية تُضْعِفُ المجتمع بما تُقَدِّمُ مِنْ خدمات رَدِيئَةٍ ، وما تستحل من المال العام اختلاسا أو المال الخاص رشوة أو إتاوة ..... إلخ ، وإلى جوار هذه البيروقراطية الإدارية التي جاوزت المليون ، كما يذكر بَعْضُ الْكُتَّابِ إذ يحكي عَرْضًا أمريكا لِلنِّظَامِ فِي الخمسينيات أَنْ تُعَادَ هيكلة الحكومة المصرية فلا تحتاج إلا 180 ألفا من الموظفين فقط ، فالباقي زِيَادَةٌ تُزْحِمُ دواوين الدولة ومكاتبها ، وهو ما تضخم بعد ذلك وَأَيُّ زَائِرٌ لِدَوَاوِينِ الحكومة المصرية يَتَنَدَّرُ من الصورة الكاريكاتيرية من اجتماع الموظفين على المكاتب في دوائرَ ضَيِّقَةٍ تَتَّسِمُ بالمودة والحميمية ! ، فإما أن يجتمعوا على الأكل وإما أن يجتمعوا على الثَّرْثَرَةِ التي تطال أدق تفاصيل الحياة الخاصة رجالا ونساء ! ، وتلك ، بداهة ، حَالٌ مزاجية تَنْفِرُ من أي عمل يَنْفَعُ ، فَيَشِقُّ عليها البحث في الملفات القديمة المتهالكة فَثَمَّ ، من وجه آخر ، تخلف تِقَنِيٌّ ، وثم نقص في برامج التدريب والتطوير إذ الميزانية لا تسمح ، كما هي الحال في ميزانية التعليم في مصر على سبيل المثال ، فأكثرها يذهب في الرواتب والحوافز والبدلات ، وَأَقَلُّهَا يُنْفَقُ في تَرْمِيمِ مَا تَبَقَّى من الأبنية المتهالكة وطباعة ما تَيَسَّرَ من الكتب التي لا تقدم مادة علمية نافعة ، فَغَايَتُهَا أن تكون أدوات تَلْقِينٍ تَقْتُلُ ملكة النظر والاستنباط فهي تُرَسِّخُ التَّقْلِيدَ الأعمى ، وذلك وصف يلائم أي رأس في الدين أو السياسة يَرُومُ الطغيان ، فلا يطيق مَنْ يُفَكِّرُ إذ يملك قوة النقد والتفنيد التي تُزَيِّفُ رياساتهم بالأدلة الصحيحة ووجوه الاستدلال الصريحة .
    فكان من تضخم هذه البيروقراطية ما ازدحمت به المكاتب والدواوين بلا قيمة مضافة ، فلا يعدل المخرَج ما يكون من مدخَلات التوظيف والتدريب ..... إلخ ، فالموظف غير الكفء عبء على الجهاز الإداري فهو يأخذ ولا يُعْطِي ما يضاهي المأخوذ ، فَتَزْدَادُ الخسائر بما يكون من تَرَاكُمِ الصورة آنفة الذكر : أخذ بلا عطاء ، فوصفه في المركز أنه العمالة غير الذكية وهي عمالة غير مدربة فلا تصلح إلا للأعمال الشاقة التي تَعْتَمِدُ على المجهود البدني دون آخر عقلي يضاهيه وذلك ما يجعل جلوسها على مقاعد الإدارة كَارِثَةً عظمى ، فَلَيْسَ لها الرغبة في العمل ابتداء ، وليس لَهَا القدرة على العمل إذا رغبت ، فَبِيئَةُ العملِ فاسدةٌ : برامجَ تدريب وتطوير فالموظف غير مؤهل لا من الناحية الدراسية ولا من الناحية الإجرائية لا سيما إن احتل المكان الشاغر برشوة أو محسوبية أو نفاق يحمل اسم الولاء وذلك ما يلحظه الناظر لحظَ التَّنَدُّرِ أيضا ! فَيَجِدُ حملة مؤهلات نظرية يحتلون مناصب في مؤسسات عَمَلِيَّةٍ تَفْتَقِرُ إلى مهارات خاصة لا يَعْلَمُ عَنْهَا دارسُ العلوم النظرية شيئا ! فحال هذا الموظف بداهة أنه لا يعمل ولا يريد أن يعمل وإن أراد العمل فهو لا يفقه ما العمل ؟! فَعِنَايَتُهُ تَنْصَرِفُ أَنْ يُعَوِّضَ ما دفع ! ولو اختلاسا أو رشوة أو تَقَاعُسًا عن العمل فهو يقبض الراتب دون جهد يناظر وذلك في حد ذاته فساد وإن لم يكن فجا كفساد الاختلاس أو الرشوة ، فَبِيئَةُ العمل ، كما تقدم ، فاسدة ، بَرَامِجَ توظيفٍ وتطوير وأدواتِ تنفيذٍ ، ومنظومةَ تحكمٍ وسيطرةٍ قد جمعت أوصاف النقص : فَسَادًا وَتَرَهُّلًا ، فَتَحَوَّلَتْ هَذِهِ الكتلة الوظيفية غير المنتجة إما لفساد في التوظيف والتدريب أو آخر في الذمة والضمير ، أو لكلا الوجهين وهو ما يغلب في مراحل العجز والترهل ، تحولت إلى عبء على الميزانية ، فجهاز وظيفي يبلغ مليونا من العاملين ، وحاجة المجتمع لا تتجاوز 180 ألفا ، جهاز كهذا يلتهم ميزانية الدولة ، لا سيما إن كانت دولة مدينة مفلسة مع فساد رءوسها في معظم مستويات القيادة العليا : السياسية أو الإدارية ، فأكثر المخصَّصَاتِ تَتَوَجَّهُ إلى سداد أصول الدين وفوائده المتراكمة ، فضلا عن بند الرواتب فهو بَنْدٌ كبير في رَقَمِهِ ضعيفٌ في أَثَرِهِ ، فليس ثم إنتاج يضاهيه ، كما تقدم ، وهو ما يُفْضِي إلى انهيار القوة الشرائية فالعملة ضعيفة إذ ليس ثَمَّ إنتاج يضاهي ما يطبع من النقد ، والبيروقراطية شديدة المركزية والفساد والتَّرَهُّلِ ليست بداهة منتجةً لِتَقْوَى بها العملة أو تَسْتَقِرَّ فهي أبدا إلى انهيار سواء أكان متدرجا أم مفاجئا ، فَثَمَّ طبقة من البيروقراطية الطفيلية التي تستنزف ثروة المجتمع بلا عائد فهي ، من هذا الوجه ، تضاهي الرأسمالية الطفيلية التي لا تعرف إلا لغة الربح المجرد فهو رقم لا أكثر دون توجه إلى إقامة قواعد إنتاج محكمة تحقق القيمة الاقتصادية المضافة تنمية لا نموا يقتصر على رقم لا يعكس نشاط إنتاج وإنما يعكس نشاط استيراد واستهلاك يعم كافة شرائح المجتمع ، كلٌّ بما يملك من مدخرات ، فهو نمطُ استهلاكٍ يَسْتَنْزِفُ مدخراتِ المجتمع ، وَيُرَسِّخُ ثقافة الاستهلاك لا سيما في النخبة الثَّرِيَّةِ التي يَتَوَجَّهُ إليها خطاب المستثمر الرأسمالي الطفيلي فهو يغرق أسواقها ومجمَّعَاتها التجارية الكبرى بِسِلَعٍ يغلب عليها وصف الكمالي وربما التافه في أحيان كثيرة مع ما يكون من التَّبَارِي في إظهار الوجاهة بشراء كلِّ جديدٍ مستطرف وإن لم يكن ثم حاجة إلا الرياء ولفت الأنظار فذلك ما يحكي حال الإفلاس الفكري والحركي في هذه النخبة التي لا تَتَحَرَّكُ في العادة إلا إذا كان الباعث شهوة أو نزوة غاية صاحبها أن يجرب لا أكثر فسرعان ما يَمَلُّ وَيَنْتَقِلُ إلى سلعة جديدة ، وهو ما يزيدُ فُرَصَ رأسِ المالِ الطفيلي أن يحقق مزيدا من الأرباح فهو يُغْرِقُ الأسواق كل يوم بِسِلَعٍ جديدة دون الاشتغال بإقامةِ قواعدِ إِنْتَاجٍ لصناعات ثقيلة أو ذات مستوى عال من التقنية تحقق القيمة المضافة لأيِّ اقْتِصَادٍ نَاهِضٍ ، ولو على المدى البعيد الْمُتَرَاكِمِ ، فذلك ما لا يحسنه رأس المال الطفيلي الباحثُ عن الربح السريع ، فهو يستثمر في رغبات الأغنياء في الكماليات ، واحتياجات الفقراء من الأساسيات ، لا سيما إن كان محتكِرًا يجيد صناعة الأزمات والاستثمار فيها ، وهو ما يَعْظُمُ شؤمُه إن تَحَالَفَ رأس المال الطفيلي مع طبقة سياسية فاسدة ، سواء أكان الفساد فَجًّا كما الحال في الأطراف فَثَمَّ تحالف مباشر بَيْنَ رأس المال الطفيلي والطبقة السياسية ونظيرتها البيروقراطية لا سيما مستويات الحكم العليا فهي الأعظم نفوذا والأعظم فسادا والأعظم ثَرَاءً ، وقد يَزْدَادُ الأمر سوءا إن كانت الطبقة السياسية الحاكمة هِيَ طبقة رأس المال الطفيلي فهي تحكم وَتُتَاجِرُ وذلك ما يُفْضِي إلى انهيار الاقتصاد على المدى البعيد بما يَتَرَاكَمُ من كساد إذ يعزف رأس المال الخاص أن يستثمر فلا يتحرك في دوائر الاقتصاد لا سيما المتوسطة والصغيرة فهي تخشى بأس السلطة وليس لها من النفوذ والحظوة ما به تحمي نَفْسَهَا لا سيما إن كانت الحال قَهْرًا واستبدادا ، فكلما زَادَ عنف السلطة انهارت عُمْلَتُهَا في ارْتِبَاطٍ شرطي لطيف يحكيه بعض المحققين ، فإن العنف يحمل أي عاقل أن يحجم في بيئة استثمار غير آمنة ، فليس ثم من الضمانات ما به تأمن رءوس الأموال من المصادَرَةِ والمنافسة غير العادلة إلا ما يكون من ضروري العيش فيكون الاستثمار في بِيئَةٍ كهذه ضرورةً تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، فَلَيْسَتِ الحالُ حالَ اختيارِ وَسَعَةٍ ، ويكون من السلامة أن تُهَاجِرَ رءوس الأموال إلى بِيئَاتٍ أخرى آمنة ، فَيُحْفَظُ المال من المصادرة ، ويحفظ من انهيار قوته الشرائية ، إذ يَتَحَرَّكُ طَلَبًا لربحٍ يُقَلِّصُ هامش الخسارة على أدنى تقدير ، هامش الخسارة من جراء التضخم المتصاعد الذي يستنزف الربح حلالا بالبيع أو حراما بالربا ! ، فإن تعذر ذلك فالمال يهجر السوق بتجميده في أصول تحفظ قيمته من أرض أو عقار أو ذهب أو عملة أجنبية قوية .
    فالشؤم يعظم ، كما تقدم ، إذا تحالف رأس المال مع نخبة السياسة ، فيكون الفساد فَجًّا كما هي الحال في الأطراف أو ناعما كما هي الحال في المركز فإنه لا يخلو من هذا الوصف وإن كانت رأسماليته أرسخ وأقوى فقد حققت من القيمة المضافة ما لا يُنْكِرُهُ إلا جاهل أو جاحد ، ولكنها ، كما يقول بعض الفضلاء ، لم تخرج عن حد الوجاهة التي يُرَائِي صَاحِبُهَا بما يُنْفِقُ فِي مجالات بحث لا تعود على العالم بالنفع ، بل ولا تَعُودُ عَلَى المركز بالنفع المباشر ، فليس إلا تكريس السيادةِ انطلاقا من نظرية : (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، فَثَمَّ مَا اصْطَلَحَ الفاضل آنف الذكر أن يطلق عليه لَقَبَ "التَّبْذِيرِ الْوَجَاهِي" ، وقد مثل له بمسبار "كوريوسيتي روفر" الذي تكلف 2,5 مليار دولار ! ، فهو يكرس وجاهة المركز ويكرس سيادته على الأرض فقد جاوزها إلى السماء ، ولسان حاله لسانُ مقالِ يأجوج ومأجوج : "قَدْ قَتَلْنَا أَهْلَ الْأَرْضِ، فَتَعَالَوْا نُقَاتِلْ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ السَّمَاءَ بِنِبَالِهِمْ وَنُشَّابِهِمْ، فَتَرْجِعُ مُخْتَضِبَةً دَمًا ، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَتَلْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ" ، فقد غَلَبُوا أهل الأرض وَقَهَرُوهُم فَتَوَجَّهَتْ أنظارهم إلى السماء لتكون لهم السيادة في الْبَرِّ والبحر والجو ! ، فكذلك طبقة السياسة والمال في الأطراف وإن كان المثال أسوأ وأردأ ، فإن ما يُنْفِقُهُ المركز في مشاريع الوجاهة في السماء ولا تخلو من قِيمَةٍ بَحْثِيَّةٍ مضافة ، فالأطراف تُنْفِقُهُ في مشاريع الوجاهة في الأرض قصورا ومنشآت لا قيمة لها تُضَافُ بل هي مِمَّا يَسْتَنْزِفُ المال العام ولا يحقق فرص عمل مستدامة ، ولو في مشروعات استهلاكية ، فلا هو أقام قاعدة إنتاج تضاف إلى الاقتصاد ، ولا هو أقام قواعد خدمة في التعليم والصحة كما يضرب الفاضل آنف الذكر المثل بما أنفق في المسبار "كوريوسيتي روفر" ، فهو يكفي في إِنْشَاءِ بِنْيَةٍ تحتية لدولة مالي ، في المياه النظيفة والصحة ، فضلا عن تَوْفِيرِ فُرَصِ تعليم لملايين من الطلبة ، ولا هو وَفَّرَ فُرَصَ عملٍ مستدامة ولو في أنشطة اقتصادية استهلاكية تافهة ! ، ولا هو كفى الموازنة العامة عبء نفقاته ! .
    ومع تراكم الفساد وضعف الكفاءة في هذه البيروقراطية تَبْرُزُ الحاجة إلى إعادة الهيكلة لِتَقْلِيلِ الخسائرِ ، فَثَمَّ مالٌ يُدْفَعُ أو يُطْبَعُ بِلَا إِنْتَاجٍ يضاهيه وذلك ، كما تقدم ، من شؤم ما صنعت هذه البيروقراطية غير المنتجة ، فلا قيمة لَهَا تضاف إلى اقتصاد المجتمع اللهم إلا ما يكون من إنفاقٍ في ضرورات المعاش من غذاء ودواء ومسكن وملبس ... إلخ ، فذلك ما يحرك دوائر اقتصادية دُنْيَا تَعُودُ بالنفع المباشر على المجتمع ، جَرْيًا على نظرية الاقتصاد الكينزي نظرية "التدفق الْفَعَّالِ" ، فحصول المال في يَدِ العامة يُحَرِّكُ دَوَائِرَ اقتصاديةٍ حَوْلَهَا بما يكون من تعاظم قدرتها الشرائية وذلك ما يحفز الصانع أَنْ يُصَنِّعَ والمستورِد أن يَسْتَوْرِدَ ...... إلخ ، ومع ذلك فهذه النظرية لا تحقق الغاية من الإنفاق ، فالبيروقراطية لا تَتَقَاضَى رواتب مجزية تُوَفِّرُ لَهَا عيشا كريما يَعُفُّهَا أن تكسل فلا تَعْمَلَ إِذْ لا مقابل عادلًا يُبْذَلُ ، أو تختلس أو تَرْتَشِي أو تَفْرِضَ الإتاوة لتستكمل احتياجاتها لا سيما إن كان لها من قوة الإنفاذ المباشر ما يجعلها تُرْهِبُ صغار التجار والصناع ، كما يُضْرَبُ المثل بِتَصْرِيحٍ مشهور لوزيرِ داخلية مصري يُفَاخِرُ فيه أن رجاله يعرفون كيف يستكملون رواتبهم فلا يحتاجون إلى مخصصات إضافية تُرْهِقُ الميزانية فقد كَفَوْهَا المؤنة بما يفرضون من إتاوات وَيَتَقاضَوْنَ من رشى ، فالمجتمع هو الذي يُوَفِّرُ هذه المخصصات الإضافية من جيبه على وجه يفضي ، كما تَقَدَّمَ مِرَارًا ، إلى استنزاف ثروة المجتمع بأدوات إنفاذ وظيفية تَتَّسِمُ بضعف الكفاءة وخيانة الأمانة ، فَتِلْكَ بِيرُوقْرَاطِيَّةٌ تفتقر إلى إعادة الهيكلة ، وهو ما يستثمر ، من وجه آخر ، في هدم البنيان فجأة ، لا سيما إن كان ثم هوى للسلطة فَهِيَ تَرُومُ تَوْفِيرَ النفقات التي تُسَدِّدُ بها ديونها أو تستكمل بها قصورها أو تَضُخُّهَا في استثماراتها الخاصة وإن من جيوب العامة بما تَسْتَقْطِعُ من الضرائبِ وَتُقَلِّصُ من الرواتب ومزايا الدعم الاجتماعي ، أو كان ثَمَّ أمر مباشر من جهات التمويل الدولية التي تخضع لسياسات المركز فهو الآن نيوليبرالي شرس قد فَرَضَ على الأطراف من بَرَامِجَ التقشف وتقليص بنود الدعم والأجور ما خضعت له السلطة التابعة في الأطراف تحت عناوين تشريعية من قَبِيلِ "قانون الخدمة المدنية" ، فهو ما يُتَّخَذُ ذريعةً إلى تصفية هذه البيروقراطية المتراكمة على عجل دون تَرَوٍّ أو نَظَرٍ في بُعْدٍ اجتماعي يُوَفِّرُ البدائل المناسبة من فُرَصِ التدريب والتوظيف ، فَلَيْسَ ثَمَّ إلا الرغبة الجامحة التي امتلك صاحبُها أداة السلطة القامعة فهو يُرَاهِنُ على العنف المفرِط الذي يُرْهِبُ المجتمع أَنْ يَتَحَرَّكَ لا سيما وَثَمَّ ظَهِيرُ إقليمي ودولي يدعم ، فإعادة الهيكلة في هذه الحال هي ، لو تدبر الناظر ، من الحق الذي يُرَادُ به الباطل ! ، وقل مثله في إعادة التخطيط والتطوير لمناطق دون توفير البديل المناسب فليس إلا رغبة أخرى جامحة في إخلاء المواقع المتميزة تمهيدا لِبَيْعِهَا أو إقامة مشاريع ذات طابع رأسمالي طفيلي يحقق للسلطة ودوائرها المقرَّبَةِ أعظم الأرباح ولو على حساب المجتمع ، فهو ، أبدا ، من يدفع الثمن ! ، فالنية أصل كل عمل ، فقد يكون صحيحا في نفسه ولكن فساد النية يفسده ، فصاحبه يَتَذَرَّعُ أنه يَرُومُ الصالح العام وقد يبدو الأمر كذلك لا سيما إن نُفِّذَ بطريقة صحيحة عادلة ، ولكن فساد نِيَّتِهِ لا يَنْفَكُّ يظهرُ في قوله وعمله .

    فإذا قال قائل ، على سبيل المثال ، إِنَّ بَلَدًا ما يحتاج إلى توسع عمراني يخفف الأعباء عن الحواضر القديمة ، فيكون الانتقال إلى أخرى جديدة ، فذلك ما لا يخلو من وجاهة ، ولكنه صاحبه كعادته ! يبطن ما لا يظهر ، فإن الشرط في أي مشروع ناجح أن يستغرق نفعه جَمِيعَ طبقات المجتمع ، فلا يكون مشروعا لنخبة وتكون الدعاية أنه للعامة فهو ، بِزَعْمِ القائل ، مشروع قومي وليس إلا مشروع السلطة ونخبها العليا التي تَرُومُ الانتقال بعيدا عن الزحام ، وتروم الاستمتاع بِرَفَاهِ العيش في حاضرة الملك الجديدة فضلا عن توفير درجة أعلى من الحماية إذ الهوة بَيْنَ النخبةِ والمجتمعِ قد اتسعت فهي تخشى بأسه ما لا تخشى غيره ، فهو العدو الناجز من داخل فخطره يفوق أي عدو من خارج ! ، فقد يكون المشروع نافعا ، ولكنه ليس واجب الوقت ، فمحله الثاني لا الأول ، فالنظر فيه يكون على مدى أبعد ، فضلا أنه لا يحقق الغاية إلا أن يكون مشروع المجتمع لا مشروع النخبة .


    فالنخبة الرأسمالية التي احتكرت الثروة قد نجحت بامتياز في اختراق هَرَمِ السلطة السياسي والإداري فَضْلًا عن مؤسسات الرقابة والمحاسبة ، وسلطةِ الضبطِ والإحضار وَنَظِيرَتِهَا في القضاء وَثَالِثَتِهِمَا فِي التشريع فالرأسمالية تملك من أدوات الضغط السياسي الناعم ما يجعل لمصالحها اعتبارا حالَ نَظَرَ المشرِّع الأرضي فهو يحظى بِتَمْوِيلٍ ودعم رسمي وآخر غير رسمي ! ، على وجه يدل يقينا على افتقار المراجع الأرضية إلى الأسباب المادية والمعنوية فليست أهلا أن تُشَرِّعَ إذ لا تخلو من حظ نفس به تُحِلُّ أو تُحَرِّمُ ، فَثَمَّ دعم رسمي ظاهر فجماعات الضغط السياسي تمول حملات المترشحين إما إلى المناصب التنفيذية أو نظيرتها التشريعية ، وثم آخر غير رسمي وهو ما يمرر من تحت الطاولة من صفقات أو عمولات ...... إلخ ، فتلك صورة الفساد المباشر الذي يَزْدَهِرُ في البيئات البيروقراطية آنفة الذكر ، لا جرم كان ازدهاره في الأطراف أظهر ، إذ البيروقراطية الفاشلة الفاسدة فِيهَا أَرْسَخُ ، فضلا عن القمع السياسي والأمني فَدَوْرُ مراكزِ النفوذ داخل أجهزة الدولة يَتَعَاظَمُ بما تملك من صلاحيات واسعة وحماية من أعلى مستويات السلطة ، وهو ، كما تقدم مرارا ، ما يستغرق جميع مستويات الهرم السياسي والإداري ، وإن تَرَكَّزَ في القمة وما يقاربها من مستويات القيادة العليا وهو ما يقيم الحاجز شَيْئًا فَشَيْئًا بين القمة والقاعدة ، لا سيما والفساد في القاعدة أقل ، ولو في الجملة ، فمؤشر الفساد في الأنظمة المركزية المستبدة عال إن في القمة أو في القاعدة ، ولكن القاعدة أقل فسادا ولو عجزًا لا عفةً ! ، فليس لها من الصلاحيات والحماية ما لِلْقِمَّةِ ، فإذا نظرت القاعدة وهي من جملة من يكدح وإن كانت حالها من العامةِ أفضل ، إذا نظرت القاعدة في حال القمة التي تَرْفَلُ في نعيم السلطة فَفَسَادُهَا قد أَزْكَمَ الأنوف ، فذلك ما يَزِيدُ في الهوة بَيْنَ القمة والقاعدة وَيَزِيدُ مِنْ حَالِ السخطِ الْمُتَرَاكِمِ في نفوس صغار العاملين في أي بِيرُوقْرَاطِيَّةٍ سواء أكانت إدارية كما ضُرِبَ المثلُ آنفا ، أم عسكرية ، فتلك هي البيروقراطية الثَّانِيَةُ التي نجح نظام الحكم المصري في الخمسينيات أَنْ يُشَيِّدَهَا ، أو يستكمل ما شَرَعَ فيه الاستعمار قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ إذ وضع حجر أساس محكم لهذه البيروقراطية العسكرية أداةِ التحكم والسيطرة والقمع لأي حِرَاكٍ يُهَدِّدُ مَصَالِحَ المركز في الأطراف ، فجاء نظام يوليو 52 ليستكمل ما بدأ الاستعمار ، فَأَحْكَمَ بُنْيَانَ التَّنْظِيمِ الفاعل في هذه البيروقراطية العسكرية التي احتكرت أدوات العنف أكثر ، فهي على جادة الباشا الأول ، فلا تمكن صناعة تَنْظِيمٍ صغير يحكم مجتمعا كبيرا إلا إذا نجح التَّنْظِيمُ في إحداثِ فارقٍ هائل في القوة ولا يكون ذلك إلا بتجريد المجتمع من أدواته الفاعلة صلبة أو ناعمة ، فَجُرِّدَ من سلاحه وَجُرِّدَ من أوقافه وَجُرِّدَ من استقلال مؤسساته الفكرية والتعليمية التي تصنع الثقافة والهوية ، فهذه البيروقراطية العسكرية قد أَنْشَأَتْ جَيْشًا كَبِيرًا ناهز 600 ألف عنصر إن لم تخن الذاكرة وهو رقم كبير في مقابل عدد السكان آنذاك ، فتضخمت كلا البيروقراطيتين : المدنية والعسكرية ، فهما أداتا التحكم والسيطرة في المجتمع ، وكلاهما قد اسْتَشْرَى الفساد في أركانه ، لا سيما في مستويات القيادة العليا ، فذلك ، أيضا ، ما يَتَرَاكَمُ في هرم البيروقراطية العسكرية كما المدنية ، فصغار العناصر تسخط ما تَرَى من فَسَادِ النخبة ، ولو حسدا من عند أَنْفُسِهَا فَلَوْ بَلَغَتْ مَا بَلَغَتِ القيادة لفسدت كما فسدت إذ آلة الإفساد محكمة فهي ضمان الحفاظ على التنظيم وحماية مصالحه وَتَثْمِيرِ مكاسبِه ، فَيَتَرَاكَمُ السخط في نفوس القاعدة بَمَا ترى وتسمع من فساد القمة ، لا سيما إن كانت تخوض المعارك في سبيل القيادة أن تَثْرَى وَتَنْعَمَ وَتُضَارِبَ بِدِمَائِهَا في بورصة السياسة البراجماتية اللاأخلاقية ، فَتَتَّسِعَ الهوةُ بين القمة والقاعدة ، وَيَعْظُمُ السخط فِي المستويات التنفيذية الدنيا التي تُبَاشِرُ الأمر ، فذلك ما يَتَوَاتَرُ في أي تنظيم هرمي ، عسكري أو مدني ، لا سيما في أدواره الأخيرة التي تَتَّسِمُ بالضعف والترهل .

    وتلك ، لو تدبر الناظر ، سنة جارية ولو في التنظيمات الدعوية الإصلاحية ، فإن ثم حاجزا تَرَاكَمَ بَيْنَ القمةِ والقاعدةِ ، لا سيما مع تَعَاقُبِ الأجيال وَضَعْفِ الاتصال بَيْنَهَا إذ الإحلال والتجديد يَجْرِي عَلَى وَتِيرَةٍ بطيئة تحكي تَغَلْغُلَ القيم البيروقراطية الرَّتِيبَةِ في الجهاز الإداري ، فيظهر السخط شيئا فشيئا في المستويات الدنيا فهو يبدأ من القاعدة التي تشعر بالهضم وتشتكي تجاهل القيادة التي تَرُومُ تَثْبِيتَ المشهد بما يُكَرِّسُ رِيَاسَتَهَا ولو انطلاقا من قاعدة أخلاقية معتبرة ولكنها كأي مبدإ إن جاوز صاحبه الحد فاستخدمه في الضد صار وبالا عليه فضلا عن نُفُورِ الناس من الحق الذي يَتَذَرَّعُ به إلى باطل ، ولو خَفِيَ ، فحظوظ النفس مما يَخْفَى وهي من أَدَقِّ الدواخل التي لا يفطن لها التَّقِيُّ والفاجر ، وإذا وَجَدَتْ هذه القواعدُ الساخطة رأسا في مستوى عال من مستويات الإدارة ، فإنها تَلْتَفُّ حوله إذ يحكي طموحها في التغيير ولو في إطار التنظيم ، فَيَنْشَأُ الجناح تِلْقَائِيًّا في مقابل الجناح القديم ويبدأ الصراع شيئا فشيئا حتى يحتدم ويصل إلى درجة لا يمكن احتمالها ولا إخفاؤها فيكون مِنَ الصراع ما يُفْضِي إلى غَلَبَةِ جناحٍ فهو يَهْزِمُ الآخرَ وَيُهَمِّشُهُ وقد يَعْزِلُهُ فَيُجَمِّدُ عضويته أو يستبعده نهائيا ، فَتَزْدَادُ الانشقاقات ولو في القاعدة فالرأس التي تغادر التنظيم تستقطع جزءا من القاعدة وهو الجزء الراغب في التغيير ، وثم من يؤثر السلامة فيكتم رغبته في التغيير فلم يفقد الأمل بَعْدُ في التنظيم فهو يروم التغيير من خلال أدواته ، والخطر أن هذا الجزء ، كما ظهر في بعض التنظيمات الإصلاحية ذات المرجعية الإسلامية في مصر بعد 2011 وهو ما زادت وتيرته بعد الانحسار الكبير في أعقاب يوليو 2013 ، الخطر أن هذا الجزء يخرج سَاخِطًا وَقَدْ يَزْدَادُ سخطه فلا يميز بين الفكرة والتنظيم فيكون سخطه على الفكرة ولو حقا فذلك من شؤم ما اقترف التَّنْظِيمِ من بَاطِلٍ باسمها سواء أَتَقَصَّدَ ذلك أم وقع خطأ أم جمع الاثنين فلا يخلو الأمر ، كما تقدم مرارا ، من حظ نفس ، ولو خفيا لا يظهر ، وهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، ما رصدته بعض مراكز البحث الأمريكية مبكرا إذ رصدت تَمَاهِي القواعد الإسلامية الشابة مع قيم العلمانية الناعمة ، لا سيما العلمانية الجزئية التي تمكر فلا تُظْهِرُ العداء الفج لقيم النبوة والوحي ، وقد زَادَ ذلك بعد 2011 و 2013 مع فشل التنظيم في استيعاب الأحداث المتسارعة فَبِنَاؤُهُ الهرمي الصلب وبيروقراطيته في الإدارة قد أبطأت به عن طموح القواعد الشابة التي استفزت بأجواء الحرية المفاجئة ، ولم يحسن كثير منها التمييز بين الفكرة والتنظيم ، فَحَمَّلَ الفكرة أخطاء التنظيم ، فكان خروجها ساخطة وكان اقْتِرَابُهَا أكثر من قِيَمِ العلمانية وإن كُسِيَتْ ألفاظا رسالية ! ، فَنَشَأَ عَنْ ذَلِكَ لا سيما بعد ضربة يوليو 2013 المؤلمة ، نَشَأَ مِنْهَا مَا يَنْشَأُ من تَيَّارَاتٍ عَقِيبَ أَيِّ صدمة ، فَثَمَّ مَنْ غَادَرَ فاتجه في طَرَفٍ فاختار العمل المسلح فضلا عما قد يقرنه من تصلب أيديولوجي في مسائل الأسماء والأحكام تحت وطأة الخذلان الذي لاقاه من المجتمع ، فسارع بالحكم عليه الحكم العام القطعي بالمروق والانفلات من ربقة الدين الرسالي ، فَغَلَا في الحكم بلا تمييز ، فَأَلَمُ الصدمةِ قَدْ أَذْهَبَ الفكرةَ ، لا سيما وقد أَغْلَقَ الغضبُ عقلَه ، والإنسان ، كما يقول بعض المفكرين في لَفْتَةٍ لظيفة ، الإنسان قد يحتقر غيره ويحط من شأنه لأنه يحبه ! وإنما حمله ذلك أن خذله وهو يحتاجه فلم يُطِقْ إلا أن يَتَطَرَّفَ في كَرَاهِيَّتِهِ لا جرم كان الاقتصاد في الحب والبغض من أمارات الحكمة فلا تَغْلِبُهَا العاطفة ، فلا يكن حبك كَلَفًا ولا يكن بُغْضُكَ تَلَفًا ، كما أُثِرَ عن عمر ، رضي الله عنه ، فَالْكَلَفُ زيادةٌ وَالتَّلَفُ نَقْصٌ ، والعدل وسط بَيْنَهُمَا فلا إفراط ولا تفريط ، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم .
    وثم من اتجه على خلاف الأول فَغَلَا في الطرف الآخر ، فكان الانتقال إلى الطرح العلماني بعد أن فَقَدَ الثقة في الطرح الإسلامي بِمَا كَانَ من عَارِضِ عَثْرَةٍ لا تعدو أن تكون ابتلاء يُمَحِّصُ ، فلا تخلو حاله وَإِنْ نُظِرَ فِيهَا بَعَيْنِ القدر الراحمة لا سيما إِنْ فُجِعَ بِفَقْدِ عزيز أو نحوه ، لا تخلو من نظر آخر بعين الشرع الحاكمة فلا تخلو من نَقْصٍ في النظر والاعتبار ، وذلك ما لا يطيقه كل أحد ، وقد يقوله المرء في زمن سلامة وأمان وَلَمَّا يدخل قلبه الإيمان ، فإذا ابْتُلِيَ لم يُطِقْ فَكَانَ منه أسوأ مِمَّا ينكر على الآخر ، فالتحري في هذا الأمر حتم لازم والاعتدال والاقتصاد في النظر فلا تغلب عين القدر الراحمة كما يصنع بعض حتى بَلَغَتْ به الحال أن يَلْتَمِسَ لأولئك العذر في ردود أفعالهم الفكرية الحادة التي تجاوز العلمانية في أحيان إلى الإلحاد الصراح ، ولم يَبْلُغْ به الأمر حد الاعتذار وإنما انْتَقَلَ في طور تال إلى مرحلة الدفاع عن الإلحاد بذريعة الحرية الفكرية التي أصبحت بلا سقف وانتقلت من دوائر السياسة إذ عجز الناس أن يَنَالُوا حقوقهم لبطش الطاغوت ، فانتقلت من دائرة السياسة إلى دائرة الديانة فقد غرهم حلم ذي الملكوت ، جل وعلا ، ولا تغلب ، في المقابل ، عين الشرع الحاكمة فيكون الإنكار الشديد الذي يُنَفِّرُ لا سيما إن كانت حاله مما يُرْجَى خَيْرُهُ فهو في حالِ صدمةٍ عارضةٍ ليس من الفقه مواجهتها بحدة فَتَعْظُمَ النفرة وَتَبْعُدَ الرجعى .

    وتلك ، لو تدبر الناظر ، ظاهرة لا يسلم منها أي تَنْظِيمٍ إذا خَرَجَ عن الغاية الرئيسة ، ولو ضِمْنًا ، فَإِنَّ تَعَاقُبَ الأجيال على أي فكرة أو دولة يُفْضِي ، لُزُومًا ، إلى انهيار بعد اكتمال البناء ، وَضَعْفٍ بعد قوة ، فإذا تَرَهَّلَ التنظيم فمن آيات ذلك ما يَكُونُ مِنْ ضَعْفِ الصلةِ بَيْنَ القمة والقاعدة ، مع ظهور الأجنحة المتصارعة فهي ظاهرة في أي تَنْظِيمٍ صلب ، فذلك ما يسري إلى بقية أجزاء الهرم في كافة مستويات القيادة ، فَفُلَانٌ من القيادات الوسطى أو الصغرى محسوب على جناح فلان ، وآخر محسوب على جناح آخر ، وَبَيْنَهُمَا نَوْعٌ من الصراع المكتوم الذي يحكي صراعا آخر مكتوما في قمة السلطة ، وهو ما تكون فيه الغلبة لجناح على آخر ولو في إطار التنظيم فلم يبلغ الأمر حد الانشقاق الرأسي الذي يُفْضِي إلى انهيار الكيان ، وإنما يحسم الصراع للجناح الأقوى الذي يُقَلِّصُ من صلاحيات الجناح المهزوم فَيُقْصَى من مواقع التأثير في صناعة القرار وَيُوكَلُ إليه من الأمر ما لا يُؤْبَهُ له ، كما يَرَى الناظر في التنظيمات الصلبة والجيوش أبرز مثال عليها ، فالعناصر المغضوب عليها وهي التي تمثل جناحا مهزوما داخل المنظومة فَلَمْ يَتِمَّ اسْتِبْعَادُهُ أو تَصْفِيَتُهُ ، فلا زَالَ يَنْتَمِي إِلَيْهَا ، ولكنه مُهَمَّشٌ قد أُقْصِيَ إلى مكان بعيد بلا صلاحيات كبيرة ، أو آخر قَرِيبٍ تحت رقابة صارمة فِي وظيفية إدارية لا تملك صلاحية تَحْرِيكِ قطاعٍ مُؤَثِّرٍ من القوة على الأرض ، أو المشاركة الفاعلة في اتخاذ القرار ، فَدَوْرُهُ لا يجاوز حد العمل البيروقراطي في الجناح الإداري المدني ، ولو داخل كيان عسكري ، وهو عمل إلى البطالة أقرب ، إذ البيروقراطية المترهلة لا قيمة مضافة لها ولا أَثَرَ لَهَا يظهر ، فَلَيْسَ إلا مُكَاتَبَاتٍ وَمُرَاسَلَاتٍ يغلب عليها الرُّوتِينُ ، وإذا جاوز الأمر الخطوط الحمراء على وجه يُعَارِضُ قِيَمَ المنظومة ، أو يعارض مصالح استراتيجية لدوائر ضيقة محكمة في قمة الهرم ، فهي النَّوَاةُ الصلبة التي تكاد تكون تَنْظِيمًا داخل التنظيم وذلك من آثار التَّرَاتُبِيَّةِ الصلبة في مستويات القيادة داخل التنظيم ، فالرتبة الأعلى تملك صلاحيات واسعة تُغْرِيهَا أَنْ تَصْنَعَ حولها شبكاتٍ من المصالح والولاءات الخاصة فَتَنْشَأَ نَوَاةٌ صلبة في هذا الموضع ، وَتَنْشَأَ أخرى في مكان آخر ..... إلخ ، فإذا لم يكن ثم رأس ذات حشمة تمسك بالزمام فلا يَنْفَلِتُ ، فإن هذه الأنوية سوف تَنْمُو وَتَزْدَادُ على حساب الكيان نفسه ، فَتُشْبِهُ ، من وجه ، أن تكون كالورم الذي يفسد الخلايا التي تحوطه فَتَصِيرَ مثله إذ يُوَظِّفُهَا لصالحِه ، فإذا جاوز الصراع الخط الأحمر الذي يمثل مصالح نخبة مُتَنَفِّذَةٍ داخل التنظيم فهي الدائرة الفاعلة التي تملك من مفاتيح التنظيم ما لا يملكه غيرها ، فَلَهَا نفوذ أقوى وهو ما يجعل كَفَّتَهَا تَرْجُحُ في هذا الصراع الداخلي المغلق ، فلا يجاوز حدود التنظيم ولا يظهر إلى العلن ، وذلك ما لا يطول فَإِنَّ ارْتِفَاعَ حِدَّتِهِ يُظْهِرُ مَا اسْتَتَرَ ولو تسريبات من داخل الدوائر القريبة من هذا المشهد ، فَإِمَّا أن يَطُولَ أَمَدُ الصراعِ إذ الْقِوَى مُتَكَافِئَةٌ أو مُتَقَارِبَةٌ فَلَيْسَ أَحَدُهَا يرجح الآخر الرجحان التام الذي به يَحْسِمُ الصراع لصالحه فَيَتَحَوَّلُ الأمر إلى إدارةِ صِرَاعٍ يَسْتَنْزِفُ الطرفين وهو ما تستفيد منه أطراف أخرى ، فالقائد الأعلى قد يدير هذا الصراع بما يُوَاطِئُ مصالحه فلا يريد لجناح أن يَقْوَى فَيُهَدِّدَهُ أو يُمَارِسَ ضُغُوطًا بها يَبْتَزُّ القيادة ليحصل على مكاسب زائدة ، ولو في إطار المنظومة نَفْسِهَا ، فَلَيْسَ طَامِعًا في السلطة وليس ذا فكرة تخالف عن فكرتها ، ولكنه يضغط لتحقيق مصالح خاصة ، وَضَغْطُهُ مَعَ ذلك يُزْعِجُ القيادة إذ لا تَرُومُ سَنَّ هذه السنة أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ أوراقَ ضغطٍ فكلمته تُسْمَعُ ومصالحه تُعْتَبَرُ ، فذلك ما يَلْوِي ذراعَ القيادة وهو ما تَسْتَنْكِفُ أي قيادة داخل المثال الهرمي الصلب ، فلا تُرِيدُ لأحد جميلا عليها ، بل غالبا ما تبدأ بأصحاب الأيدي والصنائع ، فمن اصطنع فيها معروفا فهو أول من تُجْهِزُ عليه ، فلا تُرِيدُ لأحد من السلطان الأدبي أو المادي ما يَلْوِي ذراعها ، فَثَمَّ من له سلطان أدبي من قِيَادَةٍ عُلْيَا لَهَا رمزية جامعة ، وثم من أسدى الجميل في مرحلة سابقة ، وثم من يعلم يقينا حجم هذه القيادة فهو يهزأ بها ويتهكم ، فلا تريد قيادة كهذه مَنْ اطلع على عَوْرَاتِهَا المغلظة ! ، لا سيما إن كان تَارِيخُهَا غَيْرَ مُشَرِّفٍ ، وَثَمَّ من تَوَلَّى أمر هذه القيادة فَسَامَهَا خطة الخسف فاحتملت عداوته واستبطنت الغل والحقد حتى تسنح فرصة الانتقام ، فكل أولئك لا بد من إخراجهم من المشهد الإخراجَ الناعم أو الخشن ، إن لزم الأمر .
    وثم من يضغط من داخل المنطومة في مستويات قيادة تملك من أوراق التأثير ما يجعلها رقما فاعلا في معادلة القرار ، فالقيادة تصانعها كرها وودت لو تخلصت منها ، فيكون من صناعة الجناح أو التنظيم المضاد ، ولو داخل التنظيم ، ما يُسَعِّرُ نَارَ الحربِ بَيْنَ الأجنحة ذات الولاءات المتعارضة ، ولو داخل الكيان الواحد ، فتلك من حِيَلِ القيادة لِتَسْتَنْزِفَ الخصوم فَتَسْهُلَ السيطرة عليها جميعا ، ولا تَبْرُزَ قيادة مستريحة في مكانها تنسج خيوط الولاءات الخاصة حولها لا سيما إن كانت ذكية ذات جاذبية ، فهي تجيد التخطيط وتجيد فن العلاقات العامة ، فإذا تُرِكَتْ مَكَانَهَا زمانا دون رقابة صارمة ، ودون مضايقةٍ ناجزة تحد من نفوذها بما يكون من صراع بَيْنِيٍّ يَسْتَنْزِفُ طَاقَتَهَا فلا تَتَفَرَّغُ لصناعة شبكة خاصة من الولاءات والعلاقات فَثَمَّ مَنْ يَتَجَسَّسُ عَلَيْهَا وَثَمَّ من يناجزها فيشغب عليها ، فضلا عن التغيير المستمر في القيادات على خلفية الوشايات وتغير الولاءات وزيادة الشعبية التي تُهَدِّدُ القيادة الكَارِيزْمِيَّةِ ، ولو كانت تشكو الضآلة والتقزم في الْخَلْقِ والخُلُقِ ! ، فلا يُتْرَكُ قائدٌ في مكانه زَمَنًا يطول ، كما يحكي بعض الباحثين من سياسة الشاه محمد رضا بهلوي بعد أن نجحت الثورة المضادة التي أعادته إلى سدة الحكم 1953 ، فكانت تلك سياسته في المؤسسات الصلبة كالجيش ، وإن تُرِكَ القائد في مَكَانِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ رِقَابَةٍ صارمة وضغوط هائلة تجعله لا يشعر بالراحة والاسترخاء أبدا فَتُحَدِّثَهُ نفسه بإقامة كيان خاص ، ولا بد أن يكون بَلِيدًا جامدا فليس ذا إبداع ولا مبادرة فهو إلى الموظف البيروقراطي أَقْرَبُ ، وتلك خاصة رئيسة في أي تَنْظِيمٍ هرمي صلب ، فَثَمَّ مستويات من البيروقراطية تَتَّسِمُ بالسمع والطاعة المفرِطة ، ولا بد أَلَّا يُظْهِرَ من معارضة القيادة ما يجعل ولاءه مَحَلَّ شك ! ولو في إجراء تَنْفِيذِيٍّ لا يمس الولاء السياسي ، فلا تريد القيادة المستبدة في نظام هرمي إلا الموظف البيروقراطي المطيع فهو الجامد البليد الذي لا يملك القدرة على التغيير ولو داخل قيم المنظومة فضلا أن يكون تغييره من خارج قيم المنظومة ، فتلك مصيبة أعظم ، والإجراء في هذه الحال يكون أعنف لا سيما إن كان العنصر المتمرِّد من القيادات الوسيطة أو الصغرى فلا نفوذ لها ولا هيبة يجعل السلطة تَتَمَهَّلُ في استخدام العنف المفرط ضدها : تَصْفِيَةً أو سجنا أو عَزْلًا وإحالةً إلى التقاعد مع تَقْلِيصِ المخصصات أو قطعها قطعا بَاتًّا ! ، وقد تُفْضِي الحال ، ولو على المدى البعيد ، إلى انشقاقات تَتَرَاوَحُ تَبَعًا لصلابة التنظيم فقد تكون انشقاقات أفقية متدرجة من القيادات الوسيطة وما دونها ، وقد تكون انشقاقات رأسية مفاجئة تشطر التنظيم إلى جناحين رئيسين قُوَّتُهُمَا تَتَكَافَأُ أو تَتَرَاجَحُ فيكون من الصراع ما تَعْظُمُ آثاره فهي تَتَعَدَّى إلى خارج التنظيم ، فيتحول المشهد إلى احتراب أهلي في نطاق جغرافي ضيق أو آخر واسع تَبَعًا لدرجات الانشقاق ومستوياته ، وهو ما يستنزف قوة الطرفين فالمستفيد آخرُ من خارجهما يَرْقُبُ وهو ، مع ذلك ، يُدِيرُ المشهد ولو من طرق غير مباشرة ، فتلك نظرية الصراعات منخفضةِ الحدة مُتَطَاوِلَةِ المدة التي يدير بها النظام الدولي بَعْضَ مَشَاهِدِ الصراع الأهلي في الأطراف ، فَلَيْسَ في عجلة من أمره إذ يستخدم سياسة إدارة الأزمة فلا يهتم كثيرا بالحل السريع بل ذلك لا يخدم مصالحه في أحيان ، فَطُولُ الأمد يَسْتَنْزِفُ أجنحة الصراع جميعا فيكون مَنْ يَرْقُبُ مِنْ خارج هو المستفيد الأكبر ، فهو في مأمن من الخسائر المباشرة ، فَقَدِ ادَّخَرَ قُوَّتَهُ لِيَحْسِمَ الصِّرَاعَ إذا تَكَسَّرَتِ الأجنحة المتصارعة ، وتلك نظرية تستخدمها قوى التغيير الثوري أو الإصلاحي في مواجهة أي نظام مستبد إذا اشتد الصراع بَيْنَ أَجْنِحَتِهِ ، فَتَرْكُهَا تَتَصَارَعُ ، على وزان الدعاء المشهور : اللهم أَهْلِكِ الظالمين بالظالمين فَدَعْهُمْ يُفْنِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَتَرْكُهَا تَتَصَارَعُ هو الْأَوْلَى مَعَ الاستفادةِ مِنْ نَزِيفِهَا الْمُتَسَارِعِ دون التَّعَجُّلِ في دخول مشهد لَمَّا يكتمل فضلا عن ضَبَابِيَّةٍ في الرؤية تَحْمِلُ النَّاظِرَ عَلَى التَّأَنِّي لِئَلَّا يُسَارِعَ بِالظُّهُورِ من كُمُونٍ فذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، ما يُهَدِّدُ قُوَّتَهُ الصلبة بالاستهداف المباشر دون طائل ، فالأمر ، كما يَنْقِلُ بعض الفضلاء عن لينين وهو من مُنَظِّرِي الثورة المخضرمين مع فَسَادَ دِيَانَتِهِ وَسِيَاسَتِهِ ، فالأمر لا بُدَّ له من حشد وهو ما تصنعه آلة الدعاية والإعلام ، ولا يجزئ حتى يكون ثم تَنْظِيمٌ يُوَظِّفُ هذا الحشد ، فالحشد ، كما يقول بعض الباحثين ، يَتْبَعُ التنظيم فإذا تَرَاجَعَ التَّنْظِيمُ تَرَاجَعَ الحشدُ إذ لا يطيق التضحية بلا طائل فليس ثَمَّ رائد وليس ثم طرح محكم يستحق المغامرة فلا يَتَحَوَّلُ الأمر إلى مُقَامَرَةٍ خَسَائِرُهَا هائلة .
    فلا يجزئ هذا الأمر حتى يكون ثم تَنْظِيمٌ يُوَظِّفُ هذا الحشد بِمَا يملك من أدوات على الأرض ، أو أخرى داخل المؤسسات الصلبة إن كان ثم جناح آخر داخل المنظومة يَرَى نهاية وشيكة لَهَا بِمَا تُقَارِفُ القيادة المتهورة من أخطاء جسيمة ، فهو يَرُومُ إعادة التأهيل للمنظومة بما يَبُثُّ من دعاية تَتَصَاعَدُ عَبْرَ بَعْضِ الوسائطِ من خَارِجِهَا ، فَتَرُومُ صناعةَ حشد جماهيري في ظل غياب التنظيم السياسي المستقل ، فذلك ما يجعلها البديل للسلطة الحالية فهي جناح يُنَاجِزُ آخر ، وهو يَرُومُ الاستفادة من الحشد الغاضب الذي تَرَاكَمَ عَبْرَ سنوات واكتسب الزخم بما يُبَثُّ من دعاية قوية وهي في نفس الآن ماكرة إذ تَسْتَهْدِفُ رأس السلطة وَدَائِرَتَهُ الأسرية والتنفيذية الضيقة ، فهي مانع صواعق يمتص طاقتها فَيَحْمِي المنظومة من أَثَرِهَا المباشر إذ يقصره على نَوَاةٍ بِعَيْنِهَا من أنوية السلطة ذات الأنوية والأجنحة الْمُتَعَدِّدَةِ فَبَعْضُهَا يُضَحِّي بِبَعْضٍ لاستبقاء الكيان الأم وإعادة تَدْوِيرِهِ كَمَا النِّفَايَاتِ فهي محاولة لإعادة تأهيل كيان عاجز عن الاستمرار بما اقتضت السنة الربانية من انهيار بعد اكتمال فهو الآن في مراحل الانهيار الأخيرة وإن اشتدت وطأته فَتِلْكَ مَئِنَّةُ ضعفٍ إذ شَرَاسَةُ مَنْ يُقَاتِلُ في مراحل متأخرة تكون أَشَدَّ ، فالإفراط في العنف ، لو تدبر الناظر ، مئنة من العجز ، وقد ينجح في تهدئة الأمور ولكنه لا ينجح أبدا في حسمها ، فَثَمَّ جناح آخر يناجزه وهو يروم توظيف الزخم الشعبي استثمارا لحال الغضب والاحتقان ، وذلك ما يجعل أَيَّ راغب في التغيير حقا يَتَرَيَّثُ فلا يَتَعَجَّلُ ويشارك فهو في هذه الحال يقامر ولما تَسْتَبِنْ بَعْدُ الرؤية .

    واضرب له المثل بالإصلاح البروتستانتي الذي ظَهَرَ دَاخِلَ التَّنْظِيمِ الكاثوليكي ، فهو انشقاق مُؤَثِّرٌ وإن لم يكن انشقاقا رأسيا كاملا ، فقد احتفظت الكاثوليكية بهرمها الكهنوتي وإن تَضَرَّرَ مِنْ جَرَّاءِ الطرح البروتستانتي الذي نجح في توظيف فسادها وفضائحها في ضربها في مواضع مؤثرة ، فكان ظهور الجناح البروتستانتي الذي اكتسب زخما جماهيريا كبيرا فانتشرت البروتستانتية في أوروبا على وجه هدد النفوذ الكاثوليكي المطلق فكانت الحرب لا محالة إذ الجناحان قد استويا في القوة أو تَقَارَبَا ، فكانت حرب الثلاثين عاما ، وهي نقطة تحول جوهري في السياسة الدولية ، وهي ، كما يقول بعض الفضلاء ، نواة أولى للنظام الدولي الحالي إذ أفرزت معاهدة وستفاليا 1648 التي وضعت حجر أساس الدولة الوطنية العلمانية الحديثة التي تقتصر على قَوْمِيَّةٍ بِعَيْنِهَا فلا تجمع القوميات بِرِبَاطٍ أيديولوجي يجاوز الحد الجغرافي .

    فالأجنحة ، لو تدبر الناظر ، ظاهرة ذات دلالات تَتَعَارَضُ ، فقد تحكي قوة السلطة إذ تَتَحَكَّمُ في المشهد وتدير هذا الصراع بما يحقق مصالحها في إضعاف أي خصم محتمل وحسم أي تهديد ولو بَعِيدًا يَتَرَاكَمُ فصناعة الجناح في أي مؤسسة أو كيان لا يكون فجأة ، فَهُوَ نِتَاجُ فِكْرٍ وَنَظَرٍ ، وحكاية لشبكة من العلاقات والولاءات المتراكمة ، فإذا ظهر هذا الجناح فهو يخصم من رصيد السلطة ، ولو قَوِيَّةً ، إذ تُخَصِّصُ جزءا من وقتها وجهدها وتمويلها لتحجيمه أو القضاء عليه تَبَعًا لدرجة الخطورة ، فتجتهد في صناعة نَظَائِرَ تُنَاجِزُهُ وهي مِنْ بَعِيدٍ تَرْقُبُ وَتُدِيرُ المشهد .

    وقد تحكي في المقابل ضعف السلطة فَقَدْ فَقَدَتِ السيطرة على المشهد فظهرت الأجنحة الَّتِي تَتَصَارَعُ عَلَى المقعد الشاغر عمليا وإن لم يشغر رسميا ، فَبِقَدْرِ ما يَنْحَسِرُ من نفوذ السلطة فَثَمَّ قوى أخرى تملأ المحل الشاغر ، فتلك سنة ربانية في الكون ، فليس ثم محل يشغر وإلا وثم حَالٌّ يشغل ، فيكون الصراع بَيْنَ الأجنحة أو الكيانات أَيُّهَا يسبق فيملأ المحل الشاغر أو يملأ جزءا منه ويملأ غيره آخر فَهُمَا يَتَصَارَعَانِ في هذه المساحة الشاغرة من السلطة التي تَزِيدُ يَوْمًا بعد آخر بما يكون من تَرَهُّلِ القيادة فهي من ضعيف إلى أضعف ، فَتُغَادِرُ كلَّ يومٍ مساحةً يجتهد الخصوم فِي شَغْلِهَا فيكون الصراع بَيْنَهُمْ لاحتلال هذا الفراغ بِقَدْرِ ما لهم من أوزان نسبية تجاوز الأوزان الجماهيرية فليست ذات اعتبار أَوَّلَ في صراع السلطة لا سيما في الأمثلة السياسية المعاصرة التي جُرِّدَتْ فيها المجتمعات من أسباب القوة فصارت جمهورا يَتَفَرَّجُ ويشجع اللُّعْبَةَ الحلوة لا أكثر ! ، فهو عامل تَرْجِيحٍ يُسْتَدْعَى في اللحظات الأخيرة لِيُقْضَى الأمر باسمه وليس له منه شيء إذ ليس له من أدوات القوة على الأرض شيء يؤبه له ، فهي ، لو تدبر الناظر ، تجاوز الحشد فَلَيْسَ له كيان أو تَنْظِيمٌ يدير المشهد وليس له من أسباب القوة الذاتية ما اجتهدت الدولة المدنية الحديثة أن تَسْلُبَهُ من يده ليكون أعزل مجردا من أي قوة فَيَسْهُلَ حُكْمُهُ على السلطة .

    وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما لا يُقْضَى في يوم وليلة ، فالغالب أن هذا الصراع بَيْنَ أجنجة التنظيم لا يحسم في جولة أو اثنتين ، فهو أمر يَتَرَاكَمُ ، إذ ليست كل المعارك جولة وليست كل الهزائم بالضربة القاضية فمنها ما يكون نقاطا تَتَرَاكَمُ ، وقد يُقْضَى الأمر ، ولو في الظاهر ، بالضربة القاضية ، فهي ، لو تدبر الناظر ، نتاج تَرَاكُمٍ آخر فلا بد من ضعف وَتَرَهُّلٍ وهو ما لا يحصل فجأة فالشيب لا يزحف دفعة وإنما يزحف شيئا فشيئا حتى يغزو الرَّأْسَ كُلَّهُ ، فهذا الضعف والترهل المتراكم هو ما يجعل الضربة القاضية تُؤَثِّرُ فَتُسْقِطُ الخصمَ دفعةً .
    وقد يكون من التدبير الكوني المحكم أن يطول أمد الصارع بين الأجنحة المتخالفة وكلها ، لو تدبر الناظر ، فاسدة ، فَيُخْرِجُ كلٌّ للآخر من ملفات الفساد السياسي والمالي والأخلاقي ما يسقط الهيبة فيكون ذلك من المكر الإلهي المحكم ، إذ يظهر للعامة من خلائق القوم خسةً ونذالةً ودناءة أصلٍ ما يعجل بزوال الجميع وإن طال أمد الصراع ، فالأمر ، بداهة ، لا يحسم بالضربة القاضية ، وإنما يحسم ، في الغالب بالنقاط ، وَكُلَّمَا طال الأمد نال الجميع من الإرهاق والتَّعَبِ ما يُسَهِّلُ مُهِمَّةَ أيِّ مخلصٍ أن يصلح ، فلا يجد عدوا قويا يناجزه ، وإنما يجده ضَعِيفًا مُنْهَكًا قد استنزفه الخصم في جولة تَقَدَّمَتْ ، فضلا عن سنة التمايز التي بِهَا تُبْلَى السرائر ، فـ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) .

    والله أعلى وأعلم .


  4. #4
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    وتاريخ التنظيم الهرمي المغلق الذي يحكم مصر ، وهو ، كما تقدم مِثَالٌ قياسي لنظرية الحكم الهرمي المركزي ، تَارِيخُ هَذَا التَّنْظِيمِ ، لو تدبر الناظر ، تَارِيخٌ يَمْتَدُّ لِقَرْنَيْنِ أو يَزِيدُ ، فهو الذي وضع القوة العسكرية الصلبة في موضع المركز الرئيس ، وذلك إشكال رَئِيسٌ في أي مجتمع أن يَنْتَقِلَ مَرْكَزُ التحكم والسيطرة مِنَ الأمة إلى السلطة ، ولا يكون ذلك إلا بِسَلْبِ أسبابِ القوةِ من النَّاسِ ، فالسلطة التي تحكم ولا تخدم وتحمي فَهِيَ خَارِجَةٌ عَنِ الغاية الرَّئِيسَةِ في السياسة ، فالخدمة والحماية وقبلها الحفاظ على الهوية والديانة ، وهي منظومة القيم التي يَنْشَأُ عليها أي كيان راسخ ، تِلْكَ هِيَ وظيفة السلطة التي تخرج مِنْ رَحِمِ المجتمعِ فَهِيَ تُشَاطِرُهُ القيم والمبادئ ، وهي تُعَالِجُ ما يُعَالِجُ من آلام وَحَوَائِجَ ، فَعِنْدَهَا من القيم الفكرية والدينية ما به الأمانة تَتَحَقَّقُ ، وعندها من الكفاءة ما به القوة تَتَحَقَّقُ ، فهي خير مَنْ يُسْتَأْجَرُ في الشأن العام أو الخاص ، فـ : (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) ، فسلطةٌ كهذه لا تَرْغَبُ ، أَبَدًا ، أَنْ تَسْتَبِدَّ وَتَطْغَى فَتَسْلُبَ الناس أسباب القوة والمنعة بل هي تَسْتَمِدُّ قُوَّتَهَا مِنْ قُوَّةِ المجتمعِ الذي يَرْفِدُهَا بالشرعية الأخلاقية ، شرعية التَّفْوِيضِ والإنابة أَنْ تَتَوَلَّى السلطةُ إدارةَ الشأنِ العام ، فالمجتمع القوي يُفْرِزُ نُخْبَةً قَوِيَّةً ، مِنْهَا تَخْرُجُ الكوادر الناصحة الصالحة التي تَتَوَلَّى مناصب الدولة الناجحة وهي الدولة العادلة التي تقيم أساس الملك المتين ، أساس العدل ، وهو أمر ، كما تقدم مِرَارًا ، يجاوز حَدَّ القسمة فِي المال والخدمة ، فَثَمَّ العدلُ فِي فُرَصِ الحياةِ الكريمة وفرصِ العمل والإبداع ، وحرية الرأي والفكرة التي تَأْرِزُ إلى مرجع محكم يحول بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّطَطِ ، وحرية التَّنَقُّلِ دون حَوَاجِزَ وَكَمَائِنَ تَضَعُهَا السُّلْطَةُ حِجَارَةً تُعَثِّرُ وَتُكَدِّرُ ، فَضْلًا عَنْ هَامِشٍ واسع من القوة يشغله المجتمع ، فَلَهُ مصادرُ قوةٍ وَتَمْوِيلٍ ذاتيةٍ لا تخشى مِنْهَا السلطة إلا إذا كانت خائنة لقيم المجتمع أو فاسدة تحظى بِامْتِيَازَاتٍ مُسْتَقْطَعَةٍ من ثَرَوَاتِ المجتمع وحقوقه في المشاركة الفكرية والسياسية والاقتصادية ، فالاستبداد الذي تُمَارِسُهُ السلطة المستبدة إنما هو استقطاع لشطر كَبِيرٍ من حقوق المجتمع أَنْ يُشَارِكَ وَيُعَارِضَ ، والثَّرَاءُ غير المشروع الذي يَظْهَرُ فَجْأَةً ! على رِجَالَاتِ السلطةِ الفاسدة إنما هو استقطاع لشطر كَبِيرٍ من ثَرْوَةِ المجتمعِ ، وهو ما يَنْعَكِسُ على الخدمات العامة وهي جزء مِنْ ثَرْوَةِ المجتمعِ فَلَيْسَتْ ثَرْوَتُهُ ما يحوز من نقد مطبوع ، فما أيسر أن تَطْبَعَ السلطةُ الورقَ فَلَا قِيمَةَ له بما يكون من التضخم الذي يَلْتَهِمُ قُوَّةَ الشراء لهذا النقد فلا غطاء له من إِنْتَاجٍ أو ثَرْوَةٍ حقيقية ، ثَرْوَةِ الصناعةِ والزراعةِ والخدمات فَكُلُّهَا مُؤَشِّرَاتٌ تَعْكِسُ قوة الاقتصاد ، فإذا كانت السلطة فاسدة سارقة فإنها تَسْتَنْزِفُ الثروة الحقيقية وإن زَادَتِ الثَّرْوَةُ الورقية ، فهي تسيطر على موارد البلاد وَتَتَصَرَّفُ فِيهَا بما يخدم المركز أولا ، والنخب التابعة في الداخل التي اتخذت ، كما يقول بعض الباحثين ، صورة العائلات التي تسيطر على حصة وافرة من الاقتصاد وتديره بما يحقق مصالح المركز .


    والشاهد أن السلطة التي تحكم وَتَقْمَعُ ولا تخدم وَتَحْمِي ، لا يمكن أن تمنح المجتمع فضاء حرية ، فالحرية بِيئَةُ القوةِ والثروةِ : قوة الروح بما يكون من حرية التَّنَسُّكِ والتدبر ، فالأمر يُجَاوِزُ حَدَّ الشَّعَائِرِ الَّتِي يَرُومُ المستبد قَصْرَ الدينِ عَلَيْهَا فَيَسْلُبُهُ روحه الوثابة التي تجاوز الذات إلى المجتمع ، وتحوله إلى طاقة تغيير فاعلة ، فالدين ، كما يقول صاحب الأوراق التي سطرت خلف القضبان "هروبي إلى الحرية" فَهِيَ أَصْدَقُ كلماتٍ فلا تخرج إلا من سجين قد صُودِرَتْ حُرِّيَّتُهُ فذاق مرارة الأسر وما يكون فيه من الخوف والقهر ، فلا يدرك ذلك إلا من ذاقه فَهُوَ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى تحرير البشر من عُبُودِيَّاتِ الأرضِ المحدثة التي تَسْتَبِدُّ بالأمر ، ولا يكون ذَلِكَ إلا بمادة الدين ، كما يقول صاحب الأوراق آنفة الذكر ، فَهِيَ مادة التغيير للإنسان ، والإنسان هو مَنْ يُغَيِّرُ العالم فلا يستطيع ذلك إلا بقوة دافعة تجاوز مدارك الحس ، فتضحية المتدين أعظم تضحية ، فهذا التغيير قَدْ طَالَ جَوْهَرَ الإنسان فأعاد تَرْتِيبَ الداخل فكان التَّغْيِيرُ في الخارج ثَوْرَةً بَدَأَتْ من الروح ، فَتَغْيِيرُ الإنسان هو الثورة التي قام بها الدين ، فلا يطيق ذلك إلا حضارة مَرْكَزُهَا النُّبُوَّةُ فهي مرجع مُجَاوِزٌ من خارج هذه الأرض ، وَحَامِلُهَا ، كما يَقُولُ بَعْضُ المحققينَ ، لَيْسَ صُوفِيًّا هنديا قد اعْتَزَلَ الحياة بذريعة الاستغراق فِي التفكير فهو سَلْبِيٌّ لا يُجَاوِزُ تَأْثِيرُهُ جَسَدَ النَّاسِكِ أو الرَّاهِبِ فَلَيْسَ ، حامل القيم الرسالية ، صُوفِيًّا هنديا ولا ناسكا مسيحيا نحيلا ، ولا جنديا رومانيا متوحشا فهو على ضِدِّ الراهب فَلَهُ أَثَرٌ ظَاهِرٌ فِي الخارجِ ولكنه أَثَرٌ سالب أيضا إذ ليس ثَمَّ مَرْجِعٌ محكم يَأْرِزُ إليه فِي تَصَوُّرِهِ قبل أن يصدر عنه القول والعمل ، فحامل القيم الرسالية ، كما يقول بعض المحققين ، هو الفارس الشجاع الذي وصف القرآنُ قَبِيلَهُ الناصح أنهم : (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ، فكان الانتشار الروحي السياسي العسكري ، فَهُوَ انْتِشَارُ الفكرةِ والحركةِ فلم يكن الوحي فكرة بلا حركة ، أو نُسُكَ عابدٍ بلا عدلِ حاكمٍ وفتحِ قائدٍ ، وهو ما يَأْبَاهُ خصوم الوحي الذين يَنْتَحِلُونَهُ اسْمًا بلا مُسَمَّى ، ويظهرون تَعْظِيمَهُ ، وهم أَلَدُّ خصومه ، فَدِعَايَتُهُمْ أَنَّهُ قَرِينُ الفوضى في الشرق ، وأنه مادة الإرهاب والعنف ..... إلخ من الدعاية السوداء الَّتِي يُطْلِقُهَا أَقْزَامُ السُّلطةِ اللادينية التي اختصت الوحي الخاتم بأوصاف القدح وألقاب الذم وهي بها أَلْيَقُ ، فالوحي قد تَمَدَّدَ تَمَدُّدًا جَاوَزَ التَّمَدُّدَ الروماني والفارسي فلا يَجْحَدُ أَيُّ نَاظِرٍ فِي مَوَازِينِ القوى فِي العالم القديم أن فارسَ والرومَ كَانَتَا أَكْبْرَ إمبراطوريتين في العالم وقد حَقَّقَتَا من التمدد الجيوسياسي باستخدام القوة العسكرية الهائلة ما اقْتَسَمَتَا بِهِ النُّفُوذَ ، ولكنهما لَمْ تُجَاوِزَا حد التَّمَدُّدِ الحضاري على الأرض بما أَقَامَتَا من دواوين الإدارة والسياسة والحرب فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ قوة روحية باعثة لهذا الحراك الهائل ، فليس إلا القوة وهي القيمة المركزية العظمى في أي حضارة أرضية ، فالقوة آلة واللذة غاية ، والقانون هو الوسيط الذي يحكي إرادة الطبقة الحاكمة التي احتكرت أسباب القوة والثروة واحتكرت أدوات التشريع التي بها تُحَوِّلُ إِرَادَتَهَا القاهرةَ إلى نصوص ملزِمة ، فلا يُرْجَى مِنْ قَانُونٍ كَهَذَا عدلٌ ، ولا يمكن أن يُقَدِّمَ للعالم أَيَّ خَيْرٍ ، فالقانون هو قانون السلطة الذي تَسْطُرُهُ لِتَنَالَ بِهِ الامتيازات وَتَحْمِي به المكتسبات ، فَتَمَدُّدُ هذهِ القوة لا يحمل أَيَّ رسالةٍ إلى العالم ، فليس إلا القهر والاستبداد ، وأما الوحي فلم يُهْمِلِ التَّمَدُّدَ الجيوسياسي العسكري على الأرض ، ولكنه أَطَرَهُ على معنى شريف كان هو الباعث الأول ، فَكَانَ انْتِشَارُ الوحيِ انْتِشَارًا روحيا واسعا قبل أن يكون سياسيا أو عسكريا ، فالباعث وحي هو المركز ، فهو مركز الفكرة وباعث الحركة في الشرق الذي خرجت منه الرسالة لِتُغَيِّرَ وجه الأرض بجيوش الفتح التي لم تكن بداهة قوة وظيفية مرتزقةً تَتْبَعُ مَنْ يَدْفَعُ أكثر أو يملك من أدوات القوة ما يأطرها على فكرته ، ولو أرضية محدثة ، فليس لها من قوة الروح ما به تميز الحق من الباطل فلا تنفذ الأمر إلا إذا كان حقا ، وإلا فلا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ ، فكانت ثَوْرَةً على عبودية الأرض أَخْرَجَتِ النَّاسَ إلى عبودية السماء ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، غاية الأحرار إذا أحكموا المشاعر بلجام الشَّرَائِعِ ، فكان الباعثُ فكرةَ الوحي ، وكان الصادر حركة الجمع الذي يحمل الكتاب الهادي بِيَدٍ والحديد الناصر بأخرى ، فليس كتابا مجردا من الحكم يُتْلَى تِلَاوَةَ المواعظِ والرقائقِ ، بل هو طاقة تَغْيِيرٍ هائلة ، أخلاقه ، كما يقول بعض المفكرين ، أخلاق العمل الصالح الذي تظهر آثاره في الخارج ، فلا يَنْطَوِي صاحبه على ذاته ولا يهجر الحياة إلى الصوامع أو الكهوف ، فهو الحاملُ للمبادئ الحافظُ للمصالح ، قد جَمَعَ الدينَ والدنيا في إهابه ، فَثَمَّ مَرْجِعُ المبدإِ ، كِتَابًا من السماءِ يَهْدِي ، وَثَمَّ سياسة العدلِ الَّتِي تُمْسِكُ بِسَيْفِ الحسمِ ، فكمال حكومتها جمال العدل وجلال الحسم ، فكرةً تهدي وقوةً تحمي ، فَلَيْسَ دونَ هتلر ! ، وهو رَجُلُ النَّازِيَّةِ ، مع القدر الفارق بداهة بَيْنَ الرسالة السماوية الْمُنْزَلَةِ وأي أطروحة أرضية مُحْدَثَةٍ ، فهتلر ، كما يقول بعض المفكرين ، دليل واضح كيف يمكن توظيف أدوات الحضارة في تدمير الثقافة ! ، ولكنه ، مع ذلك ، قد فَقِهَ الأمر ، فالسلام لا يكون إلا بحرب ، والحق لا يظهر إلا أَنْ يُدَافِعَ الباطلَ وَيَصْبِرَ ، فخطب هتلر عن سيادة ألمانيا النازية ، سيادة الْعِرْقِ الآري انطلاقا من مشاعر الاستعلاء التي تسكن الروح الأوروبية البيضاء ، خَطَبَ فأجاد من وجه إذ أبان عن أسباب السيادة والنصر ، فسيادة ألمانيا يَنْبَغِي أن تُؤَدِّي إلى "سلام لا يأتي عبر سعف النخيل الذي يحمله النائحون المسالمون الباكون ، وإنما يأتي عبر سيف قاهر تمسكه أمة قائدة ، سيف يعمل في خدمة ثقافة عليا" ، فذلك طرح لا يخلو من الحق ، وإن استخدمه هتلر في دعاية أرضية بَاعِثُهَا العنصريةُ ، فلا بد من قوة عسكرية تَحْمِي ، وتلك ، بداهة ، لَيْسَتِ القوةَ الوظيفيَّةَ التَّابِعَةَ التي تحكمُ الداخل نِيَابَةً عن المركز فَقَدِ انْتَقَلَتْ من وظيفة الحامي لقيم الذات ومصالحه إلى وظيفة الحاكم للمجتمع بما يحفظ مصالح الخصم ، فكان سعيها آنف الذكر أن تَسْلُبَ المجتمعَ أسباب قوته الذاتية إذ هو الخصم الجديد الذي تَشَكَّلَ فِي عقيدتها العسكرية غَيْرِ المعلنة ، والتي لا تَنْفَكُّ تَظْهَرُ : فلتاتِ لسانٍ مِنْ بَعْضِ قَادَتِهَا ! ، فالقوة الحامية للفكرة لا بُدَّ أن تَدِينَ لَهَا بالولاء ، فَسَعَى هتلر أن يُنْشِئَ قوة تحمي النازية إذ تَشَرَّبَتْ قِيَمَهَا العنصرية ، فَاتَّحَدَ المرجعُ وَثَبَتَ ، وإن ظَلَمَ صاحبُه وَهَدَمَ فكانت النازية قوة تدمير هائلة في القرن الْمَاضِي ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ ذَاتَ مَرْجِعٍ فكريٍّ ، فَلَمْ يكن السيف يَخْبِطُ خَبْطَ عشواء ، وإنما انْطَلَقَ مِنْ قِيمَةٍ عظمى ولو عنصريةً بَغِيضَةً تحتقر سائر أجناس الخليقة إلا الجنس الآري الأبيض ، فالسيف يَحْمِيهَا وَيُبَشِّرُ بها في أرجاء أوروبا ، وهو يعمل في خدمة مُثُلِ النازية العليا ، فذلك طرح لا يخلو من مَنْطِقٍ ، وإن كان صاحبه مجنونا يَقْتُلُ وَيُدَمِّرُ ! ، فلا فكرة تظهر إلا وَثَمَّ سَيْفٌ يَنْصُرُ وَيُؤَيِّدُ ، فإذا صَحَّ المرجع واستقام فكان الوحي هو الباعث ، فحامل السيف آنذاك قد سَلِمَ مِنَ الصِّرَاعِ المحتدمِ بين روحه وبدنه ، فقد جُمِعَ له الاثنان في إهاب واحد ، فمرجعية الوحي قد أبطلت هذا التناقض بَيْنَ روح مسيحية تَرُومُ مملكة السماء بِرَهْبَنَةٍ وَتَصَوُّفٍ ، وهي ، كما يقول بعض المحققين ، مثالية مفرطة لم يطق أكثر الناس انْتَحَالَهَا ، فَنَجَمَ النفاق إذ تظاهر المسيحي بالورع والتقوى وهو يقارف أضدادها فهو يُحَاكِي صورة مثالية قد يَبْلُغُهَا آحاد من الرهبان ، ولكن الجمع الغالب لا يَبْلُغُهَا فلا يصح في الأذهان أن يُكَلَّفَ الناس بما يشق المشقة الغالبة فلا يطيقه إلا آحاد فالتكليف قد نَزَلَ يستغرق الجمهرة العظمى فَلَمْ يَنْزِلْ نادرا يَمْتَثِلُهُ آحاد ، فالنادر لا حكم له ، وإنما نَزَلَ بما يطيق الناس من المشقة المعتادة ، فلا يكون التكليف بما جاوز الحد والعادة من المشقة الزائدة التي لا يحتملها إلا آحاد قد أُوتُوا من القدرة ما لم يُؤْتَ غيرهم ، فَلَئِنْ صحت رَهْبَانِيَّتُهُمْ وهي لا تصح ، وإن غُفِرَ لِبَعْضِهِم إذ تأولوا ما يَصْنَعُونَ أنه عبادة فكان من النية الصالحة ما نَسَخَ المجاوزة في الحد لا أنه قد أَصْلَحَ مَا فَسَدَ من العمل ، فالنية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد ولا تبيح المحدث المحظور من أحوال الغلو والزيادة وإنما يَرْجُحُ ثواب النية المحررة إِثْمَ البدعة المحدثة لا سيما إِنْ وَقَعَ فِيهَا مَنْ وَقَعَ جهلا أو مصادفة أو رَغْبَةً تَصْدُقُ أَنْ يُصِيبَ الحقَّ ، فَلَئِنْ صحت رَهْبَانِيَّتُهُمْ فإنها مما لا يطيق أكثر الناس فكيف يأتي الوحي من عند الرب الحكيم المحكِم ، العليم المتقِن الذي أَتْقَنَ كُلَّ شيءٍ ، فأتقن الشرع أمرا ونهيا ، وأتقن الكون خلقا ورزقا ، كيف يأتي الوحي بما لا يُوَاطِئُ الحال الغالبة فيكلف الناس ما لا تطيقه إلا الفئة النادرة ، فذلك ما يُجَافِي عن العلم والحكمة وهو ، لو تدبر الناظر ، اتهام لِرَبِّ العزةِ ، جل وعلا ، أنه لا يَعْلَمُ الحق ولا يُحْكِمُ الأمرَ والنهيَ فَيُنَزِّلُ من التكليف بقدر وهو ما يواطئ الجمع الغالب ، فلا يكلف ، جل وعلا ، نَفْسًا إلا وسعها ، فَثَمَّ التَّنَاقُضُ بَيْنَ مسيحية صوفية تَرُومُ مملكة السماء مجردة من الأثر الفاعل في الحياة ، وهو ما انقلب بعد ذلك فصارت المسيحية مادية مفرِطة بعد أن كانت روحانية مفرِطة وذلك رَدُّ الفعل البدهي فإن الغلو في باب يُضَاهِيهِ الجفاء التام ، فمن الرهبانية إلى التهتك والفسوق ، حتى صار مضرب المثل ، وانتقلت المسيحية كما يَنْقِلُ بعض المفكرين ، انتقلت من "طوبى للمساكين بالروح ، لأن لهم ملكوت السماوات" إلى "طوبى للأقوياء ، لأنهم سوف يحكمون الأرض" ، فانتقلت المملكة من السماء إلى الأرض ، وصار الفردوس أرضيا فهو المدينة الفاضلة التي اقْتَرَحَهَا الأدب الغربي عبر أجياله من أفلاطون إلى يوتوبيا توماس مور إلى مدينة كامبانيلا : مدينة الشمس ، وهي مدينة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب ، فلا مكان فيها لضعيف أو عاجز ، فتلك بيئة تحكمها الغريزة الحسية الدُّنْيَا كما ينقل بعض المحققين من وصف الذئاب أنهم يأكلون الذئب الذي يعجز فلا يطيق الحركة فَيَكُونُ عِبْئًا على القطيع إذ هُوَ غَيْرُ مُنْتِجٍ فلا يصطاد ، وهو عالة على القطيع إذ يستهلك من اللحم ما لم يَصِدْهُ ، فَيَأْكُلُ ولا يعلم ، وكأن هذا القطيع يمثل أصدق تمثيل مرجعية المذاهب الأرضية المحدثة : سواء أكانت الشيوعية أم الرأسمالية الليبرالية فمن لا يعمل لا يأكل لأنه لا يُنْتِجُ ، فلا يَتَحَوَّلُ إنتاجه إلى رصيد من الثروة المادية يَصُبُّ أكثرها في جيوب النخبة الحاكمة ، فَعَلَامَ تستقطع الدولة من الضرائب والموارد لخدمة عاجز لا ينفع البلاد بشي؟! ء ، وإن كان بالأمس مُنْتِجًا فاعلا يُتَرْجَمُ نشاطه إلى زيادة في الثروة فضلا عما يستقطع من دخله كمعاش أو تأمين أو ضريبة ، فهو يسهم في سداد أعباء الدولة فأول وعاء هو وعاء الضرائب والمعاشات ، ومع ذلك يكون مآله كَمَآلِ الذئبِ العجوز الذي لم يعد يُنْتِجُ فَلَمْ يَعُدْ ذا قيمة مادية مضافة فوجب التخلص منه ولو بأكله ! إذ القيمة المادية البراجماتية هي الحاكمة ، وقياسها أن من لا يعمل ولا يحقق دخلا فعلام يَسْتَقْطِعُ مِنْ ثَرْوَةِ القطيعِ ولو كان مريضا لا يطيق العمل .
    فمعيار التقييم لأي أمة ، كما يذكر بعض المفكرين ، هو موقفها من خصومها في السياسة والحرب ، والمرضى والمحتاجين وكبار السن ، فإذا سَنَّتْ حضارةٌ سُنَّةَ القتلِ الرحيم للتخلص من المرضى والعاجزين كما صنعت النازية ولم تخل من جذور مسيحية كاثوليكية كانت رافدا من روافد الهوية النازية ، إذا سَنَّتْ حضارةٌ هذه السنة فهي تشكو أزمة أخلاقية عظمى ، وإن زعمت أنها مسيحية روحانية فَقَدِ انْتَقَلَ مَرْكَزُ الثِّقَلِ فيها من مملكة السماء العليا إلى أرض الميعاد الدنيا ، وَهُوَ ، لَوْ تَدَبَّرَ الناظرُ ، ما ظهرت آثاره في الأخلاق البروتستانتية ، أخلاق الإنتاج بالمفهوم المادي الجاف ، وهو ما اسْتُنْسِخَ منه إسلام السوق ، كما أَطْلَقَ عَلَيْهِ بَعْضُ الباحثين ، فهو النسخة البروتستانتية الإسلامية ! ، فالمادية اليهودية قد انتقلت إلى المسيحية فظهر المذهب البروتستانتي الذي حَمَلَ قِيَمَ اليهودية ، فكان الملك الألفي في الأرض الذي استبدل بِمَمْلَكَةِ السماء ، فانتقل مركز المسيحية من السماء إلى الأرض ودخلت قيم اليهودية المادية إلى النظرية المسيحية الروحانية ، لا جرم كانت الحضارة الغربية ، كما يقول بعض المفكرين ، حضارة يهودية مسيحية .
    والشاهد أن ثم تَنَاقُضًا بَيْنَ المسيحية الصوفية في نُسْخَتِهَا الكلاسيكية الَّتِي تَسْتَهْدِفُ مَمْلَكَةَ السماءِ ، والْيَهُودِيَّةِ الَّتِي تَرُومُ أرض الميعاد بِحَرَكَةٍ وَتَصَرُّفٍ ، فَكَانَتِ الرِّسَالَةُ الخاتمة الجامعة لجلال الموسوية وجمال الْعِيسَوِيَّةِ هِيَ رَائِدَ الحركةِ وَالتَّغْيِيرِ الذي يُجَاوِزُ الذات إلى كَافَّةِ أَرْجَاءِ الأرضِ ، فالمسيحية ، كما يقول بعض المفكرين ، تُرِيدُ تحويل البشر إلى ملائكة بِطَرْحٍ غَالٍ في الزهد والرياضة ، والماديون لا سيما اليهود يُؤَكِّدُونَ أَنَّنَا حيوانات تُحَرِّكُهَا غَرَائِزُ الْحِسِّ ، والرسالة الخاتمة تُؤَكِّدُ عَلَى تَفْضِيلِ الإنسان ، الكائنِ المختارِ لخلافة الأرض بِشَرِيعَةِ الوحيِ ، فذلك وصف الخيرية المجاوز الذي جاء به الوحي الخاتم ليخرج من العرب الأجلاف دعاة وفاتحين وهو ، بداهة ، ما يَقُضُّ مضاجع الاستبداد في المركز وفي الأطراف فلا يُرِيدُ أمة الرسالة فوحدها من يغير القواعد فَلَا يَقْتَصِرُ تَغْيِيرُهَا على الظَّوَاهِرِ ، فهي المرجع المحكم الذي يجاوز الأرض فَوَحْدَهُ مَا سَلِمَ من الهوى وحظ النفس فلا غاية له أن يسلب المجتمع أَسْبَابَ القوةِ لِيَسْتَبِدَّ ويظلم ، بل هو سَاعٍ ، أَبَدًا ، أن يَرْفِدَ المجتمع بأسباب القوة لِيُبَاشِرَ وظائفه في الأمر والنهي ، فَتِلْكَ قَاعِدَةُ الوحيِ ، قَاعِدَةُ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فلا يطيق هذه الوظيفة الرِّسَالِيَّةِ الشريفة إلا أن يكون ذَا قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ ، فيكون له من أسباب الذات ما يَخْشَى بَأْسَهُ كُلُّ حاكمٍ إِذَا حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ أَنْ يَسْتَبِدَّ ، ولو كان الفاروق عمر ، رضي الله عنه ، وهو مضرب المثل في العدل وَالْوَرَعِ ، فلم يَسْمَعِ الجمع وَيُطِعْ إذ فَضَّلَ نفسه بثوب دونهم فلا سمع ولا طاعة لمن حاز شيئا بلا مستند فَنَزَاهَتُهُ على المحك ، ولو خرقة يستر بها بدنه ، فإذا أبان عن المستندِ الذي يُبْرِئُ ذمته فالسمع والطاعة فهي كالحكم الذي يدور مع عِلَّتِهِ ، فالعلة أن يَسْلَمَ الحاكمُ مِنْ قَوَادِحِ الدِّيَانَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَعَوَارِضِ العجز حِسًّا أو معنى ، فإذا سَلِمَ من ذلك واتصف بأضداده فكان القوي الأمين فالسمع والطاعة فيما وافق الحق فلا بد ، أبدا ، من مرجع محكم قد برئ من تهم الانحياز والميل ، وَعَوَارِضِ الجهل والحاجة والضعف ، فَصَاحِبُ هَذِهِ الْعَوَارِضِ لا تُؤْمَنُ فكرته أن تُصِيبَ الحقَّ ، أبدا ، بل قد تُصِيبُهُ فِي مواضع ، ولو كثرت ، فلا يرجو العصمة من الخطإ ، ولو نَدَرَ ، فمراجع الأرض المحدثة لا تنفك تطلب مرجعا يجاوزها من خارج ليحكم بَيْنَهَا فِيمَا فِيهِ قَدِ اخْتَلَفَتْ ، وذلك أصل جليل في بَابِ النُّبُوَّاتِ يُبِينُ عن حاجة الأرض إلى السماء ، فالإنسان بَيْنَهُمَا يَتَرَوَاحُ ، فَثَمَّ نَوَازِعُ السماءِ ، وهي نَوَازِعُ الروحِ النُّورَانِيَّةِ ، وَثَمَّ نَوَازِعُ الأرضِ وهي نَوَازِعُ البدنِ الطِّينِيَّةِ ، وذلك مَنَاطُ الصراعِ الذي احتدم ، فَالنَّصْرَانِيَّةُ قد نَزَعَتْ إِلَى الروح فجعلت مملكة السماء هِيَ الغاية ، واليهودية قد نَزَعَتْ إلى البدن فجعلت أَرْضِ الْمِيعَادِ هِيَ الغاية ، فالإنسان هو الْمُرَكَّبُ الْمُتَنَاقِضُ من روح الإنسان وهي الصورة الباطنة وَحَامِلِهَا وهو الجسد ، فَهُوَ الصورة الظاهرة ، فالأمر ، كما يقول صاحب المذكرات آنفة الذكر ، مذكرات "هروبي إلى الحرية"، هذا الأمرُ لَيْسَ إما العلم أو الدين ، وإنما العلم والدين معا فَهَذَا هو الإسلام الذي يُمَثِّلُ الوحيَ والرسالةَ .

    والشاهد أن السلطة التي تَحْكُمُ وَتَقْهَرُ ولا تخدم وَتَحْمِي ، فهي لا تَسْتَمِدُّ شَرْعِيَّتَهَا السياسية من بَيْعَةِ رِضًى ، ولا تسلك جَادَّةَ هدى ، وإنما تحكم حكمَ الْجَبْرِ الذ ي أَخْبَرَ بِهِ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَشَرْعِيَّتُهَا شرعية القوة القاهرة فلا تسقط باختيار المجتمع إذ لم تَأْتِ به ابتداء ، وأي حكومة ، كما يقول بعض المحققين ، أي حكومة لا يمكن إِسْقَاطُهَا أو مُسَاءَلَتُهَا مساءلةَ التدقيق وَمُحَاسَبَتُهَا محاسبةَ الأمرِ والنهيِ ، وَأَطْرُهَا على منهاج الحق والعدل ، أي حكومة لا يمكن في حقها ذلك فهي فاسدة بالقوة أو بالفعل ، فَقَدْ يكون مَبْدَءُ أمرِها خَيْرًا ولكنها إذا استبدت ولم تجد من يَزْجُرُ وَيُنْكِرُ فذلك يُغْرِيهَا أَنْ تَطْغَى وَتَظْلِمَ فَتِلْكَ طبائع النفوس إذا لَمْ تجد مَنْ يَرُدُّهَا ، فالظلم شِيمَةٌ قد جُبِلَتْ عَلَيْهَا النفوس بِمَا رُكِزَ فِيهَا من شُحٍّ وَأَثَرَةٍ فذلك باعث الظلم في الفكرة والحركة ، فلا يحسم هذه المادة الخبيثة إلا الوحي مرشدا والمجتمع منكِرًا ، كما أثر عن الفاروق عمر رضي الله عنه ، فـ : "لا خير فيهم إذا لم يقولوها لَنَا ، ولا خير فِينَا إذا لم تُقَلْ لَنَا" ، فإذا غاب الزَّاجِرُ المنكِر استبد الحاكم بما يملك من قوة البطش الوظيفية فلا يمكن أَنْ تَمْنَحَ المجتمعَ فضاء حرية ، فالحرية هي بِيئَةُ القوةِ : قوة الروح بما تحمل من القيم والمبادئ ، وذلك مقصد الوحي الأول أن يحفظ الدين ، فَهُوَ ، كما تقدم ، طاقة الإصلاح والتغيير الذي يُجَاوِزُ الْفَرْدَ إِلَى الجماعة على وجه يَسْتَغْرِقُ سَائِرَ أحكامِ العبادةِ والسياسةِ ، فَقُوَّةُ الروحِ وقوة البدن بِمَا اعتدل من المعايش عَبْرَ منظومات التعليم والصحة والغذاء ، وذلك مقصد الوحي الثَّانِي أَنْ تُحْفَظَ النَّفْسُ بِحِفْظِ مَعَاشِهَا الكريمِ ، والحرية ، من وجه آخر ، بِيئَةُ الثَّرْوَةِ إذ مناخ التجارة والاستثمار الآمن .
    فَكُلُّ أولئك من أسباب القوة الذاتية التي اجْتَهَدَتِ الأنظمة الوظيفية التابعة أَنْ تَنْتَزِعَهَا مِنَ المجتمعَ لِتُحْكِمَ السيطرةَ عَلَيْهِ بِمَا يُوَاطِئُ أَغْرَاضَ المحتلِّ الرئيسِ ، فَهِيَ الوكيل النائب الذي نَقَلَ مَرْكَزَ الثِّقَلِ من المجتمع بِقِيَمِهِ وَمَبَادِئِهِ وَقُوَّتِهِ المادية والبشرية ، إلى السلطة التي اسْتَنَدَتْ إلى القوة العسكرية فهي مركز الحكم الجديد وحولها ، كما يقول بعض المحققين ، أَقَلِّيَّاتٌ تَتَسَانَدُ مِنْ نُخَبِ فِكْرٍ ودعايةٍ وإعلام ورأسمال .... إلخ ، فكان اصطناعُ النخب العسكرية التابعة التي جاوزت الحد في شئون السياسة والحكم ، وهي ، لو تدبر الناظر ، النواة الصلبة في هذا المثال الاستعماري ذي الغطاء الوطني العلماني انطلاقا من نظرية الدولة المدنية الحديثة ذات الحد الجيوسياسي الضيق الذي قَصَرَ الولاء الوجداني على الحد الجغرافي ، فلا يمكن لِبَقِيَّةِ النخبِ الْوَظِيفِيَّةِ الصغرى أَنْ تَنْهَضَ بالأمر دون وجود القوة العسكرية القامعة للمجتمع ، وهي النخبة الوظيفية الكبرى إذ لا تملك رسوخا في الفكرة ، فهي من صنائع المركز الذي اصطنع مِنْهَا جناحا يخترق المجتمع ويسعى في تحريف هويته الفكرية والسياسية ، فقد أعلنت الحرب عليه ، ولا بد لها من جند ، فهي أقليات لا تصمد للأغلبية الكاسحة ذات الأصول الراسخة ، فكان سَعْيُ المركز الحثيث أن يَنْتَقِلَ مركز الثقل من المجتمع إلى السلطة طِبْقًا لأدبيات السياسة المركزية المحدثة ، وهي ما تُؤَرِّخُ له أوروبا بصلح وستفاليا 1648 ، وهو حجر الأساس لطرح الدولة المدنية العلمانية الحديثة التي تَسْتَبْعِدُ الدين من المشهد ، أو تضطره إلى رُكْنٍ ضَيِّقٍ فلا يأتي في المحل الأول ، فقد تُقَدِّمُهُ عَقْدَ ولاء جديد وهو عقد المواطنة الذي يستند إلى الحد الجغرافي آنف الذكر فلا يخلو من تحكم ، فانتقل هذا المثال اللاديني من المركز إلى الشرق ، وقد كان الشرق أَبَدًا يجمعه الوحي هويةَ فكرٍ وسياسةٍ وتشريعٍ لا حدود بين أمصاره ولا فواصل ، فَثَمَّ عقد رسالي جامع ، رائده المنة الرَّبَّانِيَّةُ العظمى ، مِنَّةُ : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) ، فلم يكن لهذا الطرح العلماني الوافد أن يستقر في الشرق لولا أن اصطنع شراذم من الأقليات التي استخلفها في حكم الشرق انطلاقا من نظريته السياسية المحدثة وإن خالفت عن الهوية الرسالية المنزلة ، ولم يكن لهذه الشراذم أن تستمر في الحكم لولا أن كانت القوة العسكرية الوظيفية ردءا يُعِينُهَا ويحميها ، وهي القوة التي صُنِعَتْ عَلَى عَيْنِ المحتل الوافد ، فلم تكن خارجة من المجتمع كما الأقليات التي تحميها ، فثم قوة النار في مركز الحكم ، وثم أقليات الفكر والسياسة فهي تدور في فَلَكِهَا ، ولم يكن ذلك ليستقر مع وجود القوة العسكرية لولا أن جُرِّدَ المجتمع من أدوات القوة الذاتية ، فصار أعزل وصار فَقِيرًا يستجدي السلطةَ وهو الذي كان بالأمس يضاهيها في الثروة بما يملك من أموال الأوقاف ، بل هو الآن مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مما تستقطعه من ثَرْوَتِهِ من ضرائب ومكوس .

    فالأمر أعمق بكثير من حراك لا يخلو من نفع عظيم لا سيما فِي نَوَازِلَ عاجلة كَفَكِّ أَسْرِ مَنْ ظُلِمَ ، فذلك من المغنم العاجل الذي يُثْلِجُ صدورَ المكلومين ولكنه بداهة لا يحسم أصل الداء ، فَلَا يحسمه إلا أَنْ يَسْتَرِدَّ المجتمع هويته وَأَهْلِيَّتَهُ ، فَيُحْسِنَ تَعْرِيفَ ذاته وَيَسْتَرِدَّ ما سُلِبَ من قُوتِهِ ليناجز السلطة ويصير لها ندا ، بل ويأطرها على مرجعه في العلم والعمل ، في السلم والحرب ، فيكون هو الفاعل الصانع لهويته الذَّاتِيَّةِ لا الْمُنْفَعِلَ بما يصدم ذاته الحضارية ، ويكون هو الفاعل الصانع للسلطة انطلاقا من قيمه لا الْمُنْفَعِلَ الخاضع لسلطةٍ تُفْرَضُ عليه من خارج .

    والحال الراهنة في مصر الآن ، أيا كانت نَتَائِجُهَا ، فهي كاشفة لا مُنْشِئَةٌ ، كما يقول القانونيون ، فهي على المستوى الميداني كاشفة لمناطق من السلطة والمجتمع كانت خَافِيَةً قَبْلَ أن تظهر بهذا الطرح المناوِئ للسلطة ولو انساق المرء وراء نظرية المؤامرة لا سيما إن أخفق هذا الحراك وَاسْتُؤْصِلَتْ عَنَاصِرُهُ استئصالا لا يعرف الرحمة كما الحال بعد أي انقلاب فاشل أو محاولة انقلاب فاشل ، فإذا لم ينجح الأمر وآل إلى ما تقدم من المآلات التي ترسخ بها قدم السلطة إذ تخرج من هذه النازلة أَقْوَى وَأَشْرَسَ فالضربة التي لا تقصم الظهر تُقَوِّيهِ فإذا نظر الناظر في مآل كهذا إن وَقَعَ وليس بِبَعِيدٍ وَإِنْ لم يكن الاحتمال الوحيد القوي إلا أنه احتمال قوي لا يمكن إهداره انسياقا وراء حلم التغيير الناعم بلا ثمن ! فإذا آل الأر إلى نجاح السلطة في مدافعة هذا الجناح المناوئ لها مِنْ دَاخِلَهَا وَمِنْ وَرَائِهِ الغطاء الشعبي الذي قد يُسْتَفَزُّ فَيَكْشِفُ هو الآخر جميع أوراقه ، فالأمر يؤول في هذه الحال إلى مذبحة جديدة لكلِّ خصومِ السلطة مِنْ دَاخِلِهَا وَمِنْ خَارِجِهَا وهذا المآل قد يحمل الناظر أن يُفْرِطَ فِي تَبَنِّي نظرية المؤامرة إذ لو كان ما تَقَدَّمَ لَقِيلَ ، على سبيل التجوز ، فالأمر والله أعلم صراع حقيقي ولكن ذلك تجوز في الاستنتاج بالنظر في المآلات ولو من باب التندر ! ، فَلَوْ كَانَ مَا تَقَدَّمَ لجاز القول إِنَّ مَنْ دَبَّرَ ابتداء هو السلطة ! ، فهي المستفيد الأول بل والأوحد فكأنها قد صنعت ذاك لِتَسْتَفِزَّ خصومًا بَعِيدِينَ عن أنظارها ، فهي تُرِيدُ الإيقاع بهم في فَخٍّ نَصَبَتْهُ ، وهو ما جعل بعض الفضلاء ، يحذر من النزول المكشوف الذي تظهر فيه جميع الأوراق الفاعلة على الأرض على وجه يسهل على السلطة إذا نجحت في التصدي أن تستأصل أولئك الخصوم فقد صاروا مكشوفين إذ نَزَلُوا بكامل قوتهم دفعةً يغلب عليها الحماس والعاطفة دون النظر والتروي ، وذلك ، مظنة الإخفاق ، لا سيما هو أمر قد تكرر قبل ذلك في يناير 2011 وإن لم تكن هي الأخرى ابتداء فَخًّا ولكن مآلات الأمر جعلتها أشبه ما تكون بالفخ فقد كَشَفَ الجميع عن أَوْرَاقِهِم الفاعلة دفعةً وراحت الثورة المضادة تُبَيِّتُ لهم نوايا القتل والاستئصال وتجتهد في جمع المعلومات لا سيما وقد انكشفت جميع القوى واستبان ما كان منها خافيا وهو ما سَهَّلَ مُهِمَّتَهَا بعد ذلك في القمع والاستئصال في يوليو 2013 ، فالحذر حتم لازم لا سيما وهذا الأمر يشبه ، من وجه ، أن يكون مقامرةً ، فالفرصةُ واحدةٌ إذ هو انقلاب داخل السلطة ، والانقلاب ضربة مفاجئة إن فشلت فالفاشل يدفع الثمن كله ، فلا يعدو دور الجماهير في مشهد كهذا أن يكون كَدَوْرِهِم في 30 يونيو 2013 مع القدر الفارق بداهة ومع اختلاف الخصوم وَتَرْتِيبِهم في المشهد ، وأقصى ما يمكن نَوَالُهُ من حراك لم تصنعه فكان لك دور في إخراج مشهده الخاتم لا أكثر ، أَقْصَى ما يمكن نَوَالُهُ ألا يكون هذا الإخراج بلا مقابل مجز لا سيما والمشهد ثري فلا بد من مقابل كبير ولو كان دور الجماهير هي كتابة كلمة النهاية لا أكثر ! ، فلا شك أن من سينقلب لو نجح فلن يمنح ثمرة عمله لغيره فلا يوجد من يَنْقَلِبُ لحساب غيره ، كما يَتَنَدَّرُ بعض المحللين ، ولكن يوجد من يحتاج إلى غيره لكي يَنْقَلِبَ ولو لِيُوَفِّرَ له الغطاء الشرعي ، فهو يضطر أن يبذل له جزءا من المكاسب ، وهي ، لو تدبر الناظر ، محل المساومة والتفاوض ، مع الحذر ، كما تقدم ، من كشف الأوراق كلها فلا بد من الحذر والتأني لئلا تعظم الخسائر فتكون انتكاسة جديدة يدفع فيها المجتمع لا سيما نخبه الفاعلة ، يدفع الثمن من جديد مقابل سلعة لم يَشْتَرِهَا ولكنه حُمِّلَ وزرها لا سيما وقد تعجل وكشف أوراقه ، فتلك النازلة ، كاشفة ، من هذا الوجه ، كاشفة من آخر إذ أبانت عن الحال التي بَلَغَهَا المجتمع تحت حكم النخب الوظيفية المتساندة ، والقوة العسكرية ، كما تقدم ، في مركزها ، فَهِيَ الحامي لِقِيَمِ المحتل ! ، فوظيفتها الحماية والحكم ، حماية قيم المحتل الذي أنشأ هذه القوة على قيم جديدة ، والمثل المتبادر ما صنع الاحتلال البريطاني الوافد ، فإنه لما دخل مصر فاتحا منقذا لوكيله الوظيفي الخديوي محمد توفيق ، لم يصبر على جيش العاصي عرابي ! ، فسارع بِحَلِّهِ وهو ما صنع بَعْدَهُ بِقَرْنٍ أو يزيد حاكم العراق بول بريمر بعد احتلال البلاد في 2003 ، إذ كان من أوائل ما أصدر من مراسيم : مرسوم حَلِّ النَّوَاةِ العسكرية والأمنية الصلبة للنظام السابق ، فهو الخصم فلا يمكن الاعتماد على هياكله وعناصره في إقامة مشروع احتلال على أنقاض مشروعه وبعده كان السعي الحثيث في استئصال النخب العسكرية بعمليات التصفية والاغتيال .
    فكذلك الشأن في جَيْشِ عُرَابِي فلا يمكن الاستناد إليه في أي مشروع استعماري ، فهو ، على أدنى تقدير ، جيش وطني يَنْتَمِي إلى المجتمع ، فضلا عن هوية وأيديولوجيا ولو لم تكن على المثال الرسالي الأول ، ولكنها لا تَنْفَكُّ وإن درست آثارها ، لا تَنْفَكُّ تضرب بسهم في صناعة الهوية الوطنية المصرية فلا تَخْلُو من جُذُورٍ إسلاميةٍ وهي بداهة لا تصلح في تشكيل عقيدة الجيش الجديد ، الجيش الذي صنعه المحتل ، فقد اشْتَرَطَ فيه ألا يكون المتقدِّم ممن سبق له حمل السلاح مع عرابي فتلك نخبة مغضوب عليها فهي بَيْنَ السجن والنفي والإقالة ، وألا يكون من ذوي الثقافة العالية ، فاشترطوا مَنْ رسب في الصف الرابع الابتدائي ! إن لم تخن الذاكرة وهو ما يوازي في هذه الآونة نظرية 50% في الثانوية العامة ، فالمثقَّف المتعلم لا يَنْصَاعُ بداهة بسهولة خلاف الجاهل الذي لا مشروع له في حياته وهي صفة غالبة على كل من يدخل هذه المؤسسات فلا يدخلها إلا بعد أن يفشل في صناعة أي مستقبل ناجح ، فصارت بمرور الأيام مستودع الفشل وضعف العقل والانتهازية والرغبة في الوصول السريع مع عدم المؤهلات لذلك ولو على حساب ذَوِي الخبرة والكفاءة ، وتلك صفات مثالية في العناصر الوظيفية ، لا سيما وهي بَعْدَ ذلك تدخل ماكينة صهر وإعادة تشكيل للشخصية وِفْقَ مَا يُوَاطِئُ أغراض المحتل والسلطو الوظيفية من بعده ، فَالْمُخْرَجُ الرئيس من هذه العملية هو جيش وظيفي خادم لا يجاوز دوره دور الحارس ، فهو الحامي والحاكم ، كما تقدم ، الحامي لقيم المركز الذي صنعه على مثال أيديولوجي يخالف عن روح الشرق الرسالية بل وظيفته الأولى أن يَقْمَعَهَا فهي روح أي تغيير فاعل في الشرق ، وهو الحاكم للمجتمع حكم الاستبداد والقهر ، فوظيفته أن يَسْتَلِبَ أسبابَ القوة من المجتمع لئلا ينهض فيناجز المحتل الوظيفي في الداخل ومن ورائه المحتل المركزي من خارج ، فالأمر لا يقتصر على الوكيل فهو ذراع من جسد ، وليس له من الفكرة والتخطيط شيء إلا التفاصيل ، فقد صنع المركز الإطار المحكم الذي يَتَحَرَّكُ الْوَكِيلُ داخلَه ، فلا يجاوزه ، فوظيفته ، كما تقدم ، حماية مصالح المركز في الأطراف ، سواء أكانت المصالح المادية المباشرة ، أم المصالح الأيديولوجية والسياسية ، فالقوة العسكرية وإن اشْتَبَكَتْ مع القوى المدنية العلمانية ، وذلك أمر يَرَاهُ الناظر اليوم في مصر ، وهو ، أيضا ، مما يصب في قَنَاةِ الحراك ويزيده زَخَمًا ، وهو أمر يحمد ، ولو على المدى التكتيكي القصير ، فلا يمكن أن يكون التصالح في مشهد كهذا إلا مناجزة لخصم قد جاوز الحد فاستحق الْعَزْلَ ولو من داخل المنظومة الحاكمة إذ صار خطرا على أوليائه قبل خصومه وهو ، بداهة ، لا يعدو أن يكون إعادة تدوير للمخلَّفَاتِ ولولا ضعف المجتمع الراهن ما بلغت به الحال أَنْ يُرَاهِنَ على انقلاب داخل منظومة الحكم الوظيفية فقد ضاقت به الحال وَرَجَا أَيَّ انْفِرَاجَةٍ ولو مُؤَقَّتَةً إذ بَلَغَ الجهدُ بِهِ كُلَّ مَبْلَغٍ لا سيما أصحاب الضرر المباشر الذين اختصهم النظام الحاكم بِقَمْعٍ زائدٍ ، وتلك انْفِرَاجَةٌ معتبرة لا يجحدها إلا من يكابر لا سيما في ظل هذا العجز التام ، فالمجتمع ، إن لم يطق التغيير الكامل ، فذلك ما لا يطيقه إلا مجتمع قوي قد استكمل بناءه الفكري والمادي ، فالمجتمع إن عجز ولم يُطِقِ التَّغْيِيرَ التام فلا يَرُدُّ ، بَدَاهَةً ، عطية ربانية بِانْفِرَاجَةٍ سياسية أو اجتماعية ، ولكنه لا بد أن يُدْرِكَ تَمَامَ الإدراك أن الأمر إن تَمَّ فَلَيْسَ إلا إعادة تَرْتِيبٍ للمشهد بِرَدِّهِ إلى قواعده الأولى وإن بأسلوب أَلْطَفَ ، فَلَنْ تُغَادِرَ المجموعات الوظيفية مَحَالَّهَا ، إذ التَّغْيِيرُ يَقْتَصِرُ في العادة على دَوَائِرَ ضَيِّقَةٍ من السلطة ، فَتِلْكَ المفسدة الصغرى التي تُدْرَءُ بها المفسدة العظمى ، فَيُضَحَّى بِرَأْسِ الهرم الوظيفي الحاكم استبقاء لجسمه الذي يسارع بإنتاج رأس جديدة فثم خطوط إنتاج مفتوحة تُفْرِزُ الرءوس طِبْقًا لمعايير محكمة تضمن استقرار المعادلة السياسية التي سطرها المركز ، فلم يغادر الأطراف إلا وقد أنشأ المنظومة وَأَمَدَّهَا بِرَوَافِدِ الاستمرار والاستقرار ، فَانْتَخَبَ مِنَ المجتمع نُخَبَ الوظيفة التي تُحَرِّكُهَا مطامع خاصة تَرُومُ تحصيلها ولو على حساب المصلحة العامة وهي في نفس الآن وضيعة الأصل والنسبة متواضعة الفكرة والحركة ، فلا تطيق بلوغ ما تطمح إلا بدعم من خارج ولو خيانةً للمبادئ والمصالح جميعا ، فلا هي رسالية ولا هي وطنية ، فَقَدْ خالفت عن كل معيار حاكم ، فالمجتمع في الحال الراهنة بعد عقود من الحكم الوظيفي التابع ، المجتمع الآن لا يملك قدرة تامة على تغيير كامل يُقَوِّضُ هذا المثال الهرمي الذي احتكر أسباب القوة ، فَغَايَتُهُ أن يُنَفِّذَ هجمة مرتدة تُرْبِكُ الخصم ولكنها لا تملك والحال هذه من الضعف أن تُقَوِّضَ أركانه وإن كانت هشة ، لا أنه خصم قوي فهو لا يملك جذورا راسخة في المجتمع ، فوصفه أبدا الخوف والترقب مع استعمال فنون الحرب النفسانية بضربات دعائية وإعلامية استباقية تَتَّسِمُ بالإفراط في استعراض القوة الغاشمة أمام خصم أعزل ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، صنيع الجبان الخائف إذ ليس ثم من يُنَازِلُ ، فلا أيسر من استعراض القوة وقد خلا صاحبها بِأَرْضٍ فَطَلَبَ النِّزَالَ والطعانا ، كما يقول أبو الطيب ، فلا يُنَازِلُ إلا الهواء وتلك ، بَدَاهَةً ، منازلة لا خَطَرَ فِيهَا ولا مغامرة ! ، فذلك وصف يَتَكَرَّرُ في كل مشهد ، ومع ذلك فالمجتمع وقد سُلِبَ أسباب قوته الذاتية قد صار مُنْتَهَى سؤلِه الآن أن يُقَلِّصَ فَارِقَ الْقُوَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النظام الوظيفي ، فَلَا يُعْطَى الفرصةَ أبدا ، ولو في المجال الخدمي ذي الطابع المدني ، فالنظام يشعر بغيرة مفرطة من أي كيان منظم يسحب بساط الجماهير من تحت أقدامه بما يُوَفِّرُ من بدائل خدمية ذات طابع إنساني خلاف الحكم الوظيفي ذي الطابع الرأسمالي الليبرالي الذي لا يروم إلا الكسب المادي العاجل إن من الخارج دعما أو من الداخل نهبا ! ، فالمجتمع وإذ تلك حاله فهو يَتَرَقَّبُ ، كما يَتَرَقَّبُ الآن ، أي فرصة ولو من صُنْعِ غيره ليوجه للنظام ضربةً يَسْتَرِدُّ بِهَا قِسْطًا من ثِقَتِهِ بِنَفْسِهِ ، وإن لم تكن كافية في إحداث تَغْيِيرٍ جوهري ، فأي تغيير جوهري الآن إن حدث فَلَيْسَ مِنْ صُنْعِ المجتمع لئلا يخدع وَيَغْتَرَّ بمن يجامله في لحظات صحوته أنه الشعب العظيم الذي صنع المعجزة وعلم الدنيا آداب الثورة ! ، ولم يصنع شيئا ، لو تدبر الناظر ، إلا أن وَافَقَتْ غضبته حركة جناح آخر في المشهد ، أو اسْتُفِزَّ من هذا الجناح عبر عملية شحن وتصعيد متدرج ، فذلك الجناح هو مِنْ يملك القوة التي تَفْتَقِرُ إلى غطاء جماهيري يُضْفِي على حراكه الشرعية السياسية ، فالمجتمع يستدعي هذا الجناح ، أو الجناح هو من يستدعيه ! ، وهو ، بداهة ، يملك القوة الصلبة ، والأمر يسير موجز ، فاستدعاءُ قوة عسكرية من داخل النظام جناحا يصارع آخر ، استدعاؤها بغطاء جماهيري حاشد يساوي في معادلة السياسة والحرب انقلابا من داخل النظام الوظيفي نَفْسِهِ ، فهو يُعِيدُ تَرْتِيبَ ما بَعْثَرَهُ الجناح الآخر من أوراق اللعبة ، فيستعيد توازنه الذي اختل ، ويعيد إِنْتَاجَ نفسه فِي نسخة جديدة أقل ظلما وأخف وطأة ، فلا هي عادلة ولا هي خفيفة الوطأة ، وإنما هي سيئ أحسن من أسوأ ! ، وقد يكون القياس الناصح في مشهد كهذا هو الترجيح والتفاضل ، كما يَنْقِلُ ابن حزم الإجماع على ذلك ، فَتُوَالَى الفئة الأقل شرا لا رضى بِشَرِّهَا وإنما دفعا لشر أعظم ، لا سيما والجديدة مبدأَ أمرِها ضعيفة لم تَرْسَخْ أقدامها بَعْدُ فهي ، بداهة ، تسعى في استئلاف الجمهور وحشد كل خصوم الجناح الآخر خلفها بما تبذل من وعود وتقدم من تنازلات تحدث انفراجة ينتظرها كثير من الفضلاء ، فقد دفعوا القسط الأوفر وَنَالُوا القدر الأعظم من البطش والتنكيل ، ولا يعلم فداحة ذلك إلا من ذَاقَهُ ، فهم أعظم الناس انْتَفَاعًا بذلك وأولى الناس بالتقديم فيكون السعي في تَفْرِيجِ كُرْبَتِهِم على رأس أي حراك ، ولو انقلابا ! ، وذلك أمر يفتقر إلى نظر وتدبر في مقادير الأمور لئلا تُفْضِي الحال إلى الأسوإِ ، لا سيما والمجتمع ليس صانع المشهدِ ، وإنما هو عامل مساعد في إكماله ، فلئن نجح في تَنْفِيذِ هذه الهجمة المرتدة ، فإنه لا يملك خطوتين بعدهما ، كما يلخص بعض الفضلاء المشهد ، فهو هجمة مرتدة وتنظيم على الأرض يُؤَمِّنُ استمرارها أكبر قَدْرٍ ممكن حتى تَتَحَقَّقَ مطالبها كاملة أو غَالِبَةً ، فلا بد من تأمين استمرارها بما يوفر لها من أسباب الدعم والإمداد حتى تَنْجَحَ في الخطوة الثالثة وهي السيطرة على مفاصل النظام على وجه يشل أركانه وَيَنْقِلُ مركز الثقل من السلطة إلى المجتمع ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا والمجتمع قوي فاعل بأسبابه الذاتية وتنظيماته الحركية ، خلاف ما لو كانت حاله كحاله الآن ، فأقصى ما يطيق أن يَتَمَهَّلَ فلا يكشف أوراقه جميعا ، وأن يَتَحَسَّسَ مَوْطِئَ قدمه لئلا يستدرج إلى معركة غير متكافئة ، وأن يدعم ما استطاع مَنْ يَرَى أنه سوف يحقق له انفراجة عاجلة ، ولو جزئية ، وهو ما يجعله يَنْتَقِلُ إلى مرحلة أخرى من مراحل الصراع ، وهي مرحلة بناء الذات ، ليكون قادرا في مرحلة قادمة ولو على المدى المتوسط أو البعيد أن يُنَاجِزَ النواة الصلبة لهذا النظام الهرمي فإنه لم يسقط بداهة إذ انْقَلَبَ جناح من أجنحته على آخر ! ، فلا بد من قوة اجتماعية منظمة تمثل روح الفكرة التي تصدر عنها الحركة ، حركة المجتمع ، فلا تكون كالنظام الذي يمثل مصالح الداعمين في الداخل وفي الإقليم وفي المركز ، فإذا نجح المجتمع في بناء هذه القوة الذاتية استنادا إلى قِيَمِهِ الأصيلة ، فثم معركة أولى مع الأذرع الوظيفية في الأطراف ، فهي آنذاك واجب الوقت ، وبعدها المواجهة الحاسمة مع الأصل ، وهو النظام الدولي الذي يحكي مصالح المركز ، فتلك آخر مستويات الصراع ، وهو ، بداهة ، ما لا يطيقه المجتمع الآن وَلَمَّا يَسْتَكْمِلْ بَعْدُ قوته ليناجز الذراع الوظيفي في الداخل فكيف يحرق المراحل فيناجز المركز وهو المستوى الأخير ؟! ، وإن كان لذلك أهلا بما يملك من القيم الرسالية الأصيلة ، ولكنه لَمَّا يستوف بعد ما أُمِرَ باستيفائه من عدة بها يُنَاجِزُ الخصم ، وَسَنَنَ الربِّ ، جل وعلا ، سَنَنٌ مُحْكَمٌ لا يداهن أحدا وإن كان ذا عاطفة صادقة فلا بد من فكرة ناصحة وحركة راشدة على الأرض ، وإلا فالعاطفة وحدها تُفْضِي إلى العجلة والتسرع على وجه يضر ولا ينفع ، بل قد يُفْضِي إلى انكسار يكون رَدُّ فِعْلِهِ سَلْبِيًّا فهو ، كما يسميه أهل الشأن ، دعاية سلبية إذ يَرْتَفِعُ الطموح فجأة إلى أقصى حد ثم يهوي فجأة إلى أدنى حد فيصاب صاحبه بالإحباط واليأس .


    والله أعلى وأعلم .


  5. #5
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    والصراع إذا احتدم داخل أي نظام وظيفي تابع فلا يقتصر ذلك على الداخل بل لا بد مِنْ تَدَخُّلِ الأطراف الفاعلة في الدائرة الإقليمية الأخص والدائرة الدولية الأعم ، ولذلك تسارع الأطراف المتصارعة في الداخل ، وَهِيَ تَوَابِعُ ، تُسَارِعُ إلى استرضاء الروافد من خارج ، ولو بإعطاء أضواء خضراء أو مُوَافَقَةٍ غَيْرِ مكتوبة على إجراءٍ مَا داخل منظومة الحكم لا يجاوز في الغالب إعادة تَرْتِيبٍ للمشهد لا تخرج عن الإطار العام المحكم فذلك الثابت الذي لا يُنْسَخُ وَلَا يُبَدَّلُ أبدا ! ، وهو مجال المزايدة بين الأطراف المتخاصمة أو المتشاكسة داخل النظام الوظيفي التابع ، فَخَاصَّتَاهُ الرَّئِيسَتَانِ ، كما تقدم في مواضع سابقة ، خَاصَّتَاهُ الرَّئِيسَتَانِ : تَرَكُّزُ النفوذ والثروة في دائرة ضيقة ، وانشطار هذه الدائرة إلى أجنحة تَتَصَارَعُ أَيًّا كان مستوى الصراع فَقَدْ يَفْتَقِرُ في أحيان إلى تَغْيِيرِ الرأس وَمَنْ حَوْلَهُ من الدائرة الضيقة واستبدال أخرى بها وَقَدْ يَفْتَقِرُ إلى بَعْضِ التعديلات داخل نفس الإطار تخفيفا لاحتقان جماهيري أو إرضاءً لفصيلٍ سِيَاسِيٍّ مُؤَثِّرٍ سواء أكان داخل السلطة أم خارجها .
    ووصفُ الضِّيقِ في دَائِرَةِ الحكمِ وَصْفٌ نسبي ، فَثَمَّ نظامٌ وَظِيفِيٌّ مركزي عاقل يُوَسِّعُ دائرة المشاركة ولو في السرقة والنهب سواء أكان ذلك صراحة أم في إطار قانوني محكم يضفي على السرقة وصفا قانونيا مقبولا في الدوائر القضائية والحقوقية والاجتماعية فلا يشعر المجتمع أن ثم ضَيْرًا إذا حاز فلان أو فلان من رجالات السلطة ، إِذَا حَازَ قِسْطًا من النفوذ أو المال العام فالقانون قد نَصَّ على ذلك فَرَئِيسُ الدولة الوظيفية التي تقوم على حق احتكار القوة والثروة ، هذا الرئيس يملك صلاحيات شمولية تجعله نواة الحكم والفكر والسياسة والاجتماع والاقتصاد ..... إلخ ، وذلك ، في المقابل ، هو وصف النظام الوظيفي المركزي السَّفِيهِ الذي يَبْلُغُ فِي أحيان حد الجنون ! ، فَرَئِيسُهُ يستمد صلاحياته المطلقة ، كما تَقُولُ أَدَبِيَّاتُ السياسةِ الشموليةِ المحدثة ، يستمدها من إيمان الجماهير به ولو بَلَغَ حَدَّ العبادة والتأليه لا جرم افْتَقَرَ هذا المثال إلى آلة دعاية سوداء ! فهي تبث من الدعاية ما يجعل شخص السلطة الاعتباري : المنصب أو الكرسي أو الزي الرسمي ، أو شخص السلطة الحقيقي : الرئيس أو الزعيم أو الأمين العام للحزب أو سكرتير اللجنة المركزية للحزب ..... إلخ ، ما يجعلهما فَوْقَ البشرِ ! ، فَهِيَ تَبُثُّ من الدعاية ما يُضْفِي على هذه الشخوص الباهتة وصف القداسة ، وهذا الرئيس الإلهي ومن حوله من آلهة جبال الأوليمب ! ، هذا الرئيس ومن حوله يحظون بمخصصات ونسب ربح أو عمولات ينص عليها القانون الذي كتبوه ! ، فهو ، كما تقدم ، إرادة الطبقة الحاكمة التي اكتسبت شَرْعِيَّتَهَا من أي مصدر إلا الوحي في المثال الرسالي الشوري ، أو الشعب في المثال العلماني الديمقراطي ، فاكتسبت النخب في المثال الشمولي المركزي الذي تمتاز به الأنظمة الوظيفية ، اكتسبت شَرْعِيَّتَهَا من القوة ، وإن كَسَتْهَا لحاءً آخر مقبولا فَهِيَ تُجِيدُ تسمية الأشياء بِغَيْرِ أسمائها ، فالشيوعية تذرعت بالقوة الثورية ، قوة الطبقة الكادحة فَهِيَ قوة لا تَعْتَرِفُ بالقانون ، أيا كان مستمده ، فَقَدْ جَاءَتْ لِتَثُورَ عليه فَثَارَتْ على كل الثوابت الفكرية والسياسية ، بل وجعلت دِعَايَتَهَا الرئيسة ملصقا استوقف المفكر النمساوي المسلم يهوديَّ الأصلِ : ليبولد فايس أو محمد أسد ، اسْتَوْقَفَهُ وهو يحكي رجلا يَرْتَدِي سترة زرقاء فهو من أصحاب الياقات الزرقاء ، أو طبقة العمال أو البروليتاريا كما في الأدبيات الشيوعية الكلاسيكية ، فهذا الرجل الأزرق ! أو العامل المجتهد في مصانع الدولة التي تمتلك كل شيء فوق الأرض وتحته باسم الجمهور العامل وقوى الشعب الكادح .... إلخ من الشعارات التي أصبحت بعد ذلك مثار سخرية وَتَنَدُّرٍ في الدراما ! (فوزية البرجوازية مثالا على ذلك ! وهو من الدراما المصرية التي أُنْتِجَتْ في ثمانينيات القرن الماضي) ، هذا الرجل الأزرق قد اكتسب قوة خارقة ، كما يَنْقِلُ بعض المحققين عن محمد أسد ، فَقَدْ رَقَى إلى السماء وَجَاوَزَ السحاب وَرَكَلَ رجلا أَبْيَضَ اللحية شَيْخًا فَانِيًا ، وهو في الأدبيات النصرانية كما يحكي بعض المفكرين الفرنسيين مِمَّنْ دَخَلَ في الدين الخاتم ، هو الأب أو الإله الذي في السماء ! ، فصورة الابن أو يسوع صورة الشاب المقبل على الحياة وصورة الإله صورة شيخ فان قد قارب الموت ! ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، من مبادئ ما دخل النصرانية مبكرا من الأطروحات الأرضية المحدثة ، وهو ما عَظَّمَ من قِيمَةِ الإنسان الذي يمثله ابن الله في مقابل الحط من قيمة الإله فهو شيخ فان يوشك أن يموت فَيَنْتَقِلَ مركزُ الثقل في الحكم والتشريع من السماء إلى الأرض ، وذلك ما أَفْرَزَ بعد ذلك نظريات الحداثة الأدبية من قبيل موت المؤلف وإن كان مؤلفَ الكتاب المقدس فقد مات الإله وانتهى الأمر وأصبح الإنسان هو سيد الكون سواء أكان الإنسان الرأسمالي التاجر أم نظيره الشيوعي الكادح ! ، الذي رَكَلَ الشيخَ الفاني في الملصق آنف الذكر ، رَكَلَهُ بِقَدَمِهِ وَحَلَّ محله ، فذلك هو إله السماوات ! فَقَدْ رَكَلَتْهُ البروليتاريا فَأَقْصَتْهُ مِنْ مَنْصِبِ الخلق والتدبير وجلست محله فَهِيَ الإله الذي يحكم الأرض انطلاقا من قِيَمِ الثورةِ التي أعطت هذه البروليتاريا العمالية حق الاستبداد والديكتاتورية ، فما الحزب الشيوعي ولجانه الفرعية والمركزية إلا صوت البروليتاريا انطلاقا من نظرية "ديكتاتورية البروليتاريا" فهذه نظرية أرضية أعطت لصاحبها حق الاستبداد والتحكم والقهر وحكم الناس بالحديد والنار استنادا إلى تفويض الجماهير الكادحة التي منحته حق التشريع والحكم ، وأطلقت يده بالقتل والهتك ، فهو يقارف كل جرائمه استنادا إلى تفويض الجماهير ، فصار الحزب وهو يمثل النواة الصلبة في التجربة الشيوعية ، صار الحزب لا سيما لجنته المركزية العليا ، صار هو الحاكم الذي يَقْتَسِمُ النفوذ والثروة باسم الشعب الذي يُلْقَى إليه الفتات ! ، فهو يكدح في المصانع والمزارع التي تقول الدعاية الرسمية إِنَّهَا حقٌّ للطبقة العمالية فهي المالكة لأصولها فما الدولة والحزب إلا نائب عن الشعب في إدارة الثروة العامة ، وَإِنْ أَفْضَى ذلك إِلَى تَرَاكُمِ النُّفُوذِ وَالثَّرْوَةِ في قمةِ هَرَمِ السلطةِ وهو لجان الحزب العليا التي لا زالت دوائرها تضيق حتى تختزل آخر أمرها في شخص الزعيم الاعتباري أو الحقيقي ، فَذَلِكَ هَرَمُ الاستبداد الذي نَجَحَ فِي تمرير دعايته الاستبدادية في قَوَالِبَ ثورية ذات طابع جماهيري وإن كان الجمهور هو الكادح الذي يدفع الثمن فهو يكد لِيَسْتَمْتِعَ الحزب وأعضاؤه بمزايا ومكتسبات كَفَلَهَا الدستور الثوري الذي كَتَبَتْهُ الطبقة الحاكمة فهو يحكي إرادتها في الاستئثار بالنفوذ والثروة ، ولطبقة البروليتاريا اسم الحكم بلا مسمى فَكُلُّ ذلك يُقْتَرَفُ باسمها ! ، فهي الجمهور الثائر الذي منح الحزبَ التَّفْوِيضَ لِيَسْتَرِقَّهُ فِي المصانع والمزارع انطلاقا من نظرية الدولة الإله ، دولة الحزب المركزي الذي يستأثر بجميع الصلاحيات في أضيق الدوائر فهي ما احتف بشخص الزعيم القائد الذي يمارس الأبوة الفكرية والسياسية فهو المنظر الأيديولوجي والاقتصادي وهو من يُنْشِئُ منظومةَ الأخلاقِ والقيمِ انطلاقا من مرجعيته الذاتية فلا مرجع يجاوز ذاته القدسية فهي من خارج الذوات الأخرى فَتَحْكُمُ فِيهَا الحكمَ النافذ : حكمَ الوحيِ الشارعِ الذي لا يخالف عنه أحد ولا عجب إذ احتل هذا الزعيم منصب الإله فالمثال قد اختزل من الدولة الإله إلى القائد الإله فلا زالت الصلاحيات تُنْتَزَعُ من الدولة لصالح السلطة ومنها إلى صاحب العصمة قائدِ الأمة ورائدِ النهضة وَمُنْقِذِ الدولة من المؤامرات الكونية التي تُسْتَدْعَى لِتُخَاطِبَ غَرَائِزَ الجمهور فَتَارَةً تُثِيرُ فيه غريزة الكبر والاستعلاء فهو الشعب العظيم الذي يستحق حكم العالم فقد انْتَخَبَتْهُ يد العناية الإلهية لِيُخْرِجَ بَقِيَّةَ الأمم من طَوْرِ البداوةِ إلى طورِ الحضارة كما كانت الدعاية النازية تُبَشِّرُ فالأمة الألمانية هي قاطرة الأمم ، فَتَارَةً تُثِيرُ فِيهِ هذه الغريزة العنصرية كما يقول بعض الباحثين في تَقْدِمَةٍ لكتاب "سيكولوجية الجماهير" وهو مرجع في دراسة طبائع الشعوب الأنثوية التي تَتَّسِمُ بالعاطفة المفرِطة انطلاقا من غَرِيزَةٍ جانحة لا زمام من العقل أو الفكر يُحْكِمُهَا ، فَثَمَّ آلة دعاية تلح أنها الأمة الأرقى فكرا والأنقى عرقا ، فلا تكون الحضارة في عرق آخر ، فذلك قَدَرٌ نَافِذٌ ، ووصف ذات لازم لا يُكْتَسَبُ ، فالانتماء إلى الأمة الألمانية لا يُنَالُ بالكسب أو المحاولة ، وهو أمر يخالف ، بداهة ، عن الجنسية الألمانية فذلك إجراء إداري لا يسوغ لصاحبه أن يحظى بحق العضوية الكاملة في هذا الكيان الحضاري المتفوِّق فغايته أن يحظى بِبَعْضِ المكتسبات التي تجعله تابعا من درجة أعلى فهو أَرْقَى مِنَ التَّابِعِ المجرد ، وهو في نفس الآن دون المثال العنصري الأنقى ، المثال الآري الأبيض ، فَثَمَّ إلحاحٌ في هذه الدعاية الْغَرَائِزِيَّةِ : دعاية الأنا الشعبوية المتفوِّقَةِ التي تختزل في الأنظمة الشمولية حتى تَتَرَكَّزَ في شخص القائد الملهِم الذي يَرَى ما لا يَرَى العامة ، فلا يخضع لِلنَّقْدِ أو المساءلة ، فَإِذَا حُوصِرَ فالتاريخ وحده من يحاسبه ، والله ، جل وعلا ، يوم القيامة هو من يُسَائِلُهُ ! ، فلا يملك بَشَرٌ هذا الحق ، إذ يَرَى الزعيم في هذا المثال الشمولي أنه سقف التشريع ، فهو مرجع التحسين والتقبيح في الفكر والسياسة والاقتصاد بل وأحكام الأسرة طلاقا وزواجا ! ، فكيف يخضع مَنْ تِلْكَ حاله لأي مساءلة أرضية ولو انطلاقا من مرجعية سماوية ، وغالبا ما تشكو هذه القيادة الشمولية من اضطراب نفسي حاد ، وهو ما يجعل ردود أفعالها تَتَّسِمُ بالمخالفة عن كل مَنْقُولٍ ومعقول ومأثور من سير الحكام ولو ظالمين مستبدين إلا من ضاهاه في النرجسية والسادية والسيكوباتية العدوانية من أمثال كاليجولا ونيرون فَهُمَا المثال القياسي من العصر الروماني ، فَثَمَّ جرعة أعلى من الاستبداد تحكي الاضطراب النفسي الحاد الذي لا يخلو من نَزْعَةِ ثَأْرٍ وانتقام ورغبة سادية تَلْتَذُّ بإذلال الآخر والحط من شأنه وَتَسْفِيهِ رَأْيِهِ في السر والعلن لإشباع رَغَائِبِ الأنا في الإحساس بالتفوق الذي تَفْتَقِدُهُ فَلَا تجد وسيلة لتحصيله إلا الحط من شأن الآخر ليكون أسفل منها ! ، وهو أمر ، لو تدبر الناظر ، لا يخلو منه منصب سياسي أو إداري في هذا المثال الشمولي المركزي ، فَثَمَّ قادة ملهمون في كل مستويات السلطة والإدارة ولو في الأرشيف أو دوائر السكرتارية الدنيا ! ، فمدير أي إدارة ولو تحت بير السلم ، كما يقال في مصر ! ، هو رائد المنظومة وقائد المجموعة وإن كان دون المستوى إن في الجانب العقلي فهو غَبِيٌّ متسلط أو في الجانب التَّنْفِيذِيِّ فهو بَلِيدٌ لا يجيد الإدارة ، فَوُصُولُهُ إلى هذا المنصب يحكي الأزمة السياسية والاجتماعية ، وإن فِي دائرته الوظيفية الضيقة ، فإنه المنتج القياسي لنظام سياسي شمولي يفرز القيادات الأكثر ولاء ونفاقا ، فذلك معيار الاختيار الأول ، فكل مدير في مكانه قد تحول إلى زعيم خالد يستجمع الصلاحيات والامتيازات فجميع الموظفين يخطبون وده رغبةً في منحة أو علاوة أو تحضيرا لخلافة ، فالجميع يسعى في ذلك ولو على المدى الطويل وأمهرهم من يجيد النفاق والتزلف الزائد فَيُبْدِي من الخضوع والذلة ما يُرْضِي صاحب العصمة فَيَصْطَفِيهِ ، ولو مملوكَ خدمةٍ وَتَرْفِيهٍ ، حتى تَلُوحَ الفرصة في الأفق فهو يُبَادِرُ بِاقْتِنَاصِهَا فليس ثَمَّ طريق آخر إلى المنصب إلى هذا الطريق المختصر ، فإنه لا يملك الصبر ولا يطيق التعلم ليسلك جادة الكفاءة ، فجادة الولاء أقصر وأيسر بكثير ، ولو في نيل منصب مدير الأرشيف ! ، وذلك مثال صغير في أي مستوى من مستويات الحكم الشمولي فاستنساخه يتدرج صعودا من رئيس الأرشيف إلى قائد الأمة ، أو هبوطا من قائد الأمة إلى رَئِيسِ الأرشيف ، وحول كل مركز من مراكز السلطة دائرة تَتَّسِعُ تارة وَتَضِيقُ أخرى تَبَعًا لمهاراته في اصطناع الأولياء وتوزيع المناصب والامتيازات على وجه يضمن لرياسته الاستقرار والديمومة حتى يخرج إلى المعاش أو إلى الممات ! ، فما استبداد السلطة ، لو تدبر الناظر ، إلا حكاية لاستبداد المجتمع في كافة مستوياته ، فالداء يَتَفَشَّى في القاعدة وَيَتَرَكَّزُ في القمة ، وثم تبادل في التأثر والتأثير فَكُلٌّ يَرْفِدُ الآخر بأسباب بقائه فالمجتمع المستبد يمنح السلطة المستبدة فرصة الحكم إذ يعجبه هذا المثال الشمولي فَقَدْ فسدت خلائقه صار يَرَى القمع والاستبداد فضيلة وصار يَرَى القوة الغاشمة قِيمَةً أخلاقية حاكمة وتلك أخلاق العبيد الذي يعجبهم قرع العصا فيعجبهم الإجراء الاستثنائي ، ولو كان دمويا ، فهو يبين عن فحولة النظام وذكوريته ! ولو تحول المجتمع إلى مفعول به من قِبَلِ هذا النظام الفحل مكتمل الذكورة وإن لم يكن له كبير حظ من الرجولة ! .
    والسلطة المستبدة ، في المقابل ، تَضُخُّ دماء الاستبداد في عروق النخبة الضيقة مِنْ حولها فَهِيَ الدائرة الأولى من دَوَائِرِ النُّفُوذِ وَالثَّرْوَةِ ، والطبقات المستفيدة من حَوْلِهَا لا تَزَالُ تَنْشَعِبُ وتدق في الجهاز الإداري الذي تحول إلى ضَامِنِ ولاءٍ أوَّلَ ، وذلك ملمح آخر رئيس في أي نظام شمولي ، كما يضرب بعض المفكرين المثل بالنظام الشيوعي السوفييتي ، وهو الصورة القياسية للأنظمة الشمولية المركزية ، فَقُدِّرَ عدد العاملين في جهازه الإداري بنحو 18 مليونا ، وَثُلُثَا هذا العدد على أقل تقدير ، أي نحو 12 مليونا ، زائدون عن الحاجة الفعلية فإدارة الدولة الفعلية لا تحتاج أكثر من 6 ملايين موظف ، وما زاد فهو البطانة الاجتماعية التي تحظى بِبَعْضِ الفتات الذي يَتَسَاقَطُ من موائد اللجان المركزية للحزب الشيوعي الثوري ! الذي ثَارَ لِيَسْتَعِيدَ حقوق الفقراء من النخبة العمالية الكادحة ، نخبة البروليتاريا التي يمارس الاستبداد والقمع باسمها انطلاقا من نظرية "ديكتاتورية البروليتاريا" آنفة الذكر ، فلا صوت يَعْلُو على صوتها الجهوري الذي يهتف باسم الزعيم السوفييتي ! ، في إطار ما تقدم من غريزة الأنا فَكُلُّ مَنْ يُعَارِضُ الزعيمَ فالأنا الْعُمَّالِيَّةُ تفترسه بأنيابها وإن كان عنوان وَعْيٍ وَيَقَظَةٍ يروم إخراجها من هذه الغيبوبة سواء أكان منطلقه وحيا سماويا فهو في نظر البروليتاريا رجعي ثيوقراطي يروم إرجاع ذلك الشيخ الهرم ذي اللحية البيضاء إلى منصب الإله فهو يروم إحياء عظامه وهي رميم فلا تلتفت البروليتاريا التقدمية إلى طرحه الرجعي المتخلف ، أم كان منطلقه أرضيا إصلاحيا فهو نظر هذه البروليتاريا رجعي إقطاعي يَرُومُ رَدَّ الجمهور إلى رِقِّ الأرضِ التي احتكرتها النخبة المالكة ، وكأن الجمهور في المثال الشيوعي قد صار حُرًّا يحق له التملك ، فَقَدِ انْتَقَلَ من رِقِّ الطبقة الإقطاعية إلى رِقِّ الطبقة السياسية في لجان الحزب ونخبه المتنفذة فلا تَقِلُّ ظلما واستبدادا عن نخب الرأسمالية الإقطاعية في المثال القديم ، والرأسمالية الليبرالية في المثال الحديث ، فإن أصل الداء ، لو تدبر الناظر ، واحد ، وهو الاستبداد انطلاقا من نظرية أرضية محدثة وإن اسْتَفَزَّتْ ، من وجه آخر ، غريزة أخرى من غرائز الجمهور ، وهي غريزة التدين الفطرية فِي كُلِّ جبلةٍ أرضية ، فاستفزتها بما تكسو به استبدادها مِنْ لحاء الدين فهي الضامنة لقيمه ومبادئه وهي الحامية لمصادره ومراجعه وإن كانت أَلَدَّ أعدائِه بِمَا تُقَارِفُ من جنايات تَنْسِبُهَا إلى الدين المحكم زورا فإن صحت النسبة فَإِلَى الدينِ المبدل أو المؤول الذي أَحْدَثَتْهُ لِتَسْتَمِيلَ الجمهور المتدين فلا يخلو أمرها من تحكم فإنها تُنْفِذُ من أحكامه ما يُوَاطِئُ حظوظها في السلطة والثروة ، وَتُعَطِّلُهَا إِنْ خالفت عن ذلك ، فالمحكم الباعث لحركتها في الفكر والسياسة والاقتصاد ليس الوحي كما تَزْعُمُ ، وإنما باعث أرضي محدث وهو حظ النفس في السلطة والجاه فذلك رائدها في التشريع سواء أنسبت تلك الجناية إلى الوحي ، فهي ممن يصدق فيه قول الرب جل وعلا : (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) ، فلا يأتون مذعنين إلا إذا شَهِدَ الوحيُ لهم ، فَإِنْ شَهِدَ عليهم وهو لا محالة شاهد إذ باعث حكومتهم هوى النفس وحظها في الجاه والرياسة والرَّفَاهِ والرياشةِ ، إن شهد عليهم فهو أول مَنْ يَنْقُضُ عُرَاهُ وَيُعَطِّلُ فَتَاوَاهُ ، فحظ النفس في السلطة أو الجاه هو رائد التشريع في الأنظمة الأرضية المحدثة لا سيما الشمولية المستبدة سواء أنسبت ذلك إلى الوحي أم نسبته إلى ضده فهي ثائرة عليه باسم الليبرالية تارة كما في الأمثلة الرأسمالية ، أو باسم البروليتاريا الكادحة أخرى كما في الأمثلة الشيوعية ، فكلاهما ينطلق من عبارة موجزة تحكي حقيقة الصراع بين النبوات وخصومها ، عبارة : لقد مات الإله ! ، فَنَابَ عنه الإنسان فَهُوَ مركز الوجود الجديد ووحده من يحق له التشريع سواء أكان هيئة جامعة أم زعامة نادرة استجمعت مادة الذكاء في هذا العالم فلا تحتاج إلى مستشار من خارجها ، فهي المرجع المجاوز من خارج الجنس البشري ، وإن كانت من أغبى أجناسه وأحط أنواعه فكريا وأخلاقيا واجتماعيا وذلك في الغالب وصف من اجْتَرَأَ فَادَّعَى هذه الدعوى سواء أصرح أم أضمر ، فهو الطبيب الفيلسوف الذي يُدَاوِي الأبدان وَيُصَحِّحُ الأديان ويصوغ نظريات القيم والأخلاق وَيُقَسِّمُ الأرزاق فيمنح ويمنع ، فلا يحظى بعطائه إلا من دخل في سلطانه دخولَ العبد الخاضع الذي يجيد فن الهتاف باسم الزعيم فذلك دليل الولاء المطلق ، فالزعيم في مركز السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية فَلَيْسَ ثَمَّ مرجع يجاوزه ومن حوله أطراف بأمره تعمل فلا تسبقه بالقول أو الإشارة فَتُبَادِرَ بِاقْتَرَاحِ ما لم يَقْتَرِحْ فذلك ما يُغْضِبُهُ إذ تَقَدَّمَ أحدٌ بَيْنَ يديه ، وهو ما نهى عنه الوحي ! ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، فقد أَنْزَلَ نفسه منزلة المركز ، وهو في الوحي المنزل ، الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا أنهما نِدَّانِ يَتَسَاوَيَانِ أو يَتَنَاجَزَانِ فذلك ، بداهة ، ما لا يتصور في مقال التوحيد الناصع ، وإنما المراد مركز التشريع الحاكم ، فهو الله ، جل وعلا ، شارعا ، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُبَلِّغًا وَمُبَيِّنًا ، فَجَاءَ مَنْ جَاءَ من الزعماء الملهمين في الأنظمة الشمولية ! ، جَاءَ لِيَحِلَّ في هذا المركز وَيُقْصِيَ الوحي كما أقصى صاحب اللياقة الزرقاء الشيخَ الهرم فَرَكَلَهُ بقدمه وجلس على عرشه في السماء ليعلن موت الإله وسيادة الإنسان ! ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، عبارة جاوزت نطاق السياسة إلى نطاق الأدب ، فكانت نظرية موتِ المؤلِّف ، ولو كان ما أَلَّفَ هو الكتاب المقدس ! ، فلا بد من قطع العلائق مع أي إرث فكري مُتَقَدَّمٍ ليسلم الناقد من تهمة الرجعية والدوجماتية التي تؤمن بمعتقدات سابقة ، فلا بد من التجرد من أي معتقد ومرجع قبل النظر في أي كتاب أو مؤلَّف ، ولو الكتاب السماوي المقدس ، فلا قدسية لأي مرجع يَتَقَدَّمُ ولو كان وحيا ، وذلك ، ولو في إطار المثال الغربي في العصر الوسيط ، فالوحي فيه كان محرفا لم يسلم من التبديل ، فذلك ، ولو في هذا الإطار ، فلا يخلو النقد في هذه الحال من وجاهة بل هو من الواجب على كُلِّ ذي عقلٍ لِيَتَحَرَّرَ من ربقة الكهنوت الذي صادر الفكر باسم الدين فجنى الجناية العظمى على الوحي ، ومع ذلك فإن هذا العمل ولو كان حقا في هذه الصورة الدينية المحرفة إلا أن صاحبه لم يقصد به تحرير الوحي المنزل مما علق به من شوائب الوضع المحدَث ، وإن كانت تلك دعايته إصلاحا أو تجديدا ..... إلخ ، بل كانت الغاية هي ضرب المرجعية الرسالية في مقتل ، سواء أكانت مُبَدَّلَةً كما كانت الحال في العصور الأوروبية الوسطى ، أم محفوظة فإن نقدهم للكتاب المقدَّس الذي طالته يد الكهنوت الآثمة بالتبديل والتحريف ، هذا النقد لا يصمد للكتاب العزيز فَقَدْ تَحَدَّى وأقام الحجة الرسالية المحكمة التي تواطئ فطرة التوحيد الأولى فَتُقَوِّمُ ما اعوج منها بما نالها من محدثات الأحبار والكهنة فلو كان ثم قصد صحيح لنظر أولئك في محكم التَّنْزِيلِ وإنما الإشكال ، كما تقدم ، أن الناظر ، سواء أكان من المدرسة الرأسمالية أم نظيرتها الشيوعية ، أنه قد انْطَلَقَ مِنْ قَنَاعَةٍ مسبقة وعقيدة راسخة أن الإله قد مات وأن الإنسان قد حَلَّ محله في مَرْكَزِ الوجود فَصَارَ عقله هو مرجع التشريع ومناط التحسين والتقبيح مع أنه يزعم أن البحث المنصف يستوجب التجرد من كل قناعة مسبقة فقد تجرد من كل قناعة إلا قناعته الراسخة أن الإله قد مات وأن الإنسان قد احتل مركز الكون بعده ! ، فكان ذلك للشعب أو الجمهور في المثال الديمقراطي الذي يحكم باسم الشعب وهو الناسخ لحكم الكهنوت باسم الله ، وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، باطل ، فالحكم بالوحي الذي أَنْزَلَهُ الإله الحق هو الناسخ لهما جميعا إذ صَحَّحَ مَا حُرِّفَ من فطرة التوحيد والتشريع ، وكان ذلك ، في المقابل ، للزعيم الملهم في المثال الشيوعي الشمولي ، سواء أكان شخص الدولة أو السلطة فهو شخص اعتباري قد انْشَعَبَ نُفُوذُهُ في المجتمع انشعاب الخلايا السرطانية في الجسد الضعيف الذي لا مناعة له تحفظه ، فَلَمَّا شَغَرَ المحل من مادة الحق التي تَمْنَعُ ، شُغِلَ بِضِدِّهَا من الباطل الذي يُمْرِضُ وَيَقْتُلُ ، فانشعب هذا السرطان في أرجاء المجتمع إن في دوائر الحكم والإدارة ، كما قد ضرب المثل آنفا بالجهاز الوظيفي في الاتحاد السوفييتي ، فثم بدل ولاء يقدم لنحو 12 مليونا من الموظفين العاطلين عن العمل والإنتاج ، فخلفهم ، كما يقول بعض المفكرين ، جيش من البطالين يستفيد من هوامش الخدمة التي تمنحها الدولة المركزية الإله ، فهم أشرس المعارضين لأي تغيير يهدد هذه الامتيازات ولو كانت فتات الموائد التي يجلس عليها كبار رجالات الحزب من اللجنة المركزية العليا إلى أدنى اللجان التي انشعبت في المجتمع ، وهو ما استنسخ في تجارب اشتراكية في الأطراف ، فكانت تجربة الجهاز الإداري الهرمي في مصر لما تحولت إلى المعسكر الشرقي في الخمسينيات ، فكان ثم جهاز وظيفي قد تَضَخَّمَ ، فَجَاوَزَ المليون مع أن الدولة آنذاك ، كما يحكي بعض الباحثين ، كان يَكْفِيهَا من رجال الإدارة 180 ألفا ، وما زاد فهو البطانة التي تدين بالولاء لهرم السلطة الذي يُطْعِمُ وَيَسْقِي ! ، وهو ما أَفْضَى إلى تَعْقِيدِ المعاملات بهذا المثال البيروقراطي المركب لا سيما وهو تلقائيا يفرز ظواهر سلبية كالرشى والمحسوبية التي تضع من لا يستحق في موضع المسئولية في جميع مستويات الحكم والإدارة من أعلى رأس إلى أدنى عضو ، فَيَتَرَاجَعُ الأداء والإنتاج شيئا فشيئا ويتآكل الهرم ولو بعد عقود فالفساد كَسَائِرِ الظواهر الإنسانية أمر يَتَرَاكَمُ فلا يؤتي أكله حَالًا ، وقد حكى الأثر أن دخول الشرك على العرب لم يكن دفعة فلما جاء غمرو بن لحي بالأصنام من بلاد الشام لَمْ يكن يَرُومُ نَقْضَ دين إبراهيم عليه السلام وإنما رام الاعتبار بها ، كما رام قوم نوح عليه السلام قَبْلَهُ ، فَاتَّخَذُوا صُوَرًا تُذَكِّرُهُمْ بالصالحين اعتبارا فَلَمَّا تَقَادَمَ العهد وَنُسِخَ العلم وَفَشَا الجهل تدريجا اتخذت أصناما تُعْبَدُ من دون الله ، جل وعلا ، فكان الفساد المتراكم جيلا بعد آخر ، وكان السرطان الذي تَفَشَّى في الجسد كله ، فَالْوَرَمُ في المركز قد بَثَّ خلاياه أو ما اصطلح في علم الأورام أنه الثانويات ، قد بَثَّهَا في سائر أرجاء الجسد انطلاقا من النظرية الهرمية المحكمة التي تخاطب غريزة الأنا الجماهيرية التي تَتَّسِمُ بالشعبوية والديماجوجية ذات الشعارات الرَّنَّانَةِ ، فنحن الأمة الأرقى ونحن العرق الأنقى ونحن قاطرة الحضارة في هذا العالم ونحن المثال القياسي ونحن سقف التاريخ ونهاية الأيديولوجيا ونحن الإنسان الأخير الذي بَلَغَ الكمال المطلق فلا مرجع يَعْلُوهُ ولا فكرة تَتْلُوهُ فقد نَسَخَتْ فِكْرَتُنَا كُلَّ فكرةٍ فلا قول لأحدٍ بَعْدَهَا بل من رَامَ الخروج عنها فهو الخائن للدين والوطن والأمة وكل مقدس سماوي أو أرضي ! ، فثم خطاب غرائزي آخر يعضد خطاب الأنا فَثَمَّ غريزة الخوف التي تَبُثُّهَا الأنظمة الشمولية في روع المجتمع فَثَمَّ عدو يَتَرَبَّصُ بِقِصَّةِ نَجَاحِنَا المبهر ! فهو يروم إيقاف عجلة التقدم والبناء وإن كان قصورا من الحجارة أو الرمال ! ، فلا بد من التَّنْكِيلِ بهذا العدو الأثيم وإن استوجب ذلك استباحة دمه وماله وعرضه بل ذلك في عَقْلِ مَنْ يحركه هذا الخطاب الغرائزي الدموي ، ذلك من الدين الذي يَرْجُو به صاحبه الزُّلْفَى فهو يَحْسِمُ مادة الفساد من الأرض وذلك مما أمر به الوحي إذ نَهَى عن الفساد وذم من يُفْسِدُ فهو أَلَدُّ الخصامِ فلا يجد صاحب هذا القول ، وإن كان ألد خصوم الوحي ، لا يجد غضاضة أَنْ يُوَظِّفَ نصوصَ الوحي لتحقيق مآربه فهو يقود الحرب على أعداء الدين والوطن والإنسانية فمعركته أقدس المعارك إن في ميدان الحرب تَقْتِيلًا أو في ميدان الفكر تصحيحا وإن شئت الدقة فَقُلْ تَحْرِيفًا وَتَخْرِيبًا ! ، وذلك ما يفتقر بداهة إلى تفويض شعبي ! كما رأى الناظر في بعض صور التفويض المعاصر وإن في نطاق أضيق من نطاق التطهير الأيديولوجي في الأمثلة الأشد راديكالية كالمثال السوفييتي زمن ستالين ، والمثال الصيني في ثورة ماو تسي تونج الثقافية التي استغرقت عشر سنوات عجاف قُتِلَ فِيهَا كُلُّ صاحب فكرةٍ تُعَارِضُ فكرة ماو فهو مركز الفكر والتشريع الناسخ لكل ما تقدمه من إرث الأمة الصينية ، فلم يَنْتَهِ التطهير إلا بموته 1976 وإلا فماو كان يَنْتَوِي استكمال ثورته التصحيحية ولو قتل الشعب الصيني كله ، على طريقة عتريس ! ، طريقة : "اقتلوا البلد كلها" في رواية "شيء من الخوف" ! ، فَرَأَى الناظرُ طَرَفًا من ذلك في هذه الآونة وإن في نطاق أضيق ، فكان طلبُ الزعيم التفويضَ إيذانًا بحمام دماء وإن في نطاق أضيق ، فَالنِّظَامُ الشمولي يَرُومُ الاقتراع الجماهيري الذي يَبْلُغُ حَدَّ الإجماع القطعي فلا يُعْلَمُ له مخالفٌ أو مُتَوَقِّفٌ يَنْظُرُ وَيَتَحَرَّى قَبْلَ أن يَرُدَّ أو يَقْبَلَ فذلك في حد ذاته خرق لإجماع الأمة فصاحبه آثم في الدين والدنيا ! ، وهو مظنة الخيانة العظمى ، فكيف بمن خالف ، فلا بد من تفويض شعبي باعثه هو الآخر غَرَائِزِيٌّ يدغدغ العواطف ، فلا بد أن يحظى الزعيم الملهم بالتأييد المطلق ، فلا يَأْكُلُ السمينَ على موائده وَيُلْقِي الفتات إلى بطانته إلا باسم هذا الشعب العظيم الكادح ليل نهار في المصانع والمزارع ليحظى أعضاء الحزب في المثال الشيوعي ودوائره المقربة في كافة مستويات السلطة ، ليحظى أولئك بامتيازات تَتَنَاسَبُ طَرْدِيًّا مع موقعهم في هرم السلطة حتى يَنْتَهِيَ إلى القمة حيث يقبع إله الحكمة والتشريع ، فهو الزعيم الذي اختزلت فيه معاني العصمة والكمال ، فلا يُبَادِرُ أَحَدٌ فَيَسْبِقَهُ في فكرة أو حركة لا سيما إن كان غَبِيًّا مستحكم الغباء ، فذلك ما يفضحه إن كان الاقتراح صحيحا يُوَاطِئُ قياس العقل فلا دور للعقل في هذه الصورة الغرائزية التي تسوق الجمهور سوق القطيع ، فلا يمكن للعقل أن يظهر في مشهد كهذا فليس إلا عاطفة غرائزية يجيد الزعيم دَغْدَغَتَهَا بصنوف شتى ، فَتَارَةً باسم العظمة فالأمة التي يخاطبها أولُّ أمة في الوجود واسمها أحلى اسم في الوجود ، ولأجلها نعيش ونموت ، ولو صنما يُقَدَّسُ في العقل فهو كصنم الحجارة الذي يُقَدَّسُ في الحس ، فكيف إن اختزلت هي الأخرى في شخص بشر يأكل ويشرب وَيَتَغَوَّطُ فَكُلُّنَا فداؤه ! ، فانشعبت هذه الدعاية السوداء انشعاب السرطان في الجسد وإن كان ظاهرها شحما فليست إلا ورما يصدق فيه قول أبي الطيب :
    أُعِيذُها نَظَراتٍ مِنْكَ صادِقَةً ******* أن تحسَبَ الشّحمَ فيمن شحمهُ وَرَمُ .
    فانشعب هذه الدعاية السوداء حتى دخلت كل حيٍّ وشارعٍ وبيتٍ وعقلٍ إلا من رحم الله جل وعلا ، فَنَشَأَتْ أجيال على الهتاف فلا تجيد سواه فهو الذريعة القصيرة إلا بلوغ المراتب المنيفة ، فما استفاد الجمهور إلا أن غُيِّبَ وعيه الحقيقي وَاسْتُفِزَّتْ دَوَافِعُهُ الغرائزية ذات الطابع الشعبوي الهمجي ، فَثَمَّ ، كما يقول بعض المفكرين ، ثَمَّ استراتيجية واحدة وهي الإيمان بلا عقلانية الجمهور الذي تحركه الغرائز والعواطف ، مع التظاهر أن هذه البواعث اللاعقلانية هي منتهى العقلانية فذلك خطاب الزعيم السياسي في قطيع من أنصاره ! إذ يدغدغ مشاعرهم فيسمعهم ، تارة ، من كلمات الثَّنَاءِ والمدح ما يُرْضِي غرورهم كما يَسْتَمِيلُ الرجلُ المرأةَ بكلمات الحب وأشعار الغزل ، ويسمعهم أخرى من الدعاوى ما يُثِيرُ المخاوف من عدو مجهول لا بد من صناعته في العقل الجمعي ، فَلَوْ لم يكن اليهودُ مخلوقين لوجب اختراعهم كما قال هتلر في سياق التبرير لما قَارَفَ من جرائم في أفرانه على ما كان في الرواية اليهودية المعاصرة من زِيَادَةٍ وَتَكَلُّفٍ مع شوبِ مؤامرة لم تسلم منه رءوسهم التي لا تجد غضاضة في التضحية بِبَعْضِهِم لا سيما من العامة لِتَتَّجِرَ النخبة اليهودية السياسية بدمائهم ، وذلك ، أيضا ، مسلك مشهور في أنظمة الاستبداد والشمول ، فَثَمَنُ البقاءِ هو دماء الأبرياء من العامة وصغار الجند والخدم ، ومحل الشاهد دعاية هتلر الغرائزية فالأمة الألمانية هي الأرقى ، ولا بد من عدوٍّ يَتَرَبَّصُ بمثالها الناجح فالفاشل وحده من لا عدو له ! ، فَاخْتِيرَ اليهود في مثال هتلر ، واختير المسلمون والمهاجرون والملونون في المثال الشعبوي اليميني المعاصر الذي يزدهر الآن في المركز ، إن في أمريكا أو أوروبا ، فالعقل ، كما تَقَدَّمَ ، غائب ، وهو ما يميزه بعض المفكرين بمعيار لطيف يُفَرِّقُ بَيْنَ فِعْلِ العقلِ وَفِعْلِ الغريزة ، فالأمر يَتَوَقَّفُ على درجة الوعي بالفعل ، فالفعل الذي يصدر دون غاية تُرْجَى على وجه لا يخلو من الاندفاع والحدة هُوَ فِعْلُ الغريزة فالعقل آنذاك غَائِبٌ أو هو حاضر كالغائب فقد تَمَلَّكَتِ الغريزة غضبا أو خوفا أو شهوة ..... إلخ ، فهي ما يَتَحَكَّمُ في الأفعال التي لا تخلو في هذه الحال أن تكون رُدُودَ أفعالٍ لأسباب من خارج تَسْتَثِيرُ في النَّفْسِ غَرَائِزَهَا ، رغبةً أو رهبةً ، فلا الغاضب يُحْسِنُ يُفَكِّرُ فَهُوَ يُبَادِرُ فَيَنْتَقِمُ وَيَبْطِشُ وإن جاوز الحد في العقاب فكان التَّنْكِيلُ والتمثيل تَشَفِّيًا في الخصم على وجه يَنْحَطُّ بصاحبه إلى دركة دون دَرَكَةِ الحيوان ، ولا الجائع يحسن يفكر فهو يروم ابتداء ما يشبع ، ولا الخائف يحسن يفكر أو يلتذ بشهوة ، فلا عيشة لخائف وإن جمعت له أسباب اللذة جَمْعًا .
    وإذا نظرت في هذا المعنى ، معنى الغريزة ، لوجدته مئنة من الركز والغرز فهو شيء جُبِلَتْ عَلَيْهِ النفس وَأُحْضِرَتْ ، كما في قوله تعالى : (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) ، والمحضِر لها هو خالقها ، جل وعلا ، فهو الذي رَكَزَ فِيهَا هذه الأخلاق ، فَثَمَّ رِكْزُ أعلى وهو ركز التوحيد والتشريع وما وُضِعَ فِي النفس من قوى التحسين والتقبيح سواء أكانت لمعقول أم محسوس ، فالنفوس تميل ضرورة إلى الأعيان الطيبة فهي تَرْغَبُ في الماء الطاهر وَتَرْغَبُ عن نظيره النجس ، فلا يوجد عاقل ، بداهة ، يحب شرب الماء النجس إلا إذا تَبَدَّلَتِ الفطرة وَانْتَكَسَتْ فَصَارَ صاحبُهَا يستسيغ الخبيث بل ويلتذ به ، واضرب له المثل ، في أعيان المناكح بمن يرغب عن المنكح الطيب زواجا إلى ضده من المنكح الخبيث سفاحا ، وقد أُرِيَهُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المعراج مثالا يُضْرَبُ بِرَجُلٍ يَتْرُكُ اللحمَ الطيب ويأخذ نظيره الخبيث ، فَيَطْعَمُ الثاني وهو الضار القبيح الذي تَسْتَنْكِفُهُ النفوس الصحيحة التي لم تَتَبَدَّلْ فطرتها ، فكان ضرب المثل المحسوس بأكل اللحم لتقريب المعنى في وطء الفرج ، فالقوة الأخلاقية التي رُكِزَتْ فِي النفوس رِكْزَ الضرورة العلمية التي لا يُنْكِرُهَا إلا جاحد أو مسفسط ، هذه القوة تستحسن بداهة العفة لا الفجور ، اللحم الطيب الذي يُذَكَّى فَيُطَهَّرُ من الدم والقذر لا الخبيث الذي يَلْقَى حتفه بلا تذكية فهو ميتة تحرم لما اشتملت من الضرر فلا يَرْغَبُ فِيهَا إلا مَنْ تَبَدَّلَتْ فطرته فاستطاب الدم وهو الخبيث القذر ، فلا تستطيب النفس بما ركز فيها من الفطرة الصريحة ، لا تستطيب النجس من المآكل والمشارب ، فلا تستطيب أكل الخنزير أو شرب الدم أو الخمر أو الماء النجس ، ولا تستطيب المأوى النجس من المزابل ومواضع القذر لا كما زعم من زعم من الرُّهْبَانِ وَمَنْ سَلَكَ جادتهم من غلاة أهل الطريق الذين جعلوا من تمام الولاية : تَرْكَ الاغتسال من الجنابة والمبيت في موضع القذر ولبس الأسمال البالية والسعي في الطرقات بلا هُدًى فتلك الحال الكاملة ! وإن خالفت عن الحال الرسالية الراشدة التي كان العقل فِيهَا حاضرا يحكم ، فَذَلِكَ ما يَسْتَحْسِنُ كُلُّ عاقل يَفْقَهُ ، فلم يغلب وارد الجذب إلى الحضرة الإلهية التي ذهل بها عقل المجذوب فَصَارَ هو الولي المرغوب الذي تَطْلُبُ العامةُ بَرَكَتَهُ ولو بَصْقًا في مواضع الداء فَيُشْفَى بِبَرَكَةِ بصقةِ الوليِّ القذرِ ! ، فقد صَارَ تَقْذِيرُ البدنِ مَئِنَّةً من سمو الروح وَانْعِتَاقِهَا من ربقة الجسد الطيني الكثيف فلا بد من إهانته وتقذيره انتصار للروح التي تعرج إلى الحضرة الإلهية ! ، فكل ذلك مَئِنَّةٌ مِنْ تَبَدُّلِ الفطرة الأولى فقد استطاب صاحبها الأعيان النجسة والأحوال الدنسة .
    فَثَمَّ رِكْزٌ أعلى من التوحيد والتشريع ، فـ : (أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، وثم ، في المقابل ، رِكْزٌ أدنى كما تقدم في قول الرب الأعلى : (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) ، فَجُبِلَتْ على الشح والحرص وحب الذات والأثرة ...... إلخ من الغرائز التي تدل على نَقْصِ الجبلة البشرية ، وهو ما يُبْطِلُ أَهْلِيَّتَهَا أَنْ تُشَرِّعَ وَتَضَعَ الأحكامَ فَإِنَّ بَاعِثَهَا في ذلك هو غَرَائِزُهَا التي تروم إشباعها ، وحاجاتُها التي تروم سدها ، فكيف يَضَعُ الشرعَ مَنْ يجوع ويعطش ويبول ويتغوط ويقضي الوطر ..... إلخ من غَرَائِزِ البدنِ الضرورية ، ومن يجهل ويذهل وَيَنْسَى ..... إلخ من آفات العقل التي لا سبيل إلى إنكارها فَهِيَ مِمَّا يَجِدُ كُلُّ أحدٍ في ذاته وإن بلغت ما بلغت من الكمال ، ولو ذوات الأنبياء عليهم السلام فإنهم لا يُعْصَمُونَ من العوارض الجبلية : أكلا وشربا ونكاحا ومرضا وموتا ، فـ : "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا قَالَ: «أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ الرَّجُلَانِ مِنْكُمْ»" ، فيوعكون كما يوعك الناس ويموتون كما يموت الناس ، فـ : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) ، وَقُلْ مثلَه في غَرَائِزِ النفس كالأثرة والشح والطمع وحب الجاه والرياسة ..... إلخ ، فهي من الآفات التي رُكِزَتْ في النفس ليكون الابتلاء بِتَهْذِيبِهَا بما جاءت به النبوات من كتاب وحكمة فهي ما يُلْجِمُ النَّفْسَ الشهوانية ، وهو ، مع ذلك ، لا يغلو في ذلك فيسلك بها جادة الرَّهْبَنَةِ والتصوفِ ، فالوحي قد جاء يهذب الغرائز فلم يأت لطمسها فهي من بواعث الحركة إعمارا للأرض وإكثارا للنسل فإذا طمست فآوى الإنسان إلى كهف أو مزبلة ! ، فمن يعمر الكون ؟! ، وذلك من آكد المقاصد الشرعية ، فـ : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فكان الأمر بالمشي في المناكب طلبا للرزق الذي به حفظ النفس ، وكان من الأمر بالانتشار بعد الصلاة ابْتِغَاءَ الفضلِ ، فـ : (إِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ، وإنما ضاع الحق والعدل بين طرفين كلاهما يُذَمُّ : إِفْرَاطًا في إشباع الغرائز وَتَفْرِيطًا في إبطالها ، والصحيح هو السَّعْيُ فِي تهذيبها أَنْ تُوضَعَ في المحال المحمودة التي جاءت بها النبوات المعصومة .

    فالغرائز ، وهي محل الشاهد ، من آكد بواعث الظلم والبغي إن في الخلطة والرعي ، فـ : (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) ، أو في السياسة والحرب ، وهي ، كسائر المعاني التي يجردها الذهن ، فهو يَتَصَوَّرُهَا مطلقةً ثم يُقَيِّدُهَا كسائر الأجناس العامة فمنها غرائز الحس كالجوع والعطش .... إلخ ، ومنها غرائز المعنى كالخوف والحب والغضب ، وإنما يحمد مَنْ قيدها بلجام العقل ، وهو أمر يعسر وإن كان تصوره يَسْهُلُ ، فإذا طَرَأَ سبب الغضب وهو من أشد الْغَرَائِزِ مُكْنَةً من النفس بما جبلت عليه من حب الانتقام والثأر لا سيما إن كان الخصم أضعف ، فَدَاعِي الاسترسال في الغضب أقوى إذ لا يخشى القوي بأس الضعيفَ فهو يُنْفِذُ غضبه وانتقامه بل ويفرط في الظلم والبغي بما جبلت عليه النفس من الْعُلُوِّ فِي الأرض ، فإذا طرأ سبب الغضب تَبَيَّنَ الحليم المتأني جِبِلَّةً ، والمتحلِّم المستأني الذي يسوس نفسه وإن غَالَبَتْهُ فَغَلَبَهَا تارة وَغَلَبَتْهُ أخرى ، ومن عجز فلم يصبر على رياضة النفس فهو يضرب ويبطش ويسب ويصرخ إذ ذَهَلَ العقل ، فلا يحسن يُقَدِّرُ العواقب ، وهو ما يَتَفَاوَتُ حَتَّى يَبْلُغَ في أحيان حد الظلم والعدوان ، فيكون السلوك العدواني وذلك من أمراض النفوس الضعيفة فلا تحسن تلجم مشاعرها لا على وجه آخر يناقض ، فَثَمَّ ، في المقابل ، من هو بارد لا يغار إذا اسْتُغْضِبَ أو انْتُهِكَتِ الحرمات ، وَيَرَى ذلك حلما وإنما هو الدياثة وقلة المروءة ، والفضيلة ، كما تقدم مرارا ، وسط بين فضيلتين ، فالحلم وسط بين الغضب والبرود ، والحليم لا يشترط فيه ألا يغضب ، بل غَضْبَتُهُ تُحْذَرُ ، وهي مما يُحْمَدُ إن كانت في ذات الله ، جل وعلا ، كما أُثِرَ من حال النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تُنتَهك حُرْمَة الله فينتقم لله بها" ، فقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمن سأله مُسْتَنْصِحًا ، فأجابه أن : "لَا تَغْضَبْ" ، هذا القول لا يستوجب بداهة ألا يحصل له ما يحصل لجميع الخلق من فَوْرَةِ الغضب في الجنان ، وإنما التكليف ألا يَسْتَرْسِلَ فيه فَيَظْلِمَ وَيَبْغِي لا سيما إن كان الخصم ضعيفا لا يُخْشَى بأسُه فَثَمَّ من لا يغضب ويبطش إلا بالضعفاء وذلك ، لو تدبر الناظر ، وصف الجبناء ، فإن الشجاع لا يَرْضَى أن يبطش بضعيف بل كمال المروءة يوجب الترفق به وإن جَهِلَ ، فَيَحْلُمُ القوي ويعفو إن قدر ، فلا يكون العفو ، في المقابل ، ذريعة التخاذل والقعود ، فذلك وصف الجبان إذ لم يطق مدافعة خصمه ابتداء ليقال إنه قد قدر وعفا وإنما عجز وقعد ، وَذَلِكَ فُرْقَانٌ آخر بين الشجاعة والجبن ، والغضب وبلادة الحس ، فلا يؤمر أحد ألا يغضب فذلك مما لا يطاق إذ يُخَالِفُ عن جبلة النفوس الضرورية وإنما يؤمر ألا يَسْتَرْسِلَ في لوازم هذا الغضب فَتَبْلُغَ به حد الظلم والعدوان ، فيضع الغضب في موضعه والحلم في موضعه ، كما يحكي أبو الطيب في بيته المشهور :
    وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا ******* مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى .

    فوضع أحدهما موضع الآخر يضر ، وإنما الحكمة أن يوضع في المحل الذي يلائم ، فيغضب في مواضع الغضب ويحلم في مواضع الحلم ، ويعطي في مواضع العطاء ويمنع في مواضع المنع ، ويستعمل أخلاق الشدة والجلال في مواضعها وأخلاق اللين والجمال في نظائرها فذلك الكمال الذي جاءت به النبوة الخاتمة التي استجمعت ، كما تقدم في مواضع سابقة ، الجلال الموسوي والجمال العيسوي ، فاستجمعت جلال التوراة وقد جاءت بالعزائم وجمال الإنجيل وقد جاء بالرخص ، فكان الوحي لجاما حاكما وقيدا وازعا فَوَحْدَهُ مَا يُهَذِّبُ الْغَرَائِزَ ، وإنما حُمِدَ مَنْ حُمِدَ من رجالات السياسة والحرب أن لجموا غرائزهم فلا يفرحون فرح البطر والأشر ، ولا يحزنون حزن اليأس والجزع ، وذلك وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو ، لو تدبر الناظر ، أكمل مِنْ وَصْفِ مَنْ تلاهم وإن ظهر ، بادي الرأي ، أنه أقوى وأشد بأسا ، كما يضرب المثل برجال كأبي جعفر المنصور ، فحل بني العباس كما يَسِمُهُ صاحب "سير أعلام النبلاء" رحمه الله ، وأبي مسلم الخراساني الرجل الداهية الصلب الذي قُدَّ وَجْهُهُ من الصخر فلا يَرَى الناظر فيه فَرَحًا ولا حُزْنًا ، فإذا أتاه الخبر بالنصر لم يفرح ، وإذا أتاه بالهزيمة لم يجزع ، فحاله أبدا واحدة لا تَتَغَيَّرُ ! ، وهو ، مع ذلك ، ظلوم غشوم قد قتل الألوف ، فَلَئِنْ حُمِدَ فيه ما اصطلح المحدَثُونَ أنه الثَّبَاتُ الانفعالي ، فإنه ، بداهة ، ليس كَثَبَاتِ القرن الرسالي الذي كان رجاله أشد ثَبَاتًا فلم يحملهم البأس أن يظلموا الخلق وإن انتصروا ممن ظلم ، فـ : (مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) ، فحالهم بين الانتصار عدلا والعفو فضلا ، عفوِ القادر إذا غلب ، كما صنع صاحب الشرع الأكمل صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الفتح الأكبر ، فاستعمل الجمال في مواضعه ، فـ : "اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ" ، واستعمل الجلال في مواضعه فأهدر دماء أقوام وإن تَعَلَّقُوا بأستار الكعبة فهم من أكابر المجرمين ، وذلك وصف العاقل الرشيد الذي لا يطلق لنفسه العنان فلا تستبد به الغريزة ، فإذا غضب تَأَنَّى فلم يعاجل بالعقاب ، فكان من خصال الكمال أن يَتَمَهَّلَ الغاضب فَشُرِعَ له أن يَتَوَضَّأَ أو يُبَدِّلَ جلسته فَيُغَالِبَ لسانه أن يُفْلِتَ ويده أن تَبْطِشَ ، لا سيما إن كان هو الأقوى فَلَيْسَ ثم ما يَزَعُهُ إلا الحلم والمراقبة ، مراقبة الله ، جل وعلا ، فإذا ذُكِّرَ به تَذَكَّرَ ، كما أُثِرَ عن الفاروق عمر ، رضي الله عنه ، فكان خير الناس إلا أن يَغْضَبَ فلا يَنْهَضُ لغضبه أحدٌ فإذا ذُكِّرَ بالله ، جل وعلا ، فَتُلِيَتْ عليه آيات من الكتاب فذلك ما يسكن غَضْبَتَهُ ، فالعاقل مَنْ يُحْسِنُ يُلْجِمُ غرائزه لا سيما الغرائز الغضبية فإنها تفضي به إذا اسْتَرْسَلَ فَلَمْ يَسْتَمْهِلْ أن يَظْلِمَ وَيَبْغِيَ ، فلا يحمد قولٌ أو عملٌ حالَ الغضب المستحكِم فصاحبه في الغالب يَنْدَمُ وَيَتَحَسَّرُ ، وذلك أمر ، كما تقدم ، مما تَسْهُلُ حكايتُه نَظَرًا حال السعة ، فإذا ضاق الأمر واشتد الخطب لم يثبت إلا من ثَبَّتَ الرب ، جل وعلا ، والعاقل من يسأل الله ، جل وعلا ، السلامة ، فلا يُحَمِّلُ نفسه من البلاء ما لا تطيق وهو ، مع ذلك ، يؤدبها أن تَثْبُتَ إذا امْتُحِنَتْ بالشدة ، ومع البلاء يَنْزِلُ الصبر ، ومع الشدة يَقْرُبُ الفرج ولا يكون ذلك إلا أن تَفْزَعَ النَّفْسُ إلى بَارِيهَا ، جل وعلا ، أن يُسَدِّدَهَا وَيَهْدِيَهَا ، فصاحبها يَتَأَوَّلُ المأثور من دعاء المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن : "اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ أَنْتَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" .

    فالغزيرة أبدا تفضي بصاحبها إلى الهلكة فلا يسلم صاحبها من شَرِّهَا إلا أن يكون العقل رائدها فهو أول وهي المحل الثاني ، كما قال أبو الطيب في الرأي والشجاعة ، فالرأي عقل ، والشجاعة غريزة ، فهو أول وهي المحل الثاني ، فـ :
    الرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ ******* هُوَ أوّلٌ وَهيَ المَحَلُّ الثّاني .

    وما دون العقل فَغَرِيزَةٌ تَسْتَفِزُّهَا أي دعاية شعبوية ديماجوجية تضفي على الأعمال الوحشية ألقاب التطهير والتصحيح ..... إلخ ، واضرب له المثل بحملات التطهير الأرثوذكسي الصربي لكل ما هو مسلم في البوسنة أو كاثوليكيٌّ في كرواتيا ، فتلك جريمة كساها النظام الدولي أسماء لطيفة تُخَفِّفُ من حِدَّتِهَا فأطلق عليها لقب "التطهير العرقي" ، وذلك ، كما يقول بعض المفكرين ، ما لا يكون إلا في عالم لا يعترف بوجود الله ، جل وعلا ، فهو لا يعترف بوجود الإنسان ، بل تصير المصلحة المادية هي المعيار ، وهو ما يحول المجتمع ، كما يقول المفكر آنف الذكر ، ما يحوله إلى قطيع من الذئاب لا تدرك بداهةً قِيَمَ التضامن أو التكافل أو الصحبة ، فالذئب إذا هرم أو أصيب بعلةٍ أو ضربةٍ تَعُوقُهُ فالذئاب الأخرى تَلْتَهِمُهُ ! ، فَلَيْسَ لديها من فائض الأخلاق ! ما يجعلها تكفله ، وهو ما يصيب النفوس بالإحباط ويجعلها تَتَخَوَّفُ من قَابِلِ الأيام إذ تَفْتَقِرُ إلى الأمان في عالمٍ تَحَوَّلَ إذ غاب الوحي إلى غابة لا يسكنها إلا الوحش ، ولولا آحاد من الفضلاء يُذْهِبُ الله ، جل وعلا ، بهم الوحشة ، فَهُمْ مِنْ زَادِ الغربةِ في هذه الدنيا ، فَلِقَاؤُهُم ، كما أُثِرَ عن الفاروق عمر ، لقاؤهم جلاء الأحزان فالمرء إذ يجالسهم فهو يأمن فلا يخشى غدرا ولا بأسا ، فيطمئن إذا حضروا ، فإذا افْتُقِدُوا أو رحلوا فَهُوَ بعدهم يذل ، كما أُثِرَ عن أحمد ، رحمه الله ، فـ : "إذَا مَاتَ أَصْدِقَاءُ الرَّجُلِ ذَلَّ" ، وقد ضاقت الدنيا على أبي عبد الله البخاري وقد مات أحبابه وَتَكَالَبَ عليه خصومه ، فدعا الله ، جل وعلا ، أن يموت فمات من ليلته عَشِيَّةَ الفطر من رمضان 256هـ ، فإذا مات أخ من الإخوان سقط عضو من الأعضاء ، كما أُثِرَ عن أيوب السختياني ، فـ : "إنَّهُ لَيَبْلُغُنِي مَوْتُ الرَّجُلِ مِنْ إخْوَانِي فَكَأَنَّمَا سَقَطَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِي" ، فهم الأعوان كما قال ابن المعتز ، فـ : "مَنْ اتَّخَذَ إخْوَانًا كَانُوا لَهُ أَعْوَانًا" ، وفي ضياع المال فسحةٌ أن يكتسبَ ولا خلف للأخ إذا مضى ، فـ :
    يَمْضِي أَخُوك فَلَا تَلْقَى لَهُ خَلَفًا ******* وَالْمَالُ بَعْدَ ذَهَابِ الْمَالِ مُكْتَسَبُ .

    فالأخ لا يخفر الذمة ، فهو يصون الود ، ولو لحظة ، وهو ما تَوَسَّلَ به أبو الطيب عند سيف الدولة ، فـ :
    بَينَنا لَو رَعَيتُم ذاكَ مَعرِفَةٌ ******* إِنَّ المَعارِفَ في أَهلِ النُهى ذِمَمُ .

    فَثَمَّ أَرْحَامٌ جامعة أعظمها رحم الإسلام ، فـ : "إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك ، فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة" ، وبعدها من الأرحام ما يصونه أولو النهى ، فَرَحِمُ المعارف ورحم الشدائد ، فَلَئِنْ فَاتَتْكَ رَحِمُ الدين ، وذلك خسران عظيم لا عِوَضَ منه ، فإن فاتتك فكنت من أهل الدنيا فلتكن من أهل الوفاء فلا تخفرن الذمة ، فقريش لم تخفرها وهي كافرة فاجرة ! ، فحفظتها بما رُكِزَ فِيهَا من شمائل المروءة والنجدة .

    فمن جالسته فأهداك من جيد كلامه فهو يقطف لك من أطايب ثماره ولولا ثلاث ما أحب الصالحون كعمر الفاروق وأبي الدرداء ، ما أحبوا البقاء ، وَمِنْهَا مجالسة أقوام يَنْتَقُونَ جيد الكلام كما يُنْتَقَى أطايب الثمر ، وليس ذلك إلا كلام النبوات وما احتف بها من المقالات ، فلا يعيد الثقة المفقودة والأمان المنشود إلا النبوة التي جاءت ، كما تقدم مرارا ، بتقويم الفطرة وتصحيح الشرعة ، فجاءت بصحائح المنقول التي تواطئ صرائح المعقول .

    والله أعلى وأعلم .


  6. #6
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    ومشروعية السياسة والحكم : أمر قد عمت به البلوى في هذه الأعصار ، فقد اختلفت فيه الأنظار ، والمثال الحاضر الآن في الذهن هو النخب الحاكمة في الأطراف عبر المثال الهرمي محل الشاهد ، فَإِنَّهَا لا تكتسب المشروعية إلا من المركز فهو الذي صَنَعَهَا على عَيْنِهِ ، صناعة تجاوز حد الإجراء فَثَمَّ صناعة الأفكار ، فَلَيْسَ الأمر ارْتِزَاقًا محضا ، بل المرتزق المحض الذي احترف العمل الوظيفي المجرد من أي قيمة فكرية حاكمة إلا فكرة المصلحة الخاصة الناجزة ، هذا المرتزق لا تؤمن حكومته إذ هو دائم التَّنَقُّلِ في الوظيفة تَبَعًا للمقابلِ المادي فهو معيار ولائه الأول وربما الأوحد ، فإن وجد من يَسْتَوْظِفُهُ وَيَدْفَعُ أَكْثَرَ فَهُوَ لِمَنْ دَفَعَ ! ، فالاقتصار عَلَيْهِ إِنْ جَازَ فَهُوَ اقْتِصَارُ الضرورة فَلَيْسَ إلا مرحلة حتى يَتِمَّ إعداد البديل الذي يحمل ولاء خاصا لصاحب العمل يجاوز حَدَّ الراتب الذي يَتَقَاضَاهُ ، وإن كان ذلك ، أبدا ، مِعْيَارًا رَئِيسًا في التَقْيِيمِ ، فطبيعة العمل الوظيفي مهما كسيت لحاء الفكرة والأيديولوجيا فهي في نفسها طبيعة براجماتية انتهازية لا تُقِيمُ كَبِيرَ وزن للفكرة ، فصاحبها على طريقة من سُئِلَ : ما مذهبك ؟ ، فقال : في أي بلد ؟! ، فهو حنفي في بلد الحنفية ، مالكي في بلد المالكية ...... إلخ ، بل لا يجد حَرَجًا أن يَنْخَلِعَ من الديانة في بلد الدهرية المنكرِين للبعث والنشور ! ، فَيُمَارِسُ التقية الفكرية أو السياسية صيانةً لمصالحه الخاصة الضيقة ، فذلك وصف لا يفارق العمل الوظيفي ، فدائرة مصالحه ضيقة جدا لا تجاوز حد العنصر أو الموظَّفِ ، مهما تَلَقَّى من أفكار فطبيعته تُنَاجِزُ الفكرة فلا يقيم لها وزنا إذ لا اعتبار لها في حياته بل هي محل استخفاف وتهكم فليست إلا تضييعا للوقت في مقالات وحكايات لا تُتَرْجَمُ في الواقع إلى مكسب مادي عاجل فتلك طبيعة العنصر الوظيفي ، وهو عنصر في الغالب : جاهل فارغ مع إحساس مُفْرِطٍ بالنقص يجعله أبدا يَرُومُ الظهور في صورة العظيم ، ولا يخلو في الغالب مِنْ تَشَوُّهٍ نَفْسِيٍّ جراء الخلل الاجتماعي ، فهو ، كما يُنَوِّهُ بَعْضُ الفضلاء ، شخص على الهامش لم ينجح المجتمع الطبقي ذو الطبيعة العنصرية ، لم ينجح أن يحتويه فَيَضَعَهُ في موضع التقدير لملكَاتِه مهما كانت محدودة ، فلا بد من وظيفة يُحْسِنُهَا فَهِيَ قِيمَتُهُ ، كما أُثِرَ عن علي رضي الله عنه ، فلا المجتمع أَوْجَدَ لهذا العنصر وظيفةً ودورًا في الحياة يلائم ملكاته مع وضوح الرؤية الفكرية ، ولا المجتمع سعى في إخراجه من هذا الوضع فَيَسَّرَ له أسباب التَّأَدُّبِ وَالتَّعَلُّمِ الذي به يَتَمَيَّزُ فَيُرْضِي تَطَلُّعَ ذَاتِهِ إلى التَّمَيُّزِ عَلَى قاعدة حقيقية لا أخرى وهمية يَلْجَأُ إليها المفلِس الذي يصطنع الملكات والمواهب وليس له منها شيء ، مع نَقْصٍ جبلي في ذاته ، لم ينجح المجتمع في علاجه بل زاده بسلوكه العنصري المفرِط الذي يبالغ في احتقار الضعيف فَيَسْخَرُ منه وَيَهْزَأُ وَيَسْعَى فِي إقصائه ما أمكن ، فذلك ما يَزِيدُ نَقْصَهُ نَقْصًا فَيَزْدَادُ حقدا وشراسة وهو ما لَا يَنَالَ النخبةَ فهو أحقر أن يُؤْذِيَهَا وإن كانت هي السبب الرِّئِيسَ فيما آلت إليه حاله ، فَحِقْدُهُ وَشَرَاسَتُهُ تَتَوَجَّهُ إلى العامة ، فَيَتَعَزَّزُ السلوكُ السَّادِيُّ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ يَلْتَذُّ بإذلال المجتمع الذي أذله وأهانه ، فلا تَرَاهُ إلا وهو يُؤْذِي من يحب ، وَيَرَى ذلك من كمال الفحولة فَكَمَالُ النَّفْسِ يَعْدِلُ عِنْدَهُ قَسْوَةَ القلبِ ، أو أخلاق الجلال التي تحسن في أحوال دون أخرى فَطَرْدُهَا في كل حال وضع للشيء في غير موضعه ، فالثبات الانفعالي ، وهو مما يمدح صاحبه ، هذا الثبات حال الشدائد يَقِي صاحبه شر الانهيار فهو يَثْبُتُ لِمَا فَجَأَهُ مِنَ الخطوب ، ولا يكون ذلك إلا بِتَثْبِيتِ الرَّبِّ المعبود ، جل وعلا ، لا جرم كان سؤال الثبات حَالَ مَنْ يَعْقِلُ من نفسه الضعفَ وإن آنس منها ، في أحيان ، قُوَّةً أو عِزَّةً فلا حول لها ولا قوة إلا بالله ، جل وعلا ، خلاف من يَغْتَرُّ بِعَارِضِ قُوَّةٍ يطرأ ، فيكون الخذلان أن يُوكَلَ إِلَى نَفْسِهِ ، فَيَنْسِبَ إليها الفضل وَيَرْكَنَ إليها في الخطب ، فمن رُزِقَ الثبات حال الشدة فَلْيَحْمَدِ الله رب العزة ، جل وعلا ، أن ثَبَّتَهُ فَوَقَاهُ شر الانهيار ، فكان صبره الذي يكسر قلب الشامت أَلَّا يَرَاهُ ضَعِيفًا فَهُوَ يَتَمَاسَكُ وَيَتَجَلَّدُ ، فَيَتَكَلَّفُ مِنْ أخلاق الصبر ما يحسن في مواضعه ، ولكن ذلك ، من وجه آخر ، إن لم يَقْتَرِنْ بِنَظِيرِهِ من أخلاق الجمال رحمةً فهو مما يُفْضِي بصاحبه إلى الغلظة والقسوة فهو يُغَلِّبُ الجلال في كل حال فيكون قاسيا وإن ظن أنه صارم ، وَبَيْنَهُمَا قدر فارق ، أو ما اصطلح في المنطق أنه العموم والخصوص المطلق فكل قَاسٍ صارم ولا عكس ، فالصرامة أعم إذ تَسَعُ الرحيم كما الفظ الغليظ ، بل الرحيم بها يمدح مدحا يزيد فهو يحسن يضع كُلَّ خُلُقٍ في موضعه وتلك آية الحكمة ، أن يُوضَعَ الشيءُ في المحل الذي يلائم ، فهو يشتد في محال الشدة ، ويلين في محال اللين ، فلا يَغْلِبُ طرفٌ آخرَ ، بل العدل أن يمزج الشدة باللين ، وَيَلْبَسَ لكلِّ خطب لبوسه ، لا لبس المنافق المتلون الذي يستعمل التقية في غير موضعها ، فهو يَتَوَسَّلُ بِهَا لِبُلُوغِ مآربه فَيَجْعَلُهَا أصلًا في مسلكه وليست إلا ضرورةً تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، فالحكمة أَنْ يَسْتَعْمِلَ لكلِّ محلٍّ من الأحوال ما يلائمه ، وليس ذلك من التَّنَاقُضِ أو التَّلَوُّنِ في شيء ، فَثَمَّ قَدْرٌ فَارِقٌ وإن كانت الصورة واحدة ، فَقَدْ يَظُنُّ ظَانٌّ أن الاثنين متناقضان ، إذ يرى في حالهما التغاير ، ولكن المنافق يَتَلَوَّنُ فلا يصدق فِيمَا يظهر ، فإن أظهر لِينًا في موضع فَتَقِيَّةً لا يُجْرِيهَا مجرى الضرورة ، كما تقدم ، بل بها يتوسل إلى بلوغ مصلحة عاجلة ، فإذا نالها أظهر ما أبطن من البغض والقسوة على وجه لا يخلو من التشفي والانتقام وذلك مئنة من لؤم الأصل وخسة الطبع ، وأما الآخر فهو صادق لا يَتَنَاقَضُ بَلْ يَجْرِي عَلَى قَانُونِ الحكمةِ الرَّاشِدِ ، فإن ضحك فصدقا لا غشا ، وإن عَبَسَ فصدقا لا غشا ، فلا يخالف بظاهره عن باطنه إلا ضرورة تقدر بقدرها ، فليست أصلا يطرد على وجه يُصَيِّرُ الكذب فضيلة ! ، فالصبر لا يستوجب الغلظة ، واللين لا يستوجب الغفلة ، وإنما يقتصد الحكيم في أحكامه ، فهو يضحك في مواضع الجمال ، ويعبس في مواضع الجلال ، وذلك وصف النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الضحوك الْقَتَّالُ ، فَثَمَّ مثال مبالغة في كلتا الحالين فهو ضحوك في مواضع الرحمة ، وذلك أبلغ في الدلالة من ضاحك ، قَتَّالٌ في مواضع الجلال ، وذلك أبلغ في الدلالة من قاتل ، فهو الْقَتَّالُ لا أنه يظلم وَيَبْغِي فَيَسْفِكُ من الدم ما لا يحل ، وإنما يشتد إذا جد الجد ، فيصدق فيه ، من وجه ، قول أبي فراس :
    سَيَذْكُرُني قومي إذا جَـدَّ جِـدُّهُـمْ ******* وَفِـي اللّيلةِ الظَّلْماءِ يُفْتَـقَـدُ البدر .

    وَهُوَ هُوَ من دَمْعُهُ يَنْحَدِرُ وَهُوَ يَرَى حَفِيدَهُ يَحْتَضِرُ ، فَيُسْأَلُ عن ذلك فَيَقُولُ هي الرحمة فليست الضعف أو الجزع ، كما يظن بَعْضٌ مِمَّنْ يَتَكَلَّفُ أخلاق الجلال في كل حال فَتُفْضِي به إلى قسوة الجنان ، لا سيما إن كان لَئِيمًا يَتَقَصَّدُ إيذاء الخلق فهو يَلْتَذُّ بإيلامهم ، فَثَمَّ سادية تَعْظُمُ بِهَا بَلْوَى صاحبها وَبَلْوَى مَنْ حوله فهو يَضُرُّ نفسه وَيُضَّارُ غيره ، فشؤمه قد لَزِمَ وَتَعَدَّى ! ، وهو أمر تَنَاوَلَهُ بَعْضُ المحققين تناولا لطيفا دَحَضَ بِهِ شُبْهَةً تَعْظُمُ أَنَّ ثَمَّ حَالًا أكمل مِنْ حَالِ النُّبُوَّةِ ، فَتَكَلَّمَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي حال النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَوْمَ بدر وقد بات لَيْلَهُ يدعو ربه ، جل وعلا ، فإن تهلك هذه العصابة البدرية لا يعبد رب البرية ، جل وعلا ، في الأرض بَعْدَهَا ، فأكثر وَأَلَحَّ في موضع يحسن فيه الإلحاح والإكثار ، فالله ، جل وعلا ، أكثر ، وهو أكرم أن يَرُدَّ يَدَيْ داعٍ دون إجابة ، فكيف بصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟! ، وإن تأخرت أو ادَّخَرَ له مِنْهَا عوضا يَعْظُمُ يَوْمَ العرضِ الأكبر ، فكان من حاله أن نَزَلَ مقام الرجاء فَجَمَعَ بَيْنَهَ وَبَيْنَ مقام اليقين ، فكان من الصديق أن رَقَّ لحاله فَبَعْضَ مناشدتك ربَّك فإنه منجزك ما وعدك ، فكان مقام الصديق مقام اليقين ، فَظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ في هذه الحال أكمل ! ، ولو تدبر الناظر لوجد حال النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم هي الأكمل فقد جمع الْمَقَامَيْنِ : اليقين والرجاء ، فهو خَيْرٌ من الصديق ، رضي الله عنه ، خَيْرِيَّةَ الأفضلِ عَلَى الفاضلِ ، فكلاهما من الصنف الكامل ، وَقُلْ مِثْلَهُ فِي بكائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على جثمان عمه حمزة ، رضي الله عنه ، يوم أحد ، وبكائه على ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ ، فالعين تدمع والقلب يحزن ، والأب بِفِرَاقِ ابنه يكرب ، ولكنه لا يقول ما يُغْضِبُ الرَّبَّ ، جل وعلا ، وَيُسْخِطُ ، فجمع الرحمة فَبَكَى والصبر فلم يَنْطِقْ هجرا ، فحاله أكمل من حال الفضيل ، رحمه الله ، إذ ضحك يوم مَاتَ ابنه فَسُئِلَ عن ذلك فَقَالَ : أردت أن أرغم أنف الشيطان ! ، فلم يحتمل المحل الصبر والرحمة فخاف إن سلك جادة الرحمة أن يجزع فاقتصر على مقام الجلال ، فَحَالُهُ ، بَدَاهَةً ، دون حال النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فمن جمع مقامين خير بداهة ممن اقتصر على واحد ، فالأول قد جمع الأضداد لا عَلَى حَدِّ التَّنَاقُضِ أو الفصامِ ، وإنما وَضَعَ كُلًّا في محله الذي يلائم ، فكان من وصف النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أنه نبي المرحمة جمالا ونبي الملحمة جلالا ، فهو مَنْ مَزَجَ اللين بالشدة ، فَأَحْسَنَ يَسْتَعْمِلُ الأخلاق في مواضعها ، وَأَحْسَنَ يَسْتَعْمِلُ الرجال في مواضعها ، فمزج لين الصديق أبي بكر بشدة الفاروق أبي حفص ، فلم يكن ثم جنوح إلى طرف وإن مال إلى جمال الصديق في مواضع كأسرى بدر فقد أَشَارَ بِمَا يُوَافِقُ طبعه الجميل أن يَغْفِرَ البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَيَصْفَحَ ، وأشار الفاروق ، في المقابل ، بما يوافق طبعه الجليل أن يضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم السيف وَيَقْتُلَ ، فَنَزَلَ الوحي ، وهو الحجة ، نَزَلَ يشهد لجلال الفاروق في هذا الموضع ، لا طَرْدًا لَهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ، وإنما الحكمة ، كَمَا تَقَدَّمَ مرارا ، بِذَا قَضَتْ ، أن يكون الجلال حتى يكون الإثخان ثم يكون الجمال باتخاذ الأسرى والمن أو الفداء ، وبعده كان الصديق وهو آية الرحمة فهو أرحم الأمة بالأمة ، كما قال صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلم يطرد الرحمة في موضع الشدة يوم الردة ، بل كان من جلاله ما يحكي نفسا عظيمة وهمة رفيعة لا تعرف القعود أو التخاذل ، ولا تقبل المهادنة أو الموادعة ، فَلِسَانُ حالها لسان أبي الطيب إذ يمدح سيف الدولة محبوبَه الأوحدَ :
    وَلَا كُتْبَ إلاّ المَشرَفيّةُ عِنْدَهُ ******* وَلا رُسُلٌ إلاّ الخَميسُ العَرَمْرَمُ .
    فلا تعرف شكاية بالقول فَحَالُهَا النكاية بالسيف ، فَقَدْ وُكِلَ القوم إلى رجل فَعَّالٍ لا قَوَّالٍ ، فَصَدَّقَ الدعوى بالبينة ، وَجَيَّشَ الجيوش وبعث البعوث التي أرغمت أنوف المرتدين وسامتهم خطة الخسف فكانت خيله تدهم حتى عجل الناس بالسقيا ، فقال قائلهم :
    ألا فاسقياني قبل خيل أبي بكر ******* لعلَّ منايانا قريب ولا ندري .
    فهي خيل تعاجل الخصم بالمنايا ، وله يد تُعَاجِلُ بالعطايا ، فـ : (لَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فذلك ، كما تقدم ، وصف العظيم الذي يحسن يجمع الأضداد لا على حد التَّعَارُضِ أو التَّنَاقُضِ فالجهة قد انفكت ، كما يقول أهل الأصول والنظر ، وكذا الشأن في خليفته عمر ، وهو الشديد ، فهو أشد الأمة في دين الله ، جل وعلا ، كما أُثِرَ عَنِ النَّبِيِّ الخاتمِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكان شديدا يغلظ فلما ولي الأمر لَانَ حتى خشي الله ، جل وعلا ، في اللِّينِ ، فجمع الاثنين فهو من يُقَوِّضُ ملك كسرى وقيصر ، وهو الذي يسمع آي الجلال : (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ) ، فَيُصْعَقُ ، ولا تستقيم الحال إلا أن يُمْزَجَ اللين بالشدة وبه اعتذر مَنِ اعتذر أن عَزَلَ عمر خالدا ، فكلاهما شديد فلا يَلِينُ أحدهما للآخر ، خلاف ما كان من أبي بكر الذي كان إلى اللين أقرب فأكملت شدة خالد لِينَهُ فجاء عمر الشديد فلا يصلحه إلا أمثال أبي عييدة فهو إلى اللين أقرب ، فولاه أمر الجيوش وعزل خالدا الذي أبى إلا أن يُؤَمِّرَ نَفْسَهُ كما أقر له عمر ، فكان من تواضع أبي عبيدة وتجرد خالد ونصح عمر للناس ألا يفتنوا بخالد فيظنوا النصر معقودا بناصية فرسه ، كان من كل أولئك عقد فريد قد انتظم حبات الجمال والجلال ، وبمثل أولئك تظهر الديانة وتقام الحضارة ، خلاف من شاهت نفسه فهو ذليل النفس إذا عجز ، عزيز بالإثم إذا ظهر ، فليس له من الدين أو الورع أو فروسية الأخلاق ما به يصفح إن قدر فلا يعفو أبدا بل يَظْلِمُ وَيَبْغِي ، وما استوفى كريم قط ، وإن حقَّه ، فكيف بمن ظلم وبغى فهو يَسْتَوْفِي وزيادة ! ، فَتِلْكَ حَالٌ اجتماعية تُعَزِّزُ فِي الأفراد ، لا سيما محدودي المواهب والإمكانيات ، تُعَزِّزُ فِيهِم الأنانية والذاتية المطلقَة مع شراسة مفرطة في التَّعَاطِي مع الآخر وإن أظهر الود واللين حالَ العجز ، فإذا قدر أبان عن حقيقة وصفه حقدا وقسوة وإن زعم أنها صرامة وحسم وليس إلا القمع والبطش ، وتلك طبيعةٌ تُلَائِمُ العنصرَ الوظيفي الطموح وإن كان طموحه أكبر من إمكانياته فهو يختزل المراحل الوظيفية بصناعة الولاءات الشخصية ولو أَرَاقَ بِهَا مَاءَ وَجْهِهِ ، فَبُلُوغُ الغايةِ أمر يستحق إهانة الذات وإذلالها فَعَمَّا قريب تستمتع بذلك فَتُهِينُ الكبار وتذلهم ، وتوقفهم فلا يجلسون بحضرتها ، وقد كانت بالأمس واقفة ذليلة فإذا بها اليوم جالسة تَكْتَسِي لحاء العزة زورا فليست منها في شيء وإن تظاهرت بها فلا زالت حركاتها ولفتاتها تَفْضَحُ سَابِقَ ذِلَّتِهَا ، فَمَا تَكَلَّفَ أحدٌ خُلُقًا من أخلاق الجلال عِزَّةً أو كِبْرًا أو تَصَدُّرًا لَيْسَ له بأهلٍ إلا وهو حقير مُؤَخَّرٌ ، وإن ظَنَّ أنه العظيم المقدَّم ، فالعظيم لا يحتاج مَنْ يُعَظِّمُهُ ، والمقدَّم مقدَّم أبدا وإن مَشَى رويدا فيصدق فيها قول القائل :
    مَنْ لِي بِمِثْلِ سَيْرِكَ الْمُدَلَّلِ ******* تَمْشِي رُوَيْدًا وَتَجِي فِي الْأَوَّلِ .

    فالعنصر الوظيفي يختزل المراحل ولا يكون ذلك إلا أن يصطنع ولاءات تُقَدِّمُهُ وليس لذلك بأهل مع ما احتمل في صدره من غل وحقد ، فهو يُبْغِضُ أي ناجح إذ يفضح ما اجتهد في إخفائه ، فلا تَرَاهُ إلا قامعا لأي نفس ذات شرف وهيبة ، كتلك التي وصفها أبو الطيب مادحا سيف الدولة :
    قد نابَ عنكَ شديدُ الخوْفِ وَاصْطنعتْ ******* لَكَ المَهابَةُ ما لا تَصْنَعُ البُهَمُ .
    فتلك الهيبة الذاتية ، كما يقول بعض من صَنَّفَ في سلوك الجمهور فيحكي من وسائل السيطرة والتحكم في المجموع يحكي : الهيبة وهو يجعلها على أنحاء فَمِنْهَا ما يكتسب من خارج ، فَثَمَّ أسباب تَرْفِدُهَا ، فَثَمَّ السلطة لا سيما إن كانت ذات زي رسمي فهو يحرك في العامة مشاعر الهيبة من سطوة الدولة وقمعها وإن لم تُحَبَّ وَتُرْضَى فَلَا عاقل ذا قدر من الشرف والمروءة ولو يَسِيرًا ، لا عاقل يحب مَنْ يَقْمَعُ وَيُذِلُّ ، فالنفوس قد جبلت على حب المحسن إليها لا المسيئ ، فالجمهور قد يخضع للأقوى الذي يحكم ، فيدين بالولاء كَرْهًا إذ معيار الحكومة هو القوة المطلقة وتلك نظرية سياسية محدثة تهيمن الآن على فضاء السياسة والحرب فَثَمَّ حق القوة المطلق لا قوة الحق المحكم ، فلا محكم إلا القوة فهي الثابت الرئيس في الحكومات الأرضية المحدثة وإن انتحلت قيم الحرية والإخاء والمساواة ، فتلك أدوات التجميل لكل قَبِيحٍ وجهه حسن ! ، فَثَمَّ حُسْنٌ زَائِفٌ بِزُخْرُفٍ خادع ، فالانطلاق من الأرض باعثه البخل والشح والأثرة وتلك أخلاق تذكي نار الصراع لا على قاعدة عدل ورحمة بل ثم رغبة قد بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَحُّشِ أن يَتَمَلَّكَ صاحبها وَيَسْتَأْثِرَ ويكون مَنْ دونه عَبِيدًا عنده ، فَتِلْكَ نظرة النخبة إلى العامة فهم الخدم والحرس في القصور وهم أدوات الترفيه ولو بامتهان الكرامة والانحطاط بصاحبها إلى دركة الحيوان كما صنع الرومان وهم مثال قياسي على الحضارة المادية التي استندت إلى حق القوة ، فكان العبيد ، كما يَنْقِلُ بَعْضُ الباحثين ، كانوا ثُلُثَ الشعب وليس لهم مع ذلك أي حق ، فهم من يضمن استقرار المعادلة الاجتماعية التي تحقق للنخبة الثروةَ فالعبيد طاقة عمل رخيصة لا حق لها إلا ما يُقِيمُ صلبها لتواصل العمل والإنتاج ولولا ذلك ما استحقت الحياة فالحفاظ عليها ليس تقديسا لحق الحياة وإنما هو صيانة واستصلاح لأداة الإنتاج فإن فسدت أو كان عبء صِيَانَتِهَا أكبر وجب التخلص منها ولو بإعدامها تَوْفٍيرًا للنفقة ! ، وَتُحَقِّقُ لَهَا ، مع ذلك ، الحماية والخدمة والترفيه فكان العبيد فَرَائِسَ للوحوش في الملاعب والميادين العامة ، فتلك نظرة النخبة للعامة في أي مجتمع طبقي يصدر عن طرح أرضي لا يَنْفَكُّ بحكم الجبلة والتكوين عن أخلاق الأثرة والأنانية والشح والاستعلاء في الأرض ، فتلك نظرة أي مجتمع طبقي وَإِنْ زَعَمَ أنه يأرز إلى مرجع سماوي فالمرجع السماوي قد سلم من هذه الآفات المهلِكَة التي تُهَدِّدُ الفرد والمجتمع ، فهي معدن لا يَنْضُبُ لِكُلِّ مرضى النفوس أن يُلْحِقُوا الضرر الجسيم بمن حولهم بما احتملت نفوسهم من طاقة السلب والهدم فهي تخاصم من حولها وتعاديه لا سيما إن تَشَبَّعَتْ بِقِيَمٍ تخالف عن قِيَمِهِ ، فَيَزْدَادُ العداء والكره ، مع ما تَقَدَّمَ من تَشَوُّهٍ في النفس ، فهي تعتنق نظرية القوة المفرِطة مع قسوة القلب فلا تَرَى الرحمةَ إلا عَبَثًا وفوضى ، فالصرامة والحسم ليست إلا القمع والظلم وتلك طبيعة العنصر المقموع المرذول فلم يَرَ في حياته سوى ذلك ، فهو يتأول ما لُقِنَّ وَعُلِّمَ إن من المجتمع العنصري فهو أول محضن للاستبداد السياسي الذي يشكو المجتمع منه وهو من حواضنه الرئيسة بل هو المحضن الأول الذي يُعَزِّزُ فِي الفرد ملكة الظلم والتعدي على الحقوق فذلك القوي المهاب وَإِنِ اقْتَصَرَتْ هَيْبَتُهُ على زي يَلْبَسُهُ فَإِذَا خَلَعَهُ وَتَقَاعَدَ صَارَ كَمًّا مهملا لا يُؤْبَهُ بِهِ بعد أن كان ملء السمع والبصر وإن احتفظ بقدر من الوجاهة فليس مصدرها ذاته المفلسة بل ما احتفظ به من علائق مع دوائر في السلطة تجعل الناس تلجأ إليه في أمور الخدمة فلا أحد يَصِلُهُ مودةً ، فليس لذلك أهلا إذ ما رأى الناس منه إلا كل قبيح فهم بَيْنَ مداهن وآخر يهادن ، فليس ثم من يحبه أو يهابه لِذَاتِهِ المجردة ، فهي مفلسة لا حظ لها من الجلال الذي يُرَهِّبُ أو الجمال الذي يُرَغِّبُ ، فَلَيْسَ إلا النقص المطلق وإن بَلَغَ أعلى منصب ، بل ذلك شرط آخر رئيس في العنصر الوظيفي التابع ، فلا بد أن يكون مُفْلِسًا في ذاته لا يمتلك أسباب القوة الذاتية التي تجعله يستقل بها فلا يصير تابعا ، فخاصته الرئيسة : خاصة الكائن الطفيلي أو مصاص الدماء ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، فهو كائنٌ لا يستطيع العيش إلا أن يَغْتَذِيَ على غيره ، فالحكم الوظيفي التابع لا يَرُومُ بداهة الاستقلال بل ما كان استصناعه إلا لتكريس معادلة التبعية على اختلاف في هَوَامِشِ استقلالٍ في بعض الأحيان فَلَا تُهَدِّدُ استقرارَ المعادلة ، فطبيعة هذا الحكم أنه غير مُنْتِجٍ ، فهو أبدا يستهلك ، فيشبه ، من وجه ، ما يصنع الجسم حال الجوع فإنه يطلق مادة اصطلح في علوم الطب أنها الجلوكاجون الذي يحرر السكر من مخازنه إذ يهدم جزيئا أكبر وهو الجلايكوجين فذلك مخزن السكر الذي يشبه أن يكون الاحتياطي الأول ، فهو أول ما يلجأ إليه الجسم إن لم يكن ثم إمداد خارجي ، فيكون الجوع الذي يهبط بالسكر في الدم فلا يجد الجسم وهو غير قادر على إنتاج السكر من هضم الغذاء الذي يدخله إذ ليس ثم غذاء من خارج ، فَثَمَّ جوع وإملاق ، فَيَلْجَأُ إلى هضم احْتِيَاطِيَّاتِهِ فَإِذَا نَفَدَ الجلايكوجين فإنه يَنْتَقِلُ إلى ما بَعْدَهُ حتى تُفْضِي به الحال أن يهضم نفسه ! ، فيصاب بالهزال وكل أولئك ليس إلا الحل المؤقت فليس ثم عوض مما يُسْتَهْلَكُ من الجسم إذ ليس ثم قدرة على البناء ، فليس إلا هدم المخزون الاستراتيجي ثم التحول إلى الأصول فَتُهْدَمُ تِبَاعًا ، حتى يفنى الجسد ويموت فهو جسد غير منتج لا يملك القدرة على بناء جزيئات كبيرة تكون ذخيرة له إذا كان ثَمَّ نازلة عظيمة ، فالجسد المنتِج الذي يجيد البناء يستخدم إنزيمات مخصوصة لصناعة هذا المخزون الاستراتيجي من الجلايكوجين ، فإذا احتاجه حَرَّرَ منه بقدر ، فارتفعت نسبة السكر في الدم ، فيكون تنظيم مروره إلى الخلايا بالإنسولين الذي يزيد حساسية الخلايا لقبول هذا السكر فهي تستفيد منه في عملياتها الحيوية هدما وبناء ، فما زاد بعد ذلك فهو يخزن في الكبد والعضلات ، فإذا نقص السكر حَرَّرَ من هذا المخزون بقدر ما يسد النقص حتى يكون ثم مدد من خارج ..... إلخ من دورة الإنتاج والاستهلاك المحكمة التي تدل على إِتْقَانِ الصنعة الربانية الْمُتْقَنَةِ ، فإذا لم يكن ذلك فالجسد في حال جوع فلا مصدر من خارج ، فهو يستهلك المخزون الاستراتيجي تِبَاعًا فإذا نفد الْتَفَتَ إلى أصول الجسد فهضم لحمه وأصيب بالهزال فالموت ، وانظر في حال بلد كمصر في هذه الآونة ، فهي مِثَالٌ قياسي على الحكم الوظيفي غير المنتِج الذي لم يجد إلا المخزون الاستراتيجي فليس له قدرة على صناعة الثروة النافعة : ثروة الإنتاج لا ثروة النقد التي لا تجاوز حد الطَّبْعِ في أحيان ! ، فليس ثم ما يوازيه من الإنتاج الضامن لقيمة الورق ، فَلَئِنْ حقق إنجازا في المعدل الكلي : معدل الثروة الورقية ، فَلَيْسَ ، كما يقول بَعْضُ المحققين ، ليس ثَمَّ ما يضاهيه في المعدل الجزئي إذ القوة الشرائية للأفراد لا تَزَالُ في تَدَهْوُرٍ وإن كَثُرَ الورق في أيديهم فليس ثم إنتاج يضاهيه في زراعة أو صناعة ، فليس إلا الاستهلاك ، وَلَيْتَهُ كان على حَدِّ العدلِ في توزيع الثروة وإن لم تستثمر في إقامة قواعد إنتاجية هي كالمدد الذي يدخل الجسم أولا بأول فلا يحتاج الجسد أن يُنْفِقَ مدخراته تَلْبِيَةً لاحتياجاته دون أن يكون ثم من عمليات التمثيل الغذائي الراشد هدما وبناء ما يزيد في ثروة الجسد من الاحتياطيات ، احتياطيات الجلايكوجين آنف الذكر فهو وقاء للجسد أن يَهْضِمَ نَفْسَهُ بعد أن يستهلك مدخراته ، فذلك ما يَرَاهُ الناظر في مصر اليومَ فقد أتت على مدخراتها لا سيما وثم كائن وظيفي طفيلي يسارع بهذا الاستهلاك إذ يستأثر بالجزء الأكبر من الغذاء ، فيأتي على المخزون الاستراتيجي فإذا انتهى منه فهو يَتَحَوَّلُ إلى الأصول فَيَهْضِمُهَا كما يَرَى الناظر الآن في سلوك السلطة الوظيفية في مصر فَبَعْدَ الإتيان على ثروة المجتمع يكون التحول إلى أصول البلاد من المصانع والمعامل والأرض ، مع الفساد العظيم في التَّقْيِيمِ إذ تُبَاعُ بثمن بخس نظيرَ عمولات مجزية تَزِيدُ من ثروة هذا المجموع الوظيفي الطفيلي فقد تَحَوَّلَ في هذه الصورة إلى سمسارِ أرضٍ وعقارٍ ! ، وهو الذي يستأثر ، كما تقدم ، بالحظ الأوفر من الثروة استنادا لما احتكر من القوة ، قوة القمع وقوة الحكم فَالْقَرَارُ عنه يَصْدُرُ وَإِنْ تَابِعًا للخارج ولكنه ، مع ذلك ، يملك من أدوات القمع والإرهاب ما به يُنْفِذُ الْقَرَارَ وإن خطأ عظيما بل وخيانة أعظم ! ، فَيَحْظَى بِقَدْرٍ من الثروة وإن عمولات البيع للفروع والأصول جميعا ! .
    وَهُوَ ، في الجملة ، يَحُوزُ القسط الأكبر من الثَّرْوَةِ وإن كان الأقل في الإنتاج بل يكاد يكون هو العاطل الأوحد ، فهو لا يعمل من وجه ، وهو ، من آخر ، أَكْثَرُ من يَأْكُلُ ، مع أنه ينتحل قاعدة : من لا يعمل لا يأكل ! ، فَلَوْ صَدَقَ في ذلك لكان أول هالكٍ فلا يستحق الأكل ابتداء إذ لا يعمل مطلقا فوظيفته الرئيسة أن يأكل إِنْتَاجَ غَيْرِهِ فَيَسْتَحْوِذَ عليه بآلة القوة ، وهي مُسْتَمَدُّ شَرْعِيَّتِهِ الرئيس مع ما يقدم من التنازلات السياسية والاقتصادية للخارج فهو يخاصم الداخل ابتداء إِنْ مخاصمةَ المرتزقِ المحض الذي لا يَعْنِيهِ إلا الكسب واللذة ، أو مخاصمةَ المرتزقِ الذي تَشَرَّبَ قِيَمَ الخصم فكيف به إِنْ وَلِيَ الأمر ؟! ، فاجتمع به حب السلطة والرغبة في الاستحواذ على الثروة ، مع بُغْضِ الفكرة التي يُفْتَرَضُ ، ولو جدلا ! ، أَنَّهُ أحد أَبْنَائِهَا ولو بحكم المولِد ، فَقَدْ نَشَأَ على بُغْضِهَا إن في المهاد الأول ، أو فِيمَا بعده إذا انخرط في العمل الوظيفي فالتحق بمعاهده في الداخل وفي الخارج ، فالداخل يمده بروحٍ وظيفيةٍ براجماتية تُعَزِّزُ فِيهِ قِيَمَ السمعِ والطاعة المطلقة رَغْبَةً في تحقيق المصلحة الخاصة التي لا تُنَالُ إلا بإنفاذ الأمر ، ولو آلةَ القتل والقمع في المجتمع ، فتلك سَبِيلٌ بِهَا يَبْلُغُ أعلى المناصب فكلَّمَا قَتَلَ أكثر وكأن أشد قسوة فَهُوَ عنصر مُرَشَّحٌ لِتَوَلِّي منصبٍ أعلى إذ أظهر من الولاء ما لم يَتَوَرَّعْ معه أن يُقَارِفَ الجنايات العظمى في دائرة اختصاصه التي تَتَّسِعُ حَتَّى تَبْلُغَ حَدَّ النيابةِ المباشرة عن المركز في حكم الأطراف ، فيلتحق بمعاهده في الخارج إذ تصقل هذه الموهبة فتكسوها لحاء الفكرة الوافدة التي تُعَزِّزُ في ذاته بُغْضَ حضارته وَقِيَمِهِ فهو يُنَدِّدُ بِهَا أبدا وَيَرَاهَا سبب التَّخَلُّفِ إذ بَهَرَهُ الغالب الذي وَظَّفَهُ إذ خدعه بأضواء حضارته ، وَإِنْ زائفةً ، وَلَيْتَهُ احتمل منها القدرةَ على إنتاج التقنية المبهِرَةِ فَلَمْ يَسْتَفِدْ إلا الانبهار بهذه الأضواء والرغبة الساذجة في محاكاتها اسما بلا مسمى ، فتلك طبيعته الذاتية فهو غَيْرُ قادر على إنتاج الجلايكوجين ! فلا يملك أداة بناء للجسم بل لا يزال يهدم من بنيانه وَيُبَدِّدُ من مدخراته وأصوله ما يصبيه بالهزال وهو ما يجعله أطوع ، فلا يملك من أسباب القوة الذاتية ما به يدافع المركز فضلا أن يضاهيه وينافسه ، فكيف يكون ذلك وثم سلطة وظيفية طابعها الرَّئِيسُ ، كما يقول بعض المؤرخين ، هو الخضوع والذل مع الخارج ، واضرب له المثل بمفاوضات السد الذي يُقَامُ الآن على أطراف الهضبة الحبشية وهو ما يهدد مصر التهديد الوجودي ولا يجد الناظر من السلطة إلا اللين وإعطاء الدنية تَلَطُّفًا في القول مع خصم يروم تَرْكِيعَ البلاد وإذلالها فليس ثم صولة أسدٍ تحاكي تلك التي يَرَاهَا الناظر في الداخل بطشا بكل مَنْ يُعَارِضُ ولو في إجراء فني ، فليس إلا القسوة والعنف مع الداخل ، فالمعادلة ، كما يقول بعض المحققين ، معادلةُ صِرَاعٍ بَيْنَ السلطة والمجتمع ، فأساس العلاقة بَيْنَهُمَا قوة الحاكمِ وضعف المحكوم ، فلا يستقر الحكم المستبد لا سيما الوظيفي التابع إلا بإضعاف المجتمع واستنزافه ، فالسلطة الوظيفية تستنزف مدخراته المادية وإن رفعا لروحه المعنوية ! ، فليس الأمر مجرد ذات ناقصة تروم استكمال الأبهة في مشاهد إنجاز زائفة ، فذلك أمر لا يمكن إنكاره حال التحليل النفسي للعنصر الوظيفي فلا بد كما تقدم مرارا أن يكون نَاقِصًا في نفسه عاجزا عن إنتاج الأفكار وإنتاج السلع والخدمات ، فهو كائن مستهلِك وَلَيْتَهُ استهلك ما يملك فهو يُبَدِّدُ ثَرَوَاتِ غَيْرِهِ وَيُفَرِّطُ في أصوله ، مع عناد يحاكي عناد الأطفال ، ولئن اغتفر ذلك في حق الأطفال بل استحب في أحيان فهو مما يدل على إصرار يُمْكِنُ تَهْذِيبُهُ وَتَوْظِيفُهُ في أمرٍ يَنْفَعُ فلا يُغْتَفَرُ في حق ناضج أو هكذا يفترض ! ، فالإصرار والحسم باب والعناد والكبر أن يستمع للنصيحة آخر ، فشتان بينهما وإن ظهر بادي الرأي تشابهٌ في المسلك فكلاهما يُنَافِحُ عَنْ رَأْيِهِ ، ولكن الأول يَتَذَرَّعُ بالدليل فهو يجادل جدال الحكيم ، واضرب له المثل بما صنع الصديق ، رضي الله عنه ، يوم الردة ، فكان وحده من أَصَرَّ على القتال ولكنه لم يَنْسِبْ ذلك إلى عصمة رأيه بل احتج احتجاجَ الْفَطِنِ الأريب ، فَقَاسَ الزكاةَ على الصلاة إذ اقْتَرَنَا في محكم التنزيل ، فالواحد إذا أقام الدليل الصحيح الصريح السالم من المعارضة المعتبرة فلم يكن المعارِض ممن يتحكم بلا حجة ، الواحد إذا كانت تلك حاله فَرَأْيُهُ يَرْجُحُ رَأْيَ الجماعة لا بمجرده المطلق وإنما بما أقام عليه من البرهان المحكم ، فليس رأي الجمهور الذي لا يَرْقَى إلى حد الإجماع فَثَمَّ مخالف ، ولو واحدا ، ليس هذا الرأي مئنة مطلقة من الصحة ، وإن كان مظنته في مواضع كثيرة إلا أن العبرة أبدا بالدليل الصحيح الصريح السالم من المعارضة فإذا صح فهو المذهب في الاعتقاد أو الشرع أو السياسة أو الحرب ..... إلخ ، فذلك قانون محكم يطرد في سائر الأبواب ، فكان الصديق ، رضي الله عنه ، واحدا يجادل الجدال الناصح لا واحدا يحتكر اليقين الجازم تحكما بلا دليل كما هي حال المستبدين ، فـ : "وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا" ، فَأَقَامَ حجةً من العقل رَدَّ فِيهَا الزكاة إلى الصلاة ، فكلاهما مما يُقَاتَلُ تَارِكُهُ ، وقد سَلَّمَ المخالفُ بذلك في الصلاة ولكنه توقف في الزكاة فَرَدَّهُ الصديق إلى القياس المحكم إذ سوى بَيْنَهُمَا الوحي المنزَل ، والحكم الذي يُنَاطُ بشرطين ، كما يقول أهل النظر ، فَعِلَّتُهُ مركبة من جزئين ، هذا الحكم يفوت إذا فات شرط أو شطر من المجموع المركب ، فمن التزم الصلاة ولم يَلْتَزِمِ الزَّكَاةَ فَقَدْ فَاَتهُ شرطُ العصمةِ في الخبر ، إذ هو شَرْطٌ مُرَكَّبٌ من أجزاء فلا تحصل صورته المجموعَة المجزئة في ثبوت الحكم إلا باستيفاء أَجْزَائِهَا جَمِيعًا ، فإن فات جزء تَخَلَّفَ المجموع المركب الذي به الحكم يُعَلَّلُ ، فَفَاتَ الحكم فانتفت العصمة وإذا حصل هذا المجموع ثَبَتَ الحكم فكانت العصمة ، فذلك القياس المعقول إن بالمنطوق طردا أو المفهوم عكسا ، فكان الإجماع بعد ذلك على قوله لا استبدادا يُرَهِّبُ المخالِفَ وإنما رجوعا إلى الدليل ، فذلك الإجماع الذي رَفَعَ الخلاف الذي تَقَدَّمَهُ ، كما اطرد في الأصول على خلاف في ذلك محله باب الإجماع من أدلة الأحكام ، فَاسْتَنَدَ الصديق إلى قياس محكم عمدته الوحي المنزل الذي سَوَّى بين الصلاة والزكاة ثم كان النَّصُّ الرِّافِعُ للاحتمال : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، ثُمَّ قَدْ حُرِّمَ عَلَيَّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ" ، فَذَكَرَ الزكاةَ شَرْطًا في العصمة فذلك منطوق قد أَفَادَ بالمفهومِ أن فَوَاتَهَا فواتٌ للعصمة فهي تدور مع أسبابها من الشهادة والصلاة والزكاة ..... إلخ وجودا وعدما ، فانتقل الإجماع إلى رُتْبَةٍ أعلى فكان إجماعا مستنده القياس ، ولا يخلو من خلاف في حجيته وإن مرجوحا ، ثم صار إجماعًا مستنده النص وهو حجة بلا خلاف ، وليس المراد بسط الحجة في حروب الردة ، وإنما ضُرِبَ بها المثال في هذا المشهد فذلك واحد اتسم بالإصرار لا العناد والكبر ، إذ أقام الدليل ورام النصح ، فشتان حاله وحال من يَتَحَكَّمُ فليس ثم حجة إلا أنه صاحب هذا الرأي ! فهو يَتَّسِمُ بِنَرْجِسِيَّةٍ مُفْرِطَةٍ يعتقد بها عصمةَ ذاته وإن كانت ناقصة تُثِيرُ التَّنَدُّرَ في أحيان كثيرة فذلك ما ألجأه ، كما تقدم ، أن يَتَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يُعْطَ مِنْ خِلَالِ الكمال لَعَلَّهُ يخفي نَقَائِصَهُ الذاتية ، فلا هَيْبَةَ له في ذاته وهو ما حَمَلَهُ أَنْ يطلبها من خارجها بما جَمَعَ من أسباب العزة الظاهرة التي لا تحول دون بَوَادِرَ تَفْضَحُ ، فـ :
    مَهْمَا تكنْ عند امْرِئٍ من خَلِيقَةٍ ******* وَإِنْ خَالها تَخْفَى على النَّاسِ تُعْلَمِ .
    فهو ذليل وإن اكتسى أبهة ملك أو سلطان ، فالإصرار شيء ، وما اصطلح في علم النفس أنه التفكير أحادي الجانب أو "uni-lateral thinking" شيءٌ آخر ، فَهٌوَ يَتَّسِمُ بِضِيقِ الأفقِ فَلَيْسَ ثَمَّ إلا فكرة واحدة لَا يَبْرَعُ صَاحِبُهَا في تَوْلِيدِ البدائل المناسبة ولا يُجِيدُ الاستماعِ إلى الآراء الناصحة التي تَرْفِدُ فكرته فَمَنْ طَلَبَ المشورة في مَوَاضِعِهَا فَقَدْ حاز عقول من يَسْتَشِيرُ فأضاف إلى عقله الكثير ، خلاف هذا الكائن الوظيفي البغيض فَلَا يَقْبَلُ النُّصْحَ إذ يَرَى نَفْسَهُ فوق التَّخْطِئَةِ وَالنَّقْدِ ! ، فلا يُقِرُّ أبدا بخطإٍ وإن اقْتَرَفَهُ عَلَى الملإ فلا يَزَالُ يَجْتَهِدُ فِي تَأْوِيلِهِ تَارَةً أو نِسْبَتِهِ إلى غَيْرِهِ أُخْرَى لِيَبْرَأَ مِنْ عُهْدَتِهِ وَيَسْلَمَ مِنْ تَبِعَتِهِ ، فلا يَتَصَوَّرُ أبدا أن يكون مَحَلَّ مناقشة فضلا عن المساءلة الَّتِي قد تُفْضِي إلى عَزْلِهِ فَلَا يَرَى أحدا أهلا لذلك فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السماء أحد ! ، فليس ثَمَّ كائنٌ فِي الأرض يُسَائِلُهُ ، وذلك ما يجعله فوق المجتمع فَوْقِيَّةَ الربوبية فهو من يَتَحَكَّمُ في الأرزاق ، وَفَوْقِيَّةَ الألوهية فهو مَنْ يَسُنُّ القوانينَ والأحكامَ ، فَثَمَّ مكابرة إِبْلِيسِيَّةٌ يُعَارِضُ صاحبُهَا كُلَّ دليلٍ يَصِحُّ بِمَا يَقْتَرِحُ من الهوى والذوق لِيَسْلَمَ رَأْيُهُ فَلَا يُخَطَّأُ أَبَدًا ! ، وإن كان أَغْبَى الخلقِ وأشدهم بلادة مع رِقَّةٍ في الخلق والديانة وَبُغْضٍ للحقِّ الصانعِ للحضارة ، وقسوة في الطبع فلا يحسن إلا القمع والبطش ، فَشَرْطُ تمكنه : حِيَازَةُ أَكْبَرِ قَدْرٍ من السلطة والثروة مع السعي في استلابها من المجتمع بذرائع شتى فلئن استفاد منها أبهة ملك ورفاه عيش فالأمر يجاوز ذلك ولو على المدى البعيد الآجل ، فَثَمَّ استنزاف للثروة العامة على وجوه لا يَنْقَضِي منها العجب ، فإنه تارة يَسْتَقْطِعُ من ميزانية الخدمات العامة ، ومصر الآن كالعادة مثال قياسي يَشْهَدُ ! ، فَثَمَّ استقطاع من حجم الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة على وجه يخالف الدستور الذي كَتَبَتْهُ السلطة فهي مَنْ يَنْسَخُهُ إذا شاء فالقانون ، كما تقدم مرارا ، هو حكاية لإرادة الطبقة الحاكمة التي استجمعت أسباب القوة والثروة ، فَتُحْكِمُهُ إِنْ شَاءَتْ وتجعله أخرى من المتشابه المنسوخ ! ، فلا تَتَحَرَّجُ أن تخالف عن نصوص الدستور ، فَثَمَّ عجزٌ في الموازنة العامة ، وذلك ما يُلْجِئُ السلطة الوظيفية الفاسدة أن تَسُدَّهُ بِهَضْمِ ثَرْوَةِ المجتمع ، فإما أن تَفْرِضَ ضَرَائِبَ تَزِيدُ لِتُمَوِّلَ هذا العجز ، فهذا حَلٌّ ! ، وإما أن تستقطع من ميزانية الخدمات العامة فلا تدخر من الامتيازات الخاصة التي تحظى بها النخبة الحاكمة ونظيرتها التاجرة ، فثم زيادة في مخصصات السادة ، وثم استقطاع من مخصصات العامة ، فميزانية الصحة في مصر ، على سبيل المثال ، يفترض طبقا للدستور أن تَبْلُغَ هذا العام : 184 مليارا ، فَاسْتُقْطِعَ مِنْهَا النصفُ أو يزيد ! نحو 60% فلم تبلغ هذا العام إلا 74 مليارا فقط ، فاستقطعت السلطة 110 مليارات كاملة ! ، وميزانية التعليم لم تجاوز 99 مليارا فلما طلب الوزير 39 مليارا إضافيا لم يجب إلى سؤله فليس ثم مصدر تمويل يجزئ ! ، وَقُلْ مِثْلَهُ في سائر المخصصات العامة التي تُوَجَّهُ إلى خدمة الجمهور ، فالضرائب وهي مصدر التمويل الرئيس لهذه الموازنة الجائرة ، الضرائب تُفْرَضُ على العامة ما لا تُفْرَضُ على النخبة التي تحظى بإعفاءات كبيرة بذريعة تشجيع الاستثمار الذي يُوَفِّرُ فُرَصَ العمل ، فلا تكون الضرائب إن صح أنها جائزة في الشرع والعقل ! ، لا تكون تصاعدية تحكي التفاوت بين العامة والنخبة ، فالفقير هو من يتحمل العبء الأكبر في المثال النيوليبرالي الشرس الذي يطبق الآن في مصر ، والغني هو من يتحمل القسط اليسير ، وانظر في زيادات الخدمات ، كالكهرباء والماء ، إذ قُسِّمَتْ إلى شرائح فكلما زَادَ الاستهلاك وهو مئنة من الرفاه قَلَّتْ نسبة الزيادة ! ، فثم عقل رأسمالي نيوليبرالي يَتَحَكَّمُ في مشهد الاقتصاد فهو يجامل الخاصة على حساب العامة على وجه يُفْضِي إلى اسْتِنْزَافِ داخلي إذ يُهَاجِرُ المال من المجتمع إلى النخبة كما يهاجر من الأطراف إلى المركز ، فذلك العقل النيوليبرالي هو ، بداهة ، عقل من خارج ، فَثَمَّ جهات دولية مانحة لا تستسلم لها إلا السلطة الوظيفية التابعة ، فهي تَضْعُفُ أن تُفَاوِضَ إذ ليست من نسيج المجتمع لِتُنَافِحَ عن مصالحه وَتُدَافِعَ بل شرط بقائها في الوظيفة أن تُحَقِّقَ أهداف الخارج وأخطرها صناعة مثال في الفكر والسياسة والحرب والاقتصاد يلائم المثال الأكبر الذي يطرحه المركز خيارا واحدا لا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ فَهُوَ ضمان السيادة لحضارته ، وليس على الأطراف إلا أن تسمع وتطيع عبر قنوات السلطة ذات البناء الهرمي المحكم الذي نجح في تكبيل المجتمع بعد أن نجح في استنزافه ، فَفُرِضَتِ الضرائب وَزِيدَ في رسوم الخدمات مع رداءتها ، زِيدَ فيها لسد عجز الموازنة ، من وجه ، فتلك أولى جهات الاستنزاف للمجتمع ، وأسرفت السلطة في الاقتراض إما فشلا في إيجاد مصادر تمويل ذاتي أو فسادا إذ تقترض لتمويل مشروعات لا يعود نفعها على المجتمع المستنزَفِ ، لا سيما في المدى القريب المستعْجَلِ ، فواجب الوقت سَدُّ هذه الحاجة الملجئة لا الاشتغال بما طال أمده ، فذلك ما يأتي تَبَعًا بعد استيفاء الحاجات الضرورية لا أصلا ، فَلَيْسَ ثم من يَطْلُبُ الكماليات وَلَمَّا يستوفِ بَعْدُ الحاجيات والضرورات الملجئة التي لا بقاء له إلا بها ، فمن ذا يشتري هاتفا نقالا حديثا وهو لا يَمْلِكُ يطعم نفسه أو أهله إلا إن كان مرائيا ، فذلك ما تصنع السلطة الوظيفية الفاسدة إذ تحرص على مظاهر الأبهة وتسعى في تسجيل الأرقام القياسية في تَوَافِهَ لا تعود بالنفع على المجتمع من قَبِيلِ : أكبر وأعرض وأطول وما شئت من أفعل التفضيل ولا يصدق فيها منه إلا أسفه وأفسد ! ، ولسان المقال : أن السلطة تَبْنِي دولة جديدة وهو ما أثار النقد في مصر ، ولا يخلو ، من وجه يدق ، وهو ما يحكي رغائب هذه السلطة فهي صادقة لا تكذب إذ تَبْنِي دولة جديدة دولة النخبة في مقابل دولة العامة : مصر النخبة التي تستأثر بأدوات السلطة وَتَتَمَتَّعُ بِرَفَاهِ السلطة في مقابل مصر القديمة المتهالكة التي تجتاحها الفوضى وإن شيئا فشيئا فَتُبَادِرُ مصر الجديدة بالهروب إلى قُرَاهَا المحصنة لتقاتل الشعب من وراء جدرها إن لَزِمَ الأمر ! فهي تحوطها بالجند والحرس وتنقل إليها ما خف حمله وغلا ثمنه من ثروة مصر القديمة ومؤسساتها السيادية والاقتصادية .... إلخ ، فَثَمَّ عاصمة صيفية وأخرى شتوية ، وفيهما من رَفَاهِ العيش ما يليق بسكان مصر الجديدة ! ، وهو ما صاغه روائي مصري راحل في رواية اشتهرت تحمل اسم المدينة الفاضلة أو اليوتوبيا التي تجسد نظرية الفردوس الأرضي الذي لا يجاوز هذه الدار الفانية فَهِيَ مُنْتَهَى سؤله ، فرواية اليوتوبيا شاهد رئيس يتداوله النظار في هذه الدولة الجديدة التي يجري العمل فيها بسرعة وإن افتقرت إلى الإحكام والدقة فَثَمَّ شعب يَتَعَجَّلُ الرحيل إلى وطنه الجديد فهي بالفعل مصر جديدة ولكنها مصر غريبة تخاصم الأرضَ والشعبَ ، تخاصمهما التاريخَ والهويةَ والجذورَ ، فلا هي مصر العدل ولا هي مصر الوحي ، من باب أولى ، وإن زعمت التدين والورع زورا وكذبا ، فتلك نظرة سفه تجافي عن قانون الحكمة التي تستوجب تقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير ، فيخالف السفيه عنها فهو يؤخر ما حقه التقديم ، ويقدم ما حقه التأخير إن صَحَّ أَنَّ فِيهِ نَفْعًا ولو على المدى البعيد الذي يزعم ، فلا تخرج هذه القروض أن تكون أثمانا سياسية تبذل مع ما تناله السلطة من عمولات ورشى تَنْفَعُ ! ، فهي تساهم في تضخم جسد السلطة في مقابل هزال المجتمع الذي يستنزف مخزونه الاستراتيجي كما تقدم في مثال الجلايكوجين المختزن في الكبد والعضلات ، فَطَرَفٌ يَسْمَنُ وَيُثْقِلُهُ الشحم ولو ورما يضر ، وآخر يضعف ويصيبه الهزال بما تهضم السلطة من جسده فلا تقتصر على مدخراته ، بل تجاوزها إلى أصوله ، فقد يقول قائل إنه لا حاجة تُلْجِئُهُ إلى السلطة ، وذلك قد يصح من وجه فقد يكون له فَضْلُ نَفَقَةٍ من الاستثمار الخاص أو المدخرات ، فلا يلجأ إلى المستشفيات أو المستوصفات العامة إذا مرض إذ يملك ثمن العلاج الخاص ، ولا يُدْخِلُ أبناءَه مدارسَ عامة فهو يَمْلِكُ أقساط نَظَائِرِهَا الخاصة ، ولكنه ، من وجه آخر ، ينفق من أرباح تجارته ومن مدخراته ما يسد هذه الاحتياجات ، فالسلطة تستقطع جزءا من ثروته بما تفرض من ضرائب ورسوم وما بَقِيَ فَهِيَ تَسْتَوْلِي عليه من طريق أخرى إذ تُزَاحِمُ القطاع الخاص المحلي والأجنبي ، فتقدم الخدمات بأسعار أقلَّ تَذَرُّعًا أنها تحارب الاحتكار والغلاء وجشع التجار وأنانية رأس المال ..... إلخ من الشعارات الاشتراكية الكلاسيكية التي استجازت بها السلطةُ دخولَ السوق ، ولو انطلاقا من نظرية رأسمالية احتكارية وذلك تَنَاقُضٌ يشهده الناظر اليوم في مصر النيوليبرالية التي لا تجد غضاضة أن تستعمل العناوين اليسارية الكلاسيكية ذات الطابع الاجتماعي لِتُبَرِّرَ دخولها السوق ، وهو ، كما يقول ابن خلدون رحمه الله ، ذريعة إلى فساد الأحوال وضيق المعايش ومنذر بسقوط الدولة واضمحلال الملك ، فما بقي من الثروة فليت السلطة تتركه لما تَبَقَّى من القطاع الخاص لا سيما المحلي ليدير ثروته أو ما تَبَقَّى منها ! بمعزل عن هذه السلطة الأكولة فلا تشبع أبدا ، فما بقي فهي تلجئ المجتمع أن يدفعه لها في صورة مقابل مادي لسلعة أو خدمة احتكرتها السلطة إذ دخلت سوق العمل قسرا بذريعة ما تقدم من ضبط الأسعار فنافست التجارَ بأسعارها لا رغبة في التخفيف وإنما أخرى في التجفيف : تجفيف السوق من أي رأس مال يُنَافِسُ فهو يُبَادِرُ بمغادرة سوقٍ كَهَذِهِ قد انعدمت فيها فُرَصُ التَّنَافُسِ العادل فهي تخوضها مع جهة رسمية تمتلك أدوات السلطة فضلا أنها لا تدفع فلسا في صورة رسوم أو ضرائب وهو ما يجعل أسعارها أفضل لا أنها أَجْوَدُ أو أنها أَرْأَفُ ، وإنما تلك حيلة بها تحتكر السوق شَيْئًا فَشَيْئًا بعد أن تهرب رءوس الأموال المنافسة تِبَاعًا فلا يبقى إلا هي في السوق ، و :
    إذا ما خَلا الجَبَانُ بأرْضٍ ******* طَلَبَ الطّعْنَ وَحدَهُ وَالنّزَالا .
    فَتُسَيْطِرُ على السوق ومن ورائه المجتمع ، فضلا عن استثمار هذه الواجهات الاقتصادية البيضاء في ممارسة أنشطة اقتصادية سوداء فَمَا يُلْجِئُ جهة سيادية أن تُنْشِئَ مستشفى يشبه أن يكون ذا أغراض تَتَعَدَّدُ منها غسيل أموال مشبوهة ، والاستيلاء على حصة من سوق رائجة كالسوق المصرية لا سيما في قطتع حيوي كالقطاع الصحي فضلا ، وهو محل الشاهد ، عن صور من الاقتصاد الأسود كبيع الأعضاء ، على سبيل المثال ، فتلك المستشفى قد ذُكِرَ اسمها في سياق الأخبار المتداولة عن سقوط شبكة كبيرة لتجارة الأعضاء ، أعضاؤها من أساتذة الطب ومدرسيه فضلا عن ممارسيه ، وتلك ، بداهة ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الفضلاء ، تلك ليست سرقة حافظة نقود في حافلة فسرقة الأعضاء وتهريبها في حاويات مخصوصة .... إلخ ، كل أولئك لا بد له من جهة سيادية تُشْرِفُ عليه أو تَتَسَتَّرُ عليه إن شئت الدقة ! نظير ما تقبض من عمولة مجزية فضلا أن تكون هي من يَتَوَلَّى كِبَرَ هذه الجريمة .
    وَلَوْ كان ثَمَّ جهة عامة ذات كفاءة ما لجأ المجتمع إلى الجهة الخاصة ولاستثمر هذه النفقات في وجوه نَفْعٍ تَعُمُّ ، في صناعة أو زراعة أو تجارة ، فَنَفْعُهَا يَتَعَدَّى إذ تُوَفِّرُ فُرَصَ العمل المتوسطة والصغيرة وتسهم في تحسن المعدلات الجزئية التي تظهر آثارها المباشرة على الأفراد سعةً ورفاهَ عيشٍ ، فيكون ثم فائض مال يتحرك حركة راشدة في المجتمع خلاف ما لو كانت الخدمات رديئة ، فهي تَسْتَنْزِفُ مَا تَسْتَنْزِفُ من مدخرات الأفراد ، ولو قليلة ، إذ يعدلون عنها لرداءتها ويطلبون السلامة في غيرها ، فمهما تقلصت علائقهم مع السلطة فلا يدفعون ضرائب مباشرة فَهُمْ يكتوون بِنَارِهَا من وجه آخر بل من وجوه ! ، فأثمان السلع والخدمات تزيد بما يُفْرَضُ مِنْ ضرائب على الخامات ، ورسوم المحررات والمستندات ..... إلخ تَزِيدُ ، مع فساد الجهاز الإداري البيروقراطي فهو يروم استكمال احتياجاته من جيوب العامة تحت عناوين جذابة من قبيل : الحلاوة أو الإكرامية أو قول القائل في مصر الآن : مش هتصبح علي ؟! تأولا لنظرية السلطة : نظرية "صبح على مصر بجنيه" ، فإذا كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة أهله الرقص والهز ! ، وتلك نظرية تَسَوُّلٍ وابتزاز معا إذ تستنزف الثروة استنزافا بَيْنِيًّا فالعامة يَتَفَنَّونُ في سرقة بعضهم بطريقة لبقة ! والسلطة في مأمن فلا يجرءون على سرقتها ! ، وهو ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الفضلاء ، ما جعل الفرد يَتَحَوَّلُ تِلْقَائِيًّا دون أن يَشْعُرَ إِلَى جزءٍ من هذه المنظومة الفاسدة فهو يُبَادِرُ بِتَقْدِيمِ الرشوة فَيَتَطَوَّعُ ابتداء دون أن يُسْأَلَ فَثَمَّ صورة ذهنية قد استقرت في العقل الجمعي أن المواطن المصري متسول فتلك حال السلطة التي تحتكر الحديث باسمه ، والموظف المصري مُرْتَشٍ فاسد فكلٌّ ، إلا من رحم الرب جل وعلا ، يُمَارِسُ الفساد في حدود صلاحياته الوظيفية ولو موظفا في الأرشيف ! ، وأن العامل المصري فهلوي أو نصاب ! ..... إلخ ، وذلك من شؤم الحكم الوظيفي المستبد الذي أفسد الأخلاق والأديان فضلا عن الأبدان ففساده قد عم وطم ، البر والبحر والجو وسائر الأرجاء ! .
    والخدمات إذ تَتَرَدَّى فهي تلجئ الناس إلى إنفاق ما ربحوا أو ادخروا طلبا لخدمة أفضل تحقق ولو حد أدنى من الكفاية ! ، فلا يَظُنَّنَّ ظانٌّ أنه يسلم من هذا الاستنزاف فهو يطاله وإن على تفاوت فكلما زادت أرباحه أو مدخراته قلت الآثار السلبية ولكنه لا يخلو منها أبدا تحت حكم هذه السلطة الوظيفية .
    ومن يدفع فواتير الاقتراض آنف الذكر هو المجتمع فهو يدفعه جيلا بعد آخر من جودة المعاش التي تنخفض ، وأسعار السلع والخدمات التي ترتفع ، والحجة أنها قروض لتمويل مشروعات عامة ، وإن ذهب بعضها لذلك فهو الأقل ، فالأكثر يصب في قناة السداد : سداد أعباء الخدمة : خدمة الديون الربوية ، فضلا عن أصل الدين ، فَثَمَّ أقساط منه ناجزة وما تأجل فالربا يَتَضَخَّمُ وَيَتَرَاكَبُ فيدفعه الجيل القادم ! .
    وثم جهة استنزاف أدق ، فالسلطة تقترض لتمويل مشاريعها الخاصة ، بل وتستقطع من الموازنة العامة ما يصب في مصلحتها الخاصة ! ، تحت عناوين مبهمة فهي اصطلاحات فنية لا يَفْقَهُهَا إلا أهل الشأن ، فلا اشتغال لعامة الناس بها ، فَيُسْتَقْطَعُ من هذه الموازنة ما يُسْتَقْطَعُ لتمويل مشاريع غير منتجة تحقق الربح السريع الآمن لنخبة السلطة الحاكمة التاجرة ! ، كما هي الحال في مصر الآن إذ ازدهر الاستثمار الحكومي في العقار في المدن الجديدة التي أقيمت على أَرَاضٍ تدخل في الملكية العامة ، ولم يكن للمجتمع منها نصيب ، فهي مدن النخبة التي تُقَامُ على أرض الدولة ! ، والسلطة تستثمرها فتضع يدها عليها بحكم القانون ! ، وتشارك المستثمر أو المقاول بالأرض التي لا تملكها ! ، فضلا عما تُمَارِسُهُ من احتكار تَنْعَدِمُ فيه معايير العدالة في التنافس فَتُوكِلُ إليها المشاريع بالأمر المباشر ، وهي مع ذلك لا تجهد فَهِيَ تَقْبِضُ الثمن مُعَجَّلًا وتستأجر مقاولا أو مستثمرا من الباطن تعطيه بعض حقه وتسرق الآخر حتى تضطره في أحيان أن يفضحها على الملإ ! ، فهو يتأول ، ولو لم يفطن ، يَتَأَوَّلُ قول النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ" ، فَيَسْتَحِلُّ مِنْ عِرْضِ هذه السلطة أَنْ يَفْضَحَ فسادها نَصَحَ للعامة أو لِنَفْسِهِ ، فالجرم في كلتا الحالين يثبت ، فهي شريك في ربح ما يَبِيعُ مِنْ عقار أقيم على ملكية عامة فحقه الإزالة والهدم ، لا التصرف بالشراء والبيع ، وقد تقترض وَتُنَفِّذُ فهي تُشَيِّدُ وَتَبِيعُ ، والمجتمع من يتحمل التكاليف فهو ، كما تقدم ، من يسدد هذه القروض من ثروته العامة ، بل الأمر في هذه الصورة قد جاوز حد الاستنزاف للمدخرات ، فقد نفد الجلايكوجين ونفد الشحم فَبَدَأَ الجسد في هضم نفسه إذ تَتَصَرَّفُ السلطة الوظيفية في الأصول من الأرض والعقار والمصانع ...... إلخ ، وذلك ، أيضا ، ما يحمل عناوين اصطلاحية خداعة لا يُتْقِنُهَا إلا المتخصِّص من قبيل إعادة الهيكلة وهي تكافئ طرد العمالة الزائدة دون توفير بدائل مناسبة ، فالمستثمر الخاص لا يروم إلا أعلى ربح بأقل تكلفة فهو يسعى في تقليص العمالة ما استطاع ولا يَعْنِيهِ توفير بديل ، فالبعد الاجتماعي في نظره غائب ، ولئن اغتفر ذلك في حقه جدلا فهو كائن مادي لا يُقِيمُ وزنا إلا للربح إلا مَنْ رحم الرب ، جل وعلا ، من آحاد يضعون ثرواتهم في خدمة المجتمع حقيقة لا دعوى ، فكيف يُغْتَفَرُ في حق سلطة تَزْعُمُ أَنَّهَا تمثل المجتمع وتحفظ مصالحه ، فهي الآن في مصر وطبقا للنظرية الوظيفية آنفة الذكر ، نظرية التابع لجهة التمويل من خارج ، هي تسعى في تقليص حجم الجهاز الإداري استئصالا لا يَنْظُرُ في أي بعد اجتماعي فلا يقدم بدائل وإنما يَعْنِيهِ فقط إنفاذ القرار الملزم طبقا للاتفاق المبرم مع جهة مِنْ خارج لا يَعْنِيهَا ، كما تقدم ، إلا مصلحة المركز ، ولو استنزافا للأطراف ، فتلك صورة مكبرة من استنزاف السلطة الوظيفية في الأطراف للمجتمع ، فمن يملك القوة والثروة فهو يستنزف من دونه فهو الطرف الأضعف ، فثم الآن موجة تصفية جديدة لأصول الدولة فالجسد ، كما تقدم ، إذ فشل في تمثيل الغذاء تمثيلا صحيحا فهو مريض مُنْهَكٌ ، الجسد إذ هذه حاله فقد شرع يهضم ذاته بعد أن استنزف مدخراته من الجلايكوجين والشحم وأي فضل زائد ، فهو يهضم ذاته إذ يفرط في أصوله من جغرافيا ومياه إقليمية وثروات معدنية ....... إلخ ، وذلك ما يكون تارة بعقود بيع مباشرة أو بمكائد سياسية نسائية ! ، وأخرى بإنشاء صناديق ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب ! كصناديق الأصول غير المستغلة بذريعة استغلالها الاستغلالَ الأمثل ، وليس ذلك إلا البيع المجزَّأ ، فالسلطة الوظيفية سلطة غير مبتكِرَةٍ ، فلا حَلَّ عندها إذا ضاقت بها الحال إلا أن تَبِيعَ ما تملك من ذخائر حتى تبلغ بها الحال في أحيان أن تبيع الأرض قطعةً قطعةً كما يَبِيعُ الإنسان جسده عضوًا عضوًا إذا لم يجد ما ينفق .
    فَثَمَّ استنزاف لما اختزن الجسد من الغذاء مع تَقَاعُسٍ عن تعويضه سواء أكان ذلك قصدا فهو خائن أو خطأ فهو جاهل أو هما معا ! ، واضرب له المثل ، أيضا ، بمصر في الحال الرَّاهِنَةِ ! فهي ، كما تَقَدَّمَ ، مثال الجسد الهزيل الذي انخفضت نسبة السكر في دمه فَأَتَى على ما ادخر من الجلايكوجين في عضلاته وكبده مع وقوعه في مجاعة فلا يملك تعويض ما يستنفد من مخرونه ، فَثَمَّ سلطة تَتَقَاعَسُ أن تعيد إنعاش 3500 مصنع معطل وهي طاقة إنتاج مهدرة لو دَارَتْ لَعَوَّضَتِ الفاقد ، ولو جزئيا ، مع ما تُمَارِسُ مِنْ سلوك طفيلي إذ تَتَحَرَّكُ داخل هذا الفراغ الذي صنعته بما تمتلك من أدوات الإنتاج في مناخ يَتَّسِمُ بالاحتكار مع امتلاك المحتكر سلطة اتخاذ القرار فهو يمتص الثروة ويعيد تدويرها في أُطُرِهِ الخاصة التي لا تعود بالنفع على المجتمع فالمعدل الجزئي يدل على انهيار القدرة الشرائية للأفراد ، وإنما يقتصر النفع على دوائره الخاصة فإذا نظر في المعدل الكلي ، بادي الرأي ، ظهرت زيادة ولكنها لا تَتَّسِمُ بالعدالة في التوزيع ، فالكائن الطفيلي كائن أناني يحتكر الغذاء وحده بل وَيَسْلُبُه الجسدَ الذي يَتَطَفَّلُ عليه ، كما يصنع الفيروس الذي يُهَاجِمُ الخلية فَيُوَظِّفُ طاقتها في إِنْتَاجِ نسخِه الخاصة على حساب الصحة العامة ، فالإحصائيات تقول إن كيان السلطة الوظيفية في مصر يستلب من سوق العمل 500 ألف فرصة عمل ، مع حصوله على إعفاءات ضريبية تقدر بنحو 65 مليارا في السنة ، وهو ما يفضي ، إن لم تخن الذاكرة ، إلى خسائر تبلغ 7,2 مليارا فِي السنة الواحدة من إجمالي التاتج المحلي ، فكل أولئك مما يستقطع من ثروة المجتمع ، فهو من يكد ويَسَعْى ويحقق فائضا من الثروة مع اتهامه أبدا بالكسل والعجز والتقاعس وقد يصدق ذلك في مواضع لو تدبرها الناظر لوجد أكثرها في مواضع السلطة التي تَزْخَرُ بجموع هائلة من البطالين الفاسدين إلا من رحم رب العالمين جل وعلا ، فأولئك البطالون الفاسدون هم ، أيضا ، سبب في استنزاف ثروة المجتمع بما يفرضون من أعباء إضافية خارج المحررات الرسمية من رشى وإكراميات فلا تُقَيَّدُ ، بَدَاهَةً ، في دفاتر العمل الرسمي ! ، فثم المجتمع الذي يكد ويسعى مع ما يُسْتَقْطَعُ من ثروته ضرائب ورسوم خدمة ...... إلخ ، وثم ، في المقابل ، من لا يكد ولا يسعى إلا في دوائره الخاصة المعفاة من أي التزام مع تحميل الأعباء للمجتمع ، فهو الذي يتحمل وحده أرقام الخسائر آنفة الذكر التي تترجم في المقابل إلى مكاسب تحوزها السلطة في محافظها المتخمة بأموال المجتمع ، إِنِ المالَ العام فسادا مباشرًا ، أو ثروةَ المجتمع بما تمارس السلطة من احْتِكَارٍ يُخِلُّ بمعايير المنافسة العادلة فهو يحول بين المجتمع والإنتاج ثم يَتَّهِمُهُ أنه المتقاعس المتكاسل الذي يروم الأكل بلا عمل ، وهو أكثر من يعمل ولكنه أقل من يأكل ، فثم منظومة البيروقراطية الفاسدة التي تأكله مرات ، فتأكله بما تَفْرِضُ من رسوم كبيرة على خدمات وسلع رديئة ، وتأكله بما تستقطع من رشى وعمولات .... إلخ ، وثم منظومة البيزنس ! الذي احتكرته دوائر عليا من السلطة مع ما احتف بها من دوائر الفساد الرأسمالي الذي يحمل اسم رجال الأعمال فهم ، إلا من رحم الرب الرحمن جل وعلا ، هم في هذا المثال الوظيفي فاسدون إلى أن يقوم الدليل على نَزَاهَتِهِم ، فانقلب الأصل الذي يَنُصُّ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ، فهم متهمون حتى تثبت براءتهم ! ، وحكاية الجسد في هذا المثال حكاية اعتبار ، فإن ما يرى الناظر في المجتمع وهو جسد اعتباري يُضَاهِي ما يَرَى الباحث في الجسد من عمليات حيوية إن في الظروف العادية أو في ظروف المخمَصَةِ كتلك التي تَعِيشُهَا مصر الآن ! ، وإن لم تبلغ بَعْدُ حَدَّ الشدة العامة ، فَثَمَّ استنزاف متدرج يجعل الكيان المستنزَفَ أبدا تحت السيطرة فهو ضَعِيفٌ لا يطيق الإنجاز ، ولا يقوم بأعباء الإنتاج ، فقد سلب أدواته مع عظم ذخائره ، فلا بد من وضعه أبدا تحت الضغط الملجِئ لمصادرة إرادته وقراره ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا تحت حكم وظيفي تابع فهو يحقق إرادة المركز من خارج أن يَبْقَى الداخل ضعيفا لا يشكل تهديدا لمصالح الخارج إن في الإقليم أو في المركز ، وذلك حكم يَتَوَجَّسُ خيفة على وجه يثير التعجب تارةً وَالتَّنَدُّرَ أخرى من إجراءاته الاحترازية إذا أَحَسَّ بأي معارضة لا سيما إن كانت تملك من أسباب القوة ما يهدده ولو في إطار نظرية التدافع أيهما يحظى بِرِضَى المركز فيحقق معادلة الاستقرار الأمثل ، فذلك ما يجعل التفريط والتنازل أعظم ليحظى الحاكم الوظيفي ذو الجبهة الداخلية الساخطة ، ليحظى بدعم الجهات الخارجية التي تمده بأسباب القوة ولو ضوءا أخضر أن يَقْمَعَ المعارض أو المستنكر ولو كان من حزبه ليكون وحده في الصورة فلا يُزَاحِمَهُ أحد بل ولا يجاوره وَلَوْ فِي طرف من أَطْرَافِهَا فذلك ما يؤذن بتحول الحكم الديكتاتوري إلى الحكم الشمولي الذي تُخْتَزَلُ فِيهِ السياسة فِي واحد فهو الدولة والدولة هو ! كما كان الملك الشمس لويس الرابع عشر يقول ، فصارت القوة هي معيار الحكم فمن كان الأقوى فهو يحكم ، فإذا ضعف وهرم نَزَى عليه قوي متحفز فحكم عوضا منه ، والمجتمع ، أبدا ، إذا لم يكن ذا وعي وقدرة ، فهو ينتظر السيد الجديد ليدخل في خدمته فلا زال يَتَنَقَّلُ بين السادة مِلْكَ يمين لم يَنَلْ بعد صك انعتاقه من رِبْقَةِ السلطة الأرضية المحدثة وإن في المركز القوي ، فَرِقُّهُ ناعم يخدع إذ اكتسى لحاء فكريا وسياسيا جذابا ، فكيف بِنَظِيرَتِهَا الوظيفية في الأطراف الضعيفة ، فحالها أسوأ .
    والجميع تحت نير الرق الأرضي يَرْزَحُ ، فلا يحرره ، كما تقدم مرارا ، إلا الدخول في رق النبوة التي جاءت تسوي بين الخلق فتخرجهم إلى عبودية الحق ، جل وعلا ، وحده ، فلا يعبدون إلها غيره ولا يسوسهم حاكم إلا بِمَا وافق الوحي النازل ، فوحده ، كما تقدم مرارا ، ما تجرد من الأهواء والحظوظ ، فلا حاجة له أن يظلم وَيَبْغِيَ فلا يكون ذلك إلا من ناقص يروم الكمال ولو استلبه إثما وعدوانا .
    وتلك دولة جسدها لا يحسن إنتاج أي شيء ! ، إذ لا يحسن تمثيل الغذاء فلا يحسن حرقه لتوفير الطاقة اللازمة لينهض المجتمع ، فلا يفرز أي شيء ، لا إنزيما يستهلك الغذاء ويحوله إلى طاقة نافعة ، ولا آخر يختزن الفوائض ، فلا يحسن إفراز الأنسولين ولا الجلوكاجون ولا يحسن صناعة الجلايكوجين فلا يحسن إلا صناعة الفساد وحده ، على وجه تَرَاكَمَ فهي دولة منتجة للفساد بل وله مصدِّرَةٌ مُعَلِّمَةٌ فَهِيَ القدوة والمثال على وجه يجعل الناظر يَتَرَقَّبُ سقوطها ولو بعد حين فتلك سنة الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى إذ تتآكل قواعدها شيئا فشيئا على وجه يُغْنِي ، في أحيان ، عن التدخل فقد كفت الخصم المؤنةَ فلا حاجة له أن يكيد أو يتآمر ! فالدولة قد تآمرت على نَفْسِهَا وشرعت في تَقْوِيضِ أركانها .
    بل إذا استعملت الإنزيمات والمواد آنفة الذكر فَعَلَى وجه السفه فَتُنْفِقُ حيث يجب الإمساك فهي تستنزف المدخر في الكبد والعضلات وتفضي بالجسد إلى الهزال ، جسد السلطة في مقابل ما يتراكم في كبد السلطة وعضلاتها وَعَكَنِ بطنها الذي تفتق شحما ! .
    وهي ، في المقابل ، تمسك حيث تجب النفقة ، فلا تفعل الجلوكاجون الذي يكسر الجلايكوجين المختزن ليعيد الاعتدال لمستوى السكر في الدم ، ولا تفعل الإنسولين الذي يسهل استهلاك السكر فلا تفعله إلا إن كان ذلك يصب في قناتها الخاصة ! ، فصورتها النهائية : سلطة تُعَانِي من السمنة المفرطة وتحتها مجتمع يعاني من الهزال المفرط ، فهما نقيضان في الماهية والوصف .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 19-10-2019 في 08:02 AM

  7. #7
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    والنخب الحاكمة في الأطراف لا تكتسب المشروعية إلا من المركز ، فهي مُنْتَجٌ أجنبي خالص وإن كانت الخامات محلية ، فلا يملك المجتمع الضعيف أدوات الصناعة ، صناعة الأخلاق أو صناعة الأشياء ، فقد اسْتُلِبَ خاصة الاستقلال المادي والمعنوي ، فَقِيَمُ السياسة والحرب تُسْتَنْسَخُ من مدونات المركز ، فالنصوص والاستراتيجيات ووسائل التعليم والتلقين وخطط التدريب وبواعث القرار السياسي والفعل العسكري ، كل أولئك وافد من خارج ، فهو من حضارة أخرى ذات منطلقات تُغَايِرُ منطلقاتِ الذات ، وهو أمر ، لو تدبر الناظر ، يجاوز حد الحلال والحرام ، وإن كان هو الحد الأول في النبوات ، فمن لم يؤمن بها فهو شديد الغيرة على ذاته الحضارية ، فيأنف ويستنكف وإن كان من القبيل الفاجر الملحد ! ، يأنف أن يكون تَابِعًا لغيره على وجه يهدر خصائصه الذاتية ، فَلَا عَاقِلَ حُرًّا ذَا نَفْسٍ شريفة وهمةٍ مَنِيفَةٍ وَإِنْ لَمْ يكن مِنْ أَتْبَاعِ الشريعةِ ، لا عَاقِلَ هَذَا وَصْفُهُ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ تَبَعًا فلا يكون ذلك إلا وهو مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ قَدْ بَغَى الخصم عليه فَغَلَبَهُ وألجأه أن يسلك جادته ، أو فَتَنَهُ بمادته ولا يكون ذلك إلا والخصم غالبٌ ظاهرٌ بما اسْتَجْمَعَ مِنَ الأسبابِ ، فلا يخلو المغلوب من تقصير ، ولكنه ، من وجه آخر ، لا يملك إرادة حرة مستقلة فهي شرط المسئولية والمحاسبة فالعبد إذ يَتْبَعُ سَيِّدَهُ فلا يُسْأَلُ ، في الجملة ، إذ ليس ذا سلطة مستقلة ، والقاعدة ، كما يقول بَعْضُ المحققين ، أن السلطة بالمسئولية ، فمن تَوَلَّى سلطة فهو محل المساءلة والمراجعة بل والزجر والإنكار إن خالف عن الأصول المحكمة أو مدونات القانون الذي تحتكم إليه الجماعة ، سماويا أو أرضيا ، فذلك محل إجماع بين كافة العقلاء ، آمنوا بالنبوات أو كفروا ، فَثَمَّ مظلة عليا هي ما اصطلح في هذا العصر أنها الدستور ، وتحته القانون المفصل ، فالأول قواعد كلية جامعة ، والثاني تفصيل للجزئيات على وجه يوافق الأصول فلا يَسْتَنْبِطُ حكما في الفروع يخالف عن أصل من الأصول فذلك كمثل مَنْ يَسْتَنْبِطُ من القاعدة ما يَنْقُضُهَا ، فَيَسْتَخْرِجُ من جوهر طيب كالعنب آخر خبيثا كالخمر ، ويحتج أن أصله طيب ، فالفرع المستنبَط خبيث ، فلا يصير حلالا طَيِّبًا أَنْ كَانَ أصله كذلك بل قد انْتَقَضَ حكم الأصل بهذا الفرع المستنبط ، فلا يُقَرُّ هَذَا الفرع الخبيث إذ قد خالف عن الأصل الطيب ، فكذلك القانون في مقابل الدستور ، فالدستور في كل أمة هو صاحب العصمة في صناعة الفكرة وَسَنِّ الشرعة ، فكيف يُقَرُّ فَرْعٌ يخالف عنه ، فهو ، بداهة ، مردود ، إذ قد خالف عن الأصول ، وذلك ما يشبه ، من وجه آخر في الأصول ، ما اصطلح أنه القياس فاسد الاعتبار ، فهو ما يُقَابِلُ النصَّ أو الإجماعَ ، كما يُضْرَبُ المثل في الفقه الإسلامي بمسألة مشهورة في كتاب النكاح ، وهي مسألة النكاح بلا ولي ، فَثَمَّ من الفقهاء من أباح للمرأة أن تُنْكَحَ بلا ولي ، إذ قاس ولايتها على نفسها في عقد النكاح على ولايتها على مالها في عقد البيع أو الشراء ....... إلخ ، فذلك ، بادي الرأي ، لا يخلو من نَظَرٍ مُعْتَبَرٍ ، ولكنه يخالف عن نص في الباب وهو الخبر المشهور : "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ" ، فَفَسَدَ القياس إذ فسد اعتباره ، فكذلك الدستور عند كل أمة ، سواء أكان النبوة أم سواها من دساتير الأرض ، فَثَمَّ أصل محكم وهو الدستور ، وثم قانون يَتَفَرَّعُ عَنْهُ ، فلا يخالف فرع عن أصل ، بل لا تَسْتَجِيزُ أمةٌ من الأمم أن تخالف عن قانون محكم قد اسْتَقَرَّ العمل به عندها ، فلا يصح التذرع بمصلحة متوهمة يستجيز بها الناظر المخالفة عن شرعة محكمة ، واضرب له المثل ، أيضا ، بسقطة مشهورة في الأصول لواحد من أساطين الباب أخطأ كما يخطئ البشر ! ، فليس بِرَاجٍ عصمة ، وليس خطؤه حجة على المرجع الأعلى ، مرجع الوحي مقاصدَ وأحكامًا ، فَثَمَّ مَنْ جَوَّزَ أَنَّ رعاية المصلحة الكلية تُجِيزُ ، فِي مواضعَ ، المخالفةَ عَنْ نَصٍّ جُزْئِيٍّ فِي البابِ ، وذلك ما يَفْتَحُ البابَ لِتَعْطِيلِ أَيِّ قانون ، سماويا أو أرضيا ، فضلا أن ذلك ما لا يُتَصَوَّرُ إلا بالقدح في الدستور أو الأصل إذ فَاتَتْهُ هذه المصلحة فَتَفَرَّعَ عنه حكم جزئي يهدر مصالح الخلق فأي نَبْزٍ أعظم من ذلك في حق أي مدونة دستورية أو قانونية ، فضلا عَنِ الشرعة السماوية ، واضرب له المثل بالربا ، فَثَمَّ من يصوغ المعادلة صوغا شرعيا يَعْتَبِرُ المصالحَ ! ، فالنهي عن الربا حكم جزئي يخالف عن مصلحة كلية وهي المصلحىة الاقتصادية إذ النظام الاقتصادي العالمي يقوم على هذه الكبيرة ! ، فاغتفرت لمصلحة التعامل مع العالم ! ، فَهِيَ مِمَّا به حفظ مقصد رئيس من مقاصد التشريع وهو حفظ المال ! مع أن الربا كما أثبت أرباب الاقتصاد المحدث سببٌ في إهدار قيمة المال إذ تحول من مقابل للسلع والخدمات إِلَى سِلْعَةٍ تُبَاعُ بِفَائِضِ ربا يَسْتَقْطِعُ جزءا من نشاط المجتمع النافع بلا عِوَضٍ ، فالربا ، لو تدبر الناظر ، قد تحول من معاملة مالية بين شخصين : حقيقيين أو اعتباريين كالقروض التي تقترضها الدول في هذا العصر من جهات التمويل الدولية فَثَمَّ عَقْدُ ربا بَيْنَ شخصين اعتباريين : الدولة والجهة المانحة ، كما ثَمَّ عَقْدُ ربا بَيْنَ شخصين حقيقيين : زيد وعمرو ، فَتَحَوَّلَ هذا العقد من عقد معاملةٍ إِلَى قِيمَةٍ عظمى مِنْ قِيَمِ المركزِ الحضارية ، فَصَارَ محددا من محددات الثقافة التي يَرَى الناظر الآن غَلَبَتَهَا على ثقافات الأطراف ، فذلك ، أيضا ، من صور الاستعمار الحديث الذي لا يقتصر فقط على صورة الاقتصاد ، وإنما يجاوزه إلى القيمة الفكرية الضرورية التي لا يمكن إهدارها ! فصارت أصلا محكما ! ، وإن خالفت عن أصل النبوة المحكم الذي يحرم الربا تحريم الضرورة والقطع ، فذلك نص قاطع غالب ، فهو المحكم الناجز الذي لا يجوز تأخيره فضلا عن تعطيله واستبدال ضده به ، فَتُسْتَبْدَلُ إباحةُ الربا بتحريمه ! ، فيصير الأصل في المحرَّم المحظور أنه الجائز المشروع ، وذلك لو تدبر الناظر كما لو قال القائل : إن السفاح قد نسخ النكاح ، فَصَارَتِ الرذيلة فضيلة ! ، وهو أمر قَدْ قَطَعَ فيه المركز شوطا كبيرا بذريعة الحفاظ على الحرية الشخصية ولو خالف صاحبها عن الأحكام الأخلاقية والأعراف الاجتماعية ، وما كان ذلك إلا بعد التلاعب في الأصول المحكمة لدستور الأخلاق ، فصارت العفة رجعية تصادر حق الإنسان في الاستمتاع بجسده كيف شاء فذلك جزء رئيس من حريته وإن صَيَّرَهُ عَبْدًا لشهوته وانحط به إلى دَرَكَةٍ دون دَرَكَةِ الحيوان في أحيان ! ، فَثَمَّ من أجناسه مَا يملك زوجا وولدا ، فَثَمَّ مؤسسة أسرية ، ولو بدائية ، وهو ما جاوزه الإنسان الحديث وهو الإله الجديد ! ، فإنه ما استجاز تبديل الأحكام الضرورية : الدينية والأخلاقية إلا وقد طغى بهواه أو ذوقه فاعتقد أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ الغاية العظمى فَلَامَسَ بعقله سقف الأفكار ، فهو المرجع الأعلى الذي لا مرجع فَوْقَهُ فَلَيْسَ ثَمَّ وحي ولا عرش ، فليس إلا العقل الذي صار الإله الحاكم فهو على عرش الفكرة والشرعة جالس ، فَبَلَغَ سِنَّ الرشد إذ نَضجَ واكتمل تكوينه فما حاجته إلى وحي يسوسه ؟! ، فضلا أن يَسُوءَهُ فَيُقَيِّدَ حُرِّيَّتَهُ في الاستمتاع ، ولو شهوة محرمة ، فهو الآن ينسخ مفهوم الأسرة الكلاسيكي ، بل ويعده من الأفكار العتيقة التي لا تلائم الحضارة الجديدة ، فالحضارة الجديدة قد اقترحت بالهوى والذوق وهما العمدة في الأمر والنهي ! ، قد اقترحت حدا آخر للأسرة فَلَيْسَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى أَصْلَهَا ، وإنما التماثل جائز ، بل والانحطاط إلى ما دونه من الأسر المختلطة بين الإنسان وسائر أجناس الحيوان ، فتلك أسرة تدخل في الحد الجديد الذي اقْتَرَحَهُ الدستور والقانون ، إذ قَدَّسَ قيمة الحرية الشخصية تقديسا يحكي رد الفعل كَغَالِبَ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ قِيَمِ المركز فليس إلا ردود أفعال غالية لأفعال جافية في العصور الوسيطة ، فَمِنْ هَيْمَنَةِ الكهنوت إِلَى تأليه العقول ، ومن عِفَّة الرهبان إلى مجون الفساق ، ومنهم رجال الكهنوت فهم أول مَنْ سَنَّ الفواحش في الأديرة حتى صارت مضرب المثل ! ، كما في الكلاسيكيات الأدبية الشرقية والغربية ، فكان ذلك من أمضى أسلحة العلمانية في صراعها مع المرجعية الكنسية ، فقد اجتهدت أن تفضح وقائع الفساد على جميع المستويات : السياسية والمالية والأخلاقية ....... إلخ ، فَكَانَتِ الْحَالُ الْفِكْرِيَّةُ والأخلاقية الرَّاهِنَةُ وَمَا صَدَرَ عَنْهَا مِنَ الدساتير والقوانين الضامنة ، كانت رَدَّ فِعْلٍ لحال شائهة جَفَتْ فِي باب الحقوق والحريات وأعظمت الجنايات في حق الديانات والرسالات إذ جعلتها مُسَوِّغَ ما تُقَارِفُ من الاستبداد والاستعباد للبشر ، فَاسْتَرَقَّتْهُمْ باسم الدين وجعلت خدمةَ رجال الكهنوت رسمَ دخول الملكوت ، فَكَانَ من الْمُسَوَّغِ الجائز أن يجافي الدستور والقانون المحدثَ عن هذا الإفك البائن ، فذلك حق ، وَلَكِنَّ صاحبه جَهِلَ أَوْ علم فَأَبْطَنَ نِيَّةَ السوءِ طَعْنًا في جنس الدين والرسالة ، ولكنه ، أَيًّا كَانَ بَاعِثهُ ، قَدْ جَاوَزَ الحدَّ المشروع ، حدَّ العدل ، وهو ، كما تقدم مرارا ، الوسط بَيْنَ طرفين ، والفضيلة بين رذيلتين ، فَلَمْ يصب العدل وإنما جاوزه إلى الطرف الآخر ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، فَغَلَا في ضِدِّهِ ، وكان الإفراط في تقديس قيمة الحرية الشخصية بَعْدَ قُرُونٍ مِنَ الاستبداد وَالاسْتِرْقَاقِ ، وَهُوَ أمر يَرْصُدُهُ بعض المحققين رصدا لطيفا إذ يُقَارِنُ بَيْنَ شريعة الوحي المنزلِ وشريعة الوضع المحدثِ ، فإن نظريات المركز تَرَاوَحَتْ بين حرية في الغرب الرأسمالي لا قيد لها ولا سقف إلا النظام العام الذي به يَتَقَاسَمُ المجتمع لَذَّاتِهِ فلا أحد ينكر على الآخر ! ، ولو كان يمارس العدوان السافر على القيم الدينية والأخلاقية التي استقرت في وجدان المجتمع فهي المجموع الفكري المتراكم ، فلم يعد دور القانون وقوة الإنفاذ إلا حماية الحرية ولو تضمنت بهذا المفهوم المتطرف العدوانَ على المجتمع كله بالمخالفة عن قيمه الحاكمة ، فإذا نجحت الدعاية السوداء ! في نسخ هذه القيم فصار المجتمع حديقة حيوانات مفتوحة ! ، فتلك جناية أعظم على القيم الإنسانية الحاكمة بما رُكِزَ في النفوس من الفطرة والآداب العامة ، فكان الغلو في الحرية الشخصية في هذه الصورة الغربية الرأسمالية ، فتلك قيمة أخرى حاكمة في حضارة الغالب ، فَثَمَّ معنى يُجَاوِزُ شهوة البدن وَلَذَّاتِهِ ، فلا يقتصر صاحبها على مباشرتها وإنما يضع من الدستور ما يُقَرِّرُهَا فالحرية المطلقة أصل محكم وإن خالف صاحبه عن القيم الرسالية والأخلاقية ، فلا يَرْعَى قيمة دينية أو اجتماعية .
    وكان نَظِيرُهَا في الصورة الشرقية الشيوعية ، فإن الحرية جائزة إلا إن خالف القول عن قول الطبقة الحاكمة وهي الحزب وَلِجَانُهُ التي تَزْدَادُ طغيانا ومركزية في الحكم المطلق كُلَّمَا عَلَتْ رُتْبَتُهَا في التنظيم الشيوعي الهرمي الذي يَنْتَهِي إلى لجنة مركزية عليا يَتَرَأَّسُهَا حاكم لا يخطئ فالحرية في النقد لا تلامس ذاته المقدَّسة فَوْقَ العرشِ ! ، كما أن الحرية في الرسالات لا تجاوز أحكام الشرعة المنزلة ، مع القدر الفارق بَدَاهَةً .
    وَبَيْنَ هاتين النظرتين كان الوحي بمقاله الناصع الذي حسم مادة الفوضى والاستبداد جميعا فلم يكن إطلاقه للحريات فَوْضَى أخلاقية ، ولم يكن تقييده لها قمعا سياسيا ، فذلك أَمْرٌ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى إِذْ تَرَاوَحَتْ فِيهِ النَّظَرِيَّاتُ كما تقدم فلا تجاوز أن تكون فِعْلًا وَرَدَّ فِعْلٍ وكلاهما يخالف عن حكم العدل ، وهو ما ظهرت آثاره في الأحكام السياسية ، فالحرية المطلقة في النِّظَامِ الديمقراطي قد أهدرت قيمة الحاكم بذريعة النقد والمراجعة ، وهو ، أيضا ، رد فعل علماني لحال السياسة في العصر الوسيط إذ اكتسب الملك أو الإمبراطور القداسةَ من رجال الكهنوت فهو اختيار السماء وله الحق الإلهي في الأمر والنهي ، فمن استبداد الفرد إلى استبداد الجمع باسم الشعب ، فَثَمَّ عقل جَمْعِيٌّ يصدر عنه الرأي العام الذي يملك الأهلية المطلقة لِسَنِّ الأحكامِ دُونَ الرجوعِ إِلَى معيار محكم ، فالدستور الأرضي لَيْسَ ذَلِكَ الْمِعْيَارَ ، فهو ، أيضا ، من صناعة العقل الذي تَعْتَرِيهِ العوارضُ والآفاتُ ، فلا يقر بمرجعية تجاوزه من خارج ، وهو ما يفضي إلى اضطراب المرجعيات إذ الأهواء والأذواق تَتَغَايَرُ فَلَا بد من مرجع أعلى يُجَاوِزُهَا جَمِيعًا قَدْ سَلِمَ من آفاتها وَسَلِمَ من التهمة بالانحياز إلى شرعة دون أخرى أَنْ وَافَقَتْ أَهْوَاءَهُ وَلَبَّتْ احتياجاته ، فكان الاستبداد باسم هذا العقل الجمعي ، وهو عَقْلٌ عاطفي يَضَّطرِبُ فلا يثبت على حال إذ تحركه بواعث الهوى والذوق ، فضلا أنه سَهْلُ الاختراقِ بِمَا تُمَارِسُ الدعاية والميديا مِنَ التَّوْكِيدِ وَالتِّكْرَارِ وصناعة الهيبة ، كما يلخصها صاحب "سيكولوجية الجماهير" ، فالجماهير تُخَاطَبُ بالتوكيد وإن دعوى تَفْتَقِرُ إلى دليل ، ويكون التكرار لما لا دليل عليه حتى يستقر في الذهن ويصير أمرا محكما لا اشتباه فيه فهو من المسلمات الضرورية وإن لم يكن ، مَبْدَأَ أَمْرِهِ ، إلا فَرْضًا بلا دليل فإذا سألت من يَنْتَحِلُه وَيُدَافِعُ عنه باستماتةٍ ما دليل صحته ؟! توقف فلم يُجِبْ ! ، فقد نجحت الدعاية أن تُرَسِّخَهُ حَتَّى صار هو الدليل فلا يفتقر إلى دليل من خارج ! ،
    فَيَكُونُ التَّوْكِيدُ وَيَكُونُ التِّكْرَارُ وَيَكُونُ القائدُ ذو الهيبة فهو الذي يقود الجمع ولو إلى حتفه ! ، فيملك من قوة التأثير سواء أكانت هيبته ذاتية أم مكتسبة ، يملك من هذا القوة ما به يسحر الجمهور فهو خلف الزعيم وإن إلى المجهول .
    فَتِلْكَ هي الحالُ التشريعية في الصورة الديمقراطية التي خرجت من رَحِمِ الاستبداد باسم الدين ، فكانت الجناية العظمى على الرسالات أن انْتَسَبَ إِلَيْهَا من انْتَسَبَ من الطواغيت فاستبد باسمها فكان رَدُّ الفعل أن استبدت النخبة باسم الشعب ، فقد نجحت في خداعه بِالتَّوْكِيدِ وَالتِّكْرَارِ وما صنعت من الزَّعَامَاتِ فَصَارَ الشعب يَحْكُمُ بِمَا تريدالنخبة وإن ظن أنه يحكم بما يريد فقد صُودِرَتْ إرادته في المثال الديمقراطي مصادرةً ناعمةً لا يشعر بآلامها إلا من تَيَقَّظَ عَقْلُهُ فَفَطِنَ لهذه الخدعة العظمى ، فَلَمْ يَكُنْ رَدُّ الْفِعْلِ العلماني إلا نَزْعًا للقداسة عن الحاكم ، وذلك حق ، ولكنه جاوز الحد بذريعة النقد والمراجعة ، وذلك أمر يصح ما لم يجاوز حد الأدب فَيَصِيرَ فَوْضَى تَنَالُ من هيبة النظام : النظام الأخلاقي والسياسي العادل لا نظيره الفاجر الظالم ، فذلك ، أيضا ، مما عمت به البلوى إذ اتخذ ذريعة إلى الطغيان بِحُجَّةِ الحفاظِ على النظام العام بَلْ وَكَسَاهُ مَنْ كَسَاهُ من المخذولين لحاء الوحي فَوَضَعَ نصوص الطاعة المحكمة في غَيْرِ مَوْضِعِهَا إذ غَلَا فِيهَا فَأَطْلَقَهَا بلا قيد يَأْمُرُ وَيَنْهَى كما أَمَرَ الرب المعظَّم في محكم آيه المنزَّل أَنْ : (لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ، فكان من صورة الجور والطغيان الذي اكتسى لحاء الدين ما أَفْرَزَ أخرى هي الفوضى التي لا يُقِرُّهَا عقل صريح يَنْصَحُ ، ولو في إطار النظرية الديمقراطية الأرضية ، فلا بد من سقف للنقد ولا بد من حد للحرية في أي نقاش ، فمساحة النقاش تَتَّسِعُ لأصحاب الأهلية حقيقة لا دعوى فهم الإفراز الصحيح الذي يحكي هوية المجتمع ومصالحه العليا فليسوا نخبة تُفْرَضُ من خارج كالنخب العلمانية المعاصرة في الشرق ، سواء أكانت عسكرية وهي محل الشاهد أم سياسية أم فكرية ، فَإِنْ فُرِضَ جدلا أن العلمانية طرح يلائم فهو يلائم البيئة التي نشأ فيها ولا يَلْزَمُ من ذلك أَنَّهُ يلائم البيئة الشرقية التي شهدت تَنَزُّلَ الوحي فهو رائدها في الفكر والحكم والسياسة والحرب ..... إلخ ولا يَعِيبُهُ أَنْ تَقَاعَسَ الشرقُ عن تحمل رسالته الناصحة ، أو انْتَحَلَهُ مَنِ انْتَحَلَهُ مِنِ الطغاة ، فالطب علم يَنْفَعُ وإن أخطأ بعض الأطباء أو أجرم فلا يكون ذلك ذريعة إلى حظر الطب ومنعه ، فكذلك الوحي المنزل ، وله المثل الأعلى ، فهو المرجع المحكم الذي يصدر عنه الشرق وإن أَبَى الغربُ ، فَلَا يضير الوحي ما صنع الطواغيت إذ جعلوه ذريعة المخالفة عَنِ العدل ، وهو الذي جاء به يأمر ، وبطغيانهم يكفر .
    ودائرة النقاش لا بد أن تغلق بعد حصول الإجماع أو الظن الراجح فلا يخلو أَمْرٌ من خلاف لا سيما في باب المصالح العامة التي لا نَصَّ فِيهَا ، فلا بد من اتخاذ القرار وَتَحَمُّلِ تَوَابِعِهِ ، والمثل يضرب بما كان يوم أحد فَقَدْ فَتَحَ القائد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بَابَ النِّقَاشِ فَاسْتَشَارَ أصحابه في أمر تَتَّسِعُ فيه مساحة الشورى في باب السياسة والحرب فَمَالَ الجمعُ الغالب أن يخرج للقاء قريش خارج المدينة فَنَزَلَ صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم على رَأْيِ المجموع الغالب وإن لم يَكُنْ رَأْيَهُ فَكَانَ من أصحاب الرَّأْيِ المخالف أن يكون القتال داخل المدينة فأهلها أعلم بدروبها فَلَهُمُ الأسبقية الميدانية من هذا الوجه ، فلما اسْتَوْفَى النقاش غَايَتَهُ كان إغلاق بابه والمضي في إِنْفَاذِ القرار دون مشاكسة ومزايدة تَغْلِبُ على المعارضة في المثال الديمقراطي الأرضي إذ ثم حظوظ نَفْسَانِيَّةٌ في تحقيق مكاسب سياسية ولو على حساب المصلحة العامة .
    وكذلك الشأن في مثال الصديق أبي بكر ، رضي الله عنه ، يوم الردة فقد كان رأيه واحدا في مقابل جمع ولكنه لم يستخدم صلاحيات الحكم أن يَتَّخِذَ القرار دون أن يُقِيمَ عليه الحجة التي شهد بها النص فكان رجوع القوم إلى رأيه بما أقام من دليل فهو المرجع الأعلى الذي يصدر عنه الجميع صدورَ التجردِ من الأهواء والحظوظ فكان ذلك غَلْقًا لباب النقاش في موضع القرار فاتخاذه إجماعا أو ظنا راجحا يحكي شورى صحيحة لا أخرى صورية في مجالس يختارها المستبد لِيُضْفِي بِهَا شرعية سياسية على أهوائه وحظوظه ، فاتخاذ القرار يوجب الاشتغال بإنفاذه لا الطعن فيه مزايدةً ومناكفةً ، وإن لم يخل الأمر من استدراكٍ حَالَ المخالفة فِي الإنفاذ فكان مِنْ مُعَارَضَةِ جَمْعٍ من الصحابة ما قد صَنَعَ خالد ، رضي الله عنه ، في بَعْضِ المواضع في حرب الرِّدَّةِ مع عظيم بلائه فلم يمنع ذلك الصديق أَنْ يُسَائِلَهُ فَيَنْظُرَ في دعوى من يُعَارِضُه وإن كان من الجند الذي يَقُودُ فهم دونه في الرتبة ولكن دعواهم معتبرة فهي من الأمر والنهي آنف الذكر أَنْ : (لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .
    ودائرة النقاش إذا لم تغلق وصارت الحرية ذريعة إلى فَوْضَى في الرأي ، فذلك ما يُوقِعُ الجمهورَ فِي ضدٍّ آخر فيكون الحكم المستبد : الديكتاتوري أو الشمولي ، يكون هو الحل لقمع هذه الفوضى فالجمهور بِطَبِيعَتِهِ يميل إلى الاستقرار ، وهو ما يُحْسِنُ الطغاة اسْتِثْمَارَهُ فَعَلَى ضد المثال الرأسمالي الديمقراطي كان المثال الشيوعي الشمولي الذي يَتَذَرَّعُ بالاستقرار لِيَحْكُمَ بقبضة الاستبداد ، فالحرية في هذا المثال مطلقة إلا إن خالفت عن رَأْيِ الحاكم ! ، فهو الضامن للاستقرار والأمن وإن باشر الاستبداد والقمع فذلك خير من الفوضى وإن كان هو سببها الأول ! ، إن مباشرا فهو يُحَرِّضُ عليها لِيَطْرَحَ نَفْسَهُ بديلا منها ، أو غير مباشر فالفوضى رَدُّ فِعْلٍ بدهي للاستبداد السياسي ، وكلاهما ، كما تقدم ، قد خالف عن معيار العدل فهو الوسط بَيْنَ طَرَفَيْنِ كِلَاهُمَا يذم ، فالحكم الديمقراطي اللامركزي وإن اقْتَبَسَ من شورى الرسالة شعبة إلا أنه لم يَحُلْ دون وقوع الفوضى بما فَتَحَ من ذرائع النَّقْدِ بلا قيد ، والحكم الديكتاتوري ، وإن نجح في بعض الصور ، كما يلفت بعض المحققين النظر إلى معنى يدق ، فَثَمَّ تجارب اصطلح أنها تجارب "المستبد العادل" وذلك إن لم يكن متصورا بادي الرأي فالاستبداد ظلم مُطْلَقٌ لَا يَصِحُّ في الأذهان إطلاقُ لقب العدل عليه ، إلا أنه قد يوجد في زمنٍ مَا مستبد يحكم حكما مركزيا صالحا لا يخلو من إنجازات اجتماعية ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ فاسدٍ ، أو فساده مما يحتمل ! ، فثم من المصالح الحقيقة المعتبرة ما يرجحه ، واضرب له المثل المعاصر بالرئيس الفنزويلي الراحل هوجو تشافيز فحكمه حكم الديكتاتور وهو مع ذلك قد نجح في اكتساب ثقة الجمهور ، فالنجاح في هذه الصورة لا يرجع إلى طبيعة الحكم وإنما يرجع إلى ثقة الجمهور بشخصه وهو ما يجعل النجاح مرتبطا به فإذا زال شخصه انْتَهَتِ التجربة الناجحة بموته فلم تكن ذات أصول راسخة ، بل احتملت ، ابتداء ، بذرة الفساد ، فالحكم المركزي الذي يَسْتَنِدُ إلى مرجع أرضي محدَث فلا مرجع يجاوزه من أعلى ودائرة نقاشه تَضِيقُ فالصلاحيات تَتَرَكَّزُ في يد زعيم أو حزب يحظى بقداسة سياسية ! ، هذا المثال يَنْجَرِفُ تِلْقَائِيًّا إلى الفساد إذ آليات المساءلة فيه تَضْمُرُ ، فمن ذا يسائل الزعيم المخلِّص ؟! ، فلا تخلو الديمقراطية ، كما يقول بعض المحققين ، لا تخلو من قيمة شورى تعتبر ، ولكن سوء التطبيق فِيهَا يُفْضِي إلى تسلط المحكومين على الحكام إذ مساحة النقد تَتَّسِعُ فيصير الأمر فوضى ، ولا يخلو المثال الديكتاتوري من قيمة السمع والطاعة وهي حتم لازم في نجاح أي منظومة ، ولكن سوء التطبيق فيها يُفْضِي ، في المقابل ، إلى تسلط الحكام على المحكومين ! ، والمثال الرسالي ، لو تدبر الناظر ، هو من يضبط هذه العلاقة بين الحاكم والمحكوم فهي بَيْنَ نصين تدور : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، و : (لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

    وواقع الأمر في الشرق أَنَّ ثَمَّ نواة صلبة للحضارة والهوية لا تمكن السيطرة على المجتمع إلا بتدميرها أو تدجينها أو تشويهها أو استقطابها واحتوائها أو تفريغها من مضمونها أو قِسْمَتِهَا شِيَعًا تَتَصَارَعُ بإذكاء نار الفرقة الأيديولوجية والسياسية ، أو تَسْلِيطِ بَعْضِهَا على بَعْضٍ على وزان الأثر المشهور : "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ الْهَرْجَ . قِيلَ : وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَال : الْكَذِبُ وَالْقَتْلُ . قَالُوا : أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ الْآنَ ؟ قَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ الْكُفَّارَ ، وَلَكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ، حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ ، وَيَقْتُلَ أَخَاهُ ، وَيَقْتُلَ عَمَّهُ ، وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ . قَالُوا : سُبْحَانَ اللَّهِ ! وَمَعَنَا عُقُولُنَا ؟ قالَ : لَا ، إِلَّا أَنَّهُ يَنْزِعُ عُقُولَ أَهْلِ ذَاكَ الزَّمَانِ ، حَتَّى يَحْسَبَ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ" ، فلم يُجَبِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ سَأَلَ رَبَّهُ ، جل وعلا ، ثلاثا : "أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا" ، فَمُنِعَ الثالثة إذ قَضَاءُ الكونِ أَسْبَقُ ، وهو ما تَأَوَّلَهُ الرئيس الأمريكي ترامب ! ، فهو سعيد أن يَرَى الشرق يَقْتُلُ بَعْضُهُ بَعْضًا فكلهم عنده سواء ، وإن كانوا على تَفَاوُتٍ بالنظر في الخصومة الأيديولوجية والسياسية ، فالحكمة تقضي أن يُرَتِّبَ العاقل عداواته ، بل ويستعين بالأخف عداوةً على الأشد حتى ينجز الأمر بأقل قدر من الخسائر وهي السياسة الأمريكية الراهنة بعد الهزائم الكبيرة التي لَقِيَتْهَا القوةُ الأمريكية العسكرية الخشنة في جبهات عدة على وجه تراجع معه زخم الأطروحة الأمريكية الأبرز مطلعَ هذا القرن ، أطروحة "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" للمفكر الأمريكي الياباني الأصل ! "فرانسيس فوكوياما" فقد سَبَقَتْهَا أطروحة "صراع الحضارات" لأستاذه صمويل هانتنجتون ، فكان الصراع محتدما بَيْنَ حضارات استقرأها هانتنجتون ، أيا كان صحة الاستقراء وتمام أجزائه فَقَدْ أصاب إذ جَعَلَ الحضارة الإسلامية خصما أكبر فهو الخصم المباشر للحضارة الغربية بحكم الجوار الجيوسياسي والصراع التاريخي من لدن ظهرَ الإسلام وإلى يوم الناس هذا وإلى ما شاء الله ، جل وعلا ، سنةَ تَدَافُعٍ نافذةً ، فـ : (لَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، فضلا أن الحضارة الإسلامية حضارة رسالية في مقابل بقية الحضارات فأكثرها أرضي وما كان منها ذا أصل سماوي فقد طالته يد التحريف والتأويل حتى خرجت به عن حد الرسالية إلى حد البراجماتية السياسية ، فصارت حضارة أرضية خالصة أو غالبة ، وبقي الإسلام بطرحه الرسالي ومرجعه السماوي وإن كان الآن معطلا مُغَيَّبًا من المشهد إلا أنه لا زال محفوظا ولو في السطور والصدور ، فلا زال هو العائق الأكبر وربما الأوحد أمام الاجتياح الحضاري الغربي لأرض الشرق ، فقد اجتاح الغربُ أرضَ الشرق عسكريا وسياسيا واقتصاديا ..... إلخ إما مباشرة أو عبر وكلائه الوظيفيين كما هي الحال الآن في الحقبة بعد الاستعمارية ، فلا زال الوحي هو العائق وهو ما صرح به بعض الوكلاء الوظيفيين في مصر في لهجة تَقْطُرُ بغضا وحقدا وجهلا ، فَضْلًا أنها تخاطب في الغرب غَرَائِزَ عدة ! : غريزة الخوف من الوحي الكامن فالوكيل الوظيفي على صدره جاثم فَوَحْدَهُ مَنْ يُحْسِنُ ذلك فلا بد أن يَدْعَمَهُ الغربُ وَيُعْطِيَهُ من الصلاحيات السياسية والحقوقية ما به يُطْلِقُ يَدَهُ في مكافحة سرطان الإرهاب والتطرف فلا تَسْتَأْصِلُهُ إِلَّا يد باطشة لا يُشْتَرَطُ فيها أن تكون ماهرة ، فالعلاج الكيميائي الذي يستخدم في حالات الأورام السرطانية علاج غير اختياري أو non_selective ، فلا يحسن يميز الخلية السليمة من نظيرتها المعطوبة ، وإنما يشن الغارة بقوة كيميائية عمياء هدفها الرئيس تَنْظِيفُ أرضِ العمليات من جميع صور الحياة ! ، وهو علاج بدائي أُدْخِلَتْ عليه تعديلات تَجْعَلُهُ مُوَجَّهًا إلى موضع الداء وحده فيما يشبه العمليات النوعية الخاصة لا عمليات القصف العام الذي يدمر كل شيء ! ، والإشكال في الوكلاء الوظيفيين الآن في الشرق أنهم لم يجروا التحديثات اللازمة على أساليبهم الكيميائية القديمة ، فلا زالوا يستخدمون نفس الأساليب القديمة ، أساليب العلاج غير الاختياري الأعمى فهو يلائم طبيعتهم الجاهلة عديمة الكفاءة التي تفضل الحلول الاستئصالية الأسهل بالنظر في مبادئها وإن أفضت إلى ما هو أسوأ بالنظر في عواقبها ، من وجهة نظر الخصم بداهة فهي حكاية لما يدور في رأسه ! .
    فَثَمَّ إثارة لغريزة الخوف في المركز ، ولو في دوائر منخفضة الثقافة يخدعها هذا الخطاب الغرائزي وهو الغالب على جمهور المركز حتى الآن وَإِنْ تَبَجَّحَ أنه مُثَقَّفٌ قارئٌ فَقَدْ يصدق فيه أنه مُتَعَلِّمٌ ماهر فهو كَادِرٌ في اختصاصه ولكنه في الجملة ممن يصدق فيه أنه تقني أو تكنوقراط لا يفقه كثيرا في الشأن العام ، فليس إلا تِرْسًا في آلة لا يفقه أسلوب إدارتها وأغراض صناعتها ، فما أسهل أَنْ يُسْتَفَزَّ بخطاب غرائزي يَتَّسِمُ بالسطحية والسذاجة فهو خطاب بسيط لا عمق له في الفكر ، فَيَتَّسِمُ بالتعميمات مع التوكيد والتكرار واستخدام المؤثرات البصرية والسمعية واصطناع الزعامات السياسية والعسكرية التي تحتمي بها الجماهير من ذلك الوحش الكاسر الذي يجاورها على الشاطئ الآخر ، فطبقة التكنوقراط غَيْرُ الْمُسَيَّسَةِ هِيَ الغالبة فِي أَيِّ مجتمعٍ ، وعامة الشعوب في المركز لا تَقِفُ كثيرا أمام خطاب الوكيل الوظيفي في الشرق ، فهي تصدقه بما يحمل من عبارات مباشرة تخاطب العواطف ، وأبرزها الخوف ، وَتَتَجَاهَلُ العقول وذلك شرط رئيس في خطاب الجماهير غير الواعية وإن كانت جامعية مؤهلَةً ، فليس تَأْهِيلُهَا تَأْهِيلَ الفكرِ بل الميديا في المركز حريصة كل الحرص أن تُجَهِّلَهَا في باب الفكر والسياسة إلا ما يمس حياتها مباشرةً مع ربط ذلك رَبْطًا وَثِيقًا بمنظومة الاستبداد في الأطراف ، فَشَرْطُ ديمومةِ الرفاه والغنى في المركز أَنْ يَبْقَى الوضع على ما هو عليه في الأطراف ، ولا بد مِنْ مُبَرِّرٍ أخلاقي لذلك ، فكان خطاب الوكيل الوظيفي الذي يحذر المركز تَارَةً وَيُهَدِّدُهُ أخرى وإن كان تهديده لا يتوجه بداهة إلى النخب الحاكمة بالفعل في السياسة والحرب والاقتصاد والإعلام فهم أدرى الناس بحقيقة خطابه بل هم من كتبوه ووضعوا خطوطه العريضة المحكمة وإن منحوا الوكيلَ بَعْضَ الهوامش فهي إجرائية لا تخالف عن الأهداف الاستراتيجية التي لأجلها اصطنعوه ، فَتَهْدِيدُهُ يَتَوَجَّهُ إلى الجمهور الساذج وهو ما يُوَاطِئُ أهداف النخبة في المركز فهي قبل حرصها على تَقْيِيدِ الأطراف تَحْرِصُ أَشَدَّ الحرصِ أَنْ تُقَيِّدَ جمهورها وإن بقيود ناعمة تخالف بداهة عن القيود الخشنة في الأطراف ، فلا بد من السيطرة على المجتمع في المركز وهو ما يَتَوَلَّاهُ الجهاز الدعائي والإعلامي إذ يصوغ العقل الجمعي والرأي العام استنادا إلى خطاب الغريزة آنف الذكر فلا يَتَّسِمُ بِقَدْرٍ كاف من الموضوعية يَمْنَحُ الخصم الحضاري في الشرق فُرْصَةَ الدفاعِ عَن نفسه أو عَرْضِ رأيه فضلا أن تكون له المبادرة بحجة رسالية ناصعة فذلك ما يُقَوِّضُ بُنْيَانَ الفكر الغربي المتهافت الذي انْتَقَلَ من خرافة الكهنوت إلى جحود الملكوت ، فمن تطرف في الدين يَزْدَرِي العقل إلى تطرف في اللادين يَزْدَرِي الوحي فلم يحسن يجمع الاثنين : وَحْيًا صحيحا وعقلا صريحا ، فَلَوْ أُعْطِيَتِ الرسالة فسحة أن تحكي حجتها لافتضح المركز وافتضحت نخبه الفكرية والسياسية فَشَرْطُ بَقَائِهَا كشرط بَقَاءِ نخبها التابعة في الشرق : أَنْ يُجَهَّلَ المجتمع وَيُخَوَّفَ بخطاب غريزي سادج يَتَحَكَّمُ في النصوص على طريقة : (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ) ، فَثَمَّ تحكم يضاهيه من قبيل : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) ، دون نظر في سباق أو لحاق ، فكتاب القوم : كتابُ القتل ، وهم وحوش كاسرة تُنَاصِبُ العالمَ كلَّه العداءَ المستحكم كما قال الوكيل الوظيفي آنف الذكر ، فهو يَتَلَقَّفُ بضاعةَ الغرب لِيُسَوِّقَهَا في الشرق ، وذلك خطاب وإن تَوَجَّه إلى الداخل مع ما احتمل من غِلٍّ هائل يحكي تكوينا أيديولوجيا ونفسيا شائها إلا أنه في نفس الآن يصب في قناة المركز ، فمراكز الدعاية ووسائط الإعلام في المركز تَتَلَقَّفُ هذا الخطاب لتروجه في أوساط العامة المثقفة ! ، فَلَيْسَ القوم إلا قتلةً وانظروا في خطاب مَنْ يَرْأَسُهُم ولو كَرْهًا ! ، فهو أدرى بِشِعَابِ قومه ، فلا يصلحهم إلا الاستبداد والقمع وإلا فُتِحَتِ النار على الغرب ، فلا زال الشرق يحمل في جيناته ذكريات الغزو العسكري الذي بسط نفوذه وهدد وجود الغرب لولا انكساره في معارك فاصلة كَبُوَاتِيِيه أو بلاط الشهداء ، فإذا لم يكن ثم وكيل وظيفي صارم فسوف يَعْبُرُ الشرق إلى الشاطئ الآخر بكتاب الإرهاب والتطرف ليقمع المدنية الغربية الزَّاهِيَةَ وَيُرْجِعَ أوروبا إلى العصور المظلمة التي تخلصت منها بعد عناء فَلَيْسَ في ذاكرتها الجمعية إلا صورة المحاكم الكنسية التي تفتش في الضمائر وتقمع أي عقل حر يخالف عن إرادة الإكليروس التي انتحلت زورا منصب الفكر والشرع فهي مَنْ يَضَعُ النظريات ويسن الأحكام انطلاقا من مرجعية أرضية محدثة كسيت زورا لحاء المرجعية السماوية المنزلة ، فتلك صورة تصنعها الميديا في الغرب لتخوف المجتمعات المرفهة من خطر الشرق ، مع تصدير أخرى تحكي الدمار الهائل في الشرق والقتل المتبادل بَيْنَ شِيَعِهِ وأحزابه وهو ما أَثْلَجَ صدرَ الرئيس ترامب ! ، فصورة الشرق المتخلف الجاهل ، الهمجي القاتل ، صورة قياسية في دعاية المركز وإعلامه ، فلا بد من مجموع مركب يَصْنَعُ الفوضى في الشرق ، ومن أبرز أسبابه القمع والاستبداد الذي يحقق الغاية العظمى : غاية الاضطراب المستمر في الشرق ذي المرجعية الرسالية فذلك ما يُنَفِّرُ المجتمع الغربي من هذه المرجعية المتطرفة وإن كان المستبد فِي الشرق يمارس القمع ضِدَّهَا فلا يفقه المجتمع الغربي هذه التفصيلات المعقدة فلا تَفْقَهُهَا إلا النخبة الفكرية والسياسية التي صنعت هذا المشهد ، فَلَيْسَ الوكيلُ الوظيفي في الأطراف إلا أداة من جملة أدوات تصنع هذا المشهد فَهُوَ يُضْعِفُ الشرق أكثرَ وَيُسَهِّلُ استباحتَه وَنَقْلَ ثرواته إلى الغرب الذي احتكر التقنية الحديثة وَحَرَمَ مِنْهَا الأطراف فكان الوكيل الوظيفي أيضا هو الأداة التي حالت بين الشرق وبين التقنية الحديثة إلا هوامش يُفْرِجُ عنها المركز لضمان بقاء الشرق فلا يفنى فلا بد من حد أدنى من الحياة بالقدر الذي يضمن تدفق الثروات من الشرق المتخلف إلى الغرب المتقدم ، ولا بد أن يحافظ الوكيل الوظيفي على هذه المتراجحة الجائرة : غرب متقدم وشرق متخلف ، والوكيل الوظيفي ، مع ذلك ، يَتَوَلَّى حرب الهوية والفكر بالنيابة ويحافظ على معادلة أخرى : معادلة الفوضى تحت السيطرة ، فلا ينهض الشرق ولا يفنى في ذات الوقت ، فوظيفته في الوجود أن يَبْقَى على قيد الحياة لِيُمِدَّ الغرب بأسباب البقاء ، مع توفير الدعاية اللازمة التي تضمن للنخبة في الغرب السيطرةَ على المجتمع بإخافته دوما بوحوش همجية قد تهجم فجأة فَتُدَمِّرُ الحضارة على الشاطئ الآخر ، وقد تهاجر آحادا وجماعات فَتُهِدِّدُ النقاءَ العرقي والأيديولوجي في المركز ، فذلك ما يمنح المجتمع الغربي ذريعةً أخلاقية يُسَكِّنُ بِهَا مَا بَقِيَ من آثار الفطرة والضمير ، فالاستبداد والقتل في الشرق ضرورة للحفاظ على حضارة الغرب فلا يُصْلِحُ أولئك الهمج إلا وكيلٌ وظيفي صارم ، فذلك ما يجعل المجتمع الغربي يَقْبَلُ بهذا الوضع البائس في الشرق وإن كان لا يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ ، فلا يرى المجتمع في الشرق ندا له أو نظيرا في الحقوق الإنسانية ، وإن زعم أن أصول نظريته الحديثة في الفكر والسياسة هي : الحرية والإخاء والمساواة ، فَقَبْلَهَا بقرون جاء الوحي بنظرية : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" ، فليس ثم أخوة أيديولوجية بَيْنَ المواطن الصالح في المركز ونظيره الفاسد في الأطراف ! ، بل وليس ثم أخوة إنسانية ، فهنا إنسان وهناك آخر ولكلٍّ ما يصلحه من السياسات وأساليب الإدارة والحكم فذلك خطاب وظيفي آخر يَتَوَجَّهُ به الوكيل في الأطراف لِيُبَرِّرَ القمعَ والاستبداد فهو أعلم بِشِعَابِ بلده ، فيعلم ما يُصْلِحُهَا فلا يتألم ضمير المجتمع في المركز فما نصنع والقوم يَقْتُلُ بعضهم بعضا فَلَسْنَا أَرْفَقَ بهم من أنفسهم ، بل ذلك القتل هدف رئيس من أهداف النخبة الحاكمة في الغرب فهو ، كما تقدم ، يضمن حال الاضطراب تحت السيطرة والتحكم وهي حال قياسية في إضعاف أي مجتمع واستنزاف ثرواته ، وَتَنْفِيرِ كُلِّ من يتعاطف معه ولو انطلاقا من قيم إنسانية مجردة فضلا أن يكون مستند التعاطف فكريا يَنْظُرُ نَظَرَ الإنصاف والتجرد في مرجعيات هذا الشرق المتخلف ! ، فمن نظر بإنصاف علم أن هذا الشرق متخلفٌ لنكوصه عن أصول حضارته لا أنه يستمسك بها ، فليست مادة الإرهاب والتطرف كما يزعم الوكلاء الوظيفيون في الشرق ، فالإشكال في حكوماتهم الوظيفية التابعة التي تقمع هوية المجتمع وتروم فرض قيم الخصم عليه فرضا فذلك سبب رئيس في عدم الاستقرار في الشرق ، فأي أمة ذات مرجعية سماوية أو أرضية لا تستقر قدمها وترسخ على أرض صلبة إلا أن تستمد بواعثها الحضارية من مصادرها الأصلية ، وذلك محل إجماع ، صَحَّ مرجعها أو فسد ، إلا أن تقرر طوعا أن تعيد النظر في مراجعها نقدا وتنقيحا لا أن يفرض ذلك عليها فرضا ، فيكون السيف على عنقها وهي تباشر عملية التجديد لخطابها الفكري والسياسي ! ، كما هي الحال الآن في الشرق ، فَثَمَّ إكراه علماني ملجئ ، كما يقول بعض الباحثين ، فالعلمانية لا يمكن لها أن تحكم في الشرق إلا كَرْهًا ، فلئن حكمت اختيارا في الغرب فذلك إفراز تَرَاكَمَ عبر عصور من استبداد الكهنوت باسم الدين ، فكان رد الفعل انفجارا هائلا لم يتحر العدل في خصومته مع الكهنوت فَجَعَلَهَا مع الدين كله ، فكان التطرف في الجهة المقابلة ، وتلك طبيعة ردود الأفعال في الأفكار والأشياء فذلك قانون يطرد في الفيزياء والفكر ، فَمِنْ فِعْلٍ غالٍ في طرف إلى رد فعلٍ غال في الطرف الآخر فَمِنْ غُلُوٍّ في الدين إلى غلو في اللادين ، فلا يُحْكَمُ الشرقُ أبدا انْطِلَاقًا من هذه القاعدة الفكرية ، ولو صحيحة ! ، فإنه لم يَمُرَّ بِنَفْسِ التجربة فَلَمْ يُوَاطِئِ الغرب في المقدمات ليوافقه في النتائج فيكون الحل في إشكاله الراهن هو الحل الذي سلكه المركز ، فالمقدمات غير متماثلة فلا تكون النتائج متماثلة ، وذلك قانون يطرد في كلام النظار ، فالشرق شرق والغرب غرب فَلَا يَلْتَقِيَانِ أبدا في منطلقات الحضارة وإن جمعتهما بحكم الانتماء لنفس النوع ! النوع الإنساني ، وإن جمعتهما قيم إنسانية مطلقة ليست محل خلاف بين كافة العقلاء ، فلا تصح المساومة فيها بادعاء الفرق بين حقوق الفرد في الشرق وحقوق نظيره في الغرب استنادا إلى نظرية أخرى من نظريات الحكم الوظيفي في مصر ، نظرية "لَنَا إِنْسَانِيَّتُنَا ولكم إِنْسَانِيَّتُكُم" على وزان : (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) ، فلا تخلو من تأصيل شرعي محكم ! ، فلا يمكن للشرق أن يستقر ما لم يَتَصَالَحْ مع مرجعيته الرسالية تصالحا رسميا يجاوز حد التصالح الاجتماعي ، فلا بد أن تتصالح النخبة الفكرية والسياسية مع المجتمع ولا يكون ذلك بداهة إلا أَنْ تخرج من رَحِمِهِ ، فَتُمَثِّلَهُ حقيقة لا دعوى كما هي الحال الآن في النخب الوظيفية التي تحكم جَبْرًا ، فهي تحفظ الاستقرار المؤقت بما تمارس من قمع للأديان والأبدان ولكنها ، بداهة ، لا تحقق الاستقرار على المدى المتوسط أو البعيد إذ تجافي عن هوية المجتمع فأسباب الاضطراب حاضرة وإن كانت في أحيان كامنة إما خوفا من قبضة بطش لا يمكن أن تحكم السيطرة أبدا ، أو بما تمارس بعض الأنظمة الوظيفية من مداراة للمجتمع وإن شئت الدقة فَقُلْ تقية فكرية وسياسية فتظهر بعض صور التدين والورع البارد فلا تغامر بالصدام المباشر مع منظومة الأفكار والقيم خلافا لأخرى تَتَّسِمُ بالتهور والنَّزَقِ مع جهل مطبق واستبداد مطلق يَتَّسِمُ بالأحادية الفكرية الحادة فلا هو يصلح في ديانة ولا في سياسة ولو براجماتية تحسن التعاطي مع التوازنات الفكرية والاجتماعية ، لا سيما إن كان المركز هو الآخر يشهد نَزَقًا في الفكر والسياسة فهو ما يَنْعَكِسُ على وكلائه في الأطراف ، وهو ما تقدمت الإشارة إليه في أطروحة "صراع الحضارات" فهي نظرية كاشفة لا مؤسسة ، لم تجازف مجازفة الأطروحة اللاحقة : أطروحة "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" ، فَقَدِ استعجلت الثمرة لا سيما مع دخول العالم مطلع هذا القرن حقبة القطب الأوحد فقد انهار القطب الشيوعي في الشرق ، وشن المركز حربه الجديدة ضد العدو الجديد القديم ! ، فكانت الحرب على الإسلام عامة والسنة خاصة بوصفها النواة الصلبة للحضارة في الشرق ، وهي حرب دشنها الجمهوريون كالعادة ! فهم أمراء الحرب في المركز الأنجلوساكسوني البروتستانتي الأبيض الذي لا يخفي تحالفه مع نخبة يهودية في إطار الأيديولوجيا الصهيونية الجامعة فتلك في الجملة عقيدة المركز العسكرية التي شن بها الحرب على الإسلام مطلع هذا القرن ، وكانت نشوة الانتصار السريع في الجولة الأولى لا سيما في بلاد الأفغان والعراق ، كان ذلك مما حفز فوكوياما أن يستعجل الثمرة فيعلن انتهاء التاريخ وتوقف الأيديولوجيا فقد بلغت السقف فلا إصدار يجاوز الإصدار الأخير : إصدار الحضارة الغربية في نسختها الجمهورية ، وهو ما تراجع عنه بعد ذلك إذ بدأت القوة الأمريكية في الانحسار بعد أن بلغت السقف ، سقف : (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، وذلك ثابت رئيس من ثوابت العمران في الأرض إن لم يكن ذا باعث رسالي في الفكر ، فَثَمَّ ، كما يقول بعض الفضلاء ، ثابت العلو في الأرض : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا) ، فَأَمَرَ الْوَزِيرَ أن : (ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ) ، وثابت العبث فلا غاية مع كثرة المال والسبب فإن لم يرزق صاحبه دينا وعقلا فليس إلا تشييد الآيات عبثا : (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ) ، وثابت الخلد فهو يطلبه ولو انقلب ضدا فلا يخلد ذكره إلا بالذم والسب وإن داهنه أهل زمانه بالإطراء والمدح ، فذلك ثابت : (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) ، وكل أولئك ثوابت رَئِيسَةٌ في أي فكرة أرضية محدثة ، فاللذة غاية والقوة وسيلة ، وليس بعدها إلا الانحدار ولو تدريجا فتلك سنة ربانية محكمة ، فـ : "إِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ" ، فكان انحسار القوة الأمريكية في جبهات الصراع في الشرق على ما اكتنفها من اختراقات أيديولوجية وأخرى ميدانية فالمشهد أشد تعقيدا مما قَدْ يَتَصَوَّرُ الناظر بادي الرأي ، فالنظرة السطحية الساذجة تَتَّسِمُ ، كما تقدم ، بإطلاق الأحكام العامة إما تأييدا أو معارضة ، دون النظر في تفصيلات المشهد وروافده في الفكر أو السياسة أو الحرب ، وكان عدول المركز عن نظرية الحرب المباشرة إلى أخرى بالوكلاء ، ولعل بلاد الشام الآن هي أصدق مثال ، وهي نواة رئيسة من أنوية الحضارة في الشرق ، مع ما تَتَّسِمُ به من فسيفساء إثنية عرقية وأخرى دينية وثالثة مذهبية تَتَّسِمُ بالطائفية التي صارت ثابتا رئيسا من ثوابت الحكم في بعض أقطارها حتى انتهت بها الحال إلى مُحَاصَصَةٍ تُوهِمُ ، بادي الرأي ، أن الهوية قد انشطرت فلم تعد هوية المجتمع هي الوحي الذي دخل هذه الأمصار مبكرا فهي أولى محطات الفتح بعد ذيوع الرسالة في أرجاء الجزيرة ، فالشام والعراق يُتَاخِمَانِ الجزيرة وأي ناظر في الخريطة يدرك يَقِينًا أن ثم وحدة جيوسياسية بين العراق والشام ومصر والحجاز ، فتلك هي نواة الحضارة الصلبة في الشرق ، لا جرم كان العمل الدءوب على التفتيت والتدمير ، وهو ما استغرق سنوات من الاستنزاف ، كما كانت الحال في العراق التي اسْتُنْزِفَتْ فِي حرب ضروس مع الجارة إيران على قاعدة إثنية عرقية وأخرى طائفية ، ولعب النظام الدولي ونظيره الإقليمي دورا كبيرا في إذكاء هذا الصراع ، فالنظام الدولي أدار الملف طبقا لأطروحة هنري كيسنجر : "الصراعات منخفضة الحدة" ، وإن ارْتَفَعَتْ حدتها في التفاصيل اليومية لحربٍ اسْتَغْرَقَتْ ثماني سنوات قُتِلَ فيها مئات الآلاف وشهدت من الوقائع ما شهدت إلا أنها كانت منخفضة الحدة من جهة اقْتِصَارِهَا على بؤرة جغرافية محدودة فَلَمْ تَتَّسِعْ دائرتها لتشمل الإقليم مع ما كان من تحالفات لم تخل هي الأخرى من النفس الطائفي المذهبي وإن كانت في حقيقتها ذات أبعاد سياسية براجماتية ، فدعمت سوريا تحت الحكم النصيري الطائفي ، دعمت طهران وظاهر الأمر أنه تَقَارُبٌ مذهبي وحقيقته أنه تَخَالُفٌ سياسي بين بغداد ودمشق في إطار الصراع المحتدم آنذاك بين البعث العراقي ونظيره السوري أيهما يحمل لواء الفكرة القومية ولو من باب المزايدة السياسية ، والعرب السنة أو هكذا يُفْتَرَضُ فتلك قسمة ديموجرافية ، أَيْ : سكانية ، أكثر منها أيديولوجية ! ، العرب السنة ، في المقابل ، دَعَمُوا العراق في صراعه مع ثورة مذهبية تَبَنَّتْ خيار تصدير الثورة إلى الجوار المباشر في العراق ، والجوار الإقليمي حتى تخوم المتوسط غربا ، وتخوم بَابِ المندب جنوبا مع استهداف الحجاز بوصفه قبلة الدين والسياسة فمن حازه فهو صاحب الريادة التي تطلعت إليها الثورة الإيرانية مبكرا ، فانتحلت لقب الإسلامية وداهنت الحركات الإسلامية المقاومة السياسية والقتالية لا سيما والأنظمة الحاكمة في الإقليم قد تَبَنَّتِ الخيار العلماني الوظيفي التابع للنظام الدولي فذلك ما أعطى الثورة درجة امْتَازَتْ بِهَا ، فسارعت باحتضان الحركات المقاومة ، ولو تأييدا سياسيا دعائيا ، مع الاستثمار في القضية المركزية المعاصرة ، قضية البيت المقدس ، مع أن أدبيات المذهب لا تقيم له كَبِيرَ وَزْنٍ ، ولكن مركزية القضية استوجبت الاستثمار فيها ، ولو دعاية ، فضلا عما كان بعد ذلك من دعم بعض حركات المقاومة المسلحة في أكناف بيت المقدس وهو ما أفضى ، ولو على المدى الطويل ، إلى اختراق هذه الحركات إما الاختراق السياسي الذي يحولها ولو جزئيا إلى ذراع وظيفية تابعة لثورة فارس الشيعية ، أو الاختراق الأيديولوجي وهو الأشد خطرا إذ كان التَّغَزُّلُ فِي مرشد الثورة وقياداتها ، وهو ما سهل تَسَلُّلَ أفكار المذهب إلى البيئة السنية المتاخمة للبيت المقدس ، مع أن العراق من جانب آخر كانت محطة دعم رئيسة لحركات المقاومة في الأرض المحتلة ، فلا شك أن طهران قد أحسنت الاستثمار في هذه القضية ، وهو ما يندرج في خطة متدرجة تسعى طهران من خلالها أن تَنْتَزِعَ الزعامة الإسلامية الروحية من العرب السنة ، وما يتبع ذلك من الزعامة السياسية ذات العنوان الواحد ، كما قال بول بريمر لما سُئِلَ عن سبب تفضيله التَّعَاطِي مع الشيعة بعد الغزو في 2003 ، فأجاب إجابة موجزة تحكي طَرَفًا رئيسا من أطراف الحقيقة الأيديولوجية والسياسية في هذه البؤرة المشتعلة : they have one address ، هم يملكون عنوانا واحدا هو عنوان المرجعية الأيديولوجية فإذا أَبْرَمَ الاحتلال معها اتفاقا فهو واجب النفاذ في هَرَمِ الطائفة من القمة إلى القاعدة جريا على نظرية الهرم الاجتماعي ، فهو في المذهب الشيعي المعاصر أشد إحكاما إذ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ المرجعِ وَقَطَعَ على أتباع المذهب طريق النظر وإن كانوا له أهلا ، فَلَا بد من وصاية فكرية تُمَارِسُهَا المرجعية وَبِهَا تضمن السيطرة على الطائفة ، عَبْرَ هرم وظيفي يشبه ، من وجه ، الهرم الكهنوتي في العصر الوسيط ، ولا شك أن وحدة المرجع لا سيما في الأصول والمبادئ أمر يحمد ، فلكلِّ أمةٍ من المراجع والمصادر الأصلية ما يصوغ الهوية الفكرية والسياسة ، وهو ما اصطلح بعض النظار أن يطلق عليه لقب "العرق التاريخي" ، فهو عرق يجاوز العرق الإثني المتداول في علم الاجتماع ، فَثَمَّ عرق يمتزج فيه الفكر بالحس ، فهو مجموع متراكم لقيم ومبادئ تشكل الهوية الثقافية لأي أمة ، فوحدته وتماسكه أمر يحمد ، لا سيما إن كان يأرز إلى مرجع محكم ، ولكن ذلك ، في المقابل ، لا يَسْتَلْزِمُ الغلو في التقليد على وجه يُعَطِّلُ ملكات النظر والنقد التي رَكَزَهَا الله ، جل وعلا ، في العقل الصريح ، فلا بد من مرجع محكم قد صَحَّ نَقْلُهُ ولا بد من فقه محكم قد صَرُحَ عَقْلُه ، فنقل صحيح وعقل صريح وقصد رشيد مبدأَ الطلبِ فهو يروم الحق بدليله فتلك ضالته التي يَنْشُدُ فإذا وجدها سلك جادتها في العلم والعمل واستمسك بها واستعصم ، ولم يكن للطائفة الشيعية من هذا المعنى إلا وحدة ظاهرية تقوم على التقليد المذموم الذي يُعَطِّلُ ملكات النفوس في البحث والنظر ، فهي تكرس التبعية المطلقة للسلطة الدينية التي تحولت إلى سلطة ثيوقراطية تحكم باسم الله ولا تحكم بِوَحْيِهِ ، فَثَمَّ هيئة دينية ذات بناء هرمي تَرَاتُبِيٍّ تحكم السيطرة على أتباع المذهب ، فهي تمارس الاستبداد باسم الدين والمذهب ، ولا تروم هداية الخلق حقا إلا أن يواطئ الحق ما تهوى أو يهادنه فلا يهدد مكتسباتها الأدبية والمادية ، فحظوظ الآيات والمراجع المعنوية والمادية حظوظ كبيرة تجعل هذا المنصب مغنما يمنح صاحبه صلاحيات واسعة وحياة هَانِئَةً ، فليست الوحدة الظاهرية في هذا المثال تجزئ إلا في تحقيق مآرب سياسية براجماتية كالتي أرادها بول بريمر ، فالشيعة يملكون عنوانا دينيا وسياسيا واحدا ففتوى المرجع ألا يُقَاوَمَ الاحتلال على سبيل المثال ، فتوى واجبة النفاذ تحمل أتباع الطائفة من الجند النظامي أو الشعبي أن يُلْقِيَ سلاحه وإلا خالف عن حكم المرجع فذلك ما يؤذن بالفتنة أو العذاب الأليم فالمرجع قد صار مصدر فَتْوَى جاوزت الحد فهي شَرْعٌ مُلْزِمٌ ، وهي فرض العين على كُلِّ مُقَلِّدٍ ، فَثَمَّ فَرْضٌ أول أَنْ يُقَلِّدَ التَّابِعُ مَرْجِعًا ، وهو ما أُشْرِبَ معنى العصمة وإن لم يصرح التابع أو المتبوع ، بل ثم تصريح ضمني بعصمة المرجع الديني الأعلى الذي يَتَوَلَّى منصب الإرشاد ، فهو نائب عن ولي العصر ، فالولي الفقيه النابه نائب عن الإمام المعصوم الغائب ، وذلك ما يكسبه وصفه ، ولو ضِمْنًا ، فنائب صاحب العصمة يحظى بداهة بِقِسْطٍ منها يجعل تقليده واجبا بل فرضا ناجزا ، فلا يقتصر على الجواز المجرد في حق من لا يملك أهلية النظر والاجتهاد ، ولا شك أن هذا العنوان السياسي الواحد قد حقق للثورة مكاسب كبيرة على الأرض ، فقد نجحت الثورة الإيرانية أن تعيد إنتاج الهوية المركبة من العرق والمذهب ، مع إقامة كيان سياسي محكم يعبر عن هذه الهوية ، فلم يخرج القوم عن نظرية "العرق التاريخي" ، المجموع المتراكم من القيم والمبادئ الذي يحول الجمهور إلى شعب ، كما يحكي بعض الباحثين في علم الاجتماع ، فالجمهور الذي يَتَّسِمُ بالعشوائية والاضطراب يخوض مراحل من الاندماج والانصهار في بوتقة الفكرة الجامعة ، أو المثل الأعلى ، كما اصطلح بعض الباحثين ، فلكلِّ أمةٍ مَثَلٌ أعلى ، وذلك ما يحفظ الخصوصية الذاتية ، بغض النظر عن صحة هذا المثل أو فساده ، فمحل الشاهد هو التَّبَايُنُ التَّامُّ بين الأعراق التاريخية ، فلكلِّ أمةٍ عرق تاريخي ، فالشرق له عرق تاريخي مثله الأعلى هو الإسلام كما قال لورانس العرب ، ضابط الاستخبارات البريطاني وهو يتوجه إلى الصحراء العربية فكان السؤال الذي شغله وهو يخوض هذه المغامرة : هل يمكن للعرب أن يَتَخَلَّوا عن الإسلام مثلهم الأعلى الذي شيدوا حضارتهم على قواعده وأحكامه ويستبدلوا الفكرة القومية العربية به كهوية جديدة أو عرق تاريخي جديد يَنْسَخُ مَا تَقَدَّمَ ، ولئن نجح لورانس في ذلك فهو نجاح جزئي سارع من وَتِيرَتِهِ ما كان الشرق يشكو منه ولا زال مِنْ انهيار يحكي سُنَّةً أخرى في قيام الحضارات وانهيارها ، فَقَدْ بَلَغَ الشرقُ الغايةَ الحضاريةَ العظمى في عصوره المزدهرة ، وَكَانَ حَقًّا أَنْ يَبْدَأَ في الانحدار ، كما تقدم من صحيح الآثار : "إِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ" ، فالشرق الآن في مرحلة تَرَاجُعٍ ، وهو ، مع ذلك ، لا زال يملك مادة العرق التاريخي الذي يعيد به البناء الحضاري ، فَإِرْثُ الوحي المحكم محفوظ وتلك عِدَةُ المعبودِ جل وعلا : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، لا جرم كان استهدافه المباشر في هذه الآونة إن من المركز وهو العقل المدبر ، أو من وكلائه الوظيفيين فهم أدوات التنفيذ المباشر مع ما احتملوا في صدورهم من غل هائل يجاوز في أحيان كثيرة الغل الذي احتمله المركز للوحي المنزل ، فثم وكلاء وظيفيون قد صاروا ملكيين أكثر من الملك أو مركزيين أكثر من المركز في مزايدة سياسية رخيصة لا تخلو من تكلف يستنكفه كل حر ولو كان خصما للوحي ، فالمزايدة خلق مذموم واضرب له المثل بمن يُبَالِغُ في المدح حتى يخرج إلى الإغراق والغلو ، فالممدوح نَفْسُهُ يَتَحَرَّجُ من هذا التكلف ، فالناظر الآن في خطاب الوكلاء الوظيفيين في الشرق يجد من التهم المكِيلَةِ للوحي ما لم يجرؤ المركز على كيله ، فهو أشد توقيرا للوحي من أولئك الذين يَنْتَسِبُونَ إليه جسدا بلا روح ، عِرْقَ حسٍ بلا معنى ، فليسوا من حملة العرق التاريخي لحضارة الشرق وإن كانوا من أبنائه بُنُوَّةَ النشأةِ لا بُنَوَّةَ الفكرةِ ، وهو محل الشاهد في هذا الباب ، فَلَئِنْ سُلِّمَ أن عِرْقَ التاريخ الذي تأرز إليه الحضارة الغربية ، وأن نظيره الذي يأرز إليه مشروع سياسي كالمشروع الفارسي المذهبي ، وَأَنَّ ثَالِثَهُمَا الَّذِي تأرز إليه الحضارة الصينية ...... إلخ ، فَلَئِنْ سلم بصحتها جميعا في نفس الأمر ، فهي قواعد قامت عليها حضارات وأطروحات تلائم البيئة التي نشأت فيها ، فلا يمكن فرضها على الشرق المسلم كَرْهًا كما يرى النَّاظِرُ الآن من مشاريع الْعَلْمَنَةِ الإجبارية التي تروم سلخ المجتمعات من هَوِيَّتِهَا بِمَشَاهِدَ فجة تخاطب غَرَائِزَ الحس بذريعة الانفتاح المفاجئ الذي يفتقر إلى الحكمة ولو في إفساد المجتمع ! ، فلا يمكن حمله على نمط آخر يخالف عن عرقه التاريخي ، لا يمكن ذلك دفعةً وإن آتى بعض أكله جريا على نظرية الصدمة التي تختزل المراحل ، فهي ، من وجه آخر ، تذكي في المجتمع روح المقاومة لهذا الصائل الأهوج على هوية الوحي المنزل ، وفي ظل هذه الفوضى التي غاب فيها صوت العقل فضلا عن صوت الوحي ! ، تَنْشَأُ رُدُودُ الأفعال الحادة ، فإن المبالغة في إكراه الناس على ما يخالف قِيَمَهُمْ قد يحملهم على الغلو في الطرف الآخر ، فَيَنْصَدِعُ بُنْيَانُ المجتمع إذ يصير على فريقين يَتَنَاجَزَانِ قد قَصَدَ كلاهما طَرَفًا ، وخالف الاثْنَانِ مَعًا عن جادة الوسط المحكم ، وذلك قانون يطرد في جميع المسائل الدينية والأخلاقية والسياسية ، وهو قانون يستغرق الفيزياء كما الطبائع والأخلاق ، فلكلِّ فعلٍ رَدُّ فِعْلٍ يساويه في المقدار ويضاده في الاتجاه ، فلا يجد الناظر المنصف في حال الشرق الآن ، لا يجد الحل إلا أن يُرَاجِعَ الشرق مصدر حضارته التي شكلت عرقه التاريخي الجامع فشعوب المنطقة قد انصهرت في بوتقة الوحي فَأَفْرَزَتْ هذه الحضارة المتراكمة التي لا يمكن تجاوزها بضربة سياسية أو اجتماعية مفاجئة ، وإذا كان الغرب يُنَاجِزُ خصومه فَهُوَ يَتَأَذَّى من أي تدخل في أنماطه الأخلاقية والاجتماعية ، فَيَرَى قطعة من القماس تغطي الرأس ، يَرَاهَا خطرا يهدد الهوية العلمانية المستقرة التي بذلت أوروبا في سبيلها الدم والمال والجهد حتى استقرت وصارت هي العرق التاريخي الذي يشكل هوية المجتمع ، فَلْيَتْرُكِ الشرقَ ، ولو من باب الإلزام فذلك من المحال إذ التدافع بين الحضارات سنة ربانية جارية ، فَلْيَتْرُكِ الشرق يستقل بِعِرْقِهِ التاريخي ويقيم حضارته ويناجز عنها ، فعلام يستنكر مدافعة الشرق عن هويته ضد أي نمط وافد ولو في تفاصيل الحياة ، فأوروبا تصنع ذلك وأكثر فهي حريصة كل الحرص على نقاء الهوية العلمانية من أي شائبة دينية ، فلا تَتَسَامَحُ مَعَ أي خطر يهدد قيمها السياسية والاجتماعية ، فليكن الحكم واحدا فلا يكون ذلك حلالا للغرب حراما على الشرق ، فضلا أن يجاوز الغرب الحد فَيَرُومَ فَرْضَ قِيَمِهِ على الشرق كَرْهًا استنادا إلى قوة الغالب ، وهو ، مع ذلك ، ينكر على الإسلام تاريخَه الفاتح ، فإذا كان الغزو حراما مطلقا ! ، فَلْيَكُنْ حراما على الاثنين ، الشرق والغرب ، فكما يستنكر الغرب تاريخ الإسلام السياسي والعسكري وَيَرَاهُ تدخلا سافرا في شئون الآخرين ، فَلْيَكُفَّ ، ولو من باب الإلزام ، عن التدخل في شئون الشرق الخاصة ، فلا يفرض عليه ما يخالف عن قيمه وأخلاقه .
    وقد كان الغرب زَمَنَ الفتحِ الأول يحتل الشرق : الشام ومصر والساحل الإفريقي وكان يفرض مذهبه الملكاني بحد السيف وكان منه التدخل السافر في أدق تفاصيل الحياة ، وهو في العصر الحاضر قد شن غارته الفكرية والسياسية والعسكرية واصطنع من المجموعات الوظيفية ما يناجز به الشرق في أخص أوصافه ، وصف الرسالة ، فالإلزام يستوجب فض الاشتباك بين القبيلين ، فالشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا أبدا لا في فكر ولا شرع ولا سياسة ولا حرب ، فإذا التزم الغرب مبادئ الحيادية والحرية وِفْقَ ما يعتقد ، فَلْيَدَعِ الشرق وما يعتقد ! ، فَلَا يَفْرِضْ عليه قِيَمَهُ العلمانية كَرْهًا ، مع أنه لا يُكْرِهُهُ إلا على أسوإ ما فيها ، فلا يكرهه ، بداهة ، على الحرية السياسية ، وإنما يكرهه على الحرية الدينية والأخلاقية المنفلتة ، فلا يكون دفاعه إلا عن حقوق الشرق في الإلحاد والانحلال ! ، ولا يكون الانفتاح ، كما يَرَى الناظر الآن في بعض أمصار الشرق ، لا يكون إلا انفتاح الترفيه والرقص ! ، وكل أولئك من باب الإلزام لا أكثر ، وإلا فالمدافعة قَدَرٌ كَوْنِيٌّ نافذ ، وهو سنة ربانية جارية فلا يوجد اثْنَانِ في الكون يَتَخَالَفَانِ وهما مع ذلك يَتَجَاوَرَانِ إلا وهما يَتَدَافَعَانِ غَالِبًا أو يَتَهَادَنَانِ نادرًا ، وكلٌّ يَزْعُمُ أنه على الحق وَأَنَّ مخالفَه على الباطل ، فلا يحسم النِّزَاعَ بَيْنَهُمَا إلا مرجع يجاوز من خارجهما ، فلا بد من معيار محكم يُقَاسُ به الاثنان فلكلٍّ حجج في الفكر والنظر ، ولكلٍّ مسلك في السياسة والحرب ، ولكلٍّ تاريخ يشهد أي الفريقين أحق بالأمن ، فـ : (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، وإذا كان التَّدَافُعُ قَدَرًا نافذا فَلْيَتَحَرَّ المتدافعان العدلَ وإن تَبَاغَضَا وليقوما بالحق وليشهدا بالقسط ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) .

    والله أعلى وأعلم .


  8. #8
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    والقوة العسكرية الحديثة ذات البناء الهرمي ، محل الشاهد ، هي ، لو تدبر الناظر ، ماكينة إنتاج السياسة في مصر من 200 سنة أو يزيد ، من لدن محمد علي باشا : أول اختراق نوعي لهوية الشرق المسلم ، وإن شئت الدقة فقل أول مظهر من مظاهر هذا الاختراق ، فهو اختراق ناعم متدرج لم يكن ، بداهةً ، دفعةً ، وإنما يمكن التأريخ له ، أيضا ، بِتَوْصِيَاتِ لويس التاسع بعد فشل الحملة الصليبية السابعة 647هـ ، فهي لحظة الانكسار العسكري المتسرِّعِ الذي يُوَاجِهُ أُمَّةً لا زالت تحتفظ بحد أدنى من الهوية المتماسكة مع ما ذاع في هذه الحقبة من فوضى فكرية بلغت الذروة إبان سقوط البيت المقدس 492هـ إذ كانت المذاهب الباطنية ذائعة الصيت في مصر والشام ، فكانت لها الدولة في مصر وأجزاء من الشام ، مع ما كانت تشكوه آنذاك من ضعف سياسي لا سيما بعد انقسام المرجعية الأيديولوجية السياسية بعد وفاة المستنصر الفاطمي 487هـ ، فكان الانقسام المذهبي السياسي على ما اطرد في كل مقال محدث فإنه لا يَنْفَكُّ يَنْشَطِرُ على أنحاء فالنواة تصير على أنوية ولا تَزَالُ الانقسامات تَتْرَى تصديقَ قولِ الرب الأعلى عز وجل : (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، فأغرى ، جل وعلا ، العداوة والبغضاء بين من نسي حظا من الوحي ، وتنكير اللفظ "حظا" في سياق الإثبات مئنة من الإطلاق ، كما يقول أهل الأصول والبلاغة ، فَيَصْدُقُ فِي أَقَلِّ حظٍّ ، ولو في فرع من الفروع على وجه يطرد وينعكس ، فكلما نسي الجمع حظا من الوحي ظهر ما يعدله من العداوة والبغضاء في الفكرة وهو ما يظهر تأويله في الحركة ، ومنها حركة السياسة والحرب ، فهي التأويل المباشر لانشطار المرجعيات الفكرية ، إذ مبدأ الحركةِ فكرةٌ ، وهو ما فطن له لويس التاسع ، فالقوم مع ما أصاب فكرتهم من النقص والانحراف إلا أنهم لا زالوا على الأصل المحكم ، وإن ضَيَّعُوا ما ضَيَّعُوا من الفروع ، مع ما حدث فيهم من مقالات صدعت المرجعية الواحدة ، فأصحابها ممن يصدق فيهم أنهم : (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ، فكان من التفريق ، ولو تدبر الناظر لفظه لوجد فيه التضعيف : تَضْعِيفَ عين الفعل وهو الراء في "فرَّق" وهو مئنة من المبالغة إذ زيادة المبنى بالحرف المضعَّف تحكي زيادة تضاهيها فِي المعنى ، فَالتَّفْرِيقُ أشد من الْفَرْقِ ، فهو دليل الإمعان والتمكن من الفعل فمن قَطَعَ الشيء فَقَدْ يقطعه بلا نكاية تُؤَثِّرُ في المقطوع وقد يَقْطَعُهُ مرةً لا ثاني لها ، وأما من قَطَّعَ الشيء فإنه ينكي فيه ويؤثر، فيكون تَقْطِيعُهُ أَشَدَّ أَثَرًا من القطع المجرد ، فضلا عن دلالة التكثير فالتفريق يكون على أنحاء كثيرة ، فقد انشعب المقال الواحد على أنحاء وذلك تصديق الخبر الصادق : "أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ" ، وإن لم يخل ذلك ، من وجه آخر ، من استدراك ، فإن هذا الانقسام مع ما أحدثه من نَقْصٍ في الدين وفساد في المرجعية الفكرية والسياسية فرعا عما تقدم من إغراء العداوة والبغضاء ، فإن هذا الانقسام لم يكن حال الجمهرة العظمى في بلاد الشرق ، فكان جمهورهم على ما أصابهم من فتور وتقاعس لاسيما بعد ذيوع الإرجاء والتصوف المتأخر الذي غلا في الرياضة والزهد فصار طاقةَ سَلْبٍ تقعد الناس عن الأخذ بالأسباب الدينية والدنيوية وتلجئهم إلى التقليد المذموم فلا تجديد يأرز إلى أصول محكمة ولا أخذ بالأسباب طلبا للقوة والسيادة ، في مقابل ما كان من الخصم الذي اجتهد في استقراء السنن الكونية وتوظيفها في تحقيق الرفاه في العيش ، والمكنة في السياسة والحرب ، فلم يكن ثَمَّ تصور يجاوز هذه الدار استنادا إلى ثورة العقل العلماني على الكهنوت الديني فكان ثورة باطل على مثله ! ، فلم تخل من طفرة تقنية في مقابل ما أصاب البلاد الشرقية من الخمول والكسل ، وليس ثَمَّ بَيْنَ الله ، جل وعلا ، وبين عباده نسب إلا الطاعة والأخذ بالسبب ، والشرق آنذاك قد أصابه الفتور في الدين والدنيا فذاع الفهم الخاطئ لتعاليم الوحي النازل ، وكان الغلو في الزهد والرياضة مع انفصام تَزَايَدَ بين الوحي والسياسة ، لا سيما في الأعصار المتأخرة فالدولة العثمانية من لدن نشأتها كانت على منهاج التصوف ولم يخل أمرها من غلو ، ولكن فتوتها في السياسة والحرب مطلعَ ظهورها قد حجب هذا النقص في الأيديولوجيا والفكر حتى بلغت الدولة ذروتها بعد فتح القسطنطينية وما تلاه من أعصار النظم الإدارية والعسكرية المحكمة زمن السلطان سليمان القانوني وبعد اكتمال القمر بَدْرًا يكون النقص وهو ما أظهر مكامن الضعف في الأيديولوجية الصوفية التي انْتَحَلَتْهَا الدولة وأعطت لشيوخها من التصدر والرياسة ما بَلَغَ في أحيان حد القداسة في غلو مذموم صرف الناس عن الدين الحق ، فاشتغل المجتمع بطقوس جُرِّدَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ مَضَامِينِهَا الرسالية فضلا عما أُحْدِثَ من الطقوس الصوفية ، فانصرف المجتمع عن دوره الفاعل في الشأن العام ، فقد صار ذلك حكرا على الباب العالي والصدر الأعظم وقادة الإنكشارية ..... إلخ ، مع ما احتدم من صراع على السلطة ضعف فيه دور الدين وإن لم يبلغ حد الإقصاء التام مع ما كان بعد ذلك من خيانةِ الفكرة وَالتَّبَعِيَّةِ الوظيفية لأخرى وافدة ، فلم يكن ذلك إلا أواخر الدولة وقد آتى الانحراف الأيديولوجي والسياسي أُكُلَهُ ، فكان نسيان حظ من الوحي لَا يَزَالُ يَتَعَاظَمُ مع فتنة بما وَفَدَ من القيم والأفكار من بلادٍ كانت بالأمس مغلوبة فأخذت بالأسباب فصارت غالبة لم تَزَلْ في صعود سياسي وعسكري مع طفرات تِقَنِيَّةٍ في مقابل خمول الشرق الذي أورث السلطةَ فِيهِ تَرَهُّلًا وانحرافا عن الطريقة الرسالية المحكمة ، فقد تَسَلَّلَتِ العلمانية إلى المجتمع قبل أن تظهر كاصطلاح محدث ، إذ كان انصراف المجتمع عن الشأن العام وقصر التدين على دائرة الاعتقادات والنسك مع ما طَالَهَا من محدثاتِ القول والعمل ، فاشتغل الناس بالرياضة والتصوف مع ما ذاع من الإرجاء ومقال الكلام المحدث في الإلهيات على وجه جاوز تقريرات المتقدمين من أئمة المتكلمين الذين يَنْتَسِبُ إليهم أئمة ذلك العصر إلا آحادا مقموعين قد تحملوا من مقال السنة ما درس فالناس قد درجوا على خلافه فصارت المحدثة سنة ، والسنة محدثة غريبة وأهلها مثلها فهم الغرباء في أعصار الانحسار والضعف ، فلا يكون ضعف في السياسة والحرب إلا وقد تَقَدَّمَهُ مِثْلُهُ في الفكر والشرع ، وذلك ، كما يقول بعض المحققين ، وصف الشرق أبدا ، فإن ظهوره وعلو شأنه يقترن دوما بسلوك الجادة الرسالية فإن عدل عنها كان الانحراف الفكري الذي يفرز الضعف السياسي والعسكري ، وهو ما لحق الدولة العثمانية أواخر أيامها ، وإن كان الجمهور الأعظم على المقالة الأولى ، وإن أصولا ، فلا يزال أهل السنة وهم نواة الإسلام الصلبة ، لا يزالون أبدا الجمهرة العظمى ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، سر استهدافهم الآن بالتقتيل والتهجير فضلا عن استهداف أديانهم بذريعة التجديد وأخلاقهم بذريعة التحديث والتمدين ، فلا زالوا هم الجمهرة العظمى على ما نسوا من حظ بل وحظوظ ولكنها لم تبلغ أبدا ، ما نسيت الفرق المحدثة فنسيانها أعظم لا جرم كان افتراقها أعظم ، كما تقدم من نسيان الباطنية الإسماعيلية حظا من الدين عظيما بَلَغَ حَدَّ المروق من أصل الديانة بما كان من غلوهم في التعطيل في الإلهيات والنبوات ، فلم يَزَلْ مَقَالُهُمْ فِي تَفَرُّقٍ ، فكان انقسامهم بعد وفاة الخليفة المستنصر ، فصاروا على نِزَارِيَّةٍ تُعَارِضُ ، نسبة إلى نِزَار الابن الأكبر للخليفة المستنصر وهو الأولى بالولاية طبقا لقاعدة المذهب ، ومستعليةٍ تحكم ، نسبة إلى المستعلي وهو الأصغر الذي قدمه الوزير القوي الأفضل بن بدر الجمالي لِتَسْهُلَ سيطرته عليه بعد صيرورة الأمر إلى الوزير وانتقال الخلافة الفاطمية من عصر الخلفاء إلى عصر الوزراء ، وبينهما ، أي النِّزَارِيَّةُ والمستعلية ، ومن بعدهما الحافظية وَالطَّيِّبِيَّةُ وهما مما تَفَرَّعَ عن المستنعلية ! ، بَيْنَهُمَا من الخصومة ما يعظم وإن كان مقالهم واحدا فليس أصلا محكما ليسلم من المتشابهات التي لم تَزَلْ تَتْرَى واحدة بعد أخرى ، فاجتمعت في النِّزَارِيَّةِ الباطنية السوأتانِ ، فحشفا وسوء كلية ، فانحراف في السلوك بما يَتَعَاطَى القوم من مخدر محسوس وما يُقَارِفُونَ بعده من الفجور ، وانقسام في الأيديولوجيا والمرجعية الفكرية مع فسادها الذي بَلَغَ حد الإلحاد ! ، فَلَيْتَهُمْ كانوا فيه على كلمة سواء ! ، وليس ذلك بممكن ، فإن طبيعة الانقسام في الفكرة إن حادت عن الجادة المحكمة أنه انقسام سَرَطَانِيٌّ مُتَسَارِعٌ ، فتَنْشَعِبَ بها السبل ، وذلك ما حذر منه الوحي فَنَهَى عن اتباع السبل المحدثة التي تخالف عن صراط الرسالة المنزلة ، فـ : (أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، فذلك انقسام بدهي وانشطار تِلْقَائِيٌّ لا يَفْتَقِرُ إلى مُحَفِّزٍ ، إذ ليس ثم أصل محكم يأرز إليه المنقسِمون إذا انقسموا ، بل حالهم حال الفرح المذموم ، فـ : (تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ، والتَّقَطُّعُ ، كما تقدم من التَّفَرُّقِ ، فَفِيهِ أيضا من تضعيف عين الفعل "قطَّع" ما يدل على زيادة في المعنى فهو مئنة من استحكام الفعل وتكراره فكان التَّقَطُّعُ على أنحاء كثيرة مع اختلاف الطريقة ، فكان الانقسام في المرجعية الفكرية ، وهو ما أورث الحزبين الجديدين : المستعلية والنزارية عداوة وبغضاء تعظم ، فكان انحياز أحدهما إلى فارس شرقا فأنشأ دولة تشبه أن تكون مثال مبكرا للكيان الوظيفي فقد احترفت الاغتيال السياسي بلا بُعْدٍ أيديولوجي فمن استأجرَها استعملَهَا في اغتيال خصومه نظير ما يَبْذُلُ من أجرة ، مع احتفاظها بقدر من الأيديولوجيا يكسوها لحاء أخلاقيا في سياق التبريرِ لما تقارف من جرائم ، والتجنيدِ لمن تدرب من صنائع احترفت القتل فهي تدين بالولاء المطلق للزعيم الملهم ، الحسن الصباح ، الذي صار إلها يُسْأَلُ لذة الجنان التي اصطنعها تحت تأثير المخدر الذي يحدث النشوة في نفوس الشبيبة الطالبة للذة ، فهم جمهور الدولة الوليدة ، فلا بد من السيطرة عليهم سيطرة تامة : سيطرة العقل بما يروج فيهم من مخدرات سواء أكانت محسوسة أم معقولة ، فكان من مخدر الحشيش ما اشتهر في دولتهم حتى اشتق لهم منه لقب مشهور في تاريخ الشرق المسطور ، لقب الحشاشين ، وكان من مخدر المعنى مخدر الزعامة السياسية الأسطورية فَثَمَّ واحد لا شريك له ، فلا غيره يُدْخِلُ الشبابَ الجنة التي يَنْعَمُونَ فِيهَا بِلَذَائِذِ الحس ، وإن كان فُجْرًا وَعُهْرًا ، فحاجتهم إلى المخدر تَتَعَاظَمُ حتى تَبْلُغَ حَدَّ الإدمان فلا يطيقون الإقلاع عنه ، وهو ما يجعلهم يلتصقون أكثر بالمرجعية التي تمنحهم هذه الامتيازات الجسدية ، فكان ما اشتهر من غلوهم في الحسن الصباح فهو أصل الفكرة وصاحب الجنة ! ، فلا يَنْفَكُّ ذلك يقترن بصورة فاسدة مَنْشَؤُهَا الغلو والتعصب في الزعيم الخارق ، فَلَهُ ، كما يقول بعض من صنف في سلوك الجماهير ، له أوصاف قياسية في كل دولة ، فهو خارق للعادة ، قوي يخاف الأتباع بطشه وإن لم يكن إلا العنف الذي يحجب هشاشة الفكرة حِينًا فلا تنفك تظهر بعد زوال الهيبة وارتخاء القبضة ، وهو حكيم لا يُنَاقَشُ ، فَثَمَّ خضوع أعمى لأوامره فمن ذا يجرؤ على الاستدراك أو المراجعة فلا يصنع ذلك إلا مَنْ نَقَصَ ولاؤه فدينه ناقص بل وباطل في أحيان ! ، فهو الخائن لمرجع القيم والأفكار ، فلا يصح الولاء المطلق لصاحب الفكرة أو الدولة إلا أن يَتَجَرَّدَ الناس ، أفرادا وجماعات ، من خاصة العقل الذي يميز ، فَيَتَخَلَّوا طَوْعًا عن مناط التفضيل ! ، تفضيل بني آدم على سائر الأنواع ، فقد طابت نفوسهم أن يصيروا قَطِيعًا يُسَاقُ ولو إلى الذبح فالجميع وراء صاحب الأمر والنهي ، فكان الحسن الصباح يأمر الجند أن يَنْحَرُوا أنفسهم في حضرته ، فمنهم من يطعن نفسه ومنهم من يَتَرَدَّى من شاهق ، فلا يطيق أحد المخالفة عن أمر الزعيم الخالد ، فثم رغبة عارمة في تحمل دينه الجديد ونشره في العالمين طوعا أو كرها ! ، وثم مسارعة في نبز كل من يخالف أنه خائن للفكرة والدولة والشرعة ..... إلخ ، فتلك ، كما يقول المصنف آنف الذكر ، تلك صفات الألوهية التي تخلع على الإله سواء أكان صنما محسوسا في الخارج أم كان بطلا أو زعيما يحسن يستثير في الناس غرائزهم ، ترغيبا أو ترهيبا ، فيفسد أديانهم وأخلاقهم وَيُقَطِّعٌ أرحامهم إذ جاء بما يفرق بين المرء وزوجه من سحر الدعاية والإعلام وما يَعِدُ به الناس من اللذات والمباهج ، فلا يمكنه السيطرة على الجمهور إلا أن يصطنع فكرة ترغب أو أخرى ترهب ، فثم عدو يَتَرَبَّصُ وهو بداهةً ! كُلُّ من يخالف عن حكومته ، فَصَفُّ الجمعِ في مدافعته واجبُ الوقت وإن صَفَّ الجمعِ قَطِيعًا لا يَفْقَهُ ، فَيُجْزِئُ في الفقه أَنْ نَابَ عنه الزعيم في الفكر فهو الفقيه المجتهد في الدين والسياسة والحرب ..... إلخ ، فجاز لأهل التقليد أن يعطلوا عقولهم ويطيعوه ولو أضلهم فحالهم يوم الحشر حال مَنْ يَدْعُو : (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) ، وإن كانوا أهلا للاجتهاد والنظر ، فتقليدهم في هذه الحال يذم ، فلا يقلد إلا العاجز عن التدبر ، بل المقلد إذا أخلص القصد في طلب الحق فَلَجَأَ إلى الدعاء وَأَلَحَّ في السؤال أَنِ : "اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" ، فإذا كانت تلك حاله فَمَا ظَنُّهُ بِرَبِّ العالمين ، جل وعلا ، وَقَدْ رَكَنَ إليه ، وإنما حُجِبَ وَأُبْعِدَ أن كان ثَمَّ حظُّ نَفْسٍ يَعْظُمُ أو يَصْغُرُ مع كِبْرٍ يأبى صاحبه الإقرار بالخطإ ، وفجورٍ في الخصومة يُفْسِدُ الرأيَ والود وَيُصَيِّرُ الجمعَ على أشتاتٍ بما أغري فيه من الخصومات والعداوات ، فتلك خاصة المجتمع الجاهل الذي فَسَدَ تَصَوُّرُهُ بالمخدر ، فكان من مخدر المعنى صورةُ إلهٍ يُعْبَدُ تَصْنَعُهَا دعاية لا تَرْعَوِي ، فَلَهُ في كل بلد هيكل ، وله في كل ميدان تمثالٌ يُذَكِّرُ الناسَ بألوهيته ، فتلك رسالة سياسة لا تخلو من تكليف ديانة ! ، فصاحب التمثال هو المرجع إذ هو الحاكم الحكم المطلق فاستبداده قد جاوز حد القمع للأبدان فهو الصانع للقيم والأفكار وهو المجدد للمذاهب والأحكام ...... إلخ ، ولعل ذلك ما يدل على إحكام النهي عن اتخاذ الصور والتماثيل ، فإن من نظر بادي الرأي فَقَصَرَ الأمر على سد الذريعة أَنْ تُعْبَدَ العبادةَ الصريحة فقد صار ذلك الآن نادرا بل ومحالا في ظل سيادة الحضارة والتمدن فلم يدرك من العبادة إلا ما صرح من ركوع وسجود ..... إلخ ، فلا يخلو رأيه من سذاجة وقلة فقه ، وهو ، لو تدبر الناظر ، من آثار الإرجاء المحدث الذي مهد للعلمانية المعاصرة أَنْ قَصَرَ الإيمان على الاعتقاد والقول فأخرج العمل من مسمى الإيمان ، فذلك من جنس ما صنعت العلمانية المعاصرة إذ أخرجت الحياة من مسمى الدين في صورتها الكلية ، كما اشتهر من تقرير بعض المحققين إذ جعل العلمانية على ضربين : كلية وجزئية ، فأخرجت الحياة كلها من مُسَمَّى في صورتها الكلية ، وأخرجت السياسة والحرب والاقتصاد وسائر الشئون العامة من مسمى الدين في صورتها الجزئية التي لا تمانع في ممارسة الشعائر التعبدية بل وتجعل احترامها وتوقيرها حتما لازما فَتُوَفِّرُ لَهَا الغطاء الأخلاقي والقانوني وتحميها بقوة نافذة ، ولكنها ، بداهة ، لا تجاوز بالدين هذا السقف ، فلا دور له في سياسة أو حرب إذ لا يُغْرِي في العادة إلا العداوة والبغضاء ! ، وإن نطق الوحي أن نسيان الحظ منه هو الذي يغري العداوة والبغضاء في الجمع ، وهو ما يزيد إن زَادَ الحظ الْمَنْسِيُّ ، حتى يَبْلُغَ حَدَّ النقض الكلي لأصول الدين المحكمة ، كما تقدم من حال المقالات الحادثة في الديانة الخاتمة ، فكلما كان الافتراق في أصل من الأصول فضلا أن يكون في أصل الأصول ، أصل التوحيد الذي أجمعت عليه النبوات ، كلما كان الافتراق في ذلك كانت العداوة والبغضاء أعظم ، وهو ما يجاوز الأديان إلى الأبدان فيكون الاقتتال الذي يفسد الحال والمآل وبه انهيار الدول والممالك ، فلا يحفظ بَيْضَتَهَا ، لو تدبر الناظر وأنصف ، إلا منهاج الوحي المنزل الذي يزعم خصومه في الشرق والغرب جميعا ! ، أنه سبب الشر في هذا العالم ، وهو الكلمة السواء التي بها زوال الخصومات في الفكر والسياسة ، إذ تُرَدُّ العقول الناقصة بما يَطْرَأُ من آفات وما يكون من حظوظ وأهواء باعثها الحاجات الجبلية ، تُرَدُّ جميعا إلى الطريقة الرسالية المحكمة ، فلا يحسم الخصومة بَيْنَ الأهواء والحظوظ إلا كِتَابٌ من السماء يحكم فيما اختلفت فيه من خصومات الأرض فَلَوْ رُدَّتْ إلى العقل فلكلٍّ ، كما يقول بعض المحققين ، لكلٍّ عقلٌ ولكل ذوقٌ فلا تَزَالُ الخصومة في استحكام ولا تَزَالُ المذاهب في الفكر والسياسة .. إلخ لا تَزَالُ في انشعاب ، فذلك تأويل في الواقع لَمَا تَقَدَّمَ من حديث الافتراق الطارئ : "أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ" ، فالأصل واحد ، وإنما أحدث من أحدث ما به انشطر المرجع الأول ، مرجع التوحيد إذ : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، فكانوا على التوحيد ثم كان من الاختلاف ما لأجله أُرْسِلَتِ الرسل وَأُنْزِلَتِ الكتب ، فـ : (بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ، فَنَزَلَ الكتاب يجدد ما اندثر من آثار التوحيد ويسن من العدل ما به إحكام التشريع فلا يكون ذلك إلا إذا كان المرجع واحدا محكما قد سلم من آفات النقص وحظ النفس فلا يكون بداهة إذا كان المرجع صاحبَ التمثال والصورة التي تُذَكِّرُ النَّاسَ أبدا بحكومته الجاثمة على الصدور ، القاهرةِ للعقول بما تُرَوِّجُ من فكرة باطلة ، القامعةِ للنفوس بما تَسُنُّ وَتُنْفِذُ من حكومة جائرة ، فذلك فساد الأولى والآخرة ، وإن زعم صاحبه أنه مجدد أديان أَوْ رائد عمران ، أو كلاهما معا ، فلا دِينًا يُعَظِّمُ ولا عمرانا يُشَيِّدُ ، فليس إلا الخراب المستعجَل ! ، وليس إلا الانقسام والتشرذم وفساد ذات البين يما يُغْرَى من عداوة وبغضاء وما يُعَطَّلُ من الوحي فَيَنْسَى الناس منه حظا بما أحدثوا من الباطل فلا يُرْفَعُ حَقٌّ وإلا قد أُحْدِثَ ما يَعْدِلُهُ من باطل ، وليس يملك صاحبه من أدوات الحكم إلا ما امتلك الحسن الصباح قبله ! ، فثم آلة دعاية وإعلام تفسد الفكرة بما تحدث من النحلة ، فتلك الشبهة التي يُعَارِضُ بها محكمات الوحي والعقل ، وثم شهوة يُخَاطِبُ بها غَرِيزَةَ الحسِّ فإذا حضرت سكرتها غابت فكرتها ، فهو يمنح أتباعه من لذة الجاه والرياسة والثروة ولذة الجسد ما يحكم ولاؤهم فقد صار دِينَهُمْ ، صرحوا أو لم يصرحوا ، فمركز العطاء والمنع ربوبيةَ تَدْبِيرٍ ، ومركز الأمر والنهي ألوهيةَ تَشْرِيعٍ ، كل أولئك قد صار للحسن الصباح ومن بعده ! ، فلا يَزَالُ إسناد الطغيان يَتَّصِلُ في كل عصر ، فلا يخلو من مُبَارِزٍ لله ، جل وعلا ، وَمُنَازِعٍ في أخص أوصافه ربوبيةً وألوهيةً ، فلا جديد في الطاغوتية سواء أكانت دينية أم علمانية ، كما يضرب بعض المصنفين المثل بزعامة نابليون في فرنسا العلمانية إذ مارس من الهيمنة الفكرية والسياسية ما كان يمارسه البابا في الكاثوليكية ، فمع الاختلاف بل والتناقض بَيْنَ الكاثوليكية والعلمانية إلا أن الاثنين قد أجمعا على قدر مشترك من الطغيان في شخص الزعيم سواء أكان دينيا أم سياسيا ، فكلاهما قد ناجز الرسالة وبارزها بالعداوة إذ هي ما يحول دون انقسام الفكرة على أنحاء لا تخلو من الحظوظ والأهواء ، فَتُغْرِي ما تُغْرِي من العداوة والبغضاء فلا يحسم مادتها إلا الوحي الذي جاء بالكتاب الهادي فهو الجامع على كلمة سواء ، وَأَرْدَفَهُ في الذكر بالحديد الناصر الذي يعضد الوحي فَبِهِ إقامة القسط ولأجله نَزَلَ الميزان في الأرض وَوُضِعَ ، فهو آلة العدل في القسمة ، إذ يَسُنُّ من الأحكام ما به حفظ الملكيات وصيانة الحقوق العامة والخاصة وتوزيع الثروات وَفُرَصِ العيش والعمل ، فلا يكون ذلك إلا وَثَمَّ كتاب محكم قد تجرد من الهوى والحظ المحدَث فلا غاية له إلا جَمْعُ النَّاسِ على كلمة سواء بها يقام الدين ويقام العدل وبها يكون الاجتماع فلا يَتَفَرَّقُ الناس شِيَعًا وأحزابا تَتَنَاحَرُ إذ نَسِيَ كُلٌّ مَا نَسِيَ مِنَ الذكر ، فكان الانقسام في مرجع الفكر فهو أول الحرب والقتل ، فلا يَنْفَكُّ يُفْضِي إلى انقسام في المرجعية السياسية وهو ما صنع البيئة الاستراتيجية لأي غزو عسكري وافد ، فَثَمَّ انقسام في الفكرة على أنحاء ، وثم اقتتال في كل جبهة ، وثم كيانات سياسية تترى قد مزقت الجسد السياسي الواحد فصيرته على أبضاع متنافرة ، فلا كتاب يجمعها ولا حديد يمنعها فصارت نهبا لخصومها ، ولا يكون ذلك ، كَمَا تَقَدَّمَ ، إلا والانحراف فِي الأفكار والطغيان فِي الأحكام هو الرَّائِدَ ، فلا ينفك يكذب أهله فَلَيْسَ رائد صدق وعدل يَرُومُ لقومه الخير ، فلا يروم إلا الشر والعلو في الأرض بغير الحق وهو ما به يُسَلَّطُ الخصوم ، كما تقدم من حال الشرق عَشِيَّةَ الحملات الصليبية في العصر الوسيط فكان على أبضاع متناحرة وإن داخل الحزب الواحد ، فَثَمَّ حكومة بغداد الباهتة فليس لها من الخلافة إلا اسم روحي مجرد من الفعل السياسي والعسكري ، وثم دور متأخر من أدوار الملك السلجوقي الذي وَقَى بَغْدَادَ شرور الباطنية وأعاد لها بعضا من هيبتها السياسية وإن استبد بالأمر فلم تخل حاله من مآثر كملاذكرد 463هـ التي صد بها عدوان الروم الشرقيين ، ولكن الحال قد تَبَدَّلَ بعد رحيل الجيل الأول ، وتلك ، كما تقدم مرارا من كلام ابن خلدون ، سنة جارية في جميع الدهور ، فالملك في أوله غَضٌّ وفي أوسطه صلبٌ وفي آخره هَشٌّ وإن بقيت صورته في الخارج لا سيما إن كان من الجنس الباطش ، فذلك ما يعجل بسقوطه لو تدبر أصحابه ، فالبطش قد يقمع حينا ولكنه لا يصمد طويلا إذ يصيب المجتمع في مَقْتَلٍ ، وهو الحامل والحامي لهذا الملك ، فإن ضعف وفسدت أخلاقه وطبائعه بما يمارس الملك من استبداد يظن أن به الاستقرار ، فلا يزيد المجتمع إلا حقدا يستبطنه فإذا آنس من الملك رخاوة ناجزه بلا هوادة فكان ذهابه بما ظن أن به بقاءه وذلك ، لو تدبر الناظر ، من مكر الله ، جل وعلا ، بالطاغوت الباطش ، فرحيل الجيل الأول ، كما تقدم ، قد آذن بانقسام الملك السلجوقي إذ ورثه من لم يجهد في حيازته فكان الاقتتال بين أبناء البيت الواحد فانقسم الملك إلى أملاك متنافرة .
    وفي الغرب كانت حكومة القاهرة الفاطمية التي جمعت السوأتين : فساد الفكرة في العقد والشرع ، وفساد الرأي في السياسة والحرب وهما مَا يَتَلَازَمَانِ أبدا ، إذ الحكم فَرْعٌ عن التصور ، فإذا فسد التصور فسد الحكم ، فكان من انقسام المذهب ما تَقَدَّمَ ، فالمستعلية والنزارية يَتَنَاجَزَانِ ، ومصر والشام في أسوإ الأحوال ، فكل أولئك ما يَسَّرَ عدوان الغرب الكاثوليكي في العصر الوسيط ، وهو ما يؤيد فكرة لويس التاسع ، إذ سرعان ما استجمع الشرق قوته في الفكر والسياسة فكانت مشاريع الإصلاح الفكري والسياسي ، كما كانت الحال في العصر الزنكي والأيوبي ، وهو ما جمع الناس على كلمة سواء في الفكر والسياسة والحرب وإن لم تخل الحال من نقص يجبره إحكام الأصل وحسن القصد في جمع الناس على الحق ومناجزة الصائل على الدين والأرض ، ومن بعدها كان التداول بَيْنَ الشرق وحملات الصليب في عهد الأيوبيين والمماليك ، حتى فطن لويس التاسع أن الشرق لا يناجز بآلة الحرب قبل أن تُعْطَبَ فيه آلة الفكر ، فلا بد من غزو عَقْلِهِ قَبْلَ أرضه ، وتلك فكرة جعلها بعض الباحثين نَوَاةَ الاستشراق المعاصر كحركة سياسية استخباراتية ظاهرها أنها حركة بحثية علمية ، فكان الاستشراق غزوَ أفكارٍ ، والتبشير غزوَ أديانٍ ، والاستعمار غَزْوَ أمصارٍ بَعْدَهُمَا فمحله الآخر لا الأول بعد تمهيد الأرض بَيْنَ يديه ، وزاد من زاد من الباحثين المعاصرين التجارة غزوَ اقتصادٍ لا سيما بعد ازدهار طرح العولمة المجاوز للحدود بما استحدث من الكيانات الاقتصادية الكبرى ذات الجنسيات المتعددة .
    ومع ما كان من انهيار الشرق في حملات الصليب الأولى وبعدها حملة التتار إلا أن المجتمع بما أوتي من قوة ذاتية باعثها الوحي : روح الحضارة والعمران في الشرق ، إلا أن المجتمع قد دفع الصائل وكان من حكومة السياسة والحرب ما لا يخلو من نقص عظيم لا سيما بعد ذيوع الإرجاء والتصوف ، فذلك حكم ناقص ، ولكنه ، مع ذلك ، أصيل في الشرق غير وافد فلم يكن بداهة من الجنس الوظيفي التابع كما قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة ، وإن كان النقص في السياسة والحرب مِمَّا مَهَّدَ ، ولو على المدى البعيد ، لما آل إليه الأمر بعد ذلك ، فلا زال الوحي في انحسار إذ غادر مساحات مؤثرة في صناعة القرار السياسي والعسكري في مقابل تمدد السلطة وإن كانت في الجملة تعظم الشرعة إلا أنها بما قارفت من استبداد قد أضعفت أَثَرَ الدينِ في الشأن العام مع ما تَقَدَّمَ مرارا من ذيوع الإرجاء والتصوف وما يحدثانه في النفس من كسل وخمول فَتَرْكَنُ إلى التقليد في الدين والسياسة وكل صناعة تَنْفَعُ فَلَا يكون ثَمَّ تجديد يَنْصَحُ ، وكان الفساد الذي استشرى ، لا سيما مع تعاظم القوة العسكرية الباطشة وصيرورتها مركز التحكم والسيطرة وهو ، لو تدبر الناظر ، أمر يؤذن بفساد الحال ، واضرب له المثل باستقراء تاريخ الشرق من لدن الرسالة وحتى هذا العصر ، فإن الخلافة الراشدة وإن كانت دولة فَتْحٍ يغلب عليه جلال السيف إلا أنها أقامت من عدل السياسة والقضاء ما صار مثلا يُضْرَبُ فَأَمِنَ في حكومتها المخالف والموافق ، فلم يكن في سيفها من الرَّهَقِ إلا نَزْرٌ يسير فليست بداهة ، على وصف النبوة المعصومة ، بل ما كان من قتالها فِتْنَةً أو بَغْيًا قد صار مضرب مثل آخر في شرف الخصومة وعدالة الحكومة وإن لم تسلم النفوس من شنآنٍ وَبُغْضٍ فقد تحرت في معظم أحوالها القسط والعدل ، فَتَأَوَّلَتِ الأمر والنهي في قوله تعالى : (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فعدلت في المخالف لدينها والموافق ، ثم لم تلبث الحال أن نقصت شيئا فشيئا ، فَزَادَ رهق السيف وتراجعت المعاني الرسالية إذ عاودت العصبيةُ الظهورَ ، كما يقول ابن خلدون في نظريته السياسية في منشأ الدولة ، وهو ما يؤذن بِنَقْصٍ لا يَزَالُ في ازدياد لا سيما مع ظهور الملك العضوض إرثا ، وهو ما يسلب المجتمع حق الاختيار فيكون من الحقد والغيظ ما يَتَرَاكَمُ لا سيما إن لم يكن أمر السلطة رشدا فكان الإفراط في استعمال العنف مع المعارِض ، وهو من أسباب الانهيار ، ولو على مدًى يطول ، لا سيما إن صارت القوة والتغلب سَبَبًا في حيازة الملك ، وإن بَقِيَتْ صورة البيعة ، فاستعمال العنف ذريعة إلى بلوغ الملك والاستناد إلى قوة الجبر والقهر مبدأُ نَقْصٍ في الحال لا يَزَالُ في ازدياد ، فكان من بطش بني العباس ما رَجَحَ بني أمية أضعافا وإن اتخذ الثأر لآل البيت ، رضي الله عنهم ، ذريعة ، فملك بني العباس كان أنقص إذ كان العنف فيه أظهر ، وتلك ، كما تقدم ، سنة جارية في الملك ، فلا يكون أقوى إلا إذا كان أعدل ، ولا يكون أضعف إلا إذا كان أظلم وأبطش ، ولم يَزَلْ تدخل القوة المسلحة في الحكم يَتَعَاظَمُ ، لا سيما وعصبية الدولة محل تنازع بين الأحزاب : العربية والفارسية ، كما كانت الحال في الفتنة ، فتنة الأمين الذي يمثل الحزب العربي ، والمأمون الذي يمثل الحزب الفارسي ، وبعدهما كان ظهور الحزب التركي زمن المعتصم وهو ما ازداد نفوذا حتى بلغت به الحال أن يغتال الخليفة المتوكل ، ويتلاعب بمن جاء بعده ، ثم كانت غلبة القوة البويهية الفارسية ذات الصبغة المذهبية التي تخالف عن مذهب الخلافة ، ثم كانت غلبة القوة السلجوقية ، ومع ما كان من طفرة إيجابية سبقت الإشارة إليها إلا أن صيرورة القوة المسلحة مركزَ الحكم مما يسارع بالضعف إذ يعظم الصراع بين قادتها وأجنحتها ، فانقسم البيت السلجوقي على أنحاء ، وكان ظهور البيت الزنكي من جِنَاحٍ من أجنحة البيت السلجوقي ، وقد فرض الظرف السياسي آنذاك أن تنزع الدولة إلى الطابع العسكري إذ ثم عدو متحقق لا آخر مُتَوَهَّمٌ يصنع في مخيلة الجماهير ليكون ذريعة أن تحكم بالحديد والنار إذ لا صوت يعلو فوق صوت السلطة التي تناجز المجتمع لا سيما إن كان ذلك على قاعدة تَبَعِيَّةٍ وظيفية لخارجٍ يخالف عنها في القيم والمبادئ كما هي الحال في العصر الراهن ، فلم يكن ذلك ، بداهة ، وصف القوة الزنكية فلم تكن قوة وظيفية تابعة للمحتل بل تَوَلَّتْ كبرَ مناجزته حقيقة لا دعوى ، ومن بعدها القوة الأيوبية فالمملوكية ، وإن كان الطابع العسكري الذي أملاه الظرف السياسي سَبَبًا فِي النَّقْصِ ، وبعدهما كانت القوة العثمانية الفتية ، وهي قوة عسكرية ذات طابع إقطاعي ، فَكَانَ من نُبْلِ الدور التاريخي ما حجب النقص ، فكانت خلافة جامعة وإن ناقصة لا تضاهي مَا تَقَدَّمَهَا ، ولو في الجملة ، ولم يلبث الفساد السياسي أن طرأ إذ تعاظم دور الجند في الحكم والإدارة فكان من فساد الإنكشارية المتأخرين ما خالف عن دور الجيل الأول الذي كان سيف الدولة الماضي فَنَاَجَزَ خصومها وَمَدَّ حدودها لا سيما في أوروبا ، فلم يكن مِنَ الجيل المتأخر من يَقْتَدِي بالأول ، بل قد صار الإنكشارية بعد ذلك سببا رئيسا في إضعاف الخلافة وتحولها إلى إمبراطورية يَرْجُحُ فيها الطابعُ السياسي البراجماتي الدورَ الرسالي الأخلاقي ، وكأن ذلك ، لو تدبر الناظر ، منشأ العلمانية المعاصرة في الشرق ، وإن لم يكن الأمر على ما هو عليه الآن ! ، فلا شك أن تراجع دور الرسالة في الحكم والسياسة في مقابل تعاظم دور القوة المسلحة التي تحركها بَوَاعِثُ النفس في طلب الرياسة والملك ، لا شك أن ذلك مما أخرج الوحي ، كما تقدم ، من مساحات مؤثرة في السلطة ، فكان ظهور المسلك السياسي قبل ظهور الاصطلاح العلماني الذي يخرج السياسة من الدين وإن لم يكن ذلك ، بداهة ، قد اسْتَقَرَّ وتأطر فصار أيديولوجية في الحكم كما هي الحال الآن ، فالناس ، كما يَنْقِلُ بعض الباحثين ، الناس يباشرون الفعل أولا حتى إذا استقر ظهر المصطلح ثانيا ، ولكن ذلك النقص قد أفضى بعد ذلك إلى ما هو أعظم فلم يزل الوحي مقاصد وأحكاما ، لم يَزَلْ في تراجع مع ما أصاب الشرق من خمول هائل كَسَاهُ مَنْ كَسَاهُ من الكسالى ، كَسَاهُ لحاء الدين زهدا ورياضة ، وليس إلا تقليدا في الفكر والفقه والسياسة والحرب وسائر الفنون والصنائع مع إرجاءٍ أخرج العمل من مسمى الإيمان كما صنعت العلمانية بعد ذلك ، وإن كان صنيعها أفدح ، إذ أخرجت الحياة من سلطان الدين ، فخالفت عن محكم التنزيل الآمر أَنْ : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) ، فكانت هذه الحال الكاسدة في مقابل ما كان من حال الخصم الذي اجتهد في تحصيل عدة الحضارة والعمران ، فعلا شأنه في مقابل انحطاط الشرق وكان من فتنة فِئَامٍ منه لا سيما بعد جولة الحرب الحديثة التي افتتحتها الحملة الفرنسية ، فكانت ، كما يصفها الباحثون ، صدمة حضارية أكثر منها هزيمة سياسية أو عسكرية ، إذ أبانت عن الفرق الهائل في الحضارة والعمران بين الشرق النائم والغرب المستيقظ المتحفز الذي أخذ بالأسباب فكوفئ بالنتائج ، وهو ما فَتَنَ فِئَامًا من الشرق فلم يكن ثم من التأصيل الفكري والفعل الحضاري ما يصد هذه الحملة ، فلم يكن الأمر هزيمة سياسية هذه المرة بل كانت هزيمة أعمق ، هزيمة الفكر التي ألجأت المغلوب أن يقلد الغالب ، فكان السلطان محمود الثاني في مركز الخلافة يسارع في التغريب وإن لم يكن من الجنس الوظيفي العميل فقد كان خليفة الشرق المسلم ولكنه كان مفتونا بالغرب العلماني فَمَهَّدَ الأرض لمن جاء بعده من العناصر الوظيفية التابعة التي لم يَزَلْ أمرها يظهر حتى استولت على مقاليد الحكم بعد ذلك فكان الانقلاب العلماني على السلطان عبد الحميد الثاني 1909م ، وهو ما سبق الانقلاب الأتاتوركي على السلطان عبد المجيد الثاني 1924م ، وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، كاشف لا منشئ ، كما يقول أهل القانون المحدث ، فهو كاشف لما تقدم من انهيار المرجعية الفكرية والحضارية في الشرق ، وكذلك كانت الحال في مصر ، فمحمد علي باشا ، كاشف لا منشئ ، فهو يضاهي محمود الثاني ، بل هو أسوأ ، فهو من أوائل من يطلق في حقهم لقب التابع الوظيفي ، إن لم يكن أول من حمل هذا الوصف السياسي في الشرق ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ وَوِزْرُ مَنْ تَبِعَهُ لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ، فلم يكن أمره استبدادا وظلما فحسب ، بل كان خيانة حضارية مهدت لخروج مصر شيئا فشيئا من المرجعية الإسلامية ودخولها في نظيرتها العلمانية ، فضلا أنه قد دَشَّنَ منظومة القوة المسلحة المركزية التي حملت لقب الجيش الحديث ، وهو البناء الهرمي المحكم الذي بسط نفوذه على المجتمع كله ، فقد زَادَ نفوذه بل كان هو الأصل فما أُنْشِئَ من مؤسسات الدولة لم يكن إلا خادما له بوصفه آلة السلطة والقمع ، فأنشئت مدرسة الألسن لترجمة الكتب العسكرية الحديثة ، وأنشئت المدرسة البيطرية لرعاية الخيل بوصفها آلة الحرب آنذاك ، وأنشئت المدرسة الطبية لرعاية الجند لا أنهم بشر وإنما هم كالبقر ! فهم قطيع تُوَظِّفُهُ السلطة في تحقيق مآربها عسكريةً كانت أو مدنية ، فهو مثال قياسي للكيان الوظيفي الهرمي الذي يَتْبَعُ الخارج فغايته السيطرة على الداخل وتأمين مصالح النخبة المركزية وما يَتْبَعُهَا من نخب محلية فهي أدواتها في إدارة الأطراف إدارةَ التابع ، فكان هذا الجيش هو مركز الحكم فما الدولة ومؤسساتها إلا أدوات خادمة له وهو بدوره خادم للخارج فالمجتمع من هذه المعادلة غائب ، بل هو الخصم الناجز ! .

    والله أعلى وأعلم .


  9. #9
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    والنظام الدولي في تعاطيه مع الأطراف هو دائم النظر والتقييم ، ونظر القادة الوظيفيين أبدا إلى المركز الذي منحهم المشروعية السياسية ولو على خلاف القيم الديمقراطية الغربية فلا شرعية سياسية لهم إن بمعيار الحضارة في الشرق ، معيار الوحي المنزَل ، أو بِنَظِيرِهِ في الغرب ، معيار الوضع المحدَث ، فالصراع في الداخل يمتد إلى الخارج ، بل هو في الغالب يحسم في الخارج لأن النظام السياسي الوظيفي نظام تابع لا يستمد قوته من ذاته ولو باستخدام أدوات القمع والعنف ! ، فإنه لا يملك إطلاق يدها إلا بضوء أخضر ، ولو غير مباشر ، من النظام الدولي ، واضرب له المثل بالشأن المصري الرَّاهِنِ ، فكان ثَمَّ حشد محلي أَضْفَى نوع شرعية ، ولو جزئية ، على حراك 30 يونيو 2013 وَمَا بَعْدَهَا ، وذلك ما كانت القوة الصلبة تُرِيدُه من الداخل ، ولكنها ، مع ذلك ، كانت تَنْظُرُ ابْتِدَاءً إلى الخارج ، فكان جس النبض المبكر لدوائر صنع القرار في واشنطن وهو ما اعترفت به الدوائر العسكرية العليا ، فكانت اللقاءات المستمرة مع قادة المركز لخلق الأرضية السياسية لهذا الحراك العسكري المتدثر بقشرة جماهيرية زائفة ، وإن كان لها وجود لا يمكن إنكاره فهو حصيلة عمل دءوب في الإعلام وفي الجهاز الإداري الذي لم يدخل في طاعة النظام المنتخب في يونيو 2012 ، ليصح القول إنه قد خرج عنه ! ، فلم يخرج الجهاز الإداري لا سيما النخب العليا الأكثر استفادة من البيروقراطية الفاسدة ، فهي ، أبدا ، الأشرس في مناجزة أي تغيير إصلاحي ولو جزئيا فَقَدْ يُضَحَّى بِهَا أكباشَ فداءٍ لامتصاص غضبة جماهيرية أو ضغوط سياسية محلية أو أجنبية ، فهي الأغلفة التي تَقِي النواة الصلبة للنظام السياسي الوظيفي كما رأى الناظر بعد حراك سبتمبر 2019 ، فأعاد النظام السياسي التموضع واستدعى استراتيجية ما قبل 25 يناير 2011 اسْتِرَاتِيجِيَّةَ : الضرب في الأغلفة الواقية واتهامها بالتقصير والتخاذل في تلبية مطالب الجماهير بل وصل الأمر إلى حد الدعوة إلى ثورة تصحيح إدارية تجعل الجهاز الإداري في مصر يتحسس عنقه ! ، لا سيما النخب العليا فهي ، كما تقدم ، أكباش فداء يتقي بها النظام غضبة الجمهور ، فلديه مزرعة من الأكباش والعجول ! ، يضحي بها شيئا فشيئا ، وهي ، مع ذلك ، مِمَّا تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ ضربات السلطة الحالية إذ تَرُومُ تصفية جيوب النظام القديم فقد أدركت أنها الأخطر عليه فَكَمَا كَانَ لها دور فاعل في الإجهاز على تجربة الحكم المنتخب فهي بما تملك مِنْ مَفَاتِيحِ الإدارةِ قد تجهز على النظام الحالي أو تصيبه بالضعف والإجهاد وهو ما يُفْضِي به ، ولو على المدى المتوسط أو البعيد ، إلى الانهيار لا سيما بعد تَعَاظُمِ الخلافِ بَيْنَهُمَا على قاعدة اقتسام اللصوص للغنيمة .


    فهذه النخبة البيروقراطية تكره الحراك الجماهيري إذ تَرَى أنه يُعَجِّلُ بالتضحية بها ولا تكره من يذبحها بسكين الإصلاح والتطهير ! ، وهي تدرك أنه معدن الفساد الذي تستمد منه دماء الحياة ، فتكره الحراك الإصلاحي الذي يعجل بها إلى المذبح ، بل الحراك الجماهيري ، ولو من باب مصائب قوم عند قوم فوائد ! ، هذا الحراك وإن كان مصيبة عظمى لدى النظام الوظيفي الهش إلا أنه ، من وجه آخر ، فرصة أن يَتَذَرَّعَ لِمَا يَرُومُ من تخفيف الأعباء عنه بالتخلص من كتل وظيفية تدين له بالولاء فلا يدين لها إذ ليس ثم ولاء إلا ولاء الذات ، وولاء من يدعمها ، فدعم الخارج أولى إذ هو أقوى فهو محل عناية من نظام سياسي هش وإن كان شديد العنف والقمع ، فَهَشَاشَتُهُ تُثِيرُ التَّنَدُّرَ إذ اسْتَنْفَرَ قُوَّتَهُ النارية الصلبة لِمُوَاجَهَةِ دعوة إلى التظاهر عبر شاشة هاتف نقال ، فالإفراط في العنف والشراسة في قمع الآخر الأعزل استنادا إلى فارق هائل في القوة ، كل أولئك مئنة من هشاشة كبيرة في بنية نظام سياسي يشكو ورما خبيثا من الدرجة الرابعة ، فحاله ميئوس منها ، وإن لم تبلغ بعد حد الاحتضار ، كما يميز بعض الفضلاء بين المرض الميئوس منه ، من وجه ، وحالِ الاحتضار ، من آخر ، فالأول قد يطول زمانا مع استحالة العلاج فقد بَلَغَ المرض حدا يعجز الدواء عن حسمه وإن نجح في تقليص آثاره بتعاطي بعض المسكنات ، كما هي حال الأنظمة السياسية الفاسدة ، فمنها ، كما الحال في مصر الآن ، وهي حال سياسية عسكرية ! ، مع تناقض الوصفين ولكنه حكاية واقع لا إقرار بالباطل ، فالنظام ليس إلا مجموعا مُتَرَاكِمًا من محطات لعبت فيها القوة العسكرية الدور الرئيس في إخراج المشهد السياسي ، من يوليو 52 إلى يونيو 67 إلى ثورة التصحيح في مايو 71 إلى أكتوبر 73 ، أكتوبر السياسة لا أكتوبر الميدان فَثَمَّ فُرْقَانٌ أَيُّ فُرْقَاٍن ! أكتوبر التحريك لا التحرير دفعا بالقضية إلى التسوية السياسية في محطة سبتمبر 78 ، ثم مارس 79 ، مع تحول المجتمع من رأسمالية مَلَكِيَّةٍ جَنَحَتْ آخرَ أدوارها إلى الرأسمالية الاجتماعية قبل يوليو 52 مباشرة ، وهو ما لَمَسَهُ أَبْنَاءُ ذلك الجيل من تَوَسُّعٍ في المخصصات الاجتماعية مع قدر لا بأس به من السياسة صار بالمقارنة مع الحال الراهنة ، صار واحة حرية وديمقراطية ! ، مع أنه كان محكوما بإرادة المركز ، وهو آنذاك بريطانيا التي تجيد لعبة السياسة الناعمة ، فلم يكن ثم حياة سياسية كاملة ولو انطلاقا من النظرية الديمقراطية المحدَثة ، ولكن الأمر كان ، في المقابل ، مَشْهَدًا تَوَلَّى إخراجه مخرج محترف قد مهر فنون الدراما السياسية ! ، فتحول المجتمع من هذه الرأسمالية الملكية ذات الصبغة الاجتماعية وهذه الديمقراطية الجزئية ذات الطابع الشكلي الذي لا يخرج عن إرادة المركز فهو صانع المشهد ومخرجه ، تحول المجتمع منها إلى دور يوليو 52 الذي بدأ مهادنا للرأسمالية بل مواليا لها بوصفها المدبر الرئيس لهذا الحراك استباقا لحراك جماهيري حقيقي ، فَأُجْهِضَ بهذا الحراك العسكري الذي تمرد بعد ذلك فَجَنَحَ إلى المعسكر الشرقي وذلك ما يخالف عن عدائه الأول للشيوعية فقد استهدفها من اليوم الأول إرضاء للداعم الرأسمالي ثم كان استهدافه للحركة الإسلامية التي وضعت ثقتها في المحل الخاطئ وراهنت على الجواد الخاسر ، وهو أمر يتكرر حتى صار كالعادة والديدن وإن سَيِّئًا لا يُحْمَدُ ، فكانت مسارعتها في تأييد قوة لا تعرف محركها الحقيقي فهي تدعم قوة وظيفية تابعة للمركز الرأسمالي الأمريكي الذي ورث التركة البريطانية ! ، ثم تَمَرَّدَ تَمَرُّدَ الجندي في المعسكر ! ، فانحاز إلى المركز الشيوعي نكاية في الراعي الرسمي الأول ، فاستحق العقاب والتأديب في يونيو 67 ، وهو ما رده أخرى إلى المركز الرأسمالي الليبرالي فكانت أكتوبر 73 السياسية لا الميدانية ، كانت قنطرة جاوزها النظام السياسي من المركز الشيوعي إلى نظيره الرأسمالي الليبرالي ، إن ليبرالية الاقتصاد انفتاحا أو ليبرالية السياسة تطبيعا مع كيان يهود الممثل الشرعي الوحيد للنظام الدولي في الشرق المسلم ، مع الاحتفاظ بالقوة العسكرية أبدا في قلب المشهد ، كما تقدم مرارا من توصيف بعض المحققين : فالجنرال أو القوة في القلب ومن حولها النخب الوظيفية التي تمثل أقليات متساندة ، تَدُورُ فِي فَلَكِ اقلية أخرى وإن كانت أقوى ، وهي الأقلية العسكرية الوظيفية ، فهي ليبرالية في كل شيء إلا في السياسة ولو انطلاقا من قيم الليبرالية الأم ، فهي يمينية قامعة لأي قوة اجتماعية إصلاحية أو ثورية تجاوز الحد المسموح به من المعارضة ، وَهَامِشُهَا ، مع ذلك ، يَتَفَاوَتُ ، فَتَارَةً يَتَّسِعُ إذ تَتَطَلَّبُهُ المرحلة كما كانت الحال في السبعينيات ، لا سيما بعد يونيو 67 ، فكان الرجوع إلى الدين لترميم الجبهة العسكرية المهترئة ولو إلى حين إذ تَنْتَظِرُهَا معركة التحرير أو معركة التحريك إن شئت الدقة ! ، وكانت الاستعانة بالتيار الإسلامي الإصلاحي ليناجز التيار الاشتراكي في الشأن الاجتماعي لا سيما في الجامعات والنقابات مع سقف لا يجاوزه وإن كان عاليا في تلك الحقبة إذ اضطر إليه النظام الرأسمالي الجديد اضطرارا فقد كان أعجز أن يقمع نظاما اشتراكيا راسخا ولو في جهاز الدولة الإداري لا سيما السيادي ، فلم تكن ثورة التصحيح إلا قطعا لرءوس النظام القديم وبقي الجسد في الجامعات والنقابات فَاسْتُدْعِيَ مقاول الهدم ! وهو التيار الإسلامي ليلعب هذا الدور نظير ما يمنح من هامش حريات واسع بعد القمع الهائل ، فاستعان النظام الرأسمالي بالتيار الإسلامي لضرب التيار الاشتراكي ثم كانت النهاية المعتادة ! ، فكما استعان به النظام الاشتراكي في يوليو 52 لضرب الملكية الرأسمالية ، فإذا رأسمالية أخرى ولكنها جمهورية هذه المرة تستعين به لضرب مَنْ كَانَ حليفه بالأمس بَعْدَ أن غدر به ، ثم كانت غدرة النظام الرأسمالي الجديد بالتيار الإسلامي فَانْتَهَى به المطاف إلى السجن مرة أخرى ، وإن كان هذه المرة ألطف فلا يجحد ناظر أن الرئيس الراحل السادات وهو من أخبث البشر ومن أعظم مَنْ أَوْقَعَ الضررَ بمصر في العصر الحديث بل إن الإشكال العميق الذي تشكو منه مصر الآن ليس إلا إفرازا بدهيا لمحطة مارس 79 وما تلاها من توسع في البعثات العسكرية التي تصنع قادة المستقبل في كلية الأركان والقادة في أمريكا ! ، وتوسع في النشاط الاقتصادي بذريعة سد حاجات الجند وضخ الباقي في الأسواق لرفع الأعباء عن الإخوة المواطنين في دولة مصر الشقيقة ! ، ومع كل ما صنع الرئيس السادات بل إن كل ما يقع الآن فلا يَسْلَمُ من كفلٍ عظيم منه فهو إفراز مرحلته الرأسمالية فضلا عن كفل آخر لدولة يوليو الثورية ، فإن الوصف العسكري لم يفارق الجميع وإن كان الرئيس السادات أكثرهم تَعَاطِيًا للسياسة وَأَعَفَّهُمْ في سفك الدماء وانتهاك الحرمات ، وهو محل الشاهد ، فلا ينكر أحد أن حقبته كانت الأخف وطأة والأقل جرما ، بل قد حظي المجتمع فيها بقسط لا بأس به من الحريات الدينية والسياسية وسائر الحريات العامة إلا أن ذلك لم يكن ، بداهة ، لوجه الله جل وعلا فلم يكن الرئيس المؤمن يَرُومُ تقوية إيمان المجتمع ! ، بل كان يروم اجتثاث الاشتراكية الملحدة ! ، فطالما دغدغ مشاعر التدين الصوفي في وجدان الشعب المصري الذي مَجَّ اليسار سريعا بعد انكسار قوته العسكرية في يونيو 67 ، ثم كانت مرحلة ما بعد كامب ديفيد التي انتهت إلى ما هي الحال الآن فهي ثمرة ثلاثين عاما أو يزيد من إعداد الجيل الجديد مع الاستعانة كالعادة بالإسلاميين ! لتوطئة الأرض للجند ليحكموا هذه المرة في طور متأخر فهو الأعنف والأشرس ولكنه الأضعف الذي بلغ الدرجة السرطانية الرابعة ، وإن كانت فيه بَقِيَّةُ حياةٍ أَعَادَ بِهَا إِنْتَاجَ نَفْسِهِ اسْتِنَادًا إلى نظرية تدوير المخلفات ، فهي آخر أمرها مخلفات وإن أُخْرِجَتْ في صورة أليقَ ، فكلما فسدت قمة الهرم السياسي ، الذي تقف وراءه القوة العسكرية فهي ماكينة إنتاج السياسة في مصر من 200 سنة أو يزيد ، فدور هذه القوة العسكرية ، لو تدبر الناظر ، أن تحكم الأطراف نِيَابَةً عن المركز ، وأن تصنع القيادات السياسية على عينها بِمَا يحقق أهدافها الوظيفية ، وَهُوَ مَا تَتَأَوَّلُهُ أفواه الصحافة المستأجرة وأقلامها في هذه الآونة ، فمصر لا يمكنها أن تستقر إلا في قبضة الجيش فهو ، صراحة بلا تجمل ، هو صانع الرؤساء في مصر يوليو 52 ، فتعاظم دوره المركزي في السيطرة على البلاد مع هامش واسع منحه إياه النظام الدولي في إدارة الشأن الداخلي لا سيما في السيطرة على مقاليد الأمن والسياسة والاقتصاد والاستئثار بامتيازات أدبية ومادية تحولت معها النخبة العسكرية إلى نخبة سيادية ، إن في دورها الاشتراكي فكانت المركزية الحكومية ، مركزية القطاع العام بإجراءاته البيروقراطية ، أو في دورها الرأسمالي ثم النيوليبرالي المعاصر وهي ، مع ذلك ، لم تغادر خانة المركزية ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما يَتَنَاقَضُ وَبَدَائِهَ النيوليبرالية اللامركزية التي أفرطت في سلب الدولة آليات الحكم في مقابل ما تَعَاظَمَ من دور القطاع الخاص ، فذلك حد النيوليبرالية كما يَزْعُمُ نُظَّارُهَا ، فهي تروم تحرير الأسواق ورفع يد الدولة عن المجتمع مطلقا فلا يكون لها أي دور في الرعاية الاجتماعية ، ولكنها ، مع ذلك ، قد نقلت الصلاحيات السيادية من النخبة الحكومية العامة إلى نخبة رأسمالية خاصة تحتكر رءوس الأموال ، فهي كالنخبة الحكومية ، نخبة ضيقة شديدة المركزية في اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي ، فأي تحرر يحصل بها ، كما يضرب بعض الباحثين المثل بروسيا التي انتقلت انتقالا حادا صادما من الشيوعية إلى الرأسمالية ، فَبِيعَتِ البلاد بثمن بخس نظير ما تَلَقَّى البائع ، وهو الرئيس الراحل بوريس يلتسين ، من عمولات ضخمة صَيَّرَتْهُ وأسرته من أثرياء البلاد فاشترط له ولهم الأمان قبل أن يغادر السلطة وهو ما كفله له الرئيس الحالي فلاديمير بوتين إذ كان وريث هذه التركة من الفساد النيوليبرالي الذي استعاض عن نخبة الحزب الشيوعي بنخبة رجال الأعمال المحتكرة ، فانتقلت ملكية 70% من الاقتصاد الروسي إلى 36 شخصا ! فهذه هي اللامركزية التي بشرت بها الليبرالية ! ، فهي أشد مركزية من الشيوعية ، وإن ظهر ، بادي الرأي ، أنها تمنح رءوس الأموال حرية الحركة ، فهي تمنحها هذه الحرية لتحتكر وتصير مراكز قوى جديدة بوصف ليبرالي هذه المرة فهي النخبة الليبرالية المركزية التي استبدلت بالنخبة الاشتراكية المركزية لا أكثر ! ، فمن مركزية الحزب الشيوعي إلى مركزية حزب رجال الأعمال ورءوس الأموال الضخمة التي تُؤَثِّرُ في قَرَارِ السياسة والحرب والاقتصاد بما يواطئ مصالحها العابرة لحدود الدول ومصالح الأمم ، فَلَئِنْ صَحَّ أنها لا مركزية فذلك ما قد يثبت في الشأن الاجتماعي على وجه يُسَوِّغُ الخروج عن منظومة القيم والأخلاق الحاكمة وهو ما لا يؤرق الضمير الرأسمالي بل قد يدفع تجاهه قُدُمًا إذ يوفر له بيئة عمل أفضل ، فهو يفتح الأسواق بلا قيد لكل ما تقذفه خطوط الإنتاج من لذات الحس فضلا عن شبهات الفكر التي تهدم بُنْيَانَ الثقافة الذاتية ، فَثَقَافَةُ الاستهلاك تَزْدَهِرُ في هذه الحال الليبرالية الاجتماعية وهو ما يحقق الربح السريع دون إنتاج مفيد لا سيما في الدول المتخلفة التي لا تملك قواعد إنتاج فاعلة وإن امتلكت ثروات طائلة فهي تُنْفِقُهَا في اقتصاد الاستهلاك ، أو في اقتصاد الخدمات على أحسن تقدير ، فذلك وصف النخب المترفة إن في الدول الغنية أو الفقيرة ، ومصر ، أيضا ، مثال على هذه الطريقة النيوليبرالية الاجتماعية فَثَمَّ نخبة قد خرجت عن المنظومة الأخلاقية الحاكمة بذريعة التحرر الذي لا يجاوز تحرر الجسد أن يباشر من اللذات ما يشتهي وينتحل من الأفكار ما يهوى إلا ما كان ضد الدولة وإن شئت الدقة فَقُلِ السلطة ذات الوصف النخبوي شديد المركزية ، وإن كان العمل كله يجري في دائرة النيوليبرالية ! ، فثم نيوليبرالية اجتماعية ذات طابع مُنْفَلِتٍ يصادم قيم المجتمع ، وثم أخرى اقتصادية شُغْلُهَا الشَّاغِلُ أن تحفظ مصالح النخبة الرأسمالية فَقَرَارَاتُهَا جميعا تصب في قناتها في مقابل التنكر لمصالح الجمهرة العظمى من المجتمع ، فالسلطة تجتهد في إثقالها بالأعباء مع عدم توفير فرص العمل التي ترفع الدخول ، فَلَئِنْ صَحَّ القول : إِنَّ رفع الدعم الاجتماعي قَرَارٌ صحيح من الناحية الإجرائية إذ يَقْضِي ، كما يقول بعض الباحثين ، يَقْضِي على تفاوت أسعار السلعة الواحدة في السوق فَيَصِيرُ سعرها واحدا على وجه يحقق تكافؤ الفرص ، إلا أن ذلك لا يصح من الناحية الإنسانية التي تثير بداهة سخرية النيوليبرالية ! ، فلا يُرْفَعُ الدعم ، ولو جرى مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ، لا يُرْفَعُ إلا بعد تحسن الدخول وَتَوَافُرِ فرص العمل بأجور مجزية ، وذلك ، أيضا ، مما يثير حفيظة النيوليبرالية لا سيما إن كانت غير منتجة كالنيوليبرالية المصرية ، فهي تَقْضِي على ما تَزْعُمُ من عدالة المنافسة ، فلئن صح أَنَّ رَفْعَ الدعم يُوَحِّدُ الأسعار ، فذلك ما لا يكون وثم قطاع سيادي يحظى بامتيازات تجعل سلعه التي يتجر بها كالسلع المدعَّمة التي تحدث تفاوتا في الأسعار على وجه تضطرب به الأسواق ، فهو يتذرع بها إن كان المطلوب هو رفع الدعم عن الفقراء ، فذلك ما يضبط الأسعار ويوفر فائضا من الميزانية يَتَوَجَّهُ إلى دعم الطبقات الأشد احتياجا ! فتلك ، أيضا ، من ذرائع هذا الإجراء كما صرح بعض الساسة في إيران على خلفية الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود فالفائض لن يذهب في جيب الملالي أو يَتَوَجَّهَ إلى مشاريعهم الإمبراطورية التوسعية في المنطقة وإنما سيتوجه إلى المواطن البسيط ! ، فهو أبدا الحجة في رَفْعِ الدعم عنه ! ، فمن أجله يُرْفَعُ ولأجله السلطة تدخر وتمسك ! .
    والقطاع السيادي ، في المقابل ، يَتَذَرَّعُ بأخرى إن كان هو من يُقَدِّمُ السلعة المدعومة ولو بطرائق غير مباشرة إذ لا تُفْرَضُ عَلَيْهَا ضرائب ولا يُدْفَعُ نَظِيرَهَا أَجْرٌ يضاهي أجرَ العامل في الخارج ، فَيَتَذَرَّعُ في هذه الحال أنه يكافح جشع التجار ويحارب الاحتكار ، وإن كان هو من يحتكر ، ولو بالنظر في مآلات ما يصنع فهو يَقْضِي على المنافس بما يعرض من سلع مخفَّضة حتى يصير وحده من يملك السلعة أو الخدمة ، وهو ، مع ذلك ، جزء من السلطة الحاكمة قهرا فلا يطيق أحد الإنكار عليها ولو عبر آليات سياسية وَرِقَابِيَّةٍ ، فَيَسْتَفِيدُ من هذا الوصف إذ له من الآليات الرسمية ما ليس لغيره ، فهو السلطة التي تحكم ، وهي ، خصم في نفس الآن ، فكيف تعدل وفيها الخصام وهي الخصم والحكم معا ؟! ، فالنيوليبرالية في دولة متخلفة كمصر تقتصر على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية دون الخوض في أمور السياسة والحكم ، فهي حكر على النخبة التي أعطاها النظام الدولي ، كما تقدم ، فسحة أن تسيطر على المجتمع فَيَدُهَا في الشأن الداخلي مطلقة إلا إن خالفت عن مصالح مباشرة للمركز ، فَتُغَلُّ آنذاك بل وَتُبْتَرُ إن لزم الأمر ! ، فلا إشكال ولو على المدى القصير والمتوسط أن تقوض أركان المجتمع بل وتخالف عن النظرية النيوليبرالية التي ينتحلها المركز ، فهو من يتحكم في المشهد ، فَيَرَى السلطة تخالف عن بدائه ما يَنْتَحِلُ من عقيدة اقتصادية إذ تَتَدَخَّلُ في معاش الناس على هذا الوجه الْفَجِّ السَّمِجِ الذي لا يشكل أي إضافة حقيقية للاقتصاد فلا يدشن قواعد إنتاج ولا يحل أزمات بل هو من يَصْنَعُهَا في أحيان ويستثمر فيها ولو أضر بالمجتمع لا سيما الطبقات المتوسطة والفقيرة فهي أعظم من يَتَضَرَّرُ من سياساته الأنانية وتلك طبيعة الرأسمالية فهو ينتحلها أخلاقا ولا يمتثلها إِجْرَاءً ، بل يخالف عن إجراءاتها بما يكون من تدخله السافر في الشأن الاقتصادي وهو ، كما تقدم ، ما يخالف عن عقيدة المركز الاقتصادية النيوليبرالية ، والمركز ، مع ذلك ، لا يتوقف كثيرا أمام هذه التفاصيل ! ، فما يعنيه أن يحقق النظام الوظيفي التابع ما لِأَجْلِهِ صُنِعَ ، فهو ، كما تقدم ، صانع الرؤساء في مصر ، بذرائع الصرامة والانضباط ..... إلخ ، وإن كان هو السبب الرئيس في الظلم والفوضى ، فصرامته قسوة وانضباطه إذلال وقهر ، وذلك من أعظم ما يفسد أخلاق المجتمع ، فالأقلام المستأجرة لا تَتَجَمَّلُ في هذه الآونة ، بل تصرح نيابة عن السلطة ! ، أن مركز التحكم والسيطرة في قبضة القوة العسكرية الوظيفية التي تحظى بدعم النظام الدولي ومن وراءه النظام الإقليمي لا سيما مع ما يَتَكَشَّفُ كل يوم من دورها الوظيفي الفج الذي أضر بسمعة البلاد لا سيما في دول الجوار ، فالتدخل السافر في ليبيا والسودان على سبيل المثال انطلاقا من قاعدة التابع الذي يفتح أجواءه وقواعده على الأرض لتكون مراكز تدريب وتموين بل وتنفيذ لبعض العمليات النوعية نظير ما يبذل من دعم سياسي وعمولات تُوَفِّرُ مصدر دخل آخر للنخبة الحاكمة عدا ما تحتكر من السلع والخدمات ، وهو ، بداهة ، ما يُفْضِي إلى فساد النخبة المتخمة ، وهو ما يجعلها في أحيان عِبْئًا على المركز الذي يُسَارِعُ بالتخلص منها وإن أَعَادَ طَرْحَهَا في نسخة جديدة يسارع إليها الفساد أيضا ، فهي سلطة تحمل جنين الفساد في أحشائها ، وذلك وصف أي سلطة وَظِيفِيَّةٍ في عالم السياسة ، وإنما التفاوت في مدة الحمل فَثَمَّ من يظهر فساده على مكث قد يستغرق سنين وعقودا حتى يضع مولوده ، وثم من يختزل مدة الحمل فَفَسَادُهُ يَظْهَرُ سَرِيعًا ، لا سيما في أطوار الختام التي تَتَّسِمُ بالشراسة والعنف الزائد فَتِلْكَ طبيعة التدافع إذا هُدِّدَ الوجود ولم يكن ثم إطار محكم من القيم والمبادئ ، وذلك شاهد آخر على انهيار المنظومة السياسية والإدارية فلا يوجد كيان في الوجود ، ولو كيانا براجماتيا لا يعتبر إلا المصلحة ، لا يوجد كيان يستقر ، ولو مؤقتا ، إلا بحد أدنى من القيم والمبادئ ، لا سيما العدل ، ولو انطلاقا من قيم أرضية محدثة ، فإذا تجردت المنظومة من هذا الحد الأدنى الضروري أو كادت ، فهي إلى الزوال أقرب ، قَرُبَ العهد أو بَعُدَ ، فذلك مَا لَا يُنَالُ بالعجلة ، إذ ثم من تدبير الحكمة الربانية ما يَسْتَغْرِقُ سَنَنًا كثيرة فلا يقتصر على واحدة ، فمن يروم التعجيل بهلاك الظالم فهو يُفَوِّتُ من الحكمة وُجُوهًا تَتْرَى ، إذ به الابتلاء والتمحيص ، وبه من التدافع ما تأويله في الخارج آيٌ من التدبير بها يكون الثناء على الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فضلا عن معنى التمايز إذ بِضِدِّهَا تَسْتَبِينُ الحقائق ، فلا يُعَظِّمُ الناسُ العدلَ إلا وقد استبان لهم ضده ، وهو ما احتج به الكليم ، عليه السلام ، على قومه ، فـ : (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ، فقياس العقل أن من ذاق الظلم فهو أعف الناس أن يقارفه ، ولولا ما ذاق ما علم قبحه ، وذلك ما أبان عنه الفاروق عمر ، رضي الله عنه ، بقوله : "إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية" ، على خلاف في لفظه ، فَإِذَا نَشَأَ من لم يدرك الظلم فهو بداهة لا يَقْدُرُ العدلَ حَقَّ قَدْرِهِ كَمَنْ نَشَأَ في تَرَفٍ وَسَعَةٍ فلا يدرك معنى الضيق والشدة ، وكل أولئك سنن محكم به يدبر الله ، جل وعلا ، أمر الكون ، فلا بقاء لكيان يفتقر إلى حدود دنيا من الأخلاق ، ولو كان باعثها نَفْعِيًّا عاجلا لا ينظر بعين الاعتبار فيما جاوز هذه الدار .
    وكلما فسدت قمة الهرم السياسي ، سارعت القوة العسكرية من وراء الستار ، سارعت باستبدال أخرى بها وإن أَشَدَّ عُنْفًا وقمعا ، كما كانت الحال ، على سبيل المثال ، في أكتوبر 81 في حادث المنصة فقد سارعت القوة العسكرية بالتخلص من رئيس محروق فَاقِدٍ للشرعية الجماهيرية وإن بَلَغَ ذروتها في أكتوبر 73 إلا أن رصيده قد تآكل تدريجيا لا سيما بعد تَبَنِّيهِ سياسات اقتصادية رأسمالية عمقت الفجوة الاجتماعية بين الطبقات الغنية والفقيرة ، ثم كانت اتفاقية مارس 79 وما سبقها من بُرُوتُوكُولِ كامب ديفيد في سبتمبر 78 ، البروتوكول ذي الطبعية الأمنية الوظيفية ، كان ذلك هو القشة التي قصمت ظهر البعير إذ فَقَدَ الزَّعِيمُ الْبَرِيقَ وصار وجوده يُهَدِّدُ القوة العسكرية نَفْسَهَا ويهدد الاتفاقية ذاتها ، فسارعت القوة العسكرية بالتخلص منه ولو بأيد إسلامية فهي كالعادة من يَتَبَرَّعُ ابتداء ! ، فأعادت تدوير المخلفات وأعادت تشغيل ماكينة الرءوساء وأخرجت قيادة أسوأ ، وهو ما تكرر فالماكينة لا تخرج عن دليل التشغيل الأوحد فلا تجيد غيره ، فقد تكرر هذا المشهد في يناير 2011 استثمارا لحراك جماهيري حقيقي ولكنه ، بداهة ، عاطفي يفتقر إلى النضج السياسي ، فنجحت القوة العسكرية في توظيفه لإزالة رأس الهرم الذي تَرَهَّلَ فضلا أنه قد صار عبئا عليها بعد تآكل شعبيته ، فهو يهدد دورها السياسي المركزي في صناعة الرءوساء فكانت محاولة التَّوْرِيثِ خارج دوائرها ، وهو ، من وجه آخر ، يُهَدِّدُ دَوْرَهَا الاقتصادي فَقَدْ كان الوريث الْمُدَلَّلُ مع ما أحاط به من الصبية ! ، كان يسعى في وضع يده على الاستثمارات العسكرية انطلاقا من نظرية خصخصة ليبرالية شرسة لم يكن الجيش بِمَنْأَى عن دَائِرَة تَصْوِيبِهَا وإن في مرحلة تالية ، لا سيما وهي تشعر بالخطر من الجيش الذي لم تخرج من رَحِمِه ، فكل أولئك مِمَّا اسْتَفَزَّ القوة العسكرية التي أعطت إشارات خضراء عبر وكلاء ثوريين لها على الأرض ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الفضلاء ، فقد استبان أخيرا أن كثيرا من النشطاء السياسيين الثوريين الذين لَمَعُوا قبل يناير 2011 ، لم يكونوا إلا صنائع أعدها الجيش لتطوق القيادة السياسة الآخذة في الأفول والزوال فهي من سيحرك الشارع بعد ذلك بضوء أخضر غير مباشر ، ولو كان الحراك صادقا وكان ثم من القيادات من هو بمنأى عن هذه الصورة الثورية المصطنعة ، إلا أن الطرف الأقوى قد فَرَضَ كلمته ولو ختام المشهد في فبراير 2011 وإن كان ثم خروج عن النص في 28 يناير إذ حضر الجمهور فَرَكِبَ المشهد كما تسرب من بعض اتصالات الجهاز الأمني المنهار الذي سارع بالفرار استنادا إلى القول المشهور : الشعب رَكِبَ يا باشا فقد انتهى الأمر ، ولكنه سرعان ما تَرَجَّلَ وتلك طبيعة أي جمع يشكل ما اصطلح بعض الباحثين في سلوك الجماهير أنه الجمهور النفسي ذو العقيدة الواحدة في اللحظة الراهنة فلا تدوم طويلا إذ سرعان ما يرجع كل أحد إلى عقائده الأيديولوجية والسياسية المستقرة ، فَقَدْ حصل الاتفاق لحظة لا تطول فإن لم يَتَحَقَّقْ مِنْهَا المطلوب ويكون ثَمَّ من توظيفها ما يحقق جملة أهداف رئيسة للحراك ، إن لم يكن شيء من ذلك بل كان العراك والتصارع على كعكة لم تحصل ابتداء في اليد ، فَكُلُّ أولئك مِمَّا يُيَسِّرُ مهمة الخصم الذي يحظى في المقابل بكيان تنظيمي وإداري محكم فهو محترف لا دور له إلا ذلك ، فكان الخصم المنظم ، ولو من الناحية الإدارية ، فهو الجاهز بأدوات السلطة والقوة جميعا ، كان هذا الخصم هو الجيش الذي رَكِبَ بَعْدَ ذلك في فبراير 2011 ، فأقصى رأس الهرم وأعاد تشغيل ماكينته ولو على مهل ولم يجد من يساعده كالعادة إلا التيار الإسلامي ! الذي نجح في امتصاص الحراك الجماهيري وَحَرْفِهِ مبكرا إلى العمل السياسي في بيئة لَمَّا تَسْتَقِرَّ بَعْدُ على قواعد محكمة ، فأعادت القوة العسكرية تدوير المخلفات لتخرج بمثال أسوأ في يوليو 2013 ، فَمَا يَرَاهُ الناظر الآن ليس إلا إفرازا متأخرا من إفرازات دولة الباشا الأول في 1805 ، وإفرازا تَالِيًا من إفرازات يوليو 52 ولو غير مباشر ، وإفرازا مباشرا من إفرازات مارس 79 ، وهو وإن جاء بمشروع راديكالي أضر بمراكز القوى في دولة أكتوبر 81 التي دعمته بادي الرأي وهي تظن أنه سوف يَرُدُّ إِلَيْهَا الأمر ، وليس ثم عاقل يغامر لمصلحة غيره ، لا سيما إن كان يشكو من اضطرابات سيكولوجية بَاعِثُهَا الإحساس بالنقص والضعة فكيف به إن بَلَغَ فجأة سدةَ الحكمِ التي بها يَقْضِي وطره إن تَرَفًا وَتَأَنُّقًا في المعاش يحكي شبعا بعد جوع كما يقال في مصر فهو يَتَّسِمُ بالفجاجة وَقِلَّةِ الذوق والرغبة الجامحة في استفزاز المجتمع بما غلا ثمنه وإن قَلَّ ذوقه فَيَحْكِي بِيئَةَ حرمانٍ لا يَعِيبُ صاحبَها الفقرُ وإنما يَعِيبُهُ التصنع والتشبع بما لم يعط رغبة في الانضمام إلى نادي الوجهاء ولو في مقاعده المتأخرة ، فَيَقْضِي وطره المادي في رفاه العيش وإن قليل الذوق وَيَقْضِي وطره النفسي إذ يستمتع بأبهة الملك مع رغبة جامحة في إذلال من حوله لا سيما من يعلوه في العقل والعلم وإن سفلت نَفْسُهُ فَرَضِيَ بخطة الخسف أن يكون تحت قيادة بهذا الحجم الضئيل وإن بدت قوية متماسكة فهي تستعرض عضلاتها وليست إلا عضلات جهاز أمني قامع لا يُجِيدُ فَنَّ المناورة والاحتواء في السياسة ، فَقَمْعُهُ ، كما تقدم ، مئنة من الضعف والهشاشة ، فهو ، من وجه آخر ، يلعب دورا إيجابيا في المسارعة بِقَبْرِ دولةِ يوليو 52 فلم ينجح في توظيفها إذ يفتقر إلى الحس السياسي كما صرح ولم يُكَنِّ ! ، ولم ينجح في تحييدها بإعطائها حصة من الكعكة بل لم يأخذ من الثورة المضادة ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الفضلاء ، إلا أسوأ ما فيها : الاحتكار المطلق للسلطة والثروة في دائرة ضيقة لا تجيد اصطناع الولاءات ولا تحكم التوازنات ، فمعادلة السياسة فيها مضطربة قد اصطنعت عداوات كثيرة ، وأنشأت ما يمكن أن يقال إنه ثانويات السرطان في درجته الرابعة المميتة التي تسارع بمهاجمة الخلايا في مواضع أخرى من الجسم على نحو شرس متسارع ، فلو فُرِضَ أن دولة يوليو 52 قد بلغت حد السرطان من الدرجة الثانية أو الثالثة فاحتمال الشفاء ولو جزئيا : احتمال وارد بل وقوي في حالات كثيرة ، فدولة يوليو 2013 قد انْتَقَلَتْ بهذا السرطان من الدرجة الثانية إلى الرابعة بما شَنَّتْ من حملات تطهير واسعة في أروقة الدولة الفاسدة ابتداء فكانت ثانوياتها التي بعثتها في كل أعضاء الجسد ، كانت قاتلة من النوع الرابع ، فقد اصطنعت ما يمكن أن يقال إنها ميليشيات أشد فسادا بها تُطَهِّرُ أجهزة الدولة من العناصر الفاسدة ! ليحل الأفسد فهو الآن الأكثر ولاء وهو ما يعجل بانهيار البنيان على رءوس الجميع ! ، لا سيما إن تَزَايَدَتْ وَتِيرَةُ الصراع ، فذلك شرط أول ، مع حصول الأزمة في كافة المؤسسات فذلك ثان ، وبلوغ الأزمة الذروة فذلك ثالث ، وتساوي تكلفة التغيير مع تكلفة الاستمرار على هذا الوجه الْمُتَدَاعِي فذلك رابع وتلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، بيئة التغيير المثلى ، وهي بيئة لا تنضج بداهة في أسبوع من 20 سبتمبر إلى 27 سبتمبر ! كما استعجل من استعجل قطفَ ثمرةٍ لم تظهر ابتداء فضلا أن تصلح للأكل ! ، فتلك نظرة عاطفية تَتَّسِمُ بِالتَّعَجُّلِ الذي يخالف عن السنن الرباني المحكم ، إلا إن كان ثم عامل مرجح من خارج يسارع بإتمام التفاعل فهو يشبه ما اصطلح في الكيمياء أنه العامل الحفاز ، فهو عامل من خارجِ المواد المتفاعلة يُهَيِّئُ بيئة تفاعل مثالية ويزيد من وتيرة التفاعل دون أن يَتَأَثَّرَ به ، وذلك في الحال السياسية هو الضوء الأخضر من خارج النظام الوظيفي التابع ، إن كان التغيير من داخله فليس ثم من يملك جرأة التغيير من داخل نظام وظيفي تابع لا طموح لأركانه يجاوز رضى المركز الذي اصطنعهم ، فليس ثَمَّ من يملك هذا الطموح وهذه الجرأة من داخل النظام إلا إن كان ثم ضوء أخضر من خارج ، وإن كان طموح المجتمع ، في المقابل ، أعظم فهو يروم تغييرا جذريا ، ولكنه لا يملك أدوات القوة التي يحتكرها النظام الوظيفي قصدا ، فتلك معادلة حرص النظام الدولي على إحكامها فلئن امتلك المجتمع الرؤية والتصور والكوادر فهو لا يمتلك أسباب القوة وآليات الحكم والإدارة فهو معزول عنها تماما .
    وَلَعَلَّ اشتغال أجنحة النظام أو أجهزته أو مجموعات الضغط والمصالح داخله ، لَعَلَّهَا تكون فرصة سانحة أن يَنْشَغِلَ بعيدا عن المجتمع ، ولو نسبيا ، فتكون فُرْصَةً للمجتمع ، ولو على المدى المتوسط أو البعيد ، بأدوات قليلة لا يظهر نِتَاجُهَا إلا بعد حين ، ولكنه على الأقل احتياطي استراتيجي للمجتمع لا يجدر به أن يُسَارِعَ بِاسْتِنْفَادِهِ مع أول بادرة دون دراسة للحال الكائنة والعواقب الناجمة فذلك ، بداهة ، ما يجب فيه التجرد من العواطف التي تَتَّسِمُ بالعجلة ، فتكون فرصة للمجتمع أن يَشْتَغِلَ بِبِنَاءِ قواعده وكوادره ، وتكون عاملا حافزا يسارع بتآكل السلطة بما احتدم من صراع بين أجنحتها ، وإن كان معظمها الآن خارج السلطة ، كما يلفت بعض الفضلاء النظر ، فَثَمَّ فارق هائل بين حراك داخل نظام وظيفي لا يحظى بدعم المركز لا أنه إله يهيمن ولكنه كذلك عند أجنحة هذه السلطة الوظيفية ! ، فلا يصدرون إلا عن أمره ، فَثَمَّ فارق هائل بين حراك داخل نظام وظيفي لا يحظى بدعم المركز فلا زالت السلطة الحالية هي اختياره وإن بدأ في التململ من سوءِ أَدَائِهَا فَلَا زَالَ يُرَجِّحُهَا ولو خيار ضرورة حتى يجد بديلا أفضل ، فَثَمَّ قدر فارق بين هذا الحراك وآخر يحظى فيه الجناح المتحرك بدعم المركز ولو ضوءا أخضر غير مباشر أو نَفْضًا لكفه من الأمر ، لا سيما والمركز الآن يمر بأزمة سياسية مركزية تشبه هي الأخرى أن تكون صراعا بين أجنحته وإن كان أَرْقَى وأعقل ، وكأن هذا الصراع في المركز مما يُسْمَعُ صداه في الأطراف ، فثم جناح في المركز عاقل يمثل الدولة العميقة أو المؤسسات الكلاسيكية ، وثم آخر شعبوي ديماجوجي يستفز المشاعر العنصرية البيضاء في الوجدان الأمريكي الأنجلوساكسوني البروتستانتي الذي نجح في شطر المجتمع إلى فريقين يَتَنَاجَزَانِ ، فَثَمَّ فريق الأمريكيين البيض من الأنجلوساكسون البروتستانت وهم في الجملة فريق متوسط التعليم محدود الثقافة ضيق الرؤية تستفزه أي دعاية غرائزية تثير فيه مشاعر التفوق الحضاري على الآخر أو الخوف منه أن يغزو معاقله بحضارة مغايرة ، فالمباراة الآن بين : الأمريكيين البيض من أنصار اليمين الشعبوي الصاخب فليس اليمين الكلاسيكي العاقل ، فهذا فريق والآخر هو كل ما هو سوى الأمريكي الأبيض من المهاجرين والملونين والمسلمين والكاثوليك اللاتين ، وهي مباراة تستنزف المركز وتشغله عن الأطراف وإن تأثرت بهذا المشهد فهي تَوَابِعُ مُنْفَعِلَةٌ لا مراكز فاعلة تستقل بقرارها ، ففد نَشَأَ تِلْقَائِيًّا في الأطراف فَرِيقَانِ يضاهيان الفريقين الْمُتَنَاجِزَيْنِ في المركز ، فَثَمَّ تابع لكل واحد منهما في الأطراف ، فمنهما فَرِيقٌ يسلك جادة اليمين الشعبوي الصاخب الذي يقدس القوة تقديس الأنظمة الشمولية ، فالقوة فيها إله يعبد فلا بد من زعيم قوي ملهم ! فما يرى الناظر الآن في هرم السياسة في مصر هو انعكاس لنظيره في البيت الأبيض الذي ينادي على أتباعه بألقاب من قبيل "ديكتاتوري المفضل" ، فهو يقدس القوة وَيَرَى أن القمع هو الأداة المثلى لحكم الأطراف وذلك ما صادف رغائب الجناح الحاكم الآن في الأطراف لا سيما وهو ، أيضا ، يَتَّسِمُ بالخصائص ذاتها فقد جاء ليهدم دولة يوليو 52 في مصر ، كما يسعى الرئيس الأمريكي ترامب في هدم المؤسسات الأمريكية ، وجمهوره أيضا من ذوي المستوى العلمي والفكري المنخفض فما أسهل أن تدغدغ مشاعرهم بنظرية بُنَاةِ الحضارة الأقدم : حضارة سبعة آلاف عام التي يتآمر عليها العالم كله فَثَمَّ مؤامرة كونية عظمى تستفز غريزة الخوف كَمَا غريزة الأنا ، وذلك انعكاس آخر لما يجري الآن في المركز فحضارة أمريكا البيضاء في خطر فَثَمَّ مؤامرة من الديمقراطيين على رئيسها الجمهوري الأبيض ، فالأنا الأمريكية المستعلية بذاتها في خطر وثم مزيج بين غريزة الكبر والغرور وغريزة الخوف ، وذلك ما يخاطبُ به الجمهور الآن في مصر وإن كان أقل وعيا مع أنه ، في المقابل ، أرسخ ثقافة بما تَرَاكَمَ من إرث الرسالة مادة الهوية الرئيسة في الشرق المسلم ، فَيُخَاطَبُ الجمهور في مصر الآن بنفس الدعاية : دعاية الأنا المصرية الفرعونية صانعة الحضارة فهي ، أيضا ، في خطر لا يَقِيهَا شَرَّه إلا الزعيم القوي ذو الخلفية العريضة جدا ! .

    وفي مقابل هذا الجناح الشعبوي ، ثم جناح آخر في المركز يَرُومُ رَدَّ الأمر إلى سابق العهد ، وكذلك الشأن في طرف كمصر وهو محل الشاهد ، فَثَمَّ جناحٌ من دولة أكتوبر 81 يَرُومُ رَدَّ الأمرِ إلى ما كان عليه ، وهو ما يُلْقِي بظلاله على أحداث سبتمبر الماضي بعيدا عن التهويل والتهوين ، فالتهوين يَرُدُّهَا إلى حراك فردي تحركه بواعث شخصية مجردة ! ، وليس أمرها ، بداهة ، بهذه السذاجة ، فَثَمَّ مَنْ يَرْفِدُهَا بالدعم اللوجستي والمعلوماتي ، وأمرها ، مع ذلك ليس بهذا التعقيد والعمق ، وهو ما يمكن تقييمه استنادا إلى بعض المعايير منها :
    المعيار الأول : وهو درجة من يقف خلف هذا المنبر الإعلامي الذي يفضح فساد السلطة الحالية شيئا فشيئا ، فهل يقف وراءه جناح فاعل في السلطة يملك اتخاذ القرار وهو ما يبدو ، والله أعلم ، مستبعدا وإن لم يخل المشهد من بؤر سخط وَتَوَتُّرٍ داخل السلطة ، وَلَكِنَّهَا لا زالت حتى الآن ، ولو على المدى القريب ، هي الطرف الراجح في هذا الصراع وإن افْتُضِحَتْ وَظَهَرَتْ هشاشتها فما الظن بدولة تُسْتَنْفَرُ ضِدَّ دعوة إلى تظاهر من هاتف نَقَّالٍ ، وإن استثمرت الفرصة ، لو تدبر الناظر ، أن تَسْتَعْرِضَ عضلاتها لترسخ الدعاية السلبية في نفوس الجمهور فلا زالت قوية مسيطرة ، وهو ما ساهم فيه الإعلام المعارض وإن من طريق غير مباشر إذ زاد المشهد سخونة حتى أيقن كثير أن الأمر قد انتهى وأنها تظاهرة الخلاص فقد اتخذت الدوائر الفاعلة داخل السلطة قَرارَ التغيير ولو بنفس التكتيك ! ، إزالة قمة الهرم الفاسدة وإعادة تشغيل ماكينة تدوير الْمُخَلَّفَاتِ لإخراج زعيم مُلْهَمٍ جديد ! ، وبلغت الحال أن دعا بعض الفضلاء إلى خيانة جديدة تَنْسَخُ خيانة يوليو 2013 في مشهد هزلي يحكي ضعف المجتمع والمعارضة فقد صار منتهى السؤل أن يكون الحل في الخيانة ؟! ، وهي ، مع ذلك ، لا تضر إن حصلت ! ، فقد تكون انْفِرَاجَةً رَبَّانِيَّةً يُهْلِكُ بها الله ، جل وعلا ، ظالما بآخر ، فَتَغْيِيرُ قِمَّةِ هرم السلطة خطوة ، ولكنها ليست الطريق كله ، فإن جاءت من طرف آخر ، ولو متآمرا ! ، فلا تُرَدُّ وإن لم تمدح المدح الزائد كما قال قطاع آخر من الإعلام المعارض الذي لا زال يتشدق بوطنية الدولة والمؤسسات بعد ما ظهر فيها من الخيانة والفساد ! ، فكان رفع سقف الطموح فَثَمَّ جناح في السلطة قد اتخذ القرار ، ثم ظهر أن ذلك غير صحيح وأن الأمر لم يخل من تهويل ، وإن كان ثم ضربة مؤثرة قد تَلَقَّتْهَا السلطة وهو ما يعكس تخبطها السياسي والإعلامي ولو في إطار توزيع الأدوار امتصاصا لحراك الجمهور الغاضب ، فضلا عن بعض التنازلات اليسيرة فهي فتات لا يضر تَرْكُهُ للشعب العظيم ! ، فَتَكْلِفَتُهُ ، كما رصدت بعض التقارير ، تَكْلِفَتُهُ تكاد تعدل ثُلُثَ تكلفةِ قصر واحد من قصور الرياسة الجديدة ! ، فثم ضربة موجعة يمكن البناء عليها ولو انطلاقا من نظرية كرة الجليد المتدحرجة ولكنها لا زالت في مبادئِ حِرَاكِهَا إلا أن يشاء الله ، جل وعلا ، بِتَسَارُعٍ مفاجئ ، سواء أكان بَاعِثُهُ عاملا حافزا من داخل الحراك يُبْدِعُ المجتمع فيه بعد استكمال الحد الأدنى من أدوات التغيير في الفكرة والحركة ، وهو الآن ، واجب الوقت لا سيما والصراع داخل دوائر النفوذ مرشح للتصاعد على وجه يجعل السلطة في حال ذهول عن المجتمع فهي فرصته أن يَلْتَقِطَ أنفاسه إن تَرَاخَتْ قبضة الاستبداد ولو مؤقتا ، فَلَا بُدَّ مِنْ حصولِ أَنْوِيَةٍ صغيرة على نطاق واسع منها الاجتماعي فهي ما يحتاج كُلُّ أَحَدٍ لِيَخْرُجَ مِنْ حَالِ الخوف والقلق التي تَنْتَابُ الإنسان إذا أحس بالوحدة والوحشة وهي مشاعر تَزْدَهِرُ في أعصار القمع فكل يُغَرِّدُ خارج السرب إذ لا سرب ابتداء ! ، فالاستبداد يشتت شمله ويفرق جمعه فيصير آحادا يخترمها الخوف والعجز والفشل والوحدة والوحشة والانطواء والتشاؤم فلا يخرج من هذه المشاعر السلبية إلا وَثَمَّ نواة اجتماعية ولو في نطاق ضيق تجمع الأرواح المتآلفة فهي حاضنة للفرد تُعِينُهُ على نوائب الدهر ، بعيدا عن الصراع السياسي والميداني فذلك حد أدنى ضروري لبقاء الإنسان في حال سوية ، وهو ما يجاوز حَدَّ الاحتياج المادي المحسوس إلى آخر معنوي معقول ولعله الأعظم أَثَرًا ، ولو على المدى البعيد ، فالاحتياج المادي الطارئ تذهبه المشاركة والمعاضة العاجلة ، وأما نظيره المعنوي فهو نِتَاجٌ تراكمي لمشاعر صادقة يطول زمانها فَتُعِيدُ للإنسان الثقة المفقودة ، ولو بعضا منها ، فالاستبداد قد نجح ، أيضا ، أن يذهب بها أو بأكثرها عَلَى تَفَاوُتٍ فِي قدرة النفوس على التحملِ والمواجهةِ ، فذلك ما لا يكاد يحصى إذ النفوس على أنحاء كثيرة تَتَفَاوَتُ فلا يُحْصِيهَا إلا الخالق ، جل وعلا ، وذلك موضع آخر به يُعَظِّمُ المخلوقُ الخالقَ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، بما كان من نَفَاذِ القدرة وبلوغ الحكمة في خلق المحال المختلفة ، فلكلٍّ منها حال تلائمها قوة أو ضعفا ، احتمالا أو انهيارا ..... إلخ وهو ما تظهر آثاره في الشدائد فلا يَثْبُتُ إلا من ثَبَّتَ اللهُ ، جل وعلا ، ولو كان في أصل خلقته لا يحتمل ، فيعضده الرب ، جل وعلا ، بمدد عاجل فهو المسدد الناجح ، وقد يكون ابتداء شديد القوى ولكنه يخذل إذ وُكِلَ إلى نفسه فيكون من انهياره ما منه الصديق يشفق والعدو يشمت ، وكلاهما مما يُؤْلِمُ .
    فَلَا بُدَّ من حصول الأنوية الاجتماعية التي تعين الفرد على هذه المشاعر السلبية التي نجح الاستبداد في إذاعتها في العامة فلا يحكم سيطرته التامة إلا وتلك حال المجتمع الذي يتحول إلى أشلاء تَتَنَاثَرُ بل وَتَتَصَارَعُ في أحيان فقد انصرفت عن السلطة المستبدة وهي سبب كل بلوى تشكو منها وراحت تُفْرِغُ شحنة الغضب في صراعات بَيْنِيَّةٍ تَسْتَنْزِفُ قوتها وَتُبَدِّدُ طاقتها بعيدا عن السلطة فليست إلا تفريغ الشحنة التفريغَ الآمن لئلا تنفجر في وجه السلطة ثَوْرَةً أو فَوْضَى أو أي اضطراب يضر السلطة وإن لم يَهْدِمْهَا ، ولا بد مع هذه الأنوية الاجتماعية الضيقة ، لا بد من أخرى فكرية وحركية تبدأ صغيرة على حذر فهي تبث الوعي والأمل وتعمل في نطاق ضيق منعزل حتى تحين فرصة اجتماع وذلك ، كما يقول بعض النظار ، من أعظم ما تخشى السلطة ، إذ تلك مساحة خفية لا تظهر ، مع أن لقائل أن يقول في سياق الاستقراء لأجزاء الصورة إن السلطة لم تخل جُعْبَتُهَا هي الأخرى من مكاسب في مثال كمثال حِرَاكِ سبتمبر آنف الذكر ، فقد نجحت في اكتشاف مساحات جديدة من المعارضة لتقمعها قَبْلَ أوانِ نُضْجِهَا ، فضلا أنها وجدتها فرصة لاستعراض العضلات الخشنة ، وإن كان الظرف الآن يخالف ، ولو من وجه ، عن ظرف 14 أغسطس 2013 فكان ثم دعم كبير من الإقليم وآخر ولو ضوءا أخضر غير مباشر من المركز أَنِ : اسْتَخْدِمِ القوة النارية المفرطة ونحن نُوَفِّرُ لك الغطاء السياسي والدعم الاقتصادي ، وهو ما لا يراه الناظر اليوم فالإقليم والمركز قد تَرَاجَعَ تَأْثِيرُهُمَا ، ولو نِسْبِيًّا ، فلا زالا يدعمان ولكنْ ليس بِذَاتِ القدر الذي كان عليه الأمر في أغسطس 2013 ، فضلا أن السلطة قد نجحت آنذاك في حصر الصراع مع الطيف الأيديولوجي الذي يكرهه المركز وَيَتَوَجَّسُ منه خيفة فهو يروم التخلص منه وإن أظهر الامتعاض والأسف على سفك دمه حفاظا على ماء وجهه ، خلاف الحال الآن فهذا الطيف الأيديولوجي غائب من مشاهد الحراك الأخيرة ، وذلك ما يجعل المركز بداهة يأخذ على يد السلطة فلا إطلاق للنار هذه المرة ولو في مبادئ الجولة ، بل وربما في ختامها إذ إطلاق النار هذه المرة يكافئ مواجهة مفتوحة مع قطاعات واسعة من الجمهور كثير منها كان مؤيدا بارزا للسلطة في 2013 ، وذلك ما يمكن تَلَمُّسُهُ في صورة السلطة المصرية الآن في الميديا الغربية ، فَثَمَّ هجوم شرس على السلطة واتهام لها بالقمع وفضح لضعفها وهشاشة بنيانها فضلا عن تقارير حقوقية لم تظهر فجأة ! ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، فلا يعقل أن النظام الدولي قد اكتشف فجأة ما يقع من انتهاكات جسيمة في مصر فَتَحَرَّكَ بَعْدَ أن وَخَزَهُ ضميره المستيقظ ! ، ولكنه تحرك وَلَوْ رَسَائِلَ إنذارٍ للنظام أن يُعَدِّلَ من سلوكه ، وربما كان ذلك تمهيدا لاستبدال آخر به ولو على مدى متوسط أو بعيد فلا بد من تجهيز البديل على دكة الاحتياط وإن لم يأت بَعْدُ أَوَانُ مشاركته بل ولعله لا يشارك في هذه الجولة أصلا ولكن وجوده جاهزا أمر واجب تحسبا لأي ظرف طارئ ، والسياسة لعبة البدائل فلا يوجد عاقل يمارسها دون أن يُعِدَّ من البدائل الجاهزة ما به يَتَّقِي النوازل المفاجئة ، وهو ما يشكل ضغطا كبيرا فِي رأي عام دفعت السلطة لأجله ما دفعت لتجميل صورتها في الدوائر السياسية والحقوقية في المركز ، وكذلك الشأن في بعض دوائر السياسة الغربية التي أطلقت تصريحات تُحَذِّرُ وَتُبْدِي القلق والتوجس ، فلم تَتَجَاهَلِ الحراك كعادتها حفاظا على مصالحها السياسية والاقتصادية مع نظام يجيد شراء الولاء بالصفقات السياسية والاقتصادية فكان رد فعل ألمانيا على سبيل المثال لافتا مع أن المستشارة الألمانية امرأة شديدة البراجماتية فلا يَعْنِيهَا إلا مصالح بلادها ولو على حساب مبادئها المعلنة ، فكان حذرها في سبتمبر الماضي أن تَتَمَاهَى مع هذه السلطة ولو في إجراء بروتوكولي مصافحةً دبلوماسية أمام الكاميرات خلاف ما كان بعد ذلك في الزيارة الأخيرة فقد هدأت الرِّيح ولو حينا فلا مانع من استئناف العلاقات حفاظا على المصالح وإن كان خطاب الخارجية الألمانية أقوى من نظائره في انتقاد الحال الحقوقية في مصر وهو ما يهدد استثمارات ألمانيا في مصر بالنقص فلا يخلو الأمر ـ أيضا ، من نظر بعيد المدى في بيئة استثمار تعود على ألمانيا بالنفع ولو لم يكن ذلك الملف الاقتصادي الوحيد ، فثم ملف بيع الأسلحة وهو ملف فتحته السلطة في مصر مع جميع الجهات الداعمة فاشترت منها السلاح أيا كانت بواعثها في شراء الولاء أو إحداث نوع من التوازن وإن كان ذلك أكبر من تصورها السياسي الضحل ، فليس لها باع في هذا الفن ، فن التفاوض وإقامات التوازنات ولو براجماتية لا تجاوز فيها حد التَّبَعِيَّةِ للقوى المركزية العظمى ، فلا تجيد فَنَّ الْعِمَالَةِ وَالتَّبَعِيَّةِ فضلا عن الاستقلالية ولو حدا أدنى يحفظ ما تَبَقَّى من ماء الوجه الْمُرَاقِ صباحَ مساءَ .
    ولم تخل السلطة ، مع ذلك ، من مكسب متوقع وهو استعراض عضلاتها الأمنية المفتولة ، فضلا عن تطبيق بعض الخطط الأمنية الجديدة ، كما يضرب بعض الباحثين المثل بِتَقْطِيعِ أوصال المدن الكبرى كما كانت الحال في 27 سبتمبر الماضي ، فضلا أنها فرصة للتخلص من بعض القيادات والكوادر بذريعة الثورة على الفساد السياسي والإداري ، فباسمها قد تشهد أجهزة الدولة حملةَ تَطْهِيرٍ لكلِّ من يُشَكُّ في ولائه ، فضلا عن تخفيف الأحمال فهي فرصة لتحسين الأداء الإداري البيروقراطي بطرد أكبر عدد من الموظفين بذريعة إعادة الهيكلة لتطوير الأداء ! .

    والحراك ، مع ذلك ، بطيء متدرج كحال أي ظاهرة اجتماعية أو سياسية وإن كانت نهايتها ثورية جذرية ، وهو ما يستبعد في الحال المصرية ذات الطابع المحافظ والمزاج الهادئ والصبر الجميل جدا ! ، فلا بد من استيفاء شروط الظاهرة الاجتماعية أو السياسية وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا ، وقد يكون ثَمَّ تَسَارُعٌ مفاجئ سواء أكان عاملا حافزا من داخل ، أو آخر من خارج بضوء أخضر من جناح في المركز هو الجناح العاقل الذي يَرُومُ رَدَّ الأمر إلى قواعد اللعبة الأولى ، فالصراع في الأطراف ، كما تقدم ، يحكي نظيره في المركز .

    والمعيار الثاني كما يقول بعض الفضلاء هو : طبيعة هذا الجناح المعارض ، هل يملك صلاحيات اتخاذ قرار وهو ما لا يظهر حتى الآن ، فقد يكون جناحا غاضبا له نفوذ ولكنه خارج السلطة فهو تكتل المتضررين من دولة أكتوبر 81 الذين أقصتهم السلطة الحالية ولم تنجح في تَأَلُّفِ قلوبهم إذ تَفْتَقِرُ ، كما تقدم ، إلى أي حس سياسي ناضج .

    والمعيار الثالث كما يقول بعض الصحفيين هو : طموح هذا الجناح المنافس لجناح السلطة الحاكم ، هل يُرِيدُ التَّغْيِيرَ ، ولو تغيير قمة الهرم السياسي بإعادة تشغيل ماكينة تدوير المخلفات آنفة الذكر ، أو هو يُرِيدُ التَّعْدِيلَ فقط بضبط سلوك السلطة الحالية وَرَدِّهَا إلى المثال الكلاسيكي القديم : الانسحاب من الشأن العام بعد أن غاصت أقدام الجيش في الشأن العام فذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، أمر قد يبدو في أوله حُلْوًا بِمَا يَتَحَقَّقُ من مكاسب اقتصادية عاجلة ، ولكن آخره مُرٌّ سواء أكانت المرارةُ سياسيةً أم اقتصاديةً ، فإن تَوَرُّطَهُ في الشأن العام يجهد قِوَاهُ وَيَسْتَنْزِفُهَا إذ يحمله مسئولية إدارةِ أَيِّ أزمة سواء أكانت هو من اصطنعها أم تَسَبَّبَ فِيهَا بسوء إدارته ، وهو ما يخصم من رصيده الجماهيري ويهز أركان السلم الاجتماعي وهو حتم لازم في أي مثال اقتصادي ناجح ، فضلا عن هروب الاستثمارات الأجنبية المباشرة من مناخ يَتَرَاوَحُ بَيْنَ احتكار السلطة تارة ، واضطراب في السياسة والاجتماع أخرى ، وذلك ما عكسته التقارير الرسمية الأخيرة إذ أبانت أن دولة بحجم مصر فهي سوق استهلاك كبيرة يَرْغَبُ فِيهَا أي استثمار واعد إن تَهَيَّأَ الظرف له ، فأبانت التقارير الرسمية الأخيرة أن دولة بهذا الوصف لا يَتَعَدَّى حجم الاستثمار الأجنبي فيها 5,9 مليار دولار فقط بانخفاض بلغ 24% ، فكل أولئك مما يقلل حجم الثروة المتداولة ، فضلا أن الجسم ، كما يضرب بعض الفضلاء المثل ، فضلا أنه يَتَغَذَّى على نفسه إن لم يكن ثم غذاء من خارجه لا سيما مع تعطل أجهزته عن الإنتاج كما هي حال الاقتصاد المحلي الآن في مصر فوصفه القياسي أنه اقتصاد غير منتج إذ لا يملك قاعدة إنتاج مريحة فضلا أن تكون حديثة ، فالجسد في حال الجوع يَسْتَهْلِكُ ذَاتَهُ فلا غذاء يدخله من خارج فيسارع باستهلاك السكر المختزن في عضلاته ثم الدهون ثم يلجأ أخيرا إلى هضم نفسه على وجه يفضي في حالات الجوع الشديد إلى الإصابة بالتسمم القاتل ، وهو ما يخشاه بَعْضٌ له بَقِيَّةُ عَقْلٍ في مصر ، ولو داخل أروقة السلطة ، فالجيش وإن هيمن وتكسب فمؤقتا طالما بقي في جيوب الناس مالٌ يُنْفَقُ ، فإذا نَفَدَ هذا المال وليس ثم إنتاج فالمجتمع معطل عن الإنتاج إن اضطرارا فلا يملك أدوات الإنتاج أو اختيارا فهو يَفِرُّ من منافسة غير عادلة مع سلطة غير راشدة ، فإذا نَفَدَ المال والحال هذه فمن أين يشتري الناس بضائع السلطة وكيف تُسَوِّقُ السلطة ما تُنْتِجُ لا سيما ومنتجاتها لا تَرْقَى إلى تحقيق معدلات تصدير عالية فهي في الجملة رَدِيئَةٌ تُخَالِفُ عن المعايير القياسية وإن لم تخالف عن نظائرها المصرية ! ، فالمجتمع إذا لم يجد ما يخبز لنفسه ، كما يقول الفاضل آنف الذكر ، فلن يجد بداهة ما يخبزه للسلطة فما تصنع الآن من الاحتكار والاستنزافِ لثروة المجتمع ، ما تصنعه الآن لو كانت تَفْقَهُ هو ما يَضُرُّهَا ولو على المدى المتوسط أو البعيد وإنما هي سكرة السلطة وشهوة الثروة دون تقدير العواقب فإذا ذهبت السكرة وجاءت الفكرة عظمت الحسرة ولات حين مناص .
    والشاهد أن الأمر يتراوح بين طرحين عند هذا الجناح المنافس ، فهل يروم تغيير قمة الهرم أو هو يروم تعديل المسار بممارسة بعض الضغوط التي يستدعي لأجلها الجمهور استدعاءً لا يخلو من براجماتية وانتهازية فهو يريد مصلحته الخاصة وإن كساها لحاء المصلحة العامة ، فلا يَعْنِيهِ كَثِيرًا ما تُقَدِّمُ هذه الجماهير من تضحيات فهو جاهز بجناحه المنظم ليقطف ثمرة الحراك الجماهيري العفوي استنساخا آخر لمشهد يناير 2011 وما بعده ، وهو يستثمر ، من وجه آخر ، ما تَقَدَّمَ من اشتغال المركز الآن في صراع أجنحته ، فضلا عن تحول المركز ، كما يقول بعض الباحثين ، إلى سياسة النأي بالنفس عن تفاصيل المشاهد السياسية في الأطراف ما لم تُفْضِ إلى تغيير جوهري في السياسات التابعة ، فإذا كان الصراع داخل هذه الدائرة الوظيفية فالمركز لا يعينه كثيرا مَنْ يحسم الصراع لصالحه ، لا سيما في أطروحته اليمينية الشعبوية الحالية فمن محاسنها النادرة ! أنها تروم الانغلاق على ذاتها وَكَفَّ شَرِّهَا عن الأطراف ، ولو نسبيا ، فلا يعنيها كثيرا من يحسم الصراع فهو في جميع الأحوال يَصُبُّ في قناتها ولو على تفاوت فقد تكون السلطة الحالية أفضل من وجه ، ولكنها قد تكون ، من آخر ، عالة بما قارفت من الجرائم والأخطاء فتكلفة بقائها أكبر ، فيكون الاستغناء عنها ولو اضطرارا مع تجهيز البديل من نَفْسِ الدائرة الوظيفية ، أو الضغط القوي على السلطة الحالية لِتُعَدِّلَ من سلوكها السياسي السيئ ، ولو قهرا ، فالمركز ، بداهة ، يملك من أدوات الضغط ما يضبط به سلوك التابع الوظيفي في الأطراف .

    وَثَمَّ ، لو تدبر الناظر ، ما يستوجب العتاب وربما اللوم في حَقِّ بعض قنوات الميديا المعارضة التي مارست هي الأخرى سياسة التسخين ورفع الوتيرة بلا عقل يلجم هذه العاطفة فكان ثم خطاب لا يخلو من غرائزية تثير الحماس ولا تجيد الحساب ، فلا تنظر في العواقب ، فإذا صح ذلك من جناح في السلطة لا يعنيه إلا مصلحته الخاصة ، فالجميع يريد الحشد ، فهو محل إجماع ، ولكن ثم المغرض الذي يروم استثمار هذا الحراك لمصلحته الخاصة فلا تعنيه الخسائر البشرية في مقابل ما يحقق من مكاسب سياسية ، وثم ، في المقابل ، المخلص فهو يَتَحَرَّى الحذر فلا يُرِيدُ حَشْدًا يُلْقِي به في نيرانِ معركة غير متكافئة تكون الغلبة فيها للسلطة لا شجاعةً وتضحيةً فالحشد أشجع وأرغب في التضحية الصادقة ، وإنما كَثْرَةً تَغْلِبُ الشجاعة ، فلا يريد حشدا يصنعه على عين الإخلاص والإتقان ثم يقامر به في لعبة سياسة دون نظر في العواقب سواء أكان ذلك تقصيرا فهو عظيم أم خيانة فهي أعظم ، أم كلاهما في مشهد تَتَدَاخَلُ فيه المشاعر ، فَيُخَالِطُ الهوى الإخلاصَ على وجه يدق ، فلا يسلم صاحبه من حظ النفس وإن كان مبدأ أَمْرِهِ صحيحا وغالب حاله سديدا ، والله ، جل وعلا ، أعلم بالسرائر وهو يتولى عباده الصالحين ويغفر ما كان من العجز والتقصير ويستر ما خفي من دَخَلِ النفوس وعيوبها .

    وواجب الوقت ، والله أعلم ، هو الاستفادة من هذه الانفراجة قدر المستطاع أيا كانت النتائج ، لا سيما في ملف الأسرى ، فرج الله جل وعلا عنهم عاجلا غير آجل وردهم غانمين سالمين في أديانهم وأبدانهم ، فذلك واجب الوقت سواء أكان بِتَكْثِيفِ الضغوط الحقوقية لا سيما بعد حدوث شروخ غير يسيرة في صورة النظام يجب السعي في تَعْمِيقِهَا في دوائر صنع القرار ودوائر الضغط السياسي والحقوقي في المركز ، لا سيما وثم جناح داخل السلطة ، كما ينقل بعض الفضلاء من أَنْبَاءٍ تَرْشَحُ والعهدة على الراوي ، أن ثم جناحا يريد حسم ملف الأسرى بإطلاق كثير منهم ممن لا يشكل خطرا على أي سلطة عاقلة ، ولو مستبدة جائرة ! ، وإن شَكل خطرا على سلطة مصابة بوسواس قهري يجعلها تَتَوَجَّسُ خِيفَةً من كل أحد ، ولو من أنصارها وجندها ، فَثَمَّ رأي عاقل يروم إطلاق أولئك الكرام الأفاضل إذ يشكلون عِبْئًا ماديا ومعنويا على الأجهزة الأمنية المجهدة من طول الصراع ، فَثَمَّ عبء حقوقي يمكن الضغط من خلاله لا سيما في حق النساء والأطفال فهم أول من يجب السعي في فكاكهم ، فَثَمَّ رأي عاقل داخل السلطة ينظر باعتبار من هذه الوجهة ، فلا بد من ممارسة الضغط استثمارا لهذه الفرصة التي يشكو فِيهَا النِّظَامُ من ضعف ، ولو عارضا ، فهو يبدي الآن استعدادا لتقديم تنازلات مادية ومعنوية ، ولو جزئية ، مع الأخذ في الاعتبار أن ثم جناحا آخر غير عاقل هو من يتخذ الآن القرار الراديكالي المتطرف الذي يروم نقل المعركة مع الخصم إلى الخانة الصفرية ، فإما أنا وإما الآخر أيا كان سواء أكان معارضا من خارج السلطة أم آخر من داخلها أم ناقدا لا أكثر فلا يعارض ابتداء قَرَارَاتِ القيادة الحكيمة ! وإنما يرغب فقط في تقديم النصيحة ، فالقيادة الشمولية المستبدة لا تطيق سماع صوت آخر يخالف عن رَأْيِهَا ولو في تكتيك جزئي وهو ما يعجل بحتفها مكرا واستدراجا من ذي الجلال والعظمة تبارك وتعالى .

    والله أعلى وأعلم .


  10. #10
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    وجزاكم خيرا ونفعكم ونفع بكم وأحسن إليكم وأجزل لكم الثواب في الأولى والآخرة .

    والمجموع الوظيفي التابع الذي تأطر وتصلب فصار كيانا يخالف في قيمه ومشاعره وطموحاته وطرائق معاشه ...... إلخ ، هذا المجموع الوظيفي الطفيلي لا يحتاج المجتمع إلا خَزَّانَ ثَرْوَةٍ وخدمةٍ ، وهو ، كما يذكر بعض الاقتصاديين ، ما لا يخلو منه المركز ، فَنَظْرَةُ النخبة الحاكمة فيه لا تخالف عن نظرة النخبة الحاكمة في الأطراف وإن كانت أكثر لباقة واحترافا ، فإن هذه النخبة تُوَظِّفُ المجتمع فهو وعاء ضريبي يمول جيوش النخبة التي تحولت إلى مرتزقة ولو بهيئات رسمية ، وهو يضرب المثل بنحو 300 مليار دولار ، بتاريخ قديم هو تاريخ بحثه وإلا فميزانية وزارة الدفاع الأمريكية في العام المالي الحالي 2020 قد بلغت 750 مليار دولار ، وهو ما يعدل ثلاثة أضعاف الناتج المحلي لدولة كمصر يبلغ عدد سكانها 100 مليون أو يزيد ، فحجم الثروة المتداولة فيها يعدل ثُلُثَ ميزانية وزارة واحدة في المركز ! ، ولا ينكر ناظر يُدَقِّقُ أن وصف الاحتراف في القتال ، ولو في الجوانب الفنية ، أمر تعكسه هذه الميزانية ، فَثَمَّ وجوه من الانفاق تجاوز حد التسليح إلى البحث والابتكار والتحديث ، فضلا عن مراكز بحثية تدعم القرار العسكري بما تقدم من ورقات عمل وإن لم تخل من تمويل مُوَجَّهٍ ، فشركات السلاح مجموع ضغط مؤثر في اتخاذ القرار في المركز ، فالعمل وإن كان احترافيا في أدائه إلا أنه لا يخلو من الوظيفية في أهدافه ، فالقوة العسكرية تحقق أهداف النخبة ، نخبة التصنيع العسكري ، من وجه ، فهي مسعرة حروب تدير عجلة إِنْتَاجِهَا ، سواء أشارك المركز فيها أم كانت بين طرفين أو جملة أطراف تَتَصَارَعُ في دائرة محلية أو إِقْلِيمِيَّةٍ محدودة طبقا لنظرية الصراعات منخفضة الحدة فَلَهَا أهداف جيوسياسية واقتصادية مهمة ! ، والقوة العسكرية في المركز تحمي حقول النفط والغاز ومصادر الثروة التي يستنزفها المركز من الأطراف فهو يفرض عليها الحماية ، طوعا أو كرها ، وهو ما يستوجب الحصول على الخام بأسعار يحددها المركز وإن لم يكن صاحب السلعة ، فضلا عن ثمن حماية جديد هو ، لو تَدَبَّرَ الناظر ، من وجوه التجديد الذي أنجزه الرئيس ترامب في خطاب الدبلوماسية الأمريكية ، فهذه القوة العسكرية المحترفة قد باتت تلعب أدوارا أمنية ذات طابع وظيفي فهي تحقق أهداف النخبة المالكة للشركات الكبرى ، وهي تحرس مصادر الثروة في الأطراف ! ، ومن يمول هذه القوة هو المجتمع ، ومن يجني أرباح الحروب والحقول هو النخبة ، فالمجتمع في هذه الحال قد تحول ، كما الحال في الأطراف ، إلى مصدر جباية ، فضرائبه تمول القوة العسكرية ذات الأهداف الوظيفية ، وأبناؤه هم الجند الذي يقاتل خارج الوطن لمنع وصول العدو إلى الداخل فيحسن اسْتِبَاقُهُ بِضَرْبِهِ في معاقله ، وتلك نظرية أطلقها الرئيس بوش الابن عقيب أحداث سبتمبر 2001 ، وإن بدأ ذلك في الانحسار عقيب الخسائر الكبيرة في فترتي رئاسته في بلاد الأفغان والعراق ، وثم أداة ميديا تمارس ما اصطلح أنه صناعة الموافقة : صناعة الرأي العام المؤيد لمصالح النخبة وحدها ! ، وهو ، كما يذكر الباحث ، ما يرجع بِالذِّهْنِ إِلَى زَمَنِ الإمبراطورية البريطانية ، فكان أسطولها في أعالي البحار أداة حفظت بها مصالحها الاقتصادية استيرادا للخامات وتصديرا للمنتجات ، وكان الشعب البريطاني ، بَدَاهَةً ، هو من يمول هذه الأساطيل وكان أبناؤه من يقاتل وَيُرَابِطُ في الأطراف ، فنظر النخبة في المجتمع ، ولو في الداخل ، نظرة براجماتية ، فهو مصدر الثروة بما يُفْرَضُ من ضرائب ، وهو مصدر القوة البشرية بما يقدم من أَبْنَائِهِ فداء للوطن ! ، وهو معنى تَتَحَكَّمُ في حده النخبة فهي من يُعَيِّنُ العدو الاستراتيجي لهذا الوطن ، وهي من يملك آلة الدعاية الحاشدة ، وهي أخيرا من يجني الأرباح المادية والمعنوية ! ، ونظر هذه النخبة المركزية في بقية المجتمعات هي ، بداهة ، أشد براجماتية على وجه تحكيه حرب كالحرب البريطانية الصينية ، أو ما اصطلح أنه حرب الأفيون ، فقد تحولت الإمبراطورية البريطانية إلى تاجر مخدرات يستنزف ثروة الصين من الفضة بما يروج من المخدر على وجه أضر بالمجتمع الصيني فارتفع عدد المدمنين في زمن قياسي ، من مليونين إلى 120 مليون مدمن ! ، في 28 سنة فقط ! ، وَلَمَّا رامت السلطة المحلية حظر المخدر كانت الحرب التي تحمي مصالح الإمبراطورية المركزية ولو بإغراق الأطراف بالمخدرات ، فالشعب الصيني في هذه الحال ليس إلا سوقا تروج فيه بريطانيا العظمى المخدرات ! ، فهو حافظة نقود تَسْتَنْزِفُهَا القوى العظمى إن بِتَرْوِيجِ سلع مشروعة أو أخرى محظورة ، واضرب له المثل بما تمارس الأجهزة السيادية في بلد كمصر ، وهي مثال قياسي للأطراف ، فثم أجهزة سيادية تحتكر الاستثمار في الاقتصاد الأسود ، لا سيما المخدرات والدعارة ، وليس ذلك ببدع من الفعل ، بل هو ، كما يرصد بعض الباحثين ، سلوك الجار اليهودي الذي يضرب به المثل في النجاح السياسي والاقتصادي ، فالأرقام تحكي وفود 3000 إلى 5000 امرأة في العام الواحد فهي سوق المتعة المحرمة وأمواله تغسل في الداخل ، في القطاع المصرفي ، نحو 5 مليار دولار ، فضلا عن القطاع العقاري نحو 600 مليون دولار ، في خمس سنوات 1990_1995م ، وهي الفترة التي شهدت انهيار الكتلة الشرقية التي صارت مصدرا رئيسا لهذه السلعة ! ، فالبشر في هذا المثال ، أيضا ، قد تحولوا إلى أدوات خدمة ، في قطاع الترفيه والمتعة ، وهو ما لا يخالف في الجملة حال الأطراف الأخرى في الشرق وإن كانت أسوأ حالا فكيان يهود وإن استثمر في هذا الاقتصاد الأسود فثم اقتصاد آخر قوي يملك قاعدة إنتاج حقيقية ، فضلا عن قاعدة رقمية جعلت الكيان ذا ريادة في صناعة البرمجيات وإن كان كثير منها ذا طابع أمني استخباراتي تستورده بعض دول الإقليم لِتَنْتَفِعَ به في تَتَبُّعِ معارضيها فهي مستهلِكَة ، ولو في باب التجسس والتحسس ، فلا تملك استقلالا ولو في انتهاك الحريات العامة والخاصة ، فثم مثال آخر في بلد كمصر إذ تَثْرَى النخب السيادية من الاستثمار في هذا الاقتصاد الأسود ، فضلا عن آخر في السلع المشروعة ولو استيراد لِأَرْدَإِ الأصناف فَلَيْتَهَا كانت تستثمر استثمارا نَافِعًا ، ولو ذهب معظم ربحه إلى جيوبها ، فَلَيْتَهَا تسهم في تحديث أدوات الإنتاج في المجتمع فلا يطيق المستثمر المتعجِّل الصبر على استثمار طويل المدى كالاستثمار في قواعد الإنتاج الصناعي أو الزراعي ، فالأسرع ربحا أن يستورد بما يملك من مال ، ولو سرقة أو غصبا ! ، أن يستورد سلعا رخيصة رديئة تحظى بالإعفاءات فَتُغْرِقُ السوق وَتَقْضِي على أي منافس محلي وذلك ما يصب في مصلحة رءوس الأموال الطفيلية وهي المعظم الغالب في أي اقتصاد فاشل ، فقيمة الربح هي القيمة العظمى المركزية في هذا المثال النيوليبرالي الذي يَتَعَامَلَ مع الموارد الطبيعية ، كما يقول بعض الباحثين ، أنها مصدر دخلٍ وَرِبْحٍ سريع مباشر ولو بِاسْتِنْزَافِهَا وتحويلها إلى ثَرْوَةٍ ورقية دون اعتبار لحق الأجيال القادمة في التنمية الحقيقية التي تجاوز حد النمو في الثروة دون استثمار لها في قواعد إنتاج يَعُمُّ نفعها المجتمع كله ، فالأمر ، لو تدبر الناظر ، لم يقتصر على الحكومات الوظيفية المباشرة في الأطراف فلا تخلو الحكومات في المركز أن تكون ، أيضا ، من الجنس الوظيفي ، وإن أكثر لباقة واحترافا فهي ، أيضا ، تحكي مصالح النخبة الحاكمة في المركز ، كما الحكومات الوظيفية التَّابِعَةُ لَهَا فِي الأطراف فهي تحكي مصالح النخب الحاكمة فيها ومن وَرَائِهَا مصالحُ النخبة الأم القابعة في مركز الحكم .

    وتلك نظرة المحتل الذي لا يشعر بالانتماء إلى الأرض إلا انتماء التاجر الجشع الذي لا يُعَظِّمُ قِيمَةً إلا قيمة الربح المطلق ، حَلَّ أو حَرُمَ ، فإن واطأ الحلال فَعَرَضًا فلا غاية له ولا قصد أن يُوَاطِئَ معنى يحسن في الشرع أو العرف ، فلا يستحسن إلا قيمة الربح وذلك ما يحول الأرض إلى سلعة ، ويحول البشر إلى أدوات خدمة منهم المرتزَق ومنهم المستَلَب الذي يُسْتَرَقُّ صراحة أو ضِمْنًا فهو خادم للنخبة ، طوعا أو كرها ، تحت عناوين فضفاضة منها الواجب الوطني بل والرسالي في أحيان كما الحال في الأنظمة الثيوقراطية الكلية أو الجزئية التي تَلْجَأُ إلى الدين في مواضع لا سيما في خطاب الداخل إن خطاب الترغيب بإظهار الورع والحفاظ على القيم والأعراف أو خطاب الترهيب الذي يتذرع بالتدين ليقمع المجتمع ويؤطره في مثال خضوع يكتسي لحاء القداسة من أحكام الرسالة وهي منه براء فذلك أفحش ما يُقَارِفُ هذا المثال الوظيفي الذي يُبَغِّضُ الخلقَ فِي دين الحق ، فَثَمَّ خدام وحرس لا للدين ولا للوطن ولا لأي قيمة تستغرق العموم ، فهم خدام وحرس لنخبة مخصوصة استأثرت بالسلطة والثروة فصارت نواة صلبة لكيان جديد هو على المجتمع دخيل وإن شاركه الوجود الفيزيائي على الأرض ، بل ذلك في أحيان ما يَنْتَفِي كما يرى الناظر في مناطق السلطة المغلقة ومدنها المحصنة التي تتأول بها الانفصال الفكري بين النخبة والمجتمع ، فيكون الانفصال الذاتي في الخارج تأويلا صحيحا له فلا تختلف الأبدان إلا وقد اختلفت القلوب ابتداء ، فيكون انحياز النخبة في القرى المحصنة ، لا سيما إن زادت الهوة بين المجتمع والكيان الوظيفي الحاكم ، فهو نائب عن كيان أكبر ، ولو نيابة أعم تَتَّسِمُ باللامركزية التي تعطي المراكز الصغرى في الأطراف هامشَ إدارةٍ أوسع لا يخرج بها عن المثال المحكم ، مثال الكيان الوظيفي التابع ، فهذا الكيان الوظيفي في الأطراف وإن كانت له نسبة ولادة ونشأة أولى ، وهي نسبة فيزيائية محسوسة ، قد تطول زمانا حتى يكون الانفصال التدريجي في خطوط إنتاج خاصة هي محاضن أعدتها السلطة في الأطراف لِتَخْرِيجِ رجالِ السلطة أو الرؤساء المحتملين وذلك لقب يحمله كل عنصر جديد ! ، على تفاوت في الطموح الذي يشترط في صاحبه الولاء التام فذلك جواز مرور أول إلى دولة النخبة ، وإن في قواعدها الدنيا ، وكل بما يملك من أدوات ، وما يروم من طموحات ، وجامعها الرئيس هو الاشتغال بما يحقق مصلحة الذات وَلَوْ أُهْدِرَ لأجلها مَا أُهْدِرَ مِنْ حَيَوَاتِ الناس ومصالحهم .
    وذلك ، لو تدبر الناظر ، وصف يجمع بين جبلة واكتساب ، فلا بد من جبلة أولى تقبل هذه الفكرة الشائهة بل وَتَلْتَذُّ بِهَا في أحيان على وجه يُلْحِقُ صَاحِبَهَا بوصف السَّادِيِّ الذي يجامع في أحيان وصف العدواني السيكوباتي على تفاوت في عدوانيته ، فهو يمتاز بذكاء اصطلح أنه ذكاء الشوارع لا ذكاء صاحب التخطيط الاستراتيحي بعيد المدى الذي يَعُمُّ نَفْعُهُ القريب والبعيد ، فذكاء الشوارع ذكاءُ الماكر المتزَلِّفِ الذي يَتَرَصَّدُ لِيَفْتَرِسَ ويتأول ما يصنع بمعنى أخلاقي يُسَكِّنُ بِهِ مَا بَقِيَ مِنْ نَبْضِ ضميرٍ وإن كان في حكم الميت فلا زال ثَمَّ وخز يؤلم ليس في أغلب أحواله إلا جزءا من العقوبة الربانية ، فليس نَذِيرَ تَوْبَةٍ وأوبة فَقَلَّ أَنْ يُسَدَّدَ أولئك إليها ، بل العاقل لا زال يدعو ليلَ نهار ألا يتوب الله ، جل وعلا ، عليهم فلا يُسَدَّدُوا إِلَيْهَا بل يكون منهم الآية والعبرة التي تشفي صدور من آمن ، وتذهب غيظ قلوبهم ، فَبِهَا الثأر ولا يكمل إلا بِتَحَرِّي العدل والتجرد من حظ النفس على وجه قَلَّ أن يُصِيبَهُ مظلوم فهو ، في أحيان كثيرة ، يَتَعَدَّى في استيفاء حقه من الظالم فلا زال ثَمَّ باعثٌ من حظ النفس يَخْفَى أو يظهر ، وإن كانت حاله في الجملة أفضل فإنه لم يُبَادِرْ بالظلم ولم يكن يوما يسعى في إيذاء غيره ، فعدوانيته مع ما فيها من تجاوز يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يدي الشرع إذ باعثه ، كما تقدم ، حظ نفس لا يطيق مدافعته ، عُدْوَانِيَّتُهُ ، مع ذلك ، كانت رَدَّ فِعْلٍ ، فلم تكن فعلا يستأنف العدوان ، فلم يسرف فيه إسراف السَّادِيِّ المتوحش كما حالُ الأول الذي بادر بالظلم والعدوان ، بل وجعله مادة متعة ولذة ! .
    فمع كل أولئك لا بد من تسكين الضمير بنوع تأويل لا ينفك عاقل له حظ من وصف بني آدم ، لا ينفك يحتاجه لِيُخَرِّجَ بِهِ ما يُقَارِفُ من جرائم لا سيما في محيطه الاجتماعي الذي لا يستطيع الحياة خارجه ، فالعنصر المختار الذي خُذِلَ عَلَى وجه لم يكن هو نفسه يَتَصَوَّرُهُ في أسوإ أحلامه ! ، هذا العنصر لا ينفك محله يقبل آثار الآلة الصانعة ، فَعُدْوَانِيَّةٌ وقسوة ، وفشل في تصور حياة كاملة إذ ضعف العقل وضآلة النفس وتواضع الإمكانيات مع طموح يجاوزها بكثير لا يجاوز حد الرياء رغبة في إثبات الذات ، وأخرى في الانتقام من وسط اجتماعي اضطهده فكان له ، أيضا ، دور في إصابته بهذه العاهة النفسانية المستديمة ، فالأمر ، كما تقدم مرارا ، مجموع مركب فَلَا يُمْكِنُ قَصْرُهُ عَلَى سَبَبٍ واحد بل هو مما تضافرت فيه الأسباب فَبَعْضُهَا يَعْضِدُ بَعْضًا ، فلا يحسن في هذا الموضع ، أيضا ، الاقتصار على وجه واحد فيكون التفكير أحادي الجانب وهو من أعظم الآفات في دراسة أي ظاهرة مادية أو معنوية ، فيكون نقص البحث والاستقصاء ، ويكون آخر في استقراء أسباب الظاهرة وما احتف بها من قرائن ، والظواهر النفسانية ، في الغالب ، ظَوَاهِرُ مركبة ، من فرد ومجتمع ، فالفرد حال انفراده يَتَحَلَّى بِقَدْرٍ من الذاتية التي تروم المنظومات الهرمية السلطوية سحقها فلا تُرِيدُ في عناصرها أي شعور بالاستقلال والاعتداد بالرأي ، فذلك ما يخالف عن طبيعة العنصر الوظيفي المطيع الذي يتحمل إهانة مَنْ يَعْلُوهُ في الدرجة إذ يستعمله في تحقيق أهدافه الخاصة وإن كساها لحاء المصلحة العامة فمن تحته ليسوا إلا أدوات الخدمة والحراسة وهم الشريحة الجماهيرية التي يَنْتَفِعُ بها في تحقيق بعض المصالح الاقتصادية المتواضعة التي تفتقر إلى تخطيط بعيد المدى ، وذلك أمر يطرد في سائر مستويات العمل داخل المنظومة الهرمية السلطوية ، وكلٌّ ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، يدرك أَنَّ مَنْ تحته من العناصر ذات الدرجات الأدنى ، يدرك أنها تخدعه وتؤدي دور الانضباط والسمع والطاعة والكفاءة في العمل ..... إلخ فليس ثم حقيقة ، فالممثل يكذب وهو مع ذلك لا يبرع ، والمتفرج يعلم ذلك جزما ولكنه يمثل ، أيضا ، دور القيادة الرشيدة التي تُوَجِّهُ وَتَنْصَحُ ! ، وكلٌّ يَتَرَصَّدُ الآخر لا سيما من يناظره في الدرجة فَيَرُومُ منه زلة يَتَقَرَّبُ بِهَا إلى الأعلى الذي يَسُرُّهُ ما يصنع أولئك من خيانة ووشاية صارت مضرب المثل في المنظومات الهرمية الصلبة ، فزميلك يجالسك ويؤاكلك في طبق واحد فإن علم من أسرارك الخاصة شيئا يصلح مادة وشاية بها ينال حظوة لدى القيادة فلا يَتَرَدَّدُ في ذلك ، وهو خلق ذميم تحرص السلطة الهرمية أن تَبُثَّهُ في المجتمع الذي تخاصمه ، فَفِي حكومتها الراشدة تَزْدَهِرُ أخلاق التجسس والتحسس والوشاية انطلاقا من نظرية :
    إن يسمعوا ُريبة طاروا بها فرحا ******* مني وما سمعوا من صالحٍ دفنوا .
    فكم من طَائِرٍ بسقطاتك كاتمٍ لفضائلك ، وكم من راغب في التجسس ، ولو سلوى يَقْتُلُ بها الفراغ ! ، لا سيما إن كان عاطلا بلا وظيفة ولو رئيسا بلا رياسة ! ، فَلَوْ قَدَرَهَا حَقَّ القدرِ مَا وَجَدَ فسحة وقت يستمتع فيها بمطالعة أسرار الناس الخاصة ولو في مخادعهم فضلا عن مكاتبهم وسائر منازلهم فهم أبدا تحت الرصد طَلَبًا لِزَلَّةٍ أو مُسْتَمْسَكٍ فذلك ما يجعل صاحبه تحت السيطرة ، وهو ، في الغالب ، بِمَا جُبِلَ عليه من ضعة الأخلاق ، لا يصمد لأي إغراء مادي أو معنوي ، فسرعان ما يسقط إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، من نَوَادِرَ لا حكم لهم سواء أكان ذلك ورعا أم حذرا ، فكلٌّ يُرَاقِبُ الآخر وَيَتَجَسَّسُ طَلَبًا لِعَوْرَاتِهِ ، وكلٌّ يَتَصَنَّعُ في حضرة القائد أنه العنصر المخلص النابه الذي يمكن الاعتماد عليه في أي مهمة ، ولو قذرة كريهة ، فذلك دليل الولاء أن تُؤْمَرَ فَتُطِيعَ ولو أُمِرْتَ بما يخالف عن الخلق والدين والمروءة وسائر الكوابح النَّفْسَانِيَّةِ التي تكبح جماح النفس فَطَبِيعَتُهَا الطغيان والظلم إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، فلو أطلق لها العنان فلم يكن ثم لجام فلا منتهى لفحشها ، لا سيما إن وجدت فسحة من جاه أو ثروة ، فصار لها في الناس رياسة ، فتلك جبلة لا تقيم وزنا لفكرة أو شرعة ، فليس ثم ما تُقَدِّسُ إلا المصلحة الخاصة التي تضيق في أحيان فلا تجاوز الأنا ، فصاحبها يُنَكِّلُ بمن حوله ، ولو خاصة أهله ، فكلما كان وصفها أَسْفَلَ كانت دائرة ولائها أضيق ، فلا تقيم أي اعتبار لمصلحة عامة يستغرق نَفْعُهَا الناسَ ، بل ذلك ما تسعى في إهداره ما استطاعت ، فهي تَبْخَلُ وتشح ، وذلك وصف رئيس من أوصاف الذات الوظيفية التابعة ، وهي ، مع ذلك ، تمارس شهوة الانتقام من المجتمع الذي تبارزه بالخصومة ، فالعنصر الوظيفي لا ولاء له لفكرة أو أمة ، فَكُلُّ معنى عام جامع يضره ، فلا يعمل إلا في إطاره الوظيفي الضيق الذي يَقْتَصِرُ فيه الولاءُ على القيادة الأعلى توسلا إلى رأس الهرم الوظيفي الذي يحلم كُلُّ عنصرٍ يَوْمًا باعتلائه لِيُعَوِّضَ مَا فَاتَهُ من لذات النفس أن تُعَزَّرَ وَتُوَقَّرَ ولو زورا يعلمه قَبْلَ غيره فَقَدْ رضي من أَتْبَاعِهِ بالكذب الذي يدغدغ في نفسه مشاعر الطغيان التي طالما اسْتَكَنَّتْ فَلَمْ يكن يطيق إظهارها لضعة أصله ووصفه ، فلما آنس فرصة لم يجد من كابح القيم والأخلاق ما يحول دون ذلك ، وذلك ما لا يتم إلا أن يَسْتَذِلَّ كل عزيز ولو اضطر أن يباشر ضده كل فعل حقير ومسلك وضيع ، فكل عنصر وظيفي قد تَعَرَّضَ لِهَذَا القدر الهائل من التشويه فضلا عما تقدم من جبلة ناقصة تقبل ابتداء هذا الأمر ، كل عنصر وظيفي تلك حاله فهو يُصَبِّرُ نفسه حتى يَبْلُغَ ما إليه طمح من اليوم الأول أن يصير ذا رياسة في الناس ، ولو بالباطل ، فَيَلْتَذَّ بإذلالهم ما استطاع ، وَيَتَبَجَّحَ أنه لا يرحم ، فالرحمة ضعف ، فلا يشعر بأدنى قدر من آلام الناس ، بل هي ، كما تقدم ، مادة لذة في أحيان ، ومادة تجارة وكسب في أخرى فهو يَتَرَبَّحُ من نَوَازِلِ الخلق ، فتارة يَتَرَبَّحُ بما له من نفوذ أيا كانت دائرته ، ولو كُسُورًا من العملة يجمعها كَسْرًا إلى آخر حتى يجمع منها ثروة وإنما السيل اجتماع النقط ! ، فذلك سحت يمتد مفعوله إلى الجيل التالي لا سيما إن سلك جادته الوظيفية ، فالأنظمة الهرمية تُقَدِّمُ أولَّ ما تقدم ، تُقَدِّمُ الجيلَ الثاني والثالث ! من الأبناء والأحفاد لضمان الولاء التام التي تضيق دائرته شيئا فشيئا حتى تبلغ قمة الهرم فلا تجد إلا الزعيم وخاصته العائلية الضيقة أو الأسرية الأضيق وربما زاد الأمر ضيقا فوجدته على قمة الهرم وحده ، فكلٌّ يُغَذِّي الجيل التالي بما اكتسب من المال الحرام استثمارا لنفوذه ، فلا يشترط في هذا الجنس من الكسب أن يكون الفساد فيه مباشرا فَثَمَّ فساد بواسطة ، فيكون من فساد الرشوة التي تؤخذ طوعا وإن اتخذت ألقاب الهدية ، كما في حديث ابن اللتبية ، فـ : "هلاَّ جلَس في بيت أبيه وأُمِّه ، فَيَنْظُرَ أيُهْدَى له أم لا؟" ، ويكون من فساد الإتاوة التي تؤخذ كرها ، ويكون من فساد الاتجار ذي الأسبقية بما له من امتيازات مادية ومعنوية وأكثرها يحظى بغطاء قانوني محكم ! ، كما ظهر أخيرا من تسريبات مشهورة في مصر ، وهي محل شاهد رئيس في هذا المثال السياسي السلطوي ، المثال الهرمي ، فثم نِسَبٌ يحددها القانون ! ينالها رجال الصف الأول ومن يحوطهم من دوائر الولاء الأضيق ، فضلا عما يُبَاشِرُونَ من أعمال التجارة الباطنة عبر وكلاء في الظاهر ، وما يحظون به من بدلات ومخصصات تَلْتَهِمُ قسطا كَبِيرًا من ميزانية أي مؤسسة تُبْتَلَى بهم ، فهي ، أيضا ، تكتسي لحاء قانونيا محكما فَتُحَصَّلُ الأموال رسوما بإيصالات رسمية وتودع صناديق خاصة سيادية لا تدخل في موازنة عامة ، فهي موازنة خاصة للنخبة السيادية ، وَإِنِ اسْتُقْطِعَتْ مِنْ ثَرْوَةِ المجتمع ، فالمجتمع ، لو تدبر الناظر ، يَتَحَمَّلُ من الأعباء ما تَنُوءُ بحمله الجبال ، فهو يمول معظم الموازنة العامة من الضرائب التي تُسْتَقْطَعُ مِنْ ثَرْوَتِهِ ومدخراته وجهده الذي تستنزفه السلطة فتحوله إلى أوراق عملة تستأثر بأكثرها إن في جيوب السادة فالعبد وماله لسيده ، وتلك صورة أخرى من صور الرق المعاصر ، وهو ، مع ذلك ، قد يُخَارِجُ العبد ، كما كان يصنع الزبير رضي الله عنه ، وإن كانت مخارجته أعدل ، فهو يأخذ الأقل ويترك للعبد الأكثر ، خلاف مخارجة السادة في هذا العصر ! ، فهم يأخذون الأكثرَ وَيَتْرُكُونَ للعبد الأقلَّ ، وما يُسْتَقْطَعُ من ثروة المجتمع فهو على أنحاء فمنها ما يمول الموازنة العامة ، ويكون ، من وجه آخر ، سبيلا إلى سد العجز فيها ولو كان سببه الإنفاق الحكومي الضخم على مظاهر التَّرَفِ والأبهة ، وما يكون من بدلات الولاء لدائرة الحراسة والخدمة الأضيق من الأطر الوظيفية الصلبة التي تحتكر أدوات القوة الصلبة والناعمة فلا تصرف البدلات بداهة للمجتمع إذ لا يملك أي أدوات يدفع بها عن نفسه فضلا عن غيره ! ، وهو ، مع ذلك خصم السلطة الناجز فكيف تأمن له بعد ما أوقعت به من جرائم مادية ومعنوية ، فقد أفسدت عليه الحال الدينية والدنيوية ، فثم عجز في الموازنة يَزْدَادُ ، وهو يعكس بذخا في الإنفاق العام ، فلو كان ذلك استثمارا في مشاريع نافعة تعود على المجتمع إذ تَزِيدُ في أصوله وممتلكاته كما يضرب بعض الاقتصاديين المثل باقتراض السلطة ما يُضَخُّ فِي بِنْيَةِ المجتمع التحتية لا بنية النخبة في دولتها الجديدة ، فَفِي بلد كمصر ، وهي المثال كالعادة ! ، تَتَبَجَّحُ القيادة الحالية أنها أنفقت 4 تريليونات من الجنيهات في مشاريع البنية التحتية ، وقد تصدق وإن كان الظن أنها كالعادة تكذب وَتُبَالِغُ في تصوير حجم الإنجازات الدعائية المتوهمة ، فقد تصدق ، ولو في جزء من الرقم ، ولكن ذلك إنما ضُخَّ فِي بِنْيَةٍ خاصة تقتصر على نخبة المجتمع التي تقلصت ، كما تقول بعض التقارير ، إلى 10% فَهُمْ مَنِ اسْتَفَادَ من مشروعات السلطة الحالية ذات الطابع الرأسمالي النيوليبرالي الشرس الذي لا يَتَوَجَّهُ باستثماره بداهة إلى المجتمع ولو في إطار رأسمالي ذي طابع اجتماعي يفرض الضرائب أيضا ! ، ويقرض بفائدة ويقترض بمثلها ..... إلخ من وجوه الكسب المحرم ! ، ولكنه ، مع ذلك ، يَتَحَلَّى ، ولو جزئيا ، بعدالة في التوزيع تَضْمَنُ لِكُلِّ فَرْدٍ في المجتمع حدا أدنى يُقْبَلُ من الخدمات العامة ، كما الحال في كثير من الأمثلة الأوروبية المعاصرة التي تحمل ألقابا من قبيل الديمقراطية الاجتماعية ، أو نظيرتها الاشتراكية ذات البعد الاجتماعي الذي يخفف ، ولو نسبيا ، من حدة الطرح الرأسمالي الخالص الذي يطبق الآن في بلد كمصر فهو نيوليبرالي شرس لا يُقِيمُ وَزْنًا إلا لأصحاب الأموال ، فهم شريحته المستهدفة بما يزعم من مشاريع البنية التحتية لدولة جديدة صَدَقَ صاحبها إذ أشاد بها وهو يُقِرُّ بما يشيد من قصورها فهي دولة النخبة وهي ، كما تَقَدَّمَ ، شريحة لا تجاوز 10% من المجتمع ، وذلك دليل نجاح باهر لهذا المثال النيوليبرالي الخالص ، فكلما تقلصت الشريحة المستهدَفة بهذه البنى التحتية الفاخرة كان المثال أَنْجَحَ ، وهو مظنة تكدس الثروة في يد آحاد من الأفراد أو العائلات التي تسيطر على اقتصاد البلاد على وجه يَتَفَاوَتُ من بلد إلى آخر ، فهي أَظْهَرُ أَثَرًا في الدول الفقيرة كمصر ، وإن كان المثال نفسه يطبق في بلد كأمريكا ، فَثَمَّ من حجمِ الثروة ما يخفف ، ولو جُزْئِيًّا ، من حدة هذا الطرح وإن لم يَحُلْ دون ظاهرة الفقر في بَلَدٍ يُفْتَرَضُ أنها نواة النظام الدولي الجديد ، وإذا تدبر الناظر فهو لا يدهش ، إذ ظهور الفقر في أمريكا دليل نجاح باهر لهذا المثال النيوليبرالي فقد نجح في إفقار قطاع ليس بالضئيل من أغنى شعب في العالم طبقا للأرقام الرسمية في حجم الثروة لا دخل الفرد ، فإن تعداد الشعب الأمريكي كبير وهو ما يجعل حظ كل فرد من هذه الثروة أقل من نظيره في دول دون أمريكا في حجم الثروة العامة فهي أقل بكثير في عدد سُكَّانِهَا ، فقسمة الثروة عليهم تجعل الفرد أغنى وإن كان المجموع أَفْقَرَ من المجموع الأمريكي ، فضلا أن ثم انعداما لعدالة التوزيع أو قصورا فيها في هذا المثال النيوليبرالي وهو ما أدى إلى ظهور الفقر في أمريكا مع ما تملك من ثروة عامة هائلة ، ومع ما تُقَدِّمُ الدولة الأمريكية من دعم لطبقات اجتماعية معينة لا سيما في قطاع الزراعة ، وهو ما يخالف عن مبادئ الليبرالية الأمريكية التي تروم فرضها على العالم ، فهي تَتَّخِذُ من الإجراءات الحمائية الصناعية والزراعية ما يُكَذِّبُ دعواها النيوليبرالية ، واضرب له مثلا بما يذكر بعض الاقتصاديين من قرارات حمائية اتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريجان وهو من أقطاب النيوليبرالية الجديدة ، فاقترن اسمه باسم رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارجريت تاتشر إذ قَادَا التحول النيوليبرالي في بلادهما ، وهو ما أعطى الشركة عابرة الحدود مُتَعَدِّدَةَ الجنسيات ، وهو ما أعطى هذه الشركة وَرَئِيسَهَا التنفيذي دورا يناجز دور الدولة ورئيسها ، فالدولة ، كما ينقل بعض الباحثين عن تقرير منتدى دافوس الاقتصادي في نسخته الأولى يناير 1971 ، الدولة في طور احتضار وحقها أن تموت ، والشركة في طور ازدهار وحقها أن تسود ، فيكون البيزنس هو قائد المجتمع ، وَفِكْرُهُ ، بداهةً ، لا ينظر في الأبعاد الإنسانية فغايته الرئيسة الربح المادي وذلك ما يفسر في مشهد كالمشهد المصري المعاصر ، ما يفسر جلوس رأس النظام وهو في درجة رئيس دولة أو هكذا يفترض ! ، ما يفسر جلوسه مع رئيس شركة تنفيذية أمريكية أو ألمانية ..... إلخ ، فالنظر في درجته السياسية في مقابل درجة رئيس الشركة ، وقد استويا مثلا بل قد صار رئيس الشركة في رتبة أعلى ، النظر فيما تقدم يدل على مدى تغول الشركة التي يزيد رأس مالها في أحيان كثيرة على ميزانية دول بأكملها ، فازدهر هذا الطرح الشركاتي في حقبة ريجان الأمريكية وتاتشر البريطانية ، فَنَجَحَا في القضاء على كثير من المظاهر الاجتماعية في اقْتِصَادِ مَا بَعْدَ الكساد الأعظم في ثَلَاثِينِيَّاتِ القرن الماضي وهو ما عَزَّزَ النظرية الرأسمالية الاجتماعية ، فكان للدولة دور أكبر في رعاية المجتمع ، وهو ما جاءت الليبرالية الجديدة بضده فَكَانَ الرئيس ريجان علما من أعلامها المعاصرين ، وهو ، مع ذلك ، قد خالف عنها فلم يحرر التجارة التحريرَ الكامل كما يقضي الطرح النيوليبرالي فقد فَرَضَ من قيود الحماية ، كما يقول بعض الباحثين ، ما أنقذ به صناعات استراتيجية كصناعة الحديد والصلب ، وَضَخَّ في هذه الصناعات حجما كبيرا من الإنفاق العام ، وذلك تدخل آخر من الدولة يجافي النظرية النيوليبرالية ، فأمريكا إذ تُدَافِعُ عن مصالحها الاستراتيجية فهي تَتَّخِذُ من الإجراءات الحمائية الصناعية والزراعية ما يُكَذِّبُ دعواها النيوليبرالية التي تفرضها على الآخرين أن يحرروا تجارتهم التحرير الكامل مع افتقارهم إلى أدنى آليات الحماية لاقتصادات هشة لا تُنْتِجُ عشر معشار ما تُنْتِجُ أمريكا فمن أولى بفرض الحماية صيانة لرءوس أمواله الصغيرة والمتوسطة ؟! ، وهي عماد الاقتصاد الذي تغذيه ثروة المجتمع لو كان ثم حد أدنى من التصالح بين السلطة والمجتمع فأفسحت له أن يتجر ويربح وأن يسعى في تشييد قواعد إنتاج ولو صغيرة أو متوسطة فهي عماد الاقتصاد المستقل وذلك ، بداهة ، ما يخالف عن دور هذه السلطة الوظيفية فلا بد من اقتصاد تابع وهو ما يفسر سعيها الحثيث لتطبيق بَرَامِجِ الإقراض التي تسارع بإدماجها في منظومة الاقتصاد العالمي ذي الطابع الرأسمالي النيوليبرالي دون نظر في أي بُعْدٍ اجتماعي بل ثم رغبة لا تخفى في إِفْقَارِ المجتمع ، فذلك ما وَافَقَ هوى لدى السلطة لضمان السيطرة على المجتمع ، فضلا أنه لازم ضروري من لوازم الإصلاح الاقتصادي النيوليبرالي ، فَثَمَّ سعي دءوب أن تَلْتَحِقَ السلطة الوظيفية التابعة بهذا المثال الاقتصادي العالمي ، ولو كان محلها الذيل فذلك محل التابع الوظيفي ، وهو ، في أحيان ، نيوليبرالي أكثر من النيوليبرالي الرئيس ! ، فهو ملكي أكثر من الملِك ، فَمِنْ عَجَبٍ ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الاقتصاديين ، أن النظام الدولي يَفْرِضُ برامج تمويل وإقراض بشروط مجحفة لا تقيم وزنا لأي بُعْدٍ اجتماعي إلا ذرا للرماد في العيون ، وهو ، مع ذلك ، لم يلجأ إلى هذا المثال النيوليبرالي حال تصديه للأزمات الاقتصادية التي عصفت به كما يضرب المثل بالكساد العظيم أواخر الثلاثينيات ، وكما كانت الحال في الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي اشتدت حدتها أواخر العقد الأول من القرن الحالي فقد لجأت أمريكا إلى طرح الاقتصادي البريطاني "كينز" ، وهو طرح رأسمالي اجتماعي يَتَبَنَّى ما اصطلح أنه نظرية "التدفق الفعال" فيروم حمل الحكومة أن تمارس دورها في إسعاف المجتمع فَتَزِيدُ من إِنْفَاقِهَا ولو أفضى ذلك إلى زيادة العجز في الموازنة فهو في هذه الحال أمر يحمد إذ تضخ الأموال في قَنَوَاتِ المجتمع لتنشيط حركة الاقتصاد وحركة الاستهلاك فلا يكون ثم ركود يزيد من البطالة ، وذلك تَدَخُّلٌ من السلطة في الشأن الاقتصادي يجافي عن بدائه الطرح النيوليبرالي ، ومع ذلك فأمريكا صاحبة السبق في هذا الطرح تخالف عنه بل وتصير إلى ضده من مثال الاقتصاد الكينزي الذي يُلْزِمُ الدولة بِدَوْرٍ فَعَّالٍ في الاقتصاد لا سيما حال الأزمات العاصفة بالمجتمع ، وهو ، بداهة ، ما لا يَرَاهُ الناظر في المثال المصري المعاصر لأن السلطة تجافي عن المجتمع ، فَلَيْسَتْ منه في شيء لتقيم لمصالحه وزنا ، فلا تَنْظُرُ إلا في مصالح الدولة الجديدة ذات البنية الاجتماعية الجديدة التي تستهدفها السلطة بمشاريعها الرِّيعِيَّةِ ذات الجدوى الاقتصادية الضئيلة بل ولعلها مِمَّا يضر على المدى الطويل بما يكون من نشاط اقتصادي يَغْلب عليه ، كما يقول بعض الباحثين ، طابع المضاربات في البورصات والعقارات والأراضي والاندماجات والاستحواذات التي تمارسها رءوس الأموال الكبيرة فَهِيَ تَلْتَهِمُ ما دونها تحت عِنْوَانِ الاندماج بين شركة كبرى وأخرى دونها فَلَيْسَ ثَمَّ عائد يَنْتَفِعُ به المجتمع إلا احتكار الشركة المستحوِذة التي التهمت كل منافسٍ يُلْجِئُهَا أن تطرح سلعتها أو خدمتها بأسعار تَنَافُسِيَّةٍ ، فَلَيْسَ ثَمَّ ما يُلْجِئُهَا إلى ذلك وقد احتكرت الأمر ابتداء فضلا أن تجمع إلى ذلك احتكار السلطة والقوة الصلبة كما يظهر في المشهد المصري المعاصر ، وإن لم يسلم من تدخلات خارجية سافرة زادت الطين بِلَّةً فاستحواذات ذات أثر اقتصادي وآخر سياسي ، فهي فواتير سياسية مستحقةُ الدَّفْعِ ، ولو من أصول البلاد وثروتها العامة ومقدراتها الاقتصادية والجيوسياسية ، وهو ما يحمل الآن ألقابا خداعة من قبيل الصندوق السيادي المشترك لدولة مُفْلِسَةٍ كمصر مع أخرى رَاعِيَةٍ في الإقليم لديها من الفوائض المادية ما به تَرُومُ الاستحواذ على أصول الدولة المصرية بأسعار تَفْضِيلِيَّةٍ إذ ثم ، كما تقدم ، فواتير سياسية ناجزة ، فمنها فواتير الاقتصاد فتلك الأصول مما يُعَادُ طرحه بعد شرائه بثمن زهيد ، مِمَّا يُعَادُ طرحه بِثَمَنٍ كبير في صورة أرض أو عقار أو أي صورة من صور الاقتصاد الاستهلاكي الذي قد يُوَفِّرُ ، كما يقول بعض الباحثين ، نوع جودة في الخدمات وهي مع ذلك تخاطب شريحة مستهدفة هي الشريحة الثرية فالمجتمع دوما بمعزل عن أي انتعاشة ، ولو جزئية ، وعلى المدى البعيد فالجميع يضار بهذا الوافد الاقتصادي الجديد ، فإنه لم يَفِدْ لِيُقِيمَ قاعدةَ إِنْتَاجٍ قوية تسهم في دعم الاقتصاد المصري ، فليس هذا من شأن السلطة الحاكمة في مصر فكيف يكون من شأن السلطة الوافدة ؟! ، ومن عجب يَتَكَرَّرُ أن المجتمع لا زال حتى الآن هو من يَتَحَمَّلُ القسط الأوفر من فواتير هذه السلطة إن بَيْعًا لمقدراته فهي ثروة الأجيال القادمة أو هكذا يفترض في مقابل ما يَتَحَمَّلُ من أعباء الدين الذي اقترض باسمه بفوائد لا زالت في ازدياد ، وآخرها ما كان من طرح سندات دولية سعيا في جمع نصف مليار دولار بفائدة 8% ، وهو ، كما يقول بعض الباحثين ، ما يعكس انهيار سمعة البلاد ولو في الاقتراض والتسول ! ، فليس ثَمَّ الآن مَنْ يَثِقُ بها لِيُقْرِضَهَا بأسعار فائدة منخفضة ، بل هو يَرُومُ من الضمانات ما يحفظ أمواله ، وهو كأي مُرَابٍ في السوق إذ يَتَّجِرُ بأزمات المقترِض فَيَفْرِضُ ما شاء من الربا ، فالمقترِض مضطر يقبل بأي زيادة ! طلبا لإسعاف موازنة تشكو عجزا هائلا ، والمجتمع ، كما تقدم ، من يَتَوَلَّى أعباء الخدمة ، فهو أكثر من يعمل وأقل من يأخذ المقابلَ ، بل ثم ما يُسْتَقْطَعُ من خدماته المنهارة ابتداء ليسد عجز موازنة يذهب 83% منها في سداد أقساط من الديون وأخرى من الفوائد ، فهو يمول بما يعدل 70% أو يزيد من موازنة عامة تمتن بها السلطة عليه أنها مَنْ يُنْفِقُ وهي تُنْفِقُ مِمَّا تَسْتَنْزِفُ مِنْ ثَرْوَتِهِ بِحِيَلٍ لا تخفى ، فهي تَفْرِضُ من الضرائب الناعمة التي لا تُثِيرُ الضجة ، كما يضرب بعض الباحثين في أخلاق الشعوب ، كما يضرب الْمَثَلَ مُتَنَدِّرًا ، فَإِنَّ فرض الضريبة المباشرة ، ولو بِنِسَبٍ ضيئلة ، قد يؤدي إلى إثارة مشاعر المجتمع ، فإذا فُرِضَتْ على نحو ماكر فأضيفت إلى خدمات وسلع أَكْثَرَ بِنِسَبٍ أَقَلَّ فهي تجمع الضريبة وتزيد دون أن تستفز مشاعر المجتمع ! ، وذلك مما يجري الآن في مصر ، وإن كان المجتمع أضعف أن يقاوم السلطة فهي في الجملة لا تخشى بأسه ولو في هذه الآونة على أقل تقدير ، فليس ثم مِنْ قُوَّتِهِ ما يُلْجِئُهَا أن تخادعه الخداعَ الناعمَ فهي تَفْجَؤُهُ بِمَا تَفْرِضُ مِنْ ضرائب وزيادات صادمة ، فضلا عن أخرى ناعمة فتمارس النوعين من فنون السلب والاستنزاف ، وهي ، مع ذلك ، تستقطع من دعم ضئيل رديء والحجة كالعادة هي سد عجز الموازنة ، فالمجتمع هو من يمول معظم هذه الموازنة ، وهو من يسد عجزها بما يرفع من دعم ويسرح من موظفين ...... إلخ من اشتراطات الجهات الدولية المانحة ذات الأجندة النيوليبرالية الظالمة ، والمجتمع هو من يسدد الدين أقساطاً وأعباءَ خدمةٍ فَيُسَدِّدُهَا من ثروته الخاصة والعامة ، فضلا عما يسدد من فواتير السلطة السياسية التي تمنح أرضه وثرواته لكلِّ أحد دعمها أو تروم الحصول على دعمه إلا المجتمع فهو الوحيد الذي لا تُرِيدُ منه شيئا إلا أن تحكمه بالحديد والنار وَتَسْتَنْزِفَ ما يمتلك من مدخرات ، وهو ، أي المجتمع المسكين الذي يرجع إليه الضمير في كل موضع يسوء ! ، هو من يمول الموازنات الخاصة آنفة الذكر ، موازنات الصناديق السيادية الخاصة التي تشكل مصدر دخل كبير لرجالات النخبة من السلطة التنفيذية فهي صناديق سوداء معتمة تحظى ، كالعادة ، بِأُطُرٍ قانونية تُسَهِّلُ سرقة ما فيها تحت عناوين فَضْفَاضَةٍ فالأموال تُوضَعُ في المصارف لِتُضَارِبَ بالربا فتكون عامل استنزاف آخر لثروة المجتمع ، ومنها تمنح مخصصات ومنها تسرق أخرى لتودع المصارف في حسابات عائلية خاصة بعيدا عن الحساب الرسمي للصندوق السيادي ، وليس ثم جهة رقابية ، بل الجهة الرقابية ، كما يتندر بعض الفضلاء وهو ممن باشر هذا الأمر ورآه رأي العين ، الجهة الرقابية التي يناط بها التفتيش على هذه الصناديق هي جزء من منظومة الفساد فهي تَتَلَقَّى ، أيضا ، مخصصات مالية نظير سكوتها عما يُنْتَهَبُ من أموال المجتمع التي استلبت منه قهرا تحت أسماء وهمية بإيصالات رسمية ! ، فالمجتمع هو أعظم من يمول هذه السلطة الهرمية ذات الطابع الوظيفي الطفيلي ، فهو يمولها من رأس الهرم إلى أَصْغَرِ عنصرٍ في قاعدته تحدثه نَفْسُهُ يَوْمًا أن يَتَرَقَّى في سلم الكيان الوظيفي لِيَبْلُغَ رتبة تَعْدِلُ طموحه في الثروة واللذة والسطوة ، فطبيعة هذا العنصر أنه يروم الوصول السريع المريح في نفس الآن ولا يكون ذلك في المنظومات الهرمية المحكمة إلا بإظهار الولاء ولو ذلا وخنوعا فَنَفْسُهُ تَتَحَمَّلُ آلام الإهانات وهي ، مع ذلك ، تدخرها ليوم تُطِيقُ فيه إنفاذها فَكَظْمُهَا ، حالَ تحملت ، عَجْزٌ ، وإنفاذها ، حال قدرت ، ظلم وعسف ، فلا حظ لصاحبها من وصف الكريم فهو يعفو إذا قدر ، بل حاله حال اللئيم ، فإذا قدر فإنه يمعن في العقاب فَيَجِدُ لذة في إذلال الكريم وإهانته وإن تَوَسَّلَ إلى ذلك بإيذائه في أهله وحرماته الخاصة التي تؤلم كل حر لا سيما إن عجز فلم يطق الدفع ، كما هي حال كثير من الفضلاء في مصر الآن وقد ابْتُلُوا في ذواتهم وحرماتهم وأموالهم وكل ما يُوجِعُ النَّفْسَ الشريفةَ انْتِهَاكُهُ ، فَابْتُلُوا بِمَنْ جُرِّدَ من هذه المعاني الشريفة ، معاني الغيرة والشهامة والمروءة ..... إلخ ، فإنه في إطار تحضيره لهذا الدور الوظيفي القذر لا يَنْفَكُّ يُجَرَّدُ شيئا فشيئا من هذه المعاني الشريفة فهي صفات قد تجعل العنصر يَتَرَدَّدُ في تَنْفِيذِ الأمر إذا كان قذرا فَثَمَّ بقية آدمية تحول فضلا أن يكون ثم بقية أخلاق فذلك ما يَعْظُمُ ، فكيف إن كان ثم بقية دين فتلك الطامة الكبرى وهي دليل قصور في آلة الإنتاج إذ أخرجت عنصرا وظيفيا غير مطابق للمواصفات وذلك مئنة من الغفلة والقصور ، فلا بد من مراجعتها والتدقيق في أوجه القصور التي أخرجت هذا العنصر الوظيفي الفاسد ! ، فثم ، كما تَقَدَّمَ ، محل قابل بما جُبِلَ عليه من وصف ناقص ، فذلك ما يسهل اكتسابه للأخلاق الوظيفية التابعة ، فالأمر ، كما تقدم ، منه الجبلي ومنه المكتسب ، وكلما كانت الجبلة أليق كان النتيجة أفضل فاكتسب العنصر من الأخلاق الوظيفية ما يجعله أكثر ملاءمة لمنظومة العمل ، فيكون الأجدر بالترقية الدورية والاستثنائية فلا ينالها إلا الأكثر انضباطا والأشد ولاء ، ولو فَقَدَ في مقابل ذلك ذَاتِيَّتَهُ فَقَدْ نجحت المنظومة في صهرها ، فَصَارَ الفرد حال الاجتماع لأداء مهمة نظيفة أو قذرة ! ، صار يقارف من الأقوال والأفعال ما لم يكن يَتَخَيَّلُ يوما ، ولو كان ذا محل فاسد ، أن بَيْلُغَ به الأمر هذا الحد الهائل بل لو اختلى بنفسه لوجد من الألم النفساني بما بقي من آثار ضمير أو إحساس ضروري ولو حدا أدنى يَسْتَبْقِي نِسْبَتَهُ إلى النوع الإنساني ، لوجد من ذلك ما يُصَدِّقُ الوحيَ في قوله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) ، فالفرد ، كما يقول بعض الباحثين ، الفرد في المنظومة ذات الطابع المؤطَّرِ الذي يحولها إلى قطيع يسمع ويطيع ، الفرد في هذه المنظومة جزء مما اصطلح أنه جمهور نَفْسَانِيٌّ تجمعه أهداف مشتركة ، ولو خسيسةً ! ، وهو ، من وجه آخر ، ما يُعَزِّزُ فيه معنى التَّمَايُزِ من المجتمع فَنِسْبَتُهُ إليه تَضْعُفُ كُلَّمَا ارْتَقَى في سلم الكيان الوظيفي درجةً فهو يشبه أن يكون عرقا آخر يمتاز من عرق المجتمع ، وهو بما طال عليه من الأمد يكتسب خصائص أخلاقية تشبه ، من وجه ، ما اصطلح بعض الباحثين أنه العرق التاريخي فليس عرقا في الجينات والهيئات بل هو ما يجاوز ذلك فالعرق الجيني واحد ، ولكن ثم عرق تاريخي أو أخلاقي يتراكم جيلا بعد آخر ، فكلما ازداد في عرقه رُتْبَةً ازداد من عرق المجتمع بُعْدًا حتى يمتاز منه فلا يكاد يكون منه ، فلا يشعر بآلامه بل يلتذ بها ، كما تقدم ، ولا يقيم وزنا لدمه أو عرضه أو ماله أو سائر حرماته ، فلا ينظر في حاله أنه مجتمع إنساني مكتمل الأهلية ، فهو مجتمع رعاع وغوغاء غايتهم طبق طعام رديء يُلْقَى إليهم كما يُلْقَى إلى الحيوان البهيم ، كما تسرب من مجالس بعض السادة فتلك عبارة تحكي نظرة النخبة إلى المجتمع ، وذلك عرق تاريخي ينشأ في ظرف اجتماع ، اجتماع الأطر التنفيذية في السلطة الوظيفية ، فذلك ما يصهر ذاتية الفرد ويحوله إلى دمية تَتَحَرَّكُ بإرادة القيادة العليا ، فلا ذات له تمتاز من بقية الذوات ، فَلَيْسَ إلا رَقَمًا بلا هوية ، وذلك أمر تَتَقَصَّدُهُ المنظومة الوظيفية ، فمن أخطر ما يكون عليها أن تَتْرُكَ للأفراد فسحة نظر وتدبر وإعادة مُرَاجَعَةٍ لِمَا تقدم من سالف أمرهم فقد يستيقظ ضميرهم ! ، فلا بد من الحيلولة دون ذلك إذ انفراد الإنسان بذاته مظنة خلو من الأشغال وهو ما قد يجعل المحل في أحيان يقبل آثار الوسواس إذ لم يُشْغَلْ بحق فَشُغِلَ بضده ، ويجعله في أخرى وهي محل الشاهجد ، تجعله يقوم قومة تدبر وتفكر كما تقدم في الآي المنزل : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) ، فمن عجب أن قُدِّمَ الرقم الأعلى على الأدنى فهو أعلى في القيمة وأدنى في الرتبة في باب التفكر إذ كلما قَلَّ العدد زاد التدبر والنظر فالتعاطف في الآية من الأعلى رقما وهو المثنى إلى الأدنى وهو الفرادى ، ولكنه جار على ما اطرد في اللسان من تَرَقٍّ في الوصف فوصف الفرادى أعلى درجة في النظر والاعتبار من وصف المثنى والمثنى ، أعلى من الثلاث ..... إلخ فكلما قَلَّ العدد زاد النظر وعكسه يصح وهو ما تَرُومُ السلطة الوظيفية فلا تروم إلا جموعا هائلة من القطعان البشرية تَتَلَقَّى الأوامر فلا تُرَاجِعُ ، وتنفذها بلا تَرَدُّدٍ ولا يكون ذلك وَثَمَّ أحد يُفَكِّرُ ! ، فالجمع جمع ينفذ لا أكثر ، فلا بد من استلاب إرادته بسحق ذاتيته الإنسانية المتميزة وصيروتها جزءا من آلة وظيفية محكمة لا تفقه إلا لغة السمع والطاعة ، وذلك ما امتاز به الوحي عن سائر المناهج المحدثة فكمال نصحه للخلق قد اسْتَوْجَبَ قَدْرًا أخص من التدبر والنظر ، فالجمهور النفسي في كِلْتَا الحالين حاصل ، فَثَمَّ جمهور نَفْسِيٌّ تصنعه الأنظمة الأرضية على النحو آنف الذكر ، فهي تعالج نفوسا شتى لكلٍّ مِنْهَا مَشْرَبٌ في الفكر وباعث في الفعل ، فَتُدْخِلُهَا خطوطَ إِنْتَاجِهَا التي تصهر الذوات أو تسحقها سحقا فهي تسلبها خاصة الإرادة وتحولها إلى مادة خام تستسلم ليد الصانع الذي يشكلها بما يوافق أهواءه واحتياجاته : قوة حراسة أو خدمة أو لذة ..... إلخ من الأغراض الأرضية .
    وَثَمَّ ، في المقابل ، جمهور نفسي يصنعه الوحي ، وهو ، أيضا ، يعالج نفوسا شتى ، لكلٍّ مِنْهَا مشرب وباعث ، فَتُدْخِلُهَا خطوط إنتاج تُعَزِّزُ فيها خاصة الإنسان الكامل : خاصة الإرادة والاختيار ، فلا تسمع وتطيع إلا في المعروف ، ولا تستسلم ليد صانع يروم استعمالها في تحقيق أغراضه ، فثم معيار ناصح من خارج الأرض ، وذلك الوحي الذي تَنَزَّهَ عن الغش فهو رائد لا يكذب أهله ، وَتَنَزَّهَ عن الحاجة فلا غرض له في فعل أو ترك إلا ما يكون من صلاح الخلق بما يجري من أحكام العدل وبها الثناء بالأسماء الرسالية الكاملة : علما وحكمة ..... إلخ ، فهو ، كما يقول بعض المحققين ، يريد الإنسان لذاته فَيَصْدُقُ في نصحه فلا يريد له إلا الخير ، ولا يطلب الجزاء أو الشكر ، وأما الأنظمة الأرضية فلئن سعت في استصلاح الإنسان فهي تريده لذاتها لا لذاته فَتَرُومُ استعماله في تحقيق الأغراض والمكاسب فلا تَنْظُرُ إلا في قيمة الإنتاج المادي المجرد من أي باعث أخلاقي إلا باعث المنفعة الناجزة ، فَلَئِنِ اعْتَنَتْ بالجانب الأخلاقي ، فَغَايَتُهَا استصلاح المواطن القادر على الإنتاج ، وذلك مقصد معتبر في أي شريعة ، بل الوحي قد جاء يأمر به مشيا به مباشرة السبب وأكلا به تحصيل الرزق الذي يسد الحاجة ويزيد في الأرض عمارتها بما ينفع الناس من العلوم والصنائع ، فالإنتاج مقصد معتبر ، ولكنه ، من وجه آخر ، لا يصح باعثا أول ، فهو وسيلة إلى غاية أعظم ، غاية الحق ، فما القوة حسا أو معنى إلا أداة بها الحق يظهر ، فلا تنفع إلا ثانية بعد الحق ، فهو الأول وهي المحل الثاني فتلك قوة الحق الذي يَتَصَدَّرُ وما بعده فهو الآلة التي بها يظهر ويحكم ، فيكون من خيره العام الذي يستغرق الحال والمآل ، فامتاز من بقية الشرائع أنه يجاوز دار الشهادة إلى الغيب وهو ، بداهة ، ما لا يعتبره النظام الوظيفي الأرضي فلا يجاوز بصره مدارك حسه ، بل ما غاب فهو باعث السخرية والتهكم ، فصاحبه قد انحط إلى دركة الحيوان الأعجم الذي لا يُصَدِّقُ إلا بالشهادة ، فالقوة عنده هي الحق المحكم ، فلا يَعْنِيهِ إلا استجماع أسبابها ، ولو تحول البشر في سلطانه إلى أدوات يستعملها في تحقيق مآربه ، فهو يستصلح المواطن القادر على الإنتاج المادي وهو ما يواطئ نظرية في الاقتصاد المعاصر تحاكي الطرح الداروني ، فَثَمَّ ، ما اصطلح بعض الباحثين ، أنه الدارونية الاجتماعية فالبقاء للأقوى والأقدر ، فسوق العمل لا يرحم ، ولو ضعيفا عاجزا ، فَبِقَدْرِ ما تعمل يكون حظك من الأكل والمغنم ، وهو ما يجعل الفقراء عبئا يجب التخلص منه ، فالحروب والمجاعات بذا تَتَكَفَّلُ ، فما الظن بطرح يَرَى قتل الفقراء بالحرب والجوع والمرض فضيلة ؟! فهم عبء زائد يحسن التخلص منهم كما النفايات التي تعدم ، وذلك ما تأوله الرجل الأبيض ، الإنسان الأخير في سلم التطور الفكري ، فقد تَقَصَّدَ بَثَّ الأوبئة في سكان العالم الجديد ليقضي عليهم فهم يُزَاحِمُونَهُ الأرض ولو كانوا أصحابها ! ، وتلك نظرة السلطة الوظيفية في المجتمعات التي ابتليت بسلطانها ، فقد احتلت الأرض بقوة الجبر ، واحتقرت المجتمع وهو الأصل ، فمعظم الشعب في نظرها عالة فهو يأكل ولا ينتج فالتخلص من أكثره أمر يحمد ، ومن عجب أن يصدر هذا القول عن الطفيلي الأعظم الذي يَحُولُ بَيْنَ الناس والإنتاج ، فهو يقتل فيهم الطموح والإبداع ، فضلا عما يفسد من القيم والأخلاق ، فهو ، لو تدبر الناظر ، من يجب التخلص منه ، وذلك واجب الوقت الذي به صلاح الدين والدنيا ، فالإنسان الصالح الذي اطرد حكمه في نفسه وفي غيره ، فهو العادل المقسط الذي لا نِسْبِيَّةَ في حكمه ، فيحكم في غيره ما يحكم في نفسه ، هذا الإنسان لا يخرج من محاضن وظيفية غايتها الرئيسة القضاء على الإنسانية وتحويلها إلى آلة مادية تحرس وتخدم وتنتج .... إلخ من وظائف الحس ، فلا يخرج هذا الإنسان الصالح إلا من محاضن الوحي الذي تجرد في نصحه فصدق في خبره وعدل في حكمه .


    والله أعلى وأعلم .


  11. #11
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 55034

    الجنس : أنثى

    البلد
    السعوديه

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : أدب

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل9/4/2019

    آخر نشاط:05-05-2020
    الساعة:03:14 AM

    المشاركات
    35

    جعله الله في ميزان حسناتك


  12. #12
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    وبارك فيكم وأجزل لكم العطاء والمثوبة في الأولى والآخرة وجزاكم خيرا على المرور والتعليق .

    والمجموع الوظيفي ذُو التَّنْظِيمِ الهرمي المتراتب يمارس ، كما تقدم مرارا ، دور السلطة النائبة في الأطراف ، والنائب وكيل ، وهو لا يتصرف إلا بما يوافق الأصيل ، كما يقول أهل الشأن ، فإن اجتهد في تصرف فأمضاه دون الرجوع إلى الأصيل ، فذلك موقوف حتى يأذن الأصيل فهو صاحب الأمر والنهي وليس للوكيل إلا الطاعة والسمع على تفاوت في هوامش التفويض التي تَمْنَحُ الوكيل مساحةَ اجتهادٍ لا سيما في التفاصيل الجزئية فلا يهتم بها الأصيل فهو يروم الثمرة لا أكثر ، وَنَظَرُهُ كُلِّيٌّ جامع فهو يضع الإطار السياسي والإداري الجامع ، فيخط خطوطه العريضة إباحة أو حظرا ، وَيَحُدُّ مساحة العمل المباح وما جاوزه فهو المحرم المحظور الذي يجاوز فاعله الخط الأحمر ، وهو ما يستوجب التحذير وربما الزَّجْرَ والتنكيل إن خرج الوكيل عن مقتضى العقد فهو لاغ إذ للأصيل أن يُلْغِيَهُ متى شاء ولو لم يُبْدِ أسبابا ، فذلك حقه فإن شاء مَنَحَ وإن شاء مَنَعَ ، وليس للوكيل إلا أن يَمْتَثِلَ ، فكيف إن خالف فجاوز خطا أحمر فالزجر في حقه أوجب ، فالأمر ، من وجه ، يشبه ما يقول أهل الشأن في دراسة العقول ، فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ عقل الرجل وعقل المرأة ، فالأول قائد والثاني تابع أو هكذا يُفْتَرَضُ ! ، فالرجل ذُو عقلي كُلِّيٍّ يهتم بالأطر العامة ولا يشتغل كثيرا بالتفاصيل إلا في مواضع مصيرية تستوجب التدخل الحاسم بما يملكه الرجل من سلطان في أهله ، فلا يَتَعَسَّفُ في استخدام صلاحياته ولا يَتَسَاهَلُ ، وإنما يكون تدخله في التفاصيل الجزئية كالملح في الطعام ، فلا يجاوز حد الاستصلاح ، استصلاح الذوق فَإِنْ زَادَ فَسَدَ الطعام ، وذلك ما يكون إذا زَادَ تدخل الرجل في تفاصيل الحياة الجزئية التي يغلب عليها الطابع الفني الإجرائي لا الطابع السياسي والإداري ، وعقل المرأة ، ، في المقابل ، عقل جزئي يهتم بالتفاصيل الفنية الدقيقة في إعداد الطعام وتنسيق الأثاث واختيار الألوان ....... إلخ ، مع دور مُعْتَبَرٍ في الْمَشُورَةِ ، وهو دور فاعل في صناعة القرار لا يبلغ حد المشاركة في اتخاذه على وجه يَقَعُ به التضارب ، فكذلك العقل السياسي الكلي في المركز فهو كعقل الرجل الذي لا يشتغل كثيرا بالتفاصيل إلا في مواضع تهدد المصير ، فالنظام الدولي يفسح المجال لوكلائه في الأطراف فهم النساء الذين يديرون الشأن اليومي المفصل فلا يَتَحَمَّلُ المركزُ أعباؤه ، فهو يشتغل بوضع الاستراتيجيات طويلة المدى ، فالتكتيكات قصيرة المدى هي مناط التوكيل ، توكيلِ المركز لمجموعاته الوظيفية الحاكمة في الأطراف ، فلا يجاوز الشأن المحلي انطلاقا من نظرية الخصومة المستحكمة بَيْنَ سلطةٍ نائبة عن المركز ، وشعب مستبعد من مواضع التأثير والمشاركة السياسية والاقتصادية ، فهو ، أبدا ، يدفع ضريبة الوطن الذي يستمتع به غيره ! ، فَيُحْجَبُ عن إدار الشأن العام فليس يفقه ذلك ، فهو طفل قاصر لا يسأل أباه من أين يأتي بمصروفه اليومي ! ، وذلك طابع رئيس من طبائع الأنظمة الشمولية ، فهي أنظمة أبوية تمارس الاستبداد باسم الوصاية ومعرفة الصالح العام ، فالطفل القاصر في حجر أبيه يَنْشَأُ ، وهو طوع أمره فلا يملك أن يعارض أو يستنكر ، فالأب هو الذي يختار كل شيء نِيَابَةً عن ابنه على وجه يُفْقِدُ الابنَ القدرةَ على التفكير والتخطيط فلا يكون ذا رأي ، وإن كان ذا رأي فَلَيْسَ يملك القدرة على التَّنْفِيذِ فلا يكون ذا موقف فاعل ، فَثَمَّ من الناس من هو ذو رأي ، ولكنه إذ عُزِلَ عن منصب الرياسة واتخاذ القرار فلا موقف له على الأرض ، فَرَأْيُهُ ، وإن كان سديدا ، إلا أنه لم يَعْتَدِ العملَ على الأرض انْطِلَاقًا من قاعدة التَّفْوِيضِ وَالْمُسَائَلَةِ بإعطاءِ صَلَاحِيَّاتٍ متدرجة في تَرْبِيَةِ الابن ، فَيُعَوَّدُ النَّظَرَ المستقل مع رقابة عن بُعْدٍ توجه وَتُرْشِدُ ، وقد ترى الابن وهو يجرب ويخطئ فلا تتدخل إلا في الضرورة القصوى إن كان ثم خطر محدق ، وإلا فَثَمَّ أخطارٌ تَكْتَنِفُ أَيَّ إنسان ، ولو عاش بمنأى عن الخطر المباشر ، فليس ثم أمان تام في هذه الدار ، بل الأمن التام فيها نذير شر ، وإن كان سؤال العافية في الدين والدنيا أمرا يُشْرَعُ ، فليس كُلٌّ يطيق الابتلاء إذا وقع وليس من الحكمة في المقابل أن يَتَمَنَّى العاقل الابتلاء أو يَتَقَصَّدَهُ رغبةً فِي رِفْعَةِ دَرَجَةٍ وهو لا يعلم تَبِعَاتِهِ حَقَّ العلم ، أو قد دخله ولم يُعِدَّ له عُدَّةً ، فجازف على وجه قد عمت به البلوى في أحيان فكانت مجازفته بجيل أو قَبِيلٍ فَلَوْ جَازَفَ بنفسه فاجتهد وأخطأ فذلك أمر لا تَعُمُّ بَلْوَاهُ ، ولكن المجازفة العامة على وجه لا يخلو من حظِّ نَفْسٍ فيكون ثم مقامرة يَرُومُ صاحبُها الكسب العاجل في سياسة أو حرب ، هذه المجازفة لا تخلو من مخادعة وغش ، فصاحبها لم ينصح الجمع حق النصح لا سيما إن علم يَقِينًا خسة الخصم وَضِعَتَهُ فليس بالخصم الذي تؤمن غدرته ، بل الغدر شيمته ولا دمع له فهو عصي الدمع جامد الفؤاد متبلد المشاعر لا يقيم وزنا إلا للمصالح ، وَلَوْ قَوَّضَ لأجلها أركان المبادئ والأحكام وسائر ما تُعَظِّمُ النفوس فلا غاية له إلا المصلحة الخاصة التي يضيق نطاقها فلا يجاوز الذات التي انْقَلَبَتْ طاغوتا ، فهي تمارس الطغيان فِي أي دَائِرَةٍ اجتماعية ، ولو ضَيِّقَةً ، فالأب الذي درج في مهاد الاستبداد لا يمكنه أن يُرَبِّيَ أَبْنَاءً أحرارا يكفرون بالطغيان ، فتجد من حال هذا الأب ما يثير الامتعاض ، فهو يختار كل شيء ! ، فَيَخْتَارُ المسكن والمشرب والمأكل والملبس والدارسة والوظيفة والزوجة ! ، فيختار نيابة عن ابنه الذي يتحول إلى شبح ، فليس إلا آلة يحقق بها الأب طموحه ، فهو يريد أن يَرَى نجاحه في شخص ابنه ، فَمَا فشل فيه لا بد أن يَنْجَحَ فيه ابنه ، ليجبر كسره ، وإن لم يكن للابن رغبة ، فليس له رأي يصمد لرأي الأب ، فإذا جرى نَهْرُ الوحي انقطع نهر العقل ! ، كما يقول أهل الشأن ، ورأي الأب أو رأس أي منظومة اجتماعية أو سياسية مستبدة ، هو نهر الوحي آنف الذكر ، فلا يجري نَهْرُ العقل إذا جَرَى ، فكيف لابن أو من هو تحت وصاية المركز المستبد في أي منظومة ، كيف له أن يُرَاجِعَ الوحي ؟! ، فكل اجتهاد في مقابله فهو فاسد الاعتبار فصاحبه مَارِقُ وهو في أحسن أحواله جاهل طائش لا يحسن النظر ولو أقام على رأيه من الأدلة المحكمة ما يدحض حجج الرأس المستبد ، فهو أبدا معزول عن القرار ، بل ومأمور ألا يفكر ، فالابن لا يَنْبَغِي له أن يفكر في شيء إلا تحقيقَ ما يريد الأب ! ، والشعب آلة الرئيس في تحقيق طموحه السياسي السيادي ، فثمن الزعامة وفاتورة الوجاهة لا بد أن يدفعها الشعب من دمه وماله ، فهي ما يُتَرْجَمُ إلى نياشين على صدر الزعيم وأوراق نقد في أرصدته ، وليس للشعب رأي فهو جاهل لا يفقه ، فلا يعرف المصلحة كما الابن في حجر الأب المستبد فليس له ألا أن يأخذ مصروفه كل يوم من أبيه وفقا لتوجيهات السيد الرئيس الأب المستبد ! الذي يعلم المصلحة وحده ، فَرَأْيُهُ صواب لا يحتمل الخطأ ! ، ورأيُ غَيْرِهِ خطأ لا يحتمل الصواب ! ، لا سيما من تحت ولايته أو من ابْتُلِيَ برياسته رياسةً خاصة في أسرة أو منظومة عمل أو إدارة ، أو أخرى عامة وهي الإطار الأعم الذي يحوي الْأُطُرَ الأخص ، فدوائر الاستبداد الأسرية والإدارية ..... إلخ ، تندرج في دائرة أعم تحكي استبداد الدوائر الصغرى ، فلولا الصغرى ما كانت الكبرى ، فَهِيَ مجموع مُرَكَّبٌ مِنْ أجزاءٍ وذلك قانون يستغرق الصحة والفساد ، فَالرَّأْسُ الصالحة نِتَاجُ رءوس صالحة قد أحسنت الصنع إذ تجردت من الهوى والحظ ، فلا بغية لها إلا الحق وذلك ما يُرَبِّي فيها ملكة النظر والتدبر ، فالحق لا يثبت إلا بدليل ، وليس إلا المتجرد العاقل من يَفْقَهُ النظر في الأدلة فيستخرج منها معان نافعة ، فهو ذو رأي ، وينافح عنها فهو ذو موقف ، فلا يرضى بخطة الخسف أن يَسْتَخِفَّ جاهلٌ بعقله أو يحرك فيه من غَرَائِزِ الحس ما ينحط به إلى دركة الحيوان الأعجم ، فيخوفه تارة ويحرضه أخرى فهو ينوب عنه في صناعة الرأي بما يملك من أدوات التأثير والتشكيل للرأي العام المستسلم الذي لا يتمتع بملكة النظر والنقد لما يطرح في سوق الحياة من أفكار وقيم ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر يثبت في كل دوائر الاستبداد سواء أكانت خشنة تمارس القمع والعنف المباشر كما الحال في الأطراف الآن فثم آباء سياسة وحرب قد تملكوا الأمر وليتهم يصدرون عن فكرة ذاتية ، ولو باطلة ! ، فليسوا إلا وكلاء عن المركز في إدارة الأطراف طبقا لمعادلة محكمة يتأولها آباء الأطراف فلا يخرجون عنها إلا في قليل نادر لا يقاس عليه وهو ، مع ذلك ، لا يخرج عن الأطار العام ، وإن خرج في مواضع رُدَّ الرَّدَّ الرادع ، فتلك معادلة : السياسة والحرب والمال وهو اسم عام يستغرق فلا يقتصر على ما يتبادر من المال السائل أو الملكيات الخاصة التي تسيل لعاب المستثمر الأجنبي ذي الباعث الرأسمالي الليبرالي ، مثلث ماسبيرو على شاطئ النيل في مصر مثالا ، أو الملكيات العامة التي توهب للآخر نَظِيرَ عمولة مالية مباشرة أو أخرى سِيَاسِيَّةٍ تجاوز الدائرة المحلية أو الإقليمية فَثَمَّ تسوية دولية ذات طابع مركزي فالآباء في المركز يتخذون القرار نيابة عن الأطراف التي لا تفقه الصالح العام الذي يختزل في مصلحة الدائرة الضيقة التي تصنع القرار في المركز ، فَأَوَّلُ مَنْ يَتَأَثَّرُ به هو الأطفال في المركز ! ، فليس الشعب في حجر النخبة إلا أطفالا يغتذون بما تقدم لهم النخبة من دعاية وإعلام ، فهم أول من يتأثر بهذا الخطاب الصانع للرأي العام ، وصناعته تكون على مستويات ، فتربية الشعب الطفل ! في المركز أرقى من تربية نظيره في الأطراف ، ففي المركز تكون طرائق التَّرْبِيَةِ ألطف وأرق ، وفي الأطراف لا تكون التَّرْبِيَةُ إلا بالسيف والعصا ، والآباء في الأطراف يَتَقَمَّصُونَ شخصية الآباء في المركز ، فَهُمْ ، أيضا ، دائرة ضَيِّقَةٌ تَسْتَأْثِرُ بصناعة القرار السياسي والاقتصادي ، بل هم من يصنع الرأي الديني والأخلاقي فهم ماكينة توليد الأخلاق والقيم الحاكمة للمجتمع على وجه يواطئ مصلحة النخبة ، فالشعب الطفل في الأطراف هو ، أيضا ، الأداة لتحقيق أحلام الآباء المتحكمين في صناعة القرار والنيابة عن الأطفال في اتخاذ القرار ولو في أدق تفاصيل الإدارة العامة أو الخاصة فتلك الصورة المستبدة تنسحب تَدْرِيجًا إلى الأسرة الصغيرة ، فالأب يَتَّخِذُ القرار نِيَابَةً عن أبنائه أو أطفاله إن شئت الدقة فَلَنْ يَبْلُغُوا في كَنَفِهِ أبدا حَدَّ الرشد وإن ابْيَضَّ الشعر أو سقط ! ، فهم أبدا أطفال لا يحسنون النظر والتدبير ، وذلك حكم نافذ لا يقبل طعنا مع أن صاحبه قد صادر رأي المحكوم المظلوم ! فلم يمنحه فرصة ليجرب ويخطئ ويعتبر بأخطائه وَيُرَاكِمَ من الخبرة ما به يمتلك الفكرة والجرأة ، فالفكرة بلا جرأة ، لا تجاوز حد النظر المجرد في الذهن ، والجرأة بلا فكرة تهور وَنَزَقٌ يفضي بصاحبه إلى الهلكة ، فَثَمَّ هرم استبداد محكم من المركز فهو طاغوت دولي ، إلى الأطراف فمنظومة السلطة فيها طاغوت آخر وإن كان أضيق في دائرة التحكم والنفوذ فصلاحياته صلاحيات التابع وإن كان ثم هامش فهو في إدارة الشأن الداخلي انطلاقا من النظرية آنفة الذكر : السياسةُ والحربُ والاقتصادُ للمركز فهي خطوط حمراء لا يجاوزها آباء السياسة والحرب في الأطراف ، ولهم بعد ذلك من فضول الثروة فضلا عن إطلاق اليد في الخاصة والعامة بطشا ومصادرة ...... إلخ ، مع توظيف ذلك في أحيان توظيفا أخلاقيا براجماتيا ! عنوانه الرئيس : حقوق الإنسان التي تَتَمَتَّعُ بنسبية فضفاضة فهي تغضب لحق دون آخر ، مع تساويهما في الحد ، فَقِيَاسُ العدلِ أن يَتَسَاوَيَا في الحكم ، فاشتهر من كلام النظار أن المتماثلات تَتَسَاوَى في الأحكام كما المختلفات تفترق فمن خالف بين متماثلين أو سوى بين مختلفين فما عدل وأنصف في الحكومة ، وقيم الإنسان المجردة ، كما يقول بعض الفضلاء ، قِيَمٌ لا تَتَجَزَّأُ ، وهو أمر يسهل قوله ويعسر فعله ، ولو في دوائرِ فَضْلٍ وأمانةٍ ، فكيف بأخرى وصفها النقص والخيانة ، فحق الإنسان واحد ، ولكنه قد صار على أنحاء تَتَخَالَفُ وَقَلَّ مَنْ يَسْلَمُ من هذا التناقض ، ولا تجده في أكثر أحواله إلا حكاية لكبر في النفس ، فهي لا ترى في المخالف إنسانا يستحق العيش إلا بما يحقق صالح الأقوى فوحده من يمتلك شرعية الحكم ووحده من يستأثر بمغانمها وَيُحَمِّلُ الأضعف مغارمها ، فليس إلا أداة لتحقيق أحلام الأقوى الذي احتكر أدوات القوة الخشنة والناعمة ، فليست قوته عن جدارة وإنما اجتهد في تجريد المجتمع الذي يناجزه ، فتحول إلى طفل صغير في يد أب مستبد فهو يوظفه بالقدر الذي يحقق أحلامه ولو وضيعة قد تبلغ في أحيان بيع الابن في سوق نخاسة ولو سماه سوق عمالة ، فهي عمالة أشبه بالرق فضلا أن تكون مُجَرَّمَةً في الشرع والعرف ، فهي تصم الابن بوصم الفجور والإجرام ، وليس ذلك مما يؤرق الأب المستبد الذي لا يروم إلا الكسب ، فهو يخارج ابنه أو من ولي أمره مخارجةَ السيدِ للعبد ، فَيُطْلِقُهُ لِيَعْمَلَ ثم يضع يده على معظم كسبه ويعطيه من الفتات ما به يحيى لا أنه يريد حياته بل لأنها مصدر كسبه فموت العبد انقطاع لكسبه الذي يؤول إلى سيده ! ، وذلك ما يُفَسِّرُ رعاية حكومات ودول لأنشطة من الاقتصاد الأسود : الاتجار بالبشر قِطَعَ غيار أو أدواتِ لذة محرمة أو الاتجار بالمسكر أو المخدر ...... إلخ ، فهي تمارس دور السيد الذي يطلق إماءه ليمارسن البغاء ولو إكراها ، فيأكل من كسب فروجهن المحرم ، وهو ما جاء الوحي عنه يَنْهَى ، فـ : (لَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، فلم يَنْتَهِ سادة العصر الذين أكرهوا الشعوب على البغاء ! ، فصارت حياتهم حياةَ العبد الذي لا قيمة لها إلا ما يحقق من كسب مادي عاجل ، فإن لم يحقق الكسب فهو عالة يجب التخلص منه طبقا لنظرية : من لا يعمل لا يأكل ، فمن لا يعمل لتأكل السلطة كسبه فلا يأكل من فُتَاتِهَا ما يقيم صلبه ليعمل من جديد في خدمة السيد المجيد الذي تحول إلى طاغوت ذي مستويات ، فطاغوت الأب المستبد في الدائرة الأسرية وهو قاعدة الهرم الاجتماعي الذي يفرز الهرم السياسي ، فما استبداد السياسة إلا حكاية لاستبداد أضيق ، في دوائر الأسرة التي تصنع المجتمع ، وفي دوائر المجتمع الذي يفرز السلطة ، وهي بناء هرمي محكم يملك أدوات تأثير في المجتمع والأسرة فَثَمَّ تَأْثِيرٌ مُتَبَادَلٌ ، فالسلطة تصنع المجتمع والأسرة على مثال يواطئ أغراضها ويحقق أحلامها في الاستئثار بالمغنم دون المغرم الذي تَتَحَمَّلُهُ الدوائر الأدنى إن في المجتمع أو في الأسرة ، والأسرة والمجتمع في المقابل هي من يفرز هذا الهرم السياسي ، فاستبداده ، من وجه ، هو حكاية صادقة لاستبداد الدوائر الأسرية والاجتماعية ، وعنفه وبطشه يحكي عنفهما ، وطغيانه وانفراده بالحكم والقرار دون شورى يحكي الطغيان في المجتمع والأسرة .
    والأبوة الراشدة ، في المقابل ، تُرَبِّي في نفوس الأبناء ملكةَ الرأي واتخاذ القرار والمراجعة والاستدراك بل والإنكار مع تَوَخِّي الأدب والذوق ، خلاف ما يكون من الأبوة المستبدة فهي تُرَبِّي الأبناء على سمع وطاعة مطلقة إن في المعروف أو في المنكر ! ، والوحي قد جاء يقيد ذلك ، فـ : "إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" ، وهو ما يستوجب الاستدراك على الأب إن خالف عن جادة الحق ، فلا يطيق ذلك ، بداهةً ، مَنْ دَرَجَ في مهاد الاستبداد فلم يَنَلْ من التربية الراشدة حظا ، فكما كان أداة لتحقيق أحلامٍ ليست بأحلامه فهو يَرُومُ تحقيق أحلامه التي حيل بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، يَرُومُ تحقيقها بابنه وإن لم تكن أحلام الابن المغلوب على أمره في جميع أجيال الاستبداد ! ، وهو ما لا يكون إلا بجرعة مركزة من التسطيح للفكر والسحق للإرادة بما يكون من عنف القول والفعل الذي يفقد الإنسان القدرة أن يُفَكِّرَ وَيُقَرِّرَ ، وإن فَكَّرَ وكان ذا رأي ، فليس ذا موقف ، بل قد يكون رد الفعل انْتِصَارًا للذات المسحوقة أن يكون الابن ذا عصيان وتمرد يجاوز كل حد محكم ، فليس ثم رأي يلجم هذه الثورة الراغبة في التحرر من قيد الطغيان فسرعان ما تَقَعُ في نفس الفخ ، فَتُعِيدُ إنتاج الاستبداد باسم جديد ، وإن اسم حرية مطلقة ، فهي طاغوت ينسخ طاغوتا ، فداخل كل إنسان طاغوت يَنْتَعِشُ إذا استجمع الأسباب فاستغنى ، وذلك قانون قد أبان عنه الوحي بكلمات موجزة تحكي طغيان الفرد ، كلمات : (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) ، وهو قانون ينتظم أي طغيان ، فهو اسم جامع يستغرق الأسرة ، فالأب المستبد طاغوت وإن لم يأمر أبناءه بعبادته صراحة ! ، فهو يريد منهم سمعا وطاعة مطلقة لا تبلغ حد الطغيان الأكبر ولكنها ، من وجه آخر ، تمهد له إذ تقدم له من الأفراد مَنْ يَسْهُلُ قِيَادُهُ فَقَدْ تَوَلَّتْ منظومة الطغيان الأسري تهميش رأيه وسحق إرادته ، ثم توالت المنظومات ، فَثَمَّ طاغوت في كل منظومة ولو قَلَمَ أرشيفٍ تحت بئر السلم كما يقال في مصر ، فرئيس الأرشيف قد تقمص شخصية الطاغوت الذي يجتهد من حوله في التقرب إليه رجاءَ نَوَالِ الحظوة ، فما صار طاغوتا إلا بتزكية جمع من الأطفال ! ، فهم نتاج الأسرة المستبدة التي أبطلت فيهم روح النظر والنقد ، وروح الابتكار والاستقلال ، فأنتجت أفرادا لا يجاوز دورهم في الحياة رقما من الأتباع لا حظ لهم في صناعة فكرة أو قرار فليسوا إلا قطيعا يسهل قياده لا سيما إن كان القائد ذا سلطات واسعة وأدوات تأثير فاعلة في دعاية وإعلام يصنع من هذا القطيع المدجَّنِ رأيا عاما يُوَظَّفُ في تحقيق أهداف السلطة وإن زعمت أنها أهداف الأمة ، فلا هدف ولا رأي لقطيع أفراده لا زالوا أطفالا في أحلامهم وإن كانوا بغالا في أبدانهم ! ، وذلك مثال يتكرر فهو يَتَصَاعَدُ من القاع إلى القمة ، فمن الأرشيف إلى ما فوقه من منظومات الإدارة والسياسة ، فَثَمَّ طاغوت في كل موضع ، وحوله أطفال يَتَزَلَّفُونَ إليه ، فينشأ هرم الطغيان من لبنات أولى هي ما يمكن الاصطلاح أنه : إنسان السلطة المطيع الذي لا رأي له ولا موقف ، وإن كان ذا رأي فليس ثم من الإرادة ما يجاوز به إلى الفعل ، وإن كان ذا فعل فلا رأي فهو طائش كالنار التي تحرق بالطبع لا الإرادة ، فالإرادة لا تكون إلا وثم تصور يسبقها ، إذ الحكم فرع التصور ، كما يقول أهل النظر ، فمن جُرِّدَ مِنَ التصور الصحيح فحركته في الخارج تضطرب فلا تسلك جادة الحق المحكم لا سيما وقد تَقَصَّدَ الأب المستبد إن في الأسرة أو في المجتمع أو في السلطة إن في الأطراف أو في المركز ، لا سيما وَقَدْ تَقَصَّدَ الأب تجريد الابن من خبرة الحياة فلم يَنْصَحْ له في الرأي ، ولم يفسح له المجال في الفعل الذي يُرَاكِمُ من الخبرة ما يُعَزِّزُ الثقة في النفس فيكون من الرأي ومن الشجاعة ما بهما حصول الغاية ، فخشي الأب المستبد على جميع المستويات آنفة الذكر ، خشي أن يشب الابن عن الطوق فيخرج عن سلطانه فلا هم له إلا ترسيخ أركانه ، ولو سلطانَ جورٍ واستبدادٍ ، فَلَا يُطِيقُ ، بَدَاهَةً ، أن يكون ثم رأي يخالف ، فعمد أن يُقَزِّمَ الابن فَيُجَرِّدَهُ من خبراتِ الحياة ، فلا يجد الابن بُدًّا إلا أن يخضع للأب الذي يمتلك الخبرات الواسعة ، وليست نتاج معرفة وتفاعل بين العقول ، وإنما هي رأي واحد لا مستند له يَنْصَحُ ، فليس إلا إعجاب كل ذي رأي بِرَأْيِهِ على وجه يوجب الاعتزال إن لم يكن ثم طاقة تغيير تَنْهَى عن هذا المنكر الجسيم ، فَلَيْتَهَا كانت خبرة ناصحة قد صدرت عن إخلاص في القصد ورسوخ في العلم وإن لم يحمد فيها الاستبداد فهو أبدا مناط ذم فلا يحمد الظلم الذي يستلب صاحب الحق حقه ، وما أعظم الجناية أن يُسْتَلَبَ صاحبُ العقل رَأْيَهُ ، ويصير لِغَيْرِهِ تَبَعًا مع ما رُكِزَ فيه من قوة النظر فهي مناط التكليف الأشرف ، التكليف بالوحي المنزل ، وبها امتاز الإنسان من الحيوان الأعجم ، فَلَيْتَ خبرة المستبد كانت ناصحة ، بل هي في الغالب الأعم خبرة فساد في التربية والإدارة والحكم ، فاستغرقت سائر مستويات السلطة ، فَثَمَّ فساد قد جاوز حد الاستثناء الفردي بل والظاهرة العامة فقد اكتسب من الشرعية الاجتماعية والقانونية ما انْتَقَلَ به ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، من فساد الإدارة إلى إدارة الفساد ، وهي إدارة محكمة مؤطرة لها من النصوص واللوائح فضلا عن الأعراف والعوائد ما صَيَّرَهَا قاعدةً فَمَا خَالَفَ من نوادر الإصلاح فهي الاستثناء الذي لا يقاس عليه إذ النادر لا حكم له ، فخبرة منظومة فاسدة في مقابل مجتمع عديم الخبرة لا أنه جاهل أو غبي كما تُرَدِّدُ السلطة ، وإنما حُرِمَ أسباب الخبرة ، فقد تقصدت السلطة الإزراء بِرَأْيِهِ والحط من قدره مع عزله عن دائرة الفعل الاجتماعي والسياسي المؤثر فلا زال ، كما تقدم ، طفلا ، وسيظل كذلك حتى يلقى ربه جل وعلا ! ، فَدَوْرُهُ في الحياة ، كما تَقَدَّمَ ، أن يأخذ مصروفه من أبيه ولا يسأل عن المصدر ، بل وليس له أن ينفق إلا بما يقترح الأب فهو الذي ينوب عن الابن في حياته ! ، فحياة الابن ليست إلا فرعا عن حياته ، ولا يحسم هذه المادة الطاغوتية ذات البناء الهرمي المحكم ، لا يهدمها ، كما تقدم مرارا ، إلا الوحي ، فالنبوة قد جاءت تحرر مادة التوحيد وتخالف عن جادة الطواغيت ، فـ : (لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ، فوحدها النبوة التي تَرُدُّ الإنسان إلى الجادة التي يستكمل بها وصف الإنسان الحي الحساس المتحرك بالإرادة الصادرة عن علم ونظر ، لا حركة الطبع الاضطراري الذي لا إرادة له ولا عقل إلا عقل القطيع المجموع بما تصنع أدوات الدعاية والإعلام من تضليل ، لا جرم كانت النبوة أبدا هي الخصم الناجز لكل منظومات الطغيان إن في المركز أو في الأطراف ، إن في المعسكر الشرقي الشيوعي وصورة الاستبداد فيه أظهر فهي كاستبداد الأطراف أو استبداد الأطراف ، عند التدبر والنظر ، هو ما يحاكيها فهي أصل محكم وهو عنها فرع يصدر ، أو في المعسكر الغربي الرأسمالي وصورة الاستبداد فيه ألطف ، فلا يخرج الجميع عن صورة الطاغوت الذي يَرُومُ التَّأَلُّهَ ، فَثَمَّ نخبُ آلهة في المركز تحكي ما تَسَلَّلَ إلى فكر الإنسان من تعدد الآلهة فذلك منطق وثني يسلكه ، ضرورةً ، كل من حاد عن جادة الوحي الإلهي ، عَلَى تَفَاوُتٍ في ذلك ، وثم نخب في الأطراف تمارس هذا الجنس من الطغيان وإن فَجًّا يستفز ، فالمعادلة كما تقدم : السياسة والحرب والاقتصاد بدوائره الخاصة والعامة : دائرة الملكية الخاصة التي تُسْتَبَاحُ تَلْبِيَةً لرغائب الاستثمار الأجنبي ذي الطابع النقدي قليل الجدوى فلا يضيف لاقتصاد البلاد إلا رقم نُمُوٍّ يَتَضَخَّمُ دون تَنْمِيَةٍ تكافئه ، فلا إضافة في قواعدِ إِنْتَاجٍ نَافِعٍ فليس الراغب في الكسب السريع العاجل على ذلك بحريص ، بل لا يصبر بما اتصف به رأس المال من الجشع والعجلة ، لا يصبر وإن كانت الثمرة الآجلة أعظم ، فليس ثم رؤية وليس ثم رغبة أو إرادة في نَفْعٍ يَعُمُّ ، فرأس المال في هذا المثال : فَرْدِيٌّ يَتَّسِمُ بِأَنَانِيَّةٍ مُفْرِطَةٍ ، فلا يَتَوَرَّعُ أَنْ يَضُرَّ بالصالح العام صيانة لصالحه الخاص الذي لا يجاوز دائرةَ انْتِفَاعٍ ضيقة ، ولا يعدم تأويلا فيما يقارف من الاستبداد والتحكم الذي يخالف عن كل منطق ، ولو منطق الإجراء الإداري ، فضلا عن مخالفته لأي منطق أخلاقي أو تربوي ، فَثَمَّ الحجة التقليدية الجاهزة : الأب أعلم بالمصلحة وإن كانت المفسدة الخالصة ، فلا يعدم في هذه الحال أن يَنَالَ حظا من لقب الغاش ، فضلا عن الجهل وفساد الرأي إذ لا يطلب المشورة فَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ يَعْتَقِدُ في رأيه العصمة وهو مع ذلك لم يحرر القصد فلا يخلو من حظِّ نَفْسٍ قد يَبْلُغُ به في أحيان حَدَّ الخيانة ، فَيَجْتَمِعُ فيه الشر كله : الاستبداد والجهل والغش لمن ولي أمرهم والخيانة العظمى إن في الفكرة والمبدأ أو في السياسة والحرب .

    فَثَمَّ تبعية في الاقتصاد آنف الذكر على وجه يجاوز حد الملكيات الخاصة إلى نظائرها العامة ، تفريطا في الثروات التي تُوهَبُ لكلِّ وَافِدٍ بذريعة الاستثمار النافع ولو احتكارا لضرورات الحياة على وجه يكرس التبعية الكاملة ، فضلا عن المخصَّصَاتِ من الأصول والأرض التي تُبَاعُ قِطْعَةً قِطْعَةً على وجه ، كما تقدم من مثال المثلث الاستراتيجي المعروف باسم مثلث ماسبيرو على ضفاف نِيلِ مصر الذي يُبَاعُ شَاطِئُهُ وَتُبَاعُ جُزُرُهُ تِبَاعًا ، على وجه لا يَتَوَرَّعُ عن انْتِزَاعِ الملكيات الخاصة بذريعة التطوير وليس إلا مَنْحًا لرأس مال وافد لا ينظر إلا في صالحه الخاص ، بل الأمر قد جَاوَزَ هاتين الدائرتين الاقتصاديتين : الخاصة والعامة ، فهو يُدْمِجُ الاقتصادَ المحلي في الأطراف بمنظومة الاقتصاد العالمي الذي يَتَرَبَّعُ المركز على قمة هرمه حكاية أخرى لهرم اقتصاد مستبد يضاهي هرم السياسة المستبد فَهُمَا صنوان ولا بد لهما من أيديولوجيا وتأصيل وذلك ، بداهة ، ما لا يكون إلا في غياب التنزيل ، فمادته هي الحاسمة لهذا الطغيان الخاص والعام ، الذي استغرق بمثاله الهرمي آنف الذكر سائر وجوه الحياة فَقَدْ صار دِينًا يستغرق ، فلا يغادر نازلة إلا وله فيها حكم هو الأصل الذي لا تجوز المخالفة عنه وإلا كانت الفتنة والعذاب الأليم ، فَثَمَّ النظام الدولي في الخارج ، وثم السلطة الوظيفية في الأطراف ، وثم نخبُ فكرٍ وسياسةٍ واقتصادٍ هَشَّةٌ وهي ، مع ذلك ، تدين بالولاء لفكر وافد إلا ما رحم الرب الخالق ، جل وعلا ، على وجه لا يملك التغيير وإن امتلك بعض التأثير ، وثم المجتمع فهو ، أَبَدًا ، الطفل الْمُغَيَّبُ الذي يُقْضَى أَمْرُهُ بحضرته ولا حظ له من الشورى ، ولو دُرْبَةً ، فما الحاجة أن يَتَدَرَّبَ وقد حكم عليه أن يظل أَبَدًا طفلا في حجر السلطة التي تَنُوبُ عنه في اتخاذ قراراته المصيرية فهي أعلم بمصلحته منه ، وإن أفضت به إلى فساد عام في دينه ودنياه .
    فالمجتمع في هذا المثال الهرمي مَنْزُوعُ الفكرةِ بما أذاعت فيه السلطة من دعاية تُزْرِي برأيه ، وهو منزوع القوة والإرادة ، فإن حصل له رأي فليس ثم قوة بها يَتَأَوَّلُ رَأْيَهُ ، وذلك ، بداهة ، ما يفتقر إلى نخبة أَقْزَامٍ تقود المشهد فهي تَنُوبُ عن المركز في تقزيم الأطراف ، فالرأس يجب أن تدين بالولاء للمركز ، وهو ، لو تدبر الناظر ، ما يجاوز حد الرأس المباشر التي يُقْضَى الأمر باسمها ، فذلك خداع آخر تمارسه النخبة الحاكمة إذ تضطر في أحيان أن تضحي بالرأس فَتَحْصُرَ فيه وصف الفساد والخيانة والنقص ...... إلخ ، فتضحي به ، وهو جزءٌ ، استبقاء لكلٍّ جامع وذلك قياس العقل الناصح أن تُدْرَءَ المفسدةُ العظمى بأخرى صغرى لا تعدلها في الفاجعة ، فإذ لم تطق النخبة دفع المفسدتين فكان التغيير حتما لازما ، فالرأس به أولى إذ خلعها أيسر ، فَثَمَّ رأس يُقْضَى الأمر باسمها ، وثم نخبة من ورائها تمتلك من مفاتح السلطة ما به تدير الدفة وإن تعارضت في أحيان مع رغبة الرأس القابع على سدة الحكم فيكون من التدافع بينهما ما يجري مجرى التراسل السياسي الذي يستخدم فيه الجمهور كوقود ميداني ، مثال سبتمبر 2019 في مصر على ذلك خير مثال ، فثم مجموع مركب من الرأس والجسد ، رأس السلطة وجسدها ، وكلاهما وإن اختلف في التفاصيل الجزئية إلا أنه يصدر عن قاعدة كلية واحدة ، فكلاهما مهزوم الروح والفكرة قَبْلَ أن تُهْزَمَ الأبدانُ بِقُوَّةِ السلاحِ ، ولا بد أن يكون الرأس في الأطراف تحت السيطرة فَيَحْسُنُ أن يُخْتَارَ الأغبى والأجهل والأشد نرجسية وقسوة فهو أسهل في القياد ، وذلك رأي المركز في بَعْضِ رءوس ابْتُلِيَ بها الشرق الأوسط ، مصر وليبيا كمثال يَقُصُّهُ السفيران الأمريكيان في مصر وفي ليبيا إبان الثورة أواسط القرن الماضي ، فكلاهما قد أجمع على وصف الرأس الحاكمة بالغباء والجهل ! ، وكلما كان أغبى وأجهل وأضعف كان ذلك في القياد أَسْلَسَ ، ومن الضعف أن يكون ذا نسب مغمور أو آخر مرذول فلا يكون ذا جذور اجتماعية راسخة فذلك ما يُعْطِيهِ نَوْعَ حصانةٍ وإن لم يُقَصِّرْ في الخيانة ! ، فلا بد أن يجرد من الرتبة الأدبية التي تجعله في النفوس مُعَظَّمًا ، ولو كان في القول والعمل مُحَقَّرًا ، وذلك ما أحدث طفرة في الشرق الأوسط الحديث فكان الانتقال إلى المثال الجمهوري الثوري الذي أطلق على الملكيات لقب الرجعية الفكرية والسياسية ، فجاء بالطرح التقدمي الذي أكمل ما بدأت الملكيات الحديثة من تَغْيِيبِ القيم الذاتية الأصيلة للشرق ، وهي قيم الرسالة والوحي فكان الانتقال عنها إلى نظائرها الوافدة من الغرب ، وهي قِيَمُ الوضع المحدَث ، ولكن الوتيرة كانت أبطأ لا سيما والملكيات ، كما يقول بعض الفضلاء ، تَحْظَى بِقَدْرٍ من التَّوْقِيرِ والتعزير في نفوس العامة ، فكان الانْتِقَالُ إلى المثال الجمهوري الثوري الذي بَشَّرَ بالتحرير والانعتاق مِنْ قَيْدِ الاستبدادِ والاستعبادِ فجاء ، كما تَبَجَّحَ الزعيم الخالد في مصر ! ، جاء ليعلم الناس الحرية والكرامة فقد كانوا قبل بعثته السياسية ! عبيد إحسان للملك فصاروا عبيدَ إحسانه ، فلم يستفد المجتمع إلا الانتقال من رق أرضي إلى آخر أشد ضراوة بما يملك من أدوات القمع مع شرعية التغيير الراديكالي الحاد ، فالثورة تستأصل خصومها بل وتأكل أبناءها ، فدائرة الحكم تضيق حتى تختزل في شخص الزعيم الذي يُصَفِّي مراكز القوى التقليدية من أصحاب الوجاهات الدينية والاجتماعية والاقتصادية ..... إلخ ، فَيَنْفَرِدُ بالسلطة ويحكم باسم الثورة ، ثم يحكم باسم التنظيم الذي تضيق دائرته إذ معياره الأول هو الولاء المطلق لشخص أرضي ، حقيقي أو اعتباري ، تَتَجَسَّدُ فِيهِ السلطة التي تَنْتَقِلُ من طور الأرض إلى طور الوحي ، وكلما زاد الاستبداد تقلصت الدائرة الحاكمة ، فمركزها واحد بالشخص أو النوع ، وهو يحكم بالجور والقهر ، والمصيبة تَعْظُمُ أن يكون نَائِبًا عن غيره فلا يكون ذَاتِيًّا ، ولو في بطشه ! ، وهو أمر يتفاوت ، واضرب له المثال بالنظام الحاكم في بلاد الشام عبر أربعة عقود أو يزيد ، فالأسرة الملكية الحاكمة باسم الجمهورية ! ، أسرة تَنْتَمِي إلى طائفة دينية تشكل الأقلية وهي اختيار المحتل الأول ، إذ لا جذور لها في المجتمع ترسخ وهو ما يجعلها دوما في حاجة ماسة إلى دعم من خارج ، بعضه من المركز وآخر من الإقليم ، فكان النظام الحاكم وهو في حقيقته نظام الفرد الواحد لا الطائفة فليست إلا مادة من جملة مواد استخدمها الرئيس الأب فأثار فيها غريزة الأقلية في مقابل الأغلبية التي تَتَرَبَّصُ بِهَا الدوائرَ ولا يحميها إلا زعيم الطائفة القوي ، فلا بد أن تستجيب لما يطلب فهو بها يحكم ويقمع نظير ما يمنح من امتيازات لا تخلو من تَرَاتُبِيَّةٍ وَطَبَقِيَّةٍ وإن داخل الأقلية فَثَمَّ أقلية داخل الأقلية ! ، وتلك طبيعة الاستبداد ذي البنية الهرمية فداخل المجتمع أو الطائفة لا بد من هرم سلطة يحكم نظير ما يحظى به أفراده من امتيازات ومنح فهي تَتَفَاوَتُ تَبَعًا لِتَرَاتُبِيَّةِ الهرم وَطَبَقِيَّتِهِ ، وهو ما يجعل العناصر الدنيا في الهرم تَتُوقُ أَنْ تَتَرَقَّى في الرُّتْبَةِ فَتَنْتَقِلَ من طبقة دنيا تَتَحَمَّلُ الأعباء المباشرة في القمع إلى أخرى عليا تَقْطِفُ ثمار الصبر على سنوات من القمع والبطش فقد حصدت ما زرعت وَانْتَقَلَتْ إلى طبقة عليا لا تتحمل أعباء الحكم المباشرة ، فلا بد لِمِثَالٍ كهذا من رعاية دولية وجدها النظام آنذاك في القطب الشيوعي الأحمر ، ولا بد من أخرى إقليمية وجدها في نظام الملالي في طهران ، فكان الداعم له في حربه ضد العراق على خلفية ما كان من انشقاق في المرجعية البعثية ، فالبعث العراقي في مقابل نظيره في الشام ، ولم يخل الأمر من تقارب أيديولوجي بين المرجعية الباطنية في الشام ونظيرتها الاثني عشرية في طهران ، فكلاهما يصدر عن أيديولوجيا واحدة ، وإن تفاوتت في الغلو والانحراف ، وإن كان نظام الحكم في الشام بداهة يستثمر في الورقة الطائفية استثمارا سياسيا فَلَيْسَ مُتَدَيِّنًا يَرُومُ نصرة مقاله وإنما هو من جملة أوراقه إن في خطاب الطائفة في الداخل أو في استجلاب الدعم من خارج ، فتلاقت المصالح وإن بَدَا التلاقي أنه في المبادئ والأيديولوجيا ، وكانت كفة طهران أرجح ولكنها لم تكن الأرجح مطلقا فالأب كان ذا ثقل سياسي وازن حافظ به على معادلة التحالف بين نظامه ونظام الملالي وهو ما استوجب الاستعانة بالمرجعية العربية في مقابل نظيرتها الفارسية لتحقيق نوع من التوازن ، فكان البعث العربي الاشتراكي حاضرا في المشهد ، وكان ابنه الأكبر ، كما يحكي بعض الفضلاء ، كان ذا بواعث عروبية ، ولو لم يخرج عن مبادئ أبيه الانتهازية ، مع توحش وتغول في مقابل المجتمع الأعزل ، ولكنه لم يكن الطرف الذي يَرُوقُ لطهران فهي تريد حليفا ضعيفا يُقَدِّمُ من التنازلات ما يحقق لها الرجحان المطلق لا النسبي ، وهو ما جعل طهران موضع اتهام ، ولو في دوائر خاصة ، أنها من دَبَّرَ قَتْلَ ابنه الأكبر مطلع العام 1994 ، فهو كأبيه يريد معادلة سياسية متوازنة ، وطهران لا تريدها إلا متراجحة لا تَتَحَقَّقُ إلا إذا كان خليفة الأب رجلا ضعيفا قليل الخبرة والحيلة ، فكان لها ذلك في قمة السلطة الآن ، فالجالس فِيهَا رجلٌ قَدْ صار مضرب المثل في الضعفِ وَالتَّبَعِيَّةِ فهو أراجوز تحركه أياد ظاهرة وخفية ! ، وَقِيَادُ ذلك ، بداهة ، أسلس من قياد رجل أقوى شكيمة وإن لم يخرج عن الطريقة فهو تابع وظيفي ولكن بِرُتْبَةٍ أعلى ونفوذ أقوى ، ولو تدبر الناظر المشهد في اليمن الآن ، لوجد أن مصرع الشقيق الأكبر عام 2004 كان هدية لطهران إن لم يكن لها دور في اغتياله ولو من طريق غير مباشرة وهو أمر لم يطرح ولو طرح لكان له حظ من النظر ، ولو على المدى البعيد فقد خلفه على رأس الحركة الحوثية الآن غِرٌّ ساذج وهو ، أيضا ، سَلِسُ القيادِ فطهران لا تجد ندية في شخصه الضعيف فتحركه كيف يريد ، وهو ، أيضا ، أفضل من آخر قوي ، ولو عميلا تابعا ، فتلك نظرية محكمة في صناعة التابع الوظيفي ، إن في الأنظمة الملكية والمشيخات ، وانظر في تاريخ العوائل الحاكمة في الخليج وَدَقِّقِ النظر في الأصول الاجتماعية الوضيعة لتعلم لِمَ وقع الاختيار على أولئك وَاسْتُبْعِدَ أصحابُ الأصول الشريفة ، ولو كانوا على نفس الطريقة من العمالة والخيانة ، فخائن لا جذر له في المجتمع ولا حشمة له في النفوس خير من آخر يحظى بالتوقير ولو بالنظر في أصوله الشريفة التي لا تُغْنِي عنه شيئا بين يدي رب الخليقة ، جل وعلا ، وذلك ما ينطبق على الأنظمة الجمهورية لا سيما الثورية ، فقد جاءت الثورات ، ثورة يوليو 52 في مصر وثورة الفاتح من سبتمبر 69 في ليبيا أو هكذا أطلق عليهما ! هما مثال قياسي ، جاءت هذه الثورات برجال وصفتهم الدوائر العالمية بالتفاهة والجهل مع الغرور والكبر وإذا اجتمعا في شخص واحد فأبشر بالهلكة في الدين والدنيا ، ومع ذلك ، فالأمر لم يَخْلُ مِنْ تَفَاوُتٍ ، فالزعيم الخالد في مصر كان ذا طموح يجاوز الحد لا سيما بعد أن نجح في صناعة زعامة في محيط جهل وغباوة ، فَحَدَّثَتْهُ نفسه أن يصنع أمة ويصير لها رأسا ، فكان أَنِ اسْتُبْدِلَ به أضعفُ فالسيطرة عليه أيسر ، ثم كان التخلص منه وَجِيءَ بِثَالِثٍ أضعف ثم كان التخلص منه فجيء بِرَابِعٍ أضعف وإن تطاول زمن الغفلة فالخامس أسوأ ! ، فمصر بعد يوليو 2013 مثال قياسي فهي نَقْلَةُ نوعية وإن كانت بدهية فالانهيار يتسارع والحال تَتَرَاوَحُ فمن سيئ إلى أسوأ ، وتابع غبي خير من آخر ذكي وإن لم يخرج عن حد التابع فذكاؤه قد يوسوس له أن يوسع هامش المناورة ، فإذا فسدت الرأس فقد هان الخطب ، فأرنب يقود ألف أسد كفيل أن يصيرهم أرانب ، فكيف بأرنب يقود ألفا مثله ! ، وأسد يقود ألف أرنب يصيرهم أسودا ، فكيف إن كانوا أسودا مثله ، وقد أبان عن ذلك ابن مسعود إذ يُثْنِي على شجاعة الصديق الدينية التي فاقت شجاعة السياسة والحرب وشجاعة البدن ، فالشجاعة الدينية أصل كل شجاعة تُحْمَدُ ، فلما ارتدت العرب كلها وصار أهل التوحيد في الجزيرة كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، كان وصف القلة المؤمنة وقد أحاطتها الكثرة المرتدة ، كان وصفها ، كما يقول ابن مسعود ، ثعالب ، فهم يخشون الدوائر فلا زال الصديق يُثَبِّتُهُمْ بالفعل قبل القول فقد وُكِلُوا إلى فَعَّالٍ يُقْدِمُ لا إلى قَوَّالٍ يُنْكِرُ وَيَشْجُبُ ، فلا زالت تلك حاله حتى بث فيهم من روحه ما صيرهم أسودا ، وعلى هذا فقس فهو قانون يطرد في تربية النشإ إن أسودا تَكِرُّ أو أرانب تَفِرُّ ! .

    والله أعلى وأعلم .


  13. #13
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    ومن حجج القمع والإفساد في الأرض ذَائِعَةِ الصيت الآن ! ، وهو ما يزيد في الأنظمة الوظيفية ذات الطابع الهرمي شديد الإحكام وَالتَّرَاتُبِيَّةِ ، من هذه الحجج ما اصطلح أَنَّهُ : السلم الاجتماعي في الداخل والأمن القومي أو الإقليمي .... إلخ فقد صَارَ ، أيضا ، حجة رئيسة من حجج التدخل في الخارج عَبْرَ القيام بعمليات ارْتِزَاقٍ وظيفية ، فالعمق الاستراتيجي قد صَارَ ذريعة إلى التدخل في الجوار بما يحفظ أمن النظام ، فهو الْمُسَمَّى الذي يحمل اسما أعم ، اسم الأمن الوطني أو الأمن القومي ، فاختزل الاسم الجامع ، ولو في إطار إقليم أو فضاء جيوسياسي محدود ، اختزل في مسمى ضيق وهو أمن النظام الوظيفي الذي لا يَتَحَرَّكُ إلا في نطاق محدود فلا يَحْظَى بصلاحيات مطلقة أن يتدخل في الجوار ، مصر مثالا في سياستها الخارجية الحالية فهي حلقة متأخرة من سلسلة طويلة دورها التدخل في ملفات دون أخرى ، على وجه لا يخلو من التفاوت في الحكم مع اتحاد الجهة ، بل والتناقض بالتدخل في ملفات لا تضر مصر في شيء ، مصر الدولة لا النظام ، التدخل في ليبيا مثالا فهو يحمل عنوان الحفاظ على الأمن القومي المصري ، وليس ذلك إلا أمن النظام أن يسهم في صناعة واقع عسكري وجيوسياسي يلائم طبيعة النظام في مصر ، فكل يختار من يشاكله في الوصف ويختار جواره ، فطبيعة النظام الوظيفي في مصر تواطئ طبيعة المجموع العسكري شَرْقَ ليبيا ، وهو أمر لا تخطئه العين بالنظر في سلوك القيادة في كلا الجانبين فكلاهما مشبع بالفخر والوهم الزائف ، مع فجور في الخصومة باعثه الحقد والحسد على كل ذي عقل أو مروءة ، فَفِي هذا الملف يَرْمِي النظام في مصر بجزء ليس باليسير من قوته ليسد ثغرا في جبهة الشرق فضلا عن الدعم اللوجستي ، وهو ما لا يستقل فيه النظام الوظيفي لا هنا ولا هناك ، فَثَمَّ حلقات أعلى تخطط وأخرى تمول ، وليس على الحلقات السفلى إلا أَنْ تُنَفِّذَ ، فتلك تَرَاتُبِيَّةٌ هرمية في أي كيان سياسي أو عسكري ، فَثَمَّ نظام دولي ذو رأس تفكر ، وجوارح تُنَفِّذُ فَلَا تصدر ، بداهة ، عن أمرها ، فليس لها من الجنان ما به تعقل ، فالتصور والإرادة لا يحصلان إلا في محل حي عاقل يتحرك بالإرادة اختيارا فليس جارحة لا تَعْقِلُ : إذا حصلت الإرادة في الجنان أَنْ تَصْلُحَ صَلُحَتْ ، أو أًنْ تَفْسَدَ فَسَدَتْ ، فلا اختيار لها لا في خير ولا في شر ، وإنما هي تَبَعٌ للمركز ، مركز النظر والتدبر ، فالأطراف له تخضع ، وتلك صورة فِي الحس تُسْتَنْسَخُ في السياسة والحكم ، فمهما ادعى النظام الدولي أنه لا مركزي ، فهو يفسح المجال للمجتمع أن يختار ما يلائمه ، وذلك ، بداهة ، ما لا يكون في الخطوط العريضة في الفكر والسياسة والحرب والاقتصاد وقوانين الاجتماع والأخلاق ، فثم أدوات يسيطر بها النظام الدولي المركزي على الأطراف ، وإن تَفَاوَتَتْ فِي آثارها ، فَبَعْضُهَا نَاعِمٌ وآخر خشن ، ولكل من الأدوات ما يلائم ، وليست الأطراف في ذلك إلا التابع الخاضع الذي لا يملك من أمره شيئا إلا في نطاق ضيق ، فالمجموع الوظيفي التابع في الأطراف لا يخلو من تَنَاقُضٍ في قَرَارَاتِهِ ، أو هكذا يفسر سلوكه إن قِيسَ بمعيار المصلحة الذاتية ولو في أضيق دوائرها : الدائرة الْقُطْرِيِّةِ الضيقة فلا يحسن يحقق مصلحة ذاتية ولا يحسن يحفظها ! ، فإن قيس سلوكه بمعيار المصلحة الذاتية التي يفترض أنه يمثلها أصدق تمثيل فهو حكم وطني مخلص إذ ينصح للمجتمع الذي يحكم ، فَإِنْ قِيسَ سلوكه بهذا المعيار كان التناقض بين الأقوال والأفعال ، فما يحمل النظام في مصر ، وهو ، كما تقدم مرارا ! ، شاهد قياسي على المجموع الوظيفي البراجماتي المحترف ، ما يحمله أَنْ يَرْفَعَ صوته في مشهد ليبيا في الجوار ، وهو مشهد لا يهدد وجود البلاد فغايته أن يهدد أمنها في الأطراف لو صدقت رواية النظام ، فذلك ، عند التحقيق ، مما يؤمن به النظام وجوده ولو على حساب المجتمع الذي يدفع الثمن كاملا من ذخيرة البشر وذخيرة المال والسلاح ، فكلُّ دَعْمٍ يقدم في الخارج لا يعود بالنفع على المجموع في الداخل فهو خسارة مادية لمن اقتصر في تقييمه على هذا المعيار ، فتلك حجة تلزمه ، فضلا عن الحجة الأخلاقية فَهِيَ أَشَدُّ إِلْزَامًا ، فَثَمَّ تهديد وجودي لأي مجموع وظيفي إن دُحِرَ نظيره في جوار قريب ، فذلك ما يسري سريان الجناية ! ، فَيَنْتَقِلُ من عضو إلى آخر فأول ما يبدأ هو الجار القريب ، فذلك تأويل الجسدية التي لا تقتصر على الحس ، فثم جسدية سياسية بها الأطراف تَتَجَاوَرُ فهي ، أبدا ، في تَبَادُلٍ وتأثر إن في الصحة أو في المرض ، وذلك تأويل من جملة تأويلات لمثال الجسد في الخبر المأثور أَنْ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَبَاذُلِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ، كَمَثَلِ الْإِنْسَانِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ" ، فكما الأفراد يَتَدَاعَون ، فالأمم والدول والنظم ..... إلخ من الكيانات السياسية والعسكرية ، كل أولئك يَتَدَاعى لِيَنْصُرَ مَنْ يُشَاكِلُ ، وذلك سبب من جملة أسباب تُفَسِّرُ صوت النظام في مصر إذ يعلو في مشاهد ليست خطرا على وجود البلاد والمجتمع وإنما هي خطر على النظام بدوائره الضيقة المحكمة التي يحصل لها النفع المباشر من معادلة سياسة وحرب تجاور ، ولو جَائِرَةً تَسْتَنْزِفُ مقدرات المجتمع والدولة ، فتلك حال نظيره على الجهة الأخرى ، شرق ليبيا ، فثم كيانات وظيفية تَنْتَفِعُ مباشرة من هذه المعادلة فهي ، بداهة ، تُقَارِبُ مَنْ يُشَاكِلُهَا في البواعث والمنافع ، وذلك ما يبرر هذا السلوك البراجماتي الأناني ، فَلَيْتَهُ كان براجماتيا يعود نفعه على جمع كثير ، وإن لم يحمد ذلك في معيار الحكم الرشيد ، أن تسعى جماعة في تحقيق مآربها العاجلة ولو ظلمت غيرها حقه في الحياة الكريمة بل ومطلق الحياة في أحيان ! ، فالنظم الوظيفية التابعة لم تبلغ هذه الدرجة ، وهي عند التدبر والنظر ، دَرَكَةٌ ، فهي في دركة دونها إذ ليس ثم إلا منفعة الذات الوظيفية التي تضيق دوائرها فهي كيان غريب يناجز المجتمع ، فلا يحكي إلا مصلحته الخاصة ولو اجتهد أن يكسوها لحاء المصلحة العامة ، فهو يستحضر المجتمع في المغرم دون المغنم ، فَلَهُ كُلُّ جَمِيلَةٍ وللمجتمع كل قبيحة ! ، فوحده من يَتَحَمَّلُ المغرم : مغرم الدم والمال وسائر الذخائر ، فَيَبُثُّ فيه روح حماسة غالية في مشاهد زائفة لا تخرج عن إثارة الغريزة الأنانية بالأغاني والأناشيد الوطنية التي تُقَدِّسُ الأنا وتصرف النظر عما يقترف النظام الوظيفي من الجرائم ضد محيطه الاجتماعي الذي تحول إلى وقود معارك ، فإذا رام النظام اكتساب شرعية سياسية فهو يصطنع مواجهة أو يصير طرفا فِيهَا ، ولو طرفا وظيفيا تابعا لا دور له إلا في الحلقة الدنيا : حلقة الإنفاذ والدعم على الأرض كما يصنع النظام في مصر إذ يدعم نظيره في شرق ليبيا ، فتلك فرصة تسنح أن يحشد الرأي العام خلف القيادة المقاتلة الشرسة التي تغذي مشاعر الأنا المغفلة ولو بجمل مكررة من خطاب ثوري قديم وجد الناس آثاره إذ انجلى غبار المعارك فلم يكن تحتهم إلا الحمار ، حمار يونيو 67 ، وهو ما يصنع كل حاكم إذا شكا مأزقَ الشرعية أو تَرَاجُعَ الشعبية أو كان بصدد اتخاذ إجراءات قاسية تؤثر التأثير المباشر في واقع المجتمع ، فذلك ما يمهد له بطرق منها : الصدمة القاسية التي تبث الرعب في المجتمع فَتَشُلُّ أركانه ، أو المعركة الوطنية التي تحقق بها القيادة نصرا إعلاميا يمنحها التفويض الشعبي أن تَتَّخِذَ القرار المصيري ولو بإيقاع الضرر بمن مَنَحَهَا هذا التفويض ! ، والأمثلة ، لو استقرأ الناظر ، كثير ، ففي بريطانيا وهي أعرق الديمقراطيات في العالم الحديث لم تخرج المرأة الحديدية رئيسة الوزراء الراحل مارجريت تاتشر عن هذه المعادلة ، فكانت بصدد إجراءات خَصْخَصَةٍ اقتصادية تَنَالُ بالسلب من مكتسبات العمال وهم الحزب المنافس لحزبها اليميني ذي التوجه الاقتصادي الليبرالي ، وكان صدامها المشهور مع عمال المناجم مع انخفاض في شعبية الحزب كادت تعصف به ، فكانت حرب الفوكلاند 1982 التي أنقذت تاتشر فهي المرأة الحديدية التي تدافع عن الراية البريطانية في أقصى جنوب أمريكا اللاتينية ، ولو على أرض لا قيمة لها بل هي عبء على التاج البريطاني وإن ظهر فجأة ! أنها ذات قيمة استراتيجية والصحيح أنها ذات قيمة إعلامية وانتخابية في مشهد مؤقت ، وذلك ، أيضا ، ما واطأ رغائب النظام الوظيفي في الأرجنتين فكان يشكو من تصاعد الاحتجاجات ، فلا بد من حشد الجمهور باسم جامع فهي الحرب دفاعا عن السيادة الوطنية ! ، وإن كان النظام الحاكم هو مَنْ سَلَّمَ البلاد جميعا للنظام الدولي ليتحكم في الاقتصاد والثروة والإدارة وكل شيء ! ، إلا الفوكلاند فهي الخط الأحمر ! ، فتلك حيلة تقاسم فيها النظامان : الديمقراطي المنتخب في بريطانيا والعسكري المنقلب في الأرجنتين ، تقاسما فيه الغنيمة الدعائية والإعلامية وإن كانا في الظاهر أعداء في السياسة والحرب ، فَاقْتَسَمَا المغنم ودفع المجتمع في كلا البلدين الثمن كاملا ، فلم تدفع النخبة شيئا ، بل قد ربحت بما بذلت من ذخائر المجتمع البشرية والمادية ! ، وذلك ، كما تقدم ، مثل يَتَكَرَّرُ ، والباعث فيه اثنان : رغبة في زيادة الشعبية اكتسابا لشرعية سياسية ، وأخرى في اتخاذ قرارات قاسية تُؤَثِّرُ في المجتمع تأثيرا مباشرا فلا بد من حشده وَإِلْهَائِهِ بصرف نظره بعيدا إذ يخوض معركة الكرامة والثأر ! ، وهو ما وقع في تركيا بعد الحرب العالمية الأولى فكانت معارك الذات الوطنية التركية انطلاقا من القيم الطورانية العنصرية فكانت الحرب ضد العرب في الجزيرة ، وضد اليونان في الجوار ، وذلك ما حَشَدَ المجتمع خلف القيادة لا سيما وقد أحسنت التصنع حتى كان التمكن ، فلم تجهر ابتداء بما يصدم مشاعر المجتمع المحافظ ، فلا بد من استمالته ابتداء فهو الذي يدفع الثمن ، وهو الذي يمنح الزعيم شرعية التفويض في السياسة والحرب إذ هو بصدد اتخاذ إجراءات صادمة ، تشويها للفكرة وقطعا للسلك السياسي الجامع في الشرق وما استوجبه ذلك من حرب جائرة ضد الرسالة ولو مظاهر في الخارج ..... إلخ ، وذلك ما مهد لدور وظيفي تال أن تكون تركيا حزاما عازلا للاتحاد السوفييتي فلا يجاوزها إلى مياه المتوسط الدافئة فكان انضمامها إلى حلف الناتو وهو حلف أبيض لا يدخله التركي الملون ذو المرجعية الشرقية الرسالية ، ولو هوية مجملة ، لا يدخله هذا التركي ، بداهة ، إلا وثم خطر عظيم اسْتَجَازَ بِهِ الناتو الترجيح العقلي الصريح ! فدفع مفسدة عظمى وهي الخطر الأحمر بأخرى دونها وهي احتمال تركيا بعد نزع أنيابها الأيديولوجية والسياسية الخضراء فهي آنذاك علمانية ضد دينية قد جاوزت في مناجزة الرسالة النظامَ الدولي فصارت مركزية أكثر من المركز ! ، فكل أولئك لا بد أن يتخذ باسم المجتمع الذي يحتشد خلف قيادته فيمدها بالشرعية التي تلزمها لتشن الحرب عليه بلا هوادة ! ، وهو ما وقع في مصر بعد أكتوبر 73 ، فَثَمَّ نظام قد ورث تَرِكَةً ثَقِيلَةً لا شعبية لها بعد زوال السكرة القومية ومجيء الفكرة ، فكرة الهزيمة المدوية في يونيو 67 وما صاحب ذلك من انهيار مُتَسَارِعٍ في البناء الاجتماعي والاقتصادي ، فلا بد من مشهد ، حقيقيا أو مصطنعا أو بَعْضًا وَبَعْضًا قَدْ خَلَطَ صَاحِبُهُ بَاطِلًا وَحَقًّا عَلَى وَجْهٍ لَا تَعَارُضَ فِيهِ وَلَا تَنَاقُضَ إذ الجهة قد انْفَكَّتْ لا سيما في المعارك التي تخوضها الجيوش الوظيفية فيكون من حال القاعدة ما يخالف عن حال القيادة ، فالقيادة لها حسابات السياسة والقاعدة لها تضحيات الدم والجهد ، فَلَا تَعَارُضَ إن كذب السياسي الماكر وصدق المقاتل الناصح ، فلا بد من هذا المشهد المركب لِزِيَادَةِ الشعبية واكتساب الشرعية السياسية التي يحتاجها النظام في دور تال فهو بصدد اتخاذ إجراءات قاسية تصدم المجتمع ، صدمة الاقتصاد كما في الانفتاح الرأسمالي الليبرالي المفاجئ بعد سنوات من الاشتراكية ذات الطابع الاجتماعي الأبوي ، مع بقاء هيكل السلطة المركزي المستبد وإن في مثال ليبرالي مُتَحَرِّرٍ فذلك التَّنَاقُضُ الذي يصاحب تطبيق النظرية الليبرالية في الأطراف فلا يطبق منها إلا ليبرالية الاقتصاد بما يحقق مصالح النخب الرأسمالية دون النظر في إصلاح سياسي أو إداري يُوَفِّرُ أجواء تَنَافُسٍ عادلة ولو في إطار النظرية الرأسمالية الحاكمة ، وصدمة السياسة بما كان من التطبيع الأمني والسياسي مع الكيان اليهودي ، فضلا أنه ، عند التدبر والنظر ، مجموع وظيفي تابع فلا بد أن يُنَفِّذَ ما وضع له من خطة عمل ، ووحده المجتمع من دفع ! ، فالنخبة الحاكمة لم تدفع شيئا بل قد استفادت بذلك أن حظيت بِرِضَى المركز ، ولو حينا من الدهر فما أسرع ما يتقلب ! ، وحظيت بِثِمَارِ الانفتاح الاقتصادي فالنخب الحاكمة في السياسة والنخب المالكة في الاقتصاد قد حَصَدَا وحدهما ثمارَ الانفتاح ، والمجتمع هو من دَفَعَ ، وهو ما يستنسخ الآن في مصر وإن نُسْخَةً أردأ ، فَثَمَّ سعي محموم لاكتساب أي شرعية سياسية ، بعد فشل شرعية الإنجاز أو شرعية الثورة ! ثورة 30 يونيو المجيدة ، أو شرعية الحرب على الإرهاب والتطرف فذلك خطاب يَتَوَجَّهُ إلى الخارج فلا يصلح في خطاب الداخل الذي لا يجد الإرهاب والقمع إلا مِنَ السلطة ، ولا يجد منها ما يسكت أو يصبر من سعة في العيش ولو ذلا ! ، فلا خيل ولا مال فليس إلا ما يسوء من الحال وما ينذر من المآل ، فشرعية الحرب على الإرهاب قد تُؤْتِي أُكُلًا في الخارج ولو إلى حين ، ولكنها لا تثمر في الداخل إذ يعيش الناس الواقعَ حقا فلا يشكون إرهابا إلا إرهاب السلطة ، وذلك ما يستوجب إثارة المشاعر الوطنية بِنَقْلِ المعركة إلى الأراضي الليبية دعما للجيش اللَّيبِيِّ الوطني ! الذي يَتَأَلَّفُ من أجناس شتى تُبْطِلُ نظرية الجيش الوطني الحديث ، فهو جيش أممي يشهد لمن وسع دائرة الأمة الرسالية ! فَبَلَغَ بها أقاصي الأرض شرقا وغربا ، فما يصنع أولئك شاهد لخصومهم ، فَحَرَامٌ على أهل الحق الجيش الجامع ولو كراما بَرَرَةً يذبون عن الرسالة ويحملونها إلى الكافة ، وحلال على الخصم ولو مرتزقة فجرة من شذاذ الآفاق فهم الجيش الوطني الذي يستحق الدعم والإسناد ! ،
    وَقُلْ مثله فِيمَا يحدث الآن في الخليج من انقلاب أيديولوجي وآخر اقتصادي يروم ، أيضا ، الانتقال الحاد إلى المثال الرأسمالي الليبرالي على وجه يصادم هوية المجتمع وسلوكه المحافظ ، ولو في الجملة ، فقد كان ثم تمهيد طويل المدى امتاز بالمكر إذ كانت جرعة التَّغْرِيبِ بطيئة فاعلة ، خلاف ما يُعْطَى اليوم من جرعات عالية قد تصدم المجتمع وتؤدي إلى وفاة المشروع وفشله إذ لم يحسن يَتَدَرَّجُ بجرعات قليلة ولكنها فاعلة في إحداث الأثر ، وتلك طريقة الاحتلال البريطاني الناعم الذي لا يروم الاستئصال التام للمخالف ولكنه يروم تطويعه وحويله إلى مجموع وظيفي خادم للمركز ، فمارس سياسة النفس الطويل ، ومثله في ذلك كمثل قطراتِ ماءٍ تحفر الصخر فَلَوْ كُبَّ الماء دفعةً ما أحدث شيئا وَلَسَالَ على الصخر وانساب دون أن يَتْرُكَ أي آثار ، فثم الآن في الخليج ، محل الشاهد ، ثم مشروع أيديولوجي واقتصادي نيوليبرالي وهو في قسوته يضاهي الاحتلال الفرنسي الذي يتسم بالاستئصال الراديكالي وهو ما يجعل الخصم يشتد في المقاومة إذ يَرَى من يصول على ذاته الحضارية بل وذاته الجسدية فيفسد الأديان والأبدان جميعا فماذا بَقِيَ بَعْدُ إن فسدت الفكرة وفسد الجسد الذي يحملها .
    وذلك أمر يمارس في المركز ، أيضا ، على وجه لا يخلو من صدمة قاسية تَعْظُمُ فِيهَا الخسائر ، ولو كانت من العامة فالنخبة أبدا في مأمن ! ، والمثل المتبادر المشهور ما كان من أحداث سبتمبر 2001 أيا كانت الحقيقة فسواء أقيل إنما مدبرة من الألف والياء جَرْيًا على نظرية المؤامرة إفراطا أو قيل إنها خالصة التخطيط مُسْتَقِلَّةُ التنفيذ دون أي تدخل من جهات تحرك المشهد ولو إفساحا وتمهيدا فذلك تَفْرِيطُ يُقَابِلُ أم قيل إنها قد جمعت الاثنين ، فأيا كان الأمر فقد اتخذت الهجمات ذَرِيعَةً بَعْدَ ما كان من صدمة قاسية ، اتخذت ذريعة أن يَشُنَّ المركز حروبه في بلاد الأفغان والعراق بذريعة مكافحة التطرف والإرهاب وهو ما مهد لوضع الشركات الكبرى يدها على منابع الطاقة في العراق ، فضلا عن المكاسب الأيديولوجية والسياسية ، وإن لم يخل الأمر من خسائر عظيمة تكبدها المركز فالأمر لا يكون ، بداهة ، بلا تضحيات لم تدفع النخبة الأمريكية : السياسية والاقتصادية ، لم تدفع منها شيئا فالمجتمع كالعادة قَدْ دَفَعَ الثَّمَنَ كله أو جُلَّهُ ! .
    والشاهد أنه لا بُدَّ في هذا المثال ، إن في المركز أو في الأطراف ، لا بد من إثارة المشاعر الوطنية انطلاقا من الأنا الْقُطْرِيَّةِ المنغلقةِ على ذاتها ، وذلك ما يَصْرِفُهَا إلى الجوار ، ولو حَينًا فَيَفْتَعِلُ المجموع الوظيفي صراعا مع الجار حشدا للقوة الاجتماعية الغاضبة لِتُفْرِغَ شُحْنَتَهَا في غيره ! ، وهو ما يمنح النظام قسطا من الشرعية السياسية ، فهو يحتاج منها حدا أدنى ليستمر ، ولو تحت أجهزة التنفس الصناعية ، وليمضي قدما في إجراءاته الاجتماعية والاقتصادية الصادمة ، فلا بد من تفويض قبل كل إجراء حاد ، كما صنع النظام في مصر في مشاهد التفويض قبل 14 أغسطس 2013 ، فذلك مشهد ما كان لِيَقَعَ لولا أن قَدَّرَ الله ، جل وعلا ، للنظام قسطا من الشرعية السياسية استنادا إلى تفويض شعبي ذي طابع راديكالي استئصالي غَذَّتْهُ دِعَايَةُ الكراهية وإعلامها الذي نجح في صناعة الخصومة الفاجرة ، بل وكساها لحاء المعركة الوطنية السامية ضد قوى الإرهاب والتطرف التي كادت تُفْضِي بالبلاد إلى الاحتراب الأهلي والانقسام الاجتماعي ! ، ومع كل ذلك ، فهو كيان وظيفي تابع فما كان له أن يتحرك في الجوار إلا بعد صدور الأمر من المركز فَلَهُ دور وظيفي في المشهد الليبي ، كما لوكيله الإقليمي ، فالجميع أذرع وظيفية ، وإن تَفَاوَتَ دَوْرُهَا ، فبعض يمول وآخر ينفذ وليس أحد منهما يخطط إلا في الدائرة التكتيكية الضيقة ، جريا وراء مصلحة ذاتية تَتَّسِمُ بالأنانية وَقِصَرِ النظر ، ولو نظر السياسة البراجماتية فهي تضره على المدى البعيد الذي لا يحسن يستشرفه ، فلا يملك قرار التسليح أو التدريب أو التنفيذ إلا في إطار ما تَقَدَّمَ من التكتيك ، قوة مصر البحرية المتصاعدة الآن مثلا فَهِيَ قُوَّةٌ تَزِيدُ عن حاجة الجيش الذي صُمِّمَ للدفاع أو هكذا يُفْتَرَضُ في أدبيات العسكرية الحديثة وإلا فالجيش يجاوز ذلك إلى الهجوم انطلاقا من فكرة هي باعث الحركة فذلك محل إجماع بين الكافة ، من آمن بالرسالة المنزلة ومن آمن بغيرها من الأطروحات الأرضية المحدثة ، فثم الآن قوة بحرية مصرية تَتَصَاعَدُ وهي تزيد عن حاجة الجيش أن يُدَافِعَ فَتُشْبِهُ أن تكون قوة هجوم أو قوة تحرش بخصم على وجه يحفظ معادلة التوازن بين قوى الإقليم في حَيِّزٍ بحري جامع وهو في هذا المثال : شرق المتوسط بما يُمَثِّلُ من ثِقَلٍ سياسي واقتصادي ، وهو ما يحكي ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ! ، ما يحكي مُتَوَالِيَةً تَتَكَرَّرُ ، فكل مائة عام تكون الحرب بين مصر وَتُرْكِيَا ! ، فكانت حرب محمد علي ، الوكيل الوظيفي الأول ، ضد السلطنة العثمانية التي لم تخل هي أيضا ، من مشروع تغريب يضاهي مشروع محمد علي أو يزيد وإن كانت تهمة العمالة عنها أَبْعَدَ فقد رامت التحديث ولم تحسن الأخذ بأسابه على وجه يجمع لها أصالة الأفكار ومعاصرة الأدوات ، ثم كانت حرب مصر وَتُرْكِيَا مشهدًا من مشاهد الحرب العالمية الأولى التي أفضت إلى سقوط الكيان السياسي الجامع لأمصار الشرق المسلم ، ولم يخل ذلك أن يكون بِسَوَاعِدِ وطنية ، وَلَوْ بَعْضًا تَابِعًا لم يحارب انْطِلَاقًا من ذَاتِيَّةِ قَرَارٍ ولو جائرا ، فكانت مصر مجموعا وظيفيا تابعا في جيش التاج البريطاني ، وهو ما احتفلت به السلطة الوظيفية في مصر بعد 99 عاما في أواخر 2013 ، فلم تصبر حتى المائة إذ كانت تحتاج هذا الاحتفال رسالةَ ولاء جديدة للمركز ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ يوما وإنما هو كالإيمان الذي فَتَرَ فهو ، كما في الأثر ، يخلق في الجوف كما يخلق الثوب ، فلا بد من تجديده بِالذِّكْرِ أَبَدًا ! ، فضلا أن يَعْقُبَ رِدَّةً ، ولو جزئية ، عن إيمان الأطراف بالمركز فقد تخلل ذلك ردة استغرقت عاما كاملا وهي مما يبطل الصحبة على قول ، وثم من قال إن الصحبة ترجع إذ رجع المرتد وذلك ما صنعت مصر فقد استردت سريعا إيمانها بالنظام الدولي فَعَادَ لها وصف التابع الوظيفي المخلص ، فكان الجيش في الحرب العالمية الأولى إن صدق فيه اسم الجيش بمعايير العسكرية القديمة أو الحديثة فهو إلى الكيان الوظيفي المرتزق أقرب منه إلى الجيش النظامي المحترف ، كان هذا الجيش رِدْءًا للجيش البريطاني في حربه ضد السلطنة العثمانية ، فهو يمثل أصدق تمثيل أهداف من وضع هياكله ومقرراته ، فَلَيْسَ إلا تَنْظِيمًا محكما يضمن سيطرة المركز على هذه الرقعة في الأطراف وما يعيش عليها من أفراد وجماعات فضلا عن حراسة قيم المركز التي تحكم ولو قهرا ، وصيانة النخب التي تَنْتَحِلُهَا فهي رسل الحداثة التي بَعَثَهَا المركز إلى الأطراف المتخلفة ، فذلك باختصار دور المجموع الوظيفي الحاكم في بلاد الشرق ، وجيش مصر بعد الاحتلال البريطاني مثال من الواقع المعاصر ، فهو جيش بريطانيا التي تدخلت فَقَضَتْ على جيش عرابي الذي خرج عن النص فَهَدَّدَ وكيل النظام الدولي في مصر ، وهو ، من وجه آخر ، بَقَايَا جيش محمد علي ذي التكوين الفرنسي ، فكان النسخ البريطاني لما بَقِيَ من آثار فرنسية وذلك ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، ما اقتصر على القيم السياسية والإدارية دون العبث في إنجازات فرنسا الفكرية في علمنة مصر فقد بَنَتْ عليها بريطانيا ولم تبدأ من الصفر وإن امْتَازَ صَنِيعُهَا أنه أحكم وأمكر ,
    فكان دور المجموع الوظيفي العسكري المصري في مناجزة الرجعية في الحرب العالمية الأولى كما قال بَيَانُ الاحتفال بالمئوية إلا واحدا ! في 2013 ، وهو ما يَتَجَدَّدُ اليوم بعد مائة عام أخرى ، وإن كان حربا ضد تركيا العلمانية ذات القيم الحداثية ، فهي رجعية في السياسة وإن كانت علمانية في الديانة ، فعلمانيتها من الجنس اللاديني المهادن ، وسياستها تروم قسطا أوفر من النفوذ السياسي ، ولو على المستوى الإقليمي انطلاقا من هوية فكرية واجتماعية محافظة لا توافق هوية النظام الدولي في مواضع رئيسة وإن لم تخرج في الجملة عن الإطار العلماني المحكم ، فلا بد من كيان وظيفي يحارب أو يتحرش على أدنى تقدير بما يظهر من بطولات في معارك الميكروفونات في الاجتماعات والمنتديات : جَعْجَعَةً بلا طحين ، فلا يشارك مجموع وظيفي كهذا ، لا يشارك ، بداهة ، في وضع استراتيجية شاملة فليس له من أوراق الضغط والقوة ما يجعله أهلا لذلك ولو شريكا بحصة أصغر ، وليس له من العقل والحكمة ما يحسن ذلك إن أَذِنَ له المركز ! ، فاجتمع فيه وصف التابع الوظيفي القياسي : العمالة والجهل والغباء والفساد ! ، وهو ما يمنحه فسحة تطول أو تقصر ، تَبَعًا لأدائه في المشهد ، والمجتمع ، كما تقدم مرارا ، هو من يدفع الثمن كاملا ناجزا أو مُقَسَّطًا من ذخائره البشرية والمادية ، فهو فداء النظام الوظيفي ، وهو وقود معاركه ليحكم ويقمع وَيُجَهِّلَ وَيُفْقِرَ ...... إلخ من إنجازات النظم الوظيفية في الأطراف .

    وفي المقابل تجد المجموع الوظيفي نفسه يَتَسَاهَلُ في قضايا مصيرية تضر البلاد ضررا مباشرا بل وتهدد وجودها الفيزيائي في الخارج ، فلا يهتم بذلك اهتماما يواطئ فداحة النازلة إلا بقدر يَذُرُّ به الرماد في العيون لئلا تكون الغضبة التي قد تجاوز المجتمع فأمره يهون ! إذ هو أبدا الرقم الأضعف في معادلة السياسة المعاصرة ، وهي معادلة الاستبداد ، وإن في أعتى الديمقراطيات فجوهر النظرية ابتداء يخالف عن دعوى الديمقراطية فليت الشعب حكم بما أراد ولو انطلاقا من مرجعيات أرضية محدثة ! ، فهو يحكم بما تريد النخبة السياسية المركزية ومصالحها في الغالب تخالف عن مصالحه ، فلا تَثْرَى إلا إذا استجمعت أسباب الثروة وهو ما يؤدي لزوما إلى إفقار المجتمع وإضعافه وإن لم تسلبه ما بيده عنوة فثم طرائق محكمة بها تتركز الثروة في يد النخبة ، وهو ما يضر بالمجتمع على المدى البعيد فلا زالت النخبة تستحوذ على القسط الأكبر من السلطة والثروة ، ولا زال المجتمع يخسر كل يوم أرضا جديدة فالمعادلة تَتَحَوَّلُ تَدْرِيجًا إلى مُتَرَاجِحَةٍ تميل فيها كفة السلطة وتطيش ، في المقابل ، كفة المجتمع ، فلا يمكن أن يكون ذلك حكم المجتمع إلا إذا جُهِّلَ وَغُيِّبَ وعيه وإن في الدول الحديثة المتقدمة ، فَثَمَّ تَغْيِيبُ وَعْيٍ نَاعِمٍ يجعل المجتمع يحكم بما يحقق مصالح النخبة ويضر بمصالحه ، فذلك قانون محكم في جميع الأمثلة السياسة المعاصرة فجميعها أمثلة نخبوية مركزية تَتَجَاهَلُ مصلحة المجتمع ، فهو رقم ضعيف في معادلة الحكم القائمة على التدافع بما يملك كل طرف من أوراق القوة ، فالنخبة قد احتكرت شرعية الحكم باسم الدولة الحديثة ذات الأطر والمؤسسات ، لا سيما مؤسسات التشريع التي احتكرت إصدار الأحكام على وجه لا تسلم فيه من التهمة فهي منافس في الثروة ولها من المصالح الذاتية ما تَتَأَوَّلُ لأجله القيم السياسية الديمقراطية ، فتشريعاتها تصب في قناتها أصلا لا في قناة المجتمع إلا تَبَعًا ، أو من باب الرياء الذي يظهر النصح للمجتمع وهو يغشه أَيَّمَا غش إذ يُلَبِّسُ عليه الأمر فيصرفه عن صالح حاله ومآله بما يزخرف له من المثل والقيم والأحكام والعلل فيجتهد أن يكسوها لحاء المنطق الصريح فهي العدل المطلق وهي ، مع ذلك ، ما به المصلحة تحصل ، وكلاهما دعوى لا دليل عليها من واقع الحال ، بل الحال تشهد أن النخبة غاشة للمجتمع وإن في أعتى الديمقراطيات فقد استغلت ما استجمعت من صلاحيات الحكم والإدارة والتشريع أن تُقْصِيَ المجتمع من معادلة الحكم فهو خصم إذ يطالب بحقه في الثروة والسلطة وذلك ، بداهة ، ما تكره أي نخبة ، ولو نخبة ديمقراطية في المركز ، لا جرم اجتهدت في احتكار الثروة والسلطة وإن بطرائق ماكرة ناعمة ، فالمجتمع في هذا المثال رقم ضعيف لا يؤثر تأثيرا يقلب موازين المعادلة السياسية المحكمة ، وهو في الأمثلة الأشد استبدادا ، كما الحال في الأطراف ، هو في هذه الأمثلة رَقَمٌ لاغ لا يَزِيدُ ولا يُنْقِصُ ، فالسلطة الوظيفية لا تقيم له وزنا إلا بقدر ما يمتلك من أدوات القوة الذاتية فإن آنست ذلك فهي تَتَرَاجَعُ خطوةَ تِكْتِيكٍ وتعيد الانتشار لشن موجة قمع وتقليم ، تقليم لأظفار المجتمع التي طالت فصارت تخدش وإن لم تقتل ، فَأَيُّ أَذًى تُلْحِقُهُ بالسلطة فهو يستوجب التأديب الناجز باستعمال الأدوات الأمنية الخشنة والإجراءات الاقتصادية القاسية ، 25 يناير في مصر وما بعدها مثالا ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلا إذا تحولت السلطة إلى تَنْظِيمٍ هرمي محكم وهو مع ذلك صندوق مغلق يَتَكَلَّفُ من أوصاف العصمة والقداسة ما به يَتَحَوَّلُ إلى إِلَهٍ يُشَرِّعُ الأحكام وَرَبٍّ يُوَزِّعُ الأرزاق فهو الذي يَعْلَمُ المصلحة يَقِينًا والمجتمع بين يديه كالعبد بين يدي سيده فلا يملك إلا الخضوع لأمره ونهيه ، فلا يقيم مجموع وظيفي حاكم ، لا يقيم وزنا للمجتمع الذي يحكم ، فلا تجد في عباراته إلا الاستخفاف والتهكم مع غيبوبة تامة عن أحوال المجتمع ، إذ لم يكن يوما نائبا عنه في إدارة الشأن العام ، فذلك هو العنوان ، وأما المحتوى فليس إلا الحكم لا حكم الرشد والإصلاح وإنما حكم القيد والإذلال نيابة عن مركز حاكم ، فَنَظَرُ المجموع الوظيفي أبدا إلى ما يصلح حاله فهو أناني لا يجاوز بصره مَوْطِئَ قَدَمِهِ ، وهو ما به التناقض يَقَعُ إذ مصلحة البلاد وأمنها القومي ... إلخ من اصطلاحات السياسة المعاصرة ذلك ، بداهة ما يخالف عن مصلحة النظام الوظيفي وأمنه القومي ، وذلك ما يستوجب لزوما أَنْ يَنْظُرَ بِعَيْنِ الاعتبار في مصلحة الطرف الأقوى في معادلة السياسة والحرب في دوائرها الثلاثة : الدولية فهي الأولى ، والإقليمية فهي الثانية ، والمحلية فهي الثالثة ، والمجتمع ، بداهة ، ليس واحدا منها بل هو الخصم الذي تخشى السلطة الوظيفية حراكه ، ولو احتجاجا ، فلو غضب المجتمع كله وسخط فَلْيَضْرِب بِرَأْسِهِ عَرْضَ الحائط ! ، ما دام المجموع الوظيفي ومكاسبه في مَأْمَنٍ من هذا السخط أن يَتَحَوَّلَ إلى تَهْدِيدٍ حقيقي : تَهْدِيدٍ للسلطة ، فهو في هذه الحال يَلْجَأُ إلى الحيلة المشهورة أَنْ يَنْسِبَ نفسه زورا إلى الدولة ، فهو الذي يحتكر أدواتها قَهْرًا ، فَحِرَاكُ المجتمعِ أَبَدًا حراك الخائن أو الجاهل الذي يروم تقويض أركان الدولة ، وقد يكون ذلك في أجزاء من مشهد سائل لا سيما والمجتمع ساذج جاهل فما أسهل اختراق بعض دوائره وما أسرع ما يجنح إليه من التخبط ، ولكن ذلك لا يقارن ، بداهة ! ، بوصف المجموع الوظيفي الخائن لقيم المجتمع الجاهل بمصالحه فذلك محل احتفاء واختيار من المركز فما أيسر مَا يُوَجَّهُ وَيُسَيَّرُ ، فهو في حد والمجتمع في آخر ، وحجة المجموع الوظيفي الداحضة أنه هو الدولة فمن استهدفه فقد استهدف الوطن والأمة ...... إلخ ، وحقيقة الأمر أنه يستهدف أدوات السلطة ومكاسبها التي تراكمت عبر عقود من الحكم المركزي المستبد ، وهي مصالح تُضَحِّي لأجلها وَتُقَدِّمُ التَّنَازُلَ في قضايا المصير ، ولو عبر جولات من التفاوض المعقد فَثَمَّ إخراج فني محكم للمشهد ، إذ وضع النظام الدولي قواعد محكمة بها يصنع مشهد السياسة والحرب بما لا يخرج عن مصالحه ، فلا يختار المجتمع إلا ما يختار ، ولا تختار الأطراف إلا ما يختار ، فهي تقدم التَّنَازُلَ تِلْوَ التَّنَازُلِ ، فَتَجِدُ المجموع الوظيفي ، كما تقدم ، يَتَسَاهَلُ في قضايا مصيرية تضر البلاد ضررا مباشرا بل وتهدد وجودها الفيزيائي في الخارج ، فلا يهتم بذلك اهتماما يواطئ فداحة النازلة إلا بقدر يَذُرُّ به الرماد في العيون لئلا تكون الغضبة التي قد تجاوز المجتمع فأمره يهون ! ، فَقَدْ تُجَاوِزُهُ إلى بَعْضِ دَوَائِرَ فاعلة في المجموع نَفْسِهِ فهي تَرُومُ استئناف المشهد على قواعد وظيفية أفضل ! بها تحفظ صورة السياسة ، ولو حدا أدنى ، من باب التصنع لا أكثر ، إذ مناط الأمر ألا يَتَعَرَّضَ لتهديد مباشر ، ولو تَعَرَّضَ له المجتمع بل وَنَزَلَ بِهِ الضرر فِعْلًا ، مفاوضات سد النهضة مثالا بما يظهره المجموع العسكري من لِينٍ وهوادة ورغبة في التفاوض تَبْلُغُ حد الانبطاح والاستجداء في مقابل الصوت العالي على الضفة الأخرى شمالا مع فداحة النازلة الآتية من الجنوب فالقياس أن يكون الصوت فيها أعلى ، ولكن المركز لم يفسح له التحرك ما أفسح في ليبيا ، بل مصلحة النظام الدولي أن يسير التفاوض في ملف السد على هذا النحو الذي يهدر حقوق مصر مع إعطائها بعض التنازلات في ملف التفاوض كزيادة حصتها بعد الخصم ! فَفَنُّ السياسة فن المساومة بِمَا يَمْلِكُ كُلَّ طَرَفٍ من أوراق الضغط ، والمجموع الوظيفي هو الأداة فلا يملك من أوراق التفاوض ما به يناجز فضلا أنه لا يملك من إرادة السياسة ما به يستقل الاستقلال التام فهو مرتهن بإرادات أخرى إقليمية ودولية قد استثمرت في هذا السد استثمارا يجاوز حد الاستثمار الاقتصادي المباشر فَثَمَّ آخر جيوسياسي بعيد المدى يزيد من رقعة الفوضى والرخاوة التي تحيط بكيان يهود وهو المجموع الوظيفي الأقوى في المنطقة الآن ، فلا بد طبقا لنظريات السياسة المركزية أن يحاط بِبِيئَةٍ استراتيجية تلائم وجوده الغريب المستفز في محيط لا يجانسة لا في الفكر ولا في الْعِرْقِ ، فلا يصمد وَيَبْقَى إلا في محيط من الفوضى وَمِنْهَا فوضى الجوع والعطش وجفاف الأرض .... إلخ ، وذلك ما يحققه السد ولو على مدى يطول وإن لم يصل بمصر إلى حال الوفاة الكاملة فهو ، كما تقدم ، يضمن بقاءها تحت أجهزة التَّنَفُّسِ الصناعي ، فلا تَسْتَنْشِقُ من الهواء إلا بِقَدْرِ ما يُبْقِيهَا على قيد الحياة ، وهي حياة وظيفية تُمِدُّ غَيْرَهَا بأسباب البقاء ، فصارت حارسا لمصالحه حَرْبًا على أعدائه في الإقليم ، ولو عداوة جزئية لا تَبْلُغُ حَدَّ التناقض في المرجع ، فإن سائر الدول في شرق المتوسط لا تخرج عن مرجع واحد هو باعث السياسة والحرب حتى إشعار آخر ، فثم المرجع العلماني الذي يستغرق الجميع ، على تفاوت في الحدة ، فهو كالجنس العام الذي يَسْتَغْرِقُ أَنْوَاعًا ، فَثَمَّ علمانية لادينية تهادن الدين بل وتستعين به في صناعة الهوية الوطنية المحافظة ، فتلك أيديولوجية تَتَصَالَحُ ، ولو جزئيا ، مع هوية الشرق الرسالية ولكنها مع ذلك لا تخرج عن قواعد السياسة البراجماتية وإن كان الباعث الأخلاقي فيها أظهر ، ولكنه ليس الباعث الأوحد بل وَرُبَّمَا لم يكنِ الأول ، فَتِلْكَ حال كيانات سياسية في شرق المتوسط تدخل في تحالفات يطلق عليها وصف المحافظةِ على الهوية ، ولو مجملة ، والمقاومةِ للتدخلات الخارجية قَدْرَ ما تُطِيقُ فالسياسة الدولية المعقدة تَفْرِضُ عليها نَوْعًا من التنسيق إن لَطُفَتِ العبارة وَنَوْعًا من التنازل والتفريط إن لم تَلْطُفْ ! ، وحالها مع ذلك أحسن من حال أخرى تحالفاتها تأرز إلى نوع آخر من أنواع العلمانية ، وهو ضد الديني الذي يجاهر بحرب الدين وهو في الشرق أشد ظلما وتحكما من نَظِيرِه في الغرب إذ يختص الأولُ الرسالةَ بالعداوة حصرا فهو ضد رسالي فلا يجاوز الرسالة في عداوته ، بل هو مداهن يُوَالِي خصومها ويلتمس لهم من العذر ما لا يلتمسون ، اضطهاد قومية الإيجور التركية الآن مثال يشهد فَثَمَّ من يَنْتَسِبُ إلى الشرق بل هو من الدعاة والأئمة وإن من باب : (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ) ، فهو يبرر ما يقترف الآن من جرائم ضد هذه القومية ، فلا يطيق الحياد ولو إنسانيا انطلاقا من المرجع العلماني فَيُخَالِفُ عن بدائه ما ينتحل من الفكرة ، ولو ضد دينية هي الأبعد من المرجعية السماوية ، فقد اختص بعداوته المرجعية السماوية الخاتمة حصرا دون ما سواها من المراجع المبدلة أو المحدثة ، فتلك حال الشرق الآن فهو بين علماني لاديني ناعم ، وضد ديني خشن ، ولكلٍّ أدوات وتوابع وظيفية ، النظام في مصر الآن مثالا إذ تحول إلى تابع وظيفي في المعسكر العلماني ضد الديني ، فصار أداة تحكم في الداخل ، وتحرش في الخارج ، فهو الضامن لمعادلة المركز في إضعاف المجتمع بسلبه أدوات القوة الخشنة والناعمة ، فإضعاف وإفقار وتجهيل وتلك ثلاثية بها يُحْكِمُ أَيُّ مستبد قبضةَ السلطة على المجتمع ، فحياته لا تكون إلا بالقدر الذي يضمن مصالح المركز ، وذلك ما تكفل به النظام الوظيفي ، فهو يَلْتَزِمُ أشد الالتزام ألا يخرج عن النص الرئيس وإن كان ثم اجتهاد في مواضع تكتيكية ، فلا يطيق الخروج عنها إلى أخرى استراتيجية ، بل عمله يضر بالاستراتيجية البعيدة إذ لا يَتَحَرَّكُ في ملفات تضر البلاد ضررا مباشرا ، والقياس أن يقدمها ، وَهُوَ يَتَحَرَّكُ ، في المقابل ، في ملفات لا تَضُرُّ البلاد ضَرَرًا مباشرا ، والقياس أن يُؤَخِّرَهَا ، فَخَالَفَ عن قياس العقل الناصح إذ قَدَّمَ مَا حَقُّهُ التأخير لو كان يستحق النظر ابتداء ، كما تصنع مصر في ليبيا الآن ، وَأَخَّرَ ، في المقابل ، ما حقه التقديم الناجز ، كما تصنع مصر في ملف السد ، فذلك ما يخالف عن البدائه ، وهو ما حكاه صاحب "شخصية مصر" في إطار التحليل لمسلك المجموع الوظيفي المسلح ، فهو أبدا يعالج أزمات الداخل بالعنف المفرط ، ولو أزماتٍ لا تُهَدِّدُ وجوده فلا بُعْدَ لَهَا في السياسة يظهر ولو عَلَى المدى القريب أو المتوسط ، الاحتجاجات العمالية فِي مصر الآن مثالا فَثَمَّ صَرَامَةٌ وَقَسْوَةٌ في فَضِّهَا وَالتَّعَاطِي مع مطالبها الاقتصادية مع بُعْدِهَا عن التوجهات السياسية ، ويعالج أزمات الخارج ، في المقابل ، بِاللِّينِ المفرط مفاوضات سد النهضة مثالا ، وَقَدْ يُزَادُ في هذا التوصيف أَنَّ ثَمَّ عُنْفًا وَلَوْ تَهْدِيدًا لَفْظِيًّا أَجْوَفَ ، أن ثَمَّ عنفا يوجه إلى الخارج ، كما الحال في ليبيا الآن فصوت مصر يَعْلُو إذ ثم ضوء أخضر من النظام الدولي لتحقيق توازن جيوسياسي وجيوعسكري في الملف الليبي على وجه قد يَبْلُغُ حَدَّ الحرب بالوكالة فهي مما يطول زماته في العادة فَتَسْتَقِرُّ به معادلة السياسة والحرب مع استنزاف طويل المدى لخصوم الصراع جميعا ، فالعجب يَزُولُ إذ لا يصدر النظام الوظيفي عن نظر يستقل ولا يحكي قيم المجتمع الذي يسوسه ولا مصالحه ، بل ما صُنِعَ إلا ليسومه خطة الخسف مقابل ما يحظى به مِنِ اسْتِئْثَارٍ بالسلطة والثروة ، ولو تابعا لا يملك من أمره إلا قليلا أو نادرا لا حكم له ، وذلك أمر نافذ من دائرة أعلى من دوائر السياسة الدولية أو الإقليمية ، المخطِّطة أو المموِّلة ، ولا تخلو أن تكون هي ، أيضا ، ذراعا لكيان أعلى في الرُّتْبَةِ التَّنْظِيمِيَّةِ داخل الهرم الوظيفي المحكم ، وَكُلٌّ يَبْحَثُ عَنْ دور وَكُلٌّ يطمح في تَرْقِيَةٍ اعتيادية أو استثنائية نظير ما يقدم من فروض الولاء والطاعة ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، عيب رئيس في هذا المثال السياسي المعاصر ، مثال الدولة المركزية الحديثة ، فإنها إذ احتكرت أسباب القوة ، الصلبة والناعمة ، فَقَدْ جَرَّدَتِ المجتمع من أي أداة بها يَدْفَعُ عن نَفْسِهِ الظلمَ فَوَقَعَ أَسِيرًا في قَبْضَتِهَا إذ احتكرت أدوات العنف بذريعة إقرار الأمن وتحول حمل السلاح واستخدامه إلى وظيفة خاصة تحتكرها مجموعات تحترف ذلك وهو ما لم يكن في مثال السياسة الرسالي فقد كان المجتمع كله جيشا يُسْتَدْعَى حال القتال ، ومن عجب أن يكون ذلك وصف كيان يهود الآن فالجيش هو الشعب ، فثم تطابق لا تغاير ، فَلَيْسَ ثم جيش وشعب فواو العطف في هذا الموضع قد حولت النخبة المسلحة إلى كيان يغاير عن المجتمع ، إذ الأصل في العطف المغايرة ، كما يقول أهل الشأن ، فكان الانفصال ، ولو في الوجدان ، بما يشعر به العنصر الوظيفي المحترف من فائض قُوَّةٍ تَرْجُحُ قُوَّةَ المجتمع الأعزل لا سيما وقد جَمَعَ إِلَيْهَا قوة التشريع وقوة القضاء مع ما حاز ابتداء من قوة الإنفاذ ، والبلوى تَعْظُمُ إِنْ تَحَوَّلَ إلى وكيلٍ عن طرف من خارج ، مصر الآن مثالا إذ يَزْدَادُ نفوذ السلطة في مقابل تراجع دور المجتمع واضرب له المثال الاقتصادي وهو المثال الأبرز في هذه الآونة ، فخطاب السلطة يُحَقِّرُ من شأن القطاع العام فهو خاسر فاسد الإدارة ..... إلخ من باب : رَمَتْنِي بدائها وانسلت ، وهو ، من وجه آخر ، يحكي عَيْبًا رَئِيسًا في التكوين النفساني للعنصر الوظيفي العسكري فَثَمَّ إحساس مُفْرِطٌ بالنقص مع رغبة جامحة في التَّصَدُّرِ وَفَرْضِ الرأي بالقوة ولا يكون ذلك إلا بتجهيل الآخر وَتَسْفِيهِ رَأْيِهِ وَنَبْزِهِ بعدم الرؤية وفساد الذمة ...... إلخ ، وليس ذلك صدفة أن يتكرر في كل موضع وفي كل مشروع يفتتح كمشروع العجول والبهائم الأخير ! ، فكان تَسْفِيهُ رأس النظام للوزير المدني في مقابل الإشادة بالقائد العسكري الذي يحسن تَرْبِيَة العجول ! بما يَتَّسِمُ به من ضبط وربط ! ، ولم يسلم القطاع الخاص الوطني من هذا التضييق فهو المطلوب الثاني في قائمة التصفية الاقتصادية في البلاد ، فلا يكون ثم منافس محلي لا في قطاع استهلاكي ولا في آخر استراتيجي بل الاستراتيجي الذي يمس حياة العامة أكثر ربحا بالنظر في حجم المبيعات الكبير وإن كان الثمن رخيصا ، فالأرباح تَتَرَاكَمُ ، ولا يكون ذلك في العادة إلا إذا كان المنتج رَدِيئًا ، فهو يستورد بأثمان بخسة ، مثال السكر الآن في مصر فالوزير المسئول عن التَّمْوِينِ يُزَكِّي المنتج المستورد فهو أرخص سعرا من المحلي دون نظر في الْعَوَائِقِ والقيود التي تُوضَعُ على الإنتاج المحلي ، ودون إشارة إلى مستوى الجودة ، فالدولة لا تدعم المنتج الوطني ولو كان أجود ، وهو ما يفضي على المدى البعيد إلى انهيار الإنتاج المحلي ، إن من القطاع العام الذي يُصَفَّى تِبَاعًا ومن بعده المطلوب الثاني : القطاع الخاص وإن كان أكثره في مصر طفيليا غير منتج ، فلا يخلو ، مع ذلك ، ولو في مواضع قليلة ، أن يكون مُثْمِرًا يُسْهِمُ في زيادة الثروة المحلية ، وذلك ما يمنج المجتمع قوة إضافية تجعل التحكم فيه أَصْعَبَ ، فلا بد من تدمير رأس المال المحلي أو الوطني فَلَنْ ينجح الوافد في احتكار الاقتصاد وتحقيق الأرباح إلا بَعْدَ القضاء على قوة المجتمع الاقتصادية وذلك ما تَتَوَلَّاهُ السلطة الوظيفية التي تتحول تدريجا إلى حَامٍ لِمَنْ تُمَثِّلُ مصالحه فهي تحمي رأس المال الأجنبي وتوفر له الدعم والتسيير في مقابل ما تمارس من استهداف مباشر لرأس المال الوطني فلا تمثل مصالحه ، وإن مثلت منه قطاعا فهي تمثل مصالح نخب محلية تستأثر بالثروة وتروم الشراكة الفاسدة مع السلطة ، فضلا عن سهم السلطة ، فَلَهَا ، بداهة ، حظ من الكعكة إذ تدخل هي أيضا شريكا في فَضَاءِ اقتصادٍ أُخْلِيَ قَسْرًا مِنْ أَيِّ مُنَافِسٍ محلي ، فكان اقتسام الكعكة بين الوافد الخارجي والوكيل المحلي وما احتف به من دوائر انتفاع براجماتية لا يعنيها إلا مكاسبها الخاصة التي لا تعظم إلا على حساب المجتمع فما أًضْعَفَهُ ! وقد جُرِّدَ من أسباب القوة واجتمعت عليه الخصوم من الخارج وفي الداخل ، فدور القوة الوظيفية الآن أنها قد تحولت إلى أداة حراسة وحماية لمصالح الخارج السياسية والاقتصادية فهي تلعب دور المرتزق في شركة أمن خاصة فَوَلَاؤُهُ لِمَنْ يدفع راتبه ، فضلا عن مشاركتها في الكعكة بلا قيمة مضافة في الإنتاج أو التوظيف وإنما سعيها الحثيث في الربح السريع ولو بتدمير المنتج الوطني والتوسع في الاستيراد عبر واجهات مدنية فضلا عما تستحدثه من آليات السطو على الممتلكات العامة ، الصندوق السيادي في مصر الآن مثالا ، فهو ما يمنحها فرصة تَرَبُّحٍ أخرى ولو سمسارا من الدرجة الثالثة يَبِيعُ الأرض لمن يدفع أكثر نظير ما يحظى به من عمولة وعن الوطنية والفداء لا تسأل فهي شعار لا أكثر تحتكره النخبة من باب الإرهاب الفكري لكل مَنْ خالف فهو خائن يعمل لحساب الخارج ! .

    فذلك مثال شائه لا يكون الشأن العام فيه هذا حاضرا ، إذ لا يجاوز السِّيَاسِيُّ البراجماتي الطموحُ ، لا يجاوز ذَاتَهُ ، وطموح السياسة والحرب والمال والمنصب أَمْرٌ يُشْرَعُ في الجملة ، فلا يقبح فِي النَّقْلِ وَالْعَقْلِ أن يطمح الإنسان في رُتْبَةٍ عليا ، فذلك محل اشتراك بين العامل والعاطل ، فلا يوجد إنسان بلا حلم يجاوز حاضره ، ولو أكلة يَرُومُ التهامها ! ، فذلك حلم بعضٍ ! ، وثم من جاوز فهو يروم ما هو أكثر من لذة بطنه وفرجه ، فَثَمَّ لذة النفس أن تَأْمُرَ فَتُطَاعَ ، فلا تخلو من حظوظ الجاه والرياسة والبلوى تَعْظُمُ إِنْ لم تُشْفَعْ بلجامٍ من المروءة والديانة فهي تحكم ما قد يعرض في الخاطر من رغائب الاستبداد فلا تخلو منها نفس ، وإنما يحول دونها : رِقَابَةٌ مِنْ دَاخِلِ النَّفْسِ وَهِيَ ما اصطلح أنه الضمير ، وأعلاه في الرتبة ما يَرْقُبُ الإله العليم الخبير ، جل وعلا ، فَتِلْكَ لَذَّةُ العلم ، وهي اللذة العليا التي تَفُوقُ لذة الحس ولذة النفس ، وَشَرَفُهَا ، كما يقول أهل الشأن ، يَزِيدُ بشرف المعلوم ، فالعلم بالإله المعبود ، جل وعلا ، أشرف العلوم وهو ، مع ذلك ، أعظم وازع وأشرف باعث في الفعل والكف ، وبه يصدق ما قال بعض أهل التحقيق في معنى الإحصاء ، إحصاء الأسماء الحسنى وما دلت عليه دلالة المطابقة والتضمن والالتزام ، فاسم العليم الخبير باعث أن يستحضر الجنان معية الرحمن ، جل وعلا ، إن معية عامة بها الإحاطة العلمية بجميع الحركات الاختيارية والاضطرارية ، أو أخرى خاصة لمن آمن بالوحي وامتثل الأمر والنهي ، وهو دليل آخر على صفات ومعان تلازم ، فإن من عَلِمَ فأحاط بعلم التقدير الأول وعلم الإحاطة الثاني فهو القدير الحكيم الذي يحاسب ويجازي ، فالخلقُ بَيْنَ ثَوَابٍ وعقاب ، وهم بَيْنَ الفضل والعدل ، فكل أولئك من المعاني الشريفة التي يستفيدها الضمير من هذا الباب الجليل ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، أشرف أجناس اللذات : لذة العلم وهي ما يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لِتَفَاوُتِ المعلوم فكلما كان أشرف كانت لذة العلم به أعظم ، وهي لذة لا تكمل آثارها النافعة إلا أن تُشْفَعَ بِالْعَمَلِ ، فَهُوَ لَازِمُ العلمِ وَهُوَ شاهد الصدق فِي الخارج على ما حَصَلَ في الجنان من فكرة ، فَتَأْوِيلُهَا فِي الخارج الحركة ، فإذا صدرت عن نفس حية وَرِعَةٍ تَرْقُبُ الخالق العالم ، جل وعلا ، في كل سكنة وحركة ، فإذا صدرت عن ذلك فالخير يَعْظُمُ في قولها وعملها بِمَا كَانَ مِنْ رِقَابَةٍ ذاتية من داخل ، ولا يمكن ، في المقابل ، فِي أحكام الدنيا التي تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى فثم تَدَافُعٌ وَتَنَازُعٌ بَيْنَ الأفراد داخل المجتمع الواحد ، وثم ما يضاهيه بين الأمم والدول ، فلا يمكن أن يُوكَلَ الْأَمْرُ إلى رقابة الذات وهي خاصة ، فلا يُوكَلُ الأمرُ إِلَيْهَا فِي شَأْنٍ عام إذ البلوى به أعظم ، فلا يُتْرَكُ الأمر لها إن أحسنت فَخَيْرٌ وإن أساءت فَشَرٌّ فَهِيَ بالخيار والمجتمع يَنْتَظِرُ القرار ! ، فلا بد من رقابة من خارج ، والمجتمع لا بد أن يملك أَدَوَاتِ رقابةٍ واحتساب وهو ما يستوجب السعي في امتلاك القوة ، الصلبة والناعمة ، فهي من زواجر الطغيان والاستبداد الذي لا يَفْقَهُ إلا لغة القوة .
    فالطموح السياسي ، كما تقدم ، أمر يشرع بل ويحمد في أحيان ، كما رام يوسف ، عليه السلام ، إذ : (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) ، ولكنه لا يسلم إلا أن يكون طموحَ عدلٍ ورحمةٍ ، يعدل في الحكم ، ولو مع الخصم ، ويرحم الجمع فهو يجتهد في نصحه وصيانة مصالحه ، فيكون طموح الحاكم هو طموح المجتمع الذي يحكم ، ويكون قبل ذلك طموح الحق فهو يعدل ، فيستجمع المبادئ أولا والمصالح ثانيا وتلك غايات الحكم الرشيد وإن كان في تاريخ البشرية أندر من الكبريت الأحمر ، ولا يكون ذلك إلا والمجتمع وَاعٍ يَقِظٌ فهو حَسِيبٌ يَرْقُبُ قَوِيٌّ يَزْجُرُ ، فـ : "دعوهم فلا خير فيهم إذا لم يقولوها لنا ، ولا خير فينا إذا لم تُقَلْ لَنَا" ، كما أُثِرَ عن الفاروق عمر رضي الله عنه .

    والله أعلى وأعلم .


  14. #14
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    والنظام الوظيفي التابع ، محل الشاهد في حكاية البناء الهرمي المحكم ، النظام الوظيفي التابع يتحرك في جميع الدوائر تَبَعًا لأولى وهي مصالح المركز الذي صنعه ، وَتَبَعًا لثانية وهي مصالحه الذاتية الضيقة ، فهو ، كما الحال في حراك مصر الآن في ليبيا وهو محل شاهد تقدم ، فهو يتحرك في الدوائر الثلاث بما يحقق المصالح آنفة الذكر ، فيتحرك في الدوائر الثلاث : المحلية فالإقليمية فالدولية ، فيتحرك في المحلية إذ يروم تأمين عمقه الاستراتيجي ولو على حساب الجار ، مع إعادة تعريف الأمن القومي والعمق الاستراتيجي ..... إلخ من الألقاب الموهمة التي تحتاج إلى إعادة تقييم إذ تَسْتَنِدُ إلى حدود وهمية وضعها الخصم الحضاري شمال المتوسط ، فلا يؤتمن ، بداهة ، على جنوب المتوسط ، بل كان وجوده في الجنوب استنادا إلى نظرية أحكم في تعريف الأمن القومي والعمق الاستراتيجي ، فإن خصومة الشمال للجنوب خصومة تاريخ وحضارة فلم يكن التدافع العسكري إلا مظهرا من مظاهرها ، فالتدافع يكون أولا في قيم الفكر والحضارة وبعدها السياسة والاقتصاد ، والجميع يعمل في حراسة القوة العسكرية التي تَرَاجَعَ دَوْرُهَا في هذا العصر مع تشابك خيوط السياسة والاقتصاد والإعلام والإعلام البديل ..... إلخ ، وظهور أجيال جديدة من التقنيات العسكرية التي قللت الخسائر البشرية المباشرة ، فكان اتساق الشمال مع نفسه إذ رأى الجنوب هو الخصم الذي يجب تأمين الحدود المتاخمة له ، وهو ما حكاه بعض المحاضرين الفرنسيين في محاضرة مشهورة ألقاها في إسبانيا فلم تكن فرنسا تحتل الجزائر لأجل كرومها وإن كان الباعث الاقتصادي حاضرا ولكنه ليس الباعث الأول فثم هاجس جيوسياسي يجعل احتلال الجزائر أمرا بدهيا فَلَنْ يَتِمَّ تأمين الحد الغربي للمتوسط إلا إذا أَحْكَمَ الشمال السيطرةَ على الجزائر ، فهي النواة الصلبة للمغرب الذي يواجه جنوب غرب أوروبا ، فإذا لم نغزوهم في الجنوب غزونا في الشمال كما كان في وادي لكة أو سهل برباط أو شذونة في إسبانيا 92هـ ، وبلاط الشهداء أو سهل بواتييه في فرنسا 114هـ ، فقوة الدفع الحضاري إذ كان الجنوب في عنفوانه ، هذه القوة الدافعة استوجبت بما استقر من سنن الكون المحكم أن يَعْبُرَ الغالبُ إلى أرض المغلوب فَثَمَّ فائض حضارة قبل فائض القوة ، بل لم يكن الغالب العابر من الجنوب آنذاك أكثر عددا وأعظم قوة فقد كان الجيش العابر من المضيق 12 ألفا في مقابل 100 ألف من القوط الإسبان ، وكانت خسائر الجيش الفاتح ثلاثة آلاف أي 25% من القوة العاملة وهي نسبة كبيرة ولكن قوة الدفع الحضاري التي تحرك العنصر المقاتل قد أحدثت القدر الفارق الذي يعوض فائض القوة المحسوسة في الخارج ، واستطاع هذا الجيش أن يواصل سيره مع ما انضم إليه من مَدَدٍ آتٍ من المغرب ، وهي ، أبدا ، قاعدة انطلاق الجنوب نحو الشمال ، فواصل الجيش الفتح حتى بلغ أقصى الشمال وتوقف عند صخرة "بلاي" المشهورة التي بدأت منها حركة الاسترداد وذلك ، أيضا ، تأويل ثَانٍ محكم لسنن التدافع الحضاري ، فإن الحضارة الغالبة قد بلغت أقصى حد وليس بعد الكمال إلا النقص ، وليس بعد الحركة إلا الفترة والركون إلى الدعة والترف اكتفاء بما تحقق من سيادة ، وهي ، أبدا ، في حال تداول ، وتلك سنة أجراها الخالق ، جل وعلا ، فـ : (تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) ، فلا يَرِثُهَا جيل عن آخر إن لم ينهض بأعبائها ، فإذ انقضى جيل الفتح وهو من كَابَدَ الأمر وعالج أسبابه وبذل من دمائه لأجله فاحتمل فكرته حَارَّةً في صدره وتحرك بقوة دفع هائلة لا توقفها أمة واهنة على الضفة الأخرى ، فإذا انقضى هذا الجيل كان جيل آخر يقوم بأعباء الملك فَيَرِثُ منه ما استقر ويجتهد في حفظه فهو يجني ثمرة ما تَقَدَّمَ من بذر ورعاية ، فتلك واسطة العقد وإن كان دون الجيل الأول في حملان الفكرة فحرارتها في صدره أدنى وبعدهما يأت جيل لم يشهد الجيل الأول الذي شيد الملك فقد نشأ في نعمة وافرة فاشتغل باللذات وانصرف عن الحكومات والسياسات وفوض الأمر إلى الوزارات التي استبدت بالأمر وذلك نذير النقص والاضمحلال الذي يستغرق زمانا إذ يَتَآكَلُ الْبُنْيَانُ شيئا فشيئا حتى يسقط دَفْعَةً في عين الناظر غَيْرِ الْمُتَدَبِّرِ ، فَمَنِ استقرأ السنن والأحداث وطالع تعاقب الأجيال في أي دولة لم يفجأه السقوط وإن بدا فجأةً ، فهو أمر ضروري بما استقر من السنن الكوني ، وذلك ما حكاه ابن خلدون في تَتَبُّعِهِ للسنن الحاكمة في السياسة والعمران ، وهو ما ينطبق على المجتمعات في تطورها الحضاري ، فإنها تنشأ وليدة ثم تشب ثم تضعف ويكون التعاقب بين الأجيال وإن احتمل الجيل الآخر من ثقافة الجيل الأول قدرا فليس الأمر كما الدول التي تزول وتضمحل ، فالأديان والأخلاق والقيم أرسخ في النفوس من رسوخ الدول ، واضرب له المثل بِالْغَرْبِ المعاصر فإنه مع إنكاره للدين وجنوحه إلى التطرف في علمانيته ضد الدينية إلا أنه لا ينفك يصدر عن نوازع ذات صبغة أيديولوجية ولو عامل تحفيز في معارك المصير التي يخوضها مع الجنوب المسلم الذي يمثل له الدين قيمة عظمى مع ما أصاب حَمَلَتَهُ مِنْ وَهَنٍ وضعف وما ضربهم من مذاهب دينية وفكرية محدثة وما عمت به بلواهم من الشرائع المبدلة التي يجاوز شؤمها ما يَتَبَادَرُ في باب الأسماء والأحكام من قسمة الإيمان والكفران التي هلك فيها من هلك بين الغلو والجفاء ، فَقَلَّ من أصاب فيها جادة الاعتدال ، فشؤمها يجاوز ذلك إلى شؤم آخر تظهر آثاره في تشويه الهوية الذاتية فإن الحكومات والقوانين ليست مجرد حدود ومراسيم يُقْضَى بِهَا في الخاص والعام من أحوال الخلق بل هي حكاية لِمَا تَرَاكَمَ مِنْ ثَقَافَةٍ وحضارة ، فلكلِّ أمة من مراجع الفكر والتشريع ما يميزها من غيرها ، فـ : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، فهي عنوان ذاتيتها التي تأبى الاضمحلال والذوبان في الآخر ، فلا بد من حد يميزها وإلا فقدت هويتها واضمحلت مَاهِيَّتُهَا فصارت تابعا لا يملك رؤية ولا غاية في الفكر والسياسة والحرب ، فإن لم يكن ذا رأي يَسْتَقِلُّ استنادا إلى مرجع ذاتي محكم به يَسْتَعْلِي لا طُغْيَانًا في الأرض وإنما امتيازا في الديانة والسياسة والحرب ، فإن لم تكن تلك حاله فكان بلا رأي يستقل فهو ضحية أي رأي يَغْلِبُ ، كما وقع في جنوب المتوسط ، محل الشاهد ، بعد أن انحسرت الموجة الحضارية الرسالية ، فكان المبدأ ، كما تقدم ، حركة الاسترداد التي بدأت في أدنى نقاط المنحنى الحضاري ، فكان التراجع الفكري والسياسي والاجتماعي والعسكري الذي شهدته إسبانيا وفرنسا فهي المكافئ الجيوسياسي للمغرب الذي انطلقت منه الموجة الحضارية الغالبة ، فكان هذا الانهيار في منحنى الحضارة في مقابل ما بَلَغَ الجنوب من أعلى نقاط المنحنى فكان من قوة الوحي الدافعة ما احتمله الجند القليل فَكَثَّرَهُمْ ، فـ : (اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، فكانوا قليلا يستضعف فآواهم الله ، جل وعلا ، بما أَنْزَلَ من الوحي فهو المدد الذي عَوَّضَ نَقْصَ العدد والعدة ، فلم يغلب الشرق يوما وهو الأكثر إلا في مواضع تَنْدُرُ ، فَلَا حكم لها كما يقول أهل الأصول والنظر ، فالنادر لا حكم له ، بل من تدبر المواجهات المصيرية في الجزيرة الأندلسية وجد ، كما يقول بعض الفضلاء ، وجد قوة الدفع الحضاري جابرا لِمَا قد نَقُصَ من المدد العسكري واللوجستي وإن اعْتُبِرَ ذلك انطلاقا من قاعدة : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) ، فلا يعني التفوق الحضاري الذي يصدر عن معنى رسالي لا يَعْنِي ، بداهة ، إهدار السبب المادي والركون إلى نظيره الروحي ركون التواكل والتكاسل بدعوى التوكل والاستعانة فتلك عبوديات باطنة يصدر عنها من يجتهد في تحصيل الأسباب الظاهرة فهي قوة دفع لا حجة بها يعتذر أرباب النقص والعجز ، فكانت معركة شذونة آنفة الذكر ، معركة الفتح 92هـ ، كانت قمة المنحنى الحضاري الرسالي الوافد من جنوب المتوسط ، فَعَوَّضَ ذلك الفرق الكبير في القوة البشرية والمادية ، وذلك ما كان نهاية المئة الأولى : 92هـ ، فالوحي لا زال غَضًّا في النفوس وإن لم يكن بداهة كأول عهده زمن الرسالة وما تلاها من خلافة النبوة ، ولكنه ، مع ذلك ، لا زال الباعث الرئيس لموجة الفتح على ما أصاب الشرق من نَقْصٍ في الفكرة أَثَّرَ تَبَعًا في حركة السياسة والحرب ، فلم يكن النقص آنذاك قد بَلَغَ غايات قصوى تُنْذِرُ بانهيار الدولة ومن قَبْلِهَا الحضارة وَانْتِقَالِ الدفة إلى الشمال بعد أن أخذ بالأسباب المادية فاستوفى السنة الكونية في مقابل تَقَاعُسِ الجنوب ، فَلَمَّا كان الجنوب مُشَبَّعًا بقيم الرسالة فكانت باعثه في الحرب والسياسة ، لَمَّاكانت تلك حاله وبواعثه كان الفتح بهذا العدد الضئيل 12 ألفا ، وبعدها بقرون كانت المعركة المصيرية الثانية بعد أن انحلت عرى السياسة والحرب في الأندلس باضمحلال ملك بني أمية الثاني في قرطبة 422ه ، فذلك الاضمحلال الرسمي إذ أعلن الوزير القرطبي ابن جهور انتهاء الملك الأموي بخلع هشام الثالث المعتد بالله آخر أمراء البيت الأموي الحاكم الذي توفي بعد ذلك بست سنوات 428هـ ، فانشعبت الحكومة السياسة الجامعة إلى حكومات الطوائف المتناحرة التي صاغت نظرية جديدة في الأمن القومي ، وهو محل شاهد تقدم ، وهي النظرية الضيقة التي تعقب انهيار أي كيان جامع فالأجزاء المتناثرة تَنْغَلِقُ على ذَاتِهَا وربما استعانت بعدوها على بعضها كما صنع ملوك الطوائف فاستعان بعضهم بالنصارى على بَعْضٍ ، وهو ما مَثَّلَ تحولا في دفة السياسة والحرب التي صار للشمال النَّصْرَانِيِّ فِيهَا ياليد الطولى لا سيما مع وجود ملك قوي كألفونسو السادس الذي أحسن التلاعب بملوك الطوائف وعزم أخيرا أن يخلعهم لولا التدخل الآتي مرة أخرى من المغرب ، عمق الأندلس الاستراتيجي ، فكان جواز المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين في سبعة آلاف فقد انضم إليهم 23 ألفا من أهل الأندلس فهم الْأَوْلَى بالدفاع عن أرضهم ، فَأَهْلُ مكة أدرى بشعابها ، وهو ، أي ابن تاشفين ، هو الرِّدْءُ والفئة التي تَأْرِزُ إليها القوة الأندلسية ، وكان لقاء الإسلام والنصرانية في مشهد ثان فاصل بعد مشهد الفتح في سهل برباط 92هـ ، فكان مشهد الزلاقة 479هـ ، وفيها كانت الذخيرة الحضارية فاعلة وإن كانت بداهة دون ذخيرة الفتح ، فإن العهد بالرسالة قد صار أبعد وإن حضر بقوة في الميدان ، فَأَبْلَى ثلاثون ألفا البلاء الأحسن في مقابل ستين ألفا من النصارى ، فذلك مشهد باهر ولكنه ، بداهة ، دون مشهد الفتح الأول ، فالمنحنى الحضاري لا يَزَالُ يَتَرَاجَعُ بِمَا تَقَدَّمَ من سنن الحضارات في نشوئها وضعفها ثم اضمحلالها ، ومن بعده كان مشهد ثالث من أربعة مشاهد ، فكان مشهد يعقوب المنصور أمير الموحدين وهو يعبر بجند المغرب كعادته في نجدة العدوة الأندلسية ضد الهجمات النصرانية فَمَارَسَ المغرب دوره التاريخي كعمق استراتيجي للجوار الأندلسي ، وكانت وقعة الأرك المشهورة 591هـ ، وفيها تعادلت الكفتان في العدد والعدة ، فلم يكن الأمر كسابق العهد أن يكون الخصم أكثر ، وإن كانت حال المنصور أحسن ، فلم يكن في الموحدين مثله ، فكان من أهل العلم والعقل ، وكان من أهل الخبرة والمشورة في السياسة والحرب كما يَرَى الناظر في خططه في القتال وما سبقها من إعداد وإمداد لوجستي محكم وما كان من دقة الهدف وسرعة التحرك لئلا يَتَجَشَّمَ أعباءً كبيرة في حركة جيش عظيم قد جاوز 200 ألف مقاتل فذلك عدد هائل يفتقر إلى نقاط إمداد وتموين ، ولا يحسن إقحامه في حرب طويلة فالحرب الخاطفة هي ما يلائم ، فكانت سرعة التوجه إلى الهدف في الأرك ، وكان من كمال الحكمة أن يقدم أهل البلاد كما صنع ابن تاشفين فاستعان المنصور بمقدمهم الهمام أبي الحجاج يوسف بن قادس قائد النخبة الأندلسية وَقَدَّمَ المنصور خيرة الجند من النخبة الذين نجحوا في امتصاص الصدمة الأولى ثم الكر على جيش ألفونسو الثامن وكان نَصْرٌ كبير ولكنه لا يعدل الزلاقة ولا يعدل الفتح الأول من باب أولى فالحال لا زالت في نقص إذ عهدها بالرسالة أبعد ، ولكن أخذها بالأسباب مع ما بقي لها من روح الحضارة قد رجح كفتها ، وبعدها كانت المعركة الرابعة ، معركة العقاب 609هـ ولأول مرة يكون الجمع المسلم أكثر ولكنه لم يغن عنه شيئا إذ أعجبته الكثرة فَوُكِلَ إلى نفسه مع ما كان من سوء تدبير محمد الناصر بن المنصور يعقوب ، فلم يكن كأبيه ذا رأي وشورى بل كانت شوراه محل تهمة ، فاتهم وزيره ابن جامع أنه يُمَالِئُ النصارى ، فَصَرَفَ محمدًا أن يتوجه إلى الهدف مباشرة كما صنع أبوه وأقحمه في حصار قلاع ليست بذات القيمة الاستراتيجية التي تَعْدِلُ كلفة حِصَارِهَا ، قلعة شلبطرة مثالا وهي التي قضى في حصارها شهورا استطالت حتى دهمهم الشتاء فاشتكى الجند الكثيف من الْبَرْدِ وَقِلَّةِ الزاد فلم يكن ثم إحكام للدعم اللوجستي كما صنع أبوه سلفا في الأرك ، وكان من سوء معاملته للأندلسيين وهم رائده الذي يَنْصَحُ إذ هم بِبِلَادِهِم أعلم فالحكمة أن يَسْتَأْلِفَهُمْ لا أن يَسْتَبْعِدَهُمْ بل ويقتل مقدمهم الهمام أبا الحجاج بن قادس وهو الذي أكرمه المنصور وقدمه على النخبة الأندلسية فقتله الناصر ! بتحريض من وزيره ابن جامع ، بطانة السوء الذي أسرف في إهانة الأندلسيين والحط من قدرهم حتى أوغر صدورهم ، وكان من سوء التدبير أن قَدَّمَ الناصرُ المتطوعين ولا خبرة لهم أمام نخبة الفرسان النصارى في جيش ألفونسو الثامن الذي نجح في كسر مقدمة الجيش المسلم وأثخن فيه وطارده فلم يحسن المنصور أن يقاتل ولم يحسن أن ينسحب ، فكان انسحابه العشوائي إلى أبدة وَبَيَّاسَةَ دون أن يحاول جمع الشتات وإقامة قاعدة ارتكاز جديدة تضمن له انسحابا ناجحا بأقل الخسائر فعظمت النكاية في الجيش المسلم وَكَثُرَ القتلى فلا أسرى كما أمر ألفونسو الثامن فليس إلا إعمال السيف وهو ما أدى على المدى القريب إلى انفراط العقد الأندلسي فسقطت الحواضر تباعا وتجمع من بقي غرناطة التي صمدت قرنين أو يزيد قبل أن تسقط السقوط الأخير وتغرب شمس الإسلام من الجزيرة الأندلسية فكان غباء محمد الناصر الذي جاوز إلى العدوة المغربية بعد ذلك وأسرف في الخمر ووضع الأمر في غير أهله : في ابنه الغر يحيى المستنصر فَقَلَّدَهُ الولاية وانصرف إلى لهوه وشرابه لعله يَنْسَى ما ناله من هزيمة ساحقة كانت كما يقول كثير من المؤرخين سَبَبًا رئيسا في انهيار دولة الإسلام في الأندلس لا بالنظر فيها فقط وإنما بالنظر في تَوَابِعِهَا الجيوسياسية إذ سقطت الحواضر الأندلسية تِبَاعًا : قرطبة وبلنسية وإشبيلية ....... إلخ ، مع ما كان من بزوغ قياداتٍ محلية اشتغلت بالصراع مع بقايا الدولة الموحدية وهو ما سَهَّلَ الأمر على حركة الاستراد النصرانية ، فكان تَشَرْذُمٌ آخر كتشرذم الطوائف وهو ، كما تقدم ، ما يعقب انهيار أي كيان جامع ، فَبَعْدَهُ يُعَادُ تعريف الأمن القومي والعمق الاستراتيجي الذي تضيق دائرته فلا تجاوز المدينة الواحدة في أحيان ! ، أو القطر الذي لا يقيم وزنا إلا لمصلحته البراجماتية العاجلة ، فَتِلْكَ حال تغلب على الأمم إذ انحلت عراها الجامعة وَانْتَثَرَتْ أجزاؤها فهي على أنحاء تَتَبَاعَدُ تارة وَتَتَنَاحَرُ أخرى ، وذلك ما يرى الناظر آثاره الآن ، ومثال مصر مع ليبيا أبدا حاضر في هذا التوصيف الذاتي الضيق الذي يُغَلِّبُ مصلحة النظام أو الأسرة الحاكمة على مصلحة الجمع ، فيستجيز لأجل ذلك الحشد ضد الجار فقد صار هو الخصم الحضاري ، فصار الجار التركي على الضفة الأخرى من المتوسط هو المحتل الغازي ! ، وهو لقب لا يجرؤ المحرِّض أن يطلقه على روسيا التي دخلت بلاد الشام بِنَاءً على طلب النظام الذي لم يكن له من السيادة آنذاك إلا دمشق وأجوارا لها بعد أَنْ فَقَدَ السيطرة على معظم الأرض فتلك الحال في ليبيا إذ الحكومة القابعة في طرابلس لا يجاوز مدى حكمها نحو 15% من الأرض ولكنها بما تشكو البلاد من خلل ديموجرافي ، ولكنها تستغرق 80% أو أكثر من سكان البلاد ، كما يذكر بعض الفضلاء ، فهي حكومة ضعيفة استدعت تُرْكِيَا لِتَعْضدَهَا ، فمن اعترض عليها فالاعتراض على النظام الحاكم في بلاد الشام يجب من باب أولى فَلَهُ من الجرائم ما لم تقارف حكومة طرابلس عُشْرَ مِعْشَارِهِ ، وكلاهما ممن اعترف به النظام الدولي ، ولو على الورق الرسمي فهو يعترف بالقول والفعل بنظام الحكم في دمشق خلافا لطرابلس التي لا تحظى إلا بالاعتراف الدبلوماسي فقط ، وهو ، مع ذلك ، محل الاعتبار في اتخاذ قَرَارٍ كقرار استدعاء قوة من خارج بها يناجز المخالف الذي لا يعدو أن يكون من الجنس الصائل ، فمن ينكر على تركيا تدخلها لا يطيق بداهة أن ينكر على روسيا التي نزلت بلاد الشام بل ونزلت في جواره في شرق ليبيا ، ولها اليد العليا إذ هي القوة الأكبر الآن في المشهد ، فهي أولا وفرنسا ثانيا وإن تراجع الدور الأوروبي في الجملة فقد صارت القارة العجوز ، كما يتندر بعض الفضلاء ، صارت كالواعظ الذي يُطَيِّبُ الخواطر لا أكثر ، فاستبان في مشاهد الصراع المحتدم الآن في الشرق ، استبان ما تشكو من ضعف في مقابل تَوَثُّبِ الدب الروسي الذي يتحرش بها من حدها الشرقي المتاخم ، الصراع في أوكرانيا مثالا ، ويتحرش بها في الحد الجنوبي على وجه لا تجد فيه من الدعم الأمريكي ما يدفعه فقد خالف ، كما تقدم في مواضع ، خالف عن ثوابت الحلف الأطلسي الذي جعل وجود روسيا في المتوسط خطا أحمر ، فهو يهدد أوروبا من خاصرتها الرخوة ، خاصرة الجنوب إذ الحكومات هناك لا تملك من القوة الذاتية ما به تحفظ معادلة التوازن السياسية والعسكرية ، فهي حكومات للبيع ! إذ ضاق أُفُقُهَا ولو انطلاقا من مصالحها الذاتية فلا تجد بدا من بيع ولائها في سوق النخاسة السياسية مع ما تبذل من دماء شعوبها فالمجتمع هو من يدفع ثمن بقائها في سدة الحكم بما تقدم من خدمات وظيفية تابعة ، ولو جاءت آخرة بعد انفضاض الجمع عن القصعة فهي تأكل الفتات ، بل قد تبلغ بها الحال أن تأكل فتات الفتات ! ، مصر الآن مثلا في تدخلها الوظيفي في الجوار الليبي ، فثم روسيا ، كما تقدم ، فهي الأقوى في معادلة الصراع بين بنغازي شرقا وطرابلس غربا ، وإن لم يكن لها من الوجود العسكري إلا وجود رمزي فضلا عن سياسة الحرب بالوكالة عبر شركات الأمن الخاصة التي تَتَوَافَدُ تِبَاعًا على البلاد ، وليس ذلك ، بداهة ، بالمجان ، لا سيما في حال كحال الروس فهم من الصنف اللئيم البخيل الذي لا يُرْجَى منه خير فأي موضع وطأه بقدمه أذاع فيه القتل والهدم ، بلاد الأفغان مثالا أولا وبلاد الشام ثانيا ، فَثَمَّ قوة نارية مفرطة تَنْهَجُ سياسةَ الأرض المحروقة مع الحرص على إخلاء الجيوب المقاومة بالقصف المكثف والحصار المشدد دون نظر في الكلفة الإنسانية بل ذلك في حال الروس ما يدعو إلى التهكم والسخرية ! ، وبعدها فرنسا ومن عَجَبٍ أن يعمل عضو في الناتو تحت روسيا التي صارت لها اليد العليا في هذا المشهد الذي يخالف ، كما تقدم ، عن ثابت رئيس من ثوابت الحلف الأطلنطي أَنْ لَا وجود لروسيا في جنوب المتوسط ، فذلك مئنة من الضعف الأوروبي والخذلان الأمريكي الذي دعا رئيس فرنسا أن يدعو أوروبا أن تدافع عن نفسها ، فالحليف الأمريكي ينسحب الآن من الشرق الأوسط تقليلا للكلفة مع ضمان تدفق الثروة ، وينسحب من الحلف الأطلنطي فهو من مخلفات الحرب الباردة التي تكلفه كثيرا بما تعهد به قديما من حفظ أمن أوروبا نظيرَ القيادة والتحكم فهو ينسحب الآن عبر الأطلنطي ويترك فراغا كبيرا يصعب على أوروبا بوضعها الراهن أن تسده ، لا جرم كانت مسارعة روسيا إلى شغل هذا الفراغ بما لها من فائض قوة عسكرية وخبرة في التَّعَاطِي مع الشرق الأوسط ، وهو ما يروم كيان يهود ، في المقابل ، فهو الوكيل الأمريكي الحصري الذي يعمل تحت إمرته جمع من المقاولين السياسيين من الباطن على تَفَاوُتٍ في درجاتهم الوظيفية الدنيا ، فيجمعهم وصف الدنو ولكن بعضهم أدنى من بعض وهو ما يَتَبَدَّلُ تَبَعًا لِتَبَدُّلِ الأوزان النسبية وإن كانت جميعا وظيفية تابعة ، فكانت مصر تحتل مرتبة أعلى وكان الخليج يأتي تَبَعًا ثم انقلبت الحال الآن مع تراجع مصر فقد صارت في الدرك الأسفل ، وهو ما يظهر الآن في الجوار الليبي فمصر أقرب جار وهي الْأَوْلَى بالحظ الأوفر من كعكة السياسة والحرب والاقتصاد فالجميع الآن ينبعث من قاعدة المصلحة العاجلة دون رعاية لأي قيمة عليا حاكمة ، ولكن إعادة تَرْتِيبِ القوى الوظيفية في المنطقة قد جعل مصر في قصعة ليبيا هي الآكل الرابع بعد أن تجلس روسيا أولا فهي الأقوى ثم فرنسا ثم الخليج الذي يدفع الفاتورة المادية ، فاتورة المرتزقة من روسيا ومصر والسودان وتشاد وأوكرانيا وربما النيجر وبقية دول الساحل والصحراء بعد ذلك فهي خزان كبير لمرتزقة الحرب ، وبعد أولئك تأتي مصر فهي تأخذ ما بَقِيَ من فُتَاتِ الفتات تَبَعًا لوزنها النسبي الضئيل في هذا المشهد لا سيما وقد صارت الآن تعمل مباشرة تحت الوكيل الخليجي ، فصارت تَابِعًا وظيفيا لآخر مثلها ، فلم يعد لها هي الأخرى في الشرق دور فاعل في مقابل ما تقدم من تصاعد الدور الروسي ، وتصاعد الدور الإيراني في الجهة الأخرى ، وتصاعد النفوذ الإسرائيلي في الجوار ، وهو ما أحدث انقلابا آخر في نظرية الأمن القومي المصري ، فلم يعد الخطر من الشرق ، وهو باستقراء تاريخ البلاد بوابة الغزو أو الفتح أو الاحتلال ..... إلخ من الأسماء حُمِدَتْ أو ذُمَّتْ ، بل صار الحفاظ على أمن الكيان اليهودي من أولويات النظام السياسي فهو الآن محل تصريح بَعْدَ أن كان محل تلميح عقيب اتفاقية السلام مارس 1979 وما تَقَدَّمَهَا من بروتوكول كامب ديفيد ذي الطابع الأمني سبتمبر 1978 ، فصار الخطر الآن من الغرب : من الجوار الليبي الذي يشاطر مصر الهوية والتاريخ وبواعث الحضارة والفكر والسياسة والحرب ، وذلك انعكاس بدهي لتقسيمات الحدود الوهمية التي وَضَعَهَا الخصم الحضاري الوافد من شمال المتوسط ، فضاقت دائرة الأمن القومي إذ اقتصر على الحد القطري المجاور بعد انهيار الكيان السياسي الجامع نهاية الحرب العالمية الأولى فقد انفرط عقد الشرق وصار على دويلات تَتَنَاحَرُ كما الحال إذ انهار العقد السياسي الأموي الجامع في الأندلس ، فتلك سنة جارية إذ يعقب انقطاعَ السلك انفراطُ الحبات التي كان يَنْتَظِمُهَا ، فتصير على أنحاء تَتَبَاعَدُ بل وَتَتَنَاحَرُ في الغالب بما يكون من حظ النفس الذي ضاق وَانْغَلَقَ على الذات الْقُطْرِيَّةِ الضيقة ، فلم يعد ثم فكرة رائدة أو سياسة جامعة ، ولو انطلاقا من شعوبية تعظم الجنس العربي أو القومي ..... إلخ ، فَثَمَّ شعوبية ضيقة لا تجاوز حد الذات الْقُطْرِيَّةِ المنغلقة فأمنها القومي قد ضاق تَبَعًا مع ما يرى الناظر فيه من تحكم وتعسف لا يزول العجب منه إلا باستحضار الدور الوظيفي لهذه الكيانات الصغيرة ، فهو ما يجعل مصر الآن تَسْتَشْعِرُ الخطر من حَدِّهَا الغربي فذلك جزء من دورها الوظيفي في تدمير الجوار الليبي على وجه يحقق مصالح النظام الدولي أو بعض وكلائه في الشرق بِزِيَادَةِ رُقْعَةِ الفوضى مع التحكم فيها فلا تجاوز الحد : صناعةً لبيئة استراتيجية جديدة تواطئ مصالح النظام الدولي في شرق أوسط جديد تعاد صياغته الآن عبر مجموع من الوكلاء تتفاوت درجاتهم تَبَعًا لتفاوت أدوارهم ، على وجه يخالف عن ثوابت الأديان والأخلاق والحضارة بل ومصالح السياسة والاقتصاد ولو انطلاقا من النظرية البراجماتية الانتهازية ، فالوكيل الوظيفي قد يَبْلُغُ به الضعف في أحيان ألا يملك من هامش المناورة ما به يحفظ حدودا دنيا من المصالح ، ولو حدود الوجود الذي يَتَهَدَّدُهُ الفناء أو النقص الشديد على أدنى تقدير ، سد النهضة مثالا وتعاطي النظام الوظيفي في مصر معه بهدوء وكياسة ! في مقابل الحشد الغرائزي المستفز لمشاعر المجتمع ليقف خلف قيادته الحكيمة في تدخلها الوظيفي السافر في الجوار الليبي فتلك المعركة الجديدة التي لا صوت يعلو على صوتها وإن لم يجاوز الأمر حد الصوتِ ، فلا فعل إذ لا يملك النظام الوظيفي التمادي في الحشد فَرُبَّمَا صَدَّقَ أنه بالفعل صاحب قرار وأنه يتدخل انطلاقا من الدفاع عن الذات ! .
    وفي مقابل هذا التعريف الجديد للأمن القومي في الغرب يكون تعريف آخر في الشرق يحفظ كيان يهود بما يحقق أمن مواطنيه ويجعلهم أصحاب بَيْتٍ في سيناء ، الخاصرة الرخوة التي تزيد الكيان قوة ومصر ضعفا طبقا لاتفاقية السلام المجحفة ، فهي ، أيضا ، من آثار الدور الوظيفي للنظام المصري .
    فَثَمَّ صياغة فوضى شرق أوسطية جديدة ! تلعب فيها مصر الأدوار الوظيفية الدنيا في الغرب تارة وفي الجنوب أخرى وتدخلاتها في السودان وتحريضها الجنوب على الانفصال ...... إلخ كل أولئك من جملة أدوارها الوظيفية التابعة فدورها لا يجاوز الأداة التنفيذية المباشرة ، ولو على حساب مصالحها السياسية والاقتصادية ، التفريط في ثَرَوَاتِ البحر مثالًا : بَعْضٌ لكيان يهود فهو كما يقول بعض المحللين ثمن الشفاعة لدى واشنطن وبعض آخر لقبرص واليونان فهو ثمن الشفاعة لدى الاتحاد الأوروبي ولو استبعدت مصر جملة وتفصيلا كما في مشروع إيست ميد الأخير بعد أن انتهى دورها في التخلي عن غازها وإفساح المجال في حدها المائي لمرور الأنبوب دون أن تستفيد منه فِلْسًا فإذا جاءت تركيا ، ولو عَرَضًا ، فلم تكن بداهة تروم مصلحة مصر التي فرطت فيها فليست بأحرص منها على نفسها فإذا جاءت عرضا لتحفظ مصالحها على وجه اسْتَلْزَمَ رَدَّ بَعْضِ الحق المصري فذلك ، بداهة ، ما لا يطيق النظام الوظيفي الذي لا يخرج عن مصالح مَنْ يَتْبَعُ ومصلحته الأضيق دون نظر في مصلحة البلاد أو المجتمع الذي لا ناقة له ولا جمل في الأمر فلا هو اختار ولا هو يستشار وإن كان الآن يحشد في معركة الإعلام فإن كان ثَمَّ ثمن يُبْذَلُ فَهُوَ أول من يدفع فالنظام الوظيفي يدفع ثمن بقائه واستقراره من مقدرات المجتمع المادية والمعنوية فلا يخرج عن سلوك الكائنات الطفيلية فقوام حياتها ما تستنزف من غذاء العائل الذي تعيش على حسابه .
    فَثَمَّ ، كما تقدم ، نظام دولي جديد يَتَشَكَّلُ على وتيرة هي الأبطأ ، وثم ما يضاهيه فهو انعكاس يحكيه من نظام شرق أوسطي جديد هو الأسرع وَتِيرَةً الآن ، مع ما يَجِدُّ من أحداث ، فدور روسيا قد عاد ، ولو بَعْضًا فلا يضاهي بداهة دور الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة ، ودور الكيان اليهودي كمندوب مباشر عن واشنطن ومن ورائه الخليج بقوته المالية ومصر أخيرا بقوتها البشرية فهي العضو الأضعف إذ نظامها الأضعف فهي من يُنَفِّذُ الأدوار الوظيفية المباشرة .
    وثم في الشرق إيران بِتَوَابِعِهَا الوظيفية في جوارها الجيوسياسي الملاصق في العراق وما وراءه في الشام وما بعد في الخليج وإن مجموعات استخباراتية وخلايا نائمة وما بعده أخرى في اليمن فتوصيف إيران للأمن القومي أدق إذ تنطلق من بواعث الإمبراطورية ولو فارسية لا زالت تَحْتَمِلُ قِيَمَ الشعوبية فهي تصوغ عقائدها السياسية التي مَزَجَتْهَا بأخرى مذهبية تُكَرِّسُ حال العزلة انطلاقا من نظرية السمو الفكري والعرقي على الجوار العربي الهمجي .
    وثم في الشمال الآن القوة التركية ، وهي ، أيضا ، ذات طموح جيوسياسي كبير فتعريفها للأمن القومي أدق إذ تبحث عن موطئ قدم هي الأخرى في جنوب المتوسط ، وهي ، كما يقول بعض المحللين ، تحسن المناورة مع واشنطن تارة فوجودها في غرب ليبيا ، على سبيل المثال ، يكافئ ، ولو نسبيا ، الوجود الروسي في شرقها ، وهي ، مع ذلك ، تحسن التنسيق مع روسيا إن في السياسة والحرب ، بلاد الشام مثالا ، أو الاقتصاد ، خط الأنابيت الأخير توركستريم أو السيل التركي مثالا وهو الخط الذي يحمل الغاز الروسي إلى أوروبا بطاقة تعدل ثلاثة أضعاف طاقة خط إيست ميد اليهودي المسروق ! ، مع تفادي أوكرانيا خصم روسيا الآن شرق أوروبا ، مع قطعها الطريق لخط إيست ميد الذي يوفر لأوروبا بدائل ، ولو نسبية فلا يجاوز إمداده 10% من حاجة أوروبا ولكنه في الجملة يقلل من اعتمادها على مصدر طاقة واحد فذلك ما يجعلها خاضعة لإرادة المزوِّدِ الأكبر روسيا التي تمدها بنحو 40% من احتياجاتها ، فتركيا تستفيد من الخط الروسي نحو 53% من احتياجاتها مع ما يحققه الخط لها من مكاسب جيوسياسية وهي في نفس الآن تقطع الخط المنافس بما رسمت من حدها المائي الجنوبي مع ليبيا ، فذلك ما يجعلها هي الأخرى تملك من أوراق الضغط على أوروبا ما يضمن لها يدا عليا في الملفات المشتركة ، فهي تَتَحَكَّمُ بخطٍّ رَئِيسٍ يمدها بالطاقة من روسيا وهي في نفس الآن تقطع آخر قد يوفر البديل ولو جزءا على وجه تُنَسِّقُ فيه تَنْسِيقًا محكما مع موسكو ، مع تنسيق آخر مع واشنطن إذ تواجه طموح موسكو في ليبيا فوجودها في الغرب يحقق ، كما تقدم ، نوع توازن مع روسيا في الشرق .
    وإذا نظر الناظر حوله في حواضر الشرق العظمى التي احتملت روح الحضارة الرسالية لم يجد ما يسر ، بغداد ودمشق والقاهرة أخيرا مثالا ، فهي مجامع الفكر والسياسة والحرب في حقب زاهرة من تاريخ الشرق وهي الآن في الذيل إذ خرجت من معادلة الحضارة والسياسة والحرب ولو مُؤَقَّتًا .

    فَتَدَخُّلُ تركيا ، بداهة ، لم يكن لأجل سواد عيون حكومة طرابلس على وجه لا يُنْكَرُ في مشهد براجماتي ، فَلِتُرْكِيَا مصالح سياسية واقتصادية لا يمكن تجاهلها انطلاقا من النظرية السياسية البراجماتية الحاكمة للأرض بعد خلع الرسالة من سدة الحكم ، فليس التدخل بداهة رساليا وإن حمل مسحة أخلاقية ولكنها لا تصمد لمصالح السياسة والحرب ، وهي مصالح معتبرة لدى الجميع من يتحدث عن الشرف والأمانة كثيرا ! ومن لا يتحدث ، فلا يتكلف ما يتكلف الأول الذي يشكو علة في رأسه توجعه فلا يزال يسكنها في كل وقت على وجه يفضح ما ساء من سيرته وَفَحُشَ من سريرته ، فالجميع يصدر عن هذه القيم السياسية البراجماتية المعاصرة على تفاوت ، فثم من يقيم نَوْعَ وَزْنٍ للباعث الأخلاقي ولكن الأمر في الخارج ، فليس ثم من يعلم السرائر إلا الخالق جل وعلا ، ولكن الأمر في الخارج لا يجاوز صراعا في السياسة والاقتصاد تأتي القوة العسكرية بعده ردءا ينصر تارة ويزجر أخرى فهو ورقة ضغط في مشهد سياسة وحرب مركب لا يمكن كسائر المشاهد المعاصرة : لا يمكن تَبْسِيطُه بِرَدِّهِ إلى سبب واحد ، فذلك من سذاجة التحليل الفكري والسياسي فثم مجموع مركب لا ينفك يصدر عن قيمة فكرية ، ولو براجماتية انتهازية ، فلا بد من فكرة عنها تصدر الحركة ، ولا ينفك يصدر عن ثوابت جيوسياسية واقتصادية فهي ما يباشره الناظر في تحليل الوقائع وإن كان ثم وراءه من الدوافع الأخلاقية ، صحت أو فسدت ، ما لا يمكن إهداره ، فلا بد من دراسة بواعث الخصم وما يعظم من القيم والأفكار ، وما يكون من تأثير ذلك في صياغة العقد السياسي والعسكري وهو ما يؤثر في اتخاذ القرار السيادي ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، حكاية لمجموع مركب من المبادئ وإن براجماتية والمصالح وإن مادية انتهازية ، فكل أمة لا بد لها من رائد يهديها السبيل في السياسة والحرب وسائر أمرها ، وإن رائد مصالح لا يجاوز نظره ما عُجِّلَ مِنْهَا ولو فاته من آجلها في الدارين ما هو أعظم ، إن كان ابتداء ممن يؤمن بالغيب فلا يعتقد أنه خرافة وراء غيبية يسكن بها المهزوم آلامه الجسدية ، فهو يَتَصَبَّرُ رجاء أن يقتص في الدار الآخرة وذلك حق ولكنه ، أيضا ، مما استعمل في باطل فكان أداة تسكين بها قعد المظلوم أن يدافع الظالم بما أُمِرَ به من مدافعة وبما تَيَسَّرَ له من محاولة فلا يكلف فوق ما يطيق ، فذلك ما قد نفاه التشريع المحكم ، ولكنه ، في المقابل ، قد أُمِرَ بالمدافعة والمحاسبة انطلاقا من قاعدة : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلا وثم مجتمع قوي ذو عقد فكري وأخلاقي محكم وذو أدوات مادية بها يأطر السلطة على الحق أطرا وإلا تَصَرَّفَ فيها زجرا وعزلا إن لزم الأمر على وجه يجمع الجلال والجمال ، فيكون من القدرة ما يزجر ومن الحكمة ما يأطر فلا تكون فوضى .

    والله أعلى وأعلم .


  15. #15
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    والمجموع الوظيفي ، كما تقدم ، يَتَحَرَّكُ في الدائرة المحلية الأضيق ، استنادا إلى المثال الهرمي المحكم ، ولديه صلاحيات كبيرة في إدارة الشأن الداخلي على وجه يحفظ الحد الأدنى من التصالح بين قوى المجتمع ومكونات الدولة الصلبة فهو يَتَحَرَّى تَبَعًا لِمَهَارَتِهِ في حفظ التوازنات ، يَتَحَرَّى إقامة شبكة من العلاقات والمصالح التي تشكل نواة الحكم الصلبة ، فهي النخبة وخيوطها المنشعبة في جهاز الدولة ، المشتبكة مع دوائر المجتمع حتى تصل إلى رجل الشارع انطلاقا من المثال الهرمي ، محل الشاهد ، فهو مثال محكم يروم السيطرة على المجتمع ، فَيُرَاوِدُهُ تَارَةً بجملة من المزايا تَزِيدُ أو تَنْقُصُ تَبَعًا لقدرات الدولة الاقتصادية ، وَيُرَاقِبُهُ أخرى لا سيما مع ظهور أجيال جديدة من تقنيات المراقبة والتجسس ، فَثَمَّ كيانات أمنية تَتَوَلَّى هذه الوظيفة التي تدل على فساد ذات البين ، فلا يَتَجَسَّسُ إلا سيئ الظن الذي ساء عمله فساءت ظنونه ، فهو يُصَدِّقُ أَيَّ صيحةٍ انطلاقا من نظرية : (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) ، وهو ما يُصِيبُهُ بِالتَّوَتُّرِ والانزعاج ، فالمخاوف مع الظلم في قَرَنٍ ، كما قالت العرب ، وذلك ما يفضي على المدى المتوسط أو الطويل إلى حال من الاستنزاف لطاقة الدولة وَأَفْرَادِ السلطة لا سيما العناصر الوظيفية الدنيا التي تباشر التنفيذ فهي أعظم دوائر السلطة اسْتِنْزَافًا وأكثرها تَمَلْمُلًا ، لا سيما إن لم تكن قوة نظامية محترفة ، كما هي حال قُوَّةِ التجنيد الإجباري وقوة المجموعات الوظيفية الخارجة عن النظام العام فهي تُؤَدِّي أدوارا وظيفية تحت ضغط السلطة تارة واستجابة لإغرائها أخرى بتوسيع هامش الحركة ! ولو أدى إلى زيادة الجريمة والفوضى وتحول البلطجي إلى مركز قوة في المجتمع إذ يحظى بغطاء قانوني غير معلن وآخر إعلامي يُزَخْرِفُ ، لا سيما إن كَثُرَ استدعاؤه على خلفية أي حراك اجتماعي معارض ، فَيَرَى الناظر في تلك الآونة نشاطا في سوق البلطجة ، مع تحول الأجهزة الأمنية من العنف إلى اللين ، فيحظى البلطجي بِفَاصِلٍ استثنائي من المعاملة الكريمة التي لم يعهدها من قِبَلِ السلطة ، فَهِيَ ، في العادة ، تَتَعَاطَى معه باستعلاء وغلظة ، وإذا احتاجته في أي مهمة فهي تستميله بِبَعْضِ الهوامش الإجرامية ، وإذا أبى الانقياد فَثَمَّ التهديد المباشر بتحريك القضايا أو تَلْفِيقِهَا ، وهذا التشكيل الخارج عن القانون يحاكي السلطة في بِنْيَتِهِ الهرمية ، فدولة الخارجين عن القانون كدولة القانون ! ، فكلاهما خارج عن القانون ، من وجه ، وكلاهما ذو بنيان هرمي محكم ، من آخر ، فَثَمَّ تَشْكِيلٌ يَتَرَأَّسُهُ زعيم يمسك بِزِمَامِ الأمر وَيُعَيِّنُ من تحته من النواب والوكلاء ويغدق على دوائر مركزية حوله فهي الفاعلة في المشهد ، فَيُعْطِيهَا رَغَبًا أو رَهَبًا ، إذ تملك من قوة التأثير ، ولو على المدى البعيد ، ما تضغط به على الرأس الذي يسعى في المقابل أن يحدث نوعا من التوازن فهو يحتاج خبرات أولئك في الإدارة ، وهو ، مع ذلك ، يخشى من تَزَايُدِ نُفُوذِهِم على وجه يُهَدِّدُهُ أو يَبْتَزُّهُ ، فَيَسْعَى في إحداث حالٍ من الخصام بَيْنَ رجاله بَاعِثُهُ التَّنَافُسُ غَيْرُ الشريف الذي يجعل الجميع تحت التهديد بِقَضَايَا الفساد بمختلف أنواعه ! ، فكلٌّ يُهَدِّدُ كُلًّا ، وَيَسْعَى في مواضع أخرى أن يُغَيِّرَ من الوجوه باستمرار ، وذلك ما يفيده ، من وجه ، أَلَّا يَنْسِجَ أحد في موقعِه شبكةَ علاقات وولاءات بعيدا عن عين السلطة ، ولو كان جزءا منها ، وهو ، من وجه آخر ، إجراء لا يحسن تكراره على المدى القريب إلا في بدايات الحكم غير المستقرة لا سيما إن كان الوافد لا خبرة له ولا دربة ، فلا يأمن شر القديم التالد الذي يمسك بِزِمَامِ الأمور ، فهو يُضَحِّي بهذه الخبرة في أحيان عوضا أن يضحي بملكه كله ! ، ويستجلب آحادا لا خبرة لهم بالأمر ! ، وذلك عين المطلوب في هذه الحال ، وإن أَفْضَى إلى تَرَاجُعٍ ملحوظ في الأداء ، فإذا استقر الأمر لم يحسن التغيير المستمر فهو دليل الوسواس القهري الذي يُسِيءُ صاحبه الظن ولو في نفسه ! ، فلا يأمن أحدا ، فذلك أمر تجتمع فيه البواعث الاجتماعية والأحوال النفسانية فقد يكون الرأس مضطربَ الفكرِ وضيعَ الأصل فهو يخاف لأدنى سبب لا سيما إن جمع إلى ذلك سابقة خيانة أو غدر ، فلا يستقر الأمر لاضطرابٍ في عقل السلطة وتوجس وسوء ظن فلا يُدَارُ أي كيان بهذه المعطيات ، ولو كيانا وَظِيفِيًّا تابعا ، فلا بد من حد أدنى من الاستقرار فَلَئِنِ اغتفر في حقه أَنْ يُبَدِّلَ وَيُغَيِّرَ باستمرار فذلك إجراء مؤقت في أحوال الاستثناء حتى تهدأ العاصفة فلا بد من أجهزة فاعلة ولا يكون ذلك إلا باكتساب الخبرة التي تُنَالُ من صحبة أستاذ وطول زمان ! ، انطلاقا من البيت المشهور :
    أَخِي لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إِلاَّ بِسِتَّةٍ *** سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفْصِيلِهَا بِبَيَانِ
    ذَكَاءٍ وَحِرْصٍ وَاجْتِهَادٍ وَبُلْغَةٍ *** وَصُحْبَةِ أُسْتَاذٍ وَطُولِ زَمَانِ .

    فهو شاهد محكم في الخير وفي الشر جميعا ! ، فلا خبرة تُنَالُ دفعةً ، وإنما هي مجموع يَتَرَاكَمُ من العلم والعمل ، وهو ما يَتَعَذَّرُ حَالَ الوسواس القهري الذي يخالط مشاعر مُرَكَّبَةً من ضآلة وحقر ، وجنون عظمة هو رَدُّ الفعل الدفاعي الذي يصدر تلقائيا بلا سبب ، فصاحبه أبدا يدفع إحساس النقص بإظهار ضده ، وكل أولئك مما يُثِيرُ فزعه ويجعل أداءه مرتبكا لا يستوفي الحد الأدنى من المعادلة آنفة الذكر : معادلة التصالح الاجتماعي ، ولو حدا أدنى به حفظ الدولة أو السلطة ، فلا يملك في الجعبة إلا الحل الأمني الخشن الذي يفتقر إلى المعلومة ويفتقر إلى مهارات التواصل مع الدوائر الفاعلة في المجتمع استمالةً وَتَوْظِيفًا لتحقيق الاستقرار بأدنى كلفة ، فإن لم يكن له من ذلك قسط ، فهو يدفع من جَيْبِهِ الْفَرْقَ ، فتزيد جرعة العنف والقمع الخشن إذ تَقِلُّ مهارات الجمع والتحليل ، جمع المدخلات ومعالجتها وحصول مخرجات عقلانية ، ولو انطلاقا من النظرية البراجماتية النفعية ، فإذا غاب العقل ، إن في الخير أو في الشر ! ، زادت جرعة العنف وتضاءل هامش السياسة ، وهو ما يزيد الاحتقان تَدَرُّجًا ، لا سيما مع عدم الثقة آنف الذكر ، وهو ما يقترن بخاصة البخل ، فطبيعة هذا المثال أنه في الغالب الأعم : شحيح ممسك ، والملك لا يوهب لبخيل فتلك خاصة اللئام فلا يكون ملكهم إلا جبرا يكسر الأنف ويقهر الجمع فلا يملك من دربة السياسة ما به يستميل العامة والخاصة .
    وكل أولئك مِمَّا يُضَيِّقُ دَوَائِرَ الولاء ، ولو انطلاقا من النظرية الوظيفية الانتهازية ، فلا يحظى بِعَطَايَا هذا المثال إلا دوائر محدودة لا تجد من هامش الحركة أن تَتَمَدَّدَ في دوائر اجتماعية أوسع لتصنع قاعدة كبيرة من الأنصار تجاوز حد القاعدة الموسمية في انتخاب أو نحوه ، فتلك قاعدة كقاعدة الخارجين عن القانون ، فاستدعاؤها مؤقت حتى تهدأ الأمور ومن ثم تقلب لها السلطة ظهر المجن فَتُلْقِيهَا مرة أخرى في السجن بعد وعود بِالتَّرْضِيَةِ وفتح هوامش إجرامية واسعة تستميل الجاهل المغرور بوعود السلطة ، فقد يجد فسحة مؤقتة في مواسم الاضطراب والتدافع السياسي إن كان ثم نوبات يَقَظَةٍ للمجتمع فهو يُنَاجِزُ السلطة التي تحشد جندها النظامي والإجرامي معا ! ، فيكون الجميع : النظامي والخارج عن النظام ! يكون الجميع يدا واحدة ضد المجتمع ! وإن كان العنوان يدا واحدة ضد الإرهاب أو الفوضى ..... إلخ من الألقاب التي تَنْبِزُ بِهَا السلطةُ المجتمعَ الخارج عن سيطرتها ، فلا بد من الحشد الموسمي الذي يخاطب رد الفعل الغرائزي ، فهو يستثير في كل شريحة من أنصاره الغريزةَ التي تحركها ، فَيَسْتَثِيرُ في الجند غَرِيزَةَ القمع التي يشعر صاحبها أنه السيد الحاكم وإن كان في حقيقة الأمر : الكلب الحارس ! ، فَثَمَّ من يوهمه أنه شريك في السلطة وليس إلا السياج الذي يحوطها فَيَتَلَقَّى ضربات المجتمع بصدره نِيَابَةً عن السلطة التي تَتَوَارَى لِأَتْفَهِ سببٍ ، ويستثير في المجتمع غَرِيزَةَ الخوف من المجهول لا سيما وقد رَفَعَ كلفة التَّغْيِيرِ ، مع ما تقصد من التَّقْتِيلِ والتنكيل والتضييق والتجويع ...... إلخ ، وَبَثَّ الفوضى التي لا تخرج عن السيطرة فهو يملك أدواتها ، ومنها المجموعات الخارجة عن القانون فذلك من مواسمها المربحة ! ، مواسم الغياب الأمني المتعمد مع إعطاء الضوء الأخضر باستباحة المجتمع ولو لم تَبْلُغْ حَدَّ الاستباحة التامة التي تخرج عن السيطرة فقد يكون رَدُّ المجتمع أَعْنَفَ فَتَنْهَارُ السلطة بالفعل ، وقد يكون من نفوذ الجماعات الخارجة عن القانون ما يَعْظُمُ فَتَخْرُجُ بالفعل عن قبضة السلطة ، فالمعادلة دقيقة لا يحكمها إلا من نشأ في مهاد السلطة الوظيفية واكتسب من خبراتها الإجرامية ما اكتسب ! .
    وهو ، في نفس الآن ، يستثير غرائز الوطنية ، حقيقة أو دعوى ، فالوطن مستهدف بما تَقْتَرِفُ السلطة من جرائم نوعية ! ، فَثَمَّ اصطناع لبعضها ، وثم استثمار لآخر سواء أوقع بِتَسْهِيلَاتٍ غير مباشرة أم كان اجتهادا كَسَرَ قواعد السلطة الحاكمة فلا تُعْدَمُ اسْتِثْمَارًا ، ولو تَوْظِيفًا لخسائرها ، في صناعة خطاب عاطفي يحشد الجماهير خلف قياداتها الرشيدة ! ، واضرب له المثل ، مع القدر الفارق في السياق ودائرة العمل ، اضرب له المثل بالحادث الأخير الذي استهدفت فيه قِيَادَةٌ إِيرَانِيَّةٌ بَارِزَةٌ مطلعَ هذا الشهر ، وهي ذات أدوار سياسية وعسكرية في الإقليم ، فكان استهدافها ، من وجه ، خروجا عن النص المتفق عليه انطلاقا من نظرية حافة الأزمة التي تكشف عن خلاف حقيقي بين طرفي الأزمة ، ولكنها ، من وجه آخر ، تكشف عن خطوط حمراء لا يتجاوزها الطرفان إلا ضرورةً تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا حفاظا على مصالح الطرفين ولو اختلفا في القسمة فذلك خير من حرق الكعكة ، وَمِنْ ثَمَّ يكون التصعيد السياسي والإعلامي مع حراك محدود يضفي المصداقية المطلوبة على معركة السياسة والإعلام فإذا بَلَغَ الاثنان الحافة كانت المبادرة بالتهدئة وعدم التصعيد ...... إلخ ، فانتهى الأمر بِتَسْجِيلِ أحد الطرفين نُقْطَةً لا تخل بمعادلة التوازن ، ولو على المدى القريب ، فقد تجتمع النقاط ، في المقابل ، فَيَكُونُ من تأثيرها المتراكم ما يُفْضِي إلى تغيير مؤثر في معادلة السياسة والحرب وذلك ما يكون عادة على المدى الطويل ، كأي ظاهرة سياسية أو اجتماعية ، محلية أو دولية ، فهي تَنْشَأُ وليدة تستغرق جيلا أو أكثر حتى تقوى وَتَسْتَوِي على السوق وذلك في عمر الأمم ما يطول ، ومن ثم يكون الضعف والأفول ، وذلك ، أيضا ، ما يطول ، فلا يشعر الإنسان ، وهو داخله ، بِتَغَيُّرٍ حَادٍّ مفاجئ ، بل يكون التَّدَرُّجُ فلا يَشْعُرُ به إلا من يطالعه من خارج كمن يقرأ تَارِيخَ ملك نَشَأَ وَانْدَثَرَ فهو يُقَلِّبُ في جلسةٍ صفحات تَطْوِي أجيالا ! .

    والشاهد أن الحادث قد شَكَّلَ خروجا حادا عن النص الهادئ المتدرج ، فكان من سعي طهران أن تُحَصِّلَ مِنْ وَرَائِهِ جملةً من المكاسب ، مزيدا من النفوذ في العراق وإن لم يبلغ حد الانسحاب الأمريكي الكامل ولو مع ضمان تدفق النفط ، واستئناف التخصيب النووي ولو في حد الآمن الذي يستخدم وَرَقَةَ تَفَاوُضٍ ، وَتَرْمِيمًا للجبهة الداخلية المتآكلة في البلاد على خلفية الانهيار في الاقتصاد والإفراط في القمع والعقاب وهو ما وَلَّدَ حالا من الغضب المكتوم ضد السلطة الحاكمة حالت دونه القوة الغاشمة ، فالحادث استراحةُ محاربٍ أن يجتمع الاثنان فَهُمًا معا ضد العدو الْمُتَرَبِّصِ في الخارج ! ، فثم الآن تدافع محسوب وإن خرج الحدث عن النص المكتوب ، فَلَنْ تُطِيقَ طهران ، بداهةً ، الرَّدَّ المكافئ ، إذ كُلْفَتُهُ فَوْقَ ما تحتمل ، ومحل الشاهد من هذا المثال هو ما يكون من تَعَاطِي السلطة الوظيفية في حملاتها الدعائية الْغَرَائِزيَّةِ فَقَدْ تَتَلَقَّى صَفْعَةً أمنية حقيقية ، فلا تُعْدَمُ ، وإن خسرت ، أن تُوَظِّفَ الخسارة كما تَرُومُ طهران توظيفها في المثال آنف الذكر .
    فَلَيْسَ أَقَلَّ أن تحقق السلطة بَعْضَ المكاسب ، فتحشد الجمهور خلفها ، فهي تَسْتَثْمِرُ في الأزمات مداعبةً لغرائز المجتمع ، وكل أولئك من إضاعة الوقت وإطالة العمر فإن السلطة قد فَقَدَتْ أسباب الحياة المستقرة ، فلا تستثمر إلا في الهوامش إذ فشلت في تحقيق حدود دنيا من التصالح مع المجتمع ، ولو في ملفات عاجلة ، ملف المعتقلين في مصر على سبيل المثال فَثَمَّ من المعادلة الصفرية التي تدل على عدم الخبرة السياسية ، ثَمَّ من المعادلة الصفرية ما تروم به السلطة الحصول على وثيقة استسلام وإن حملت عنوان : وثيقة اعتذار ، وهو ، أيضا ، يرجع إلى ما تقدم من الاضطراب السلوكي الذي تصدر عنه التوجهات السياسية والإجرائية ، فلا يمكن لسلطة تعتقد في نفسها العصمة إلا أن تقبل بإذعان تام ، فالإيمان بها وحده ما يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ ، فلا تجزئ المهادنة والموادعة ، فقد تَتَكَرَّرُ المواجهة ، فهاجس الخوف يسيطر على السلطة وهو ما يظهر في خطابها أن ما حدث لن يَتَكَرَّرَ أَبَدًا ، وأنه إن تَكَرَّرَ فسوف يكون العقاب أشد بِفَوْضَى تَعُمُّ ونار تحرق البلاد فإما لَنَا وإما أرضا محروقة لا يَنْتَفِعُ بِهَا عَدُوُّنَا ، فتلك معادلة صفرية في الحرب فكيف بها في السياسة وفضاء العمل فيها أوسع لو كان ثَمَّ مَنْ يَفْقَهُ ؟ ، ولو فقه المصلحة الانتهازية ، وهذا الهاجس ، كما تسرب من بعض المصادر ، والعهدة على الراوي ، ذلك الهاجس ما يحول دون تخفيف الاحتقان ، ولو جزئيا ، مع ما قد قُدِّمَ من تَوْصِيَاتٍ من بعض الجهات الأمنية الفاعلة في هذا الملف ، ملف المعتقلين ، مع ما قد قُدِّمَ من توصيات بإطلاق سراح أعداد كبيرة لا فائدة تُرْجَى من وجودهم رهن الاعتقال ، بل العقل يَقْضِي بالإطلاق ، فوجودهم يسبب خسائر تجاوز حد الخسائر المادية ، فَثَمَّ اضمحلال للحد الأدنى من التصالح مع المجتمع ، ولو انطلاقا من نظرية القمع فهو على درجات ! فَقَمْعُ العاقل خير من قمعِ السفيه أو المجنون ، فَبَقَاؤُهُم يستنزف طاقة الأجهزة الأمنية ، كما أن هذه الأجهزة ، في المقابل ، تَسْتَنْزِفُ طاقةَ المعتقلين وطاقة أُسَرِهِم ودوائرهم الاجتماعية الداعمة والمتعاطفة ، فالأمر ، لو تدبر الناظر ، اسْتِنْزَافٌ مُتَبَادَلٌ يُشْبِهُ لُعْبَةَ عَضِّ الأصابع فكلٌّ يَرُومُ أن يصرخ الخصم أولا ، فبقاؤهم ، كما تقدم ، يضر السلطة ، ولو على المدى الطويل ، فهو أشبه بحال الطوارئ والاستنفار التي لا يطيقها أي نظام إلا أياما معدودات وإلا انهار وتآكل من داخله بما يكون من شلل عام يطول زمانه ، وذلك ، أيضا ، مجموع يتراكم بالنظر في أعمار الأمم والدول .
    وبقاء المعتقلين في هذا الوضع المزري لا سيما مع تصاعد حملات القمع والتضييق ، بقاؤهم في هذا الوضع يُعَزِّزُ مشاعر الانتقام والثأر وهو ما يَزِيدُ الاحتقانَ ، وإن لم يكن الانفجار مُبَاشِرًا فإنه إِنْ وَقَعَ وَقَعَ مفاجئا يَتَّسِمُ بالحدة التي تُغَذِّيهَا رَوَافِدُ الانتقام والثأر وهو ما يَذْهَلُ فيه العقل فلا تسأل عن العدل في الخصومة والعقلُ ذاهل وحظ النفس حاضر أن تَسْتَوْفِيَ حقها ممن ظلمها فلا تَأْمَنُ الزيادة في غَضْبَتِهَا ، فلا فقه لا في سياسة ولا في حرب فالسلطة في مصر الآن لا تجيد كِلَا الأمرين ! ، فلا فِقْهَ إذ تستكثر من الخصوم ، وباعثها هو التعاظم والطغيان الذي يَبْلُغُ في أحيان حَدَّ الجنونِ ، وذلك ، كما تقدم ، مما تَظْهَرُ أعراضه في خطابِ السلطة الشعبوي الذي يدل على اضطراب نفسي ، فثم إحساس مفرط بالقوة لا سيما مع روافد الثقة الإقليمية والدولية ، لا سيما الرافد الأمريكي الذي تُؤْمِنُ به المجموعات الوظيفية في الشرق إيمانا يجاوز إيمانها بالوحي ، صَرَّحَتْ أو كَنَّتْ ، فأحوالها تحكي ما لا تحكي أقوالها ، وهو ما يحمل الضعيف الذي لَؤُمَتْ نَفْسُهُ ، وهو المثال الأسوأ فَلَيْسَ ضَعِيفًا ورعا وإنما حال بَيْنَهُ وَبَيْنِ الطغيان العجزُ وإنما العاجز من لا يستبد ! ، وليس قويا ذا شرف في الخصومة ولو ظالما باطشا ، فإنه إن قدر اقتصد في العقاب ولو من باب المصلحة السياسية المجردة من الدوافع الأخلاقية فَثَمَّ عقل سياسة يحول بينه وبين الفجور مع الخصوم ، فالضعيف الذي جمع إلى الضعف اللؤمَ لا تَقَرُّ عينه إلا بإذلال الخصم والتشفي من آلامه والشماتة في مُصَابِهِ ، لا سيما إن كان الخصم أشرف ، فضعف النفس واضطراب العقل يحول دون حكمة في السياسة ولو جريا على المصلحة المجردة ، فَأَيُّ مصلحةٍ في الإبقاء على جموع كبيرة من المعتقلين مِمَّنْ لا يُشَكِّلُونَ خَطَرًا أمنيا مباشرا استنادا إلى تَقَارِيرِ جهاتٍ تابعة للسلطة لها من الخبرة في إدارة المشهد إدارةً سياسية مجردة ، لها من هذه الخبرة المحايدة بل والممالئة للسلطة ! ما يجعلها تَسْتَشْرِفُ الأزمة لا سيما وهي مَنْ يَتَحَمَّلُ أعباءها المباشرة فلا تَعْدِلُ في أحيان كثيرة ما تُمْنَحُ مِنِ امتيازات ورشى مادية ومعنوية ، لا سيما في صفوف الرُّتَبِ الوسيطة والدنيا التي تباشر الأمر بلا واسطة ، ولكنها تخاطب من لا يسمع إذ ثَمَّ وَقْرٌ في الأذن فَعُجْبٌ وَتَعَاظُمٌ في أحيان ، وخوف يَبْلُغُ حَدَّ الهلع في أخرى لا سيما وقد أفحش في الخصومة وأسرف في التنكيل فهو كمن سلك طريقا وتوغل فلا يطيق أن يَرْجِعَ إذ قَطَعَ جميع طرق العودة وقطع جميع علائقه بالمجتمع ، فليس ثم حد أدنى من التصالح آنف الذكر ، وهو ما يدل على انعدام الخبرة السياسية فَثَمَّ إدارة أمنية من النوع الحاد العنيف لا إدارة الأمن انطلاقا من قواعد السياسة فلا يفقه فِيهَا شيئا ، كما قد أَقَرَّ بِنَفْسِهِ في مواضع ، فَلَيْسَ ثَمَّ إلا الضغط إلى الحد الأقصى انطلاقا من معادلة صِفْرِيَّةٍ لا تصلح في الحال السياسية بل ولا تصلح في أحوال عسكرية تَتَعَادَلُ فيها القوى أو تَتَقَارَبُ ، فَلَيْتَهُ يجيد سياسة الحافة ، حافة الأزمة التي يملك فيها من يُصَعِّدُ ، يملك من خطة الطوارئ أن يَرْجِعَ فَيُهَدِّئَ بعد أن يحوز جملة من المكاسب ، لا أن يخوض الأمر بخطة واحدة بلا بدائل ، فذلك فِعْلُ المغرورِ أو الجاهلِ ، فخياراته قليلة أو وحيدة ، وهو ما يحمله أن يضغط أكثر ، فذلك مئنة من استنفاد الحلول ، فلا يكون إلا مزيدُ احتقان ، ولا يكون إلا مزيد عداء إذ تَتَّسِعُ الدوائر الاجتماعية المتضررة من سلوكه في هذا الملف خاصة ، والملفات عامة ، فهو يدير الجميع انطلاقا من نفس النظرية الصِّفْرِيَّةِ الحادة التي تَفْتَقِرُ إلى بدائه السياسة والكياسة ، فهامش التصالح الاجتماعي يضيق ولو حدا أدنى هو ، كما تقدم مرارا ، شرط في أي حكم ، ولو مستبدا غاشما ، فَلَوْ فُرِضَ أن الحل هو التفاوض وتخفيف الاحتقان كما تقدم من بعض التوصيات الأمنية ، فَثَمَّ مانع يحول وهو عقل من يُفَاوِضُ فلا يَرْضَى إلا بالإذعان والاستسلام الكامل وذلك ما يجعل التفاوض عَبَثًا فلا طرف يفاوض آخر إلا وهو يقدم بعض التنازلات التي لا تضر موقفه التفاوضي وإن خصمت من رصيده الفعلي ، فمن يريد من الخصم الاستسلام التام فهو ماضٍ إلى آخر الشوط ، ولو أَفْحَشَ في العدوان والظلم ، وَبَلَغَ في الأمر حد التشفي والسادية وذلك ما يخالف بدائه ما تَعَارَفَ عليه الخصوم في الحروب ! ، فالأسرى يحظون بمعاملة أليق ، فقد بلغت السلطة في سُلُوكِهَا درجة التطرف الحاد وإن لم تَبْلُغْ بَعْدُ درجة الاستئصال التام بالتصفية المباشرة السريعة ، فهي تمارس حتى الآن التصفية الْبَطِيئَةَ المتدرجة ، ولا زالت ، مع ذلك ، تأمل في الحصول على صفقة رابحة تحظى فيها بإقرار المعتقلين ، ولو كَرْهًا ، وهو ما يوصل الأمر إلى نفق مسدود ، فلا بد من مُفَاوِضٍ آخر يَتَمَتَّعُ بكفاءة سياسية ، ولو حدا أدنى ، ولو كان ثم من يعقل في دوائر السلطة الوظيفية ، أو كان ثم من يَسْتَشْرِفُ الأمرَ من القوى المحركة ، لا سيما الدولية ، فالإقليمية ، وهي في المثال المصري : الخليجيةُ ، الإقليمية على نفس النسق من الجهل والظلم لا جرم اختارت من يشاكلها ، فَلَوْ كان ثم من يعقل عَقْلَ التفاوض السياسي المجرد لعلم أن مآل هذا الأمر الانفجار فَسَعَى حفاظا على مصالحه لا انتصارا لمبادئه فلا مبادئ له أصلا ! ، فَسَعَى في تَغْيِيرِ هذا المشهد أو تعديله بالقوة الخاطفة التي تحسم الأمر في جولة فلا يكون صراع طويل المدى يُفْضِي إلى فَوْضَى مُتَرَاكِمَةٍ ، فقد يكون ثم من يسعى في هذا التعديل وإن لم يبلغ حد التغيير فِي الصور ، فضلا أنه تعديل لا يطال نواة الحكم الوظيفي الصلبة فهو تَغْيِيرٌ في التكتيكات لا أكثر ، وتلك حال بَعْضِ دوائر السلطة الآن في مصر ، فهي على ذات الاستراتيجيات ، ولكنها ، في المقابل ، تَرُومُ تَطْبِيقَ حزمة أخرى من التكتيكات قد تسهم في تخفيف الاحتقان وتفادي الانفجار سواء أكان عاما أم تحت السيطرة فأفضى إلى فوضى وعدم استقرار طويل المدى مع صراع اجتماعي وربما مسلح منخفض الحدة يستنزف الخصوم جميعا بِالنِّقَاطِ فلا ضربة قاضية تحسم الأمر في جولة .

    وواجب الوقت الآن ، في الشرع والعقل والفطرة والحس وأي دليل يقبله ذو عقل يَفْقَهُ وإن لم يكن ذا دين يحكم فلا يعدم مروءة تحجز فَتَحُولَ دون فِعْلِ ما أجمع البشر على قُبْحِهِ ، واجب الوقت هو السعي في فك أولئك الأسرى لا سيما الضعفة من الأطفال والنسوة ، والحال ، لو تدبر الناظر ، تَبْلُغُ في بعض المواضع ، حد الاستعانة بالخارج وإن كان ذلك في المقابل ضرورةً تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا فهو كالميتة التي يأكل منها الجائع المشرِف على الهلكة ما يقيم الصلب فلا يسرف في الأكل ، كما يضرب بعض الفضلاء المثل بما أُثِيرَ أخيرا من مداهنة في القول مِنْ بَعْضِ من يَتَبَنَّى خيار المقاومةِ في الأرض المقدسة ، ولو في الجملة ، إذ داهن فَقِيدَ طهران العظيم ! ووصفه أنه الشهيد وهو باستقراء تاريخه الجهادي ! لم يقاتل تَقْرِيبًا غير المسلمين ، ولم يُوقِعِ الْمَقْتَلَةَ العظمى إِلَّا في أهل السنة حصرا ! ، فجاوز الأمر حد المداراة التي يبذل صاحبها الدنيا صيانة للدين أو الْعِرْضِ ، فَجَاوَزَ الأمر ذلك إلى حد آخر من المداهنة فَبَذَلَ المداهن شَطْرًا من دينه ، فذلك ما يُنْكَرُ بِعَيْنِ الشرع الحاكمة ، ولكنه بِعَيْنِ القدر الراحمة ، قد أُلْجِئَ ، من وجه آخر ، ولو بالنظر في الحال العامة بعد سنوات من الحصار فالخاسر الأكبر هو المجتمع وهو محل إجماع بَيْنَ من يعظم الحركةَ المقاومةِ التعظيم التام ومن يقدح فيها القدح التام فثم محل إجماع أن النكبة حَالَّةٌ بالمجتمع المحاصَر وهو ما يَتَوَجَّهُ إليه نظر العادل في الحكم ، فَقَدْ ألجئ أَنْ يُدَاهِنَ إذ لم يجد من ينصر ، بل قد وجد من الجار الملاصق والقريب من يخذل ويضيق ، فَتَأَوَّلَ لِنَفْسِهِ أنه يأكل من الميتة ، وإن أسرف في مواضع فجاوز حد الضرورة فصار الأكل منها اختيارا لا ضرورة ! ، وكذا يَقُولُ النَّاظِرُ إن تَأَمَّلَ ما يَحِلُّ الآن بالمسلمين الإيجور في تركستان الشرقية ، فقد بلغت الحال حَدَّ الضرورة العظمى ، ولو فُرِضَ أنهم قد تحولوا إلى ورقة ضغط تمارسه واشنطن على بكين ، ولا يخلو ذلك من نظر مُعْتَبَرٍ في إِطَارِ التحليل السياسي المجرد فَوَرَقَةُ المسلمين الإيجور ورقة ضغط سياسي في إطار ما احتدم بين واشنطن وبكين من حرب اقتصادية حتى الآن ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُمْ قد تحولوا إلى ورقة ضغط إلا أن الحال ، كما تَقَدَّمَ ، قد بلغت المخمصة فاستبيح بها أكل الميتة اضطرارا لا يبلغ حد الاختيار .
    وكذا يقال في كل نازلة تَبْلُغُ بصاحبها حد الضرورة فهي تحمل المضطر أن يَتَرَخَّصَ ، وهي ، كما تقدم مرارا ، ضرورة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، فَضْلًا أنها ، كما يقول بعض الفضلاء ، مما يكون من المترخِّصِ أصالةً فلا يترخص عنه أحد بالنيابة ! ، لا سيما إن كان النائب ليس ذا ضرورة بل هو في سعة واختيار ، فضلا أن يكون ذا غرض أن يدفع بذلك قُدُمًا في تسوية أو مفاوضة يُحَصِّلُ مِنْهَا مكاسب خاصة يكسوها لحاء المصلحة العامة في انتهازية سياسية لا تخلو منها النازلة المصرية الحالية ، إلا ما رحم الرب ، جل وعلا ، وهو وحده أعلم بالنوايا والسرائر .

    وَالتَّرَاشُقُ الدائر الآن في مصر وهو يدور حول التهمة السياسية الأشهر : تهمة العمالة لحساب طرف من خارج ، وهي ديماجوجية ذات صوت شعبوي صاخب فَجُمْهُورُهَا يَتَّصِفُ بالحدة في مِزَاجِهِ وَاخْتِيَارَاتِهِ فَيُخَالِفُ عَنْ حكومة العدل الذي يَفْتَقِرُ إلى التَّجَرُّدِ مِنَ الهوى وحظ النفس ، فَثَمَّ مَنْ يُتَّهَمُ بالعمالة لكياناتٍ وظيفية في الخليج وهي التهمة الأقوى سندا لما تسرب ولا زَالَ ، ولما كان واستمر حتى الآن من تدخل سافر في شأن سياسي واقتصادي رسمي ، فهو يُؤَثِّرُ تَأْثِيرًا مباشرا في صناعة القرار السيادي في مصر انطلاقا من مؤسسة الحكم الرسمية ، وذلك دور يجاوز حد التمويل لمعارضة سياسية أو أخرى مسلحة ، أو تمويل جماعة ضغط ، أو تمويل مركز أبحاث أو جريدة تسهم في تشكيل رأي عام يؤيد هذا الطرف أو ذاك ، أو التعاقد مع شركة علاقات عامة تجمل هذه الصورة أو تلك ، أو الدخول إلى البلاد تحت ستار الاستثمار الأجنبي ، وإن كان احتلالا ناعما يتحكم في مفاصل رئيسة من الاقتصاد المحلي على وجه يَسْتَلْزِمُ التبعية السياسية والعسكرية ، فضلا أنه يزيد من الأزمة الاجتماعية في البلاد ، فليس استثمارا مباشرا ذا قيمة مضافة في أصول إِنْتَاجٍ جديدة تُوَفِّرُ فرص عمل حقيقية لا أخرى موسمية ، كما الحال في الاستثمار العقاري فهو استثمار اليومية والصفقة المؤقتة فلا يعالج أزمة وإن سكن آلامها بعض الوقت ، فذلك ، إن صَحَّ ، فهو حَلٌّ مؤقت لا يمكن الاعتماد عليه في نهضة بلاد إذ يشبه أن يكون وسيلة تحولت إلى غاية ، فَصَارَ البناء لأجل البناء ! لا سيما إن اتخذ طابع الدعاية السياسية والصفة الاستثمارية فلا يلعب دورا اجتماعيا في علاج أزمة وإنما يستنزف الثروة ، فَيَطْرَحُ الوحدات الفاخرة التي تجمد فيها رءوس أموال كبيرة تخرج من سوق الاستثمار المباشر الذي صار غير آمن ، فثم قيود البيروقراطية ، وثم احتكار جاوز الأفراد إلى المؤسسات ذات الغطاء الرسمي الصلب فهي تحظى بقوة الإنفاذ السياسي والإداري ، فسلطات الحكم جميعا في يدها لا سيما في الأمثلة المركزية ذات الطابع الفاشي التي تَتَّخِذُ تقريرات "الأمير" ، الكتاب السياسي الأشهر في الأمثلة السياسية البراجماتية ، التي تَتَّخِذُ تَقْرِيرَاتِهِ بواعث تَنْطَلِقُ مِنْهَا ، فالدولة فوق المجتمع ، والدولة هي الغاية التي لأجلها يستبد الحاكم ويستجيز من الجرائم ما يَتَأَوَّلُهُ أنه الحفاظ على الكيان من الفوضى والانهيار ، لا سيما إن جَمَعَ إلى فاشية السياسةِ فاشيةَ الحرب فَثَمَّ تعظيم لرجل السياسة المحارب ، وإن لَمْ يحمل يوما سيفا أو سكينا فهو رجل حرب رسمي من الناحية الرسمية ، وليس رجل حرب من الناحية الفعلية ، فهو يُمَثِّلُ كِيَانًا وصفه ، كما يلخص بعض المحللين اليهود دور النخب الوظيفية العسكرية الحاكمة في الشرق وصفه أنه : كِيَانٌ مُتَرَهِّلٌ قد اشتغل بالتجارة والصفق ولا دراية له بقتال أو حرب ، وهو ، مع ذلك ، فاسد مُرْتَشٍ يقبع على قمته قادة يصفهم ذلك الباحث اليهودي أنهم أصنام تحمل أوسمة ، على ما اطرد من تعظيم صورة السلطة التي تَتَمَثَّلُ في هذا الصنم السياسي فهو فوق المجتمع ، فصورته الإلهية لا تُرَادُ لذاته فهو حقير الذات والوصف ، وإنما يُعَظَّمُ لِمَا يحتله من موقع في السلطة : موقع الدولة التي تُعَظَّمُ فِي هذا المثال الإلهي فتكون فوق المجتمع فهي من يَرْفِقُ وَيُعْطِي رغبا ومن يزجر ويمنع رهبا ! .
    وذلك المثال السياسي العسكري الذي يحتل مركز السلطة يبث دعاية الخوف ، فالمجتمع لن يشعر بالأمان إلا في سلطانه ، فهو السوبرمان الذي خرق العادة ، فَلَيْسَ فَرْدًا كسائر الأفراد ، بل له من الخصائص فوق البشرية التي تبلغ في أحيان حد الفرعونية المتألهة ، لا سيما إن احتكر أسباب القوة التي تجاوز آلة الحرب إلى أسباب الرزق ، دولة محمد علي الحديثة في مصر مثالا وهي من بواكير التجارب السياسية المستبدة في الشرق لا استبدادا في الحكم ، وإنما آخر قد جاوزه إلى نظرية الحكم أن يحظى الاستبداد المركزي بتأصيل فكري وسياسي مع كون محمد علي جاهلا لا يقرأ ولكنه ممن سمع كتاب "الأمير" فَقُرِئَ عليه وهو يسمع ويفقه ! ، فذكاؤه وإن كان من النوع الشرير ، ذكاؤه ذكاء الفطرة وإن خالف بها عن حكم الشرعة ، فكان من مثال الدولة الحديثة : الدولة الإله فهو الذي يمنح ويمنع ، فمن رضي عنه قَرَّبَهُ وَاصْطَفَاهُ وأتاح له فُرَصَ الرَّفَاهِ فهو شريك في الثروة ، وإن بِنِسْبَةٍ تزيد كلما كان إلى مركز السلطة أقرب وكان ولاؤه أثمن ، فهو يستحق ما يُبْذَلُ من بدلات الولاء ، فلا تُمْنَحُ في هيئةِ مخصصاتٍ مادية مباشرة وحسب ، بل ثم امتيازات أدبية ، وثم مخصصات في المشروعات الاقتصادية بما يكون من إسناد مباشر مع التلاعب في مِيزَانِيَّاتِ العمل مجاملةً لشركاء السلطة ، فهي تدفع لهم أكثر ، وليس ثم من يُرَاقِبُ أو يحتسب ، فالجهات الرقابية جزء من السلطة المركزية ، فلن تكون رِقَابَتُهَا على نفسها نَزِيهَةً فهي محل اتهام بالمداهنة ، فَتُدَاهِنُ شركاءها ممن تحتاجهم لاستمرار حياتها ، وهو ، كما تقدم ، أمر يَتَفَاوَتُ ، فليس الشركاء على ذات القدر من التأثير في دوائر الحكم ، فمن كان تأثيره أقوى كان نصيبه أوفر من كعكة الاقتصاد التي تقتسمها الجهات الراعية في الخارج مع الجهات التابعة في الداخل بعد أن تحول الكيان إلى كيان تابع ، لا سيما وهو مركزي يقدس الدولة فهي أداة الإنفاذ المحكمة التي تَتَّسِمُ بِالتَّرَاتُبِيَّةِ الهرمية ، محل الشاهد الذي يَتَكَرَّرُ فَهُوَ جوهر النظرية السياسية الحديثة ، فالقرار فِيهَا فَوْقِيٌّ لا يَنْشَأُ من القواعد وإنما يمرر من رأس الهرم إلى مستويات الحكم المتتالية ، ومن ثم يمرر إلى المجتمع ، فالدولة ، كما تقدم من مثال "الأمير" ، الدولة فوق المجتمع فهي إله السياسة والحرب ، في مثال عسكري صارم وإن كان مدنيا في الظاهر ، وإن في أرحب الديمقراطيات المعاصرة ، فَقُيُودُهَا محكمة وإن لم تكن مؤلمة كما الحال في الأنظمة المستبدة التي اختصرت الطريق لا سيما وهي لا تحتاج إلى المكر أو المخادعة فالمجتمعات التي تحكمها أجهل وأضعف ، فلا حاجة أن تداهنها فَتُعْطِيَ الدنية من سلطتها ، خلاف ما لو كان المجتمع يَقِظًا فأدنى أحواله أن السلطة تَقْدُرُ لَهُ قَدْرًا فَتُدَاهِنُهُ ولو في بعض المشاهد السياسية والمكتسبات الاقتصادية فما تمنحه من حقوق تأخذه أضعافا من واجبات تُسْتَقْطَعُ من دخله ضرائبَ ورسومًا ..... إلخ ، فالنظرية واحدة وإن اختلف التطبيق تَبَعًا لاختلاف بِيئَةِ العمل فهو ، لو تدبر الناظر ، خلاف في التكتيك لا في الاستراتيجية التي تصدر عن قناعة الدولة أنها فوق المجتمع ، مُنْتَخَبَةً أو غير مُنْتَخَبَةٍ ، فالخلاف في جرعة القمع وأداته لا أكثر ، فجرعة القمع في المثال المستبد الذي يحكم جَبْرًا ، جرعة القمع فيه أكبر وأداته أعنف وَتَبَعِيَّتُهُ أظهر وَمَرْكَزِيَّتُهُ أقوى وإن كان أداؤه أضعف ، فقد يكون الكيان مترهلا في أدائه ، ولكنه مركزي في ولائه ، لا سيما في دوائر السلطة ، فلا يملك المسئول الوسيط أو من تلاه من الموظف البسيط ، لا يملك صلاحيات مؤثرة ، فهو جزء من منظومة محكمة لا تَتَسَاهَلُ مع أي تمرد ، وإن كان رَدُّهَا أعنفَ حال التمرد العسكري ، فلا يمكن لهذا المثال أن يستمر إلا إذا احتكر أسباب القوة والثروة ، وَغَيَّبَ القيمة والفكرة فاحتكر أدوات الرأي الفاعلة ، فاستسلم له المجتمع طوعا أو كرها ، ورضي بما يمنح من عطايا الدولة ! ، فهي الأب الذي يَرْعَى وَيُدَبِّرُ وليس على الولد إلا أن يطعم ويشرب ، فلا يملك مؤسسة رقابة واحتساب ، بل السلطة من يمتلك هذه المؤسسة التي تَتَحَوَّلُ إلى أداة وظيفية تُصَفِّى بها الحسابات السياسية ، فهي تقمع الخصوم بذريعة الخروج عن النظام العام ، فكل موظف يخالف عن آداب المهنة فهو عرضة للمساءلة والتحقيق ، وهو ما يحتمل التأويل ، فثم نصوص مجملة وعناوين فضفاضة فذلك ما يمنح السلطة مجالا أرحب أن تُؤَوِّلَ هذه العمومات المجملة بما يحقق مصالحها ولو على حساب أفرادها ، فضلا عن المجتمع فهو من يدفع القسط الأوفر وإن كان حظه من العيش أدنى ، فهو الشريك الأكبر في صفقة خاسرة ظالمة ، فَيَدْفَعُ أكثر ولا يربح إلا القليل ، فالربح لمن يتحكم في صناعة القرار ، وهو في المثال الهرمي ، رأس الهرم سواء أكان دوليا أم إقليميا أم محليا ، فالنظرية واحدة تستغرق الجميع ، وإن اختلفت بِيئَاتُ العملِ ، كما تقدم ، فَفِي البيئة المستبدة ، كما الحال في الأطراف ، يكون الجهل أوفر ، ويكون المجتمع أضعف ، وتكون سيطرة السلطة عليه أقوى ، وإن كانت في نَفْسِهَا هشة ، فتلجأ إلى صناعة دوائر من الولاء ، فهي تحتاج إلى نخبة ، والنخبة تحتاج إلى نفقة ، سواء أكان مصدر التمويل هو المجتمع بما يفرض عليه من ضرائب ورسوم وزيادات في أسعار السلع والخدمات مع تراجع معايير الجودة ، أم كان تمويل الجهات الراعية من خارج ، ولن تدفع ، كما تقدم ، إلا وهي تَرُومُ الربح ، إن ربح السياسة والحرب وهو المتبادر فيكون التدخل السافر في صناعة القرار السياسي والعسكري ، فالتابع الوظيفي ينوب عن الأصيل في ميادين السياسة والحرب ، فهو يتحدث باسمه وَيَتَبَنَّى طرحه ، مصر في مؤتمر برلين بالأمس القريب مثالا فقد تكلمت باسم الراعي الخليجي أن يكون له ولها تمثيل في لجان عمل فتكلمت بما يريد أن يتكلم إذ لو تكلم أولا ما استحسن كلامه فهو خارج الدائرة الجيوسياسية الملاصقة فلا بد من استئجار جار يلاصق أن ينوب عنه في التدخل فيتحول الجار الأصيل إلى تابع ويتحول إلى أداة سياسية وعسكرية لا إرادة لها تجاوز إرادة التنفيذ فليس لها من التخطيط في مستوياته الاستراتيجية كبير حظ إذ لا تملك رؤية ذاتية فصارت ضحية لرأي الراعي والممول ، فتخطيطها لا يجاوز مستوى التنفيذ على الأرض إقامة لقواعدَ أو إِنْفَاذًا لوظائف ميدانية يكون فيها التدخل المباشر وإن نوعيا لا يبلغ حد الانخراط العام فالظرف الدولي المعقد قد يحول دون ذلك ، وإن كان المشهد في برلين بالأمس مما يستوجب التوقف وربما التندر فإن الفاعل المباشر على الأرض لم يحضر في المشهد الرئيس وإنما ظهر في مشاهد فرعية اجتمع فيها الفاعلون المؤثرون في أروقة السياسة بما يملكون من ثقل دولي ، اجتمعوا به ، طرف طرابلس في حد ، وطرف بنغازي في آخر مع التسوية بينهما ، ولو في الإهمال فليس أحدها أهلا للاعتراف به ، إذ لم يحسم الأمر على الأرض ، كما يتندر بعض المحللين ، فلو حسم أحدهما المشهد لظهر في الصورة التذكارية التي جمعت أخلاطا من البشر منهم ما لا ناقة له في الأمر ولا جمل فهو ضيف الشرف الذي لا يُؤَثِّرُ ، فثم طرفان الآن على الأرض يُؤَثِّرَانِ : الروسي والتركي ، وإن كانت مخرجات المؤتمر ، في الجملة ، مما أضر بالطرف التركي فالنص الوحيد الفاعل يحول دون تدخله المباشر الذي لا يستتر إذ هو تدخل دولة رسمي قد جهر مجلسها النيابي به ، وهو اتفاق طرفاه دَوْلَتَانِ لا يجمعهما حد مشترك خلاف مصر فثم حد مشترك يجعل القيادة فيها تخادع فهي تَتَظَاهَرُ بِفَرْضِ الحظر على السلاح وَتُهَرِّبُهُ تحت سمع وبصر النظام الدولي الذي يدعم جبهة الشرق فهي تواطئ ما اعتاده في الأطراف من تَنْصِيبِ المستبد الظالم الذي ينوب عنها في قمع المجتمع ونهب ذخائره ، وذلك ما قد يفضي إلى مواجهة بين روسيا وتركيا ، ولو عبر وكلاء على الأرض ، فهي مما يَسْتَنْزِفُ الطرفين وإن كانا ، بداهة ، على علم بذلك ولكن الحرب مما تنجر إليه الأطراف في أحيان على غير ما ترغب ، مع تراجع الدور الأوروبي ضعفا والأمريكي قصدا لا يخلو من ضعف وانحسار ولكنه لا يضاهي ضعف أوروبا ، فالدور الفرنسي تابع للروسي دعما لجبهة بنغازي ، وهو أمر يخالف عن ثوابت الأطلنطي الذي يكاد يَتَفَكَّكُ الآن شَيْئًا فَشَيْئًا ، وهو أَمْرٌ يَسْتَحِقُّ التدبر والنظر ، فإن الحلف الأطلنطي ليس حلفا عسكريا مجردا من الأغراض السياسية ، فليس ثَمَّ فعل ميداني مجرد من الغاية ، فالحركة مبدؤها فكرة ، وفكرة الأطلنطي فكرة السيطرة والهيمنة على الشاطئ الشرقي من الأطلنطي بعد خروج أوروبا من الحرب منهكة ، فالحرب العالمية الثانية إعلانُ خروجٍ أوروبي من موقع القيادة للغرب فِي صراعه مع بَقِيَّةِ الحضارات لا سيما حضارة الشرق الرسالية ، فَانْتَقَلَتْ القيادة من بريطانيا الأنجلوساكسونية وفرنسا اللاتينية إلى أمريكا الأنجلوساكسونية التي تدخلت في أواخر الحربين ، الأولى والثانية ، وكان تدخلها الأكبر في إِنْزَالِ نورماندي يونيو 1944 ، فلا يخلو من رمزية سياسية إذ كانت القيادة أمريكية ، فلم يكن دور أمريكا الإسناد والدعم بل القيادة والحكم ، وهذا الحكم يستند إلى جناح اقتصادي ، مشروع الجنرال مارشال لإعادة إعمار أوروبا التي دمرتها الحرب ، فهو مشروع مُوِّلَ من ضرائب الأمريكيين لتحقيق أغراض النخبة في حكم العالم انطلاقا من مركز القيادة الجديد ، فمن يمول هو من يملك الأجندة إن في فكر أو سياسة أو إعلام ..... إلخ ، فيد المنة الأمريكية لا زالت تُثْقِلُ كاهل أوروبا ، وثم جناح سياسي عسكري وهو الحلف الأطلنطي الذي أعطى الشرعية السياسية للوجود الأمريكي في أوروبا ، وهو ما دفعت أمريكا ثمنه من ضرائب الشعب الأمريكي ! ، فالشعب أبدا من يدفع فاتورة النخبة ، وذلك أمر يتكرر إن في الدول الديمقراطية الحديثة أو دول الاستبداد ، وإنما الاختلاف في طريقة الدفع ، فَثَمَّ مَنْ يَدْفَعُ طَوْعًا وَثَمَّ من يدفع كرها ، وذلك ما تُرْجِمَ في جملة وثائق وأوراق بحث ، من أبرزها ما نَقَلَهُ بعض الباحثين عن "تحدي منتصف القرن للسياسة الخارجية للولايات المتحدة" ، فالمهمة التي فرضها التاريخ على أمريكا ، قائد العالم الجديد ، أن تسهم في تشكيل نظام عالمي جديد بكل أبعاده : الروحية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، فَثَمَّ محاورُ للعمل يَتَوَلَّى كلٌّ منها ما يطيق ، وأخطرها ، لو تدبر الناظر ، المحور الروحي أو الأيديولوجي فَثَمَّ ثَقَافَةٌ رأسمالية ليبرالية من النوع الجديد الذي يخالف عن نظيرتها الرأسمالية الاجتماعية التي سادت أوروبا ، وَثَمَّ قَرَارٌ يحمل الرقم 170 بمجلس الشيوخ الأمريكي تضمن تشجيع مفهوم وحدوي أطلنطي ، فثم مشروع الاتحاد الأطلنطي الفيدرالي ، والغاية : حكومةُ كلِّ العالم ، فكل أولئك ما يستحق التدبر والنظر ، فإن الحلف الآن يشكو من ضعف شديد يكاد يبلغ حد التفكيك ولو على المدى المتوسط أو البعيد ، وذلك ما أَلْجَأَ أوروبا أن تفكر جديا في إنشاء قوة عسكرية خارج المنظومة الأطلنطية ، وثم نفس انعزالي يسيطر الآن على مؤسسات الحكم في واشنطن ، وهو ما يعزل قيادة النظام الدولي عن أركانه ، وذلك ما يُنْذِرُ بتآكله واستبدال آخر به ، ولو تدريجا ، وقد زال حلف وارسو مع انهيار الكتلة الشرقية وانتهاء الحرب الباردة مطلع التسعينيات ، وَبَقِيَ الحلف الأطلنطي الذي يشكو الآن من اختلاف وتشرذم ، فَتُرْكِيَا توثق علائقها بروسيا ، بعد أن كانت هي الطوق الجنوبي الذي منع تمدد الشيوعية تجاه المياه الدافئة شرق المتوسط وجنوبه ، فهي عمليا خارجة عن جادة الحلف الأطلنطي الذي لا زالت تحمل عضويته ، ولا زالت تشكل قوة بَرِّيَّةً رئيسة فيه ، ولكنها تشتري السلاح الروسي ، وَتَتَحَالَفُ مع روسيا تحالفَ الاقتصاد في ملف الطاقة ، وَتُنَسِّقُ مَعَهَا في بلاد الشام تَنْسِيقًا لا يَرْقَى أن يكون تحالفا فهو أمر واقعٌ يعكس تَوَازُنَاتِ القوى المشتبكة على الأرض .
    وَفَرَنْسَا في المقابل تعمل الآن في ليبيا تحت مظلة روسية وإن لم يكن ثم تَرْتِيبٌ هَرَمِيٌّ للقوة الداعمة لجبهة الشرق الليبية ، فَفَرَنْسَا لا تعمل رسميا تحت قيادة روسيا ، إذ لا يُقِرُّ الاثنان ابتداء بوجود رسمي لهما في ليبيا ، ولكن موازين القوى تعكس دورا أكبر لروسيا ، وهو ما بدأ في الظهور والتنامي لا سيما بعد يوليو 2013 ، فقد أعطى الظرف السياسي في مصر آنذاك ، أعطى روسيا فرصة الاستثمار السياسي والعسكري في كيان جديد غير مستقر يسعى في اكتساب الثقة السياسية بدعم خارجي يُضْفِي عليه شَرْعِيَّةَ الأمر الواقع نَظِيرَ ما يُبْذَلُ من خدمات سياسية وعسكرية واقتصادية ، فهو مغنم سهل لأي قوة دولية أو إقليمية أن تحتضنه وتكفل له تمثيلا سياسيا مقبولا في الخارج نَظِيرَ ما يُقَدِّمُ لَهَا من الذخائر التي تجاوز حد الأموال السائلة أو الصفقات المربحة ، فَثَمَّ ذخائر السياسة تَبَعِيَّةً في المواقف لمن يكفل ويدعم ، اتفاقية المبادئ في الخرطوم مارس 2015 مثالا والتي أعطت إثيوبيا صك الشرعية لما يجري الآن على قدم وساق من خَصْمٍ مُعْتَبَرٍ من حصة مصر في مياه النيل الأزرق فذلك ثمن رجوع مصر إلى الاتحاد الإفريقي الذي علق عُضْوِيَّتَهَا بعد أحداث يوليو 2013 فذلك ما يخالف عن عقد التأسيس للاتحاد ، فكان تجاوز اللائحة على وجه يثير الدهشة ، فَثَمَّ من يقول إن الوسيط كانَ نظام الحكم في الجزائر وهو ذو طبيعة عسكرية عنيفة تُضَاهِي نظيرتها في مصر ، ولعل ذلك ما قَرَّبَ المسافة وإن ابْتَعَدَتِ الآن على خَلْفِيَّةِ التدخل المصري في لِيبْيَا والذي بَلَغَ مشارف طرابلس التي تجاور الجزائر ، فطرابلس ، من هذا الوجه ، تدخل في حدِّ الجزائر الأمني ، فَقَدْ جَاوَزَتْ مصرُ الخط الأحمر الذي يقسم ليبيا إلى شرق يقارب مصر في الجغرافيا والديموجرافيا ، وَغَرْبٍ يُقَارِبُ المغربَ بِتَنَوُّعِهِ السياسي : تونس والجزائر والمغرب ، فَثَمَّ الآن تجاوز لهذا الخط الوهمي على وجه يُثِيرُ حفيظة الجزائر وإن كانت هي ابتداء من دعم النظام في مصر إن صحت شَفَاعَتُهَا له عند الاتحاد الإفريقي ، وَثَمَّ ، في المقابل ، مَنْ يَرُدُّ ذلك إلى إِثْيُوبْيَا نَظِيرَ ما كان من عقد اتفاقية المبادئ .
    فَأَيًّا كان الأمر فقد كان ثم شفيع أَرْجَعَ مصر أو أرجع النظام الحاكم في مصر إن شئت الدقة فهو المستفيد الأول بل والأوحد من ذلك ، ولا بد من ثَمَنٍ لا يَدْفَعُهُ النظام ، بداهة ، من جَيْبِهِ ، وإنما المجتمع هو مَنْ يَدْفَعُ وإن لم يشتر شيئا ! ، فلم يكن الأمر دفع مصر كأمة ودولة ، دَفْعَهَا ثَمَنًا لإجراء سياسي يَعُودُ عَلَيْهَا بالنفعِ ، وإنما دفع النظام الثمنَ من حاضر المجتمع المصري ومستقبله لَيَحْظَى باعترافٍ شرعي يُعَزِّزُ مَوْقِعَهُ في السلطة ، وهو ما يُبْرِزُ دَوْرَهُ كمجموع وظيفي حاكم يخالف عن هوية المجتمع وثوابته إن في الفكر أو في السياسة أو في الاقتصاد ، فلا يدرك مصالح المجتمع فَتِلْكَ مصيبةٌ أو يُدْرِكُهَا وَيَتَجَاهَلُهَا بل ويعمل بِضِدِّ ما تَقْتَضِي فالمصيبة أعظم ، ولا يكون ذلك إلا وَثَمَّ عُزْلَةٌ تُفْرَضُ على هذا المجموع الوظيفي ، لا سيما وَبِنْيَتُهُ الهرمية الصلبة تَزِيدُ من تَمَايُزِهِ مِنْ بَقِيَّةِ أجزاء المشهد ، فالمجتمع عنه بمعزل إذ الهرم قد جاوز حد الكيان السياسي الحاكم فَثَمَّ امتيازات في المخصصات المالية والخدمية ..... إلخ ، وذلك ، بداهة ، ما لا يستغرق المجتمع كله فليس ثم تمويل يكفي بل لَا يَكُونُ رَفَاهُ النُّخْبَةِ وَثَرَاؤُهَا إلا بِإِفْقَارِ المجتمع وإضعافه قَصْدًا ، فَيَنْصَرِفُ الجزء الأكبر من المخصصات والمزايا إلى مستويات هذا الهرم وأفراده شراء لولائهم ، كلٌّ بِحَسَبِ درجته أو رُتْبَتِهِ النظامية وما يملك من تأثير في بقية أجزاء الهرم ، فَتُبْذَلُ هذه المخصصات بِسَخَاءٍ يجتهد فيه الباذل فِي شراء الولاء ، ولو على حساب المجتمع الذي لا يَتَبَقَّى له من حصة الثروة والخدمة بعد ذلك إلا فتات يسير لا يقيم أوده إلا بقدر ما يريد المجموع الوظيفي الحاكم مِنْ جُنْدِ وَخَدَمٍ ! فَتَتَّسِعَ الهوة بَيْنَهُ وبين المجتمع ، وَتَتَعَارَضُ المبادئ والمصالح جميعا ، فَيَزْدَادُ شعور المجموع الوظيفي بِالْغُرْبَةِ وَيَضْعُفُ انتماؤه إلى المجتمع بما يكون من دعاية تحقر المجتمع وتسمه بالسذاجة تَارةً والخيانة والعمالة أخرى ، فَوَحْدَهُ المجموع الوظيفي من يحتكر لقب العلم والأمانة بل والورع والديانة ! ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، انْتِقَائِيَّةٌ لا تخلو من هوى ، فإذا نجح المجموع الوظيفي أن يَتَصَيَّدَ أخطاء ليست بالصغيرة من سلوك قطاعات ونخب من المجتمع بما يملك من أدوات المراقبة والتجسس فضلا أنه مَنْ هَيَّأَ بِيئَةَ الفسادِ بل وأقحم فِئَامًا من المجتمع فِيهَا إقحاما ، لا سيما مَنْ يَتَوَلَّى مَنْصِبًا سِيَادِيًّا في أي قطاع رسمي ، فَثَمَّ إفساد مُمَنْهَجٌ وآخر في التجسس يَرْصُدُ وَيُسَجِّلُ ، وهو تجسس يجاوز حد الظاهرة فَثَمَّ بناء هرمي محكم لمنظومة استخبارات دقيقة تحصي على المجتمع أنفاسه لا سيما النخب وإن كانت في خدمة السلطة ، نخب القضاء مثالا وقد استبان أخيرا أن السلطة تُرَاقِبُ مجموعاتهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي ولا تخلو مؤسسة رسمية أو جهة حكومية ، ولو خدمية ، من جِهَةٍ رِقَابِيَّةٍ تُطَوِّرُ أداءها بما يواطئ التكنولوجيا الحديثة فهي تُرَاقِبُ صفحات الموظفين ومن يكتب أي تعليق يعارض السلطة بل ويعارض نظام العمل داخل المؤسسة ولو معارضة فنية بلا أي توجهات سياسية ، من تلك حاله فالنيابة الإدارية ، وهي ذراع التحقيق الذي تستخدمه السلطة في عقاب من يعارضها أو فَصْلِهِ إِنْ لَزِمَ الأمر فضلا عما يُتَوَقَّعُ أن يَزِيدَ من دورها في تصفية الجهاز الوظيفي امتثالا لتعليمات البنك الدولي فهي تتوسع في التهمة وتأخذ بالشبهة وتسارع بالعقاب ، وهي على أهبة الاستعداد أن تستقبل كل موظف إليها يُحَالُ بتهمة فضفاضة جديدة وهي تجاوز الآداب العامة في نَقْدِ المسئولين ! ، وذلك أمر قد عُوفِيَ منه من لم يعمل في تلك الجهات التي تحولت إلى أوكار فساد وبيروقراطية عقيمة وتجسس ووشاية ، وإن لم يعاف من وجه آخر مِنْ تَطَوُّعِ بَعْضِ الكوادر على الأرض ، إِنْ زَمِيلَ دراسة أو جارًا بل وقريبا من الدرجة الأولى في أحيان ! ، فَثَمَّ مَنْ يَتَطَوَّعُ لِيَنَالَ عند السلطة حظوة ، بل وثم من استفلت نفسه وَلَؤُمَ طبعه فهو يقدم هذه الخدمات الاستخباراتية مجانا فأذى الخلق عنده غاية في نفسه ! ، وذلك نجاح يحسب للسلطة المستبدة أَنْ أَفْسَدَتْ ذَاتَ الْبَيْنِ ونشرت في الخلق ثقافة التجسس والتحسس ، وَزَرَعَتِ الشك والمخاوف في المجتمع فكلٌّ يخشى جاره وزميله .... إلخ ، وهو ما يُحَوِّلُ المجتمع المتماسك إلى شظايا متناثرة يصعب جمعها ، ولو على المدى القريب فأمام المجتمع طريق تطول ليستعيد لُحْمَتَهُ ففساد ذات البين قد بَلَغَ جميع المستويات ، وَهُوَ مِمَّا يسهل مهمة السلطة في حكم المجتمع آحادا متفرقة واصطياده فَرَائِسَ سهلةً فكلٌّ قد صار قَاصٍ فَلَمْ يَعُدْ ثَمَّ قَطِيعٌ جامعٌ .
    فَبِيئَةٌ كهذه لا بد أن تُثْمِرَ فَيهَا شجرة الفساد الفكري والأخلاقي والسياسي فالسلطة هي من بَذَرَ وَتَعَاهَدَ بالرعاية والسقاية فهي تمتلك أدوات الزِّرَاعَةِ ! ، فلن تُحْكِمَ سَيْطَرَتَهَا على المجتمع إلا انطلاقا من هذه السياسة الممنهجة ، وهو ما يفضي إلى انحلال النسيج الاجتماعي فَيَذِيعُ الفساد ويشيع وذلك ما يخفف أعباء المجموع الوظيفي فَثَمَّ غفلة وفساد قد كَفَى صاحبه السلطةَ مؤنةَ يَقَظَتِهِ وإصلاحِه ، فضلا أنه لا يملك من رصيد الفكرة والحركة ما به يُغَيِّرُ التَّغْيِيرَ الأمثل ، فإذا تحرك لم يُثْمِرْ حراكه الثمرة المكتملة ، وذلك أمر يجب التفريق فيه بين ثلاثة أطراف : السلطة أو المجموع الوظيفي الحاكم : طرفا أول ، والنخبة السياسية : طرفا ثانيا وما تَبِعَهَا من هيئات تَبَنَّتْ خيار التغيير انطلاقا من قيم فكرية وسياسية تجافي عن روح المجتمع الرسالية ، والمجتمع نفسه : طرفا ثالثا فَهُوَ وَقُودُ التَّغْيِيرِ إذ هو المجموع الغالب في أي حراك ميداني ولكنه ، في المقابل ، الغائب الأكبر عن صناعة المشهد السياسي ، فطبيعته أنه يَفْتُرُ بعد نشاط ، ويشتغل بِتَفَاصِيلِ الحياة فليس يحترف السياسة احتراف السلطة والنخب ، فسرعان ما يَنْصَرِفُ إلى شأنه الخاص ، وَيَتْرُكَ الشأن العام فهو بَيْنَ السلطة والنخبة ، وكلاهما لا يمثل المجتمع التمثيل الحقيقي أو التمثيل الكامل ، وإذا اختار المجتمع ما عنهما يخالف فاختياره هَدَرٌ ، وَتَحَالُفُ النُّخْبَةِ والسلطةِ في هذه الحال هو الخيار الأوحد ، مع ما بَيْنَهُمَا من خلاف معتبر ، فما جَمَعَتْهُمَا إلا الضرورة الملجئة : ضربُ اختيار المجتمع في مِقْتَلٍ فهو الجاهل المغفل الذي تحركه غرائزه الأيديولوجية البدائية أو غَرَائِزُهُ الجسدية السفلية من مطعم ومشرب انطلاقا من نظرية الزيت والسكر ! : مصر مثالا بعد مشهد يونيو 2012 الانتخابي ، فالشعب الذي كان عَظِيمًا مُبْدِعًا قد صار جاهلا مُغَفَّلًا ، رَجْعِيًّا مُتَخَلِّفًا إذ اختار ما هو أقرب إلى روحه في الفكرة ، ولو في الجملة ، فاتحدت ضد اختياره : السلطةُ والنخبةُ بل وقطاعات من مشهد التغيير غلبت عليها الأثرة والحسد ، فلم تُطِقْ أَنْ تَرَ غيرها في موضع السلطة ، ولو كان يُشَاطِرُهَا رَغْبَةَ التغيير فلا يشاطرها بواعثه ، وثم فارق أي فارق ! ، فقد يكون الفعل في الخارج واحدا وتختلف البواعث بل وَتَتَنَاقَضُ ، فَنَفِسَتْ عليه السلطة ، ولو اسما بلا مسمى ، فأسهمت بدور ليس باليسير في وضع العراقيل وتأولت لذلك ما تأولت لِتُبَرِّرَ ما تقارف من جرم لا سيما والحليف الذي عليه حَرَّضَتْ قد خذلها في مواضع ولكن خذلانه لها مع عظمه لا يعدل خذلانها له فقد أسلمته إلى الذبح والاستئصال التام أو الغالب ، فكان ما كان من مشهد مركب من تآمر وتحريض حتى أفضت الحال إلى مشهد يوليو 2013 التي عاد فيه النظام القديم بكل قوة ليضرب الجميع فبدأ بالأقوى ، ثم تَدَرَّجَ فَلَمْ يَسْلَمْ من بطشه لا قطاعات التغيير التي أيدته في تلك اللحظة الفارقة ! ، فلم يَنْسَ أبدا أنها من خرج يوما يطلب تَغْيِيرَهُ ، ولم يسلم من بطشه نخبة السياسة ولو باهتة لا تشكل خطرا بل قد كانت الغطاء الشرعي لحراكه ولكن النظام المستبد لا يطيق لأحد عليه يدا فهو يُنَكِّلُ أولَ ما يُنَكِّلُ بمن أسدى إليه معروفا فقد صنع ذلك ابتداء مع الفصيل السياسي الأكبر الذي تحالف معه ولو ضمنا فانحرف بحركة التغيير إلى حركة إصلاح لما قد فسد ولا يرجى إصلاحه في إطار عمل سياسي بيروقراطي تجيده السلطة القديمة إذ تمتلك أدواته التشريعية والقضائية والتنفيذية ، ثم كان التحالف المؤقت مع خصوم هذا التيار حتى تم إقصاؤه في يوليو 2013 وما تلا ذلك من التنكيل به أولا ثم الاستدارة إلى من دعم ذلك أو رَضِيَ ولو بالسكوت في موضع البيان فهو بيان ! ، فكان التنكيل بالجميع بعد أن كان التخالف المؤقت فالنظام القديم قد أحسن عقد التحالفات المؤقتة ، وأحسن يضرب بعضا بِبَعْضٍ ، وأحسن يُنَوِّعُ في التحالف كلما اقتضى الأمر حتى انفرد بالمشهد بعيدا عن أي نخبة ، والمجتمع ، كما تقدم ، غائب أو مُغَيَّبٌ ، والسلطج والنخبة عنه جميعا بمعزل ، وكلما بَعُدَا عن المجتمع كانت الحال أسوأ ، فإن صاحب الأمر قد غاب عنه فَقُضِيَ فيه دون مشورته ، والصحيح أنه مَنْ يَقْضِي فضلا أن يُسْتَشَارَ ! .
    فكان من استثمار السلطة لما بين يديها من المعلومات ، وكان تَحَكُّمُهَا أَنْ تَلْتَقِطَ صورة جزئية من فَسَادٍ فكري أو أخلاقي ..... إلخ لدى قطاعات من الحراك المغيِّرِ ، فهو حراك بَشَرِيٌّ لا يسلم ، بداهة ، من عوارض النقص ، ولو مروقا وفجورا ، فَكَانَ تَحَكُّمُهَا أَنِ الْتَقَطَتْ هذه الصورة ثم سحبتها على كل من يُعَارِضُهَا لِتُنَفِّرِ المجتمع من حراك التَّغْيِيرِ كلِّه ، ما صَحَّ وما بطل ، لا سيما وقد أحسنت اختيار المشاهد التي تثير استفزاز المجتمع المحافظ ، فنجحت السلطة في تشويه كلٍّ مجموعٍ بِنَوَاقِصِ جزءٍ لا يمثل نسبة تُؤَثِّرُ ، ولكنه في المقابل يحتل المشهد الذي فَرَغَ إذ غادر المجتمع وهو الأغلبية ، غادر المشهد فَتَرَكَ الساحة نهبا لأقليات : السلطة والسياسة ...... إلخ ، فاجتهدت السلطة أن تُشَوِّهَ خصومها فَتَنْبِزَهُمْ بجرائم أخلاقية وسياسية ..... إلخ ، ولا تخلو من اعتبار ولو شبهة تُثَارُ وَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ في موضع الشبهة ، ولو بَرِيئًا ، فَلَا يَلُومَنَّ إلا نفسه ، ومارست السلطة دعايتها انطلاقا من نظرية : رمتني بدائها وانسلت ! ، فإن صدق ما نَبَزَتْ به خصومها قِيرَاطًا فهو يصدق فيها أربعا وعشرين كما يقال في المثل الدارج في مصر ! ، فهي أَفْسَدُ الجميعِ فضلا أنها من صنع هذه البيئة التي أفرزت ظواهر الفساد على كافة المستويات فما كان الفساد ليظهر ويزدهر إلا بِرِعَايَتِهَا لِمَا تملك من أدوات الحكم ، وما كانت لتحكم إلا أن تُفْسِدَ ، فهي سلطة جاهلة فاسدة لا يمكن ، بداهة ، أن تحكم مجتمعا يقظا صالحا في نفسه مصلحا يَرُومُ التغيير النافع ، فإن توجهت التهمة إلى النخبة وَمِنْ وَرَائِهَا المجتمع فهي تَتَوَجَّهُ إلى السلطة من باب أولى ، فقد باشرت الأمر انطلاقا من موقع الخصم إذ عُزْلَتُهَا عن المجتمع في ازدياد ، فهي تخالف عن روحه في الفكرة ومصالحه في السياسة والاقتصاد ..... إلخ ، وهي تحقر من شأنه وَتَنْبِزُهُ بأسوإِ الألقاب ، وثم شحناء وبغضاء يصدق فيها قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وشرارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تبغَضونَهُم ويبغَضونَكُم وتَلعنونَهُم ويَلعنونَكُم" ، فإذ نجحت السلطة في ترويج هذه الشبهة ، شبهة الخيانة والعمالة والانحراف الأيديولوجي والأخلاقي لفئام من خصومها ، ونجحت في بَسْطِهَا لِتَحْتَلَّ مشاهد رَئِيسَةً مع أنها تُبَاشِرُ ما تَنْبِزُ به الخصم بل وَتَزِيدُ ، فهي الأولى ، كما تقدم ، بالتهمة ، فهي الفاسدة التي صنعت بِيئَةَ الإفساد ، فَفِعْلُهَا قد جاوز اللزوم إلى التَّعَدِّي فهي فاسدة في نفسها مفسدة قد تَعَدَّى إفسادها إلى غيرها ، فَإِذْ كان ذلك ، والمجتمع غائب قد انصرف وتلك الطامة الكبرى في أي حراك يُغَيِّرُ ، أن يَنْصَرِفَ المجتمع انصراف الحس وانصراف المعنى فلا تكون روحه في الفكرة والسياسة والاجتماع هي المركز الذي تَنْشَأُ منه الصورة الجديدة ، فَيَنْتَقِلُ مركز الفكرة إما إلى سلطة قديمة تعيد إنتاج المشهد في نسخة أردأ : مصر مثالا ، أو نخبة فكر وسياسة تحظى بدعم الخارج فهي تخالف عن قيم المجتمع وبواعثه الأيديولوجية ، وذلك ما يُغَذِّيهِ الخصم من خارج ذو البواعث الحضارية المخالفة لحضارة المجتمع ، السودان مثالا فَثَمَّ نخبة يسارية تمارس الآن ، فِي ظلِّ التَّعْتِيمِ الإعلامي المتعمد ، تمارس عملا مُمَنْهَجًا يَرُومُ استئصالَ الهوية الرسالية ، روح المجتمع وصانعة أخلاقه وقيمه ، بذريعة القضاء على النظام البائد الذي أَسْرَفَ على نفسه وأعظم الجرم إذ اكتسى بِلِحَاءِ الوحي فمارس من الفساد السياسي والإداري .... إلخ ما نُسِبَ ، بداهةً ، لا سيما والخصم مُغْرِضٌ غير مخلص ، ما نُسِبَ إلى الفكرة الرسالية التي انْتَحَلَهَا ، ولو ثِيَابَ زورٍ ، فكان من شؤم الزور أن أعطى الذريعة لِمَا يُقَارَفُ الآن من الجريمة ، جريمة الاستئصال الراديكالي لهوية المجتمع بذريعة استئصال النظام البائد وقواعده في أجهزة الدولة ، ومن عجب أن النظام الدولي ذا المنطلقات الرأسمالية الليبرالية يَرْعَى هذا التوجه اليساري الذي يخالف عن قيمه الرأسمالية الليبرالية ، وَلَعَلَّهُ اختار الفوضى المفضية إلى التقسيم الجديد خيارا إذ المشهد يَزْدَادُ احتقانا لا سيما في أطراف الدولة الرخوة مع نشاط الحراك المسلح فضلا عن انفجار المجتمع من الداخل إِنْ استمرت السلطة في استفزاز مَشَاعِرِهِ الروحية ، فقد تحولت هي ، أيضا ، إلى مجموع وظيفي حاكم وإن مدنيا فَاسْتُبْدِلَتْ بالمجموع الوظيفي العسكري .
    وبعض المتابعين يرصد تَعَزُّزَ الظاهرة الميليشياوية ذات الطابع الأيديولوجي اليساري المتطرف في مقابل الجيش النظامي الذي لا زالت أيديولوجيا النظام السابق هي عقده القتالي ، مع ما تقدم من إساءة استخدامها في الشأن السياسي ، فالشأن العسكري في الغالب يسلم ، ولو في الجملة ، مما لا يسلم منه الشأن السياسي من تلاعب بالعواطف والغرائز الإنسانية ومنها الغريزة الدينية ، وذلك ما يجعل الجيش خطرا وإن فسدت قياداته لا سيما من يتصدر المشهد الآن وله سوابق عمل وظيفي مرتزق في ميادين من أبرزها اليمن وليبيا ، وتلك ظاهرة ميليشياوية أخرى تم استحداثها على خلفية الأحداث في دارفور ، وما كان من صراع إفريقي عربي اتسم بالطابع العنصري لا سيما مع تَغْذِيَةِ الخارج لهذا النفس الشعوبي ، وما كان من الحكومة المركزية من إذكاء هذا النفس الشعوبي ، فَثَمَّ إذكاء لِنَفَسٍ عربي في مقابل آخر إفريقي ، وثم تدخل من خارج وآخر من الحكومة المركزية في الخرطوم ، وهو ما أنشب حربا أهلية بين أبناء الدين الواحد على خلفية عرقية : عربية إفريقية ، في مشهد آخر من مشاهد العصبية التي قبحتها الرسالة الخاتمة إذ جاءت بمرجعية تستغرق جميع الشعوب والقبائل ، فكان من استحداث ميليشيات عربية أُدْمِجَتْ بعد ذلك في الجيش وهو ما أضعف البنية العسكرية النظامية بما كان من إدماج مجموعات مسلحة يغلب عليها الطابع الميليشياوي المنفلت ، وذلك عين ما جرى في اليمن برعاية من الخليج في اتفاق أخير دَمَجَ النخب العسكرية الوظيفية في الجيش الرسمي وهو ما يفضي ، كما يقول بعض المتابعين ، إلى تَغَيُّرِ بِنْيَةِ الجيش شيئا فشيئا ، فيستبعد القديم ويستبدل الجديد المدمَج به ، وهو يحتفظ بولاءات وظيفية سابقة فليس إلا حفنة من المرتزقة ، ولكنه يحظى بتسليح ودعم من القوى الإقليمية ، فهو إن أدمج في جيش نظامي مُتَرَهِّلٍ صَارَ هو النخبة بما يملك من سلاح وتمويل يُغْرِي كثيرا أن ينضم لهذه النخبة الجديدة فهي المستقبل في مقابل الجيش المترهل ذي الرواتب الضعيفة والتسليح القديم ...... إلخ ، ومع الوقت يفنى الجيش الرئيس ، وتصير النخبة الوظيفية المدمجة هي عماد القوة العسكرية النظامية مع احتفاظها بولاءاتها السابقة فلولاها ما حظيت بهذا التفوق النوعي ، المادي والمعنوي ، العسكري والمالي ، فتكون وكيل من يمول ويسلح وإن كانت في الظاهر المعلن : جيش البلاد الرسمي ، وذلك ما قد يجري في السودان ، ولو على مدى غير قريب ، فتلك عملية إحلال وتجديد تستغرق وقتا ، وعنوانها الأبرز : تطهير مؤسسات الدولة من فلول النظام القديم ، وأبرز عمليات التطهير في الدولة الأمنية أو العسكرية ، أَبْرَزُهَا يكون ، بداهة ، في المؤسسات السيادية ، لا سيما المؤسسات التي تمتلك القوة الصلبة فهي من يحكم المشهد في دول الأطراف المتخلفة مع هشاشة النظام السياسي ، وضعف تأثير المجتمع في الشأن العام ، إلا ما يكون من لحظات فورة سرعان ما تهدأ إذ ليس ثم من يقود ويوجه لغياب الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى وغياب الخطة التكتيكية قصيرة المدى .
    فقد يكون ذلك هو السيناريو المعد ، أن يحل الجيش ذو الولاءات القديمة ، أن يحل شيئا فشيئا مع تعزيز دور الميليشيات ذات الأيديولوجيا اليسارية ، وثم من يستحضر المشهد الإيراني ، فالمرشد الأعلى للثورة لما رجع إلى البلاد في 1979 لم يثق بداهة بجيش الشَّاهِ ذي الولاء الغربي الذي يخالف عن أيديولوجية الثورة فاستحدث لها حرسا ثوريا ، بعد انتهاء أحداث الثورة الرئيسة أواخر إبريل ، بعدها بنحو أسبوعين فقط ! ، تاريخ الإنشاء 5 مايو 1979 ، فبدأ كميليشيات من المتطوعة من الشباب المتعصب لأيديولوجية الثورة ، ثم صار قوة نظامية فاعلة اكتسبت خبرات عسكرية واسعة من الحرب مع العراق وتطورت شيئا فشيئا حتى صارت الآن القوة العسكرية والتقنية والاقتصادية الأبرز في البلاد ، مع تراجع دور الجيش ، وهو ما يظهر في أدوار الحرس الخارجية ، فيلق القدس وهو أحد فيالق الحرس مثالا فهو ذراع النظام الخارجية في الملفات السياسية والعسكرية ، مع نفوذ في الداخل عبر ميليشيات الباسيج ، بل وسيطرته على رئاسة الأركان العامة ، فرئيس الأركان الآن من قيادات الحرس البارزة .
    فَثَمَّ ، وهو محل الشاهد ، من يستحضر هذا المثال وَيَرُومُ إسقاطه على الحال في السودان ، ولكن ثم قدر فارق أن هذه الميليشيات الثورية كانت تدين بالولاء للفكرة التي تواطئ طبيعة المجتمع المحافظ ، بل وتشدده المذهبي المتطرف ، لا سيما في لحظات الثورة التي تشتعل فيها المشاعر ، ومن أشدها المشاعر الدينية .
    وأما اليسار في الشرق فهو ، في المقابل ، ضعيف التأثير في المجتمع فلا بد له من رافد من خارج ، إِنْ مِنْ يَسَارٍ أقوى وهو ما اضمحل مع انهيار المعسكر الشرقي ونهاية الحرب الباردة مطلع التسعينيات ، فصار القوم يَتَامَى يطلبون كفيلا ، ومن عجب أن الكفالة قد انتقلت في مواضع إلى نقيضه في الأيديولوجيا ، فوجد الغرب الرأسمالي الليبرالي فيه ضَالَّةً من ضَوَالَّهِ للتحكم في المشهد في الأطراف ، مصر مثالا وثم منه ما يُثِيرُ التَّنَدُّرَ أن بعض الصحف اليسارية المشهورة قد تلقت تمويلا من جهات استخباراتية أمريكية ، فالاستخبارات الأمريكية ، رمز الإمبرالية ! ، تمول اليسار المصري الثوري ضد الإمبريالية والرجعية ! ، ورئيس حزب يساري مشهور وقد صارت مِيتَتُهُ الملوكية مضرب الاعتبار في أغسطس 2017 في حمام بخار فاخر ! ، ذلك الرفيق اليساري المناضل الذي يفترض أنه يناجز الأيديولوجيا الدينية عموما لا سيما وهو محسوب على اليسار الراديكالي ، ذلك الرجل قد ثبت أنه قد تَلَقَّى باسم الحزب تمويلا كنسيا من الكنيسة الأرثوذكسية المصرية أو من داعميها من أبناء المهجر ، عشرة آلاف دولار ، وهو ما حكاه تلميذ من تلامذته من أبناء الكنيسة المصرية ، فهو شاهد من أهلها ، وقل مثله في كثير من نخب الصحافة والإعلام في مصر فكثير منهم يساري النشأة والتوجهِ القديم إبان الحقبة الناصرية بل هم من خرج في تظاهرات يناير 77 ضد قرارات الحكومة الرأسمالية ، وهم من عارض بروتوكول كامب ديفيد الأمني 1978 ومعاهدة السلام 1979 ، ثم دارت الأيام دورتها وظهر ما كان مستترا تحت دعاوى أيديولوجية لا ينكر الناظر أَنَّ لها أثرا في نفوس أولئك فلا زالت تشكل جزءا من قناعاتهم ، ولو آثار دارسة في الوجدان ، ولا ينكر الناظر أن من آحاد اليسار في الشرق مَنْ هو فاضل في نفسه ثَبَاتًا على المبدإ وإن خالفته الوجهةَ خلافًا حادا يَبْلُغُ حد التناقض ففضله في استمساكه بما يعتقد أنه حق ، وَفِي إِتْبَاعِهِ القولَ بالعمل ، وإن لم تكن على قوله فلا يمنعنك ذلك أن تُقِرَّ بِفَضْلِهِ فتلك حكومة العدل وهو ، كما تقدم مرارا من كلام بعض المحققين ، هو واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال وفي كل خصومة فهو قانون محكم لا ينسخ أبدا إِنْ مع موافق أو آخر يخالف ، فكان من آحاد أولئك من هو فاضل ، وكان في المقابل جمهور كبير من المرتزقة باسم الأيديولوجيا ، ممن اتجروا زمانا يطول بشعارات اليسار الكلاسيكية ضد الإمبريالية والرأسمالية والرجعية ... إلخ ، وربما لم يَثْبُتُوا إلا على مكافحتهم للرجعية الدينية التي تمثل عمق الهوية الرسالية في الشرق ! ، وأما الإمبريالية والرأسمالية ... إلخ فهم الآن ممن يَتَأَكَّلُ على موائدها ولو فتاتا ، فكثير منهم الآن يعمل في إطار وظيفي خادم للسلطة في مصر وهي في هذه المرحلة قد جمعت الاستبداد المركزي وربما واطأ ذلك نظريتهم السياسية القائمة على المركزية ، وجمعت الرأسمالية فهي تستثمر الأدوات اليسارية الكلاسيكة : أدوات الدولة المركزية ، تستثمرها في تحقيق مآرب رأسمالية وسياسية من النوع الليبرالي الحاد الذي يقوم على نظرية الاحتكار ، فضلا أن هذه السلطة هي ، في نفسها ، مخرج من مخرجات اتفاقيات التطبيع التي طالما تشدقوا بمعارضتها ، بل السلطة الآن تجهر أنها في أمن الجوار الصهيوني الذي طالما خاضوا معه المعارك ، وَإِنْ معاركَ الحناجر ، فكيف يستقيم ذلك مع قناعاتهم اليسارية المسبقة ؟! .
    ولو استرسل الناظر في نظرية المؤامرة لَرَجَّحَ كَمَا تَقُولُ بعض الأبحاث في الحركة اليسوعية ، ولا يخلو البحث من موضوعية في الطرح ، أن يُرَجِّحَ أن الشيوعية ضد الدينية هي نفسها من صنع اليسوعية الدينية الكاثوليكية أو هي رافد من روافدها في إطار التوازن بين القوى العالمية بما يحقق مصالح النخب المتحكمة في المشهد فهي تقضي في أحيان بوجود تباين أيديولوجي وسياسي وعسكري حاد ، فالرفيق ستالين ! كان في مبدأ أمره قسا كاثوليكيا أو طالبا في بعض معاهدها الدينية طلبا لمنصب ديني نصراني قبل أن يَقْرَأَ أدبيات ماركس في رأس المال ويتحول إلى المثال الشيوعي ضد الديني ، ولعله احتفظ مع ذلك بعلائق وُدٍّ مع المذهب القديم فهو الحب الأول الذي لا ينسخ أبدا ! .

    فاليسار في الشرق ، لا سيما المعاصر بعد انطفاء جذوة الأيديولوجية وغلبة المصالح السياسية ، اليسار في الشرق الآن ليس كثورة الملالي في إيران ، فاليسار لا يملك من العمق الأيديولوجي ما يملكه الدين في الشرق ، سواء أكان رساليا كما الحال في معظم أمصار الشرق أم مذهبيا كما الحال في إيران فذلك قدر فارق رئيس في بواعث الميليشيا الثورية في إيران ونظائرها من الميليشيا اليسارية في هذه الأعصار ، وتاريخها في الشرق المسلم ، لو تدبره الناظر ، ليس بالتاريخ السلمي ، فهي داعم رئيس لكثير من الانقلابات العسكرية في المنطقة ، والسودان مثال بارز فقد دعم اليسار انقلاب 1969 إلا آحادا من رموزه ، فكان الجمهور على تأييد الانقلاب على حكومة ديمقراطية منتخبة طبقا لمعايير السياسة المحدثة التي ينتحلها الجميع بل اليسار حريص أن يذيل أسماء أحزابه بلقب الديمقراطي ! ، فانقلب على حكومة منتخبة انتخابا ديمقراطيا في أعقاب ثورة أكتوبر 1964 ، انقلب عليها تَغْلِيبًا للأيديولوجيا الخاصة على المصلحة العامة ، فهي تقضي بدعم التجربة الجديدة لا الانقضاض عليها أو التحالف مع القوة العسكرية لإجهاضها على خلفية المناكفات الأيديولوجية ، فحكومة 1964 المنتخبة كانت ذات توجه رأسمالي في الجملة مع مسحة صوفية استنادا إلى أصولها المهدوية ، فكان دعم اليسار لانقلاب الجيش عليها أملا أن تنقلب هي الأخرى على الانقلاب فتستأثر بالسلطة ، وهو ما فعلت في محاولة الانقلاب في 1971 ، فكان الفشل وكانت تصفية السلطة لكثير من كوادر اليسار التي شاركت في هذه المحاولة ، وذلك من وجه ، ما يضاهي ما صنع اليسار في مصر بعد يوليو 2013 فقد استثمر المشهد في التحالف مع السلطة الجديدة على خلفيات من أبرزها : ضعفه الشديد أن ينهض بحركة تغيير دون استدعاء المجموع الوظيفي المسلح ، كما كانت حاله في السودان قبل انقلاب 1969 وكذلك كانت الحال في العراق إبان انقلاب 1958 ، فكان اليسار خلف الجيش بل وشارك في عمليات تصفية دموية في الموصل لقمع الانتفاضة أو التمرد في 1959 ، أيا كان الاسم فهو يختلف بين المؤيد والمعارض فالأول يسميها انتفاضة والثاني يسميها تمردا ، ولا يغير ذلك من حقيقة التاريخ شيئا أن ثم عمليات تصفية دموية وقعت في الموصل وكان لليسار فيها دور بارز قبل أن يدب الخلاف بينه وبين السلطة ، ويكون الصراع المكتوم حتى وقع انقلاب البعث 1963 الذي نكل بِالْيَسَارِ ولعله كان من عاجل العقاب لما اقْتَرَفَ في الموصل قبل ذلك بأربع سنوات ، ومثله يقال في السودان مع القدر الفارق في الدم المسفوك ، فقد دعم اليسار انقلاب 1969 ثم كان الجزاء أن لقيت قياداته حتفها على يد الانقلاب الذي دعمته ، فقد وقفت وراءه مؤقتا حتى يستتب الأمر ومن ثم تنقلب عليه ولكن الخطة لم تنجح ، وكان الإعدام والتنكيل ، وذلك ، لو تدبر الناظر في مشهد مجاور في الجزائر في زمن يقارب ، حقبة الستينيات ، وهي حقبة المد اليساري في الشرق ، ذلك ما كان في الجزائر إذ كَمَنَ اليسار حينا بعد الاستقلال وحكم من 1962 إلى 1965 من خلف ستار ، ستار الرئيس أحمد بن بيلا الذي تقمص شخصية اليسار لا سيما بعد استقراره في مصر ولقائه بالزعيم الخالد ! ، راعي حركة الانقلابات الثورية على الأنظمة الرجعية ، وراعي حركات التحرر مع عمل دءوب لاستيعابها وتوظيفها إما لصالح النظام الدولي أو لصالحه الإقليمي أو لكلا الوجهين ! في إطار ما تقدم مرارا من تراكب المشاهد السياسية المعاصرة ، فليست ذات لون واحد ، وليست ذات رافد واحد بل تؤثر فيها جملة أسباب فهي نِتَاجُ مَا بَيْنَهَا من تكامل وتعاضد في أحيان وتعارض وتدافع في أخرى ، فكان حكم الرئيس بن بيلا الذي تقمص ، كما تقدم ، شخصية اليسار ، كما كان يظهر من لباسه الاشتراكي ، فوجد اليسار فيه ضالته ، وهو ما لم تخلص مكوناته فلم يكن يسارا خالصا وإنما كان على أنحاء وإن تظاهر الجميع باليسارية إذ كان لها الصوت الأعلى في انقلاب 65 الذي نجح في الجزائر ولم ينجح في السودان ، محاولة 1971 آنفة الذكر ، فاستلم اليسار الحكم في الجزائر في يونيو 1965 ، وظهرت خصومته المكتومة للناصرية في مصر ، وكذلك كان الشأن في العراق في محاولة 1959 التي حظيت بدعم مصر في محاولة للسيطرة على العراق وضمان التبعية كما كانت الحال في الجزائر قبل انقلاب 1965 ، فالناصرية كررت التجربة في مشاهد فشلت في أغلبها ، وإن نجحت نجاحا جزئيا في اليمن على خلفية الصراع بالوكالة بين نظام الإمام والنظام الجمهوري ، فدعمت الملكية في الجزيرة العربية الحكم الإمامي الأقرب إليها في الأدبيات السياسية وإن خالف عنها في الأدبيات الأيديولوجية ، وعند الشدائد تذهب الأحقاد الأيديولوجية وتحضر المصالح السياسية الناجزة ! ، ودعم النظام الجمهوري في مصر الثورةَ أو الانقلاب في اليمن ، وكان ما كان من استنزاف القوة العسكرية المصرية في اليمن قبل الإجهاز عليها في يونيو 65 ، فَثَمَّ فشل آخر في العمل العسكري أسهم في إنجاز 5 يونيو 67 بأقل خسائر فكان التأديب الناجز للوكيل الوظيفي الذي خرج عن النص فكان إرجاعه على الفور إلى جادة النص المكتوب ! ، فالنجاح في اليمن لم يجاوز حد الإعلان الرسمي لقيام الجمهورية التي تحمل لَقَبًا يُغَايِرُ عن الملكية وإن احتفظت بروحها في الحكم ، فضلا أنها لم تخل من تأثير ونفوذ كبير للملكية حتى آخر أيام الحكم قبل اندلاع حراك فبراير 2011 ، وما بعده ، فلا زال المشهد حتى الآن تحت سيطرة القوى الإقليمية المجاورة لليمن مع دخول إيران طرفا جديدا في الخصومة فهي بديل الناصرية وإن لم تخطئ حتى الآن خطأها أن تَنْجَرَّ انجرارا كاملا لساحة وعرة كاليمن فاكتفت بالدعم اللوجستي والتدريب خلاف ما كان من الخصم الذي انجر على تفاوت إلى هذا المشهد الوعر ، وإن كان ثم من فطن فَلَجَأَ إلى ما تقدم من حيلة الميليشيات المدمجة في الجيش النظامي تمهيدا لتفكيكه ومن وراءه البلاد إلى شمال وجنوب فتلك غاية استراتيجية للأنظمة الوظيفية في الجزيرة العربية ، فلا يمكن أن تستقر إلا واليمن ضعيف مفكك ، إذ اتحاده تحت أي اسم يقض مضاجع السلطة في الإقليم الخليجي ، فلا تستقر الأنظمة الملكية أو الوراثية إلا والأجوار ضعيفة هشة ، اليمن ومصر مثالا على الجوار القريب ، وليبيا آخر على الجوار البعيد ، فهي ، من هذا الوجه ، تضاهي كيان يهود ، الكيان الوظيفي الأم فلا يستقر إلا في بيئة استراتيجية عمادها ضعف الجوار وهشاشته .
    فما وقع في اليمن في سبتمبر 1961 ، من انقلاب أو ثورة ، ذلك نجاح سياسي رمزي بطعم الفشل العسكري نالته الناصرية من تدخلها في اليمن ، ، وهي ، من وجه آخر ، قد فشلت في السيطرة على الأردن ، محاولة الانقلاب في 1957 ، وفشلت في السيطرة على العراق بدعم حركة 1959 ، وفشلت في السيطرة على سوريا بعد فشل تجربة الوحدة 1961 ، وفشلت في السيطرة على الجزائر إلا ثلاث سنوات قبل انقلاب 65 والذي كان من أسبابه التذمر من التدخل المصري السافر والخضوع الكامل أو الغالب من قِبَلِ الرئيس بن بيلا ليد المنة الناصرية عليه وهي ، أيضا ، مما كان على السلطة الجديدة بعد 1965 ، ولكنها كانت أكثر ثورية فأرادت الانعتاق من التبعية الناصرية واستأنفت مشروعا جديدا أشد راديكالية وحققت كثيرا من النجاحات السياسية والاقتصادية ، ولكنها لم تخرج عن كلاسكيات اليسار الثورية ، فدعم الانقلاب من وراء ستار أو القيام به مباشرة ثابت رئيس في المشروع اليساري الثوري وإن ذَيَّلَ اسمه ، كما تقدم ، باللقب الديمقراطي ! ، وهو ما اندثر بعد ذلك بِوَفَاةِ الرئيس هواري بو مدين ، رمز المرحلة اليسارية ، فخرج من عباءته بعد ذلك من نسخ آثار المشروع اليساري بآخر رأسمالي ، وكان نظام 99 بعد ذلك وهو نظام رأسمالي نخبوي إذ تحكم من خلاله نخبة استأثرت بالقوة العسكرية والاقتصادية ، كان هذا النظام من إفرازات الحقبة اليسارية ، فوزير خارجيتها هو من تقلد الرئاسة بعد ذلك ، عشرين عاما ، حتى كان حراك التغيير في فبراير 2019 .
    والشاهد أن اليسار في الشرق يغلب عليه الضعف إذ يُقَدِّمُ لا سيما في الأمثلة الراديكالية الحادة ، يُقَدِّمُ طرحا يجافي عن هوية الشرق الرسالية المحافظة ، فلا يمكن أن يصل إلى السلطة عبر إجراء انتخابي ، ولو ديمقراطيا يحمل اليسار لقبه ، فهو أول من يخالف عنه ، فلا يمكن أن يصل إلى الحكم إلا عبر طرق من أبرزها : الوقوف خلف انقلاب عسكري ، العراق 1959 ، والسودان 1969 ومصر 2013 أمثلةً ، أو الحكم المباشر بالحديد والنار الديمقراطي ! اليمن الجنوبي مثالا عبر الاسم الديمقراطي الكلاسيكي : جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ويقاربه انقلاب الفاتح من سبتمبر 1969 وإن تمسح بالأيديولوجيا اليسارية إذ كانت هي الأبرز في تلك الحقبة وكذلك انقلاب 1965 في الجزائر وإن كان أكثر إخلاصا للأيديولوجيا اليسارية .
    فإما الوقوف خلف انقلاب عسكري ، وإما الحكم المباشر ، وإما الدعم الخارجي ، ولو من طرف رأسمالي بل وليبرالي ! ، السودان الآن مثالا وكذلك الشأن في تونس بعد تسمية رئيس الوزراء الجديد ، فالمرشح لرئاسة الوزراء قبله لم يحظ بالثقة إذ لم يحظ بثقة النظام الدولي ومن وراءه الوكيل الإقليمي الذي يملك تأثيرا كبيرا في المشهد السياسي والإعلامي ، فلئن خرج منصب الرياسة عن السيطرة المباشرة ، فكان الانتخاب حرا وأفرز اختيارا أقرب إلى الحقيقة فهو يحكي طموح المجتمع في تغيير مؤثر بعد فشل النخب القديمة ورجوع الدولة القديمة في شخص الرئيس الراحل ورئيس وزرائه ، فكانت محاولة المجتمع أن يؤثر في المشهد ، وقد نجح في مشهد الانتخاب ، كما نجح المجتمع في مصر في يونيو 2012 ، وفي مصر كان التغيير الخشن ، وفي تونس الآن يجري التغيير الناعم بإفراغ اختيار المجتمع من مضمونه ، فاختار المجتمع الرئيسَ اختيارا رمزيا ، إذ لا يملك حتى الآن تأثيرا فاعلا يغير تغييرا جذريا في مشهد السياسة والاقتصاد ، واختار النظام الدولي والوكيل الإقليمي اختارا رئيس وزراء يحار الناظر في تصنيفه الأيديولوجي والسياسي ، فهو كنظيره السوداني الذي وفد من الغرب الرأسمالي ليقود مشهدا يساريا ثوريا فأعطاه الفسحة أن يستأصل الأيديولوجيا المخالفة بإجراءات حادة مستفزة ولكنه بداهة لم يعطه هذه الفسحة في الاقتصاد فهو وكيل النظام الدولي الرأسمالي فلئن استعان بالجناح اليساري فهو يستعين بالأيديولوجي منه وربما العسكري في مرحلة لاحقة ، دون السياسي أو الاقتصادي في إطار ما تقدم من إحلال وتبديل متدرج يُغَيِّرُ أيديولوجيا الجيش وَبِنْيَتَهُ شيئا فشيئا وهو ما يعزز النَّزَعَاتِ الانفصالية في الأطراف لا سيما واليسار لا يعرف الهزل في سفك الدم ! فهو يُنَفِّرُ أي شريك في قسمة سياسة أو اقتصاد لميوله السلطوية التي ينبز بها أبدا خصومه ولئن صحت التهمة في حقهم واحدة فهي في حقه عشرة وتاريخه الدموي الأممي الناصع على ذلك خير شاهد ، وهو ، من وجه آخر ، ما قد يفضي إلى احتراب أهلي على قاعدة أيديولوجية إذ يستفز المجتمع المحافظ بطرحه الراديكالي المتطرف ، وذلك ، كما تقدم ، ذريعة قوية لرجوع النظام القديم باسم النصرة للهوية والدين وهو ممن يجيد اللعب بهذه الورقة .

    والشاهد أن رئيس وزراء تونس الجديد ، أو الذي سُمِّيَ حتى الآن ، وَيُتَوَقَّعُ أن يَنَالَ الثقة فالجميع قد اتفق عليه : اختيارا ممن يشاطره الأيديولوجيا والتوجه السياسي واضطرارا من القوى الإسلامية التي تَتَحَسَّسُ أبدا رقبتها فلا تروم تكرار المشهد المصري في يوليو 2013 وما بعدها وذلك ما يُقَيِّدُ حركتها هذا التقييد الظاهر ، فهي كالرئيس الحالي فهو حتى الآن بلا رياسة ، وهي الأكثر عددا في المجلس النيابي والأضعف أثرا في الشأن السياسي والاقتصادي ، فرئيس الوزراء التونسي آنف الذكر ينتحل اليسار مذهبا في الفكر والسياسة ، بل هو ، كما ينقل بعض الصحفيين الاستقصائيين ، ينتمي إلى حركة اشتراكية دولية فهو وكيلها المحلي في تونس ! ، وهو ، مع ذلك ، ربيب الرأسمالية الغربية ، فهو من موظفي شركة توتال إحدى الشركات المحتكرة لسوق الطاقة في العالم ، فَجَمَعَ النقيضين ! ، وحظي بدعم النظام الدولي إذ يأمن أيديولوجيته اليسارية فإنها لا تظهر ، في العادة ! ، إلا في معارك الهوية العلمانية ضد الدينية فلا تظهر إلا في مسائل من قبيل : المجاهرة بالفطر في رمضان ، وحقوق الشواذ ، والتسوية بين الذكر والأنثى من الأبناء في الميراث ..... إلخ من تلك الآراء المستفزة لهوية المجتمع التي تَسْتَدْرِجُ قِوَاهُ الفاعلة وَتَسْتَنْزِفُهَا في هذه المعارك الفكرية ، وأما السياسة والاقتصاد فهو ، بداهة ، على ما اختار النظام الدولي : تَبَعِيَّةً كاملة في السياسة ورأسمالية ليبرالية في الاقتصاد انطلاقا من نظرية اصطلح بعض الكتاب في تونس أن يطلق عليها : نظرية الفتيان الذهبية ، وهم من وفد على البلاد العربية التي قامت فيها حركات الاحتجاج والمطالبة بالتغيير مطلع هذا العقد من أواخر 2010 وحتى الآن ، فالنظام الدولي قد درب كوادره وأعدهم في محاضنه ، مراكز البحث وشركات التجارة والصناعة متعددة الجنسيات التي يفوق أَثَرُهَا في أحيان كثيرة أَثَرَ الحكومات الرسمية ....... إلخ ، فأعدهم النظام الدولي لمثل هذه المضائق ، فَوَفَدَ منهم جمع كبير متكاثر في السياسة والاقتصاد ...... إلخ ، وكثير منهم ، كما يتندر ذلك الكاتب التونسي ، كثير منهم مزدوج الجنسية ، رئيس وزراء السودان الآن ، ورئيس وزراء تونس السابق ، ورئيس تونس الراحل ، وهو ما يتردد الآن في حق الاسم المرشح لتولي رئاسة وزراء تونس ، فيحكمون بلادا بجنسيات أخرى تظهر آثارها ، بداهة ، ولو في الفكرة ، فضلا أن تجاوز ذلك إلى التدخل الصريح في الشأن الداخلي .
    فلا زال الإشكال قائما كما الحال في مصر : أن المجتمع غائب قد انصرف إلى شأنه فليس يحترف السياسة عملا ، فَخَلَتِ الساحة وصارت نَهْبًا لكل مغامرٍ ، فلم يحضر المجتمع مشهد السياسة لا بالحس وجودا في الشارع ولا بالمعنى فَرُوحُهُ في الفكرة والسياسة غَائِبَةٌ بل ومستهدفةٌ من نخبة أيديولوجية جاءت تُصَفِّي حساباتها مع الفكرة الرسالية التي تشكل وجدان المجتمع بذريعة أنها تصفي أيديولوجية النظام البائد الذي قارف ، كما تَقَدَّمَ ، الجرم الأعظم أن أعطى الذريعة لما يراه الناظر اليوم إذ نسب تقصيره إلى الوحي وأكثر يستشهد من آيه وأخباره في كل مشهد دعائي أو سياسي وهو يخالف عنه ، فَتَصَيَّدَ مَنْ تَصَيَّدَ من الخصوم ونسب هذا التقصير إلى الرسالة فصارت هي الهدف المستتر فالمعلنُ منه هو النظام البائد ، بل ثَمَّ من رموز النخبة الجديدة من يصرح فلا يُكَنِّي فَلَيْسَ للرسالة بعد اليوم دور في حكم المجتمع ، فإما أَنَّ الخيار هو التفكيك آنف الذكر ، وإما أنه استعادة النظام القديم مرة أخرى على وزان ما وقع في مصر ، فَتَشْوِيهٌ للنخبة الحاكمة التي تعطي الخصم الذرائع بما تقارف هي الأخرى من جرائم في حق الهوية والأيديولوجيا فضلا عن فشل اقتصادي ظاهر ومن عجب أنها يساريةٌ يفترض أنها تولي الجانب الاجتماعي مزيد عناية ، وهي ، مع ذلك ، تطبق الإجراء الرأسمالي الليبرالي كما الحال في مصر : رفع الدعم وتعويم العملة .... إلخ من الإجراءات الرأسمالية القياسية فضلا عن تعويضات تدفعها لواشنطن طوعا لِتُحْذَفَ من قائمة رعاية الإرهاب فمن عجب أن يساريا ثوريا يدفع لِيَمِينِيٍّ رأسمالي إمبريالي ...... إلخ من المصطلحات التي يَزْخَرُ بها قاموس اليسار السياسي ، فذلك ما يُعْطِي النظام القديم لا سيما وهو يحسن استخدام هذه الورقة ، الورقة الدينية ، ذلك ما يعطيه الذريعة أن يَرْجِعَ من جديد بِتَفْوِيضٍ من المجتمع الذي ثار عليه بالأمس ليستنقذ أيديولوجيته من هذه المذبحة ! .
    فَلَوْ حَضَرَ المجتمع في أي مشهد وهو ، أبدا ، الغائب الأكبر ، لو حضر لكفى المؤنة إذ يكون الخيار خياره حقا فلا يتحدث أحد باسمه وذلك ما يَرُدُّ الأمر إلى ما تَقَدَّمَ مرارا من حتمية استعادة المجتمع لزمام الأمر وامتلاكه أدوات القوة المادية والمعنوية التي تقصدت السلطة المركزية في مثال الدولة الحديثة أن تَسْتَلِبَهَا منه حتى قال من قال في توصية من توصيات النظام العالمي أن تجريد الشعب من السلاح في هذه الأيام أعظم أهمية من دفعه إلى الحرب ، فدفعه إلى الحرب والاقتتال الأهلي هو الخيار الأخير إن فشلت السلطة المركزية في حكمه ، فإما أن تحكمه وإما أن تَقْتُلَهُ ! فتلك نظرية الحكم المستبد ، حكم النخبة التي يَقُولُ عنها بَعْضُ مُنَظِّرِي الغرب الديمقراطي الحر ! : إن الحجج المؤيدة لحكومة تديرها النخبة لا يمكن دفنها ..... إن حكم الشعب ممكن لكنه بعيد الوقوع ! ، فالنخبة أبدا تمارس الوصاية على المجتمع الجاهل المغفل الذي لا يدرك مصلحته ، فالنخبة هي من يُدْرِكُهَا وإن كانت قِلَّةً مُنْعَزِلَةً : مجموعا وظيفيا يحكم ، أو نخب فكر وسياسة تُنَظِّرُ فلا جِذْرَ لَهَا في المجتمع يضرب ، إذ تخالف عن روحه في الفكر والأخلاق وأعراف الاجتماع وعوائده .
    والشاهد أن الكيان السياسي الوظيفي الذي لا يمثل المجتمع تمثيلا حقيقيا هو المغنم السهل لأي قوة دولية أو إقليمية أن تحتضنه وتكفل له تمثيلا سياسيا مقبولا في الخارج نظير ما يَبْذُلُ من أثمان كبيرة في السياسة والاقتصاد ، فالمكفول المدعوم لكافله وداعمه تَبَعٌ ، سواء أكان ذلك صراحة أم ضمنا ، وسواء أكان الكافل والداعم ذا قِيمَةٍ ومبدإٍ أم مجردا من ذلك فَبَاعِثُهُ الأوحد هو المغنم ، فَفِي جميع الأحوال لا يخلو المكفول من يَدِ مِنَّةٍ لكاهله تُثْقِلُ فَلَا بُدَّ من ثمن يُبْذَلُ ، وهو ما دفعه النظام الوظيفي في دمشق إذ أعاد لروسيا وجودا فاعلا شرقَ المتوسط ، وذلك ما سار النظام الوظيفي في مصر الآن على جَادَّتِهِ ومن وراءه التمرد في بنغازي شرق ليبيا ، فَكُلٌّ قد أعطى الذريعة لروسيا أن تُوجِدَ مَوْطِئَ قَدَمٍ ثانية جنوب المتوسط ، فهي الآن تطوق أوروبا من أكثر من موضع ، ومن عجب أن بعض أعضاء الأطلنطي كتركيا ، وبعض أعضاء الاتحاد الأوروبي كفرنسا ، من عجب أنهم يَتَحَالَفُونَ أو يُنَسِّقُونَ على أدنى تقدير مع روسيا : العدو الرئيس لحلفهم الأطلنطي وذلك ما يحكي ضعفا فيه وَتَرَهُّلًا يخرج به عن قواعد النظام الدولي الذي استقر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وازداد استقرارا بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار القطب الشيوعي في الشرق ، فالقطب الرأسمالي الآن في الغرب يَتَآكَلُ ، وهو ما يحكيه سلوك واشنطن الراهن إذ تَرُومُ العزلة والانطواء ، وهو ما يضعف مؤسسات النظام الدولي الراهن ، كالحلف الأطلنطي وهو ، كما تقدم ، من أَبْرَزِ مخرجاتِ الصراع العالمي منتصف القرن الماضي ، فهو الآن يضعف ويتآكل وإن تَدَرُّجًا بطيئا لا يكون دفعة ، كما تقدم مِرَارًا من السنن الرباني المحكم في نشوء الأمم والدول وزوالها .

    فَالتُّرْكِيُّ والفرنسي ، كما تقدم ، يُنَسِّقَانِ مع الروسي في مواضع وإن اختلفا معه في أخرى ، فَالتُّرْكِيُّ يُنَسِّقُ مع الروسي في بلاد الشام ويخالف عنه في ليبيا ولو على حذر ألا ينجر إلى حرب استنزاف بالوكالة لا سيما والخصم على الجانب الآخر في بنغازي يُجَنِّدُ من المرتزقة ما يُجَنِّدُ ، وخلفه قوى في الإقليم تدفع المال ، كما حال الخليج ، وأخرى تُجِيدُ اصطناع المرتزقة كما الحال في روسيا فهي معقل رئيس من معاقل المرتزقة في الحرب وعلى خطاها يسير النظام الوظيفي في مصر الآن مع ما يَقَعُ تِبَاعًا من تفكيك متدرج للقوة العسكرية النظامية وتحولها إلى ميليشيا شبه نظامية تمارس الحرب بالوكالة ، وليس ذلك مما حَدَثَ لَهَا وَاسْتَجَدَّ فهو مسلك مطرد ، بل قد كان أكثر وقاحة في الحرب العالمية الأولى ، ثم انحسر ، ولو جزءا ، لا سيما في أعقاب يونيو 67 وما كان من حراك أكتوبر الذي أخرج القوة ، ولو بعضا ، عن دورها الوظيفي المباشر ، ولو على مستوى الفعل العسكري المباشر على الأرض ، فالقيادة أبدا لم تخرج عن دورها الوظيفي الذي سَنَّهُ لَهَا النظام الدولي ، ثم عاد أخرى بعد ذلك ، حرب الخليج الأولى 1990 مثالا فقد كان للقوة العسكرية المصرية دور وظيفي يضاهي دور الميليشيا المرتزقة ولو بدرجة نظام ودولة ! ، ولكنه لم يكن ، مع ذلك ، كما الحال الآن التي يمارس فيها الكيان العسكري الوظيفي دوره صراحة ، فهو يسهم في تعزيز البيئة الاستراتيجية لكيان يهود الوظيفي ، الوكيل لأول للنظام الدولي في الشرق الإسلامي ، قول هرتزل رمز الحركة الصهيونية المعاصرة دليلًا مُؤَكِّدًا : إن وافقت بريطانيا على مشروعه الاستعماري الاستيطاني في الأرض المقدسة فسوف تحصل على عشرة ملايين تابع أو عميل سري يمكن للنظام الدولي الاعتماد عليه في إدارة الشرق ، وبريطانيا آنذاك لا زالت على رأسهِ وإن في أواخر أيامها ، فذلك كيان وظيفي بدرجةِ دولةٍ نَشَأَ في بيت المقدس واستوفد الجموع وجيش الجيوش نيابة عن النظام الدولي ثم آلت الترَّكِةُ إلى واشنطن مركزِ القيادة الجديد مع ما كان من الإرث البروتستانتي ذي النفس التوراتي .
    فَثَمَّ الآن من الأدوار الوظيفية ما تُفْصِحُ عنه الأنظمة التابعة في الشرق فلم يعد ثم ما تستحي منه إذ الشعوب في أضعف أحوالها الفكرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وكل شيء ! إلا ما رحم الرب ، جل وعلا ، ومنها نظام السياسة والحرب في مصر فهو يَلْعَبُ الآن أَكْثَرَ من دورٍ وظيفي غايته تَوْسِيعُ بِيئَةِ العمل الاستراتيجية التي يَتَحَرَّكُ فيها كيان وظيفي آخر ! ، وإن أَعْلَى رُتْبَةً ، وهو كيان يهود في بيت المقدس ، في ظل تَرَاتُبِيَّةٍ هرمية محكمةٍ يَتَشَكَّلُ منها النظام الدولي الحاكم ، فَثَمَّ تابعٌ وثم تابعُ تابعٍ ، وَثَمَّ تابع محترم وآخر مُهَزَّأٌ ! .

    فَثَمَّ ، كما تقدم ، تنسيق بين روسيا وتركيا لا يبلغ حد التحالف إذ ثم تخالف في مواضع ، ليبيا مثالا آنفا ، وكذلك الشأن في تَنْسِيقِ روسيا مع فرنسا ، فَثَمَّ تنسيق في ليبيا وإن كان أَضَّرَ بالحلف الأطلنطي من تَنْسِيقِ روسيا مع تركيا فَفَرَنْسَا عضو مؤسس في الحلف ، وهي من المنتصرين في الحرب العالمية الثانية ، وقد يكون ذلك ، من وجه ، ولو تَبَعًا لا أصلا ، قد يكون مناكفة لإيطاليا في إطار تصارعهما على اقتسام ليبيا ، فالشرق ، كما يقول بعض المفكرين ، لفرنسا فهو طريقها إلى مستعمراتها القديمة في قلب القارة الإفريقية ، والغرب ، في المقابل ، لإيطاليا إذ هو لها أقرب ، فإيطاليا لا تملك من قوة التأثير على الأرض ما تملكه تركيا ، وإن كان كلاهما يدعم جبهة طرابلس ، وألمانيا تدير المشهد نيابة عن أمريكا ، وأما الدور الخليجي والمصري فلا اعتبار به في الجملة ، فهو دور وظيفي تابع قد يَتَحَمَّلُ من الأعباء المادية والبشرية كَثِيرًا فَطَرَفٌ يمول وآخر يجند ، ولكن كليهما في الذيل يَقْبَعُ إذ لا وزن له في السياسة يُؤْبَهُ ، فهو تابع في هرم سلطة لا يملك أن يخرج عن قرار النخبة التي تقبع على قمة الهرم ، فالأمر يجاوز الكيان الوظيفي في مصر ويجاوز من يعمل لحسابه فهو يُقْضَى في دائرة أعلى ، ومن ثَمَّ يكون تَمْرِيرُ القرار إلى الدوائر التالية ، ولو من طرق غير مباشرة إذ ثم خطوط حمراء في الكليات ومسارات محكمة لا تخرج عنها التوابع ، فكلها يشترك في وصف التَّبَعِيَّةِ ، ولكنها تَبَعِيَّةٌ هرمية ذات تَرَاتُبِيَّةٍ حادة ، فَهِيَ تنظيم سياسي بقواعد عسكرية صارمة ، ولكلٍّ في هذا الهرم موضع يضاهي قوته في التأثير وقدرته على التسيير لمن تحته بما يضمن تماسك الهرم الذي يقبع على قمته صاحب القرار الأول ، فمن بعده توابع لا أكثر ، وإن تَفَاوَتَتْ رُتَبُهَا فهي لا تَتَحَكَّمُ مباشرة إلا فيمن تحتها ولا يُطْلَقُ لَهَا ذلك إلا بما يحقق مصالح المنظومة كاملة ، فلا اجتهاد مع نص ، وإن كان ثم اجتهاد فلا يجاوز أصول المذهب ، فهو اجتهاد في دائرة العمل الوظيفي ، وإن كان ثم خلاف في تفاصيل ، بل قد يَزِيدُ فَيَبْلُغُ في مراحل حد الخلاف في قضايا رئيسة ، ولكن ذلك لا يكون ، في العادة ، مبدأَ الأمر ، فيد المنة في بَوَاكِيرِهَا يد ثقيلة تجعل التابع يخضع خضوعا تاما أو غالبا لا سيما إن لم يكن ذا خبرة في السياسة ، فلا يحسن فَنَّ العمالة ! ، فلا بد أن يحتفظ التابع بهوامش مناورة أو ابتزازٍ إن لَزِمَ الأمر ، فإن ألقى بالأوراق على طاولة واحدة ووضع البيض كله في سلة الراعي الإقليمي أو الدولي ، فذلك ما يفضحه على مدى لا يطول ، إذ يظهر ضعفه الشديد أمام صاحب المنة ، فَيَدُهُ ، كما تقدم ، ثقيلة ، لا سيما إن كان وضيع النسبة فالأمر يجاوز حد التوظيف والانتفاع إلى التركيع والإذلال لمن كان يوما فوقه فإذا نجح في شراء ولائه فصار له تابعا فتلك مصيبة الدهر ، فلا يملك التابع أن يعترض وإن أُهِينَ وَابْتُذِلَ إذ لا يملك أي هوامش تحفظ حشمته ولو في البروتوكول السياسي الذي يَتَقَصَّدُ فيه المتبوع إهانة التابع ، فلا يخلو أي بروتوكول سياسي في تَرْتِيبِ الصفوف أو استقبال الضيوف أو صور الصحافة التذكارية لا يخلو من رسائل سياسية ، فموضع القائد يخالف بداهة عن موضع التابع فلكلٍّ مقام معلوم حيث انْتَهَى أَثَرُهُ في السياسة والحرب والاقتصاد ، ولكلٍّ طموحه الذي يحكي همته وحنكته ، وكلما كان التابع الوظيفي أضعف كان تَرْتِيبُهُ في الصف المؤخر ، فلا يمكن ، بداهة ، أن يَبْرَأَ من تهمة العمالة والتبعية الوظيفية ، لا سيما وهو في موقع السلطة ، وقراراته صدى لصوت الداعم والممول ، فصوته أعلى إذ يده أعلى ، وهو ما يظهر في منابر السياسة والإعلام التي تَتَبَنَّى خياراته السياسية والاقتصادية ، فَتَتَحَوَّلُ السلطة ، كما الحال في مصر ، إلى تابع وظيفي من الدرجة الثانية ، وهو ما يضعف هيبتها ويذهب حشمتها ، فالمجتمع بين ساخط وساخر ، وهو ما يلجئها إلى العنف الزائد ، وذلك قانون آخر يطرد ، فكلما زادت تَبَعِيَّةُ السلطة للخارج زَادَ عنفها في الداخل فلا يكون ولاؤها للخارج إلا على حساب الداخل الذي تَتَرَدَّى أحواله المادية والمعنوية ، فَتَتَّسِعُ دائرة الخصومة مع فشل السلطة في تَوْفِيرِ حَدٍّ أَدْنَى من العيش الكريم ، ولكلٍّ وجهته في ذلك ، فَثَمَّ من يقتصر على الاحتياجات المادية فإن مُنِحَ رضي وإن مُنِعَ سخط ، فيصدق فيه الأثر : "تَعِسَ عبدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ" ، المثال الرِّيعِيُّ في الممول الخليجي للسلطة في مصر الآن مثالا ، وإن بدأ الفقر يَظْهَرُ رغم الوفرة فالمثال الرأسمالي الحاكم للنظام الدولي المعاصر وتوابعه في الأطراف وإن ثَرِيَّةً ذات وفرة ، هذا المثال في نفسه يُفْرِزُ ظاهرة الفقر إذ يرعى الاحتكار ويخضع لرءوس الأموال الحاكمة التي تَلْعَبُ دَوْرًا رَئِيسًا في صناعة القرار ، فتكون الزيادة في الوفرة رقمَ نموٍّ لا يعكس عدالة التوزيع ولا يحقق التنمية الاجتماعية ذات الأبعاد الأخلاقية ، فَرَأْسُ المالِ في هذا المثال : بلا أخلاق ، إلا الأخلاق البراجماتية الانتهازية ، وإن كان أداؤه في المركز أفضل ، وكذلك الشأن في الأطراف ، فأداؤه حال الغنى أفضل ، ولكنه في جميع الأحوال يُفْضِي إلى بُرُوزِ الفقر ظاهرةً تَتَرَاكَمُ ، وهو ما انْتَقَلَ إلى التابع ، من باب أولى ، فحاله أسوأ وَتَرَدِّي الأحوال فيه أظهر .
    وثم من يسخط هذا المثال الوظيفي التابع انطلاقا من حاجة أخلاقية تجاوز حاجته المادية ، وإن كانت الاحتياجات المادية محل اعتبار ، فَتَحْقِيقُ الكفاية فِيهَا وظيفة رَئِيسَةٌ من وظائف أي سلطة حاكمة .
    وَثَمَّ من جمع الاثنين ، فهو ساخط لتردي الأحوال المادية والمعنوية معا ، فلا لقمة تسد الجوعة ولا حشمة ولا هيبة ، كما الحال في الكيان الوظيفي الحاكم في مصر الآن ، فيصدق فيه قول أبي الطيب :
    لا خَيْلَ عِندَكَ تُهْديهَا وَلا مالُ ******* فَليُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لم تُسعِدِ الحالُ .
    فلا خيل ولا مال ، ولا دين ولا دنيا ، ولا لقمة ولا حشمة ، ولا عذر إذ يصدر في كل إخفاقٍ عن مَرْكَزِ السلطة ، فهو الحاكم المطلق الذي استبد بأسباب القوة والثروة ، وليس الفشل الذي يَتَكَرَّرُ تِبَاعًا ، وإن في قضايا المصير ، سد النهضة مثالا فهو محل إجماع عند كل مَنْ يَعْقِلُ وإن في دَوَائِرِ السلطة وَمَنْ يُوَالِيهَا ، فكل أولئك ما يجعل التهمة إليه تَتَوَجَّهُ ، فهو كيان مستأجر لا سيما في مواضع التأثير السياسي والعسكري والاقتصادي المباشر ، وهو الآن قد انْتَقَلَ من درجة وظيفية أولى إلى أخرى أدنى ، فهو تَابِعٌ لِتَابِعٍ في الإقليم يَتَبَنَّى نظرية الاستئصال الراديكالية انطلاقا من خصومة أيديولوجية لروح الحضارة في الشرق ، فهو المثال العلماني ضد الديني ، أو ضد الرسالي ، وهو ، كما تقدم ، مثال صِفْرِيٌّ يَتَّسِمُ بالحدة في الفعلِ وَرَدِّ الفعل ، وهو ، من وجه آخر ، مرآة تعكس صورة أيديولوجية وسياسية في الكيان الوظيفي الأقوى الآن في الشرق ، كيان يهود ، مع أنه وافد لا أصل له ، فلم يكن لِيُحَقِّقَ مآربه إلا بدعم كيانات وظيفية لا أصول لها في حضارة الشرق ، فَثَمَّ مجاهيل العين والحالِ من أراذل الخلق ، فَلَيْسَ ثَمَّ دِينٌ يَعْصِمُ ولا نَسَبٌ يزجر ، فمن لم يعصمه الدين عصمَه النسب فلا يقارف الجناية خشية المعرة ، فإذا انْتَفَى الْوَازِعَانِ : الدين والنسب فَالتَّابِعُ أَسْلَسُ فِي القيادِ .
    فَالنَّظَرِيَّةُ الاسْتِئْصَالِيَّةُ نَظَرِيَّةٌ صِفْرِيَّةٌ حادة يُجَاوِزُ انقلابها ما قَدْ يَتَبَادَرُ مِنِ اصطلاح السياسة الحديث ، فَثَمَّ انقلاب في معايير القيم الحاكمة ، معايير الحسن والقبح ، وهو ما تظهر آثاره في السياسة والحرب ، فَتَتَحَوَّلُ الدولة ذات الحد الأدنى من المؤسسات إلى كيان وظيفي ذِي ميليشيات ، فبيئة العمل الآن : بيئة الفوضى التي تصنع محيطا رخوا لا يجاوز دوره دور الحراسة ، وذلك ما لا يستوجب قوة عسكرية نظامية ذات ولاء محكم ، أيديولوجي أو سياسي ، فيجزئ في الحراسة ميليشيا ذات ولاء مستأجر ، فلا بد من معيار حُسْنٍ وَقُبْحٍ جديد يحكم حَرَكَتَهَا في الخارج ، فتكون المصلحة المادية المباشرة هي الباعث فهي التي تحرك العنصر الوظيفي ، فَيُقَاتِلُ نِيَابَةً عن الأصيل ، ولكلِّ عنصر من المخصصات المادية ما يضاهي رُتْبَتَهُ السياسية أو العسكرية فتلك نظرية تستغرق الهرم كله ، فصانع الولاء وباعث الحركة هو المصلحة المادية في أضيق صورها .

    فَثَمَّ تغيير حاد في الفكرة ، فهي الفكرة العلمانية الراديكالية ، وثم تغيير حاد في الحركة فباعثها المصلحة المادية ، فتلك صفة الحزب الذي تَدْخُلُ مصر الآن فيه تَابِعًا ثانيا ، وهو ما انْعَكَسَ على الملف الأشد إيلاما في مصر الآن : ملف المعتقلين ، فَعِنْوَانُهُم الْأَبْرَزُ : عنوان الأيديولوجيا التي تَلْعَبُ ، ولو في الجملة ، دَوْرًا في السياسة يجاوز الخطوط العلمانية الحمراء ، لا سيما ضد الدينية فهي الأشد تطرفا وراديكالية ، وفي مقابلها : طرف آخر يُعَارِضُ لم يسلم هو الآخر من لوثة التَّبَعِيَّةِ ، مع القدر الفارق ، بداهة ، فإنه يحظى بِرِعَايَةٍ سياسية لا يمكن معها تَبْرِئَةُ النَّفْسِ ، فَمَنْ يَرْعَى أي معارضة سياسية ويفسح لها فضاءً في الإعلام ، فلا يصنع ذلك بلا مقابل ، وإن لم يكن مباشرا كما الحال في صُوَرِ العمالة الساذجة ، فهو يستفيد من هذا الحزب المعارِض في بث دعايته عبر وسيط يُتَرْجِمُ عنه فَيَتَبَنَّى فكرته ، وَيَدُ مِنَّتِهِ لا تخفى ، ولكنها ألطف وأشد لباقة ، فَتَسْتَخْلِصُ ما تريد في صيانة وحشمة ولا تخلو ، مع ذلك ، من قِيمَةٍ وفكرة ، فثم حزب آخر يَتَشَكَّلُ الآن في المنطقة ، وهو ، في الجملة ، يَتَبَنَّى الخيار العلماني وإن أخف وطأة ، فهو الخيار اللاديني المحايد الذي يعطي الرسالة دورا في السياسة ، ولو دورا تابعا يسهم في صناعة هوية ذات استقلال ، ولو غيرَ كاملٍ ، فحالها ، بداهة ، خير من حال التابع في المثال العلماني ضد الديني ، فإذا توجهت تهمة العمالة إلى المعارضَة فهي إلى النظام تَتَوَجَّهُ وَتَزِيدُ فهي خيانة على أعلى مستويات الفكر والسياسة والحرب ، والأمر ، لو تَدَبَّرَ الناظر ، يَتَرَاوَحُ بين إعادة التدوير لمخلفات الدولة العلمانية الحديثة في الشرق ، فقد انتهى عمرها الافتراضي وهي الآن محل استثمار في إذاعة الفوضى ، البيئة الاستراتيجية في الطرح الراديكالي لجناح من الأجنحة الفاعلة في صناعة القرار السياسي الدولي والإقليمي ، فَيَتَرَاوَحُ الأمر بين إعادة التدوير لمخلفات هذا الطرح العلماني ضد الديني ، وإعادة التأهيل ، من وجه آخر ، طبقا لمعيار النظام الدولي الحاكم ! ، إعادة التأهيل لِلتَّيَّارِ المعارضِ لا سيما وعنوانه الأبرز ، كما تقدم ، العنوان الرسالي الذي يعكس روح الفكرة والحضارة في الشرق ، فلا بد من تخفيف الجرعة الأيديولوجية لتلائم الطرح العلماني الحاكم ، ولو في مثاله اللاديني المحايد .
    وإذا تراوحت الحال بين سَيِّئَةٍ وأسوأ ، بين علمانية ضد دينية وأخرى لادينية تُوَفِّرُ بيئة عمل أفضل ، فقياس الشرعة والحكمة أن يقدم السيئ ، فيجري الأمر مجرى التراجح فالمفسدة العظمى تُدْرَءُ بِنَظِيرَتِهَا الصغرى ، ضرورةً تُقَدَّرُ بقدرها فلا يكون التماهي في المقابل مع الحال السَّيِّئَةِ فتصير الخيار الاستراتيجي فغايتها أن تكون خيارا تكتيكيا ، لا سيما في ملفات ناجزة كملف المعتقلين ، محل الشاهد الْأَبْرَزِ الآن في النازلة المصرية ، فإذا جاءت نُصْرَتُهْمْ من خارج ، ولو من طرف يُغْرِضُ فهو يروم الاستثمار السياسي ولو على المدى الطويل وهو الأخطر إذ يصنع الرأي العام على مُكْثٍ فَيُبَدِّلُ القناعة دون أن يفطن صاحبها ، فَوَاجِبُ الوقت أَنْ يُقْبَلَ وإن جرى ، كما تقدم ، مجرى الضرورة التي تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، فلا يَتَمَاهَى معه الناظر حتى يخالف عن أصل فكرته ، فَيَتَحَوَّلَ ، أيضا ، إلى تابع لفكرة تخالف عن فكرته ولو كانت أقرب ، فالعلمانية اللادينية أَقْرَبُ وأعدلُ من نظيرتها ضد الدينية ، ولكن كلاهما بَعِيدٌ من الفكرة الرسالية ، وذلك مسلك في الترجيح دقيق وهو ما يَفْتَقِرُ إلى التجرد من الهوى وحظ النفس ، فإذا تأول من تأول للدولة الوظيفية أنها تمارس هذا القمع الرهيب ضرورةً فلا اختيار للحفاظ على الدولة والكيان ، فالخصم يتأول ، أيضا ، أنه يطلب النصرة ضد هذه الدولة ، ضرورة تقدر بقدرها للحفاظ على الإنسان ! ، فهو ، بداهة ، أثمن من الكيان ، وذلك ، كما تقدم ، مسلك يدق فَيَضِيعُ الحق فيه بين الإفراط والتفريط لا سيما وهو خلاف الاختيار فهو ضرورة لا يَسْلَمُ صاحبها في أحيان كثيرة أن يَتَأَوَّلَ الضرورة فَيُصَيِّرَهَا الاختيار ، والمعصوم من عصمه الله ، جل وعلا ، فَسَدَّدَهُ في القصد وَسَدَّدَهُ في الفعل .
    ولا يوجد أحد في هذا العصر يُعْطِي شَيْئًا بِلَا مُقَابِلٍ ، إلا من رحم الرب الخالق ، جل وعلا ، والمعارِضُ كَمَا النظام ، فكلاهما فرصة استثمار ، فالنظام الدولي يستثمر في كلٍّ بما يوافق مصالحه ، ويسعى في إيجاد معادلة تجعل الجميع تحت السيطرة ، فالمعارضة تَلْعَبُ دَوْرًا رَئِيسًا في الضغط على النظام ، وهو ما يحولها في أحيان إلى مجموع وظيفي مضاد ، فَيَدُ المنة التي يُوَفِّرُهَا النظام الراعي ، يد المنة عقد غير مكتوب يَتَضَمَّنُ من البنود ما يحقق مصالح المضيف ، فإنه يوفر بيئة عمل آمنة ، وَيُوَفِّرُ مَنَابِرَ دعاية وإعلام ، وليس شرطا أن يُقَدِّمَ تمويلا ماديا مباشرا فتلك صورة توظيف ساذجة ، فَثَمَّ طرق تحكم وسيطرة دَقِيقَةٍ ، وَثَمَّ تراجح في المصالح فلا تخلو من تقاطع ، ولكن النظام السياسي أقوى من المعارضة فهي في أحسن أحوالها تنظيم سياسي ، أو عدة تيارات تملك برامج عمل ولكنها لا تملك من أدوات الحكم ما تَتَأَوَّلُ به هذه البرامج ، وقد تكون في المقابل ، سلطة رقابة بديلة إذ فسدت أدوات الرقابة في النظام ، وقد تكون ظاهرة صوتية لا قيمة تُضِيفُهَا ، فَرِعَايَتُهَا كرعاية الظاهرة الإعلامية ، وهي ، كما يقول بعض الإعلاميين المحترفين مِمَّنْ له حضور بَارِزٌ في مشهد المعارضة المصرية الحالي ، هي لا تَعْمَلُ بلا أجندة سياسية ، فالمنبر الإعلامي ، منبر غير محايد وإن تظاهر بذلك فلا بد له مِنْ فكرة باعثة ، صحت أو فسدت أو خلطت صالحة وأخرى فاسدة ، فهي المحرك الفاعل وهي المعيار الحاكم في الجمع والتحليل والاستنباط ، فَثَمَّ قيمة حاكمة يَنْطَلِقُ منها أي ناظر .
    وتأمل خطاب الاستشراق على ما فيه من إغراض وإرصاد ، فَثَمَّ باعث العداوة المستحكمة التي يُفَتِّشُ صاحبها عن أي شبهة ، وثم ، وهو أدق ، ثم عقل مادي بحت هو الغالب على مناهج البحث في الدوائر الاستشراقية ، فالغرب في دوره الحديث يميل إلى تفسير الظواهر الفكرية والسياسية والاجتماعية تفسيرا ماديا بحتا ، فباعث الحركة هو المصلحة المادية المجردة دون نظر في أي قيمة أخرى تجاوز الحس ، فلو كان المستشرق باحثا متجردا من العداوة فَلَنْ يَتَجَرَّدَ من معايير البحث التي درج عليها فلا يمكنه أن يستوعب بواعث الرسالة التي صنعت الحضارة في الشرق ، فليست عنده إلا ذارئع احتج بها أصحابها ليحققوا مآربهم دون حرج فقد كسوها لحاء من الأخلاق والقيم ، وقد يصح ذلك في مواضع ، لا سيما في الأعصار المتأخرة ، أعصار الانحطاط في الشرق ، فما أكثر ما يسمع الجمهور في خطابات الساسة من الوعود كَذِبًا ، ومن الزور ما قد لَبَّسَ ، فَثَمَّ تشبع بما لم يعطوا من القيم والأخلاق ، فَلَمْ يَبْلُغُوا هذه المحال السيادية بِرِعَايَةٍ دولية من المركز إلا وقد تَعَهَّدُوا ، صراحة أو ضمنا ، أن يكونوا حائط الصد الذي يحول دون قيام حكم رشيد ، ولو انطلاقا من معيار السياسة ، فكيف بآخر من الرسالة ، فذلك ، بداهة ، ما يجعل دورهم يعظم ويجعل تدويرهم تدوير النفايات أفضلَ استخراجا لنسخ جديدة تقود المشهد ، مع ضعف الأداء السياسي والإداري ، نسخة يوليو 2013 في مصر مثالا .
    والشاهد أنه لا يوجد منبر إعلامي محايد ، ولو في صياغة الخبر الواحد ، فكلٌّ يصوغ من العبارة ما يُوَاطِئُ أغراضه ، صحت أو فسدت ، فإذا كان المنبر الإعلامي المعارض ، مع تحريه الدقة وَتَبَنِّيهِ الفكرة ، ولو في الجملة ، فهو بداهة ، أكثر مصداقية وحرفية من منابر رسمية قد صارت محل التَّنَدُّرِ بِأَدَائِهَا الرَّكِيكِ فضلا عن أسلوبها الدنيء في تجريح الخصوم وَالتَّشَفِّي منهم ، فإذا كان المنبر المعارض المحترف طَرَفًا في معادلة سياسية معقدة ، فلا تخلو من خصومات بين أنظمة سياسية ، وهي ، بداهة ، أكبر من التنظيمات وأكبر من وسائل الدعاية والإعلام ، فَلَهَا من الأدوات ما تُوَظِّفُ به أي ظاهرة سياسية ناشئة على وجه يحقق مصالحها ، وإن لم تخل في أحيان من مضمون أخلاقي فهو من جملة البواعث في الفعل السياسي والميداني ، فَثَمَّ مشهد مركب هو الأدق ، فالخير الصريح واضح ، ونظيره من الشر كذلك ، وإنما يكون الاشتباه الذي يوجب التحري إذا اشتبك الاثنان ، فثم من النظر ما يوجب الترجيح ، على مدى قريب وآخر بعيد ، فبيئة العمل في هذه المعادلة لا تثبت على حال ، وصاحب المنبر لا يضمن الاستمرار ، وهو ، مع ذلك ، مَدِينٌ لمن استضافه وأكرم وفادته ، ولو استثمر ذلك في تحقيق بعض مآربه ، فيد المنة تَثْقُلُ ، والوفاء للمضِيفِ واجب لا سيما إن كان من الْقَبِيلِ الفاضلِ ، وَتَحَرِّي النصح في القول فَرْضٌ ، والفرض آكد من الواجب ، على اصطلاح بعض المذاهب ، وهو الصحيح في هذا الموضع ، وتلك حال دَقِيقَةٌ ، وهي ، كما تَقَدَّمَ ، ضرورة لا اختيار ، فَتُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، ويكون اجتهاد الضيف ألا يخرج عن قواعد البيت ، من وجه ، وألا يخرج عن قواعد الحق ، من آخر ، والجمع بينهما هو أولى ما يتبادر ، فإعمال الأدلة خير من إهدارها ، كما يقول أهل الفقه ، فإن تعذر الجمع على وجه معتبر لا تكلف فيه ولا تعسف ، فإن تعذر الجمع فالحق أولى بالاتباع .

    والمعارضة ، كما تقدم ، تُبَاشِرُ من الأعمال الميدانية ما يَنْفَعُ ، ولو بالنظر في المجموع المتراكم ، فَأَثَرُهُ يَظْهَرُ على المدى المتوسط أو الطويل ، وتلك خاصة الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية سواء أكانت بناء أم هدما ، وتأمل ما يقول بَعْضُ مَنْ أنصف مِنْ المشتغلين بالفكر والتحليل وَالتَّرْكِيبِ والاستنباط في الغرب ، وفي دوائر في الشرق ليست على دين الوحي ولكنها تملك من الإنصاف والموضوعية ما به تَتَعَاطَى مع الظاهرة الرسالية تَعَاطِيًا مجردا من الأهواء والحظوظ فلا عداوة عمياء تحول بَيْنَهَا وَبَيْنَ التحليل والاستنباط الصحيح ، فإذا كان القرن قَبْلَ الماضي ، التاسع عشر ، قَرْنَ الانهيار المتدرج ، وذلك وصف يستغرق قُرُونًا أخرى قَبْلَهُ ، وإذا كان القرن الماضي ، القرن العشرين ، قَرْنَ الانهيار السريع وَمِنْ وَرَائِهِ الهزيمةُ والغربةُ ، فالقرن الحالي هُوَ قَرْنُ الصحوة وَالْبِنَاءِ عَلَى مَا تَعَاقَبُ فِيهِ مِنَ المحن وَلَا زَالَ ، وتلك خاصة الوحي من لَدُنْ نَزَلَ ، وإن كانت له الجولة بَعْدَ الدولة ، فَتِلْكَ سنة في الأيام جارية ، وهي ، كما تقدم ، لا تكون دفعة ، فالتدافع والتداول سَنَنٌ يَتَرَاكَمُ ، كما الحال في ظاهرة سياسية كظاهرة المعارضة فَلَهَا حراك في الاحتجاج والضغط السياسي ، ولها آخر في العمل الحقوقي والقضائي ، ولو ورقة ضغط تدخر حتى يأتي أوانها ، فَرَفْعُ الدعاوى القضائية ضد بعض الشخصيات السياسية ، قد يَبْدُو للوهلة الأولى عملا رمزيا بلا أَثَرٍ مباشر ، وهو كذلك طالما كانت الحاجة إلى النظام قائمة ، ولو إلى حين حتى يَتِمَّ إعداد البديل الملائم ، فلا تخلو هذه الدعاوى من فائدة إذ تَرْفَعُ الحرج عن النظام الدولي وتوفر الحجج والذرائع القانونية للتخلص من الأنظمة الوظيفية المحترقة أو التخلص من بعض الوجوه الفاشلة في إطار ما تقدم من سياسة إعادة التدوير ، وهي ، من وجه آخر ، جهد المقل المخلص الذي يَتَحَرَّكُ في هوامش ضيقة ، كما تقدم في ملف المعتقلين في مصر ، فهو ، لو تجرد الناظر من الأهواء والبواعث ، هو واجب الوقت وهو المخمصة التي تُسْتَبَاحُ بها الميتة ضرورةً تُقَدَّرُ بقدرها ، إِذْ قَلَّ الناصر المخلص أو عُدِمَ ، وإن وجد فهو محكوم بِنِظَامٍ دولي في السياسة والدعاية والإعلام والقضاء .... إلخ ، فَسَيْطَرَتُهُ على مَنَابِرِ الوعي شبه تامة إلا آحادا تَفُوتُهُ فهي الهوامش التي يتحرك صاحب الحق فيها ، وإن تحرك في دوائر أخرى دولية لا تخرج عن المعادلة السياسية البراجماتية ، فتلك ، كما تقدم ، المخمصة التي تُسْتَبَاحُ فيها الميتة ضرورة تقدر بقدرها فَلَنْ يُعْطِيَ أحدٌ شَيْئًا في هذا المشهد بِلَا ثمن يُبْذَلُ سواء أكان ماليا أم سياسيا ، ولكلٍّ عملته التي يَتَبَادَلُ بها المنافع والمصالح .

    والله أعلى وأعلم .


  16. #16
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    والمجموع الوظيفي ذو الْبِنْيَةِ الهرمية مع ما تَقَدَّمَ من حركته في الدائرة المحلية الأضيق إذ يحرص على إقصاء الأغلبية العاملة في مقابل الأقلية المالكة ، وتلك ثنائية الرأسمالية في أي عصر ، الإقطاعي الديني والمدني الأوروبي في العصر الوسيط مثالا ، وهذه الأقلية ، كما يقول بعض الباحثين ، لا تقتصر على أفراد مُعَلَّقِينَ في الهواء فهم وإن اشتملهم جهاز وظيفي ذو بناء هرمي إلا أنه لا يمكنه منفردا أن يسيطر على المجتمع وإن امتلك من الأدوات ما امتلك فلا بد من تَنْسِيقٍ مع دوائر أخرى بعضها في السلطة وآخر يحتكر الثروة ، فرأس المال في هذا المثال المركزي المستبد ذي الطابع البيروقراطي لاعبٌ رَئِيسٌ في صياغة المعادلة الاجتماعية لا سيما وتلك بيئة يَزْدَهِرُ فِيهَا الفساد ، ورأس المال عَصَبُهُ الرَّئِيسُ ، فلا بد من شبكة علاقات تحمي رأس المال ، فلا يأمن المصادرة والمطاردة والمضايقة ...... إلخ ، فالسلطة تمارس الابتزاز الناعم أو الخشن ، وهو أمر يستغرق سائر مستويات الهرم ، من بائع الخضروات في السوق فلا بد أن يبذل إتاوة ولو خمسة جنيهات ! إلى صاحب الشركة أو المصنع المتوسط الذي يوثق علائقه مع أصحاب الرتب الوسيطة في الجهاز الأمني والإداري إلى صاحب الشركة أو المصنع الكبير الذي يحظى بعلائق وثيقة مع كبار رجالات السلطة ، فَلِكُلِّ مالٍ غلاف يحميه .
    فالأجهزة السيادية المركزية ، وهي محل الشاهد ، لا بد لها من حد أدنى من التَّنْسِيقِ وَالتَّسَانُدِ ، فإن بقاءها في مركز السلطة لا يكون إلا بالاتحاد الوظيفي اتحادَ المصالح في مقابل التفكيك لشبكات المجتمع إرهابية أو معتدلة ! ، وهو ما حذرت منه بعض الورقات البحثية الأمريكية إذ تقدم توصيات بمكافحة الأصولية في الشرق ، فلم تخف امتعاضها من الشمولية ، وإن علمانيةً وظيفيةً ، فالأنظمة الوظيفية التَّقْلِيدِيَّةُ تَشْعُرُ بالغيرة من شبكات الاعتدال التي يستثمر فيها الغرب ، فَتَخْشَى السلطة الوظيفية الكلاسيكية من منافس جديد ذي طابع مدني يمتص غضبة المجتمع الذي سئم الاستبداد الخشن فيروم صيغة أخرى من الحكم وإن لم تخرج عن مبادئ النظام الدولي ، فكان استثمار النظام الدولي في شبكات اعتدال علمانية أو شبه علمانية ! ، فمنها شبكات دينية مُنْفَتِحَةٌ تحتضن الكوادر الدعوية الشابة التي تحظى بقبول في أوساط الشباب ، أو تحظى بِتَغْطِيَةٍ إعلامية واسعة تحولها إلى نجوم لامعة في سماء الدعوة المعتدلة .
    فكل أولئك من الاستثمار البديل الذي يؤرق نظم الاستبداد القديم إذ تشعر أن أيامها قد وَلَّتْ أو أَنَّهَا قد فشلت في أداء دورها ، فالمجتمع بطاقاته الشابة قد جاوزها ، وتحايل على منظوماتها التقليدية ، فلا بد من بديل ، وهو ما يحمل السلطة أن تحشد قوتها الضاربة ضد أي شبكة اجتماعية ، فلا تستطيع شبكاتها الوظيفية أن تَنْفَرِدَ بالمشهد وثم في مقابلها قوة اجتماعية مؤطرة ، لا سيما إن كانت ذاتية الفكرة والمنشإ فلا تعمل لحساب قوة من خارج ، إن من الإقليم أو من العالم ، وإن وقع شيء من ذلك فَهُوَ من باب التقاطع الذي لا يخلو منه مشهد سياسي معاصر ، فإن النظام الدولي قد يستثمر في ظاهرة لم يصنعها ، ولو عَامِلَ تَوَازُنٍ وضغط في مشهد ، فلا بد من أوراق يضغط بها على المجموع الوظيفي الحاكم فلا يعطيه الأمان الكامل ، فلا بد من ابْتِزَازٍ وَاسْتِنْزَافٍ ، باسم الديمقراطية تارة وحقوق الإنسان ثانية وحقوق الأقليات ثالثة وحقوق المرأة رابعا ...... إلخ ، مع الاستفادة من الانشقاقات في هذه القوى الاجتماعية فَبَعْضُهَا يَتَبَنَّى خطابا أكثر ليبرالية وهو ما يُوَسِّعُ مساحة العمل المشترك مع النظام الدولي ، ولو في إطار ما تَقَدَّمَ من تَوْظِيفِ بعض الظواهر لتحقيق بعض المصالح التكتيكية من قبيل الضغط على السلطة الوظيفية في بعض الملفات ، أو لتحقيق نوع من التوازن الذي يُزِيلُ احْتِقَانَ المجتمع إذ السلطة المستبدة لا تستطيع إلا أن تستبد ! ، لا سيما إن شعرت بفائض قوة في مقابل ضعف المجتمع ، وهو ما يخل بالمعادلة فلا معادلة تستقر من طرف واحد في ظل غياب كامل لطرف آخر يعدله أو يقاربه ، فلا بد من فتح قنوات الاتصال مع الشبكات الاجتماعية المعتدلة ، ولها معيار في الاعتدال يَتَمَاهى مع القيم الغربية ، وهو معيار يثير التعجب ، من وجوه ، فهو يَرَى أن الاعتراض على الرسوم الدنماركية المسيئة لصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أن هذا الاعتراض يجافي عن قيم الاعتدال فَقَدْ كَشَفَ ، كما تقول بعض الدراسات ، عن وجوه انتحلت الاعتدال ونجحت في خداع الدوائر الفكرية في الغرب فَلَمَّا امْتُحِنَ اعتدالها في هذه القضية ! انكشفت سوأتها وظهر أنها راديكالية متطرفة ! ، وهو ما اسْتُدْرِكَ لاحقا بعد تصاعد المد اليميني في الغرب بشطريه الأمريكي والأوروبي ، فكان التضامن الرسمي المتكلَّف من بعض الحكومات العربية والإسلامية التي تقدمت الصفوف تنديدا بقتل بعض الصحفيين في فرنسا ، صَحَفِيِّي شارل إبدو ، في حادثة يناير 2015 ، فكان التنديد بالحادثة دون نظر في بَوَاعِثِهَا ، وَرُفِعَتْ لافتات سب صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعما لشارل إبدو ، فهو الرجل الذي دشن هذه الثقافة الراديكالية المتطرفة ! ، فَرُفِعَتْ هذه اللافتات فوق رءوس الزعماء المسلمين الذين جاءوا ينددون بالأصولية والرجعية ، فلم يخل ذلك من رمزية تُثِيرُ التأمل : حضارة تسب أخرى وتسخر من رمزها الأول ، فإذا صدر رد الفعل في سياق الغضب ، سُلِّطَتِ الأضواء على رَدِّ الفعل دون نظر في الفعل الأول فهو باعث الحادث ، فإذا كان ذلك تداعت الحكومات الرسمية في البلاد الإسلامية أن تعتذر ، ولم تقبل الحضارة الغربية هذا الاعتذار فَأَبَتْ إلا مزيدا من الإذلال ، فَرُفِعَتْ لافتات تسب صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووقف الزعماء المعتدلون ! تحتها يقدمون الاعتذار فكلهم شارل إبدو ، والمرء يحشر مع من أحب ! ، فثم مزايدة صار فيها أولئك شارل إبديين أكثر من شارل إبدو ، إن صح الاشتقاق ! ، فالجميع يسارع أَلَّا يُنْبَزَ بالراديكالية والتطرف ، فمعيار الاعتدال الذي وضعه المنتصر ، هو إعلان استسلام المهزوم على وجه يجاوز حد الهزيمة العسكرية المباشرة ، فتلك أدنى الهزائم وإن عَظُمَتْ آثارها المباشرة ، ولكن الأشد خطرا ما يكون من هزيمة الفكر والحضارة ، فالمنتصر لا يجتزئ بالراية البيضاء في ميدان السياسة والحرب ، وإنما يجاوزه إلى الدين والفكر والحضارة ، والمهزوم يسارع أن يدخل في حزب المنتصر ، كما دخل أولئك في حزب شارل إبدو ، فالهزيمة في هذه الحال تجاوز الهزيمة المادية إلى أخرى روحية ، فَثَمَّ معيار اعتدال ، وهو محل شاهد ، قد جعل سب النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم حرية رأي ، وهو ، من وجه آخر ، قد جعل معاداة السامية أو التشكيك في ثَوَابِتِهَا ، ولو من باب الاستدراك على الأعداد أو التفاصيل دون الأصل ، فمعيار الاعتدال الغربي قد جَعَلَ ذلك ، في المقابل ، من الجرائم التي يعاقب عليها القانون المدني المنفتح ! ، وذلك التناقض الذي يُخَالِفُ عَنْ بَدَائِهِ العقل ، فإنه يقضي بالتسوية بين المتماثلين فإن كان ولا بد ! ، فَلْيَكُنْ سَبُّ الجميع مباحا طَرْدًا لحرية الرأي المطلقة التي تجاوز كل الثوابت الدينية والفكرية ! ، وذلك ، بداهة ، ما يجري مجرى التنزل مع الخصم في الجدال لا الرضى بهذا الإطلاق في الفحش ! ، أو ليكن الجميع محظورا ، لا أن تكون التفرقة بين المتماثلين ، فذلك من التناقض الذي يفرضه القوي الغالب ولو خالف عن العقل الناصح ، فمن يضع المعيار الآن هو المنتصر الذي لا يملك من أصالة الحضارة والعدالة ما به يقسط إذ ظهر وغلب ، وهو ، مع ذلك ، يبادر بالهجمة المضادة سعيا في إرساء معيار جديد للاعتدال يُكَافِئُ الانبطاح للغالب أو الانكفاء على الذات المغلوبة وَتَرْكَ الساحةِ خلوا ، وهو ما يثير الاشمئزاز ولو داخل الأوساط العاقلة في الغرب التي تَرَى معياره معيار ظلم وحيف فكيف يَسْتَفِزُّ ذاتا حضارية بسب رمزها الأول والسخرية منه ، ثم يطالب بالاعتذار إذا كان ثم رد فعل جاوز الحد أو لم يجاوز ، فخرج صحفيٌّ فِرِنْسِيٌّ ، كما يذكر بعض الفضلاء ، خرج وهو ذو الخلفية العلمانية ضد الدينية وهي الأشد تطرفا وراديكالية في التعاطي مع الدين لا سيما الدين الذي يروم الاشتباك مع الواقع والتدخل في إجراءاته السياسية والاقتصادية ..... إلخ ، مع أصول كاثوليكية تُنَاجِزُ الحضارة الإسلامية العداءَ المستحكم ، ولكنه لم يخل من عدلٍ يُنْصِفُ ، خرج يعلن البراءة من شارل إبدو فليس شارل إبدو لأنه يرى الخطأ الأول منها ، فَثَمَّ اشتغال بالحدث دون دراسة للباعث والسبب ، فخرج الرجل يَتَبَرَّؤُ في إنصاف يُحْمَدُ في مقابل بعض الدوائر الرسمية في العالم الإسلامي إذ تداعت تداهن وتعطي الدنية خَشْيَةَ أَنْ تُنْبَزَ بالراديكالية ، فهي تروم صَكَّ الاعتدال من الغالب المنتصر ، وذلك الإشكال الرئيس أن الغالب الآن يروم صياغة فكر المغلوب بعد أن فَرَغَ من صياغة جغرافيته السياسية والسكانية والاقتصادية ..... إلخ ، فلا زال ثَمَّ عمل أصعب ، وإن كان ميدانه الفكر لا الحرب ، فخسائره في الأرواح أقل ، بل لا خسائر مادية تُتَوَقَّعُ إذ الصراع صراع أديان لا أبدان ، فقد نجح الغرب في هذه الجولة أن يصرع الشرق صرعَ الأبدان ، وذلك ما تَكَرَّرَ في جولات ، بل هذه الجولة أشد إذ ثم استسلام من المغلوب ، فهو الآن في دركة تخلف تقني ومادي في عصر صارت فيه التكنولوجيا هي عنوان الحضارة الرئيس وربما الوحيد ! ، وإن لم يكن ثم باعث معنوي رشيد لهذا التقدم المادي ، فَلَذَّةُ الحس العاجلة وهي ما يجاوز اللذة الجسدية المباشرة إلى لذة النفس إذ تَطْغَى بِمَا استجمعت من أسباب القوة المادية فَلَيْسَ الفرح بما نالت من الأسباب الروحية والأخلاقية التي تُهَذِّبُ النفوس وَتَرْقَى بها إلى درجات الإنسان الكامل ، إنسان الحضارة التي لا تُنَالُ إلا من مشكاة الرسالة ، فالوحي هو مادتها الرئيسة وهي مادة تصحح التصور فلا تكون الحركة الراشدة إلا عن فكرة ناصحة ، فيكون من عَدْلِ الغالبِ إِذَا غَلَبَ ما يُبْرِزُ مضمون حضارته التي تجاوز الحس ، فهي حضارة الروح التي تخالف عن حضارة المادة ، وهما ضدان بل ونقيضان ، لا جرم كان الصراع بين الشرق والغرب صراعَ الروح مع المادة ، لا على طريقة النصارى المفرِطة التي انتصرت للروح رهبانيةً ما كُتِبَتْ عليهم في وحي ولا رسالة ، ولا على طريقة يهود المفرِّطة التي انتصرت ، في المقابل ، لِلْمَادَّةِ فجحدت احتياجات الروح ، فَثَمَّ حضارة الرسالة الخاتمة ، فهي معيار الاعتدال الحق ، لا معيار الغرب ، فَثَمَّ إجماعٌ بَيْنَ كافة العقلاء أن الاعتدال معنى يُحْمَدُ فَهُوَ الوسط بين الغلو والجفاء ، ولكن الإشكال في المعيار الحاكم الذي يُعَيِّنُ جادة الاعتدال ، فيحكم على المخالف أنه راديكالي غال أو آخر جاف ، فكان من رغبة المركز الآن أن يجدد للأطراف دِينَهَا ، فمعياره في الاعتدال يخالف عن معيارها وهو ما لا يطيق بِنَفْسِهِ ابتداء ، وإن نجح في مرحلة الاستعمار المباشر ، تأطير مصر مثالا كما يذكر بعض الباحثين في مرحلة الاحتلال البريطاني الذي نجح في القضاء على الثورة العرابية ذات البواعث الحضارية الذاتية ، ولو في الجملة ، فكان التدخل المباشر بآلة الحرب وكان الإجراء السياسي والإداري الراديكالي الذي قضى على النخب الفاعلة في مصر ، فَسُجِنَ مَنْ سُجِنَ وَنُفِيَ مَنْ نُفِيَ وَعُزِلَ مَنْ عُزِلَ ، وَحُلَّتِ المؤسسات الفاعلة لا سيما مؤسسات القوة الصلبة ، وَأُعِيدَ تشكيل الهيئات على مثال جديد يواطئ معيار المحتل ، العراق 2003 مثالا ثانيا ومحل الشاهد هو حَلُّ مؤسسات الدولة القديمة بجرة قلم ! ، فَثَمَّ إعادة هيكلة وتأطير على مثال أيديولوجي وإجرائي جديد ، وذلك من قَبِيلَ ما يروم الغرب الآن من وضع معيار جديد للتدين المعتدل الذي يمكن التعاطي معه فلا يكون ذلك إلا أن يَتَمَاهَى هو ابتداء مع قيم الغرب ، فهي المحكم الذي تُرَدُّ إليه متشابهات القيم الأخرى ، لا سيما القيم الرسالية التي تُشِكِّلُ ، كما يقول بعض الباحثين ، خَزَّانَ حضارةٍ وفكرٍ لم ينجح الغرب حتى الآن في القضاء على خطره وإن نجح في إسكات صوته إما بالقمع المباشر ، كما تقدم من المثال البريطاني الذي لم يجنح إلى العمل الفكري والسياسي الناعم إلا بعد جرعة من العنف والاستئصال الراديكالي للثورة العرابية ورجالاتها ، فكان من أجواء الخوف استنادا إلى نظرية الصدمة ، كَانَ مِنْهَا ما يَرَى الناظر الآن أمثلةً تُقَارِبُ ، مع القدر الفارقِ ، فالسلطة الوظيفية وهي الوكيل الحصري للاحتلال المركزي ، السلطة الوظيفية تمارض ضروبا من القمع والعنف بها تصدم المجتمع بما جاوزت من خطوط حمراء لم تُسْبَقْ ولو مِنْ قِبَلِ المحتل المباشر مِنَ المركز ، فذلك ما يجعل المجتمع يضعف ويستسلم فَيَقَعُ في قبضة السلطة التي تملك المؤسسات الفاعلة في تشكيل الوجدان والسيطرة على الأبدان ، والأخيرة قد تكون آلامها ناجزة فيجدها المجتمع وجدانَ المباشرة ، ولكنها دون الأولى فهي ، كما تقدم ، الأشد خطرا على المجتمع ، ولو على المدى المتوسط أو القريب ، فَبِرِيطَانْيَا لم تبدأ في العمل الناعم إلا بعد الفراغ من العمل الخشن الذي أصاب المجتمع بالشلل ، وأعاد تشكيل المؤسسات الفاعلة ، وَقَدَّمَ التوصيات الناجزة في ذلك أن تكون السيطرة الكاملة على أسباب القوة الصلبة وقوة المال فَهُمَا ذِرَاعَا السلطة ، ثم كان الشروع في الجزء الأخطر من خطة الاحتلال ، فَثَمَّ احتلال للعقول ، لا يقتصر على العلوم والآداب ، بل يجاوزها إلى مؤسسات التشريع والإدارة ، فَثَمَّ فلسفة جديدة يُمْلِيهَا الغالب الذي وَفَدَ مَزْهُوًّا بِتَفَوُّقِهِ التقني في مقابل التخلف الفكري والمادي في الأطراف فلم تكن الحال كما كانت في حملات الصليب إبان العصر الوسيط ، فَفَائِضُ القوة فيها كان فائض الحرب لا الفكر ، فسرعان ما اسْتَرَدَّ الشرق عافيته إذ لم يَنَلِ الوافد من حضارته الراسخة ، بل قد نَالَ هو منه ، فكان للمغلوب من الأثر في الغالب ما تفاوت ، فهو في التتر مثالا أكثر منه في الغرب الكاثوليكي ، إذ التتر أشد سذاجة في الفكر والحضارة فكان تأثرهم بحضارة الشرق أسرع وأقوى ، خلاف ما كان في العصر الحديث ، فالشرق قد هُزِمَ في الفكر ، لا أنه حجته الحضارية قد بطلت فهي محفوظة بالوعد الإلهي الصادق ولا تخلو الأرض من قائم بها يبطل شبهات خصومها ، ولكن هزيمته أَنْ حَادَ عن جادتها وَتَفَرَّقَ عن صراطها فانشعبت به سبل الفكرة والشرعة ، وصار نهبا لأي غزوة ، فهو ينظر في حضارة الغالب نظرة المغلوب المنكسر ، لا سيما وقد جُرِّدَ من أدوات المقاومة الفكرية والمادية ، لا سيما في إطار ما استجد من نظريات السلطة المركزية التي تجرد المجتمعات من أسباب القوة الذاتية ، وهو المثال الذي دشته محمد علي في مصر ، وجاءت ثورة عرابي تخالف عنه ، ولو في مواضع ، فكان الخروج عن النص إذ انْتَفَضَ المجتمع وَعَبَّرَ عن ذاته الحضارية بحركة احتجاج أو ثورة أو هَبَّةٍ أو هوجة ! كما أطلق عليها خصومها ازدراء ، والناس على دين الغالب ، فقد تَبَرَّأَ منها كثير من أنصارها ، وَنَعَتُوا قائدها بالعاصي الذي خَرَجَ عن أمر السلطة ، ولعله اتهم بالخروج على ولي الأمر فهو من الخوارج عن ولاة الأمور المحتلين ، وهو ما صرح به بعض المفكرين في مرحلة تَلَتْ لما استقر الاحتلال ونجح في فرض سياسته وسيادته ، فَانْبَرَى مَنِ انْبَرَى من المفكرين تحت وطأة الهزيمة أن نَصَحَ الشعب أن يخضع لولي الأمر البريطاني فهو الأعلى حضارة وفكرا ، وهو الذي حَدَّثَ البلاد وجاء بالتقنية الجديدة لمصر الجديدة ! ، فذلك معيار تفوقه الحضاري الذي اخْتُزِلَ في المحرك البخاري ! ، وهو مَا أعطاه الشرعية أن يُؤَطِّرَ مصر تَأْطِيرًا وظيفيا جديدا ، فسارع بِتَعْدِيلِ المسار الأول ، مسار التغريب الذي دشنه محمد علي ، ومع الخلاف بين المدرسة الفرنسية التي يَنْتَمِي إليها محمد ونظيرتها البريطانية ، وهو ما انعكس بعد ذلك على التيارات الفكرية والأدبية في مصر ، فآدابها في العصر الحديث يَتَنَازَعُهَا الاتجاه الفرنسي وهو أرسخ ونظيره البريطاني ، ودور بريطانيا أظهر في هياكل السلطة والحكم ، ودور فرنسا أظهر في مناهج الأدب والفكر ، ولم يكن ثم تعارض في الفكرة ، وإن كان ثم تعارض في الوجهة السياسية ، فجاءت بريطانيا ، كما يقول بعض المفكرين ، جاءت تَبْنِي على ما أسست فرنسا ومن بعدها محمد علي ، الوكيل الفرنسي الحصري في مصر ، فجاءت بريطانيا تضع الأطر والهياكل في السياسات العامة ، ومنها التعليم الذي يعيد صياغة العقل المصري ، عقل مصر الحديثة ، كما سماها اللورد كرومر الذي دشن النظرية الوظيفية التابعة في مصر انطلاقا من مبدإ : نحن نحكم من يحكم مصر ولا نحكم مصر الحكمَ المباشر وإن كان ثم احتلال مباشر ، فهو مؤقت لا يدوم ، فلا بد من صناعة نخبة جديدة ذات أفكار حديثة ، وهو ، أيضا ، ما سبق به نابليون إذ أوصى رجالات الحملة قبل أن يغادر مصر سرا ، أوصاهم أن يَنْتَخِبُوا من أبناء المماليك وكبار العائلات في مصر من يكون نواة التجديد والاعتدال في الشرق ، فالشبكات التي يروم الغرب الآن تدشينها لا سيما بعد أحداث سبتمبر 2001 ، ليست جديدة ، فَأَنْوِيَتُهَا ، ولو أفكارا وتوصياتٍ ، مما تَقَدَّمَ تَدْشِينُهُ في النسخة الفرنسية ونظيرتها البريطانية ، فلا بد من نخب وظيفية ذات ولاء كامل وتبعية للمركز تجاوز تبعية المصالح فهي مما يَتَغَيَّرُ فلا بد من إخراج جيل يَتَبَنَّى قيم المركز ، وذلك ، كما تقدم ، هو الأخطر ، فأخرجت بريطانيا نخبا وظيفية في المؤسسات السيادية ، ونجحت في صناعة أخرى في الأدب والفكر ، فازدهر الطرح الليبرالي ، ثم كان التحول الذي أملاه الحدث الأكبر ، منتصف القرن الماضي ، الحرب العالمية الثانية ، فكان الراعي الأمريكي ونظيره السوفييتي ، وكانت الحرب الباردة التي سُمِعَتْ أصداؤُها في الأطراف ، وكان من حركات التحرر الوطني ما سارع المركز باحتوائه ، فَنَابَ الوكيل الوظيفي الذي يتحمل الآن رواية الاعتدال والتجديد الغربية ، وهي محل الشاهد ، ناب عن الأصيل فلا يحسن أن يظهر في المشهد الفكري فذلك ما يُفْقِدُ وكيلَه المصداقيةَ ، فلا بد أن يَبْقَى المركز على مسافة من هذا الملف الشائك وإن كان هو من يضع المعايير الجديدة ويشرف على تعديل المناهج والمقررات ويقدم البدائل التي تعزز ثقافة الاعتدال والتعايش ، وإن شئت الدقة فَقُلِ الاندماج الكامل في حضارة الغالب ، وهو ما يَرَاهُ الناظر اليوم من المسارعة الرسمية في التطبيع السياسي وما تلاه من آخر اقتصادي ، وذلك ما جاوز السر إلى العلن ، وهو تقدم نوعي ، وَبَقِيَ التطبيع الثقافي الذي يسلك محورا رسميا يدعم الأنظمة المعتدلة ! طبقا لمعيار الاعتدال الغربي ، فهي تملك الأدوات الرسمية الفاعلة ، أدوات السلطة ، فَضْلًا أَنَّهَا ، كَمَا تَقَدَّمَ من مثال شارل إبدو ، معتدلة أكثر من الغرب ! ، فَتُزَايِدُ في هذا الملف ما به تروم الكسب ، الكسب السياسي البراجماتي ، فهو يلعب بأي ورقة ، فقد يلعب تارة بورقة التدين ، وذلك ما أشارت إليه بعض توصيات المركز في بناء شبكات الاعتدال فإنها أشارت إلى استثمار بعض الأنظمة في نسخة أيديولوجية سلفية ! لا تَتَوَافَقُ بداهة مع القيم الغربية ، فكان التوظيف السياسي لهذه الدعاية التي لم تخل من حق غالب لا سيما في التأصيل بِغَضِّ النظر عما وقع من أخطاء في التطبيق الميداني وما وقع بعد ذلك من خطايا في التوظيف السياسي ، ثم كان الانقلاب الفكري الهائل الذي يحدث الآن مزايدةً من السلطة ألا تَسْبِقَهَا شبكات الاعتدال الاجتماعية ، فذلك المحور الثاني الذي تُوصِي بِهِ هذه الدراسة ، فهي تُرَكِّزُ على العمل الاجتماعي ، بل وَتَنْتَقِدُ الأول ، وإن لم يخرج عن سلطان المركز ، فهذه الأنظمة تابعة له ، وهي الآن تستجيب لمقرراته في التجديد والاعتدال ، ولكنها ، لا تنفك تباشر من الشمولية والاستبداد ما يفقدها المصداقية لا سيما وهي تسارع في التطبيع الرسمي الذي يستفز وجدان المجتمع ، فلا بد من استثمار يوازي ، وهو الاستثمار في دعم التوجهات الليبرالية المعتدلة ! في مقابل التوجهات الراديكالية المتطرفة ، وإن كانت من نُظُمٍ وظيفية تابعة استثمرت في هذا التوجه تَشَدُّدًا في غير موضع التَّشَدُّدِ لِتَنَالَ المصداقية في الداخل والإقليم ثم آلت الحال ، كما تقدم ، إلى تساهل في غير موضع التساهل لِتَنَالَ المصداقية في الخارج فهو الذي يمنحها الشرعية الأقوى في ظل غياب المجتمع أو تَغْيِيبِهِ ، فلا يملك الآن من القوة الذاتية ما يجعل السلطة تخضع له ، ولو مداهنةً ، فلا تسارع في خصومته فكرا وسياسة واقتصادا ..... إلخ في مثال نيوليبرالي فج ينتحل دعاية الاعتدال التي وضع الخصم الغربي معيارها ، فَثَمَّ ، كما تقول الدراسة آنفة الذكر ، ثم استثمار في السلطات الوظيفية الرسمية ، تُرْكِيَا واليونان مثالا بعد انْتِهَاءِ الحرب العالمية الثانية وتدشين الحرب الباردة فكان مبدأ الرئيس ترومان أن يَدْعَمَ الحكومات الوظيفية التابعة لتطويق المد الشيوعي ، وبعده كان مشروع مارشال لإعادة الإعمار وحقيقته أنه احتلال ذو أبعاد أيديولوجية يحول دون وقوع الغرب في قبضة الشيوعية لا سيما مع ازدهار الأطروحات الاجتماعية ذات التوجه الاشتراكي في غرب أوروبا فهي ثغرة تَتَسَلَّلُ منها الشيوعية فلا بد من المبادرة بسدها ، وكان الاستثمار على محور آخر وهو المحور الاجتماعي غير الرسمي ، دعم الحزب الديمقراطي المسيحي في انتخابات إيطاليا مثالا ضد المنافس الشيوعي مع تدشين جماعة ضغط تابعة من المهاجرين الإيطاليين في أمريكا لتحريض ذَوِيهِم على التصويت ضد المنافس الشيوعي ، فثم نخبة أو جماعة ضغط مهاجرة ، فهي تسهم في تشكيل الرأي العام في الداخل ، ولو من خارج ! ، طبقا لمقررات المركز الذي يضع ، كما تقدم ، معيار اعتدال جديد ، ويسلك مساريين يَتَكَامَلَانِ : المسار الرسمي : التطبيع السياسي والاقتصادي العلني الذي يَرَاهُ الناظر الآن في الأطراف ، والمسار الموازي في إنشاء شبكات الاعتدال الإسلامي ذات الطابع الاجتماعي غير الرسمي أو دعمها دون الظهور الرسمي في المشهد ، فَهُوَ يَسْتَثْمِرُ في المثال الهرمي ، مثال السلطة الوظيفية ذات الأدوات الأقوى والأوسع دائرة والأوقع في المدى القريب ، ويستثمر في المثال الشبكي الذي يَتَحَرَّكُ في دوائر أضيق وإن كانت إلى وجدان المجتمع أقرب ، فالعمل الاجتماعي يباشر ما لا تباشر السلطة ، وهو ما يجعلها أكثر فعالية ، ولو على المدى البعيد ، لا سيما وهي ، في الجملة ، لا تخشى بطش السلطة فَثَمَّ أوامر عليا من النظام الدولي ألا تُمَسَّ هذه الشبكات وإن كان ثَمَّ بعض الخروقات فلا تبلغ حد الاستئصال التام أو الإيلام الشديد كما يَرَى الناظر في المقابل من تعاطي السلطة مع أي تنظيم هرمي أو آخر شبكي يحمل رسالة أو قيمة تخالف عن قيم النظام الدولي ، التعاطي مع اليسار في أمريكا اللاتينية مثالا واالتعاطي الآن مع الحركات الإسلامية في الشرق آخر .

    فالاستثمار في هذه الشبكات يسهم في تشكيل العقل الجمعي ، وإن كان طرح التغريب الذي تحمله مما يباعد بها عن وجدان المجتمع فهي لا تنفك تحكي صورة أخرى من صور النخبوية البعيدة من حس المجتمع في مقابل النخبوية السياسية التي تظهر في أداء السلطة .
    وهي ، كما تقدم ، مما يَتَرَاوَحُ ، فَبَعْضُهَا صناعة خالصة للمركز ، وبعضها صناعة مشتركة ، وبعضها ذاتي الفكرة والنشأة قد تجمعه مشاهد مع المركز تَتَوَافَقُ فِيهَا المصالح وإن اختلفت البواعث ، وهو ، محل تدبر ونظر ، فلا يمكن التعويل على مشهد كهذا لا يجاوز في أحسن أحواله أن يكون عَرَضًا مُؤَقَّتًا ، فلا يدوم ، ولا يُرَادُ له أن يدوم ، فلا يمكن بناء استراتيجية في التغيير على توافق عارض في بعض المصالح يتحول فيها الطرف الأضعف إلى أداة وظيفية في يد الطرف الأقوى للضغط على مجموع وظيفي تابع ! ، فَيَتَحَوَّلُ مشروع التغيير إلى أداة إصلاح وتهذيب لنظام وظيفي مارق ، وإن كان ذلك ، من وجه آخر ، طوق نجاة في مشاهد معقدة ، فَالْغَرِيقُ صاحب ضرورة تُبِيحُ من المحظور ما به تندفع ، فَبِقَدَرِهَا تُقَدَّرُ ، المسلمون الإيجور مثالا فلو صدق أن واشنطن تمارس بهم ضَغْطًا حقوقيا على بكين خصمها القادم فذلك طوق نجاة ولو عرضا يحفف الوطأة عن المضطهد الذي لا يُلَامُ إن تَعَلَّقَ بِهِ فلم يجد غيره بل وجد أبناء الدين والملة يسارعون في طعنه واتهامه هو أيضا بالإرهاب والتطرف وتسليم بعض كوادره عربون محبة كما يقال في مصر ! وهو ما صنعت السلطة في مصر صيف 2017 وصيف 2019 ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، من باب الاختيار الأول ، فلا يجاوز حال الإلجاء التي تنقطع فيها الأسباب الذاتية ، وهي حال مركبة لا يمكن الحكم فيها دفعة ، ولا يكون الحكم فيها واحدا مع اختلاف مشاهدها من حال إلى أخرى ، فالضرورة اسم عام يجري مجرى الجنس المطلق الذي يجرده الذهن ، وتحته من الأنواع والآحاد ما يَتَعَدَّدُ ، ولكلِّ نَازِلَةٍ من فتوى الاستباحة للضرورة ما يلائمها ، وإلا فالنظام الدولي صاحب مصلحة مجردة فَلَنْ يَرِقَّ لآلام المستضعفين في الأرض ! ، فلا يَرَى فيها إلا معطى من جملة معطيات في معادلة سياسية معقدة ، فيروم تجاوزها إن شكلت أزمة أخلاقية في الداخل فلا تعدم المجتمعات في المركز ضَمِيرًا لا يخضع لحسابات السياسة البراجماتية ، بل قد يكون هو عامل الضغط الذي يحمل هذه الحكومات على التراجع خطوة ، فذلك ، كما يقول بعض الباحثين ، مستوى تال من مستويات التنسيق السياسي ، فلا يقتصر على التنسيق الرسمي بل ذلك في الغالب مما يفقد الحراك زَخَمَهُ فَهُوَ يُبَرِّرُ اتهامه بالعمالة والخيانة .... إلخ فضلا أنه قليل الجدوى فلن يجلس معك النظام الدولي الرسمي إلا وَثَمَّ ما يُلْجِئُهُ إلى ذلك ، فاستقرار الوضع ، ولو على المدى القصير أو المتوسط ، يَفْرِضُ واقعية في إدارة المشهد ، ولو كان ثم استثمار في معارضة فهو مما يطول مداه ، ولا يحقق مُبْتَغَاهُ ، أن تَتَحَوَّل السلطة من يَدٍ وظيفية إلى أخرى ! ، فإن جاز فضرورة ثانية أن يكون ثم انفراج يجري مجرى أخف الضررين ، فالمعادلة حتى الآن بين سيئ وأسوأ فليس ثم حتى الآن حسن ! ، إذ لا يكون الاختيار بين سيئ وحسن ، أو حسن وأحسن ، لا يكون ذلك إلا في ظرفِ قوةٍ تمنح صاحبها فسحةَ اختيار ، فلا يكون أبدا في حال الاضطرار التي يُرَاجِحُ فِيهَا بَيْنَ المفاسد ! ، فَثَمَّ من مستويات التنسيق ما هو تال للتنسيق الرسمي فهو الأقل جدوى ، ولو على المدى المنظور ، إذ السياسة الرسمية لا تحركها المشاعر الإنسانية ولا تكون المعاني الأخلاقية فيها إلا أدوات ضغط سياسي لا أكثر ، فَثَمَّ خطاب آخر يَنْبَغِي أن يُوَجَّهَ إلى مستويات أخرى ، لا سيما في المجتمعات التي تملك فسحة ضغط وتأثير في الرأي العام عَبْرَ جماعات أو تَنْظِيمَاتٍ بَعْضُهَا ذو مصداقية ، وآخر لا يخلو من اختراقات أمنية ، بل قد يكون أداة وظيفية مزدوجة ، جماعات الضغط القبطي المصري في الخارج مثالا ، فهي عميل مزدوج إذ يحسن النظام الدولي توظيفها في الضغط على السلطة في مصر بِوَرَقَةِ الأقليات ويحسن النظام ذلك ، أيضا ، في مشاهد تَبَعًا لِمَا يكون من تبادل المصالح ، تقنين أوضاع الكنائس مثالا فثم ثمن سياسي محلي في ضمان الحشد المسيحي المؤيد للسلطة ولو كَرْهًا فالعقلاء من الطائقة الأرثوذكسية في مصر لا يكنون الود لهذا النظام وإن كانوا بداهة لا يكنون الود للإسلام أيضا بل قد يَتَصَوَّرُ بَعْضُهُمْ أن هذا النظام يحكم باسم الإسلام إذ يَنْتَسِبُ إليه ولو كان من أشد خصومه وطأة ! ، وثم ثمن سياسي دولي في الترويج للنظام المعتدل المتسامح الذي يعطي الأقليات حقوقها ، ويحترم الحريات العامة ..... إلخ كما كان من زيارة البابا الأخيرة قبل صدور تقرير دولي ، وَإِنْ غَيْرَ مُلْزِمٍ ، يخاطب السلطة في مصر بلهجة حادة على خلفية ما يَتَكَشَّفُ تِبَاعًا من انتهاكات جسمية لحقوق الإنسان لا سيما حقوق المعتقلين ، وهو ، من وجه آخر ، من ذر الرماد في العيون بِتَقَارِيرَ غَيْرِ ملزمة مع ما لها من أَثَرٍ سياسي ضاغط على مجموع وظيفي تابع وتوثيق لأدلة قد تستخدم بعد ذلك في إدانة النظام بعد احتراقه وانتهاء دوره ، فكان المجموع الوظيفي الكنسي ، كما يرصد بعض الصحفيين من لحظات أخيرة وراء الكواليس قبل صدور التقرير ، كان هذا المجموع الكنسي سفيرا فوق العادة ! للسلطة في مصر فسافر البابا نَفْسُهُ لِيُسَدِّدَ فاتورة محلية في مشهد دولي دافع فيه عن السلطة فساهم ذلك في تخفيف الحدة ، حدة الخطاب الذي صدر بعبارات ألطف ، فَقَدْ شهد شاهد من أهلها بل هو على غَيْرِ دِينِهَا ، وكان للمجموع القبطي الضاغط في مناخ حريات أفضل ، كان له دور في الإعداد والتنسيق ، فضلا عن استثمار الكنيسة فيه فهي المستثمر الرئيس على ما بَيْنَهُمَا من شَدٍّ وَجَذْبٍ فلا يخلو المشهد من صراع أجنحة فَثَمَّ من القيادات القبطية في الخارج ما يروم مساحة استقلال أوسع وهو ما يغضب مركز السلطة في الكنسية ، فهي كأي كيان هرمي ، فلا بد له من نواة صلبة من رجالات الصف الأول ، فهم قمة الهرم الذي تَتَرَكَّزُ فيه الصلاحيات ، وهو ما يمتعض من أي خروج عن النص ، ولو في الإطار الوظيفي ، فإن المجموع القبطي في الخارج قد صار هو الآخر عميلا مزدوجا ، فالكنيسة قد استثمرت فيه للضغط على السلطة في الداخل لا سيما بعد فشلها النسبي في مواجهة النظام الرسمي مَطْلَعَ الثَّمَانِينِيَّاتِ ، فَشَعَرَتْ ، كما يقول بعض الباحثين من المصريين البروتستانت ، شَعَرَتْ أنها تحتاج إلى ظهير في الخارج يَلْعَبُ دور المتحَدِّثِ الإعلامي ، وإن غَيْرَ الرسمي ، ويحقق نوعا من الضغط على السلطة في الداخل ، وهو ما حقق نتائج إيجابية ، ولو على المدى الطويل ، فَبَرَزَ دور النخب القبطية في الخارج إذ انْتَظَمَهَا سلك واحد فتحولت إلى تَنْظِيمٍ ذي تأثير وهو ما يَنْصَحُ بِهِ بَعْضُ المتابعين للشأن المصري المعارضِ فِي الخارج ، فهو الآن ، في الجملة ، يَفْتَقِرُ إلى كيان مُنَظَّمٍ يُنْهِي حَالَ التشظي السياسي التي لا تخلو ، كما تقول بعض المصادر ، لا تخلو من اخْتِرَاقٍ استخباراتي نوعي ، مصري وإقليمي ودولي فلم تسلم منه سائر أطياف المعارضة إلا ما رحم الله ، جل وعلا ، مع عظم شكواها من بعض الرموز السياسية التي تُعْلِنُ فجأةً ! عن إنشاء كيانات وتقديم مبادرات ... إلخ فلا يكون ذلك إلا إذا شعرت أن ثم تَوَجُّهًا جادا لإنشاء كيان منظم فتظهر في صورة الناصح وحقيقتها أنها الطاعن ، وذلك مشهد آخر مركب تَتَدَاخَلُ فيه المبادئ والمصالح ويكون من حظوظ الرياسة والصدارة ما يفسد العمل كله ! .
    فثم اعتبار ، من وجه ، بهذه التجربة الكنسية ، فقد حقق أقباط المهجر نجاحات كبيرة منحت الكنسية في الداخل مساحة تفاوض أوسع مع السلطة إذ صارت أقوى ، ولكنها ، مع ذلك ، لم تخل من أوجه قصور باعثها المكاسب والحظوظ ، فقد خرج أقباط المهجر عن دورهم الذي رسمته الكنيسة ، لا سيما وقد تعرض بعضهم لاختراق أيديولوجي جعله أقرب إلى الطرح البروتستانتي ، واختراق آخر سياسي جعله ورقة ضغط في يد المركز في مشهد آخر شديد التركيب ، فالنظام الدولي يستثمر فيه للضغط على السلطة الرسمية تارة ، ونظيرتها الكنسية أخرى ، لا سيما وثم اختلاف في المذهب ، فلا تخفي النخبة الأرثوذكسية في الداخل تذمرها من تقارب مجموعاتها الوظيفية في المهجر مع النخبة البروتستانتية التي تشكل نخبة السلطة في المركز ، والخلاف بينهما كبير وإن لم يكن كالخلاف مع الكاثوليكية فهي الخصم التقليدي للأرثوذكسية والبروتستانتية ، فلم يخل المشهد من اختراق بروتستانتي لهذه النخبة الأرثوذكسية من أقباط المهجر ، وذلك محل اعتبار آخر ، ألا يتحول صاحب القضية والمبدإ إلى أداة وظيفية في يد طرف أقوى ، فيكون ثم من الامتيازات التي تطرأ ما يجعله يعيد النظر والتفكر ! ، فيكون ثم هامش خاص يستثمر لمصالحه وإن كان العنوان أنه يَنْتَصِرُ لمبادئه ، فالمعارضة في أحيان تَتَحَوَّلُ إلى وظيفة ، وَحِرْصُ بَعْضِ رموزها على البقاء على قيد الحياة السياسية يجعلها تقدم مصلحتها الفردية على المصلحة الجماعية ، وهو ما لم تسلم منه سائر الأطياف ومنها الأطياف الإسلامية ، على تفاوت بَيْنَهَا ، وذلك ما يجعلها محل استثمار ، ولو على المدى الطويل في بناء شبكات اعتدال بديلة للنظم الوظيفية التقليدية التي صارت عبئا على النظام الدولي بما قارفت من جرائم تحرجها أمام الرأي العام ، ولو في مساحات محدودة ، فالمعارك السياسية في المركز تُولِي عِنَايَتَهَا الرَّئِيسَةَ بالشأن الداخلي وإن لم يخل من التأثيرات الخارجية ، فالداخل يَتَأَثَّرُ بالخارج ، مسألة الهجرة مثالا فهي عامل خارجي تظهر آثاره في الداخل في التركيبة الديموجرافية وفرص التوظيف ..... إلخ ، فضلا عن التوظيف المباشر استثمارا لمشاعر عنصريةٍ ذات طابع أيديولوجي ، استثمار الرئيس الأمريكي ترامب في التوجه اليميني البروتستانتي ذي البواعث التوراتية مثالا ، فَثَمَّ عبء ، ولو في مرحلة قادمة ، ثم عبء يَتَحَمَّلُهُ النظام الدولي إذ يتوجه إليه الغضب المتراكم في الأطراف فهو من يؤيد ، وهو ما يجعله يَتَحَرَّكُ في مساحات خارج نطاق السلطة الرسمية ، الدبلوماسية الشعبية مثالا كما تذكر بعض التقارير ، فهو يروم التحدث مع الشعوب ، ولو من باب الاستكشاف المبكر لحركات المعارضة في الأطراف ، وذلك ما يجعله يستثمر في بناء شبكات الاعتدال ، وهي صورة من صور الوظيفية المباشرة ، أو اختراق أخرى وهي صورة من صور الوظيفية غير المباشرة ، مع حرصها ، كما توصي بعض التقارير ، ألا تظهر في المشهد فذلك كفيل بإفساد المخطط كله ! ، بل السلطة في الأطراف تستفيد من ذلك في نعت جميع خصومها بلا استثناء وبدرجة واحدة ! أنهم عملاء الإمبريالية والاستعمار ..... إلخ ، وإن كانت هي أمضى أدواته فهي أداة الاستعمار المباشرة بما تَرَكَّزَ في يدها من صلاحيات واسعة في مقابل ما تقدم من ضعف المجتمع ، فتلك خاصة الأنظمة الشمولية التي تَتَوَجَّسُ خِيفَةً من أي كيان مُنَظَّمٍ ، وإن تفاوتت المخاوف تَبَعًا لقوة الفكرة وَذَاتِيَّتِهَا وما يصدر عنها من حركة في الخارج وما تمتلك من جذور اجتماعية تجعلها أقرب إلى القاعدة الأوسع ، عدو النخبة الأول ! ، وكذا إجراءات السلطة مع هذه الكيانات تَتَفَاوَتُ تَبَعًا لموازين القوى في الخارج ، فالنظام الدولي قد يمنح ضوءا أخضر في قمع كيان لا يمكن التفاوض معه فلا يدخل في حد الاعتدال طبقا للمعيار الدولي ! ، ولا يعطيه في قمع آخر فهو يدخل في هذا الحد فيمكن الاستثمار فيه ، ولو على المدى الطويل ، في بناء شبكات الاعتدال التي تحل محل النخب الوظيفية القديمة ، ولو على مكث ، فلا يكون التَّغْيِيرُ الحاد الذي يهدد مصالح المركز فهو يروم الانتقال التدريجي الهادئ من نخبة علمانية عسكرية إلى أخرى علمانية مدنية فلا يفسد ذلك إلا طرح ذاتي النشأة يعبر عن وجدان عام ، ولو في الجملة ، فلا بد من إقصائه ولو باستئصاله في الأطروحات الراديكالية الخشنة ، أو احتوائه وتوظيفه في الأطروحات الواقعية الناعمة ، فجرعة القمع في الداخل تَتَفَاوَتُ تَبَعًا لخطورة الكيان المنظم ، وإن كانت السلطة تَتَوَجَّسُ خِيفَةً من الجميع ، ولكنهم لا يستوون في القوة والتأثير ، ولا يستوون في حجم الدعم والتأييد والحماية من الخارج إذ تَتَفَاوَتُ مصالحه في قمع هذا أو دعم ذاك مع اتحاد الجهة ، فالعدل يوجب التسوية في دعم جميع المضطهدين ، لا دعمِ بَعْضٍ وخذلان آخر ، فذلك ، كما تقدم ، عنوان المصالح وإن خالفت عن المبادئ المعلنة ! .

    وهو ما يكشف عن وجه آخر من وجوه التناقض ، واضرب له المثل بما تذكر الدراسة آنفة الذكر إذ تُوصِي بإنشاء الشبكات المعتدلة من الإسلاميين في العالم الإسلامي كما قد صنعت من قبل إذ أنشأت الشبكات المعتدلة من الشيوعيين أو اليساريين أو المتبرئين من هذه الأيديولوجيا ، فالغرب في النازلة الشيوعية لم يكن على وفاق مع السلطة الحاكمة إذ هي شمولية مركزية تخالف عن مثاله الديمقراطي الليبرالي ، فضلا عن المخالفة في الأيديولوجيا الاقتصادية : الرأسمالية في مقابل الشيوعية لا سيما الرأسمالية الليبرالية ، وأما الغرب في النازلة الإسلامية فهو من كبار المستثمرين في السلطة الوظيفية في الشرق المسلم ، فَهِيَ شمولية ، في الجملة ، كما الحال في الكتلة الشرقية ، فَقِيَاسُ الطرد والعكس الذي يواطئ صريح العقل أن يكون ثم مجافاة عن الأنظمة الشمولية في الشرق كما كانت الحال في الكتلة الشرقية في أوروبا ، وأن يكون السعي في تقويضها لا في الاستثمار فيها ، فإن الرأسمالية لم تستثمر بداهة في الأنظمة الشيوعية فغاية ما صنعت أنها احتوتها تارة وناجزتها أخرى ، فكان التقارب معها تكتيكا لا رِضًى بما تَنْهَجُ من الشمولية المركزية التي تخالف عن المعايير الديمقراطية الغربية ، والغرب ، مع ذلك ، قد استثمر في الأنظمة الشمولية في الشرق بل جعلها الأداة التي بها يطعن أي حراك يروم التحرر لا سيما إن كان باعثه الوحي المنزل فكان من المنهاج ما يجاوز الهوية والأيديولوجيا المجردة ، بل لو اقتصر الأمر على الهوية والأيديولوجيا فذلك ، أيضا ، من الخطر ، ولو على مدى طويل ، أن تَتَهَيَّأَ البيئة الاستراتيجية للإرهاب والتطرف ! ، فهي في الشرق بيئة الحرية الفكرية ولو علمانية لادينية ، فلا يُصْلِحُ الشرقَ المسلم إلا الاستبداد والشمولية ، إذ الحرية تأتي بمن لا يحب الغرب ، خلاف ما كان في صراعه مع الشيوعية ، فكلاهما ، وإن اختلفا اختلافا جذريا في الأيديولوجيا إلا أنهما ، من وجه آخر ، لا يخرجان عن القيم العلمانية ، فهي كسائر الأفكار مما يُجَرَّدُ في الذهن فهو على أنواع ، فَثَمَّ العلمانية المركزية الشيوعية ، وثم العلمانية الديمقراطية الرأسمالية ، فكلاهما يندرج في عنوان واحد وإن اختلفا في الأيديولوجيا السياسية والعسكرية والاقتصادية ، وأما الأمر في الشرق فهو على جنس آخر في التصور والحكم ، فإن حضارته تأرز إلى قيم أخرى تخالف عن قيم العلمانية بجميع أنواعها ، فلا بد من كبح جماحها وذلك ما استوجب الاستثمار في الأنظمة الشمولية فَزَوَالُهَا من الكتلة الشرقية بعد انتهاء الحرب الباردة يؤذن بأخرى علمانية مثلها وإن كانت من نوع آخر يضاد ، من النوع الرأسمالي ، فلا يخشى الغرب حال سقطت هذه الأنظمة لا يخشى بديلا آخر من خارج الدائرة العلمانية ، خلاف الأمر في الشرق فَثَمَّ بديل يأرز إلى القيم الرسالية التي لا يمكنها التماهي مع القيم العلمانية إلا مجاملةً تَبْلُغُ في أحيان حد المداهنة ، أو استثمارًا لهوامشِ حريةٍ أوسع في الأمثلة العلمانية اللادينية المحايدة ، تركيا مثالا وهو ما يثير حنق الغرب الآن عليها فليس يُثِيرُهُ أنها رسالية كلية أو أخرى جزئية فهي علمانية مثله ولكنها إذ تحتضن إرث حضارة رسالية وتسلك جادة العلمانية اللادينية المحايدة فلا تبادر بقمع الحركات الإسلامية لا سيما السياسية وإن كان ثم تحكم وسيطرة في فضاءات الحركة إلا أنها مما يجد حرية أكثر على وجه قد يَصْلُحُ ، ولو في الجملة ، بِيئَةً تنتشر فيها الأفكار المتطرفة ! وإن لم تحظ بالقبول العام إلا أنها لا زالت في الفضاء فَجَرَاثِيمُهَا ! قد تصيب الهوية العلمانية للمجتمع إذ أعطاها قسطا من الحرية والحركة ، خلافا لما هي الحال في مصر مثالا آخر فَثَمَّ علمانية ضد دينية وهي المثال المختار حتى الآن لقمع المعاني الرسالية في الشرق ، ولو هوية أو أيديولوجيا مجردة ، فذلك ما اختار الغرب حتى يكون ثم بديل ، فهو إذ يروم بناء شبكات الاعتدال الإسلامية آنفة الذكر فقد يتخلى عن الأنظمة الشمولية فهي ، من وجه آخر ، تصيبه بالحرج أمام الرأي العام ، إذ يراه يدعم الاستبداد فالمجتمع يَضْغَطُ ضده ولو في الأوساط الثقافية والجماهيرية ، سحب جائزة دار الأوبرا الألمانية من رأس السلطة التنفيذية في مصر مثالا ، فما يحمل الغرب أن يتحمل أولئك وفاتورة تجاوزاتهم قد عظمت ؟! ، فلا يحمله على ذلك إلا احتمال أخف الضررين فإما هم وإما الإرهاب والتطرف ! ، فتلك ، من وجه آخر ، دعاية لا زالت تلقى قبولا في الأوساط الغربية ، لا سيما الرسمية والإعلامية الوظيفية غير المحايدة إذ تستثمر هي الأخرى في الخوف كما الأنظمة الوظيفية في الشرق ، فلا بديل حتى الآن إلا الإرهاب فوجب الشروع في بناء شبكات الاعتدال بالمفهوم الغربي لتكون هي البديل ، على أن تكون ، أيضا ، من النوع الوظيفي التابع ، فلا تستقل ، ولو في إطار علماني وطني أو قومي ..... إلخ ، فغاية الأمر استبدال مجموع وظيفي علماني لاديني مدني بآخر علماني ضد ديني عسكري ، فليس ثم بديل رسالي يطرح ، ولو هوية وأيديولوجيا مجردةً : اسما قد أُفْرِغَ من معظم محتواه ، فذلك ما يخشى الغرب ولو على المدى البعيد فضلا أن يكون من النوع المستقل الذي يعتد بذاته ، تركيا مثالا تَقَدَّمَ ، فليس ذلك المثال العلماني المنشود ، فلا بد ، في جميع الأحوال ، أن يكون تابعا ولئن أَشْرَبَهُ الغربُ قيمَه وأفكارَه فلا يريده على حد المساواة أو التقارب بل يريده أبدا على حد التابع سواء أكان عسكريا أم مدنيا فذلك ثابت من ثوابت الغرب الذي لا يستثمر في بلاد أو نظام إلا لتحقيق مآربه ، فلئن أصلح في بنية تحتية أو أخرى إدارية ..... إلخ ، احتلال بريطانيا لمصر مثالا ، فلا يكون ذلك ، إلا خدمة لمصالحه أن تكون المستعمرة تابعا من توابعه فهو يَنْتَفِعُ بِدَرِّهَا ، ولا يعطي إلا القليل أهلها .

    والله أعلى وأعلم .


  17. #17
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    وقد نهجت أمريكا في الحرب الباردة نهج الدفاع والهجوم ، وهو ما قد عم فاستغرق الكتلة الغربية الرأسمالية فكان من الدفاع ، كما يذكر الفريق الباحث ، كان من الدفاع ما تَبَنَّى دعاية التنفير من الآخر في الكتلة الشرقية ، فهي تحصن جَبْهَتَهَا الداخلية من جرثومة الشيوعية ، فالوقاية خير من العلاج ، وذلك قانون يطرد في علاج الأدواء ، المحسوسة أو المعقولة ، فالدفع ، كما يقول أهل الشأن ، أولى من الرفع ، والاشتغال أولا بتحصيل الحق سواء أكان هو الحق في نفسه أم كان كذلك في اعتقاد صاحبه ولو دعوى يكابر بها ويناجز ، الاشتغال أولا بتحصيل الحق هو الواجب فهو الغذاء المريء النافع ، وهو المحكم الذي تَرْسَخُ بِهِ النَّفْسُ فلا تزلزلها شبهات الباطل ، إذ ثم من الحق فيها ما أحكم ، فهي تَرُدُّ مَا تَشَابَهَ من دعاية الخصم إلى محكم ما تَعْتَقِدُ من الحق ، فلا تشتغل ابتداء بتحصيل الباطل قَبْلَ أن تستوفي الحق الذي به تدفع ، فذلك ما يصنع كل عاقل صاحب فكرة ، رسالية أو أرضية ، فلا يشتغل بالهجوم على دعاية الخصم قبل أن يُؤَمِّنَ ذاته ، فَيَهْضِمَ فكرته هضما تاما ويستخلصَ مادتها فَيُشْرِبَ بها عقله وفؤاده ، وَيُحْكِمَ أصولها ومسائلها ثم يشرع في تفنيد شبهات خصومها فلا يُفْتَنُ بها أحد من حزبه أو معسكره إن في الفكر أو في السياسة أو في الحرب ، وقد يكون من مجاوزة الحد أن يجتهد في تَشْوِيهِهَا ولو بما ليس فيها من الشر ، فذلك ما يخالف عن قانون العدل الذي يجب لكل أحد ولو كان ممن تَكْرَهُ وَتُبْغِضُ ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فلا يحملنك ذلك أن تَرُدَّ ما عنده من الحق ، بل الواجب الانتفاع به فهو غاية كل من خَلُصَ قَصْدُهُ فَسُدِّدَ فَغَايَتُهُ الحق أيا كان المصدر ، فلا يُرَدُّ القول كله وإن غَلَبَ عليه الشر فهو الراجح ، فلا يرد ما فيه من الحق وإن مرجوحا ، بل الشَّرُّ يُرَدُّ والحق يُقْبَلُ ، بل لا يفترى في حق المخالف ولو كان قوله شرا محضا فلا يُزَادُ فيه ما ليس منه ، وإنما يكون تفنيد قوله بما ثَبَتَ من نصه وبما يلزم منه إقامة للحجة دون نسبة اللازم إليه كما القول الصريح ، فلازم القول ليس بقول ، كما يقول أهل الشأن ، وإن لزم صاحبَ القول حجةً تُقَامُ في سياق الجدال الناصح ، وبعد ذلك يكون اجتهاده الثاني أن يهاجم الخصم في عقر داره ، فَيَبُثَّ في صفوفه من الدعاية ما به يُفَنِّدُ رأيه ويشتت شمله فَيَنْفَضُّ الناس من حوله ، بل هو يُرَغِّبُهُمْ بما عنده من الحق ، فَيُزَيِّفَ باطل معسكرهم بما يقيم من الحجج ، ويجتذبهم بما عنده من الحق الذي به سعادتهم ونجاتهم ، وقد يزيد أيضا فيخالف عن قانون العدل المحكم فَيَعِدُهُمْ كَذَبًا ! ، فهو يجتهد في تحبير القول وتحسين الوجه ، ويتكلف من الأخلاق ما ليس فيه ، فَيَتَظَاهَرُ بالسماحة والمحبة ..... إلخ وهو من أشد الناس تعصبا وبغضا يجاوز الحد في الخصومة .
    فالأصل صحيح : أن الوقاية خير من العلاج وأن الدفع أولى من الرفع وأن الاشتغال بتحصيل المحكم من الحق أولا أولى من الاشتغال بالنظر في الشبهات من الباطل ولو تفنيدا لها فكيف يفندها من لم يَتَضَلَّعْ من محكمات الحق ابتداء ؟! ، فقد تعلق بالقلب فَتَنْقَلِبُ حاله ، وأن العدل حتم لازم فلا يزيد في تقبيح الخصم بما ليس فيه ولا يزيد في تحسين قوله بما ليس فيه ، فالحق غنيٌّ أن يَتَكَلَّفَ له مَنْ يَتَكَلَّفُ من الكذب والخداع ، لا جرم بطل قول الفلاسفة الذين قدحوا في النبوات فَزَعَمُوا أن الأنبياء ، عليهم السلام ، قد كذبوا ! لاستصلاح الخلق ، فخاطبوهم بلذائذ الحس في الجنة من المطعم والمشرب والمنكح وليس ثَمَّ شيء من ذلك في نفس الأمر وإنما اضطروا إلى ذلك اضطرارا ! فلا يصلح العامة الرعاعَ الذين ضاهوا البهائم في إشباع الغرائز لا يصلحهم إلا هذا الكذب ! .

    والشاهد أن الكتلة الغربية : الكتلة الديمقراطية الرأسمالية قد مارست هذا المسلك ، وهو مسلك رسالي ينكره الغرب اليوم على أتباع الرسالة فإنهم إن سعوا في تفنيد مقررات الحضارة الغربية ، ولو بموضوعية ، يَزْعُمُ القوم انتحالها ، فَسَعَوا في ذلك بالحجة والبرهان ، فضلا أن يجاوزوه إلى مدافعتها بالسيف والسنان فتهمة التطرف والإرهاب في هذه الحال بداهة بهم ألصق ، وهم ، لو تدبر الناظر ، بين التطرف في الفكر إن فَنَّدُوا مقررات الحضارة الغربية ، فهم بين التطرف ، من وجه ، والإرهاب ، من آخر ، إن ناجزوها بالسيف والسنان ولو دفعا لصائلهم فضلا أن يكون فتحا لمعاقلهم فذلك بداهة أشد في الجرم والإثم ! .
    فكان تحصين الجبهة الداخلية الغربية من الأفكار الشيوعية ، ثم كان الهجوم على المعسكر الآخر بما كان من دعاية موجهة استخدمت فيها أدوات الدعاية والإعلام ، إذاعة "أوروبا الحرة" وإذاعة "التحرير" ثم "الحرية" مثالا ، وهو ما استنسخ بعد ذلك في مكافحة التطرف والإرهاب الإسلامي ! ، إذاعة "سوا" مثالا وهي إذاعة استخدمت سلاح الموسيقى الجذاب في اصطياد فَرَائِسِهَا من الشباب ، فصاحب المبادرة بِإِنْشَائِهَا ، وهو من أباطرة الإعلام الأمريكي ، قد اقْتَرَحَ أن أقرب طريق إلى عقول الشباب هو آذانهم بما درجت عليه من الموسيقى فَغَالِبُ برامجها كما تقول بعض الموسوعات هو موسيقى البوب إن في نسختها الغربية الأصلية أو نظيرتها العربية المقلدة كما أن أقرب طريق إلى قلب الرجل معدته ! فاقترح ذلك الإعلامي غريزة يخاطبها فَيَتَمَلَّكُ بها العقل والفؤاد كما تجتهد المرأة في تملك قلب زوجها بمعدته ! وكذا يقال في قناة "الحرة" مثالا مرئيا وقد اقترحها الإعلامي الأمريكي آنف الذكر ولا تخلو من دعاية سياسية ظاهرة تروج الأطروحة الأمريكية لا سيما عقيب احتلال العراق 2003 فقد انطلقات في العام التالي 2004 بل وكان منها نسخة عراقية تخاطب الجمهور المحتل بما يرسخ الاحتلال فيجاوز احتلال البلدان والسيطرة على الأبدان فتلك مرحلة أولى تعقبها مرحلة السيطرة على العقول والأفكار ، فيكون احتلال الأرض بقوة السلاح واحتلال العقل بقوة الدعاية للقيم والأفكار وقوة الإعلام ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، استنساخ لتجربة بريطانيا في احتلال مصر فكانت القوة النارية وكان الإفراط في العنف حتى هدأت الجبهات المقاومة ووضعت الحرب أورزاها فكان الانتقال فورا إلى المرحة الثانية من تشكيل الوجدان المصري الحديث بما يواطئ أهداف المحتل الذي جاء يحدثه بما يواطئ أغراضه فهو تحديثُ غيرِه لمصلحته لا لمصلحة المحدَّث الذي يخضع لعملية التحديث شاء أو أبى ! فليس ذلك خياره ولو خالف عن قيمه وأفكاره ، وهو ما جعل بعض المستشرقين يُعَبِّرُ عن ذلك بعبارة رشيقة ذكرها صاحب "استعمار مصر" في ثنايا بحثه ، فبريطانيا : "تعرف ليس فقط كيف تستولي ، بل وكيف تحكم" ، فتعرف كيف تستولي بالقوة وكيف تحكم بالفكرة ، فتراوح بين اللين والشدة ! .
    فتلك استراتيجية أمريكية استخدمت في الحرب الباردة ، وإن لم تكن أمريكا عَلَى حنكة بِرِيطَانْيَا ، وهي الآن تستخدم في الحرب الراهنة ضد الوحي ، فاستخدمت أمريكا هذه الاستراتيجية الدعائية في مكافحة الشيوعية ، فضلا عن دعمها للحركات الديمقراطية في المعسكر الشرقي ، وإن ضعيفة مستترة فهي تستثمر في فكرة لا يُشْتَرَطُ فِي نِتَاجِهَا أن يحصد فَوْرًا ، فَثَمَّ رصيد من الأفكار يَتَرَاكَمُ ، وَثَمَّ إِبْرَازٌ لمثالب الآخر مع إظهار مفاتن الديمقراطية ! ، فالجنة على الحد الآخر من الستار الحديدي الذي يحول بين شعوب الكتلة الشرقية ودخول الجنة الأرضية ، جنة الليبرالية الغربية ، وهو ما دحضه بعض مفكري الغرب الرأسمالي ، كما يحكي بعض المحققين ، فهو يرى الاثنين جحيما فَمَنْ فَرَّ من جحيم الشيوعية الخشنة فإلى جحيم الرأسمالية الناعمة ، إذ كلاهما ، كما تقدم ، يصدر عن فكرة أرضية ، رائدها الشح والأثرة ، فتلك طبيعة النفس بما جبلت عليه من الشح ، فـ : (أُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) ، فتلك مادة أرضية لا تهذبها إلا أخرى سماوية فكان الوحي ، كما تقدم مرارا ، عنوان حضارة آخر ومرجع تشريع يجاوز العقول التشريعية في الأرض فَبَوَاعِثُهَا فَقْرٌ إلى الأسباب وجشع وشح وأثرة فلو ملك صاحبها الخزائن لبخل وأمسك ، فـ : (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) ، فتلك خاصة الإنسان فهو القتور جبلةً ، فلا يكون ، ذلك ، بداهة ، إلا مرجع تشريع يظلم وإن كسا صاحبُه ظلمَه لحاء من العدل والحرية .... إلخ يجذب ، فذلك سحر الدعاية والإعلام إذ تكسو الباطل لحاء من الحق يستر ولا تخلو من شبهة تجذب فلا عاقل يجحد أن الغرب الرأسمالي يحظى بقسط من الحريات العامة يجاوز نظيره في المعسكر الشرقي ولكنه أبدا لا يخرج عن أصل العلة : عِلَّةِ السلطة الأرضية إذ تطغى فهي تُحْكِمُ قَبْضَتَهَا على الشعوب إن خشنةً أو ناعمةً ، فثم بلاد تحكم بالقبضة الخشنة ، الكتلة الشيوعية مثالا تقدم وما يقع الآن من حكم الاستبداد والجبر في أمصار الشرق مثالا يحضر ، وثم أخرى تحكم بالقبضة الناعمة ، أوروبا الغربية وأمريكا مثالا ، فلا تجاوز بطرحها الطرح العلماني الأرضي الذي يصدر ، كما تقدم ، عن آفات الفقر والشح فَأَنَّى له أن يعدل ؟! ، ولكن الدعاية ، كما تقدم ، تخدع ، فكان من دعاية الغرب في المعسكر الشرقي إبان الحرب الباردة ما تراكم فَأَفْرَزَ رَأْيًا عاما يروم الانعتاق من ربقة الشيوعية وإن وقع في نظيرتها من الرأسمالية على الجانب الآخر من الستار الحديدي .
    فاستثمرت أمريكا في الدفاع إذ حَصَّنَتِ الجبهة الداخلية وكان من الهجوم المضاد داخل معسكر الخصم تأويلا لنظرية الحرب السياسية ، وهي ، كما يقول بعض منظري الأمن القومي في أمريكا ، هي الحرب التي تستخدم فيها كل الوسائل إلا الآلة العسكرية فذلك عنوان يكافئ الحرب الباردة ، فالتسلح فيها إن حَضَرَ فَهُوَ رادع لا فاعل إلا خيارا أخيرا يحسن أن يكون محدودا في عمليات خاطفة سريعة محدودة الرقعة فهي رسائل السياسة السريعة ، أو أخرى طويلة المدى يستنزف فيها الخصم بِبُطْءٍ بصراع منخفض الحدة ، فالآلة العسكرية في الحرب السياسية ، هي ، في جميع أحوالها ، من الضرورة التي تقدر بقدرها فضلا أنها مما يجري في العادة حربا بالوكالة فَثَمَّ من المجموعات الوظيفية المسلحة ما يَنُوبُ عن القوى المتصارعة التي تقتصد في الجهد وتحقن الدم النبيل ! ولو بإراقة ما سواه من دماء العامة ، ما يجري الآن على الأرض الشامية من حروب بالوكالة على الأرض وقودها الجند من النظام أو من الميليشيات المذهبية الوافدة من العراق واليمن وبلاد الأفغان وباكستان ! أو من المقاومة بكافة أطيافها ، ولا يستوي الجميع بداهة ، فَثَمَّ أطراف رئيسة في الصراع : أمريكا وروسيا وتركيا وإيران ولكلٍّ ممثله على الأرض وإن تَفَاوَتُوا في الغاية والقصد فلم يخرج الجميع عن صورة الأصيل فَلَهُ وكيل على الأرض يَنُوبُ عنه في القتال فَيَتَحَمَّلُ القسط الأوفر من فاتورة الدماء .

    فَثَمَّ من أدوات السياسة والفكر والدعاية والإعلام ما يتقدم وآلة الحرب تحرس على وزان ما قد جاءت به الرسالة الخاتمة من الكتاب الهادي الذي يَتَقَدَّمُ ومن وراءه الحديد الناصر الذي يردع ويفتح ، فمن عَجَبٍ أن الغرب ينكر ذلك على الوحي ، وهو قد صنع نظيره ولا زال ، فكان من تحصين أوروبا الغربية ثم الهجوم على نظيرتها الشرقية : هجوم الحرب الباردة بإذاعة القيم الديمقراطية ومن وراءها الآلة الحربية حلفا يضم الكتلة الأطلسية في مقابل حلف وارسو ، وهو ما قَدْ طَوَّقَ السوفييت بقوى وظيفية تَابِعَةٍ له ، تركيا واليونان مثالا تَقَدَّمَ ، وهو الآن يصنع الأمر نفسه مع الخصم الجديد فَثَمَّ تحصين لجبهته الداخلية بحملات التشويه ، وثم هجوم يروم نشر الديمقراطية ولو بالقوة المسلحة ، بلاد الأفغان والعراق مثالا ، في إطار ما تَقَدَّمَ من تشكيلِ الشرق الأوسط الجديد بِرِيَاسَةِ الكيان الوظيفي اليهودي الذي يمثل طليعة الحملة الغربية الفاتحة للشرق بِقِيَمِ العلمانية الحادثة في الأرض ، فهي تَغْزُو قِيَمَ الرسالة السماوية في عُقْرِ دَارِهَا ، فَتُطَوِّقُهَا فِي بلد المنشإ وَتَنْقِلُ الحربَ إلى أرض الخصم كما نَقَلَتْهَا فِي الحرب الباردة بما تقدم من الدعاية المضادة في بلدان الكتلة الشيوعية .
    ولا تُنْبَزُ الرأسمالية ، بداهة ، أَنَّهَا متطرفة أو راديكالية أو ناشرة لدينها بحد السيف ! فتلك شبهات قد اقتصرت حصرا على دين الوحي ! .
    وكان من سياسة أمريكا ، أيضا ، رعاية الكوادر الشيوعية الفارة إلى أرضها وتدريبها ، وذلك ما اقترح بعض الباحثين في إطار خطة عمل لإعداد الكوادر الإسلامية المعتدلة ! التي تناجز الطرح الراديكالي فلا بد من توفير فرص تعليم مع التركيز على اللغة الإنجليزية لغة الحضارة الغالبة فذلك ما يُوَفِّرُ للشبيبة المعتدلة فُرَصَ الاطلاع على الأطروحات العالمية فتجاوز بها ثقافتها المحلية المنغلقة .
    فكان من سياسة أمريكا ما تَقَدَّمَ رعاية الكوادر الشيوعية الفارة إلى أرضها وتدريبها وتسليط الضوء عليها نجوما في سماء النضال من أجل الحرية .... إلخ مع إعطائها فسحة العمل الوظيفي الذي لا يخرج ، بداهة ، عن قيم المضِيف ، فَوَفَّرَتْ لَهَا التمويل والمنابر والوظائف ، وَانْتَفَعَتْ بخبراتها الأكاديمية فقد فَرَّتْ إِلَيْهَا نخبة مثقفة أجادت استقطابها وتوظيفها بما يصب في قناة حضارتها إن في الفكرة أو في الحركة أو في الصنعة ..... إلخ ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما يُرَى الآن في تركيا على سبيل المثال ، مع قدر فارق بداهة ، فإن ثم رعاية واحتضانا لِنُخَبٍ قد فَرَّتْ من بلاد الشرق التي يحكمها الاستبداد العلماني ضد الديني ، مصر مثالا ، فضلا عن نظيره الديني الطائفي ، العراق مثالا ، فَثَمَّ فرار من هذا المثال العلماني الخشن إلى آخر لاديني ناعم سَقْفُهُ في الحريات والعدل أعلى ، فهو ، بداهة ، خير من الجبر والاستبداد الخشن ، وإن من باب الترجيح بين المفسدتين ، ولكنه ، من وجه آخر ، قد يستخدم في إعادة التأهيل لخطاب إسلامي سياسي بإفراغه من مضمونه الرسالي وقصره على مبادئ الهوية والأيديولوجيا ، فتركيا الآن تحتضن هذا الطيف السياسي وهي تصنع معه كما صنعت أمريكا مع القبيل الفار من أوروبا الشرقية إبان الحرب الباردة بما توفر من فرص التعليم والوظائف الأكاديمية للنخبة المثقفة فهي تَنْتَفِعُ بِعُلُومِهَا ، وذلك حق المضِيف فالضيف ، بداهة ، يدين له بفضل الضيافة وإحسان الرفادة ، ولكن يد المنة إذ تَثْقُلُ فهي تحمل الضيف في أحيان أن يداهن ويجامل ، فلا يطيق قول الحق إذ يخالف عن هوى المضيف ، فَثَمَّ استثمار آخر يجري مجرى ما تقدم من الاستثمار الأمريكي في النخبة الشرقية الفارة من جحيم الشيوعية ، فقد وَفَّرَتْ تركيا ، كما أمريكا ، وَفَّرَتِ المنابر الإعلامية ولو استضافة فلا يشترط التمويل فَثَمَّ بيئة عمل أفضل ، وثم حماية ، وثم فرص عمل للنخب الأكاديمية إذ تحسن تركيا الاستثمار في العقول المهاجرة إليها من نخب الشرق التي فَرَّتْ ، كما تقدم ، من جحيم العلمانية ضد الدينية الخشنة إلى فضاء أوسع ولكنه لا يخرج ، أيضا ، عن المثال العلماني الأرضي ، وإن لادينيا ناعما ، فهو على أدنى الأحوال دولة عدل وإن لم تكن الفكرة فكرة وحي تامة ، فذلك خير مِنْ لا عدل ولا وحي كما الحال في معظم أمصار الشرق الآن ، فلا يصدق فيها إلا وصف الضيعة فَثَمَّ بيت العمدة ! في وسطها فهو مركز الحكم ، وهو ما يستنزف الأطراف حوله فليس إلا أكواخ وعشش يعيش فيها أبناء القرية الذين يعملون في ضياع النخبة الإقطاعية وعلى رأسها حضرة العمدة ! ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، مثال الدول الوظيفية التي تحكم الآن في الشرق فلم تخرج بعد عن صورة الإقطاع الرأسمالي الساذج ، مثال الضيعة القديم ! .

    ولا تخلو حال النخب العربية المهاجرة إلى الأرض التركية ، لا تخلو ، ولو في الجملة ، من نوع مداهنة ومجاملة وغض للطرف عن النقائص وهي مما لا يخلو منه كائن ولكن يد المنة ، كما تقدم ، تَثْقُلُ وقد تحول في أحيان بين الرجل وقول الحق ، وهو ما قد جاء الوحي عنه يَنْهَى ، فـ : "أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ" ، وإن كان ثم فارق ، أي فارق ، ولكن ثم تقاربا من وجوه ، فلا يخلو الأمر من التوظيف السياسي والدعائي ، ولو عرضا ، وذلك ما يحمل صاحب الحق أن يتحرى ما استطاع فلا يكون ثم من المداهنة في مواضع تجب فيها المصارحة .

    ولا يعني ذلك أن يَنْتَقِلْ المرء إلى الضد فيجحد فضل المضيف الذي آوى وتصبح المزايدة في التجريح وقلة الذوق والأدب في أحيان هي دليل البراءة من تهمة العمالة ، لا سيما في حق آحاد ليسوا من ذوي المنابر ، فليس لهم في الجملة تأثير سياسي وليسوا مطالبين ابتداء أن يخالفوا عن أنظمة البلاد التي آووا إليها ، فلكلِّ مجتمع عوائده وتقاليده وليس لهم من أريحية التدخل في شأن غيرهم ما يجعلهم يشتغلون بِنَقْدِهِ وتقويمه بل حسبهم ، لا سيما إن كانوا يحملون قضية دينية أو أخلاقية ، حسبهم أن يشتغلوا بها ابتداء فهي فرض العين في حقهم ، فإصلاح الشأن أولا ، وبعده يكون إصلاح غيره إن كان ثم فسحة من وقت أو جهد ، لا سيما في ظل المفاهيم العنصرية الحاكمة الآن التي تجعل تدخل المصري في الشأن التركي أو الشامي ... إلخ وعكسه ، التي تجعل ذلك من التدخل فيما لا يعني ، فرباط الوحي والدين قد وهى بل قد انقطع وتلاشى واستبدل به الرباط الوطني العنصري الضيق الذي يحصر كُلًّا في إقليمه الجغرافي الضيق فمصر للمصريين وحدهم والشام للشاميين وحدهم ...... إلخ ، فلتكن الإقامة في دار المضيف بما لا يثقل إلا أن يكون الأمر حقا لا يجوز السكوت عليه ولا يجوز تأخير بيانه فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، كما قرر أهل الأصول ، لا سيما إن مس الأمر معتقدات الإنسان وثوابته فكان الامتحان فيها امتحانا ناجزا لا ترخص فيه ولا مندوحة ، لا سيما في حق من لهم في بلاد المهجر منابر فابتلاؤهم أعظم إذ يجب عليهم من بيان الحق ما لا يجب على آحاد الناس الذين يسعهم الترخص والسكوت ما لم يمس الأمر دينهم أو معتقداتهم أو ثوابتهم الفكرية أو الأخلاقية مَسًّا مباشرا ، وللشهرة وعموم الرأي في الناس ضَرِيبَةٌ فليست مَغْنَمًا بلا مغرم .


    ومع افتقاد أهل الحق لداعم مستقل تمام الاستقلال عن النظام الدولي ، وإن وجد من يدعم ويؤوي ، فإنهم لا يَنْفَكُّونَ يدفعون ثمن الدعم ، وإن ثمنا غَيْرَ مباشرٍ ، ولو من باب الوفاء لصاحب الفضل ، فذلك من شيم الكريم الذي يحفظ الود ، ولو لحظة ، فكيف بمن آوى ونصر ، وإن لم تحل حاله من حسابات السياسة والحرب .
    فلا بد من مقابل يبذله طالب المأوى والنصرة ، ولو وفاء لمن آوى ونصر ، وذلك ما يوجبه الدين والخلق ، ولكنه ، في المقابل ، لا يصح ذريعة إلى التماهي الكامل مع المضيفِ الناصر ، وإن أصاب من الحق جملة ، وذلك أمر يدق ، فَثَمَّ تَوَازُنَاتٌ تحكم أي مشهد في السياسة أو الحرب أو الدعاية ...... إلخ ، من مشاهد الصراع الخشن أو الناعم بين الدول أفرادا أو أحلافا ، فكل يسعى في اختراق الخصم واستضافة من يعارض ، ولو كان يَرُومُ الانتصار للمظلوم من الظالم ، وذلك أمر يشرف لا سيما في عصر تَغْلُبُ فِيهِ المصالح ، ولكن الأمر لا يخلو من شوب المصلحة ، ولو دعايةً غير مباشرة فلا يشترط فيها بذل الثمن السياسي الناجز كما الحال في الأمثلة البراجماتية الصريحة التي تستضيف فيها دولة أو كيان مَنْ فَرَّ من نظام حكم آخر فألجأه الاضطهاد أن يغادر هجرة ولو إلى دار أرحب وإن لم تكن هي الدار الأكمل ، فإن الحكمة تَقْضِي في أحيان أن يكون ثم ترجيح باختيار مثال ناقص فهو خير من الأنقص ، فالترجيح في أحيان يَقَعُ بَيْنَ السيئ والأسوأ بل ذلك من أَدَقِّ ما يكون ، كما يحكي بعض المحققين من وصف النبوة ، فإنها ما جاءت تُرَجِّحُ بين الخير والشر فذلك ما يعلمه كل أحد ، إلا من جحد أو سفسط ، فهو مكابر يستحق العقاب أو مريض يستحق العلاج إِذِ اخْتَلَّ مِعْيَارُ عقله في التحسين والتقبيح فاشتبه عليه الأمر فلم يَمِزْ بَيْنَ حق وباطل مع حصول الضرورة العلمية الملجئة التي توجب ذلك فقد يمتاز الاثنان ، الحق والباطل ، قد يمتاز كلٌّ من الآخر على وجه يَبْلُغُ مِنَ العلمِ حَدَّ الضرورة فلا يَفْتَقِرُ إلى نظر ولا استدلال ، فلا شبهة فيه تُحَيِّرُ بَلْ قَدْ عَلِمَ أدنى من له مسكة عقل ، عَلِمَ القدر الفارق بينهما فلا يفتقر ذلك إلى نظر ولا استدلال فذلك إنما يكون في محال الاشتباه والاختلاف التي توجب التوقف والبحث ترجيحا بين وجهين قد اختلط فيهما الحق بالباطل اختلاطا يحير فهو يوجب التوقف والنظر في أدلة كلٍّ والترجيح بَيْنَهَا ، فلا يكون ذلك ، بداهة ، إلا بمعيار تَرْجِيحٍ معتبر إن في صحة الخبر أو صحة الاستدلال كما قد علم في مسائل الخلاف ، وذلك ما يجاوز حد المسائل الدينية العلمية أو العملية مما يسوغ فيه الخلاف إذ لكلٍّ حظ من الاعتبار يُوجِبُ مَا تَقَدَّمَ من التوقف والبحث طَلَبًا لِدَلِيلٍ مُرَجِّحٍ ، فذلك قانون عام يستغرق سائر مسائل الخلاف الديني أو الفكري أو السياسي ...... إلخ ، فمنه ما لا يفتقر إلى نظر أو استدلال فقد بَلَغَ حد الضرورة العلمية ، وإن بمعيار السياسة البراجماتية المحدثة ، فلا يخالف فيه إلا جاحد أو مسفسط ، والبغي في أحيان قد يحمل صاحبه أن يُنْكِرَ الحقائق الضرورية ويخالف عن بدائه الأخلاق الجبلية والسياسية إذ يطمع في مغنم عاجل يَبْذُلُ في سبيله ما غَلَا وَنَفُسَ ، ولو بقايا الحشمة والصيانة ، وإن بمعيار ما تقدم من مُحْدَثِ السياسة ، فقد أعماه الطمع ، فَفَسَدَ تَصَوُّرُهُ فَسَادًا يخالف عن كل معيار سماوي أو أرضي ، أخلاقي أو نَفْعِيٍّ ، وتلك حال العقل إذا أسكرته الشهوة فهو يخالف عن بدائه الفطرة والفكرة فَيُقَارِفُ من القبيح ما قد عُلِمَ قبحه ضرورة ، بل قد يماري ويجادل في موضع ضرورة علمية ، فيتكلف من التأويل ما يُصَيِّرُ به الباطل الخالص أو الغالب حقا خالصا أو غالبا ، فإذا حضرت الشهوة وهي معنى يجاوز ما قد يتبادر من الشبق طلبا لمباضعة أو مباشرة ، فالشهوة جنس عام يستغرق فثم شهوة الحس وثم شهوة النفس ، وهي ، لو تدبر الناظر ، أدهى وأمر ، فشهوة الحس تُشْبَعُ بما يكون من سبب عاجل يطفئ جذوتها جوعا أو عطشا أو شَبَقًا ، فَيَتَعَاطَى طَالِبُهَا من أسباب الحس ما يُشْبِعُهَا ، وأما شهوة النفس فهي ما لا يَنْقَطِعُ أَبَدًا ، فالنفس راغبة فيه طمعا فلا تقنع إذا لم يكن ثم قَيْدٌ يُلْجِمُ ، فـ :
    النفـسُ راغـبـةٌ إذا رغّبتَـهـا ******* وإذا تُـرَدُّ إلـى قلـيـلٍ تـقنعُ .
    فلا تقنع بِرِيَاسَةِ دنيا فهي طالبة لأخرى أعلى ، ولو ظلما وجورا ، وهي ، أبدا ، تروم التعظيم والتوقير ، ولو زورا ، فتعلم من حال المحدِّث أنه مداهن يَتَزَلَّفُ وَلَكِنَّهَا تَرْضَى وتسعد وإن علمت يقينا أنه يقول كذبا ، فسكرة التعظيم والتوقير قد أذهبت الفكرة ، وحملت صاحبها أن يخالف عن كل شرعة ، سماوية أو أرضية ، فيقارف من الجرم والجناية ما به يَعْظُمُ الشؤم في البداية والنهاية ، ولكن سكرة العاجلة قد أفسدت التصور فَفَسَدَ الحكم الذي يُقَدِّمُ العاجلة على الآجلة ، وذلك خلافٌ لما قد عُلِمَ ضَرُورَةً من بدائه الحس والمعنى ، فالعاقل لا يأكل ما لَذَّ إن علم أن مآله المرض والموت ، فلا يحمله على ذلك إلا غلبة السكرة للفكرة ، فلا يَتَصَوَّرُ ما بعد اللذة العاجلة من ألم ومرض يَنْسَخُ ما طَرَأَ من عارض اللذة ، فإذا فسد التصور فقد فَسَدَ الحكم فاشتغل صاحبه بما طرأ من لذة تَنْقَطِعُ ولم يفطن لما بعدها من ألم يطول ، وقد يَفْطِنُ ولكنَّ غلبة الشهوة حال المباشرة تُذْهِلُ العقل عما بعدها ، فيكون من شؤم الشهوة أن تُفْسِدَ التصور والحكم مَعًا ، فَفَسَادُ الحكمِ من فساد التصور إذ من لم يَرَ الحق حقا مبدأ الأمر ، أو رآه ولم يقبله بما طرأ من باطل اكتسى الزينة والزخرف فأفسد الصورة العلمية ، وهي مبدأ العمل ، فاجتهد الوسواس واجتهدت النفس وكلاهما لصاحبه عدو قد استحكمت عداوته ، اجتهدا أن يُزَخْرِفَا ما قد عُلِمَ ، بداهة ، أنه باطل قبيح ، واجتهدا في مقابله أن يقبحا ما قد علم بداهة أنه حسن جميل ، فحملاه أن يخالف عن الشرعة والفكرة والفطرة وما شئت من الأدلة ، ضرورية أو نظرية ، فخالف عن كل معيار يصح وخالف عن ضرورة العلم ، وَصَيَّرَ ما قد عُلِمَ قبحه ضرورةً هو الحسن لحظ نفس يَطْرَأُ ، وَصَيَّرَ ما قد علم حسنه ضرورةً هو القبيح فباعثه ، أيضا ، حظ نفس يطرأ ، فهو في كلتا الحالين قد خالف عن الجادة الضرورية ، وإن لم يكن على دين أو خُلُقٍ ، فلا أقل أن يكون على عقل يَزِنُ الأمور فيرجح ولو ترجيح المصلحة ، فالشهوة تحيد بصاحبها عن كل جادة ، ولو جادة اللذة التي يشتغل بها من قَصُرَ نَظَرُهُ وَلَؤُمَ طبعه فلا يرى غَيْرَها غاية تُطْلَبُ ، فيكون من شؤم الشهوة أن تخالف به عما يروم ، فلو تدبر العاقبة وآلامها التي اجتهد في استدفاعها وطلب ضِدِّهَا ، لو تَدَبَّرَ العاقبة ما أَقْدَمَ ، فكان أن خالف عن ضرورة القياس المحكم الذي يدرك الخير الخالص أو الغالب ونظيره من الشر الخالص أو الغالب ، فَدَرَكُهُ لَهُمَا يَبْلُغُ حَدَّ الضرورة العلمية التي لا تفتقر إلى نظر أو استدلال ، فلما أذهبت السكرةُ قُوَّةَ العقلِ ذهبت الفكرة فخالف السالك عن الجادة .
    والنبوة ، مع ذلك ، لم تأت لِتُمَيِّزَ في هذا الموضع وإن كان لها اشتغال أن تميز الحق من الباطل ، فاشتغالها بما هو أدق ، وهو محل الشاهد آنف الذكر ، أن تُبِينَ عن وجوهِ تَرْجِيحٍ تدق ، فَتُبِينُ في مواضعِ اشتباهٍ يَتَزَاحَمُ فِيهَا خيران فلا يمكن تحصيلهما جميعا بل المحل لا يحتمل إلا أحدهما ، فهما يَتَرَاجَحَانِ من هذا الوجه ، وإن جمعهما عنوان الخير ، فلا يخلو من إجمال وتفاوت ، فَثَمَّ ما هو خير أعلى وثم ما دونه ، فيكون الترجيح المحكم بينهما أن يُطْلَبَ الأعلى ولو فات الأدنى ، وكذا القول في الشرين ، فإذا تزاحما ولم يطق الناظر لهما جميعا الدفع ، إذ لا يستدفع أحدهما إلا باحتمال الآخر ، فَقِيَاسُ العقلِ الناصح أن يستدفع الشر الأعظم ولو حصل نظيره الأصغر ، فذلك قياس النبوة المحكم الذي يُرَجِّحُ في هذه المسائل الخلافية المشتبهة على وجه لو تدبره الناظر المنصف لعلم أنه يجاوز مسائل الشرع المحكم إلى سائر وجوه الخلاف في السياسة والحرب والاجتماع ...... إلخ .
    ومحل الشاهد منه ما يكون من الترجيح بين السيئ والأسوإ في مشاهد سياسة وحرب ودعاية ..... إلخ ، فمنها الهجرة ، وقياس الحكمة في أحيان ، أن يطلب المهاجر دارا يقل فيها الظلم والشر ، وإن لم تخل منهما ، فهي خير مما عَظُمَ فِيهِ الظلم والشر ، فيكون التَّرْجِيحُ بَيْنَ دارين ليسا جميعا على حد الخير بل منهما ما هو ناقص وغيره أنقص ، فالقياس المحكم أن يقدم الناقص فَيُحْتَمَلُ نَقْصُهُ استدفاعا للأنقص فَنَقْصُهُ أعظم ، فذلك ما يجري على وزان ما تَقَدَّمَ من معيار النبوة الحاكم ، فهو ما يُنْجِي صاحبه في هذه المضائق ، وهو ما يَبْلُغُ بِهِ غاية السعادة والنجاة ، مطلوب كل عاقل وإن اختلفت السبل والمسالك ، فلكلٍّ في طلب ذلك مذهب ، وهو ما يفتقر إلى مرجع من خارج يحكم ، فإن العقول إذا رُدَّتْ إِلَى أَهْوَائِهَا والنفوس إذا رُدَّتْ إلى أذواقها ، فلكلٍّ في الخير والشر مذهب ، ولكلٍّ في اللذة والألم مسلك فلا يحكم فيها حكومة العدل المجردة التي سلمت من تهمة الهوى والذوق ، لا يحكم فيها هذه الحكومة المسددة إلا رسالةٌ من السماء منزلة وهو ما يعيد الكرة أبدا أَنْ لا صلاح لهذه الأرض إلا أن تشرق عليها شمس النبوة والوحي ، إن في مسائل العقد والشرع أو في مسائل السياسة والحرب ، فهي سبيل نجاة لكل سالكٍ .
    فالهجرة ، لو تدبر الناظر ، مما تَتَفَاوَتُ درجاتها ، واضرب له المثل بما يكون في دور الظلم والاستبداد من شؤم تظهر آثاره في الأموال والأعمال ، وإن لم تشتغل بأمور السياسة والحكم ، فلا تسلم من شؤم الاستبداد والظلم الذي يصنع بيئة عمل فاسدة إذ قَدْ فَسَدَ الأفراد بما درجوا عليه من أخلاق الاستبداد ، فصارت المداهنة والتزلف جادة من يروم المنصب والمغنم ولو ظلما يجافي عن بدائه الحكمة فَيُوضَعُ الأدنى في الموضع الأعلى ويصير ذا رياسة في الناس ولو بلا ديانة ولا كفاءة ، فلا معيار من السماء ولا آخر من الأرض به يُقَدَّمُ ، فَلَيْسَ إلا النفاق والتزلف ، وصارت الوشاية والتجسس جادة بها ينال ثقة من علاه فلا اشتغال له إلا بجمع الأخبار ! ، فتلك بيئة فاسدة يظهر شؤمها في الأعمال والأموال الخاصة ، فَتَنْفِي كل طيب يروم الإصلاح ولو من داخل ، فهو ناصح يصلح ، ولكنه ، شاء أو أبى ، يفضح من يُفْسِدُ وَيَسْرِقُ ..... إلخ من وجوه النقص ، إذ بضدها تتمايز الأشياء ، فلا يكون لصوت واحد يروم إصلاحا في دين أو دنيا ، في سياسة أو حكم ، لا يكون له أَثَرٌ في الناس يظهر ، وهو ما يُفْضِي به شيئا فشيئا أن يهاجر ، فالحال تلجئه أن يغادر فلا يجاوز ما يصنع أن يكون احتجاجا واحتسابا على وزان المعذرة في الآي المحكمة ، فـ : (إِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ، فلا يطيق تَغْيِيرًا يَعُمُّ نفعه فذلك ما لا يكون من واحد وإن بَلَغَ مَا بَلَغَ من ذكاءِ الفكرة وزكاءِ الفطرة واحتمال الألم والمشقة فلا واحد يطيق التغيير المباشر ولا آحاد بهم تحصل قوة تَغْيِيرٍ ناجز ، وإن كان للفكرة في الجمع أَثَرٌ فهو مما يَتَرَاكَمُ فلا يكون دفعةً ، فالآحاد في الجمع خَبَثٌ يتحمله الماء الكثير ، فإذا كَثُرَ لم يحمل الخبث ! ، وإن كانوا على وصف الطيب الطاهر فهم في جمعٍ من الخبث قد تكاثر ، فهو يَنْفِيهِم إذ وصفهم في معياره وصفُ الشر والخبث ، فهم أهل الشر ! ، فلا بد من نَفْيِهِم مِنَ الأرض كنفي المحارب الذي يقطع الطريق ، فهم من يقطع طريقة الجمع وإن كانت على الشر الخالص أو الغالب فلا تكون عداوتها بداهة إلا لمن خالف عن جادتها فكان على خير خالص أو غالب أو كان على طريقة من الإصلاح ولو لم يخرج عن المعيار الحاكم فَرَامَ الإصلاح من داخل فمآل كل أولئك النفي والطرد فليس لهم في الجمع صوت فلا آحاد بهم تغيير يحصل ، ولا جمع بلا رأس تطاع ومنهاج يُفَصِّلُ فَيَقْدُرُ لِكُلِّ أمر قَدْرِهُ ، ولو اجتهادا لا يسلم من الخطإ ، فَهُوَ فِي كل حالٍ قَدْ بَذَلَ الجهد واستفرغ الوسع وسعى ما استطاع في تحصيل السبب ، فإن لم تكن الحال تلك ، فلا يُفْلِحُ جَمْعٌ وإن كَثُرَ فهو إلى قِلَّةٍ إذ ليس ثم رؤية ولا خطة ، فلا رؤية تجمل ولا خطة تفصل ، فأنى يكون تغيير والحال تلك ؟! ، فغاية ما يكون في هذه الحال الدنيا ما يصنع آحاد قد صَلُحَ حالهم ، ولو في الجملة ، فغاية ما يكون منهم في جمع قد فسد في سياسة أو حرب ، في تجارة أو عمل ..... إلخ ، غاية ما يكون منهم في جمع هذا وصفه أن يَنْصَحُوا في القول ويحتسبوا ، فيكون من بادرة الوعي ما يَنْشَأُ ، وهو ما قد يُؤْتِي في الآجل ثمرةً بما يَتَرَاكَمُ من الفكرة فهي كأي شيء في هذه الدنيا ، فمبدؤه الضعف ثم القوة إذا اشتدت السوق ثم الضعف بعد القوة ، فيكون الأمر دولة ولكلٍّ منها جولة ، فذلك ما يستغرق الجسد في نموه ، والفكرة والدولة وسائر الحقائق في الخارج .
    وأما التغيير السريع الناجز فلا يكون بداهة بآحاد قد انتظمهم سلك فاسد فهو الغالب الظاهر بما تَرَاكَمَ من أمره فصار هو المحكم الذي يُرَدُّ إِلَيْهِ ما تشابه مِنْ قولِ مَنْ خالف ولو كان على الحق الخالص أو الغالب ، فلا تُفْسِحُ منظومة الفساد التي نشأت في مهاد الاستبداد ، وهي ، كما تقدم مرارا ، منظومة محكمة ذات هرم صلب في مقابل ضعف المجتمع وَتَفَكُّكِهِ ، لا تفسح لأي صوت أن يخالف عنها المخالفة التي تضر فَتُفْضِي إلى تغيير ظاهر ، فلا يقوم به واحد أو آحاد تَتَنَاثَرُ في محيطِ فسادٍ غالب ، بل لا يَزَالُ بهم إذ يُضَيِّقُ عليهم ويضطهد ، واضرب له المثل بما يكون من حال المحترف الناصح في أي منظومة ولو لم تكن في السياسة والحكم ، فكانت في تجارة أو عمل ولو خاصا لا يروم إلا النجاح الخاص زيادةً في رأس المال ورواجا في السوق ..... إلخ ، فإذا غَلَبَ الفساد لا سيما في أحوال الاستبداد ، بل لا يغلب إلا فيها ، فالجمع قد خرج من رحم الاستبداد الذي تظهر آثاره في الأخلاق والأحوال ، فعلم كلٌّ من أين تؤكل الكتف ! ، وفسدت بيئة العمل ، فالمحترف الناصح في هذا الجمع هو الخبيث الذي يجب في حقه النَّفْيُ ، فَيَنْفِي الجمع الفاسد خبثه ! ، كما ينفي الكير خبث الحديد فلا يُنْفَى في هذه الحال إلا مَنْ صَلُحَ أمره وَنَصُحَ قوله وعمله ولو لم يبادر بالاحتجاج والاحتساب ولو في محيط خاص لا يضر النظام العام ، فضلا أن يروم تغييرا ، فَلَوْ سكت واشتغل بأمره في جمعٍ كهذا فلا يطيق الجمعُ احتماله إذ يكشف بما يصلح ما يُفْسِدُ الجمعُ وَيَهْدِمُ ، فذلك نظام محكم لا يقتصر على نظام السياسة والحكم الذي يتبادر فهو نظام اجتماع وأخلاق قد نَشَأَ عَلَيْهَا الصَّغِيرُ ، وَدَرَجَ عَلَيْهَا الْكَبِيرُ ، فهو مجتمع قد قَدُمَ في الطبع وَجَمُدَ فَلَيْسَ نظام السياسة والحكم وحده ما فسد ، فما خرج إلا من رحم الجمع ، فهو تأويل الحال إذ تخرج من قوة الجمع إلى فعل السياسة والحكم .
    وَمَا فَسَدَ الحكمُ وَتَرَكَ الجمعَ وشأنه فلا يَتْرُكُهُ إلا فاسدا مثله ، فَهَرَمُ السلطةِ ، بداهة ، أعظم إفسادا بما يملك من أسباب الحكم والرياسة فقوله مرسوم ينفذ وإن إبطالا للشرع المنزل وخروجا عن العقل المسدد ، وفعله محل اقتداء ولو كان في الشر والإفساد ، وحال هذا الجمع وما يفرز من نظام الحكم ، حاله أن يهدر قيمة الإنسان فهو ينظر فيه كما ينظر في ترس الآلة ، بل ليته أعطاها ما تستحق من عناية ، ولو رجاء ما تُنْتِجُ مما به يَثْرَى وَيَتَرَبَّحُ ، فالإنسان عنده كالآلة أو الأصل الثابت الذي يروم الانتفاع به ما استطاع ولو أَضَرَّ بالأصل الذي منه يَتَرَبَّحُ بِمَا فَسَدَ من التصور الذي يستعجل المغنم ، فيستهلك أصل الإنتاج الثابت بما يكون من إرهاق واستنزافٍ لطاقته ليحقق أعظم مغنم وهو مع ذلك يشح ويبخل فلا يعطي هذا الأصل حقه من العناية فلا يعطيه إلا ما يقيم الأود إن كان بشرا ، أو يحرك الترس إن كان آلة ، ولو ضَعُفَ الإنسان وَتَعَطَّلَتِ الآلة ، فهو يبخل بجزء من المغنم ولو استصلاحا للأصل الذي منه يربح ، وتلك أفسد حال في الاستثمار ، ولو ماديًا لا يقيم للشرائع والأخلاق وزنا فهو يهدر قيمة الإنسان وقيمة البنيان ، وهو يخالف عن قواعد الحس والمعنى جميعا ، فَلَا يَصِحُّ في الشرع ولا في النظر إذ يَنْظُرُ فِي كُلِّ شيءٍ أنه سبب ربح ومغنم ولو فَرَّطَ في الأصل الذي يُرْبِحُ ، فيكون الإنسان كالرقيق الذي تستنزف قوته وإن هلك بالجوع والمرض ، وتكون الأصول المادية والمعنوية ، الأرض وقرار السياسة والحرب ...... إلخ يكون كل ذلك محل اتجار ومساومة فمن يدفع أكثر فهو يشتري ولو الأصولَ الثابتة التي لا بقاء لجمع من البشر أو نظام في الحكم إلا بها .
    وذلك ما يضيق ، بداهة ، بأي صوت يَرُومُ إصلاحا ولو في أضيق الدوائر وإن لم تبلغ به الحال أن يُغَيِّرَ فغايته أن يحتج أو يحتسب ولو بصوت خفيض لا يؤثر في الحال وإن تَرَاكَمَ منه ما قد يُغَيِّرُ على المدى الطويل فذلك مما يفطن إليه الجمع المستبد ، فهو ، بداهة ، يضيق ويضطهد ، فيلجئ من بَقِيَ من آحاد فيهم من الخير بَقِيَّةٌ ، يلجئهم أن يفروا ويهاجروا من هذه البيئة الردية ، ولو إلى ذواتهم انطواء وانزواء وإن لم يكونوا على حد البراءة من تهمة قد استغرقت الآحاد والجمع فلا يُبَرِّئُ نَفْسَهُ من السوء والنقص إلا جاهل أو مغرور .
    فيكون من الهجرة ما اختلفت درجاته ، فثم من يهاجر الهجرة الكاملة إلى حال أخرى فيها ما يروم من الحق والعدل ، كما هاجر صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ ضاقت به البلد الحرام وهي أحب البقاع ، فأخرجه أهلها وَنَفَوْهُ وَنَفَوا صحبه فهم خَبَثٌ لا يُحْتَمَلُ إذ علا صوتهم وارتفع ، فكان من الهجرة ما اختصت به يثرب فخرجت من حد الجهالة إلى العدالة والشهرة ، وصارت قاعدة الحكم والدولة فذلك جزاء العدل أن من تحمل الجهد وإن كان مفضولا ، فَيَثْرِبُ دون مكة ، أَنَّهُ يَنَالُ الدرجة ، فيكونُ هو الفاضلَ ولو في أحوال ، كما السياسة والحكم ، فلم تكن قاعدة الرسالة وخلافتِهَا هي مكة وإن فُتِحَتْ بعد ذلك وصارت دار حقٍّ وعدل ، فقد نَفَتِ الخير ابتداء وآوته يَثْرِبُ فصار لها الأمر ، فلا يستوي من أخرج الحق ولو سكن خَيْرَ أرضٍ ، ومن آواه وإن سكن ما دونها .
    فتلك هجرة محل اعتبار وهي أكمل الأحوال ، وثم من يهاجر دونها ، وهو محل شاهد تقدم في حال مصر الآن وقد ألجأت من ألجأت أن يَفِرَّ بما قد عَمَّ فِيهَا من الظلم والاستبداد فطلب من استطاع من الآحاد ممن تقدم وصفهم فهم على الخير ، ولو في الجملة ، إن في الدين أو في الدنيا ، فلا يطلب الفرار من هذا البلد وقد آلت حاله إلى ما يُرَى فلا دين ولا دنيا ، لا يطلبها إلا من اصطلح أنهم النخبة إن في الدين أو في الدنيا ، إن في الكفاءة أو في الثروة فهم خلاصة القوة التي يجتهد الظلم والاستبداد في قمعها واستنزافها فمن أطاق منها الهجرة إلى الخارج فهو يسارع ، وهو أمر لا تَزَالُ وتيرته تَتَسَارَعُ وهو ما استغرق الجميع وإن كانوا من حواضن الظلم والاستبداد فهم أحرص الناس على الهجرة ولو بإخراج أموالهم وعائلاتهم وتأمين معاشهم في الخارج ، فإذا مرضوا طلبوا الشفاء في الخارج وإن تَرَفَّهُوا طلبوا الرَّفَاهَ في الخارج مع تِرْدَادِهِمُ الدائم ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الأدباء ، أنهم في شوق إلى الوطن الحبيب فمصر أجمل بلد في العالم وإن لم يَنْتَفِعُوا من هذا الجمال شيئا فلا يجدون الراحة والمتعة إلا خارجه ! .
    فَثَمَّ من يطلب الهجرة إلى الخارج إلى دار عدل وإن لم تكن دار وحي كما كانت حال المهاجرة الأوائل إلى الحبشة أولى وثانية ، وشرط ذلك ، ما تقدم ، أن يجتهد المهاجِر ما استطاع فلا يَتَحَوَّلُ إلى ورقة مساومة وابتزاز في السياسة أو في الإعلام فيجتهد في الترجيح ويختار أدنى الضررين ، ويجتهد في قول الحق ما استطاع ، ولو على مَنْ أَكْرَمَ وفادته سواء أكان ناصحا يؤوي الضعيف أم طالب مصلحة فقد أحسن ، وَجَزَاءُ مَنْ أَحْسَنَ الإحسانُ أو جمع الاثنين فهو يَنْصَحُ في نصرة المظلوم ولا يخلو من مآرب في السياسة والدعاية وذلك الغالب في السياسة المحدثة ، بل الغالب هو المصلحة ، فإن وُجِدَ من جمع إليها المرحمة فهو أولى بالنصح والتأدب وإن لم يبلغ ذلك بالمهاجِر الآوي إليه أن يُفَرِّطَ أو يَتَزَلَّفَ ، فما هاجر إلا طلبا لحق ، فذلك عنوان هجرته ، ولو في الجملة ، ولا يستوجب ذلك أَنْ يُفْحِشَ في النَّقْدِ أو الذم ليسلم من جناية الخيانة والعمالة ! ، بل يتحرى الأدب ما استطاع كما تحراه جعفر بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وهو خطيب المهاجرين في حضرة النجاشي فأحسن يتكلم ولم يسكت عن الحق المنزل وإن خالف عن رأي من وَفَدَ عليه فَارًّا يطلب المأوى .
    وذلك ، كما تقدم ، مما يدق فلا يكاد يصيبه إلا آحاد ، والناس فيه بين الإفراط والتفريط ، والحق ، أبدا ، جادة بَيْنَهُمَا تدق وإن قَلَّ سالكها فهي الأولى بالتحري ، فَيَتَحَرَّاهَا طالب الحق ويسلك سبيلها فما هاجر إلا طلبا لها ، وهو ، مع ذلك ، ما يستوجب العدل في إطلاق الاسم والحكم ، فَثَمَّ من غلا في هذا الباب ، لا سيما وهو وثيق النسبة إلى باب دقيق من أبواب الشرعة ، قد عمت به البلوى وهو باب الأسماء والأحكام ، فلا يكون إطلاق الأحكام وتعميمها على الدور ولا يكون الإسراف في التَّعْيِينِ في إطلاق ألقاب الدين إيمانا وفسقا ..... إلخ في حق آحاد بأعيانهم إلا من ثَبَتَ عليه الحكم يقينا لا يحتمل الشبهة ، فاستوفى الشرط وَانْتَفَى المانع في حقه وأقيم من الحجة ما يجب فالأمر في حقه قد بلغ العلم ضرورة أو ما يقاربه مما يجزئ في ثبوت الحكم ، مع أن الاشتغال بذلك مبدأ الأمر لا يحسن فهو مما يَشْغَلُ صاحبه عما هو أولى من مهمات الدين ، فضلا أن المحكمَ في هذا الباب هو ما يكون من الأحكام المطلقة فلا يُعَيِّنُهَا في الخارج إلا من يملك سلطان القضاء والإنفاذ ، فالحق في هذا الباب كسائر أبواب الديانة فهو وسط بين طرفين ، وهو فضيلة بين رذيلتين وهو في أحيان يستوجب التفصيل فلا يخلو الحكم من تَرْكِيبٍ إذ الجهة فيه قد انفكت ، كما في فتوى ماردين المشهورة التي قضى صاحبها بِالتَّرْكِيبِ في وصف الدار التي عُطِّلَتْ فِيهَا الرسالة وأهلها على دِينِهَا ، فهي دار رسالة بالنظر في أهلها وليست كذلك بالنظر في أحكامها على تفصيل يُنَالُ من فَتْوَاهُ التي تحمل اسم البلد التي وقعت فيها هذه النازلة : "ماردين" لَمَّا غلب عليها المغول وعطلوا فيها أحكام الوحي المنزل فَاسْتَجْمَعَتِ الْوَصْفَيْنِ .

    وذلك أمر تَسْهُلُ حكايته لفظا ويعسر تأويله في الفعل ، والمسدَّد من سَدَّدَ الرب جل وعلا .
    وثم دون هذا المهاجر الأول ، من يهاجر داخل الجمع الواحد ، وإن عظم الشر فيه جميعا ، فلا يستوي ، فَبَعْضُ الشر أهون من بعض ، كمن يعمل في كيان سياسة أو مال ، وَيَرَى الظلم في بعضه أفحش من بَعْضٍ ، وليس يطيق الهجرة دفعةً فهو يجتهد أن يُرَجِّحَ بَيْنَ المفسدتين ، فهو بين الفاسد والأفسد ، وذلك ، كما تقدم ، ما جاءت فيه النبوة تُرَجِّحُ ، فإن لم يطق دفع الاثنين وهو الواجب الأول فهو يجتهد في دفع الأعلى بالأدنى ، فَيَنْتَقِلُ من أسوأ إلى سيئ ، وذلك ، إن ضاق الأمر ، فهو الحق والعدل الذي جاء به الوحي ، وإن كان ، أيضا ، خيارَ ضرورة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا .
    وثم من يهاجر دونهما فهو يهاجر إلى ذاته فمآله ، كما تقدم ، الانزواء والانطواء ، فلا يروم إلا نجاته وقد ضاقت الدوائر فاستحكمت فَرَامَ الفرار ولو إلى ذاته ، على وجه يفتقر ، أيضا ، إلى نظر الحق والعدل ، فهو أبدا ما يطلب العاقل المسدد ، فلا يكون اعتزاله في هذه الحال عُلُوًّا وَكِبْرًا على الخلق ، فيكون مِنْ أهل : "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ" ، فتلك حال نقص لا تحصل بها نجاة ولا محمدة ، فلا يُرَدُّ النقص بمثله ، ولا يكون الإفراط في هذه العزلة الشعورية على وجه قد يُفْضِي ، أيضا ، إلى صورة أخرى من صور الغلو في باب الأسماء والأحكام ، وإنما يتحرى مواضع الحق فَيَشْرَكُ فِيهَا عامة الخلق ، كما يضرب بعض المحققين المثل بالجمع والجماعات وسائر مواضع الخير الخالص أو الغالب ، فلا يُعْتَزَلُ فِيهَا الخلق ، ولو ظلموا في غَيْرِهَا ، فتكون خلطته من هذا الوجه ، تكون ، أيضا ، من الضرورة التي تقدر بقدرها ، وذلك ما يحسن في أعصار الفتنة بل وأعصار السلامة فمخالطة الناس في فضول المعاش وما زاد عن القدر الواجب مظنةُ الهم والحزن الذي يشغل صاحبه عما هو أولى ، فلا يسلم من أذاهم إذ خالطهم في الحظوظ والرغائب ، وإن كان ذلك ، من وجه آخر ، مما يَتَفَاوَتُ فيه الخلق ، فَالْعُزْلَةُ لا تصلح كل أحد ، والخلطة مثلها ، فَلِكُلٍّ من مقاديرهما ما يُصْلِحُ شأنه وَكُلُّ امرئ طبيبُ نَفْسِهِ فيصف لها من دواء العزلة في مواضع والخلطة في أخرى ، وليس الجميع على وصف واحد ، فلكلٍّ من الجرعات ما يلائم ، فَثَمَّ من يرجح في حقه الاعتزال ، وثم من يرجح في حقه الاختلاط ، بل ثم أحيان يجب على كلٍّ ما يلائم ، فلا يكون الاعتزال أو الاختلاط محل اختيارٍ فهو يجب في أحيان .
    وذلك ، كما تقدم مرارا ، عنوان محكم في بيئة العمل أو السياسة أو الاجتماع الفاسدة أو الناقصة ، فلا تخلو من شَرٍّ يُجْتَنَبُ غَلَبَ أو غُلِبَ ، ولا تخلو من خير يُنْتَحَلُ عِلْمُهُ وَيُمْتَثَلُ أمرُه ونهيه غَلَبَ أو غُلِبَ ، فلا يكون الحكم حادا لا يحسن الاستفصال بل يجتهد في النظر والاستدلال ، ويعطي كل قول وعمل حقه من القبول أو الرد ، وتلك ، كما تقدم مرارا ، خاصة الوحي والنبوة ، فهي ، أبدا ، على الحق ، إن في الرِّضَى أو في السخط ، فآيها المنقول : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، ودعاؤها المأثور : "وَأسأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا والغضَبِ" ، فلا يكون الإفراط في الحب كَلَفًا ، ولا الإفراط في البغض تَلَفًا ، كما قد أُثِرَ عن بعض السلف ، فيكون التوسط والاعتدال في القول والعمل : ما بطن وما ظهر ، فتلك خاصة الرسالة الخاتمة .
    وَكَلِمَةُ السر أبدا أن ثم هَرَمًا حاضرا يفسد وهو هرم السلطة الوظيفية المستبدة بما احتكرت من أسباب القوة وما استأثرت من أدوات بها تشكل الوعي والرأي العام ، وثم ، في المقابل ، آخر غائب من المشهد وهو هرم المجتمع الذي يجب تشييده ، لَبِنَةً لَبِنَةً فلا يحصل في الخارج دفعةً وإنما هو مما يَتَرَاكَمُ من محاولات تفشل تارة وَتَنْجَحُ أخرى وَتُصْقَلُ بالتجارب والنوازل فلا تخلو لمن اعتبر ، لا تخلو من خير يعظم فَمِنْهَا تستفيد وَتَتَّعِظُ ، فلا بد من سعي يخلص ويجتهد في تشييد هذا الهرم الاجتماعي بِتَحْصِيلِ أسباب القوة حسا ومعنى ، علما وعملا ليكون من قوة الجمع ما به يستدفع عدوان السلطة المستبدة فيكون الاحتساب والإنكار ويكون التغيير الفاعل بما يواطئ مقاصد الوحي النازل وأحكامه .

    والله أعلى وأعلم .


  18. #18
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    والشيء بالشيء يُذْكَرُ ، فَثَمَّ الآن دور جديد ، أو مرحلة جديدة من مراحل العمل الوظيفي للكيان السياسي الهرمي المعروف باسم الدولة الوطنية الحديثة لا سيما نسخة ما بعد الحرب العالمية الأولى فإنها النسخة الأولى من نسخ الدولة العلمانية الحديثة في الشرق المسلم بعد انهيار الكيان السياسي الجامع لأمة الشرق ، فكان الطرح الوطني الذي تولت كبره نخب مستغربة تأثرت بالأطروحة القومية الأوروبية ، وهي أطروحة نشأت في ظرف أيديولوجي ومحيط جيوسياسي مختلف فكان نقلها بحذافيرها ، حذو القذة بالقذة ، تصديقا لقول صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، وَحَذْوَ الشِّرَاكِ بِالشِّرَاكِ، حَتَّى لَوْ فَعَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَذَا وَكَذَا، فَعَلَهُ رَجُلٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ" ، الجمعيات التركية الوطنية ، الاتحاد وَالتَّرَقِّي مثالا وقد وصلت إلى سدة الحكم بعد الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني وتحويل البلاد ، كما تقول بعض الموسوعات ، إلى ملكية دستورية قَلَّصَتْ صلاحيات الرياسة في مُقَابِلِ الانتصار للمثال البرلماني واسع الصلاحيات التشريعية مع لا مركزية في الإدارة تضعف الرياسة أكثر وأكثر ، فَلَئِنْ كان ثم استبداد مركزي لا يجحده الناظر في المثال العثماني لا سيما في أدواره الأخيرة التي ضعفت فيها الشورى جدا ، فهي في المبدإ ضعيفة ! إلا في فَتَرَاتِ ازدهارٍ قصيرة ، مع أنها في الأعصار المتأخرة لم تجاوز حد الشورى الحربية والإدارية دون نظيرتها السياسية وهي الأصل في أي مثال ناجح قد استكمل شروط السياسة الشرعية التي تُعْطِي المجتمع حق الاختيار الحر في إطار محكم من الأيديولوجيا الكلية والمرجع المفصَّل الذي يُثَبِّتُ أركان الهوية الذاتية فكان الانتصار للطرح البرلماني في مقابل الطرح الرياسي باصطلاح السياسة الحديث وهو أمر محل اجتهاد في نطاق ما اصطلح أنه المصالح المرسلة فلا تكون الثوابت ومصادر الهوية والتشريع لا تكون محل مساومة أو مراجعة ، فمساحة الأخذ والرد تَقْتَصِرُ عَلَى طُرُقٍ في السياسة والحكم والإدارة تَتَفَاوَتُ تَبَعًا لِتَفَاوُتِ الأحوال ولكن الأمر لم يخل من مكر وإغراض فكان سلب صلاحيات الرياسة وإعطائها للبرلمان الذي سيطرت عليه التوجهات القومية العلمانية ذات الطابع العنصري الذي يمهد لتفكيك الدولة الجامعة مثال تونس الآن وإن في إطار علماني فَثَمَّ انْتِزَاعٌ لصلاحياتِ رياسةٍ ضعيفة لا مستند لها إلا الاختيار الديمقراطي الإجرائي عبر صنادق الزجاج الشفافة التي تَتَّسِمُ بِالنَّزَاهَةِ الإجرائية دون أن يكون ثم قوة سياسية منظمة تقف وراء هذه الرياسة المعلقة في الهواء الطلق ! ، بل قد جاوز الأمر استلاب الكتل البرلمانية الأكبر حق تسمية المرشح للوزارة وحق التوزيع العادل لحقائب الوزارة فضلا عن فسيفساء غير متجانسة يُرَوَّجُ لَهَا أنها مئنة من التنوع الديمقراطي وهو تَنَوُّعٌ ، لو تدبر الناظر ، يعكس اضطرابا في الهوية والأيديولوجيا على وجه تعظم فيه المشاحنات والمكايدات السياسية وذلك عيب رئيس من عيوب النظام البرلماني فهو يُعَزِّزُ بِيئَةَ الاضطراب التي تجيد فيها الأقليات الأيديولولجية والسياسية الاصطيادَ في الماء العكر لِتَنْقَلِبَ فجأة إلى أغلبية تحكم ! وإن لم يكن لها من الوزن النسبي الاجتماعي والسياسي ما يؤهلها لقيادة المشهد فهي تقوده بخطاب إعلامي حاد اللهجة ودعم خارجي ، وهو ما يدعم مثال الاستبداد ، المثال الهرمي ، إذ تخالف هذه الأقليات عن توجه المجتمع فلا يمكنها أن تحكم إلا بمثال هرمي صارم يحكم السيطرة على المجتمع وإن زعمت أنها برلمانية منتخبة تحكي اختيار المجتمع الحر الذي اختار الأغلبية المعطَّلة ! لتحكم الأقلية المتنفِّذة ، وهي أبدا اختيار المركز في حكم الأطراف فحكم الأقليات هو ما يضمن تعطيل الأغلبية : أغلبية المجتمع المغيب من المشهد فلئن اختار فاختياره هدر فلا يملك ولا يحكم ، وهو في أحسن أحواله يملك ولا يحكم ، فلا أثر له في سياسة ولا إدارة إلا في مساحات محدودة لا تخالف عن مصالح المركز فالأقليات تحتال على نتائج الانتخاب بما تملك من أدوات سياسية فاعلة تُثْبِتُ مجددا زيف الأطروحة الديمقراطية التي لا تجاوز حد الإجراء في اقتراعٍ تُؤَثِّرُ الميديا في توجهاتِ نَاخِبِيهِ فضلا أنها تحتال على نتائجه إن لم توافق ما تهوى القوى المتنفذة إما بدعم من جماعات الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي الفاعلة في الداخل أو بدعم آخر من الخارج ، فهي تملك أدوات الحكم الفعلي في مقابل ما تَرَكَتْهُ للرياسة والأغلبية المنتخبةِ من الحكم الصوري ، مصر 2012 مثالا وهو ما يَتَكَرَّرُ في تونس وإن على نحو أهدأ حتى الآن وهو ما حصل في إسطنبول بعد الانقلاب على السلطان عبد الحميد فجاءت النخبة العلمانية ذات التوجهات القومية لتحكم بعد أن قَلَّصَتْ صلاحيات الرياسة بذريعة قمع الاستبداد لِتَسْتَبْدِلَ به استبدادا أشد فهو استبداد يجافي هوية المجتمع المحافظ التي استقرت من لدن دخل الترك في الإسلام وصار لهم من المشاركة الفاعلة في صناعة الحدث السياسي في الشرق حظ وافر ، فكان المبدأ زَمَنَ المعتصم الذي استكثر من الجند الترك كنخبة عسكرية جديدة في الدولة العباسية ، ثم كان نفوذهم التالي في دور بني العباس الثاني ثم كان دورهم التاريخي : نجدة السلاجقة لخلافة بني العباس السنية أن تسقط على يد خصومها من الفاطميين الإسماعيلية ثم سلطنة آل عثمان التي ورثت تركة بني العباس في الشرق بعد سقوط بغداد ، وزادت عليها التمدد في أوروبا غَرْبًا ، فجاء الطرح القومي التركي لِيَسْتَبِدَّ باسم البرلمان والدستور ويفرض على المجتمع قِيَمًا وافدة من خارج قد نشأت ، كما تقدم ، في محيط حضاري آخر فهي تخالف عن هوية الشرق وحضارته ، وزعمت أنها تكافح استبداد السلطة فجاءت بما هو أنكى ولم يكن ذلك ، بداهة ، لِيَتِمَّ إلا بالقوة ، إن ناعمة أو خشنة ، مع تَبَنِّي المثال الهرمي المحدَث في الدولة الوطنية الحديثة وهو ما تَدَرَّجَ من طلب الإصلاح في إطار دولة الإسلام ولعل ذلك ما خدع كثيرا ممن شارك ولم يعلم ما وراء هذا الإصلاح فهو الحق الذي أُرِيدَ به الباطل ، فَانْتَقَلَ من طلب الإصلاح إلى تحجيم صلاحيات السلطنة وبقاء الخلافة اسما بلا مسمى ، رمزا روحيا بلا صلاحيات تَنْفِيذِيَّةٍ ثم إلغائه ثم الشروع في علمنة ضد دينية حادة استبدلت الهوية الطورانية المحدثة بالهوية الرسالية الجامعة وهو ما أخرج ولايات الأطراف العربية من المشهد فكان المبدأ دعايةً قومية تولت كبرها جمعيات كالاتحاد والترقي وتركيا الفتاة 1889م ، وكان رَدُّ الفعل العربي في ذات الإطار العنصري : جمعية العربية الفتاة مثالا في مقابل تركيا الفتاة ، وهي جمعية أسهمت في نشوب الثورة العربية الكبرى 1916 في مقابل ما صنعت الأولى من تَعْزِيزٍ للهوية التركية المحدثة وهي ذريعة الحراك العربي ، فالناظر بين فِعْلٍ تُرْكِيٍّ طوراني متعصب وآخر عربي يضاد ، فَثَمَّ هويات عنصرية محلية طَفَتْ على السطح فَتَرَاجَعَتِ الهوية الرسالية الجامعة لشعوب الشرق ، والجمعية العربية القحطانية ، مثالا آخر ، وهي جمعية سرية نشأت في إسطنبول ، حاضرة الكيان الجامع ، سنة 1909م ، وهو تاريخ ذو مَغْزَى فإنه بالفعل تاريخ انحلال هذا الكيان ، تاريخ عزل السلطان عبد الحميد الثاني آخر قائد مُؤَثِّرٍ في هذا الكيان الجامع ، فَعَزْلُهُ انتصار للفكرة القومية الطورانية في المركز ، وهو ما أَفْرَزَ تلقائيا بزوغ أخرى في الولايات العربية ، فكان ظهور الفكرة القومية العربية ، والجمعية القحطانية ذات الاسم العربي الأصيل ، مظهر من مظاهر هذه الأطروحة فهي انعكاس للفكرة القومية في المركز ونظيرتها في تركيا ، فَانْتَقَلَتِ الفكرة من المركز إلى الأطراف عبر نخب حاضنة لعبت دورا مؤثرا في تمزيق الشرق إلى كيانات صغرى فَقَدَتِ استقلالها الحقيقي وإن ظنت أنها قد نالت استقلالها السياسي عن الدولة العثمانية ذات النخبة الطورانية ، فاستبدلت السيادة المركزية الغربية بِنَظِيرَتِهَا العثمانية على ما أصاب الأخيرة من ضعف وانحلال ، بل وانحراف في الفكرة بَدَأَ مبكرا ، فلا زال ينمو ويعظم ، فلم يكن انحرافا في الفكرة الدينية فحسب ، وإن كانت إسلامية في الجملة ، إلا أنها لم تخل من انحرافات علمية وعملية وإنما حال دون ظهورها قوة الدولة في بواكيرها ، ففتوة الشباب تحول دون ظهور المرض لا سيما إن كانت الجرثومة في حال كمون ، حال الحضانة ، مع قوة في المناعة الذاتية فهي تُحَجِّمُ المرض فلا تظهر أعراضه الحادة وإن كان في الجسد ساكنا ومع مرور الزمن وتقدم العمر يضعف الجسد وتقل المناعة في مقابل انتشار المرض وظهور أعراضه التي لا تَنْفَكُّ تَزْدَادُ حدة ، فكان الإرجاء والتصوف مع التعصب في الفقه تقليدا للمذهب الحنفي مع تجريم الاجتهاد وهو أمر يجاوز الاجتهاد الديني إلى سائر أجناس الاجتهاد وتلك أسوأ دعاية تقدح في كمال الديانة وقدرتها على مواكبة العصر ، وهو ما أفضى إلى انحراف آخر في الفكرة السياسية فكان بزوغ الفكرة القومية الطورانية كعقد بديل لكيان سياسي جديد يَتَّسِمُ بالعنصرية التركية في مقابل نظيرِه العربي ، مثال الجمعية القحطانية آنف الذكر ، ومن عجب أنها ظهرت في مركز القومية التركية الناشئة ، في إسطنبول ، فقد استفادت من الأجواء القومية العنصرية فظهرت بالأطروحة المضادة ، أطروحة القومية العربية التي لم تَطْرَحِ ابتداء الاستقلال التام للولايات العربية ، وإنما طرحت الحكم الذاتي ، وهو أول الوهن ! ، فَرَامَتْ تَقْلِيصَ صلاحيات المركز فتصير صلاحيات بروتوكولية في إطار فيدرالي لا مركزي ، تمهيدا للاستقلال الذي توهمت الأطراف أنها قد نالته ، فكان الشد والجذب بين القوميتين : التركية والعربية ، انطلاقا من نظرة عنصرية شديدة التعصب ، حتى جاءت الحرب العالمية الأولى التي تَخَلَّلَتْهَا الثورة العربية الكبرى ، ثورة التقسيم الفعلي ، وإن خُدِعَ الثُّوَّارُ ! فَظَنُّوا أنهم بصدد استبدال كيان جامع بآخر ، كيان عربي بآخر تُرْكِيٍ ، فانتهى المشهد إلى ظهور هذه الكيانات الوظيفية الصغرى التي تَتَنَاثَرُ الآن على خريطة الشرق الأوسط ، مع بواكير الدولة اليهودية الجامعة ، وهي الكيان الوظيفي الأبرز في الشرق الأوسط ، فلا بد أن تُؤَمَّنَ حدوده بكيانات وظيفية صغرى بعد انحلال الرابطة الرسالية واستبدال أخرى عربية ثم قُطْرِيَّةٍ بها عبر مراحل من التقسيم انتهت إلى الصورة الحالية ، صورة كيانات وظيفية علمانية نالت استقلالها الرسمي مع بقاء الاحتلال المركزي ، ولكنه هذه المرة غربي لا تركي ! ، وهو ما يؤهلها للقيام بالأدوار الوظيفية الرئيسة : السيطرة على المجتمعات الشرقية ذات الميول الرسالية ، وضمان تدفق الثروة من الأطراف إلى المركز والحفاظ على أمن الشرق الأوسط : أمن الممرات المائية وسائر خطوط الملاحة والتجارة العالمية فضلا عن مجالات القوة العسكرية ، البحرية والجوية والبرية ، والحيلولة دون أي زحف من الجنوب ، وإن ذا طابع اقتصادي ، الهجرة غير الشرعية مثالا ، فضلا عن آخر عسكري ! ، احترازا واعتبارا بحركة الفتح الرسالي الأولى ، مع تأمين الكيان الوظيفي الأكبر ، كيان يهود ، فهو الوكيل الرئيس عن النظام الدولي في إدارة الشرق الأوسط ، وقد مر بمراحل من التكوين والاستقرار ثم التوسع ، ولكلٍّ من مجموعات العمل الوظيفي ما يلائم ، فمجاميع الوظيفة في مرحلة التكوين لا سيما 48 تخالف عن أخرى تَلَتْ في مرحلة الاستقرار وَالتَّثْبِيتِ ونيل الاعتراف الرسمي ، لا سيما مارس 79 ، وهي تخالف ، أيضا ، عن المجاميع الوظيفية في مرحلة التوسع ، كما هي الحال الآن ، مرحلة التطبيع الواسع على نحو رسمي عَلَنِيٍّ ، وهو ما يستوجب نسخة جديدة من الدولة الوطنية الحديثة ، أشد ضعفا وأشد تبعية للخارج ، وأشد قمعا ومركزية في الداخل وإن كانت مُتَرَهِّلَةً في جوانب الخدمة والإدارة ، فالمثال الهرمي الصلب فيها هو المثال الأمني فقط ، ومحل الشاهد من دورها الوظيفي الجديد هو ما قَدْ أُعْلِنَ عنه أَخِيرًا من طَرْحِ التسوية النهائية للمسألة المقدسية في إطارِ ما يجري الآن من استعجال يطرق الحديد وهو ساخن في ظِلِّ حَالٍ من التراجع لقوة المجتمع المسلم في الشرق في مقابل الدولة الوظيفية والكيانات الوظيفية ، سلطة أو حكما ذَاتِيًّا ..... إلخ من صور التحكم والسيطرة ذات الطبيعة الأمنية الصلبة إن في إطار القمع المباشر أو في إطار الجمع للمعلومات وما يكون من تحليل ومخرجات توصي السلطة بإجراءات تشريعية أو قضائية أو تنفيذية ، فعماد الجميع المعلومة التي تجمع بطرق شتى منها البدائي ، كما يضرب بعض الفضلاء المثل في سياق البحث في جذور المسألة الأمنية المعاصرة في الشرق وما اسْتُحْدِثَ من كيانات أَمْنِيَّةٍ صلبة قامت على جملة من النظريات والقواعد غَايَتُهَا السيطرة على المجتمع انطلاقا من نظرية الدولة الحديثة ذات البناء الهرمي المحكم ، فمن أهراماته الشامخة : الهرم الأمني الذي يحكم السيطرة إما بِالْقُوَّةِ النارية الخشنة أو قوة المعلومة الناعمة مع استخدام نظرية السلطة الانضباطية التي تُسْتَخْدَمُ فِيهَا أدوات الرقابة الصارمة فَيَتَحَوَّلُ المجتمع إلى أفراد منضبطين يخضعون للسلطة المركزية خضوعا آليا يستغرق سائر حركاتهم ، مع تَبَنِّي أمثلة جامعة ، التعليم النظامي مثالا يضربه بعض الباحثين ، فالتعليم النظامي ليس إلا أداة من أَدَوَاتِ السلطة الانضباطية في تمرير أفكارها وقيمها إلى أكبر عدد في نفس الوقت فَلَنْ تُطِيقَ ، كما يَتَنَدَّرُ هذا الباحث ، أن تُقْنِعَ مجتمعا تِعْدَادُهُ بالملايين أن تُقْنِعَهُ واحدا واحدا ! فلا بد من ابتكار وسائل عامة كالتعليم والإعلام ... إلخ من المنابر التي تُغَطِّي أكبر مساحة من مسطح المجتمع .
    فلا بد من تَوَافُرِ أكبر قدرٍ من المعلومات لدى السلطة ، إما بصورة بدائية أو أخرى حديثة ، فَيَضْرِبُ بعض الباحثين المثلَ بالصورة البدائية الأولى التي لا زالت بعض الأنظمة تَسْتَعْمِلُهَا ، كنظام الحكم في مصر ، صورة "الضبط والربط" في ديوان الوالي الذي دَشَّنَهُ محمد علي ولو نسخة تجريبية أولى أَوْلَتِ المعلومة اهتماما كبيرا وكانت أداةُ الجمع الوظيفية نَوَاةً أولى من خمسين بَصَّاصًا أو جاسوسا يَتَنَكَّرُونَ في أزياء مدنية ويحتكون بالجمهور عن طريق الْبَيْعِ والشراء وما يكون من طرح الأفكار والنقاش الذي يستخرج ما في العقول من أفكار وما تَجِيشُ به النفوس من مشاعر رضًى أو سخطٍ ..... إلخ ، وهو ما يعظم دوره حال اتخاذ الإجراءات الجذرية : ما يَرَى الناظر الآن من تحول جذري في المسألة المقدسية مثالا ، فهو يَفْتَقِرُ إلى دراسة متأنية للرأي العام أَيَقْبَلُ أم يَرُدُّ وهو ما ظهر من نسخ تجريبية تجس النبض ، مؤتمر المنامة الصيف الماضي مثالا وما يقع الآن فَلَمَّا تُكْشَفِ الحقيقة كاملة بَعْدُ لئلا يُصْدَمَ الرأي العام صدمةً قد يستفيق بها فَتَحْسُنُ ، من هذا الوجه ، تجزئة الصدمة لامتصاص غضبة الرأي العام على مراحل فذلك أيسر من التصدي لِرَدِّ فِعْلٍ حَادٍّ قد يخرج عن السيطرة .
    فَمَا يَرَى الناظر الآن في المسألة المقدسية هو التحول الراديكالي الحاد في أدوار الأنظمة الوظيفية التابعة في الأطراف ، سلطة يوليو 2013 في مصر مثالا بارزا على هذا التحول الراديكالي في التعاطي مع الشأن المقدسي ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، تحول راديكالي حاد في دور الكيانات الوظيفية التاعبة ، وإن كان ذلك التحول في الظاهر ، فالناظر في تاريخ النشأة والأداء لأنظمة الشرق الوظيفية التي خرجت من رحم الحرب العالمية الأولى ، النَّاظِرُ في تاريخها لا يَعْجَبُ فليس ثم تحول جذري من حَالٍ إلى أخرى ، فإنها ما كانت إلا لأجل ذلك ، وإن على مراحل تَسْتَوْجِبُ لكلِّ مرحلةٍ طَبِيعَةً سياسية مخصوصة ، فلا يحسن التعجل لا سيما إن كانت المجتمعات لا زالت حاضرة في المشهد ، انقلاب حسني الزعيم في سوريا مارس 1949 مثالا هو صورة بدائية من صور التطبيع المبكر مع كيان يهود ، وما أنجزه من اتفاقيات سَرَتْ بَعْدَهُ ! فلم يطل زمانه إلا أربعة أشهر فكان الانقلاب عليه ضرورةً لامتصاص صدمة الرأي العام ، إذ تَعَجَّلَ ما لم يأت أوانه فعوقب بحرمانه ! .

    فَكُلُّ أولئك مِمَّا يَفْتَقِرُ إلى جَسٍّ لِنَبْضِ المجتمع عَبْرَ شبكات من البصاصين في الواقع الأرضي في النسخة القديمة والواقع الافتراضي في النسخة الحديثة ، وإن لم يفقد العنصر البشري بَعْدُ دوره ، كما يقول بعض خبراء التجسس ، فهو أدل على المطلوب المعين فضلا أنه يمتلك من العقل ما لا تمتلكه آلة التجسس ، وإن ضَعُفَ عقله حتى صار محل التَّنَدُّرِ مما يقع فيه البصاص أو المخبر من أخطاء ساذجة ، ولكنه ، على أدنى أحواله ، يمشي في الناس ما لا تمشي الآلة ، وله من المناورة ورد الفعل ما ليس للآلة ، فَيَتَوَاصَلُ مع شرائح المجتمع ولو مستمعا في المجالس فضلا أن يكون محاورا ، فهو من الأدوات التي زَرَعَتْهَا السلطة في جسد المجتمع لِتَسْتَبِينَ رَأْيَهُ في إجراءاتها لا سيما المصيرية ، إِنْ أيديولوجية أو سياسية أو اقتصادية ، فَتَرُومُ تحسس المشاعر وردود الأفعال لا سيما النخبة الفاعلة على الأرض لا النخبة المعلقة في الهواء ! ، فالنخبة الفاعلة هي هدف السلطة الأول لِمَا تملك من نفوذ كبير في تشكيل الرأي العام ، فَهِيَ تمتلك أدوات القوة المادية والمعنوية فمعرفة ما يدور في خَلدها أولى بالرعاية من نظيره في حق العامة ، وإن كان العامة هم الجمهور الأغلب فهم في معادلة السياسة والحكم الطرفُ الأضعف إذ لا يملكون من أدوات القوة ما تملك النخبة التي تحسن تَسُوسُهُم إن خَيْرًا أو شَرًّا ، لا سيما إن كانت جزءا من السلطة فهي تملك مفاتح مُؤَثِّرَةً في صناعة مشهد سياسي أو ميداني يحقق مصالحها ولو في نطاق ضيق كنطاق التصارع بين أجنحة السلطة الوظيفية ، فالعامة هم الوقود الذي يُغَذِّي الحراك وَيُرَجِّحُ طَرَفًا على آخر فهم عامل الترجيح الذي لا يستقل بالتأثير وإن ظن ذلك في مشاهد الحماسة والفورة ، فيكون الاستثمار في صناعة الحراك ، ويكون الاستثمار في حصد نَتَائِجِهِ ولو زيادةَ مكاسبٍ في السياسة أو الاقتصاد ، ولا يكون للعامة منه حظ فمن يضغط بواسطة الجمهور لا تهمه مصلحة الجمهور ! ، وإنما يضغط لتحقيق مآربه ، وافقت مآرب العامة أو خالفت ، فهم تَبَعٌ لا أصل ، وإن كانوا هم من يَتَحَرَّكُ على الأرض ، ولكن الحركة العشوائية وإن كَثُرَتْ أعدادها لا تَصْلُحُ إِلَّا لَقْطَةً تُسَجَّلُ وَتُذَاعُ في سياق معين ، فإن كانت السلطة وهي الكيان الأشد تَنْظِيمًا في مثال الدولة الحديثة ، إن كانت هي من يَلْتَقِطُ وَيُذِيعُ فَهِيَ ، بداهة ، لا تريد للأمر أن يطول فقد يَنْقَلِبُ حقيقة فَتَدْفَعُ ثمنا أكبر في قَمْعِهِ ! ، وعندها من القدرة التنظيمية ما تستثمره في صفقات أكبر من صفقات الحشد والتأييد الساذجة ، فهي لقطات عابرة تُوَظَّفُ في مشهد سياسي أو ميداني عاجل ، 30 يونيو 2013 في مصر مثالا ، فلا تملك جذورا راسخة في وجدان المجتمع ولا تخاطب احتياجاته المباشرة ، خلاف ما يكون من التنظيمات الاجتماعية فهي جزء من المجتمع لا مِنَ السلطة فهي إلى الجمهور أقرب فَتَصْبِرُ على الأمر ما لا تصبر السلطة ، فليس الأمر في هذه الحال لقطة تُذَاعُ بل هو عمل مُكَلِّفٌ مُجْهِدٌ بِغَضِّ النظر عن نَتَائِجِهِ بل وَبَعْضِ بَوَاعِثِهِ فَقَدْ لا يسلم من حَظِّ النَّفْسِ في رياسة أو ضغط تُنْتَزَعُ بِهِ مكاسب سياسية تَغْلب عليها البراجماتية فَفِي جميع الأحوال يكون التنظيم الاجتماعي أقرب إلى الجمهور من التنظيم الرسمي ، ويكون بذله أكثر وصبره أطول وتضحياته أعظم ، إن في محلها الصحيح المواطئ للشرع والعقل أو في غيره فَقِيمَةٌ التضحية مجردةً عنده أعظم منها في الكيان السلطوي الرسمي الذي لا يحتمل التضحية ، بداهة ، إلا في أضيق نطاق على وجه يحقق له المصلحة العاجلة وغالبا ما يضحي بِغَيْرِهِ ! ، فهو يضحي بجزء من المجتمع أو آحاد أو مئات من أفراده لِتَزْدَادَ سلطته نُفُوذًا وَتَزْدَادَ مكاسبه السياسية والمالية ! .

    فَالْحِرَاكُ وَإِنْ حَمَلَ قِيمَةً وفكرة إلا أن ذلك لا يجزئ وحده فلا بد له من أَدَاةٍ تُحَوِّلُ الفكرة إلى حركة راشدة ، فهي كالأداة التي تعالج الخام الْمُدْخَلَ فيكون منه منتج مُخْرَجٌ على وجه صحيح مكتمل يمكن الانتفاع به ، فلا يكون ذلك إلا بآلة إنتاج محكمة تُخْرِجُ الفكرة من القوة إلى الفعل المنظَّمِ ، وإلا خرج إلى آخر عشوائي لا تَنْقُصُهُ الشجاعة ولا الحماسة ، وإنما ينقصه التصور والتنظيم الذي يحسن يَسْتَثْمِرُ في الْمُعْطَيَاتِ على الأرض ، فالتنظيم في أي عمل يَقْتَصِدُ في الجهد وَيُقَلِّلُ في الكلفة وَيَتَعَاهَدُ الثمرة ، ولو على مدى يطول ، فذلك خير من استعجالها قبل أوانها فيكون العقاب بحرمانها ، وهو ما يغلب على أي حراك لا يملك الرأي قَبْلَ الشجاعة ، فيكون اسْتِنْفَادُ الطاقة بلا عائد يُضَاهِي المستهلَك ، فلئن حقق نجاحا أو أَثَرًا في الخارج ، فهو بمعيار التجارة ، كَسْبًا وَخَسَارَةً ، لم يحقق الربح بل ولم يسلم من الخسارة ، فما حصل من ربح قد بَذَلَ أكثر منه في الثمن ، فميزان المدفوع قد أصابه العجز إذ أَفْضَى إلى رقم سالب فلم يُفْضِ حتى إلى صفر ! ، فانغمر ربحه الأقل في خسارته الأكبر ، ومناط الأمر ، لو تدبر الناظر ، أَنْ لَمْ يكنْ ثَمَّ كِيَانٌ مُنَظَّمٌ يَسْتَثْمِرُ هَذَا الحراكَ استثمارا أَنْفَعَ .

    وذلك يشبه ، من وجه ، نُصْحَ الولي لليتيم ، فهو يحفظ ماله وَيَتَصَرَّفُ فيه بالأحظ ، كما يقول أهل الشأن ، فإن خُيِّرَ بين نافع وأنفع ، فالواجب عليه اختيار الأنفع ، فَيَأْثَمُ إن اختار النافع وفيه من الخير ما يعظم ، ولكنه إذ ولي أمرا فهو له ناصح فيختار الأنفع في كل صفقة .

    فإن لم توجد الآلة المحكمة فَمَا يَسْتَفِيدُ صاحب الخام فلا يملك القدرة أن يُصَيِّرَهُ مُنْتَجًا نَافِعًا فذلك ما يَفْتَقِرُ إلى معالجة معقَّدَةٍ تخرج بالخام من حد القوة إلى حد الفعل ، فإن لم يكن ثم آلة ، فصاحب الخام يملك الثروة ، ولا يملك القدرة على الانتفاع بها فسرعان ما يُبَدِّدُهَا ، وسرعان ما يَتَكَالَبُ عليه اللصوص ، وأحسن أحواله أن يَبِيعَ هذا الخام لمن يملك الآلة التي تحوله إلى منتج نافع ، وذلك قانون يستغرق كل مجال إن في السياسة أو في الصناعة ..... إلخ ، وإن تَبَادَرَ إلى الذهن ما يكون من آلة الإنتاج المحكمة التي يستأثر بها الطرف الأقوى وإن لم يكن الطرف الأغنى بالنظر في ثروة الخام ، فامتلاكه الآلة وهي في السياسة تعدل الكيان المنظم أو الحزب المؤطر ، امتلاكه لها يجعل كعبه أعلى إذ صاحب الثروة لا ينتفع بها إلا أن يَبِيعَهَا له ولو بثمن بخس فماذا يصنع بفائض كبير لا يطيق استثماره فهو عِبْءٌ يُثْقِلُ كاهله ، واضرب له المثل في الاقتصاد بالشرق الآن وقد صار مصدر الخامات ، لا سيما خامات الطاقة على اختلاف أَنْوَاعِهَا ، فأكثرها توجد في أرضه وهو ، مع ذلك ، أَقَلُّ النَّاسِ انْتِفَاعًا بها إذ لا يملك من الآلة ما به يُحَوِّلُهَا إلى مُنْتَجٍ ذي قيمة مضافة تزيد من ربحه فلا يقتصر على بيع الخام مجردا .

    وكذلك الشأن في السياسة ، فلا بد من الكيان أو الحزب الذي يَتَرَاوَحُ أمره أن يخلص النصح أو يغش ، أو يخلط قصدا صالحا وآخر فاسدا ، فذلك الحزب هو الآلة التي تخرج الحراك من القوة إلى الفعل ، فإن غاب كان الحراك في الغالب خاسرا فهو حجر يُلْقَى فِي ماء راكد ، ولكنه سرعان ما يَرْكد بعد حركة فَيَنْقَضِي عمرها سريعا ولا يوجد من يَتَعَاهَدُهَا إذ يَقْصُرُ نَفَسُهَا ، وذلك ما جعل السلطة تجتهد في احتكار هذه الآلة : آلة التنظيم السياسي أو الأمني أو الاقتصادي أو الإعلامي ...... إلخ ، فتكون هي مصدر الأمر والنهي ، ومصدر التمويل ، ومصدر المعرفة ...... إلخ فلا يُنَازِعُهَا في ذلك المجتمعُ ، وهو ما قد دَشَّنَ محمد علي في دولته الحديثة وإن كانت بدائية في عصره فذلك مَبْدَأُ أَيِّ فكرةٍ ، سواء أكانت أصيلة في بِيئَتِهَا أم وافدة من بيئة أخرى ، كفكرة الدولة المدنية الحديثة الْوَافِدَةِ من الغرب إلى الشرق .

    فكان ديوان الوالي نسخة تجريبية أولى لنظرية البناء الهرمي المحكم في جمع المعلومات لا سيما في أوساط النخب الفاعلة عبر شبكة من البصاصين ذَكَرَ الباحث آنف الذكر أن عددهم كان خمسينا ، ولم يخل أمرهم مِنْ بِنَاءٍ هرمي ، وإن بدائيا ، فهو محاولة تُضَاهِي محاولات المصريين القدماء في بِنَاءِ الأهرامات فكان الهرم ذو الدرجة أو المصطبة الوحيدة ، ثم الهرم ثلاثي الدرجات ، ثم الهرم السداسي ، ثم الهرم مائل الشكل ثم النسخة الأخيرة في أهرامات الجيزة المعروفة ، فكذلك كان هرم الجهاز الأمني خصوصا ، والجهاز الإداري عموما في الدولة المدنية الحديثة ، فكان بدائيا فهو النسخة التجريبية التي كان لها السبق أن تُخْرِجَ الفكرة في الشرق من القوة إلى الفعل ، ولو بدائيا ، فأولئك الخمسون ، وهم عماد الجهاز الجديد ، أولئك يمدون درجة أعلى في الهرم ، امرأة تسمع قصصهم وَتُلَخِّصُهُ ، ومن ثم ترفعه إلى درجة أعلى فَثَمَّ رجل من رجال الضبط والربط يَتَلَقَّى منها الموجز اليومي ويرفعه إلى درجة أعلى ، درجة محمد لاظوغلي نائب محمد علي الذي يَرْفَعُهُ بِدَوْرِهِ إلى قمة الهرم : محمد علي ، فتلك صورة البناء الهرمي المتدرج ولو صورة بدائية في أي نظام استبدادي فهو يَنْتَهِي إلى واحدٍ لا شريك له يحرص ، كل الحرص ، أن يُبَاشِرَ جَمِيعَ الأمور بنفسه فلا يَتْرُكُ شَيْئًا للصدفة ، حتى بلغت الحال في نسخة حديثة قديمة ! ، نسخة الحكم في مصر الآن ، أن صار تَعْيِينُ أَيِّ موظف في الدولة يفتقر إلى مرسوم إداري يصدق عليه رأس السلطة التنفيذية مباشرة ، وإن كان ذلك ، من وجه ، ما قد يَتَعَذَّرُ ، فَثَمَّ نُوَّابٌ وَوُكَلَاءُ ، ولكنَّ طرح الأمر ، ولو فكرة ، يدل على سذاجة في الطرح تروم الرجوع بالهرم إلى أولى نسخه القديمة التي لم يعد أحد يستخدمها ، وهو ، لو تدبر الناظر ، أمر لا زَالَ يَجِدُ له صدى في هذا العصر ، فلا زالت فكرة البَّصَّاصِ الذي يجس نَبْضَ الرأي العام دون اختصاص بأعيان يَتَحَسَّسُ أخبارهم دون غيرهم ، لا زالت هذه الفكرة مطروحة ، فَثَمَّ شبكة من البصاصين تجلس في المقاهي وتمشي في الأسواق والمجامع العامة فهي تَتَصَيَّدُ من أحاديث الناس ودوائر نِقَاشِهِم ما يدل على الحال العامة ، وهي ، من وجه آخر ، تطرح بعض الأفكار إما ترويجا لها إذ تواطئ أهداف السلطة ، إن تكتيكية أو استراتيجية ، مقولة بَيْعِ أهل المقدس لأرضهم فهم يَسْتَحِقُّونَ ما يحدث لهم ومقولة أن هذا الأمر يخصهم وحدهم فغاية ما يصنع الجار الملاصق أو القريب أن يلعب دور الوسيط ولو غير نَزِيهٍ وليته كف شره وانقطع ، كل أولئك أمثلةً على هذه الاستراتيجية التي تستند إلى نظرية التَّرَاكُمِ في العقل الجمعي الذي يُشَكِّلُ الرأي العام ، فَمِنْ وسائل صناعته الإلحاح ، وهو ذو مستويات ، فَثَمَّ مستوى الجهاز الدعائي والإعلامي وهو المستوى الأعلى ، وثم مستوى أدنى وهو الإلحاح بالعنصر البشري على الأرض ، إذ يُرَدِّدُ الفكرة التي أُمْلِيَتْ عليه لتذيع في الجمع وبها يصنع الرأي العام ، كما هي الحال الآن فِيمَا اصطلح أنه الذباب الإلكتروني فَتِلْكَ كَتِيبَةٌ قليلة العدد ولكنها تملك منصات بَعْضُهَا حقيقي وأكثرها زائف فَتُرَدِّدُ من خلالها ما أُمْلِيَ عَلَيْهَا لِيَذِيعَ فِي الصفحات والمنتديات ، العام منها والخاص ، فتكون الشائعة التي تذيع لا سيما إن كان الخصم غافلا أو ساذجا لا فكرة تَشْغَلُ عقله لا أَنَّهُ تَافِهٌ ، فلا يشترط ذلك وإن كان أفضل ! ، فهو ، في الغالب ، يَرُومُ الاسترخاء فَيُقَلِّبُ الصفحات كما القنوات الإعلامية ، فهو ، كما يقول بعض المفكرين ، في حال استسلام لما يُبَثُّ من دعاية فَعَقْلُهُ قد أُجْهِدَ من طُولِ الفكرة في عَمَلِهِ أو بَيْتِهِ .... إلخ ، وجسده فد أُنْهِكَ من كثرة الحركة سَعْيًا في حرفة وطلبا لأجرة يستعين بها على أعباء الحياة ، فلا يكون ، بداهة ، في حال صفاء تجعله يميز الخبيث من الطيب فَغَايَتُهُ أَنْ يَتَفَرَّجَ وَيَتَرَفَّهَ ، فَثَمَّ ضعف ، ولو مؤقتا ، في جهاز المناعة الفكرية ، فَقَدِ اسْتَرْخَى وَاسْتَلْقَى وتلك فرصة تسنح أن تَعْلَقَ بذهنه أي فكرة ، ولو شبهةً ، لا سيما إن كانت من النوع الخفيف اللذيذ ولو وَبِيئًا يَضُرُّ ، خلاف ما يكون من النَّافِعِ المريء فذلك ما لا يستسيغه إذ حاله ، كما تقدم ، حال من أُجْهِدَ فلا يريد أن يُفَكِّرَ ، فكذلك الشأن في النقاشات التي تدور في المنتديات العامة على الأرض ، فهي الأصل الذي يستنسخ على المنتديات الإلكترونية في العالم الافتراضي ، فَثَمَّ نقاشات في المقاهي والمنتديات العامة بها يُصْنَعُ الرأي العام على مكث ، وقد يكون ذلك ضد ما تَرُومُ السلطة إن كان المجتمع في حال نشاط وفورة فنقاشاته فاعلة وهي تَتَوَجَّهُ بِالنَّقْدِ للسلطة الحاكمة فَتُمَارِسُ الاحتساب ولو في نطاق السياسة وهو ما يغلب على المنتديات العامة في أجواء الانفتاح ، المقاهي في مصر مثالا بارزا ، لا جرم كان من احتياطات السلطة تحسبا لأي حراك قَدْ يَجِدُ من المقهى أو المنتدى نقطة انطلاق ! ، كان من احتياطه أن يُغْلِقَ المقاهي قَبْلَ أَيِّ ذكرى تُؤَرِّقُهُ فَضْلًا عن حصار المساجد ، إن مباشرةً أو عَبْرَ هَرَمٍ إداري تابع ، فالهرمية ، كما تقدم مرارا ، لا تقتصر على الأجهزة السيادية التي تباشر السلطة فهي تستغرق سائر الهيئات ، ولو دعوية أو خدمية ، ومن أَبْرَزِهَا المؤسسة الفاعلة : مؤسسة المسجد الذي وُضِعَ في منتصف الخطط في عمران المدينة الإسلامية القياسي ، فهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، مركز التحكم والسيطرة ، وهو مرجع الفكرة والحركة فَفِيهِ الشعيرة تُؤَدَّى وفيه الفكرة تُبَلَّغُ وفيه الشورى تُتَأَوَّلُ بل وفيه الغريب يُؤْوَى كما حال أهل الصفة ، وفيه الوفود تُسْتَقْبَلُ ، وفيه من التكافل والرعاية والخدمة ما يَنْفَعُ ..... إلخ ، فدوره يجاوز ما قد رسمت الدولة المدنية الحديثة من دور محدود لا يجاوز في أحسن أحواله أَدَاءَ الشعيرة والوعظ والإرشاد العام الذي لا يخاطب وجدان الناس ولا يَفِي بواجب الوقت إن في دين أو دنيا .

    فالمساجد في الشرق ، لو تدبر الناظر ، مصانع الأفكار ونقاط الانطلاق الفاعلة التي تحكي روح المجتمع الرسالية فخطرها ، بداهة ، أعظم من خطر المقاهي والمنتديات الاجتماعية أو الإلكترونية ، وإنما الأمر يتدرج فالسلطة تَبْدَأُ بالأخطر فَمَا بَعْدَهُ ، والسلطة الوظيفية التَّابِعَةُ في الشرق الآن وهي من النوع العلماني ضد الديني تَبْدَأُ بداهة بالمساجد وروادها قَبْلَ أن تَنْتَقِلَ إلى أي بؤر أخرى تصلح للاجتماع وَلَوْ لِشُرْبِ الشاي والدخان فقد يَتَفَاقَمُ الأمر فتصير نقاط تجمع وحراك يُؤَرِّقُ السلطة وإن لم يهددها لا سيما إن بَلَغَتْ من الضعف غاية عظمى فهي تَفْزَعُ من أي دعوة ولو لم يكن لها في الأرض أثر على المدى القريب أو بلغت من السذاجة ما قد بَلَغَتْ فقد ينقلب الهزل جدا ! ، ومعظم النار من مستصغر الشرر .

    وعلى الجانب الآخر فإن السلطة قد تَنْتَفِعُ بهذه المنتديات العامة ، فَوَاحِدٌ يَبُثُّ فكرة في مقهى أو منتدى فهو يستأنف النقاش ويمرر ما يروم من الأفكار ، وآخر يصنع ما صنع الأول ..... إلخ في دائرة جغرافية ومحيط ديموجرافي مستهدف إذ ثم شرائح تختلف ، فثم شريحةُ دائرةٍ انتخابيةٍ ضَيِّقَةٍ ، أو حِرْفَةٍ بَعَيْنِهَا أو حَيٍّ بِعَيْنِهِ ..... إلخ ، وثم دوائر أوسع تَسْتَغْرِقُ المجتمع كله في مشاهد السياسة العامة ، فواحد واثنان وثلاثة ..... إلخ ، وإنما السيل اجتماع النُّقَطِ حتى ترسخ الفكرة ، ولو على مدى يطول ، في وجدان المجتمع ، فتصير الشائعة حقيقة ولو بلا مستند من خارج ، فذهول العقل لا سيما في الجمع الذي يعلو فيه الصوت وَتَتَشَابَكُ فيه الأفكار ، كل أولئك مما يُضْعِفُ قدرة الناظر أن يميز فسرعان ما يَنْقَادُ كالقطيع ، واضرب له المثل المشهور الذي صار بعد ذلك محل تَنَدُّرٍ ثم محل تحسر ، فكان بعض من يملك آلة الدعاية يمارس حرب الشائعة في ميدان التحرير في مصر في يناير 2011 ، وقد كَفَى الناظر مؤنة التخمين فقد تَبَجَّحَ صراحةً على منصة إعلامية مَرْئِيَّةٍ أنه كان يحرك الجمع الكبير بشائعة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مئنة من ضعف في الجمع وإن كَثُرَ العدد إذ لم يكن ثم تَنْظِيمٌ فهو ، كما تقدم ، الآلة المرشدة لأي حراك وهي ما يَمِيزُ الأخبار بما لها من قدرة على التحليل والتركيب لِتَبْلُغَ بالخام وهو حراك الجمع الحاشد ، لِتَبْلُغَ بِهِ حَدَّ المنتج النافع ، وإلا ضاع الجهد سدى ، وانتهى الأمر إلى فَتْرَةٍ بعد حركة فتلك طبائع الجمهور الذي يَتَحَرَّكُ دَفْعَةً ويسكن أخرى ، فَنَفَسُهُ قَصِيرٌ إن لم يكن ثم تَنْظِيمٌ ، وهو ما قد امْتَازَتْ بِهِ السلطة ، وإن أَقَلَّ عَدَدًا ، فَهِيَ أكثر عُدَّةً بما احتكرت من خبرة التنظيم الهرمي ذي الهيكل المحكم ، وبما تملك من آلة بها تُنْتِجُ ما تريد ، بل وتسطو على ثروة الجمهور من الخام وتعيد تدويره في آلة إنتاجها فَتَنْحَرِفُ به عن غاية صاحبه ، فليست ، بداهة ، بِنَاصِحَةٍ له بل هي غاشة لا تَنْصَحُ إلا لذاتها ، وإن نصحت للجمهور فَبِقَدْرِ ما يحقق مصالحها ، أو مصالح أجنحة فيها إن وقع خلاف في دوائر السلطة لا سيما الوظيفية ، فهي وإن كانت هرمية إلا أنها لا تخلو من أجنحة تختلف في إدارة المشهد وإن اجتمعت على ذات المقصد فقد يَسْتَثْمِرُ بَعْضُهَا فِي حِرَاكِ الجمهور الخام الذي يفتقر إلى آلة الإنتاج ، فَيُوَظِّفُهُ في صناعة منتج سياسي أو إِجْرَائِيٍّ يَنْتَزِعُ به مكاسب من جناح آخر ، ويكون الجمهور كالعادة أكبر خاسر ، مشهد 20 سبتمبر الماضي مثالا وما كان بعده من مشاهد في 27 والمشهد الأخير في يناير 2020 فَقَدْ حَقَّقَ الحراك الغاية من يومه الأول وَأَجْبَرَ الجناح الحاكم أَنْ يَتَرَاجَعَ خطوة أو خطواتٍ ، فانتفت الحاجة إليه بعد ذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَافِزٌ بعد أن تَلَا ذلك موجة قمع هادرة فَهِيَ الآن محل إجماع بَيْنَ جميع الأجنحة في السلطة بعد أن تَوَصَّلَتْ إلى تسوية ، ولو مؤقتة ، فصار الحراك عبئا على الجميع فقد استثمر فيه جناح بما يملك من آلة إِنْتَاجٍ وأخرج به إلى الوجود المنتج الذي لا يواطئ ، بداهةً ، رغائب الجمهور وإن كان هو صاحب الثروة ومالك الخامات التي سَطَا عَلَيْهَا مَنْ سَطَا ، فالمجتمع ، كما تقدم مرارا ، لا زَالَ يفتقر إلى آلة الإنتاج ، وهي التنظيم ، الذي يُخْرِجُ أفكاره من القوة إلى الفعل ، فلا يملك أدوات التأثير وإن كانَ المجموعَ الغالب فحكمه في الدولة المدنية الحديثة حكم النادرِ ، والنادر لا حكم له كما يقول أهل الشأن ، إذ السلطة في هذا المثال المركزي قد احتكرت أدوات الفعل والتأثير ، فوحدها من يملك آلة الإنتاج التي تصنع المشهد على ما يواطئ أهدافها ، تكتيكية قصيرة المدى أو استراتيجية طويلة المدى .

    وتلك صورة ، كما تقدم ، وافدة ، فالنظام الدولي وإن في مبادئ التشكل ، وهو ما يؤرخ له الباحثون في السياسة الدولية المعاصرة ، ما يؤرخون له بصلح وستفاليا الذي أنهى الحروب الدينية والمذهبية ذات الأيديولوجيات العابرة للحدود الجغرافية ، واستبدل المثال القطري الضيق بالمثال الإمبراطوري الواسع ، ولم يكن ذلك دفعة ، فهو ، بداهة ، ما قد أَطْلِقَتْ نُسْخَتُهُ التجريبية الأولى عقيب الصلح المشهور ، منتصف القرن السابع عشر الميلادي 1648 ، فالنظام الدولي في مبادئ التشكل قد تَبَنَّى هذا الخيار ، ثم كان تصديره إلى الأطراف ، فكان محمد علي هو الرائد إذ أطلق النسخة التجريبية المحلية ، وهي ما تَرَاكَمَ بعد ذلك فَتَرَاكَبَتْ أجزاؤه وتداخلت مستوياته وَبَلَغَ حدا من التعقيد إذ اكتسب من الخبرات المزيدَ في ظل غياب المجتمع طوعا أو تَغْيِيبِهِ كرها ، ولا زالت الحال في انهيار ، بالنظر في المجتمع ، وفي ازْدِيَادٍ بالنظر في السلطة الهرمية ذات البواعث الوظيفية ، فَهَرَمِيَّةُ السلطةِ ، ولو مستقلةً ، مَحلُّ أَخْذٍ وَرَدٍّ لا سيما والهرمية التي تستأثر بالسلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وتبسط نفوذها على كافة قطاعات المجتمع ، لا سيما وهذه الهرمية ، وإن مستقلةً ، تُغْرِي بالاستبداد لما احتكرت من الأدوات ، فكيف إن جمعت إلى هذا الوصف الهرمي نظيره الوظيفي فَلَيْسَتْ تَسْتَقِلُّ بِفِكْرَةٍ بَلْ هِيَ تَبَعٌ لسلطةٍ من خارج ، كما الحال الآن في الأطراف ، فالنظام الدولي قد قَطَعَ أشواطا في تَرْسِيخِ بُنْيَانِهِ السياسي ذي المثال الهرمي في الدولة المدنية الحديثة ، والأطراف لِجَادَّتِهِ تَسْلُكُ فَهِيَ لَهْ تَبَعٌ ، بل قد خرجت عن النص في أحيان ، فمارست من التجويد في القمع والاستبداد الهرمي ما أَثَارَ امتعاض النظام الدولي ، واضرب له المثل ، وهو ما كان أخيرا في الأرض المحتلة عَقِيبَ اتفاقية أوسلو سبتمبر 1993 التي أُعْلِنَتْ وَفَاتُهَا بالأمس القريب إذ استبدل بها ما اصطلح أنه صفقة التسوية النهائية ، أو صفقة التصفية النهائية للقضية المقدسية ، فكانت اتفاقية أوسلو خطوةً رَئِيسَةً على طريقٍ انْتَهَتْ بِمَا يرى الناظر اليوم ، ولم يَبْقَ منها كما يقول من أَبْرَمَهَا ، لم يَبْقَ منها إلا بروتوكول التعاون الأمني مع الكيان اليهودي ، وهو ما استوجب إنشاء جهاز أمني ذي طابع هرمي وظيفي ، فقد نجح النظام الدولي في استدراج المقاومة أيا كان عنوانها الأيديولوجي وأيا كانت حجم الاختراق الاستخباراتي الذي بدأ مبكرا وَعَلَى أعلى مستويات التحكم والقيادة ، فلم يخل أمره أن يُسَبِّبَ إزعاجا على الأرض ، فَإِزْعَاجُ الخطابات الثورية لا يضر كثيرا ، وإنما الإزعاج أن يَتَحَوَّلَ هذا الخام الدعائي إلى منتج على الأرض بآلة إنتاجٍ تُخْرِجُهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ مرارا ، من القوة إلى الفعل ، فَاسْتَدْعَى الأمر أن يُسْتَدْرَجَ إِلَى أطرٍ سياسية وأمنية ملزمَةٍ ، فَيَتَحَوَّلَ إلى كيان وظيفي يجهز على نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ ، في مقابل أن يحظى بالاعتراف الدولي ، ولو كيانا وظيفيا تابعا يحقق أهداف النظام الدولي الذي منحه شرعية الميلاد في أوسلو ولو مسخا بلا صلاحيات حقيقية إلا الصلاحيات الأمنية ، فكان استثمار النظام الدولي في هذا الكيان الوظيفي الجديد ، كيان السلطة أن حَوَّلَهُ ، في الجملة ، إلى كيان وظيفي تابع يقمع أي حراكٍ يُقَاوِمُ ، فاشتد في مطاردة الحركات المقاومة تَنْفِيذًا للبروتوكول الأمني بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكيان اليهودي ، واختص الحركات ذات الأيديولوجيا الرسالية ، ولو في الجملة ، وإن كانت حالها في المبدأ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي ، ديسمبر 1987 ، وإن كانت حالها آنذاك أفضل وأنصح من شوائب الاختراق والتوظيف فقد ولدت مِنْ رَحِمِ انْتِفَاضَةٍ تَبَنَّتْ خِيَارَ المقاومة في ظل تَفَاوُتٍ كَبِيرٍ في ميزان القوى ، فكانت المعاني الرسالية والبواعث النضالية هي ما يحكم المشهد ، وَتِلْكَ بِيئَةٌ مُثْلَى تُولَدُ فِيهَا حركات المقاومة فهي الأدوات التي يُنْتِجُ المجتمع بها أَفْكَارَهُ وَأَهْدَافَهُ انطلاقا مِنْ بَوَاعِثِهِ الذاتية فلا يكون تَابِعًا وظيفيا لغيره ، فحاول كيان يهود أن يقمع ست سنوات ، حتى أوسلو 1993 ، ولكنه لم يفلح بل قد اشتد عُودُ المقاومة وَاسْتَوَتْ على سوقها فَصَنَعَتْ أدواتها على الأرض فلم يعد ثم بد من التفاوض مع بَعْضِ أجنحتها ، لا سيما وقد نجح النظام الدولي قَبْلَ ذلك أن يحتوي الجناح القديم ، جناح منظمة التحرير ، بواسطة النظام الإقليمي التابع الذي كان أكبر العوائق ولا زال أمام القضية المقدسية وإن تظاهر حينا بدعمها العسكري ، حرب 48 وهي لمن تدبر جولاتها سبب رئيس في قيام الكيان اليهودي الذي دُشِّنَ رسميا في نفس العام ! ، فهي حرب وظيفية بامتياز منحت اليهود الكيان الوليد ، ثم كانت جولات أخرى منحته التمدد الجغرافي 56 ويونيو 67 ، ثم كانت ثالثة منحته الاعتراف السياسي المبدئي أكتوبر 73 بالنظر في التخطيط فِي غرف السياسة لا في التَّنْفِيذِ في ميدان الحرب ، وبالنظر في المآل والمنتهى في بروتوكول 78 الأمني وبروتوكول 79 السياسي ، فهو اعتراف رسمي من أكبر قوة سياسية وعسكرية في المحيط اليهودي ، ثم كان التدرج حتى انتهى الأمر إلى ما رأى الناظر بالأمس القريب من تدشين التسوية النهائية ، ولو تدشين الدعاية والإعلام ، فقد استبدلت كيانات وظيفية بأخرى ، وثم الآن نسخ وظيفية حديثة قد جاوزت الثوابت القديمة ، ولو حدا أدنى يستر السوأة ، فَثَمَّ ، كما قال بعض جنرالات الحرب في كيان يهود ، ثم الآن من يُطِيقُ ما لم يطق السابق أن يُشَارِكَ في التسوية الجديدة ، إن في الحرب والأمن كما مصر فهي الكيان الوظيفي الذي يَتَحَرَّكُ ، أو في الدعم والضغط كما الخليج فهو الكيان الوظيفي الذي يُمَوِّلُ ، مصر الآن مثالا فَقَدْ بَلَغَ نِظَامُ ما قَبْلَ يناير 2011 بَلَغَ غاية من التفريط لا يمكنه أن يَنْحَطَّ عَنْهَا إلى دركةٍ أدنى ، فَثَمَّ خط أحمر ولو خطا وظيفيا يروم الاحتفاظ بِبَعْضِ أوراق الضغط دون الخروج عن النص الرَّئِيسِ ، فلا بد من آخر لا يملك هذه الخطوط ، إن طوعا أو كرها ، فيكون من الضعف بِمَكَانٍ يَعْظُمُ ، فذلك باعثه أن يُفَرِّطَ وَيَتَنَازَلَ في جميع الملفات طَلَبًا لشرعية إقليمية أو دولية أو تنفيذا لمهمة وظيفية أَيًّا كان الباعث والمقصد فالنتيجة واحدة ، فَثَمَّ الآن ما يجاوز حد اللعب على المستور ، بل وحد اللعب على المشفوف الذي يصف ما تحته ولكنه يستر ولو اسما فاللعب الآن على المكشوف ! فلا سوأة يخجل صاحبها أن يسترها بل قد صارت المجاهرة بها علامة تميز ، فالجميع إليها يَتَسَابَقُ من باب : (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) ، فكل يخشى دائرة النظام الدولي ، ولا يملك من أوراق المساومة ما يملك السابق وإن كان كلاهما من الجنس التابع ، فَالتَّبَعِيَّةُ عَلَى دركاتٍ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ ، كما الاستقلال على درجات بعضها فوق بعض وأعلاها استقلال الفكرة فهي ، كما تقدم مرارا ، صانعة كل حركة في الخارج ، والسودان مثالا ثانيا فنظام ما قبل إبريل 2019 قد انتهت به الحال أن أنجز مرحلةً مِنْ مراحل التقسيم ، انفصال الجنوب ثمنا لبقائه في السلطة ، فضلا عما هَيَّأَ مِنْ بِيئَةِ الانفصالِ الاستراتيجية في دارفور غربا ، وما كان من سوء المعالجة ، عَمْدًا أو خَطَأً ، فلم يَعُدْ ، مع كل أولئك يطيق ما تلا من مرحلة التقسيم التي تظهر الآن في الأفق إلا أن يشاء الله ، جل وعلا ، للمجتمع يَقَظَةً بها يستعيد زمام المبادرة الذي فَقَدَهُ سريعا بما تَقَدَّمَ مِرَارًا مِنْ قِصَرِ نَفَسِهِ ، فلم يكن ثم تَنْظِيمٌ يحكي طموح المجتمع ، فالتنظيم الذي يملك آلة الإنتاج قد استثمر هذا الخام لصالحه ، حكومة أقلية أيديولوجية ذات طابع وظيفي ألجأه إليها ضعف شعبيتها في المجتمع ، وهو ما أثار تذمرا في بعض دوائرها فضلا عن خصومها ! ، والمجتمع هو المعتبر في هذه المعادلة إن كانت ناصحة ، وهو المهمل إن كانت غاشة وإن أظهرت له النصح ، فلم يكن للمجتمع آلة إنتاج ذاتية فسرعان ما احتل المشهد من يملك آلة إنتاج وإن كان ضعيف النسبة إلى المجتمع ، قليل العدد ، فَعِنْدَهُ مِنْ قُوَّةِ التَّنْظِيمِ الهرمي ما به يُعَوِّضُ النَّقْصَ العددي وتلك معادلة في أي حكم مركزي مستبد ، فهو حكم الأقلية إن في الأيديولوجيا أو في السياسة والحرب أو في الاقتصاد أو في الجميع إن عَظُمَ الخطب ! ، والسلطة الوظيفية ، سلطة أوسلو في الأرض المحتلة مِثَالًا ثالثا ، فقد اسْتُدْرِجَتْ أولا إذ لعب النظام الإقليمي مبكرا دوره الوظيفي في تأطير الحراك المقاوم ، وكان الغالب عليه آنذاك الأيديولوجيا اليسارية ولا زالت حتى اليوم تشكل جناحا من أجنحة المقاومة وإن تَرَاجَعَتْ فِي ظِلِّ تَصَاعُدِ المد الرسالي فهو الآن باعث الأيديولوجيا في كثير من حركات التغيير في الشرق ، وذلك في حد ذاته ، مع عِظَمِ ما ناله ولا زال من هَزَائشمَ ، ذلك في حد ذاته إنجاز كبير أَنْ رَجَعَ الشرق ، ولو في الجملة ، إلى باعث حضارته الأول فهو الآن لها يجدد إذ يُزِيلُ تِبَاعًا ما علاها من رُكَامٍ ويدافع في استماتة أطروحات الحداثة والتغريب .

    فكان من دور النظام الإقليمي في الستينيات ، وهي حقبة غلبت عليها الأفكار القومية واليسارية ، كان من دور النظام الإقليمي أن نجح في تأطير المقاومة بذريعة توحيد الصوت ، كما الحال الآن في محاولات نَزْعِ سلاح المقاومة ، وإن كان في حكم المعطَّل بما وقع من أخطاء هي محل بحث وتفصيل ، فلا زال وجوده ، ولو معطلا ، يُؤَرِّقُ النظام الدولي ووكيله الوظيفي الأبرز في الشرق : كيان يهود ، فكانت الذريعة توحيد البندقية وتأطيرها في كيان رسمي يحتكر وحده حَقَّ العنف المشروع ، فهي ذات الذريعة التي أُطِّرَ بها الحراكُ المقاوم في الستينيات ، فكان إنشاء المنظمة في 1964 تحت عنوان أيديولوجي غَلَبَ عليه اليسار آنذاك ، فهو مَنْ تَبَنَّى خطاب الثورة والعمل المسلح في تلك الحقبة ، فاختاره النظام الدولي ولو مكرها أخاك لا بطل ! ، فهو الترجيح بين المفسدتين الأيديولوجيتين : اليسارية والرسالية ! ، فاختار النظام الدولي أن يُقَارِفَ أدنى المفسدتين وهي اليسارية دَفْعًا لأعظمهما وهي الرسالية ! ، ولو إلى حين ، فكان إنشاء المنظمة لتكون الممثل الشرعي الوحيد فاحتكرت خطاب السياسة وكان ذلك الاستدراج الأول إلى إطار من السياسة محكم ، فتحولت المنظمة كالأنظمة التي حَوْلَهَا ، تحولت إلى كيان وظيفي وإن مَارَسَ العمل المسلح وَتَبَنَّى الخطاب السياسي الحاد ، وكان ما كان من جولات ، حتى اندلعت انتفاضة 87 ، واختار كيان يهود الخيار الأمني الصلب فَلَمَّا عجز لا سيما وبواعث المقاومة هذه المرة تأرز إلى بواعث ذاتية ، بواعث الرسالة صانعة الحضارة في الشرق ، فَلَمَّا عجز كيان يهود أن يقمع بِنَفْسِهِ استدعى الكيان الوظيفي في أوسلو 1993 لِيَتَوَلَّى السلطةَ فَيَكُونَ ذَا عَلَمٍ ونشيد وطني ودولةٍ ومؤسساتٍ ، وإن وظيفية لم تجاوز في أحسن أحوالها سلطة الحكم المحلي ، مع العناية ، كل العناية ، بالجهاز الأمني ، فهو ، بداهة ، أقوى الأجهزة في أي كيان وظيفي تابع إذ يمارس من القمع باسم السلطة ما لا يثير غضب المجتمع ، وإن أثار امتعاضه ، فهو قمع بأيد محلية لا يباشرها الخصم الظاهر فقد استعان بآخر من الباطن ! ، طبقا لنظرية اللورد كرومر في إدارة الشأن المصري ، بأقل عدد من الجند ، فَنَحْنُ لا نحكم مصر وإنما نحكم من يحكم مصر ، فالأمر يجري مجرى : عقل بريطاني وأيدي مصرية ، فدور اليد المحلية دور وظيفي يُنَفِّذُ ، ودور بريطانيا ، وهي العنصر الفاعل من خارج ، دورها أن تخطط فلا يحسن أن تباشر الإنفاذ بلا واسطة محلية تَنْتَسِبُ إلى المجتمع ولو انْتِسَابَ العرقِ واللونِ واللسانِ والنشأةِ ، فذلك مما يخفف الوطأة ، وطأة الاستبداد الذي يحتمله مَنْ يحتمله مِنَ المغفلين ظَنًّا أنه استبداد محلي مُسْتَقِلٌّ فِي فِعْلِهِ ، ولو ظلما ! ، فَبِئْسَتِ الهمة أن يكون مُنْتَهَاهَا الظلم ، فصاحبها يطلب الظلم والاستبداد انطلاقا من الاستقلال الذاتي ! ، فليس الإشكال أَنَّ ثَمَّ ظلما ، وهو مما حرم بداهة ، فـ : "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا" ، فَأُطْلِقَ لَقَبُ الظلم في الخبر ، وثم من دلالة العموم ، عموم "أل" ، ما استغرق سائر أنواعه : الظلم المحلي ونظيره المستورد ! ، الظلم انطلاقا من قاعدة ذاتية تقمع لحسابها ، وانطلاقا من قاعدة وظيفية تقمع لغيرها ، فالظلم كله يحرم ، كما أن العدل كله يجب ، فذلك سنن محكم يطرد ، وهو من أعظم ما جاءت به النبوات بل وَقَرَّرَتْهُ العقول الصريحات ، فلا تقوم السماء والأرض إلا بالعدل ، ولا يفسد نظام العالم ويختل إلا بالظلم ، فكان من فِقْهِ يهود ! ، وهم من أخبث الخلق وأشدهم عداوة للعدل وأهله ، كان من فِقْهِهِم أَنْ أَقَرُّوا ، وذلك من النادر الذي لا حكم له ! ، أن أَقَرُّوا بِعَدْلِ الرسالةِ في أمر الخراج والجباية ، كما في الخبر المشهور ، خبر ابن رواحة ، رضي الله عنه ، وفيه : "يَا مَعْشَرَ يَهُودِ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ، فَأَمَّا الذي عَرَضْتُمْ مِنَ الرِّشْوَةِ، فَإِنَّهَا سُحْتٌ وَإِنَّا لا نَأْكُلُهَا، فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ" ، وذلك ، لو تدبر الناظر ما استغرق سائر مسائل الديانة والحكم ، والسياسة والحرب ، فهو قانون عام يطرد ، فالعدل فِيهَا جميعا يجب ، والظلم فيها جميعا يحرم ، سواء أكان من الظلم المحلي أم نظيره الإقليمي أم ثالثهما الدولي ! ، وسواء أكان من النوع الذاتي المستقل أم الوظيفي التابع ، فلا وجه لمن تأول إلا ضرورة ، فالقول إن الظلم يحتمل إن كان ثم رجحان معتبر في باب المصالح والمفاسد باعثه النصح لا حظ النفس وطلب السلامة في غير مواضعها ، القول إن الظلم يحتمل في هذه الحال باب ، والقول إنه خَيْرٌ يُحْمَدُ مطلقا ومصلحة تُسْتَجْلَبُ مطلقا فهو ظلم محلي يباشره حاكم وطني مخلص بل قَدْ تَبْلُغُ الحال فُحْشًا أن يُكْسَى لحاء الشرع المنزل فهو ولي الأمر الذي تجب له الطاعة مطلقا أصاب أو أخطأ ، سكر أو زنى سرا أو جهرا على الملإ ، فتجب له الطاعة اختيارا لا اضطرارا ، ولا يجوز الإنكار عليه والاحتساب ولو بالقلب ! ، وذلك أضعف الإيمان ، فلا يكمل الدين إلا أن يُبْذَلَ له السمع والطاعة اختيارا فصاحبه يَبْذُلُ عن طيبِ نَفْسٍ بل وَيَرَى ذلك من آكد الفرض ! .

    فكان من فطنة اللورد كرومر أن أحال ظلم بريطانيا إلى النخبة المحلية فذلك مما يَقْتَصِدُ فِي خصومة الجمهور ، فَثَمَّ من يُبَاشِرُ الظلم من المجتمع نفسه فقد جُنِّدَتْ قطاعات منه على عين المحتل ، واستميلت نخب منه أن تسمع وتطيع لولي الأمر المحتل وتذيع ذلك في الخلق ! ، فَثَمَّ رموز ملأت السمع والبصر قد تَغَنَّتْ بالمحتل البريطاني فالسير في ركابه هو سبيل النهضة والتقدم فقد حَدَّثَ البلاد وأخرجها من التخلف ، فاستصلح الأرض ولو ضيعةً يملكها فما حظ أهلها من هذا التحديث إلا التبعية الوظيفية أن صارت الأرض ومن عليها في خدمة المحتل ورفاهه ، فَثَمَّ من يلعب دور النخبة التي تصنع الرأي العام بما أُضْفِيَ عليها من هالة الثقافة والعلم ، وَثَمَّ من يلعب دور الجند الذين يحرسون الضيعة ويقمعون أي احتجاج أو ثورة ، فهم الجند المرتزقة الذين يجتهدون في خدمة السادة إما حراسة وإما قمعا وإما تعسفا في جمع الجباية ..... إلخ ، من وظائف الإقطاع ، وإن في نسخة جديدة ، فلا يخرج عن البناء الهرمي للإقطاع الأوروبي القديم ، فَثَمَّ صاحب الإقطاع ، وثم نبلاء ومن دونهم في الدرجات الوظيفية ممن يُقْسِمُونَ يمين الولاء للسيد الأعلى ، وهو الملك ، فهو يَهَبُهُمُ الأرضَ إقطاعاتٍ نظير ما يؤدون من الوظيفة المالية والعسكرية ، فَيَجْبُونَ الخراج ويجندون الجند إما للملكِ أو البابا ، كما في الحروب الصليبية القديمة ، فدور صاحب الإقطاع وإن امتلكه لا يخلو من التَّبَعِيَّةِ الوظيفية إذ لا بد من قسط من المال وآخر من الجند ، والجميع يُوَظَّفُ في خدمة الملك وصيانة المملكة وتوسيع حدودها وزيادة نفوذها ..... إلخ ، فلا أحد يملك باعثا ذاتيا إذ ليس الجميع إلا أدوات وظيفية تحظى بالشرعية نَظِيرَ ما تَجْبِي من الخراج على تفاوت في القسمة ، من يأخذ القسط الأوفر فذلك ما يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لميزان القوى بين الملك وهو المركز ، وأصحاب الإقطاع الهرمي وهم الأطراف ، فأصحاب الإقطاع يحرصون على هَامِشٍ : يَتَّسِعُ تارة ويضيق أخرى ، فهو الأجرة ، أجرةُ إدارةِ الإقطاع نيابة عن الملك ، وإن كانوا الملاك في الظاهر ، فلا يخلو صاحب إقطاع حصيف أن يحتفظ لنفسه بِبَعْضِ الأوراق التي بها يساوم ، فإذا بَلَغَ من الضعف غاية عظمى كان انصياعه التام ، كما يَرَى الناظر اليوم في الأطراف ، مصر على سَبِيلِ المثال ، فالنظرية لم تَتَغَيَّرْ من لدن محمد علي وحتى اليوم ، نظرية التابع الوظيفي ، ولعل ذلك مما يجب فيه الرجوع إلى أصول محمد علي الوظيفية كزعيم عصابة وظيفية مستأجرة تجندها السلطة لجباية الأرض ، فَزَعِيمُهَا يحمل لقبا رسميا وهو الملتزِم ، إذ يَلْتَزِمُ بأداء قسط من الجباية ، وما زاد مما يستخلصه هو ورجالاته من أصحاب الأرض ، طوعا أو كرها ، بالكلمة أو بالجلدة ! ، ما زاد فهو حظه وحظ رجالاته أو عَرَقُهُ وَعَرَقُهُم باللغة الدارجة في مصر ! ، فهم تنظيم هرمي آخر يَنَالُ كل أَحَدٍ فيه قسطا من الغنيمة بقدر درجته في الوظيفة ، فمحمد علي ، بداهة ، هو القائد الأعلى لهذا التنظيم الوظيفي ، وذلك ما لا يستقر بِنَفْسِهِ ، فهو خلاف النقل والعقل والفطرة والحس ، فلا يستقر إلا بقوةِ قَمْعٍ من خارج ، فلا بد من تفاوت في ميزان القوى بين تنظيم الالتزام وأصحاب الأرض ، وهم المجتمع ، فلا يُمْنَحُ فرصة حمل السلاح دفاعا عن النفس بل يجب تجريده من أي سبب به يدفع الظلم عن نفسه ، إن في الحس أو في المعنى ، حتى يعمل تنظيم الالتزام بكفاءة ، وذلك عنوان آخر رئيس من عَنَاوِينِ الكيان الوظيفي الجديد : كيان الدولة المدنية الحديثة التي استبدلت بِتَنْظِيمِ الالتزام القديم ، فلا بد من سلطة تحتكر أسباب القوة المادية والمعنوية ، ولا بد في المقابل من مجتمع لا يملك حدا أدنى من الأسباب يدفع بِهَا عن نفسه الظلم والعدوان .

    واضرب له المثل بما يذكر المستشرق الألماني "أوبنهايم" في كتابه عن طائفة الموحدين أو الدروز في بلاد الشام ، فَثَمَّ حكاية تلطف بطلها الأمير الشهابي الأشهر : بشير الشهابي وقد تحالف مع محمد علي ، صاحب الخبرة العريضة في الالتزام ! ، فَوَفَدَ ابنه إبراهيم باشا وهو ابن أبيه فكرةً وإن شك بعض النسابة في نسبه ! ، فَوَفَدَ إبراهيم باشا إلى بلاد الشام لحرب الباب العالي في الشام ومن بعدها آسيا الصغرى ، وكان بشير الشهابي من حلفائه ، وهو اللاعب كغيره من الحكام الموظفين ، اللاعب على تناقضات الخصوم في محيط ديموجرافي متعدد الأديان والمذاهب ، وهو أمر لا زال الشام يعيشه حتى اليوم لا سيما لبنان فهي المشهد الأبرز الذي تلعب فيه النخب السياسية على وَتَرَ التناقضات الأيديولوجية : الدينية والمذهبية والفكرية ، وإن أفضى الأمر إلى احتراب أهلي لم يسلم منه أحد ، ولو داخل المعسكر الواحد ، فتعددت الولاءات والتحالفات البينية على وجه يجهد أي ناظر يستقرئ أسماء التنظيمات والميليشيات والأحزاب والتكتلات ...... إلخ ، فثم جذور قديمة أحسن بشير الشهابي استثمارها ، فلعب على وتر الخصومة الكلاسيكية بين الموارنة والدروز وهو ما أفرز بعد ذلك مذابح كانت ذريعة التدخل الأجنبي الذي تفاوت ، فدخل كلٌّ يَنْصُرُ حزبا أو هكذا يزعم لِيُحَصِّلَ نُفُوذًا في الأرض وقسطا من الْغُنْمِ ، فدخلت فرنسا تحمي الكاثوليك لا سيما الموارنة وهم من اصطلح أنهم فرنساوي الشرق كما البلاد قد لقبت سلفا أنها سويسرا الشرق فهي ، أبدا ، تروم الخصام مع محيطها الشرقي ، أو ذلك ملمح رئيس من ملامح الصراع إذ لم تحسم هوية البلاد بَعْدُ ، وهو ما يجعلها أبدا في حال من الضعف والاختراق ويجعل مشهد السياسة والحكم هشا إذ تقوده أبدا حكومة ائتلافية ، وهي ، كما يقول أهل السياسة المعاصرة ، هي من أضعف صور الحكم ولو لم يكن ثم تباينات أيديولوجية ، فهي تقوم أبدا على المحاصصة التي تُقَدِّمُ الرشى السياسية في صورة حقائب وزارية تَبَعًا لِمَوَازِينِ القوى ، فكلٌّ يطلب ما يحكي وزنه النسبي في المشهد ، وثم من يمارس الابتزاز فهو قليل في عدده ، ولكن النِّصَابَ لا يكتمل إلا به فَيَطْلُبُ من المنصب ما يزيد على حجمه ووزنه ، فكيف إذا اجتمع إلى ذلك محاصصة أخرى تقوم على الأيديولوجيا الدينية والمذهبية فهي مما يزيد المشهد انقساما فتقوده حكومة ائتلافية باعثها الرئيس القسمة لحظوظ السلطة والثروة التي احتكرتها عائلات في كل طائفة ومذهبٍ تُشَكِّلُ رأس الهرم التقليدي المتوارث فتلك ، أيضا ، من صور الهرمية السياسية ، وإن كانت عائلية تُتَوَارَثُ .
    فدخلت فرنسا تحمي الكاثوليك ، ودخلت روسيا تحمي الأرثوذكس ، ودخلت بريطانيا تحمي الدروز ، فذلك إفراز البراجماتية الشهابية التي لعب فيها الأمير بشير على وتر التناقضات آنفة الذكر ، ثم كان تحالفه مع وكيل إقليمي أقوى ، وهو محمد علي ، فكلاهما موظف ، ولكن الدرجات تختلف ، ودرجة محمد علي آنذاك آخذة في التصاعد بما يملك من مؤهلات الوظيفة وما يملك من ذخائر السياسة والمال في بلد مفتاحي كمصر ، كما يصفه بعض المفكرين ، فقد ابْتُلِيَ بموقعه وذخائرة البشرية والمادية فصار مفتاحا رئيسا من مفاتح الشرق وهو ما يُفَسِّرُ عناية المركز به ! ، إذ يخضع لتدابير جيوسياسية تخالف عن أي بلد آخر ، فكان دوره الوظيفي الريادي ! إبان الحكم العلوي ، حكم محمد علي ، وهو ما جعل الأمير بشير الشهابي يتحالف معه كداعم يعضده في مشهد ديموجرافي وسياسي معقد فكل طرف فيه يبحث عن داعم إقليمي أو آخر دولي على القسمة آنفة الذكر ، فوجد الأمير شهاب ضالته في الإقليم في محمد علي الذي وفد ابنه على بلاد الشام غازيا ، وهو ما احتاج أن يجبي لأجله ضرائب أكثر فلم يعترض أهل البلاد ! وإن قهرا ، ثم كان طلبه ، محل الشاهد ، فطلب رجالا من بلاد الشام يجندهم بعد أن زادت الخسائر في الجند المصري الذي خضع لحكم أبيه من قبل فكان مثالا جديدا في الشرق لنظرية التجنيد الإجباري وهي من النظريات الرئيسة في الدولة المدنية الحديثة وكان ما كان من الاضطرابات التي بلغت حد العصيان والثورة ضد حكم محمد علي المركزي الذي لم يشهده المجتمع من قبل بهذه الحدة ، فمصر بلد مركزي من قِدَمِ تاريخها ، فطبيعتها الجغرافية قد أسهمت في تَرْسِيخِ هذا المثال السياسي المستبد ، فمن يملك مفاتيح النيل شريانِ الحياة فيها فهو يملكها ، وهو ، كما تقدم مرارا ، ما يفسر النقلة النوعية في حكم مصر بعد الانتهاء من بناء سد النهضة فهو مرحلة جديدة من مراحل السيطرة والتحكم في مصر ، وإن كان المفتاح هذه المرة خارج نطاقها الجغرافي ! .

    فاحتمل إبراهيم باشا هذا المثال ، مثال التجنيد الإجباري ، احتمله في حربه في الشام ورام تطبيقه كما طَبَّقَهُ أبوه من قِبْلُ في مصر ، وبقي الإشكال الذي واجه أباه في مصر من قبل ، فالمجتمع مسلح يملك من أسباب القوة ما به يدفع عن نفسه عدوان السلطة ، فطلب من الأمير بشير أن يجرد المجتمع من السلاح فبدأ بالموارنة بعد أن استمال الدروز فلن يجردهم كما الموارنة إن ساعدوه ! ، ثم حنث في الوعد بداهة فاستدار يجرد الدروز ولم يعدم نصيرا من الموارنة الذين أرادوا الانتقام من الدروز أن عاونوا السلطة ضدهم ، فقدم الموارنة خدمات استخباراتية تُرْشِدُ السلطة عن أماكن السلاح الدرزي ، فلما صار الجميع من السلاح عزلا انطلقت آلة الجباية بصورة بشعة كما يصفها "أوبنهايم" فَقَدِ اختل ميزان القوى وفقد المجتمع أسلحة الردع ، فاستبدت تَنْظِيمَاتُ الالتزام الإقطاعية فهي تكرر ما صنع محمد علي في مبدأ حياته الوظيفية ، وذلك ما احتمله في نفسه وأخفاه حينا حتى ولي أمر مصر فَرَاحَ يَتَأَوَّلُهُ على نطاق أوسع ولم يخرج عن لقب الموظف ، وإن كانت أوراقه أكثر ، فأحسن يُوَظِّفُهَا في زيادة هامش المناورة مع النظام الدولي وهو ما استوجب تأديبه بعد أن خرج عن النص ، فكان تدمير أسطوله في نافارين وكان تضييق نفوذه في معاهدة لندن وكان تحجيم قوته العسكرية نَصًّا ، وذلك ما تكرر بعد يوليو 52 فثم أوراق الدعاية القومية ومكافحة الإمبرالية والرجعية .... إلخ وثم حزمة من الإجراءات الاجتماعية استنادا إلى ما ادخرت الملكية من ثَرْوَةٍ ، فَسَطَتْ يوليو 52 على القسط الأعظم إِنْ مغانم قُسِّمَتْ أو أثمانا بُذِلَتْ لمغامرات الناصرية رغبة في الزعامة العربية والإفريقية والشرق أوسطية وما زَادَ في نطاقِ ما اصْطُلِحَ أنه عدم الانحياز ...... إلخ ، فكان من الدعاية الإعلامية ومن الإصلاحات الاجتماعية وإن غلبت عليها العشوائية والارتجالية ولكنها حققت ولو على المدى القريب تحسنا في مجالات التعليم والتصنيع ...... إلخ ، فكل أولئك من الأوراق التي استخدمتها الناصرية في زيادة الهامش الوظيفي حتى خرجت عن النص كما خرج محمد علي فكان التأديب الناجز في يونيو 67 ، وجاء نظام آخر بهامش أضيق ، وبعده ثالث بهامش أضيق ، وبعده رابع معاصر يكاد هامش مناورته يَزُولُ استنادا إلى إجراءات وصوله إلى السلطة ، وهو ما يجعل التحكم فيه أيسر ، التسوية النهائية المطروحة الآن للقضية المقدسية وموقف السلطة الوظيفية في مصر منها مثالا نظير ما تحظى به من دعم النظام الدولي وما وُعِدَتْ به من أثمان اقتصادية ، ومن يدري ؟ فلو استمرت الغفلة وازداد المجتمع ضعفا على مثله فَقَدْ يَأْتِي خامسٌ هامش مناورته أضيق ! ، أو لا هامش له ابتداء ! ، فتلك متوالية تستحق التأمل ، وفيها من وجوه الاعتبار ما يعظم ، وضيق الهامش في المناورة وضعف العلائق مع المجتمع فهي واهية أو مقطوعة ، كل أولئك مِمَّا يحمل النظام الوظيفي أن يَزِيدَ في جرعة القمع ، وهو في أحيان كثيرة مَا يُثِيرُ امتعاض المركز فَهُوَ يريد التحكم والسيطرة على القوى الفكرية والاجتماعية والسياسية الفاعلة في الأطراف ، ولكنه لا يريد هذا الكفل الوافر من الدماء ، فإخراج المشهد قد يكون على نحو أفضل ، ما حدث بعد يوليو 2013 في مصر مثالا فقد أعطى النظام الدولي ضوءا أخضر لتغيير سياسي غير ديمقراطي ! ، ولكنه اشترط أيضا ألا يكون دمويا إلا في أضيق نطاق ، وهو ما يظهر تِبَاعًا من تسريبات ما وراء الكواليس في واشنطن ، وهو ما يضاهي ما أَرَادَتْهُ أطراف أخرى في الداخل ، شيخ الأزهر وبعض الشخصيات السياسية التي خرجت تَعْتَذِرُ وَتَتَبَرَّأُ بعد ذلك من أحداث 14 أغسطس 2013 وما بعدها فكان العذر : اتفقنا مع النظام على إزاحة ناعمة دون دماء ، فَاتَّفَقْنَا على الخيانة السياسية والأخلاقية بأدنى قدر من الخسائر فذلك ما أرادته بعض الأجنحة في واشنطن ، لا سيما البيت الأبيض ، بل بعض صقور الدفاع والسفيرة الأمريكية آنذاك في مصر وقد خرجت هي الأخرى تحذر وتعتذر ، فَثَمَّ شراسة طبع استشرفت بها تغييرا دمويا حذرت منه تحذير العاجز فهي الناصح الأمين ! وهو ما نصحت به بعض الشخصيات المحسوبة على الصقور في وزارة الدفاع ، فهم حزب ثان لم يرد الدماء أيضا أو هكذا يَزْعُمُ ! ، وثم ثالث رام هذا التغيير الحاد فهو يحقق جملة أهداف فَيُرَوِّعُ المجتمع ويخضعه فثم تَرَاتِيبُ نوعية تلوح في الأفق ، التسوية المطروحة الآن للقضية المقدسية مثالا ، وهي ما يستوجب سلطة وظيفية من نوع خاص في ظرف خاص ، فلا بد أن تخرج من تحت الطاولة ليكون كل شيء عَلَنًا وتلك نقلة نوعية لم تقتصر على مصر ، الخليج مثال ثان ربما كان الأبرز الآن ، وهذا الانتقال لا بد له من حدث مركزي حاد يعلق بالأذهان سنوات وربما أجيالا ، فَهُوَ رسالة إلى المجتمع إِنْ ظَنَّ أن له وَزْنًا في المعادلة ، ولو اقْتِرَاعًا سياسيا على المثال الديمقراطي الغربي ، وهذا الحدث ، من وجه آخر ، من جملة مُسْتَمْسَكَاتٍ سياسية وجنائية تُضَيِّقُ هامش المناورة الوظيفية ، فلا يملك مَنْ تَوَرَّطَ في ذلك صوتا وصورة أَنْ يَرُدَّ أَمْرًا أو يَتَلَكَّأَ فِي إِنْفَاذِهِ ، فإشكال الشرعية السياسية لا زال قائما وهو ما لأجله يجتهد ما استطاع في أداء دوره الوظيفي بل ويزيد ، منح السياسة والاقتصاد والجغرافيا ! مثالا ، وهي ، من وجه ، مضرب المثل لضعف سياسي لا يملك أوراق المناورة ، وهي ، من آخر ، مضرب مثل لسلطة تجيد شراء الولاءات وتلعب في أحيان على التناقضات وتستثمر في التوجهات الأيديولوجية والسياسية المستجدة ، لا سيما الحرب على الإرهاب والتطرف الإسلامي حصرا ! والهجرة غير الشرعية والتسويات المقترحة للقضية المقدسية وحماية الممرات المائية وصناعة مشهد جيوسياسي في البحر الأحمر وآخر جيوسياسي واقتصادي شرق المتوسط ، فذلك مثال آخر يستوجب الاعتبار فلا يخلو النظام مع هشاشته ، لا يخلو من تَعَاطٍ جيد مع الظرف الدولي والإقليمي وإن غلب عليه الطابع الانتهازي الأناني الذي لا يهتم إلا بمصالحه الخاصة ، كمجموع وظيفي ، ولو تفريطا في مصالح المجتمع فنسبته إليه قد انقطعت كأي مجموع وظيفي يحكم ، فآية وظيفيته لدى الخارج أن تضعف علائقه بالداخل ، وكلما ازدادت وظيفيته ازدادت علائقه بالمجتمع ضعفا ، وهو ما يزيد في الاحتقان داخل أوساط المجتمع ، وإن مكتوما ، وذلك ما يلجئ المجموع الوظيفي الحاكم أن يسرف في القمع فيجاوز الحد على وجه يثير ، كما تقدم ، امتعاض النظام الدولي ، ولكنه ، من وجه آخر ، لا يباشر الأمر مباشرة الجهاز الوظيفي المحلي ، طبقا لنظرية : من يَدُهُ في الماء ليس كمن يده في النار ! كما في المثل المصري الدارج ، فالنظام الدولي يجلس في غرف العمليات يخطط ويقترح ، ولا يباشر ما يباشر المجموع الوظيفي ، طبقا لنظرية اللورد كرومر آنفة الذكر : عقل بريطاني يخطط ويد مصرية تُنَفِّذُ ، فاليد هي من يُبَاشُرُ وهي خط المواجهة الأول مع المجتمع فإليها ابتداء تَتَوَجَّهُ غضبته إِنْ غَضِبَ ، وهو ما يجعل المجموع الوظيفي يعتذر للنظام الدولي قائلا : إن حكمنا أولئك الرعاع طبقا لقواعد الإنسانية الغربية الرفيعة فسوف يخرجون علينا ويأكلوننا وأنتم في الغرف آمنون ، فنحن من يباشر القمع نيابة عنكم ومعركتنا إذ تَوَرَّطْنَا في هذه المشاهد الدموية ، معركتنا معركة وجود خلافا لكم فأنتم في القرى والحصون في بلاد بعيدة لا تطالها يد المجتمع إن بطشت فَلَنْ تطول أحدا سوانا فلا بد من هذه الجرعة من القمع بل وزيادةً حفاظا على سلامتنا وحفاظا على مصالحكم ! ، فذلك ، من وجه ، ما يُبَرِّرُ هذه الجرعة من القمع الوظيفي ، فهو ما يحفظ البناء الهرمي للإقطاع القديم ، وهو محل شاهد تقدم لا سيما في حروب العصر الوسيط : الغزو المغولي لبلاد الشرق من أقصاها إلى قَلْبِهَا في حواضرها التاريخية في العراق والشام وبيت المقدس حتى انكسرت على أعتاب مصر في عين جالوت ، ذلك الغزو المغولي مثالا وإن افتقر إلى بدائه الحضارة ، فمن اعتبر بِتَنْظِيمِ الحرب وهو التَّنْظِيمُ الوحيد المحكم في هذا الجنس من البشر فَلَا يجيد أي صناعة إلا الحرب انطلاقا من نظرية إفناء الآخر بل وإفناء الحضارة ! ، من اعتبر به وجده من النوع الهرمي المحكم ، وكذا القول في حروب الصليب في العصر الوسيط ، فالحملات المنظمة كانت نِتَاجَ نظام إقطاعي محكم ذي بناء هرمي متدرج ، فكانت نخبة الإقطاع الأوروبي ونخبة الفروسية لا سيما الفرنسية اللاتينية الكاثوليكية ، كانت هي المكون الرئيس لا جرم نجحت في تكوين إمارات وممالك في الشرق استغرق اقتلاعها من الأرض قَرْنَيْنِ من الزمن ، فهي كيانات هرمية محكمة ، لم تَزُلْ بضربة واحدة ، وإن فاعلة كضربة صلاح الدين ، وهو والشيء بالشيء يذكر ممن ارتبط اسمه ببيت المقدس ، محل التسويات الأخيرة ، وذلك ما يُفَسِّرُ ما تَقَدَّمَ من تهيئة الرأي العام في الشرق ، طوعا أو كرها ، لهذه التسوية ، فَمِنْ صُوَرِهَا الرئيسة : التهيئة الذهنية لرأي عام يَسْتَسِيغُ التفريط في بيت المقدس ، فليس ، كما يقول بعض المفكرين في مصر ! ، ليس البيت الذي نعرفه فهو في موضع آخر ! ، وذلك ما أَثَارَ آنذاك لَغَطًا أَرْجَعَهُ بعضٌ إلى نظرية قَنَابِلِ الدخان التي تستخدم في خطط الخداع الاستراتيجي صرفا للرأي العام عن أمر خطير يُدَبَّرُ ، ولا يخلو ذلك من نظر يعتبر ، ولكن ثم ، من وجه آخر ، استثمارا طويل المدى في صناعة الرأي العام استنادا إلى نظرية العقل الجمعي المتراكم الذي يهيئ المجتمع أن يقبل هذه التسوية ، فالبيت ليس البيت ، ومحرره ليس ذلك البطل الذي نتوهمه ، فلا بد من دراسة جديدة للتاريخ والجغرافيا على وجه يُوَطِّئُ لهذه التسوية التي لم يكن العمل الدءوب قبلها عَبَثًا ، كما يقول بعض المتابعين ، فَثَمَّ مجتمع ضعيف مُجْهَدٌ في معاشه ، مُجَهَّلٌ مُشَوَّهٌ في أفكاره فمن سَلِمَ له معاشه ولو حدا أدنى يجعله يجد من هامش الوقت والجهد ما به يفكر في تسوية مقدسية أو شرق أوسطية ..... إلخ من سَلِمَ له ذلك فثم حزمة من المفكرين والمجددين في الدين والفكر يَتَوَلَّونَ الإجهاز على ما بَقِيَ من العقل ! ، وكل أولئك ، كما تقدم ، مما لا يكون إلا عبر نظام هرمي يضاهي المثال الإقطاعي القديم ، كما في معادلة السياسة الدولية المعاصرة ، فهي معادلة إقطاعية بامتياز وهي أصل النظرية الرأسمالية النخبوية ، نظرية الأقلية المالكة لأسباب السلطة والثروة ، وهي مما يختلف ، ففي المركز هي العقل البريطاني ، وفي الأطراف هي الأيدي المصرية التي تباشر الأدوار الوظيفية التي لا يكون الباعث فيها ذاتيا ، ولو ظلما واستبدادا ، فإنهم لا يصدرون في ذلك عن ذواتهم وإن احتملت معاني الجشع والطمع ، فَثَمَّ من الجبن والخور ما يحول أن يَنْبَعِثُوا في أي حركة ، صحت أو فسدت ، إلا بضوء أخضر من النظام الدولي فهو الراعي الرسمي الذي يضفي الشرعية على هذا الحراك المحلي ، فلا يصطادون الفريسة ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الصحفيين وهو يصف حال إناث الأسد ، فَهُنَّ مَنْ يُوَظِّفُ ، فذكر الأسد هو الملك الذي لا يُبَاشِرُ الصيد إلا نادرا ، فَهُنَّ مَنْ يَنُوبُ عنه ، ودوره لا يجاوز الحماية فهو من يضفي عليهن الشرعية في حراك الصيد والافتراس ، وليس لهن من الهمة أن يبادرن بالصيد لحظ أنفسهن ، بل يصطدن لحظ الملِك الذي يحمي ، فهو أول من يطعم من الفريسة إذ ما صيدت إلا له ، فلا يكون ثم مجموع وظيفي يصطاد لنفسه ، أو يحكم ، عَدَلَ أو ظَلَمَ ، أو يَتَصَرَّفُ في أرض أو ثروة ، بَاعَ أو اشترى ، لا يكون ذلك عن باعث ذاتي إلا في دوائر محدودة لا تمس خطوط النظام الدولي الحمراء ، فَلَئِنْ أعطى فسحة فهي من الحدود الدنيا التي لا تُخْرِجُ المجموع الوظيفي عن السيطرة فهو تحت خط الفقر السياسي والعسكري ، وإن بَدَا أنه قوي متماسك فذلك إنما يكون في الداخل إِذَا أُعْطِيَ الضوء الأخضر أن يقمع ويستبد ، فلا قوة في المجتمع تُنَاجِزُهُ إذ المعادلة ، كما تقدم مرارا ، معادلة الدولة المدنية الحديثة ذات المجتمع منزوع الأسباب التي بها يدفع عن نفسه عدوان السلطة التي لا تجد خصما يناجزها ولا مُنْكِرًا يحتسب ، بل قد نجحت السلطة أن تُوَظِّفَ خطاب الدين والشرعة فصار الإنكار على مَنْ يُنْكِرُ عليها هو آكد الفروض ، بعد أن نُبِزَ بألقاب الإفساد والتخريب على العموم الذي يستغرق جميع آحاده دلالة قطع لا تقبل التخصيص ولا النسخ ، وهو ما أضعف شعيرة الأمر والنهي والاحتساب فَكُلٌّ يخشى أن يُنْبَزَ بالإفساد في الأرض والإرهاب للخلقِ ...... إلخ ، فلم يَعُدْ ثم احتساب ، في الجملة ، وإن وجد فآحادا لا يملكون منعة تحول دون بطش السلطة المؤيدة بأسباب الحس والمعنى ، بل وأسباب الدين والتقوى ، فهي مؤيدة من خارج : من النظام الدولي ، ومن الداخل : من نخب الدين والفكر والسياسة ومن قطاع ليس يسيرا من العامة هم استثمار طويل المدى باشرته السلطة في تأصيل قيم الجهل والفقر والغباوة ورقة الديانة والمجون والخلاعة ...... إلخ من الاستثمارات الأصيلة في أي نظام وظيفي تابع ، فلا يؤتي الاحتساب أكله إلا أن يكون رأيا عاما يجمع ، فلا يكون ذلك والمجتمع شذر مذر ، فَقَدْ نجحت السلطة الوظيفية أن تُصَيِّرَهُ على أنحاء وأحزاب تَتَنَاحَرُ على وجه يجاوز ما حُمِدَ من سنة التَّدَافُعِ ، فكان الظلم والعدوان فِيهَا قبل أن يكون في السلطة التي تلعب على تناقضات الخصوم ، فَصَارَ الاحتساب إن وُجِدَ ! ، صار معذرة لا أكثر ، وبه قد تكون التقوى وإن آحادا يقومون لله ، جل وعلا ، بحجة ، حتى يأذن بفرجة .

    والله أعلى وأعلم .


  19. #19
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-09-2020
    الساعة:02:17 PM

    المشاركات
    4,951
    العمر
    42

    فالمجموع الوظيفي ذو البناء الهرمي ، هو ، كما تقدم مرارا ، بطل المشهد السياسي في الأطراف ، طبقا لنظرية اللورد كرومر آنفة الذكر ، فنحن من يحكم من يحكم مصر من النخب ، فَنَحْكُمُ الجسد والعقل .
    والجسد هو موضوع أول حَتَّى يخضع للسلطة المركزية ومن ثم يكون حكم العقل بآليات منها المدرسة والمعهد ، وذلك ما يفتقر إلى آلية محكمة واسعة المدى تَسْتَغْرِقُ المجتمع كله ، وهو ما تَتَفَاوَتُ فيه الجرعة ، جرعة القمع ، تَبَعًا لِمَا يُبْدِيهِ الجسد من مقاومة ، فَثَمَّ من يستسلم بادي الرأي ، فيكفي السلطة المؤنة ! ، فلا يكون من الحصافة السياسية أن تكتسب السلطة عداوته بِقَمْعٍ مباشر يستهدف جسده ، جريا على نظرية معاوية رضي الله عنه ، فلا يضع سيفه الذي يجرح إذا أجزأ سوطه الذي يؤلم ، ولا يضع سوطه إذا أجزأ لسانه الذي يَتَوَعَّدُ ، فَثَمَّ من تَرُدُّهُ الكلمة ، وثم من لا تَرُدُّهُ إلا الجلدة وثم من لا تَرُدُّهُ إلا الضربة ، وهي ، مع ذلك ، مما يَتَفَاوَتُ في القوة ، فثم ضربة تجرح وثم أخرى تَقْتَلُ ! ، وآخر الدواء الكي ، فالعنف في السياسة هو الكي في العلاج ، ولا يلجأ إليه ابتداء إلا السلطة الفاشلة ، فهي تخوض صراعها مع المجتمع ! على قاعدة صفرية قاعدة أنا أو أنت ! وتلك قاعدة قتال لا سياسة فإن اسْتُعْمِلَتْ في السياسة أفسدت ، فالحصافة ، ولو انطلاقا من نظرية سياسية براجماتية ، الحصافة تستوجب إدارة المشهد بحد أدنى من التصالح ولو انطلاقا من النظرية الأمنية الماكرة التي تحسن إدارة المشهد وتعطي كلا من الفضاء والهامش ما فيه يَتَحَرَّكُ دون أن يجاوز الخط الأحمر ، فالعقلية العسكرية الخشنة لا تصلح ، بداهة ، في إدارة شأن سياسي إلا إدارة القمع الذي قد يضبط حِينًا ولكن مآله الفوضى بما يعم من الظلم ويفدح من الثأر فقد استكثر صاحبها من العداوات بلا طائل فخالف عن بدائه العمل السياسي ، ولو انطلاقا من معيار براجماتي يدير المشهد بعقل أمني ماكر فهو يقسم الغنائم ، كما تقدم ، وإن احتفظ لنفسه بالشطر الأكبر ! .
    فالعنف ، وهو محل شاهد تقدم ، لا يكون إلا ضرورة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ولو بمعيار السياسة المحدث فضلا عن معيار الوحي المنزل الذي حرم الظلم ومنه جلد الأبشار وضرب الأعناق ، فمن يطيق تَبِعَةَ ذلك ؟! ، ولو تَبِعَةَ السياسة المحدثة ، فذلك مما يضعف شرعية الحكم الذي يفرط في العنف فلا يلجأ إلى ذلك إلا أنه يَرَى المجتمع خصما وجوديا فيخوض منه صراعا صفريا ، حكم الأقليات مثالا ، لا سيما الأقليات الدينية والطائفية ، بلاد الشام مثالا فحكم الأقلية الذي تمدد في البلاد طولا وعرضا خلال أربعة عقود أو يزيد ، هذا الحكم يمارس الآن تصفية من النوع الراديكالي للمكوِّنِ الأساسي في المجتمع ، وهو ما يُوَاطِئُ أغراض السياسة الدولية والإقليمية الراهنة التي تستهدف النواة الصلبة لحضارة الشرق ، الإسلام السني حصرا ، لا سيما الحركي فهو الأقوى أَثَرًا في الواقع ، ولو على المدى القريب والمتوسط ، وهو الذي يشتبك مع الحياة اشتباكَ الفاعل المؤثِّرِ بل الحاكم المهيمن ، وهو الأقرب إلى تصور الدين الجامع الذي يجعل الوحي هو المرجع المجاوز من خارج ، فَعِنْدَهُ من المصادر الأصلية للرسالة السماوية ما ليس عند الأقليات الطائفية فإنها قد خرجت عن مصادره واستبدلت بها أخرى محدثة ، إن نَقْلِيَّةً باطلةً أو عقلية فاسدة ، فَفَسَدَ الدليل أو المدلول أو كلاهما معا ! ، فالسنة كمرجع وهوية تصاحب اسم الإسلام فهي انعكاس له في الواقع بما فصلت من أحكامه ، هذه السنة لا يمكن أن تَتَمَاهَى مع قيم السياسة المحدثة إلا أَنْ تُعْزَلَ من منصب الْبَيَانِ والتفصيل فِي أَبْوَابِ التَّشْرِيعِ ، وَتَتَحَوَّلَ إلى مادة روحية مجردة من آثارها في الخارج إلا بعض الأخلاق ذات الطابع الفردي فلا تهدد الخصم الذي امتلك ناصية الحكم ، لا جرم كان استهداف هذا المكون الرئيس بل هو ، عند التدبر والنظر ، الممثل الشرعي الوحيد للرسالة ، فهو الذي حفظ مادتها إسنادًا وَمَتْنًا ، وهو الذي وَعَى حكومتها فِقْهًا وسياسةً وَحَرْبًا ، فكان له من العناية بالتأصيل والتفصيل والجمع والتصنيف ..... إلخ من الأعمال الجليلة ما به حفظ روح الشريعة التي بُثَّتْ في روع المجموع الغالب من أمة الشرق ، فلا زالت حتى الآن هي العنوان الرئيس الذي يعبر عن الهوية وإن غابت أو غُيِّبَتْ قسرا ، فإذا أُعْطِيَ المجتمع فسحةً فإنه يُظْهِرُ مِنْهَا ما قد أَبْطَنَ ، ولو لم يكن يعلم ذلك ! ، أو كانت عنايته بهذا الأمر طفيفة ، فالهوية الاجتماعية والسياسية معنى أعم من التدين والالتزام بأحكام الشريعة ، وإلا فما سر هذا الاستهداف في عصر لا تظهر فيه أعلام السنة ولو بَيْنَ أهلها الذين يحملون نسبتها ، فلا زالت جذورها في نفوسهم ولو هوية بها يمتازون من غيرهم ، فضلا أن يكون ثم هامش حرية يُفْرِزُ آخر من الوعي إذ يُتَاحُ من مصادر المعرفة ما يقرب السنة إلى المجتمع ، فَيَتَّسِع مجال الرؤية ويجاوز حد الدين الروحي أو التقليدي الذي نشأ عليه المتأخرون في أجواء ملبدة بغيوم التقليد الذي يخمد في النفوس ملكة الاجتهاد وَيُرَبِّيهَا على الكسل والاتكال ، لا سيما مع ذيوع الطرائق الرياضية التي غلت في مسالك الزهد والورع فَصَيَّرَتِ البطالة فضيلة وهو ما انحدر بحركة البحث والتجريب ، وذلك ما استغرق سائر العلوم ، فالتقليد المتأخر لم يقتصر على التقليد في فروع الفقه أو الكلام ، وإنما كان ثقافة انتظمت المجتمع في سلكها ، وعظم شؤمها أن نُسِبَتْ إلى الوحي زورا ووجدت من يُرَوِّجُ لها لمكاسب يروم نوالها ، أو رضا بها فهي تخفف أعباء الفرد أن يَتَعَقَّلَ وَيَتَكَسَّبَ وَيَتَحَرَّكَ في الأرض فَتْحًا وَسَعْيًا ، فَيَتَأَوَّلَ لقب الخيرية التأول الصحيح الصريح ، فتلك خيرية الأمر والنهي ، أَنْ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) وهو ما يفتقر إلى تصور ونظر يصح لا يقتصر على التقليد المحض الذي يتعصب صاحبه بلا دليل ، فهو يُنَفِّرُ الناظر ذا العقل الفاعل الذي يجتهد في البحث ، ولا يكون ذلك إلا لِنَفْسٍ شريفة تروم العلم وهو كما حده أهل الشأن : معرفة الحق بدليله فلا تكون المعرفة تقليدا فما أيسر ما يأتي وما أيسر ما يذهب إذ لم يرسخ في النفوس إلا تَعَصُّبًا ، والمتعصب ، في الجملة ، جاهل يَغْلُو في مذهبه بلا دليل يؤيده فما أيسر أن يُفَارِقَهُ إذا عرضت له شبهة ، وهو ما ساد في الأعصار المتأخرة إذ فَشَا الجهل ودرس العلم إلا آثارا ، فكان التقليد من أسباب التَّنْفِيرِ التي بَغَّضَتِ الحق إلى نفوس الخلق ، فَعَظُمَ به الشؤم وَفَحُشَتْ جِنَايَةُ دُعَاتِهِ الذين جعلوه فضيلة دينية وإن عُطِّلَتِ الآلة العقلية في مقابل ما سبق به المركز في صناعات الدنيا التي تُشْبِعُ ولو جزءا من غريزة العقل ، فإن إشباعها الإشباع التام النافع لا يكون إلا أن تُفَتِّشَ في أجوبة المصير وهو ما يَفْتَقِرُ إلى رائد صادق في باب غيبٍ لا يُنَالُ إلا من مشكاة عليا تجاوز هذه الدنيا ، فلا بد من مرجع يجاوزها من خارج ، وذلك الوحي الذي عَظُمَتْ مصيبته بأهله قبل أن تَعْظُمَ بخصمه ! ، فإنهم إذ رَكَنُوا إلى التقليد وصيروا نصوص الوحي مادة تلاوة يُتَبَرَّكُ بها في المواسم والمجامع المحدثة ، فَذَلِكَ ما أَزْرَى بها وعطلها أن تُبَاشِرَ وظيفتها الرئيسة في ضبط حركة المجتمع وتأطيرها في إطار محكم قد سَلِمَ من التهمة التي توجهت إلى إطار السلطة المعاصرة فهو إطار أَرْضِيٌّ محدث لا يسلم من الهوى وحظ النفس في الرياسة والرياشة ، فصاحبها يطلب وجاهة المنصب وَتَرَفَ العيشِ ، فلا يَنْصَحُ طرحُه ويخلص من شائبة السياسة المحدثة التي تباشر الحكم حرفةً تَتَرَبَّحُ بها ، فهي تَتَّسِمُ بالأنانية والانتهازية ، وإن كست أطروحتها البراجماتية بلحاء أخلاقي ، فَثَمَّ تأصيل أيديولوجي ولكنه لا يكون إلا دليلا بعد اعتقادٍ فصاحبه قد اعتقد أولا ثم راح يُفَتِّشُ عن دليل ، ولو شبهةً ، يُؤَيِّدُ بها مذهبه ، فلم يكن بادي أمره يروم الدليل رائدا وإنما أراده تَابِعًا لما يهوى ويجد ، وتلك آفة ظهرت مبكرا مع بزوغ المذاهب المحدثة ، وتأمل ما كان من القسس والبطارقة وقد دخلوا في الرومية الوثنية ولم تدخل هي في دينهم فكانوا الخاسر الأكبر وإن كسبوا المنصب والمغنم ، فكان المرجع الإنجيلي في هذا المثال : مرجعا تابعا لأهوائهم وأذواقهم ، وهو ما انْتَقَلَ بعد ذلك إلى رياسات دينية محدثة في الدين الخاتم فكان من رءوس الفرق والمذاهب مَنْ عَظُمَ حَظُّهُ في الصدارة ولو باطلة ! ، فاجتهد في البحث والنظر لا طلبا لحق يَتَّبِعُهُ وإنما طلبا لدليل يشهد لِبَاطِلِهِ الذي به يَتَكَسَّبُ ، فَنَظَرَ في الوحي نَظَرَ التابع ، فلم يجعله الحاكم الرائد ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، منشأ النِّزَاعِ في باب المرجع والهوية ، فَثَمَّ من غَلَا في خصومة الوحي فَرَامَ عزله من الرياسة بل ومن الوجود ! ، وإن تكلف في أحيان من أدلته ما يُثِيرُ السخرية والتهكم ، فلا يحسن يميز آيه من خبره ، ولا صحيحه من موضوعه ، فلا يجد بدا ، في مواضع ، إلا أن يُرَائِي ويداهن ولو مخادعة لخصم ، فَيَتَكَلَّفَ من تَعْظِيمِ الوحي ما لا يعتقد ، وهو ، مع ذلك ، لا يَرْضَى منه إلا بمثال منحرف يَزْعُمُ أنه سبب التخلف الذي بَعَثَهُ أن يُجَدِّدَ وَيُحَدِّثَ اقْتِبَاسًا من آخر يغاير عن دائرته في الفكر والحضارة ، فلم يجد في دائرته إلا مثال الكسل والتقليد الذي عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة وكان مدار الفتوى المذهبية المتعصبة التي عطلت حركة العقل أن يَنْظُرَ ويجتهد فَيُحَصِّلَ من أدوات الاستنباط ما يوسع المدارك في العلوم جميعا ، فتلك حركة تَنْشَطُ وهي تَنْفِي عن الوحي ما به قد وُصِمَ من خصومه أنه معدن التخلف والجمود وأنه سبب في الرجوع إلى بداوة في العيش لا تليق بذوي العقل والفكر ...... إلخ من الدعاوى التي أطلقها المركز لَمَّا احتل الأطراف ، فسواء أكان مغرضا يروم القدح في الهوية الرسالية لأمة الشرق أم جهل فلم يحكم إلا بما وَجَدَ من حال تُزْرِي فالذهن المتعجِّل الذي يَتَهَجَّمُ في الحكم فَيُسَارِعُ ولا يتكلف عناء البحث في أصول المسألة ، ولا يخلو ، لو تدبر الناظر ، من هوى وحظ نفس فهو يبادر بالاستدلال بأي عارض يشهد لمقال قد اسْتَقَرَّ في روعه ، فَلَهُ حظ وإن خفي أن يقدح في خصمه وأن يُسَفِّهَ رَأْيَهُ ومرجعه فإذا وجد مذمة طار بها ونسبها إلى غير أصلها ، كما نسب من نسب تخلف الشرق إلى الوحي ، وإذا وجد كمالا اجتهد أن يَنْفِيَ نسبته إلى الخصم لئلا ينال فضيلة ، فلا يُقِرُّ به إلا ضرورة تلجئ ، وإلا فهو يجتهد في الكتمان والتحريف ، وتلك ، أيضا ، سنة قد جرت في كل مقال محدث فآية أصحاب الأهواء ، كما يقول بعض المحققين ، آيتهم بُغْضُ الأدلة التي تشهد بضد مقالهم ، والرغبة في كتمانها فلا يطيقون سماعها فضلا عن حكايتها حكاية الدليل المحكم ، وفيهم يصدق الوصف في الآي المحكم ، فـ : (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) ، وإن لم يلزم من ذلك الكفر في كل حال ، فمحل الشاهد هو المعنى الأعم : كراهة المحدِث صاحب الهوى للدليل الذي يُفَنِّدُ مقاله ، ولو صحيحا صريحا سالما من المعارضة ، فهو يجتهد في كتمانه فإن ظهر اجتهد في إبطاله فإن أعياه اجتهد في تحريفه فَحَمَلَهُ على وجه بعيد أو باطل ليصرفه عما دل عليه ظاهرا يَرْجُحُ فلا يُعْدَلُ عنه إلا بصارف معتبر لا بتأويل باعثه الهوى والذوق ، فسواء أكان المحتل الوافد من دائرة حضارية أخرى ، بريطانيا مثالا في مصر ، سواء أكان هذا الوافد جاهلا فهو يقيس الوحي والشريعة على كهنوت الكنيسة مع ما تقدم من شبهة الكسل والخمول التي ضربت أرجاء الشرق فعطلت آلة الاجتهاد والبحث ، أم كان مغرضا اسْتَثْمَرَ في عَرَضٍ يحكي مَرَضًا فجعله الأصل ولم يُرْزَقْ من الإنصاف أن يَنْسِبَ هذا الحكم إلى حالٍ وجدها بحسه فلا يسارع فيحكم على المرجع والمصدر إلا بعد أن يَتَبَيَّنَ وَيَتَحَقَّقَ ، أم جمع الاثنين فهو جاهل بالوحي صاحب هوى أن يطعن في أهليته أن يكون مرجع شرع وحضارة وحرب وسياسة .... إلخ ، فذلك ما يعلو بمرجعه الذي وَفَدَ به بذريعة التحديث للشرق المتخلف ، فأيا كان باعثه فقد وجد من الحال الناقصة ما به تعظم الشبهة ، وهو ما أسهم في تشكيل ما اصطلح أنه النخبة الجديدة في مصر الحديثة ، مصر اللورد كرومر الذي حَدَّ دين الوحي أنه كَدِينِ الكنيسة في المثال العلماني الحديث ، فهو دين روحي ناجح ، ولكنه دين اجتماعي وسياسي فاشل لا يَنْهَضُ بأعباء العصر فلا بد من عزله وإخراجه من مشهد السياسة في الطرح العلماني المعتدل ! ، الطرح الجزئي الذي يتحكم في إدخالِ بَعْضٍ وإخراج بَعْضٍ ، فالوحي فاعل في باب باطل في آخر ولا دليل يصحح هذا التفريق الذي يخالف عن معيار العقل الصريح إذ يقضي بالتسوية بين المتماثلات فحال صاحبه كحال يهود إذ آمنوا بِبَعْضِ وكفروا بِبَعْضٍ ، فلا يكون ذلك إلا وثم مرجع دون الوحي يحكم ، فهو الذي يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ وإن خالف عن معيار الرسالة المحكم ، لا جرم كان التناقض فما يُصَحَّحُ في حال يُضَعَّفُ في نظيرها ، وما يُسْتَدَلُّ فيه بدليل لا يستدل به في النظير ، وقياس العقل المحكم ، كما تقدم ، التسوية بين ما تماثل من الأحوال فالحكم فيها واحد لا يتناقض ، وذلك ما لا يكون والهوى والذوق هو الحاكم فإنه ، كما تقدم مرارا ، لم يبرأ من تهمة الانحياز إذ لم يسلم من آفة النقصان والجهل والافتقار ...... إلخ ، لا سيما إن كان باعثه في الحكم المصلحة البراجماتية الناجزة فهي ذريعة التأويل والتحريف للأدلة والنصوص والتشبع بما لم يعط صاحبه من فضائل النفوس ، لا جرم كان احتكامه أبدا إلى معان مجملة قد اتسعت دائرتها فَسَهُلَ عليه تأويلها وحملانها على غير مواضعها بل وحملانها على أضدادها ، التوسع في المقاصد العامة وعناوين الأخلاق الكلية دون النظر في التفاصيل الجزئية مثالا معاصرا ، فذلك عنوان علماني لم يسلم منه الدرس الإسلامي الأصولي المعاصر ، فكان من هزيمة الناظر أمام حضارة المركز ما حمله أن يتأول لها من موافقة مقاصد الشرع ما يجعل الأخذ بها دفعةً بلا معيار يميز الطيب من الخبيث ، ما يجعل ذلك حَسَنًا فهي تُوَاطِئُ مقاصد الوحي ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، معان محايدة فهي كالألفاظ المحايدة ، كما يقول أهل البيان ، فلا يحصل بها تمايز بين قول وآخر ، فمن ذا يجحد فضيلة العدل والحرية ..... إلخ ، وإنما الإشكال في مذكرتها التفسيرية وتشريعاتها الجزئية ولوائحها التنفيذية ، وإن كان الخطب في لوائحها أهون فهي ما تَتَّسِعُ فيه دائرة المصلحة ما لا تَتَّسِعُ في المستويات الأعلى من المذكرات والتشريعات ، فالمصلحة أصل من أصول الشرع ، وهو ، مع ذلك ، ما استوجب الإحكام والضبط ، فالناس فيه بَيْنَ غال وجاف ، والفضيلة ، أبدا ، وسط بين الاثنين ، فذلك قانون يَطَّرِدُ في الأخلاق والأحكام جميعا .

    وفشل الوحي كدين اجتماع وسياسة ، كما زعم اللورد كرومر ! ، يوجب ، كما تقدم ، عزله عن العمل السياسي في الطرح العلماني الجزئي ، وثم من غلا فَزَادَ فلا بد من عزله من الحياة كلها ، كما الحال في الطرح العلماني الكلي الذي تحملته فِئَامٌ من النخبة الجديدة في الشرق ! ، فهي علمانية أكثر من الغرب ! ، فلا تحسن تَتَلَطَّفُ في القول كما يَتَلَطَّفُ ، فهي تُصَرِّحُ بما كَنَّى عنه مما اسْتُقْبِحَ ذكرُه صراحة لئلا يَنْفِرَ المجتمع منه ، لا سيما وهو وافد بذريعة التحديث والتمدين وتلك دعاية تخدع من لم يحقق النظر .
    فَثَمَّ تخلف وكسل لا ينكره الناظر في الحقبة الأخيرة من تاريخ الشرق ، حقبة الهزيمة الحضارية وما تلاها من أخرى سياسية وعسكرية ، فالإشكال ، كما تقدم مرارا ، ليس في هزيمة السياسة والحرب فتلك دولة بين الأمم ، وهي ما جرت به السنن ، سنن التدافع ، وإنما الإشكال في هزيمة الحضارة ، وهي الهزيمة النفسانية التي زادتها حدة : حال التخلف والكسل التي أصابت الشرق بعد نشاط استغرق سائر العلوم ، فكانت الفترة بعد الحركة ، والوحي من الفترة بَرَاءٌ فإنها ما تفاقمت إلا وهو غائب من الحياة إلا اسما بلا مسمى ، قد اخْتُزِلَ في طرائق من الرياضة والزهد غَلَا أصحابها في باب السلوك وهو وَثِيقُ النسبة إلى حركة الحياة ، فَأَثَرُهُ عاجل في الأخلاق التي تشكل قاعدة القيم والمبادئ في أي حضارة ، فإذا صار الكسل فضيلة بذريعة الإيمان بالقدر ، فكان الجبر الذي غلا فيه أصحابه فاتخذوه ذريعة أن يَتَقَاعَسُوا عن فعل المدافعة في السياسة والحرب والحضارة بعلومها وصنائعها ، وهو ما اقْتَرَنَ بمقال الإرجاء الذي أَفْرَغَ الإيمان من طاقة العمل فَصَيَّرَهُ قولا مجردا لا أَثَرَ له في الجوارح ، فَتَحَوَّلَ من دين فاعل في الحياة إلى آخر ساكن لا يجاوز حد التصور الروحي وذلك ما ألحقه بالدين الكنسي في المثال العلماني على اختلاف أنواعه ، الجزئي والكلي كما تقدم ، فهو فاشل كدين الكنيسة أن يقيم مثال حياة حديثة ، فذلك قياس اللورد كرومر الذي احتج بالواقع ، والعذر في حقه آكد منه في حق النخبة ! ، لو كان ثم مجال أن يُعْذَرَ ! ، فإن الرجل وافد من حضارة أخرى ، وثم تجربة فكرية تخالف عن التجربة الرسالية ، فالدين في حضارة الغرب عنوان مؤلم بما كان من جمود وتخلف وما كان من حروب وَنِزَاعَاتٍ اتخذت الدين ذريعة فلم يتجاوزها الغرب إلا بِتَجَاوُزِ ذرائعها ، فَتَجَاوَزَ الدين كله ! ، ولم يحسن يميز صحيحا من مبدَّلٍ ، ولم يحسن يحرر مناط المسألة ، هل الدين مطلقا هو الإشكال أو دين الكنيسة الذي دخله التحريف مبكرا على خلفية سياسية إذ لم يكن للكنيسة أن تُؤَسِّسَ تَنْظِيمَهَا الهرمي المحكم الذي فَاقَ تَنْظِيمَ السياسة في العصر الوسيط ، فكان لها من النفوذ الروحي والسياسي والاقتصادي ما ضنت به نفوس الباب ورجالاته ، فلو كان ثمنه ضلال القوم وإضلال الخلق جميعا ! ، فهو ثمن يبذل حفاظا على هذا الكيان المحكم الذي تَرَاكَمَ عبر عصور وأجيال ، فَثَمَنُهُ أَنْ يُعَطَّلَ العقل الغربي في العصر الوسيط وأن يُسَاقَ إلى دواوين التحقيق وأن تنشب الحروب السياسية بذرائع دينية ، فكل أولئك ما جعل الدين في المثال الغربي هو الإشكال ، فجاء اللورد كرومر بهذه المرجعية العلمانية وعظمت الشبهة أن كانت الأمة الشرقية في أحط أدوارها ، ولم يتكلف الرجلُ جهل أو علم ! فليس بَرِيئًا من كل وجه ! ، لم يَتَكَلَّفْ أن يبحث في أسباب ذلك ، وما الدين الحاكم في الشرق إبان احتلاله ، أهو دين يأمر وينهى فَلَهُ في الحياة حسبة يخضع لها الحاكم والمحكوم ، أهو دين فاعل في الحياة يحمل رسالة إلى الخلق ويأمر أصحابه بالسعي ، فلم يكن القياس إلا ساذجا قد تَعَجَّلَ صاحبه فَقَاسَ مع الفارق ، كما يقول أهل الشأن ، ولم يحرر مناط الحكم ، فالشرق آنذاك كان يشكو الكسل ، وقياس الناصح أن يَسْعَى في إيقاظه ، فمن عجب أن المحتل قد رَعَى أسباب الغفلة واحتفى بها ، نابليون مثالا في احتفاله بالمولد وما كان من احتفاء المحتل في المشرق والمغرب بطرق الزهد والرياضة التي تحولت إلى أمثلةِ خُرَافَةٍ وبطالة فصار الكسل فضيلة ، لا سيما التكاسل عن دفع الصائل الذي وَفَدَ إلى البلاد غازيا ، فلم يجد حزبا يمنحه الذريعة الأيديولوجية ويضفي على احتلاله الشرعية إلا الحزب الصوفي وإن كان منه فئام لم تستسلم ، فَامْتَثَلَتْ ما يوجبه العقل قَبْلَ الوحي ، فأي أمة يدهمها الخصم في محلتها ، فغريزة المدافعة تَقْضِي أن تُقَاوِمَهُ ، لا أن تجعل الاستسلام له دينا لا يستكمله صاحبه إلا أن يُؤْمِنَ بالقضاء والقدر فلا يخالف المشيئة الربانية أن تُحْتَلَّ البلادُ وَيُسْتَذَلَّ العباد وَتُنْتَهَبَ الذخائر ! ، فذلك مثال يأباه أي عاقل ، لا سيما إن كان يزعم أنه من أرباب الحداثة والتجديد ، فمن عجب أن الطرح الحداثي المعاصر لا يمتدح من الدين إلا هذا المثال الشائه فَيَحْتَفِي به ، كما الحال الآن في الشرق ، فَثَمَّ حراك فكري إعلامي يحظى بغطاء سياسي داعم يروم تصدير هذه النسخة الرديئة إلى المجتمع أنها مثال الاعتدال في مقابل آخر متطرف إذ يجاوز هذا الإطار الروحي الضيق وَلَيْتَهُ كان حقا فهو خرافي مُتَوَهَّمٌ ، فمعيار الاعتدال في هذا الطرح هو الانسحاب من الحياة والانزواء في المسجد أو الزاوية أو الرِّبَاطِ انْزِوَاءَ الراهب في الصومعة والمعبد ، وذلك ما يذمه أي عاقل ، فهو آية الكسل الذي أصاب الشرق وَقَعَدَ به بعد نهضة ، فالقياس أن يُذَمَّ ، وإنما احتفى به القوم إذ يُصَدِّقُ طرح اللورد كرومر أن الإسلام دين فاشل في الاجتماع والسياسة ، وهو ما عَزَّزَتْهُ حال الشرق في أعصاره المتأخرة فَنِسْبَتُهُ إلى الوحي لا زالت ، وإن خالف ما خالف عن مقاصده وأحكامه ، بل وإن عطل الأصل وَعَزَلَ الوحي ، فلا زال الشرق مهدَ الرسالة وأرض النبوة ، وهو أمر قد طرده الخصم إلزاما بما لا يلزم وإنما انطلت الشبهة على من نظر ، بادي الرأي ، فلم يتدبر ، فهو المهزوم المغلوب الذي يجتهد في تبرئة نفسه من جناية الكسل والتخلف ...... إلخ ، فالوحي قد ظلم المرأة ! ، فتلك شبهة أخرى نَوَهَّ بها اللورد كرومر في تأصيل أعمق من التأصيل الساذج الذي يَتَبَنَّاهُ الطرح العلماني المعاصر ، فحكم كرومر أن وضع المرأة في الشرق عقبة قاتلة أمام السمو الفكري والأخلاقي الذي جاء به المستعمر البريطاني ، فطرحه حزمة كاملة لا تحصل الفائدة إلا بأخذها جميعا دون معيار يميز حسنا من قبيح ، وتلك عبارة مأثورة أطلقها عميد الأدب العربي فالحل أن يدخل الشرق في حضارة الغرب كافةً بمحاسنها ومساوئها وذلك تقليد يذم ، والقوم ما فَتِئُوا يروجون لأطروحتهم أنها أطروحة يقظة واجتهاد تَرُدُّ للعقل اعتباره ، فكيف يكون ذلك وقد خرج من تقليد إلى تقليد ؟! ، من تقليد الوحي المنزَّلِ إلى تقليد الوضع المحدث ، لو صدق أَنَّ ما كان الشرق عليه في أعصاره المتأخرة هو تقليد الوحي ، فذلك ما لا يُسَلَّمُ إلا تَنَزُّلًا في الجدال مع الخصم ، وإلا فالشرق آنذاك على التقليد المذموم : تقليدِ المذاهب في الفروع مع جمود لا يحسن يَنْتَفِعُ بهذه الثروة الفقهية فيأخذ من حيث أخذت ، كما هي وصاية الإمام أحمد ، فـ : "لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وَخُذْ من حيث أخذوا" ، فَكُتُبُ الفروعِ نصوصٌ محلُّ نظرٍ وَتَدَبُّرٍ ، فليست من الوحي المنزل ، فلا عصمة لها عند صاحب المذهب أو رجالاته المحققين ، بل من تعصب وغلا فلا يقول ذلك وإن كان لسانَ حاله ، فهي مادة يَنْتَفِعُ بها المكلَّف في أحكام التعبد لا أخذا بها في كل مسألة ، فذلك ما يجعلها شرعة منزلة ، وإنما جَازَ التقليد ضرورةً تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا فهو ، كما يقول أهل الشأن ، ميتة لا تحل إلا في مخمصة ، وتلك حال ضرورة تقدر بقدرها فلا تصير هي الأصل المطرد ! ، فذلك التقليد المذموم أن يَتَحَمَّلَ الناظر قَوْلَ غير المعصوم في جميع أحواله ، فكيف صح في الأذهان أن المسألة الشرقية لا تحل إلا أن يَتَحَمَّلَ قول الغرب في جميع أحواله ، والغرب بداهة غير معصوم ! ، بل هو أبعد من العصمة فَبَيْنَهُ وبين الدين ما صنع الحداد ! ، وطرحه العلماني مُنْتَجٌ أَرْضِيٌّ فما يلجئ ذا العقل أن يأخذ به وهو نِتَاجُ عقلٍ يضاهي عقله ، بل لعل عقله أصح فإن كان ولا بد مقلدا ، وإن كان ولا بد للوحي معطلا ، فليجعل عقله هو المرجع ، وإنما عظمت الهزيمة الروحية ونظيرتها الحضارية فلا عقل ولا نقل ، وإنما السلامة كل السلامة في تقليد الغرب وحملان قوله حملانَ الوحي المنزَّلِ ! ، فهو سقف الحضارة ونهاية التاريخ ! ، كما طَرَحَ من طرح من مُنَظِّرِيهِ ، وإن تَرَاجَعَ بَعْدَ ذلك لما استبانت له نقائص طرحه ، بل ذلك ما صرح به كبار المنظرين للفكرة العلمانية فلا ينكرون فشل أطروحتهم أن تُشْبِعَ غريزة التدين في المجتمعات الأوروبية التي بدأت الآن في الرجوع إلى الدين ولو من بوابة اليمين العنصري المتعصب الذي يَرَى نفسه الأنقى عرقا والأرقى عقلا .
    فكان من طرح اللورد كرومر ما رَامَ التَّغَلْغُلَ في أرض الخصم فلا بد أن يصل إلى كل بيت ومفتاحه المرأة ، فلا بد من تحول في المنزل فهو الوحدة الصغرى للمجتمع ، فإذا تحولت المرأة في الشرق حصل التحول السياسي والاقتصادي ، إذ تَتَوَلَّى الأم ، كما ينقل صاحب "استعمار مصر" ، التدريب الأخلاقي للأطفال بما يواطئ المثال الغربي الذي ينهض بالشرق من هذه الكبوة الحضارية ، فالإسلام قد دَمَّرَ كل فضول ذهني في العقل الشرقي ! ، والأم هي من سيعيد له حيوية النظر والاجتهاد بعد أن تُرَبَّى على قيم المركز ، قيم الاجتهاد والنظر ، ولا شك أن الشرق كان يشكو في تلك الآونة من أخلاق وسمات مذمومة فلا ينكرها من تحلى بالشجاعة المحمودة أن يقر بالمرض فتلك أولى خطوات الشفاء ، فَثَمَّ خنوع أصاب الشرق ، فَهُوَ خاضع للسلطة لا للوحي ! ، بل الوحي قد جاء يحرره من هذا الخنوع ، كما قال رِبْعِيٌّ ، رضي الله ععنه ، في مجلس رستم ، ولا يخلو الأمر من جناية عنصرية تَرُدُّ الأمر إلى الإثنية التي تَصِمُ ما دون المركز ، لا سيما الأنجلوساكسوني الأبيض ، التي ما تَصِمُ ما دون المركزِ بِالنَّقْصِ ، فتلك دعاية لم يسلم منها الشرق فهو في سبات ذهني جعله جامدا لا يطيق إحداث أي تحول تاريخي أو سياسي حقيقي مع أنه قد أحدث أكبر تحول في تاريخ العالم القديم وكان آنذاك أَقْرَبَ إلى البداوة والجفاوة ، وهو ما حَيَّرَ دَوَائِرَ البحث والاستشراق في المركز حتى وقت الناس هذا ، فلا زالت الأطروحات تَتَنَاوَلُ حركة الفتح بالبحث والتحليل وهي حركة مركبة لا يمكن ردها إلى سبب واحد ، ولكن العامل الحاسم هو ما طرأ على أولئك العرب الأجلاف من الوحي فهو كلمة السر الرئيسة في هذا التغير الهائل الذي حول هذا الجمع المتناثر إلى قوة حضارية منظمة تَوَلَّتْ أكبر عملية تحول حضاري في العالم القديم .

    ولا شك أن المجتمع المصري في أعصاره المتأخرة وهو مثال قياسي للمجتمع الشرقي في حال خموله وركوده ، لا شك أنه ، كما يقول مصطفى كامل ، قد اعتاد الاتكال على السلطة ، ولكن ذلك ، في المقابل ، لا يعني التزام المثال النيوليبرالي أن يَنْحَسِرَ دور السلطة فلا يجاوز حد النظام والأمن وتنفيذ العدالة ، فلا بد للدولة ، ولو في الطرح الأرضي المحدَث ، من دور اجتماعي فَبِهِ امتازت مِنَ الشركة التي لا تَرُومُ إلا الربح المادي ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مما يَرَى الناظر في أعتى الأمثلة النيوليبرالية فلا تخلو من أدوار اجتماعية فاعلة في الكفالة والرعاية ، وليتها تصنع ذلك في بلاد الشرق التي أحكم الاستبداد قبضته عليها ! ، فَتُرِيحَ المجتمع من شرها وتصير نيوليبرالية ولو متطرفة ! ، بل قد صدق كرومر إذ رَدَّ تعطيل الطاقة البشرية في مصر إلى الإفراط في الحكم المركزي ، فَرَدَّ الأمر إلى الاستبداد ، فالمزيد من القوانين والمحاذير لا يؤدي ، كما ينقل صاحب "استعمار مصر" ، إلا إلى مزيد من الاستبداد والإفراط في الحكم ، وذلك مئنة من غاية قصوى في الإخفاق السياسي إذ حُسْنُ السياسة هو الاقتصاد في القوة مع خفاء السلطة فلا تظهر بِظِلِّهَا الثَّقِيلِ في كل مشهد وإن كانت تُرَاقِبُ وتسيطر ، فَثَمَّ من نظامها المحكم ما ينوب عنها ، فإذا ظهرت فضرورة تُقَدَّرُ بقدرها ، وأما ظهورها في كل مشهد والإلحاح بها في كل موضع ، مع تكلف وتصنع إما لأخلاق الجمال ترغيبا أو أخلاق الجلال ترهيبا فذلك مئنة من فشل ذريع ولو بمعيار السياسة الحديث

    فالإفراط في الاستبداد والعنف في الحكم المركزي لا يصير الكسول مجتهدا ، إذ لم يدرب على المثابرة والاجتهاد ولم يجد من بيئة العمل ما يشجع ، ولعل ذلك من نوادر صَدَقَ فيها البنك الدولي ، وهو من الجهات المانحة الرئيسة الآن لمصر ، إذ أوصى أن تخفف السلطة المركزية قَبْضَتَهَا على الاقتصاد فلا تستأثر بهذه الحصة الكبيرة مع غياب الشفافية أو انعدامها إن شئت الدقة ! في ظل أجواء تنافسية غير عادلة ، مع ما تَسُنُّ من تشريعات تصب في قناتها وتكرس هيمنتها الاقتصادية ، فهي على وزان ما انتقد اللورد كرومر من الإفراط في الحكم المركزي ، فهو يعطل طاقة الإنتاج ، وهو يصيب رأس المال الخاص بالخوف ، ويصيب الفرد بالإحباط واللامبالاة ، كما ينقل صاحب "استعمار مصر" من وصف بعضٍ للشخصية المصرية التي ضربها الاستبداد في مقتل ، فالمصري قابل للحماس ولكنه يفتقر إلى المبادرة ، ولا تكون إلا وثم مناخ حرية وانفتاح فذلك ما يجعل الفرد يُبَادِرُ فلا يهاب ، وذلك ما يعم المبادرة الفكرية والسياسية والاقتصادية ...... إلخ ، فإذا أغلقت فضاءات المبادرة أصابته اللامبالاة والسكون والكسل ، فالاستبداد هو سبب الكسل لا الوحي كما يزعم خصومه ! ، وهو نِتَاجُ الافتقاد إلى الأمان وعدم استقرار الملكية ، مصر الآن مثالا وفيها حركة نَزْعٍ لملكيات تَنْشَطُ إما دفعا لفواتير سياسية كما الحال في سيناء أو أخرى اقتصادية كما الحال في جزر النيل وإن لم تخل من شَوْبِ سياسةٍ ! ، وهو ما يقتل روح الاجتهاد والحاجة إلى التملك ، فَمَنْ تَمَلَّكَ فهو يستخفي بأملاكه لئلا تطالها المصادرة ويسعى في تجميد أمواله أو إخراجها إلى ملاذات اقتصادية آمنة استثمارا أو ادخارا وكل أولئك مما يعزز حال الكسل والركود فما دخل الوحي في هذا المثال المذموم ؟! ، فضلا أن الكسل حالٌ تظهر في البلاد الحارة ، فَثَمَّ عامل إثني مناخي ، وكل أولئك ما لا يُلَامُ بِهِ الوحي ! إن كان الأمر مناط لوم وذم ! ، بل قد كان من عظمة الوحي وإعجازه أن حول هذه الكتلة البشرية السائلة التي تَغْلُبُ عليها العشوائية وعدم الانضباط أن حَوَّلَهَا إلى قوة منظمة فريدة فتحت الأمصار وأقامت صرح الحضارة في العصر الوسيط ، فتلك خاصة الشرق ، كما قال ابن خلدون ، فكان من الإعجاز أن تآلفت القلوب بِرَسْمِ : (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، فالوحي بريء من هذه التهمة التي ألصقها به الاستبداد وهي به ألصق فهو المسئول الأول وربما الأوحد ! عن هذه الحال ، والخروج منها لا يكون بمناجزة الوحي ! ، وإنما يكون بالتصالح مع الذات الحضارية مع الأخذ بالأسباب المادية ، فلا بد ، كما يوصي بعض الباحثين الفرنسيين وعنه ينقل صاحب "استعمار مصر" ، لا بد أن يُعَلَّمَ الناس من لدن النشأة ألا يضيعوا وقتهم ولو لحظة دون نشاط نافع فيتعلموا استخدام الوقت بصورة مفيدة ، وذلك ما قد جاءت به الشريعة فهل جاء الوحي ليأمر الناس بإضاعة الوقت ؟! ، وإنما الشأن في إطلاق هذه الطاقة المعطلة بتخفيف أعباء الحكم المركزي الذي يثقل الكواهل بالمراسيم والضرائب ، ولا بد قبل ذلك من تحرير الباعث المحرك ، فاللورد كرومر قد أصاب إذ رام إطلاق هذه الطاقة ، ولكنه ، في المقابل ، أراد إطلاقها ، لتكون طاقة وظيفية تابعة لبريطانيا ، فهي اليد العاملة الرخيصة في زراعة القطن وصناعة الحلج الذي تستفيد منه آلة الصناعة في بلاده ! ، والشأن أن يكون بَاعِثُهَا ذاتيا فتكون قوة مستقلة لا أخرى وظيفية تابعة .

    وعلى هذا فَقِسْ في كل مسألة ، فلا يُرَدُّ نَقْص الشرقِ في الأعصار المتأخرة إلى الوحي ، فلا شك أن وضع المرأة كان مُزْرِيًا بما اطرد من العوائد التي تضاهي العوائد الجاهلية ، فلم يكن الحل ، أيضا ، أن تَتَبَنَّى المرأة في الشرق أطروحات نظيرتها في الغرب لتصير نسخة شائهة تفتقد إلى ذاتية المرجع والمسلك ، وهو مما قد عمت به البلوى على وجه يجاوز ما تقدم من تشبه في الظاهر وإن كان ذلك موضع ذَمٍّ فَثَمَّ آخر أفدح وهو التشبه في الباطن ، لا جرم كان الطرد والعكس في الخبر الذي حُدَّ حَدَّ الشرطِ ، فـ : "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" ، فهو مما يجري مجرى القانون العام إن مدحا إن تشبه بأهل الكمال أو ذما إن تشبه بأهل النقص ، فهو ، من هذا الوجه ، نص محايد ، فدل بما اصطلح في لسان العرب أنه المنطوق ، دل على انتماء المتشبِّه إلى من تَشَبَّهَ به فهو منه ، وذلك آكد في الدلالة فليس مثله صورة بل هو منه في البواعث والدوافع وما صدر عنها من مظاهر تجاوز حد الصورة إلى القول والعمل فقد صادر الغالب عقله بما كان من هزيمة أصابت نفسه فصار يتكلم بلسانه ويبطش بجوارحه ، وصار نائبا عنه في كل محفل خص أو عم ، فَهُوَ وكيل الدعاية ووكيل الحرب والسياسة فتلك وصمة الوظيفية التي تقدمت الإشارة إليها مرارا ، ولم تكن إلا من تَشَبُّهِ الروح في الباطن إذ تَشَرَّبَتْ قِيَمَ الغالب على وجه جاوز حد الغلبة فَثَمَّ ، كما يقول بعض الفضلاء ، إيمانٌ جازم قد يفوق الإيمان بالرب الخالق ، جل وعلا ! ، ثم إيمان جازم أن الغالب هو المتفوق ذو الحضارة التي يجب الاقتداء بها للخروج من حد التخلف والرجوع ، بل كان جلد الذات الحضارية والقدح فيها والإزراء بها أمام الغالب إمعانا في التذلل والخضوع مع التبرؤ من أهلها فليس متخلفا مثلهم وإن حكمهم ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا قهرا بحد السيف فذلك حكم الجبر إذ ليس ثم حد أدنى من التصالح لا في السياسة والاجتماع ولا في الحضارة وهو الأفدح فقد انخلع من قيم حضارتهم فلا ينتمي إليهم لا باطنا ولا ظاهرا ولا يشاطرهم الحياة لا حسا ولا معنى فقد انفصل عنهم ورام الالتحاق بخصمهم الذي اختاره ليقمع أجسادهم فهي موضوع السلطة المركزية ابتداء حتى تَسْكُنَ وَتَسْتَسْلِمَ ثم يحرف أفكارهم فهي موضوع السلظة المركزية بعد ذلك فالجسد يُطَوَّعُ بأداة القمع الخشنة والعقل يُطَوَّعُ بأداة القمع الناعمة ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا بمجموع وظيفي مستغرب قد يمم وجهه شطر المركز الغالب فهو به يَتَشَبَّهُ في العرض والجوهر ، كما يقول أهل الكلام ، فهو على طريقته في الباطن والظاهر جميعا وهو على خلاف من يحكم في الأطراف فلا هو منهم لا في جسد ولا معنى ، فقد فاصلهم واعتزلهم بجسده في القصر المحصن واعتزلهم وما يعبدون ! ودعا المركز وحده فاعتزلهم بروحه فهي في فلك المركز تسبح ، محمد علي رائد الدولة الوطنية الحديثة مثالا وقد خاطب المركز يوما فتفاخر أنه مثلهم ، فهو رجل ذو عقل وكياسة فليس كمن يحكم من الحمير والثيران الذين تستفزهم الدعايات الدينية فهو رجل حداثي مستنير لا يقيم وزنا للدين والمبادئ فليس إلا المصالح والمكاسب كما يرى النَّاظِرُ من حال التابع الوظيفي في الفعل السياسي والعسكري في الشرق المعاصر ، كما يَرَاهُ من حال هذا التابع الوظيفي وهو أمام الغالب في المركز ، فلا يطيق أن ينظر في وجهه فضلا أن يخالف عن أمره ! ، فكانت هزيمة الروح المزرية فهي مبدأ ما يَرَى الناظر من التشبه في الصورة فالمغلوب قد أمعن في التشبه بل قد جاوز الأصل في مواضع فهو من القوم الذين تشبه بهم بل هو أشد تمسكا بِقِيَمِهِم وأفكارهم وإن لم يَزِدْهُ ذلك في أنظار عقلائهم إلا ضعة وخسة فقد انسلخ من جلده ولم يحسن يكتسي جلدهم ، فليسوا بذلك يجودون فجلدهم الأبيض حكر على المركز وليس للأطراف إلا الأسود ! ، وليس له من الوظائف إلا التابع المنفِّذ .
    فما تشبه المغلوب بالغالب ظاهرا إلا وقد وَاطَأَهُ في معان باطنة ، فَعَنْهَا يصدر الظاهر في القول والعمل على وجه يجاوز صورة الظاهر في الزي والهيئة وإن كان ذلك مئنة رئيسة من التشابه في الحقيقة ، فأول الحركة فكرة ، فإذا تماثلت الحركات في الخارج اختيارا فلم يكن ثم إكراه ملجئ ، فالخطرات في الباطن قد تماثلت فهي دوافع ما يَرَى الناظر من ظاهر القول والعمل والهيئة والزي وكل ما يدركه الحس ، فإن كان التشبه بالكامل فذلك ما يمدح على حد ما قال الشاعر :
    فَتَشَبّهوا إِن لَم تَكُونوا مِثلَهُم ******* إِنَّ التَّشَبّه بِالكِرامِ فَلاحُ .
    فإن كان التشبه بالكامل فالمتشبه منه إذ لم يَتَحَرَّ هيئته في الظاهر إلا وقد تحرى فكرته في الباطن ، فالمتشبه منه فهو من حزبه ، فإذا كان حزبه حزب الحق فالمتشبِّه تَبَعٌ له في المدح ، فمن تشبه بقوم كاملين فهو من حزبهم الكامل فيمدح بما بِهَ قد مدحوا من وصف الكمال ، وهو ما استوجب في الدلالة الأمر بالتشبه بهم فالتشبه بالكامل كمال ، فَتَشَبَّهْ بالكامل تَصِرْ من حزبه وَيَكُنْ لك كفل من مدحه .
    وهو ما يفتقر في كلتا الحالين ، المدح إن تشبه بأهل الحق والذم إن تشبه بأهل الباطل ، ما يفتقر إلى معيار به الكمال يمتاز من النقص ، فلا بد من مرجع محكم يجاوز أهل الأرض فقد اختلفوا في معيار الحسن والقبح واضطربوا فكان من الاختلاف والتناقض ما قد عَظُمَ ، كما الشاهد في إشكال المرأة فَثَمَّ من سلك الجادة ، جادة الفطرة ، فهو يَرَى التستر والقيام بما يلائم طبيعة الأنثى من الوظائف الشريفة ، يَرَى ذلك الكمال الذي يُتَحَرَّى فيكون التشبه به مظنة المدح ، وثم ، في المقابل ، من يرى التهتك والخروج عن جادة الفطرة التي تميل بالأنثى أن تستر البدن وتخفض الصوت ...... إلخ من طبائع النساء إن بَقِينَ على الأصل الأول فلم يصرن رجالا في الفعلة وإن كن نساء في الخلقة ! ، فَثَمَّ من يَرَى هذا الخروج السافر عن قانون الفطرة والشرعة ثم من يَرَاهُ معنى يُحْمَدُ وهو ما قد عمت به البلوى في المركز ، فَيَرَى تشبه المرأة في الأطراف بنظيرتها في المركز على وجه يجاوز الصورة والهيئة إلى بواعث الفكرة ، فتكون على فكرتها قبل أن تكون على هيئتها لِتَلْتَحِقَ بها في الحزب ، حزب الكمال والتمدن ، كما يزعم صاحب هذا القول المنهزم فتلك هزيمة أخرى في المجتمع كما الهزيمة في الفكرة والسياسة والحرب ...... إلخ ، فالأطراف تسعى في الكمال الذي صار معياره الآن هو المركز وما عليه من الفكرة والحركة ، وإن سَخِطَهُ الآن مَنْ أنصف من نُظَّارِ المركز فلم يروا ما آلت إليه الحال كمالا لا في أمر النساء محل الشاهد ، ولا في غيره من المعايير والقيم الحاكمة ، فهم الآن يفتشون عن بديل بعد الحداثة والديمقراطية والعلمانية .... إلخ من ثَوَابِتِهِم الفكرية .
    فالهزيمة النفسانية في الأطراف قد حملتها أن تضع المركز موضع القدوة المطلقة ، ولا يكون ذلك إلا لمعصوم من الخطإ فَوَحْدَهُ من يُشْرَعُ التأسي مطلقا ، فَأَنْزَلَتِ الأطراف المغلوبة المركزَ الغالب ، أَنْزَلَتْهُ منزلة المعيار الحاكم دون أن يكون ثَمَّ مرجع محايد يجاوز الجميع فهو يحكم من خارج ، فقياس العقل فضلا عن الوحي ! ألا يَهْضِمَ الإنسان نَفْسَهُ فَيُزْرِيَ بها ويجعلها لِمِثْلِهَا تَبَعًا فإن كان ولا بد واضعا معيارا من الأرض فَلْيَجْعَلْ معياره من ذاته ، فلا هو جعل المعيار من الوحي النازل من السماء ولا هو جعل نفسه سيدا في الأرض يستقل بالأمر والنهي ، فهو في أحط دركة أن يكون تابعا بلا ذات تستقل ولا هوية تستقر ، وهو ما جاوز ، كما تقدم ، حد التشبه تشبه المرأة في الأطراف بنظيرتها في المركز فثم نظر أدق لهذا المحضن الذي يربي النشأ ويصوغ الفكرة ويؤدب القولة والحركة فإن صِيغَ على مثال يواطئ المركز ، فقد انتقلت روح الحضارة في المركز إلى الأطراف ، كما قرر بعض نظار المركز ، فلكي تَتَمَكَّنَ أوروبا وهي أصل المركز ، لكي تَتَمَكَّنَ من توريث حضارتها لشعب آخر فلا بد أن تورثه روحها من القيم والأفكار ومن سوى المرأة يطيق هذه المهمة ؟! ، فهي المحضن الأول وهي المؤدِّب الأول ، فَلَهَا من التربية ما لو وُضِعَ معياره على معيار المركز فقد كُفِيَ المؤنة فلا حاجة له أن يباشر التفاصيل فقد وضع الإطار العام المحكم ، فما يدور داخله يحقق أهدافه بأقل كلفة ودون أن يثير ضجة قد تُنَبِّهُ الأطراف لهذا المسلك الماكر فالمرأة المستغربة في الشرق هي الآن من يُعِدُّ الكوادر التي تشربت قيم المركز اختيارا دون أن يضطر إلى إشرابها له كرها .

    والله أعلى وأعلم .


  20. #20
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 50432

    الكنية أو اللقب : هاله الشاذلي

    الجنس : أنثى

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : نحو

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل10/9/2015

    آخر نشاط:29-08-2020
    الساعة:04:09 PM

    المشاركات
    33

    جزاك الله خير على المعلومات القيمة


الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •