اعرض النتائج 1 من 8 إلى 8

الموضوع: السلطة الهرمية

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:09-11-2019
    الساعة:06:47 AM

    المشاركات
    4,884
    العمر
    41

    السلطة الهرمية

    ولا شك أن المثال الهرمي المركزي سبب رئيس في انهيار منظومة القيم والأخلاق ، فإنها لا يمكن أن تستقيم في ظل استبداد يخل بمعايير الحياة ، معايير السعادة والنجاح ...... إلخ ، فالنجاح في المنظومة الهرمية المستبدة يتلخص في الوصول إلى المنصب أو الثروة من أقصر الطرق بأدنى كلفة من فكرة أو حركة ، استنادا إلى مبدإ "الفهلوة" ، فلا خبرة تَرَاكَمَتْ تجعل صاحبها ذا كفاءة وكفاية ، وإنما القفزة المفاجئة التي تفتقر إلى سبب من خارج ، فثم شبكة من العلائق التي تقوم على مبدإ الولاء ، وهو ما تَتَعَدَّدُ درجاته في هَرَمِ السلطة ، فَثَمَّ تَرَاتُبِيَّةٌ تحول دون الاتصال المباشر بَيْنَ قمة الهرم وقاعدته ، وهو ، كما يقول بعض المختصين ، مظنة الفشل في إدارة أي منظومة فالمثال الرأسي الهرمي يحول دون التواصل بين القاعدة والقمة ، في إطار من السرية التي تحرص النخبة الحاكمة عليها بذريعة الحفاظ على الأمن القومي ! ، فَوَدَّتْ ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الإعلاميين ، أن تطفئ النور وتحكم في الظلام الدامس فلا يفطن عاقل لما تصنع ، ففي المثال الهرمي تعظم حاجة القاعدة إلى مَنْ يَعْلُوهَا فِي درجات السلطة ، مع فساد المنظومة : فساد القيم الأخلاقية وفساد الإجراءات التنفيذية ، ولو في القطاعات الخدمية التي يُفْتَرَضُ فِيهَا الحياد السياسي والإنساني فَهِيَ محل إجماع من كافة البشر ، فَثَمَّ تَقَصُّدٌ فِي غَيْرِ المحل يَنْحَطُّ فِيهَا الخصم في خصومته السياسية أن يَنْزِلَ بِهَا إلى دركة الخصومة في حُقُوقِ البشر الأساسية في العمل والتعليم والعلاج ..... إلخ ، فَالْفَسَادُ في المنظومات الخدمية تَظْهَرُ آثاره المباشرة في واقع المجتمع ما لا تظهر آثار الفساد في الجهات السيادية ، فَفَسَادُهَا وإن كان الأخطر إلا أنه آخِرُ ما يَظْهَرُ ، فهو مِمَّا يَتَرَاكَمُ جيلا بَعْدَ آخَرَ ، فَيَجِدُ المجتمع من آثَارِهِ الْمُتَرَاكِمَةِ تَآكُلَ المنظومة القيمية في الأسرة والشارع والمدرسة والهيئة وتآكل المنظومة الخدمية فلا يَبْلُغُ المجتمع أصل الفساد في مركز السلطة فَهُوَ مِمَّا حُجِبَ وَرَاءَ الأستار ، أستار السلطة التي تَتَّخِذُ من القرار المباشر وتعطي من الضوء الأخضر ما يُسَرِّعُ من وَتِيرَةِ الفساد ، فَلَا يشترط أن تَتَّخِذَ الإجراء المباشر بل دورها يَقْتَصِرُ على صناعة البيئة الحاضنة للفساد الأخلاقي والإداري ومن ثَمَّ تَتْرُكُ المفسِدَ يُبْدِعُ وَيَبْتَكِرُ ! فيكون من تَرَاكُمِ الفساد ما يفرز المؤسسة الفاشلة التي تشد أطراف المجتمع فلا يحصل على أدنى قدر من الخدمة الرديئة ! إلا بَعْدَ أن يجهد الجهد الشديد ، وتلك معادلة السيطرة على المجتمع بإرهاقه ، فهو يعمل كثيرا ولا يُحَصِّلُ إلا قليلا لا يكفيه ، وهو يجهد في الوقوف أمام نافذة خدمة أو مؤنة لِيَنَالَ حظه من الخدمة الرديئة والمؤنة غير الصالحة لاستهلاك البشر وهي ، مع ذلك ، تحمد السلطة ! أن وَفَّرَتْ لَهَا الخدمة فخيرها وفير وفضلها عظيم ، ولك أن تدخل قسم الاستقبال في أي مؤسسة علاجية حكومية في نظام حكم هرمي مستبد ، فهو يحكي حال المجتمع إذ يكتظ المكان بالمرضى مَعَ رَدَاءَةِ الخدمة وسوء التهوية وَفَوْضَى تسيطر على المكان مع ارتجال في الأداء فَبَعْضٌ يُسِيئُ القول والفعل إن من طاقم العمل أو من المرضى ، فكلاهما يَئِنُّ من ضغط الواقع فلا يجد إلا الانفجار في الآخر ، فلا أحد منهما ينفجر خارج هذه الدائرة الاجتماعية الضيقة ، وهو ما يشبه ، من وجه ، نظرية سياسية مشهورة تستعملها السلطة إذا تمكنت وتستعملها الثورة إن حَسَمَتْ أمرها فَلَمْ تَرَ خِيَارًا دون المواجهة الصريحة بلا تَرَدُّدٍ ، فَالتَّرَدُّدُ في موضع كهذا يكافئ الانتحار ! ، وكذلك السلطة ، فإنها ابتداء لا بد أن تضرب المجتمع بعنف فتوجه ضربة قاضية لمراكز القوة وصناعة القرار في المجتمع ، وبعد انهيار المقاومة وسقوط المجتمع في قبضة السلطة ولا يكون ذلك إلا باستخدام قوة غاشمة مفرطة ، ومذبحة المماليك مارس 1811م مثال أول وفيها استخدم الباشا الجديد القوة النارية المفرطة ضد النخبة العسكرية القديمة التي لا تصلح نواة لجيشه الجديد فلا تدين له بالولاء التام ، وما تصنع أي ثورة مضادة مطلع هلالها وَبَعْدَ اسْتِوَائِهَا بَدْرًا على التمام والكمال مِثَالٌ ثَانٍ ، فَبَعْدَ سقوط المجتمع فِي قبضة السلطة يُعَادُ تشكيله فَتَكُونُ التَّرْبِيَةُ بعد القمع ! ، كما يضرب صاحب "استعمار مصر" المثال من كلام ضابط فرنسي في الجزائر إبان حقبة الاحتلال ، فَيَشْرَحُ باختصار الطريقة المثلى لإنشاء سلطة سياسية مستقرة ، فلا بد من القمع أولا وهو الذي يسيطر على الجسم ، وبعده تكون التَّرْبِيَةُ التي تسيطر على العقل على المدى الطويل وهو ما يستوجب هدوء الجسم فلا يكون في حال ثورة ولا يكون ذلك إلا بَعْدَ تَوْجِيهِ الضربات المؤلمة بأقصى قوة ، فهي تصهر المجتمع وتحوله إلى مادة خام أولية يسهل تشكيلها بعد ذلك على مثال معين يحقق مآرب الغالب الذي امتلك السلطة وأدوات القوة ، فمنها أدوات هدم يبدأ بها عاجلا فإذا نجح في هدم المثال القديم بما يوجه من ضربات متتالية لمنظومة القيم والأخلاق ومنظومة الجسد وما يحتاج من سلع وخدمات ، فإذا نجح في ذلك على المدى القريب فهو يشرع في مرحلة التربية التي تَتَوَجَّهُ إلى العقل وذلك ما يكون على المدى البعيد ، وَلَنْ تَنْجَحَ السلطة في ذلك إلا إن كانت ضربات الهدم قوية حاسمة فالضربة الضعيفة تقوى البنيان ولا تقصمه ، فكانت النصيحة الْمِيكْيَافِيلِّيَّةِ أَنَّ الأمير إن ضَرَبَ فَلْتَكُنْ ضربته قاصمة وإلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ ، وكذلك الثورة فاكتفاؤها بضربة جزئية يَشُدُّ ظَهْرَ الثورةِ المضادة ، فهي تَنْقَضُّ بَعْدَ ذلك بِمُنْتَهَى الشراسة ، فلا بد من الضرب المبرح والإهانة البالغة ابتداء فإذا استسلم الخصم كان تشكيله وِفْقَ مَعَايِيرَ جديدة ، معايير الغالب المتمكن الذي يبدأ في تربية العقل بعد استسلام البدن ، فالسلطة إذا ضربت فأوجعت فكل ما يكون منها بعد ذلك من عطاء ، ولو رَدِيئًا لا يصلح لحيوان ! ، كل ما يكون بعد ذلك فهو خير وبركة ! ، واضرب له المثل بما يكون من فعل السلطة مع الأسرى من المعارضين ! أو صغار المجندين من الدفعات الجديدة فلا بد ابتداء من تَقَصُّدِ الإهانة البدنية والنفسية البالغة لكسر الفرد وإضعافه ، فإذا زاد الضغط فاستسلم ، فكل ما تُلْقِيهِ إليه السلطة بعد ذلك من فتات فهو خير وبركة ! ، ولو ألقت إليه الماء بالدلو أو الجردل ! وألقت إليه الطعام بَقَايَا خُبْزٍ على الأرض ، ومبدأ الأمر ، كما تقدم من كلام الضابط الفرنسي ، مبدأ الأمر السيطرة على الجسد بممارسة العنف المفرِط ، وبعده تكون السيطرة على العقل بالتعليم وهو ما يضرب له صاحب "استعمار مصر" المثل بِتَعْلِيمِ صغارِ العمال العاداتِ الانضباطية للعمل المأجور ، فالسلطة تحرص عَبْرَ أجهزتها المركزية في التعداد والحصر أن تَكْتَشِفَ طبيعة الخصم ! وهو المجتمع ، فتحصر قوته العاملة التي توظفها في تحقيق مآربها ، فَيَتَحَوَّلُ المجتمع إلى طاقة خادمة لمركز السلطة المحلي أو الخارجي ، والإنتاج الرأسمالي في مصر إبان القرن التاسع عشر مثال يضربه بعض الباحثين فإنه قد اعتمد آليات محكمة حَوَّلَتْ قوة المجتمع إلى قوة عمل في المشروعات الوطنية العملاقة ! ، كحفر قناة السويس الأم ! ، فكانت السخرة التي وُظِّفَ فيها آلاف لتحقيق حلم السلطة ! في الثَّرَاءِ والشهرة ، وإن كان ثم إنجاز مادي على الأرض فهو خادم لهذه الصورة الوظيفية التي تستنزف قاعدة المجتمع لصالح نخبته القابعة في قِمَّةِ الهرمِ ، وهو ما يضرب له المثل ، أيضا ، بمصر ، فالاحتلال البريطاني قد أنشأ في مصر واحدة من أقدم شبكات السكك الحديدية في العالم وأكبرها طاقة في النقل ، فنقلت أرقاما قياسية في نَقْلِ الأفراد بمعايير ذلك الزمان ، فنقلت 4,7 مليون راكب في 1890م ، و30 مليونا في 1906م ، ولكن ذلك ، بداهة ، لم يكن ينصرف ابتداء إلى تقديم الخدمة العامة ، وإنما أرادت السلطة أن تُوَفِّرَ خطوط النقل للعمالة الرخيصة التي تَسْتَعْمِلُهَا في مشروعاتها التي لا حظ للمجتمع منها إلا الفتات ، فهو أكثر من يعمل ويجهد وأقل من ينتفع بالثمرة ، ومن يخالف عن هذا المثال ، فثم الإجراء العقابي الذي يستند إلى النظرية آنفة الذكر : نظرية الضرب الموجع المهين الذي لا يطيق الخصم دفعه فَيَسْتَسْلِمُ وَيَرْضَى بأي عطاء ، وهو ، أيضا ، ما باشرة الاحتلال البريطاني لمصر ، كما يذكر المصنف آنف الذكر : مصنف "استعمار مصر" فلم يخل المشهد ابتداء من حركات مقاومة ولو في الأطراف فاستعملت بريطانيا وهي مضرب المثل في الحكمة خلافا لفرنسا الغاشمة ، استعملت بريطانيا الحكيمة وسائل اعتقال وتعذيب بشعة ولو إلى حين حتى تقمع الجسد ، كما يضرب المصنف المثلَ بوسائل كحرق الجسم بمسامير حديدية محماة ! ، وبعد استسلام الجسد تحت وطأة التعذيب وتلك صورة تكبر لِتَسْتَغْرِقَ المجتمع كله ، فما صورته الكلية إلا حكاية صور جزئية تَجْتَمِعُ ، فبعد استسلام الجسد على المدى القريب تحت وطأة التعذيب تكون صناعة العقل بوسائل التربية التي تؤتي أكلها على المدى البعيد الذي يجيده الإنجليز ، فالعنف في سياستهم أمر عارض ، والمستقر مِنْهَا هو العمل الطويل الهادئ في تربية العقل وصناعة الرأي وشرطه ، كما تقدم ، إجهاد البدن بحرمانه إلا من حد أدنى به اسْتِبْقَاءُ مهجتِهِ ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما سلكت جادته السلطة الوظيفية النائبة بعد خروج المركز فلم تخرج عن هذه الفلسفة وإن قَارَفَتْ منها المثال الأسوأ .

    فالسلطة هي التي صنعت هذا الواقع الخدمي الرديء فَهَنْدَسَتِ المؤسسة أو المنظومة ، ولو خطوطا عريضة ، فإنها ، بداهة ، لم توعز إلى الطبيب أو الممرِّض أن يصرخ في المريض ، ولم توعز إلى المريض أن يبادلهما الصراخ بمثله ، ولكنها صنعت البيئة الحاضنة لهذا المشهد البائس ، وهي ، أبدا ، بعيدة عن الصراخ فهي تَنْظُرُ من أعلى إذ تَقْبَعُ في قمة الهرم وتدير الأمر إدارةَ الأزمةِ ، فلا يَعْنِيهَا عِلَاجُ الأزمة بل تحرص على استمرارها ولكن تحت السيطرة استنادا إلى نظرية "الصراع منخفض الحدة" ، فهو لا يَبْلُغُ درجة الاشتعال ولا يَنْحَطُّ إلى دركة الانطفاء ، فيكون ثَمَّ شَدٌّ وَتَوَتُّرٌ لا يبلغ حد الثورة أو الفوضى التامة ، فثم فوضى جزئية تستنزف المجتمع عبر أطر وهياكل مترهلة تتسم بالبيروقراطية الشديدة فَثَمَّ انهيار أخلاقي وانهيار إجرائي ، فَقِلَّةُ موارد وَقِلَّةُ كفاءات مع فساد في الأخلاق وانهيار آخر في منظومة القيم ، ولك أن تستنسخ هذه الصورة في كل مؤسسة تنفيذية خدمية تباشر مصالح الجمهور .

    واضرب له المثال المشهور في الجهاز الْبِيرُوقْرَاطِي المصري ، فَأَيُّ وَرَقَةٍ أو معاملة لا بد أن تُمْهَرَ بِتَوْقِيعَاتٍ عدة من الموظف المباشر إلى مدير الإدارة إلى مدير القطاع إلى مدير المصلحة أو المؤسسة ....... إلخ ، فذلك ما يُدْخِلُ صَاحِبَهَا فِي نَوْعٍ من أَنْوَاعِ العبودية ! ، فإن قلبه قد تَعَلَّقَ بالموظف الذي صار يملك الضر والنفع ! ، فيملك تمرير المعاملة أو إيقافها ! ، فالأمر ، لو تدبر الناظر ، يجاوز ما قد يتبادر إلى الذهن من إجهاد صاحب المعاملة واستنزاف طاقته في إطار سياسة محكمة تضمن السيطرة على الفرد فلا ينال جزءا يسيرا من حقه إلا بعد إزهاق روحه ! ، فلا يكون ثم هامش قوة يناجز به السلطة فهو تحت السيطرة والتحكم وهو أبدا إلى السلطة يحتاج ، ولو في ورقة قد يَتَوَقَّفُ عليها مستقبل أيامه في الحصول على فرصة عمل أو فرصة هرب من هذا الجحيم ! ، فَثَمَّ هدف أكبر ، وهو تكريس العبودية ، عبودية الفرد للدولة الإله ، وإن بيروقراطية مترهلة كالبيروقراطية المصرية المعاصرة ، فإنها بِمَا تملك من صلاحيات كبيرة قد أُسْنِدَتْ إلى جهاز وظيفي فاسد ، فهو طامح طامع ، طامح للسلطة طامع في الثروة ، قد جعل التزلف والرياء وصناعة الولاء ، ولو ظاهرا ، قد جعل هذه القيم الفاسدة هي درجات التَّرَقِّي في هرم السلطة ، فلا يبلغ الغاية إلا الماكر الذي يجيد التلون فلا رصيد له من كفاءة تجعله أهلا لولاية ، فَاسْتَعَاضَ عَنْهَا بِعَرْضِ نَفْسِهِ في سوق نخاسة سياسي في الداخل وفي الخارج ، فهو مملوك يروم الالتحاق بهرم السلطة فلا بد أن يدخل في الرق طوعا ، فهو يبيع ولاءه لمن يدفع ، فَيَلْتَحِقُ بِقَبِيلٍ أو جناح في السلطة ، فهو يَتْبَعُ الأستاذ فلان أو الأمير فلان كما كانت الحال في النظام المملوكي ، أو الجناح الفلاني من السلطة ، فَفِي كل مؤسسة لا سيما المؤسسات السيادية تَتَشَكَّلُ الأحزاب والأجنحة التي تَنْتَهِي نِسْبَتُهَا إلى مجموعة من كبار الموظفين هم النواة الصلبة لهذا الجناح أو الحزب وعلى كل موظَّف أو عنصر أن يختار إلى أي الأحزاب يُنْسَبُ فهو محسوب على فلان من القادة أو على الجناح الفلاني من المؤسسة ، وذلك ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، ما يظهر في أي تجمع ، ولو طلبةً في المدارس ، فَثَمَّ شِلَلٌ كما يقال في مصر وهي جمع "شِلَّة" ، فالطلبة في الفصل أو في المدرسة على أنحاء فَثَمَّ شِلَلٌ مركزية ، فَيُصَنَّفُ الطالب تَبَعًا لذلك فأنت من شِلَّةِ فلان أو شِلَّةِ فلان فلا بد أن تختار لك نسبة ! ، فإذا كان ثم طالب حُرٌّ صاحب اختيار وموقف في الحياة ، فهو أبدا يُنْبَذُ ، فتجتمع الشلل على حربه إذ لم تَنْجَحْ فِي ضمه ، فالمؤسسات الهرمية المركزية ، ولو شِلَلًا في المدارس ، هذه المؤسسات تكره أَيَّ حُرٍّ ذا رأي واختيار لا جرم كان فشله في التأقلم مع الوظيفة الرسمية أو حتى الرسالة الدعوية إن تحولت إلى عمل هرمي مركزي فَدَخَلَهُ مَا دَخَلَ السلطة من أمراض الولاء الشخصي ، وهو ما يكشف عن أزمة المعارضة السياسية المعاصرة ، سواء أكانت ذات مرجع رسالي أم آخر أرضي ، واضرب له المثل بمصر فثم سلطة هرمية شديدة المركزية قد تَجَذَّرَتْ وَانْشَعَبَتْ بِتَعَاقُبِ أجيالها مع اختلاف توجهاتها اليسارية تارة والرأسمالية أخرى وعديمة التوجه ثالثا ! ، وأخيرا النيوليبرالية التي تعتبر امتدادا للحقبة الساداتية فهي التطور الطَّبِيعِيُّ لما كان من تَسْوِيَاتٍ سياسية واقتصادية بعد مناورة أكتوبر 73 التي أعطت المشهد زخما إعلاميا كَسَى السلطة شرعية الإنجاز العسكري وهو ما استثمر في الإجراء الاقتصادي الليبرالي والإجراء السياسي التَّطْبِيعِيِّ ، فَكَانَ المشهدُ الآن ، لو تدبر الناظر ، ثمرة من ثمار أكتوبر 73 ! ، لا جرم كان على رَأْسِهِ عنصر يَنْتَمِي إلى جيل ما بعد الحرب ، جيل السلام والتطبيع انطلاقا من القاعدة الرأسمالية الغربية ، فَثَمَّ سلطة قد تجذرت وانشعبت مع اختلاف تَوَجُّهَاتِهَا ، كما تقدم ، ولكنها لم تخرج في جميع نسخها اليسارية أو الرأسمالية ، لم تخرج عن المثال الهرمي المركزي ، فَهِيَ هَرَمِيَّةٌ مركزية ذات طَبِيعَةٍ عسكرية سَوَاءً أكانت يسارية أم رأسمالية ! ، فالقاسم المشترك الأعظم هو الطبيعة المستبدة التي تَغْلِبُ على النظام العسكري ما لا تَغْلِبُ عَلَى غَيْرِهِ ، فالاستبداد كسائر الأجناس الأخلاقية والسياسية العليا ، فهو قيمة مطلقة في الذهن يندرج تحتها من الأنواع والأمثلة ما يَتَفَاوَتُ فمنه استبداد مدني وآخر عسكري ، وكلاهما لا يطيق الخروج عن الرواية الرسمية ، رواية السلطة التي لا تسمع صوتا غير صوتها ولو ناصحا يَرُومُ الإصلاح من داخل المنظومة فضلا أن يكون ذا خصومة سواء أكانت إصلاحية أم ثورية ، فلا تطيق سماع النصح فَضْلًا عن المعارضة والقدح ، فعناصرها من النوع التنفيذي ذي الولاء المطلق ، فَلَا يكون أبدا صاحب موقف أو رأي ، فذلك مظنة الاعتراض أو التوقف ، فَثَمَّ مثال تحتكر قمته اتخاذ القرار فهي تمنع حق تداول المعلومة بذريعة ما تَقَدَّمَ من الحفاظ على أسرار الدولة وأمنها القومي الذي يختزل في أمن هذه النواة المركزية التي احتكرت اتخاذ القرار بما يَتَوَافَرُ لَهَا من معلومات احتكرتها ووظفتها لتحقيق مآربها الخاصة وإن كَسَتْهَا لحاء المصلحة العامة ، فَتِلْكَ عدوى انْتَقَلَتْ إلى بقية مستويات السلطة ، فَكُلُّهَا ذَاتُ أنوية صلبة تَتَصَارَعُ عَلَى النفوذ والثروة أو الرشوة ! ، فَثَمَّ فساد في إدارة المخصصات وثم آخر تحصيل الجبايات ، وَثَمَّ ثالث في قبول الرشى والعمولات فتلك مصادر تمويل السلطة الهرمية فَهِيَ بِطَبِيعَتِهَا تكره العمل والإنتاج إذ لم يكن يوما معيار التَّرَقِّي في درجاتها ، بل من كان يَعْمَلُ أكثر وَيَرُومُ الإصلاح حقا فهو أبدا يُنْبَذُ وَيُنْبَزُ ، فتجده في أي مكتب رسمي قد انْزَوَى وَانْطَوَى ، ولا يسلم مع ذلك من الأذى فمن حوله يسعى جاهدا في نسبته إلى التقصير وإلحاق أي خطإ به على وجه يُعَرِّضُهُ للتحقيق والجزاء والإيقاف عن العمل أو النَّقْلِ إلى دائرة أخرى أقل في الدرجة والامتيازات أو الفصل النهائي ، بل قد يصل الأمر إلى حد الوشاية السياسية اسْتِثْمَارًا لِظَرْفٍ اسْتِثْنَائِيٍّ ، كما هي الحال الآن فِي مصر ، فقد صارت الوشاية بِزَمِيلِ العمل انطلاقا من خصومة السلطة مع التيار الإسلامي السياسي الذي تخوض الآن ، ولو في روايتها الرسمية ، حربَ الاسْتِئْصَالِ الصفرِيَّةِ ضِدَّهُ ، صارت هذه الوشاية أمرا شَائِعًا لا سيما في دوائر السلطة الأكثر جهلا وفسادا ، وهو ما يجعل هذا العنصر المحارَب يَتَوَخَّى الحذر فهو يمارس عمله في بيئة فاسدة قد انحط فيها معيار القيم والأخلاق ، فإما أن يسلك الجادة ! فيصير موظفا صالحا بمعيار السلطة ! فهو يداهن ويشارك في إدارة الفساد ، وإما أن يُدَارِي فَيَبْذُلَ من الدنيا ما لا يضر قِيَمَهُ وَأَخْلَاقَهُ ، وإما أن يعتزل السلطة وما تعبد من آلهة تَضُرُّ وَتَنْفَعُ ، فهي ، كما تقدم ، تحتكر الختم والتوقيع الذي يُسَهِّلُ الأمر أو يُعَسِّرُهُ ! ، فلا يسلم من عبوديتها إلا من صَدَّقَ القولَ المشهور المأثور : من عَرَفَ الناس استراح ، فقال من قال من المحققين يشرح هذا القول : يعني أنهم لا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ ، وذلك أمر قد يسهل تصوره ولكن تأويله في الخارج قد يعسر إلا على آحاد هم الاستثناء ، فقد يكون من الحكمة الاعتزالُ ولو بالجنان فالخلطة بالأبدان أمر يتحتم في دوائر العمل والحياة ، وَثَمَّ من يجاوز فهو يعتزل بالجنان والبدن ، وذلك أمر يدق ، فلا بد له من فِقْهٍ وإلا صار صاحبه نَهْبًا للوساوس ، وثم من يَفِرُّ من هذه الأجواء ، فهو يصبر حتى يجعل الله ، جل وعلا ، له مخرجا فيهاجر من هذه الأرض ويفارق هذا الجمع كما يَرَى الناظر الآن من تَنَامِي ظاهرة الهجرة الشرعية وغير الشرعية من بلد كمصر ، وهي ما لم يَقْتَصِرْ على طالب السعة في العيش بعد تَضْيِيقِ أسبابه ، فَثَمَّ من لا يجد ضيقا في أسباب المعاش ولكنه لا يطيق التفريط في عمره وعقله الذي يُسْتَنْزَفُ إما في عمل بيروقراطي عقيم لا إبداع فيه ولا تجديد فتلك ، أيضا ، خاصة رئيسة من خصائص النظام الهرمي المركزي فهو نظام رتيب لا يشبع رغائب النفس بما فُطِرَتْ عليه من حُبِّ التعلم والابتكار ، فَلَهَا فضول وشغف بكل جديد وذلك بداهة ما لا يكون في نظام بيروقراطي رتيب لا سيما إن كان من النوع الهرمي المركزي فإنه يمنع ، كما تقدم ، حق احتكار المعلومة إلا بالقدر الذي يحقق مآربه ، فإن أدخل تحديثا أو تعديلا فَبِمَا يُوَاطِئُ رغائبه ، فمثله في ذلك كمثل المحتل من خارج واضرب له المثل في مصر بما تقدم من صَنِيعِ الاحتلال البريطاني فإنه لم يسع في تحديث مصر وإدخال أنظمة تقنية جديدة إلا ليحقق مصالحه في استغلال الأطراف ، فهو يحدثها بِمَا يزيد من إنتاجِها الخادم للمركز ، لا سيما الإنتاج الأولي من الخامات ، فَبِهِ تَتَحَرَّكُ آلة الإنتاج التي يحتكر المركز أسرارها ، فهو ، أيضا ، كنواة النظام الصلبة ، فَيَمْنَعُ حَقَّ تَدَاوُلِ المعلومة إلا بالقدر الذي يحقق مآربه ، فالعنصر النابه لا مكان له في نظام هرمي مركزي يقيس الكفاءة بالولاء ذي الطابع السلطوي المستبد ، فهو ولاء لشخص أو مجموعة شخوص تشكل نواة صلبة ، ومن حولها فهو في فَلَكِهَا يدور ، فلا يرضى عاقل ذو نفس شريفة أن يكون لبشر مثله تَبَعًا ، فليس بصاحب رسالة يُوحَى إليه ، وليس ، بداهة ، بإله يعلم ويرزق ، فليس إلا بشرا مثله لا يضر ولا ينفع فما يجعل له سيادة ؟! لا سيما وهو ليس بذي كفاءة ولا كفاية وإنما اعتلى هَرَمَ السلطة غفلةً بما يجيد من فنون النفاق والرياء وهي ، بداهة ، لا تَزِيدُ في الكفاءة والإنتاج ! ، وإنما تُرَسِّخُ السلطة على حساب الكفاءة ، فهي تَعْتَمِدُ المركزية المستبدة فلا تُمَارِسُهَا رَغْبَةً فِي الإشراف والرِّقَابَةِ بِمَا يحقق أهداف المنظومة من تقديم الخدمة العامة وزيادة الإنتاج ..... إلخ ، فضلا أن تكون بَوَاعِثُهَا رسالية تجاوز هذه الدار إلى ما بعدها من دار الحساب والجزاء ، فيكون عنوانها العنوان العمري المحكم : لو عَثُرَتْ دابة في العراق لَسُئِلَ عنها عمر لِمَ لَمْ يُسَوِّ لها الطريق ويمهد ؟! .
    فالسلطة الهرمية تَعْتَمِدُ المركزية المستبدة التي تستبعد من لا تَثِقُ فِي ولائه التام فتمارس التطهير لكافة مستويات السلطة لا سيما في المناصب السيادية ، وَتُقَرِّبُ من يُوَالِيهَا ولو مُنَافِقًا يَتَزَلَّفُ فهو من أصحاب الولاء المزيف ولكنه يجيد المكر فَيَتَصَنَّعُ الولاء وَيُبَالِغُ فِي الخضوع ، ويحسن يَلْبَسُ لكلِّ حالٍ لبوسها ، فهو ، أبدا ، مُتَشَبِّعٌ بما لم يعط ، فَثِيَابُهُ ثِيَابُ الزُّورِ ، وليس له من مؤهلات الرياسة إلا المداهنة والتصنع دون حرج في صدره فَلَيْسَ ابْتِدَاءً ذا رأي أو موقف في الحياة لِتَلُومَهُ نَفْسُهُ إِنْ فَرَّطَ في قيمة أو مبدإ ، فإذا آل الأمر لواحد أو نخبة مركزية ذلك وصفها فلا بد أن تسعى بداهة في تطهير المنظومة بذريعة اجتثاث الفوضى التي تآمر مَنْ أَثَارَهَا على الدولة والوطن والأمة بل والدين إن لزم الأمر ! ، وتلك هي الدعاية الرئيسة التي روج لها نظام الحكم في مصر بعد يوليو 2013 ، فهي مِثَالٌ قِيَاسِيٌّ على ما تَقَدَّمَ من وصف السلطة الهرمية المركزية التي جمعت الفساد والترهل في نفس الآن ، فبيروقراطيتها من النوع القديم الذي يثير السخرية تارة والاشمئزاز أخرى ، وهو ما يجده صاحب أي معاملة يسوقه القدر سوقا إلى مَكَاتِبِهَا ويضطره الظرف القاهر أن يُدَارِي عَنَاصِرَهَا فمنهم من يصدق فيه قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ" ، وإن لم يخل المشهد فِي أحيان من صاحبِ ذوق وتهذيب فذلك إنما يرجع في الغالب إلى أصل كريم ونشأة أسرية طيبة ، وإلا فالسلطة الهرمية المستبدة لا تَزْرَعُ هذه المشاعر في نُفُوسِ عناصرها ، بل تحرص على أضدادها لا سيما في مستويات السلطة السيادية التي تملك صلاحيات تنفيذية واسعة في تقييد الحركة والضبط والإحضار ، فتلك مستويات تُلَقَّنُ مشاعر الكره والكبر ، فالمجتمع خصم حقير فوضوي لا يستحق التقدير فلا تصلحه إلا العصا الغليظة ، فهو كالعبد الذي ذمه أبو الطيب في قوله :
    لَا تشـتَـرِ الـعَـبـد إلا والـعَـصَـا مـعــه ******* إِن الـعَـبِـيــدَ لأنـــجـــاسٌ مَـنـاكــيــد

    فلا تَحْكُمِ المجتمع إلا والعصا في يدك فالمجتمع لئيم يجحد المعروف ! ، وإن كان هو صاحب اليد على السلطة فَلَوْلَا ما تجبيه من مكوس وما تستقطعه من رسوم ما وجدت مالا لِتَشْتَرِيَ به ولاءات الجند والخدم وكهنة الفكرة والدعاية ، فليست إلا كائنا طفيليا يَغْتَذِي عَلَى دماءِ المجتمع اللئيم الذي يُنْكِرُ الجميل ، جميل الأمن والأمان ! ، فَلَوْلَا السلطة لسقطت الدولة وآلت الحال إلى الفوضى ، فقد نجحت السلطة في تَرْسِيخِ دعائمها إذ انتحلت زورا لقب الدولة فضلا أن تَزِيدَ في الدعوى فَتَزْعُمَ أنها قد خرجت من رحم الأمة وليست إلا ابنا غير شرعي لمركز احتلال واستبداد من خارج ، فهي تزعم أنها تمثل المجتمع فَتَحْفَظُ أمنه وتحقق مصالحه وتسعى في تطهيره من العناصر الفاسدة ، فكل من خالف عن أمرها فاتخذ القرار أن يكون ذا موقف في الحياة ، ولو في مشهد واحد ، فتلك علامة التمرد والعصيان فلا بد من الْبَتْرِ والاستئصال وَتَنْظِيفِ الجرح من الصديد والقيح ، لا جَرَمَ كَانَ من وُعُودِ السلطةِ الحالية فِي مصر بعد أن اسْتَوْلَت على مقاليد الأمر أن وعدت لجان التفتيش من خارج أنها سوف تطهر الجيش ، وهو مركز السلطة الهرمية فِي مصر ، أنها سوف تُطَهِّرُهُ من كل ذي أيديولوجيا تخالف عن قيم المركز الرأسمالية ، وذلك وعد يقدمه كل حكم وظيفي تابع أيا كان الخصم ، كما يضرب بعض الباحثين المثل بحركة الجيش في تركيا في 12 سبتمبر 1980 فقد تحرك لقمع النخبة اليسارية التي تخالف عن قيم الحلف الأطلسي الذي يَتْبَعُهُ ، فليس إلا أداة وظيفية تطوق المعسكر الشرقي فلا يسمح ، بداهة ، بِتَمَدُّدِ أي حركة أو تَنْظِيمٍ يحمل قيم اليسار ، فليست السلطة في هذه المواجهة إلا أداة وظيفية وسيطة بين المركز من خارج وخصومه في الداخل لا سيما خصوم الأيديولوجيا ، وهو مشهد تكرر في مصر في يوليو 2013 ، فقد تحرك الجيش لقمع النخبة الإسلامية التي تخالف ، أيضا ، عن قيم الغرب الليبرالية ، فليس إلا أداة وظيفية تُطَوِّقُ الصحوة الإسلامية في الشرق على ما اعْتَرَاهَا من نَقْصٍ ، وذلك أمر بَدَهِيٌّ وإن لم يكن مُسَوِّغًا يُبَرِّرُ الإخفاقات المتكررة التي تدل على قلة الفقه والاعتبار بما جرى ويجري من وَقَائِعَ لم يطل بِهَا العهد وَيَبْعُدْ ، فلم تَسْلَمِ الصحوة الإسلامية من النَّقْصِ إذ لا صغير يكبر فجأة فَيَتَعَلَّمُ المشي دَفْعَةً بل لا بد له من عَثَرَاتٍ ، لا سيما وقد خرج من مخاض مؤلم بعد أن استعمل المركز أدواته الوظيفية الصلبة في ضرب الهوية الشرقية الأصيلة وَأَحَلَّ عوضا منها هوية مصطنعة لا تحكي قيم المجتمع فلا بد من فرضها بالقوة المسلحة ، فهي في هذا المشهد ، أيضا ، أداة وظيفية وسيطة بين المركز في الخارج وخصومه في الداخل ، وهي من احتكر معيار الصحة والفساد ، فمن صالحها فهو الصالح ومن ناجزها فهو الفاسد فَهِيَ مركز الأمر والنهي ومعيار الحسن والقبح ، فما سواها من القيم والأفكار فليس إلا المتشابه الذي يُرَدُّ إلى محكمها ، فَانْتَقَلَ مركز التشريع إِلَيْهَا من الوحي ، وَانْتَقَلَ مركز الاختيار والتأثير إِلَيْهَا من المجتمع ، فاحتكرت السلطات جميعا ، فلا يجد أي حُرٍّ يحمل قيم الهوية الأصيلة بل ويملك حد أدنى من احترام الذات ولو انطلاقا من نظرية أرضية محدثة لا يملك إلا الانزواء في ركن بعيد أو الهجرة إلى وطن بديل ، فالأمر يجاوز حد الهجرة طلبا للرزق ، وإن كان ذلك مما يحمد فهو من مقاصد الوحي المحكم ، فـ : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فَثَمَّ هجرة طلبا للرزق ، وثم أخرى فِرَارًا بالدين أو الحياة أو العقل الذي يستنكف المثال الهرمي آنف الذكر ، فهو يُمَارِسُ من الاستبداد والتسلط ما يَضِيقُ به الفضاء الواسع ، فَثَمَّ ما اصطلح أنه التأطير الذي يفصل أنشطة الحياة ويضعها في أطر محكمة تخضع للسلطة التي تَبُثُّ قِيَمَهَا عَبْرَ هذه الأطر الفكرية والسياسية والإدارية والأمنية ، فهي ، كما الحال في مصر الآن ، تصنع مثال الحكم الشمولي الذي يتدخل في أدق تفاصيل الحياة فيجاوز حد الشرع والعقل والعرف في احترام الخصوصية الذاتية ، فمن عجب أن يتحدث رأس النظام علنا ! أنه يجهز قاعدة بيانات تحت الأرض على عمق كذا وكذا من الأمتار ، 14 مترا إن لم تخن الذاكرة ، وهو مغرم باستعراض قدراته الفذة على حفر القنوات والخنادق ! ، فيجهز قاعدة بيانات تُدِيرُهَا نخبة جديدة ، نحو خمسين ألفا من الموظفين المختارين بعناية المصنوعين على عين السلطة فَهُمْ نواة صلبة لنسخة جديدة من نسخ الحكم المركزي في مصر وإن كانت أشد مركزية وشمولية فهي أشد وسوسة إذ لا تملك حدا أدنى من الشرعية السياسة إلا شرعية الأمر الواقع الذي يفتقر إلى احتياطات أمنية كبيرة يَطُولُ زَمَانُهَا على وجه يستنزف قوة الأفراد والهيئات ، وهو ما يجعل الانتقال إلى الملاذ الآمن حتما لازما ، فمنه يُدَارُ المجتمع من قمة الهرم المدفون تحت الأرض ! ، فَثَمَّ مثال شديد المركزية يأرز إلى عقل أمني غير مبدع ، فهو لا يجيد إلا أعمال التجسس والتحسس وحيازة الْمُسْتَمْسَكَاتِ اللاأخلاقية ! ، فتلك أدواته في التحكم والسيطرة ، وهي أدوات قذرة تلجأ إليها السلطة الفاشلة إذا أَخْفَقَتْ في إدارة الدولة وتقديم الخدمة العامة وتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم ، وهو حد لا يقتصر ، كما تقدم ، على عيش الأبدان فذلك ما يشترك فيه الإنسان والحيوان ، وإنما يجاوزه إلى الأديان ومنظومات القيم والأخلاق ، فلا أفسد عليها من المثال الهرمي المركزي فهو يُفْسِدُ الطبائع السوية بِمَا يمارس من التَّلْقِينِ الإجباري والفصل التَّعَسُّفِيِّ بَيْنَ أجزاء الحياة بذريعة التنظيم والإرادة ، فهو الحق الذي يُرَادُ به الباطل ، فَلَيْسَ الْغَرَضُ من هذا التأطير والترتيب خدمة المجتمع وإنما الْغَرَضُ ، كما يقول بَعْضُ الباحثين ، هو إحكام السيطرة عَلَيْهِ ، السيطرة على مَوَادِّهِ الجسمية والعقلية فَتِلْكَ السيطرة على الفرد ، والسيطرة على المجتمع بصناعة الملل والأفكار ، فالسيطرة المركزية قد اتخذت أسماء ذاتَ بُعْدٍ أخلاقي ، كأسماء التربية والترتيب ، كما يذكر بعض الباحثين في ظاهرة التأطير الاجتماعي في مصر ، فالقاسم المشترك الأعظم بَيْنَ مؤسسات الدولة الحديثة ، هو الهيمنة على الفرد والمجتمع مِنْ خلال أمثلة سلطوية ، فالمؤسسة التعليمية والمؤسسة السياسية والمؤسسة الإعلامية ...... إلخ ، مؤسسة هَرَمِيَّةٌ تحكي الفلسفة الشمولية ، فَثَمَّ سلطة أرضية فقيرة طامحة في الاستيلاء على الحكم طامعة في الاستمتاع بمباهجه ، فلا تَعْدِلُ ، بداهة ، في الحكومة أو الخصومة ، فَإِنَّ الفقير إلى شيء لا تؤمن حكومته إذ تَمِيلُ بِهِ الأهواء العقلية وَتَتَقَاذَفُهُ الحظوظ النفسانية ، فكيف يصح في الأذهان أن السلطة الأرضية التي تفتقر إلى الأسباب هي مَنْ يَعْدِلُ في الحكومات ، وَلَهَا في كل حالٍ مأرب ؟! ، وذلك معيار حاكم في أي سلطة ، فلا بد من توصيف المشرِّعِ الذي يضع القانون ، فَيُشْتَرَطُ فيه العلم والعدل والحياد الذي يخرجه أن يكون طَرَفًا في الخصومة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما تَفْتَقِدُهُ السلطة الأرضية ، لا سيما الهرمية المركزية ، فاجتهادها أن تُفَتِّشَ فِي السَّرَائِرِ وَتَتَجَسَّسَ على الأفراد والهيئات فَقَوَاعِدُ بَيَانَاتِهَا قواعد تَحَكُّمٍ وسيطرة ، فلا يَعْنِيهَا ، ولو في أعرق الديمقراطيات الأرضية ، أن تخدم المواطن بقدر ما يَعْنِيهَا السيطرة والتحكم انطلاقا من نظرية السلطة الانضباطية التي تَبُثُّ في رُوعِ المواطن أنها إله يعلم ما يطوي صدره من الأفكار والرغائب ، فَغَايَتُهَا ، كما يقول بعض الباحثين ، أن يَتَحَوَّلَ المجتمع كله إلى سجن ذي شكل هندسي ، وهو ما ينعكس على أخلاق الفرد فإن للسجن منظومة أخلاق تخالف بداهة عن منظومة الحياة خارجه ، فداخل السجن لا طموح يُجَاوِزُ اليوم ، فَضِيقُ السجن يُؤَثِّرُ فِي طاقة العقل أن يَبْتَكِرَ ويجاوز الحاضر إلى المستقبل لا تَخَرُّصًا وَإِنَّمَا أَخْذًا بِالْأَسْبَابِ وَجَرْيًا على الخطوات التي تَتَرَاكَبُ تَرَاكُبَ القياس الصريح مقدماتٍ وَنَتَائِجَ ، فذلك من عمل العقل الحر الذي لا يمكن أن يَنْشَأَ فِي مهاد الاستبداد ، فالاستبداد والظلم يصيب النفس بالإحباط والإحجام فلا تملك تصورا ولا إرادة ، فَتَجْبُنُ أَنْ تُفَكِّرَ فَقَدْ تخرج عن النص المحكم ، نص السلطة الذي يُوَاطِئُ حَظَّهَا في رياسة مطلقة لا تكون إلا أن يَنْزَوِي الفرد وَيَخْجَلَ ، فالخجل وَالتَّرَدُّدُ وصعوبة النطق فهو يحكي صعوبة أخرى في صناعة الفكرة ، فمنطق الظاهر ليس إلا تأويلا لما يحصل في المنطق الباطن ، وفسادُ الرأي وهو مجموع مركب من فساد المدخَلَات إذ لا معلومة صحيحة يَنَالُهَا العقل من ناصح ، فالسلطة غاشة للرعية يصدق في صاحبها قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" ، فثم رأي فاسد إذ المدخَلات فاسدة فهي كاذبة إما في مادة الخبر وإما في التحليل والاستنباط فَثَمَّ مَنْ يَتَحَكَّمُ في صناعة الرأي فهو يمارس الوصاية على العقول فَيُقَزِّمُهَا فَلَيْسَتْ تَعْلَمُ إلا ما تُعَلَّمُ من سلطة مركزية تحتكر المعلومة وتحجبها عن الجمهور ، وهو مَنْ يدفع ثَمَنَ الإهمال والترهل في بيروقراطية اخْتُزِلَتْ في السلطة فَحِفْظُ مصالحها ولو على حساب الجمهور هو الغاية ! ، مع أن هذه البيروقراطية تَرْفَعُ شعار الخدمة العامة للجمهور ، فذلك العنوان الرسمي ، وأما الإجراء الفعلي فهو تقزيم المجتمع وإضعافه ، فالمدخَلات الفاسدة من المعلومات ، وآلة العقل الذي شَوَّهَهُ الاستبداد فهو من يعالج هذه المدخلات ، فَثَمَّ فساد في المدخلات ، وفساد في الآلة المعالِجة ، فلا تكون المخرَجات بداهة إلا فاسدة ، وذلك فعل الاستبداد الذي أضعف النفوس وأفسد الأخلاق ، فالمواطن المصري كما يصفه اللورد كرومر : خجول مُتَوَحِّدٌ ولا يكون ذلك إلا من الاستبداد والتحكم الذي يستهدف الفرد بجرعة عالية التَّرْكِيزِ من الإهانة النفسية والبدنية ، وهو ما يحمله على الانزواء جانبا فلا يطيق أي مواجهة إذ يفتقد الثقة في النفس بما مُورِسَ ضده من العنف ، وضعف الثقة يُفْضِي إلى انعدام المبادرة وذلك وصف آخر من أوصاف المصريين كما يقرر اللورد كرومر ، فثم أخلاق اللامبالاة والسكون وذلك وصف القمع والقهر فلا يكترث صاحبه إذ قُتِلَتْ فيه معادنُ النجدة ، وهو ما يُفْضِي إلى انعدام الإحساس بالأمان بالنسبة إلى المستقبل ، ولا عيشة لخائف ولا طموح لمن يخشى مستبدا قد يسلبه ما شَيَّدَ من عمران أو اكتسب من تجارة أو صناعة ، فما يحمله أن يغامر وليس ثم ضامن من قانون أو حارس ؟! ، فالمستبد قد استجمع السلطات جميعا فَصَارَ هواه هو الحكم فلا يأمن أولياؤه فضلا عن خصومه ! ، فلا يَتَقَوَّى به ضعيف ليأخذ حقه من قوي ، كما أبان الصديق ، رضي الله عنه ، في خطبته ، فـ : "أضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه" ، بل قد صارت السلطة عَضُدَ القويِّ فهو يُؤَثِّرُ في قَرَارِهَا بجاهه وماله ، فلا يستقر الملك في بيئة الاستبداد وهو ، كما يقول اللورد كرومر ، ما يَقْتُلُ روح الاجتهاد والحاجة إلى التملك فما يُلْجِئُكَ أن تكد لِتَتَمَلَّكَ ما لا تملك ؟! ، فالسلطة المستبدة قد تملكت البلاد والعباد ، ما عَلَا الأرض وما سفل ! ، وذلك ما زَادَهُ إدوارد لين بَيَانًا فأرجع إفراط المصريين في تعاطي التبغ والقهوة والحشيش ، والقاهرة تحتل مركزا متقدما بين مدن العالم ، الخامسة عالميا فِي تعاطي هذا المخدر بعينه ، فذلك إفراز بدهي لحال القمع الذي يسد الأفق وَيَقْضِي عَلَى الطموحِ في غَدٍ أفضل ، فالاستبداد لا يقتصر على ما أفسد في الماضي وما يفسد في الحاضر فهو يصادر المستقبل فَيَقْتُلُ الحلم في مَهْدِهِ ، فيلجأ المجتمع إلى الهروب من هذا الواقع بما يَتَعَاطَى من المكيِّف والمخدر وما يُهْدِرُ من الوقت على المقاهي وأمام الشاشات وفي الشوارع تَنَزُّهًا بلا غاية فليس من جَمِّ النفوس لتستأنف نشاطا يَنْفَعُ في دين أو دنيا بل قد صار التَّنَزُّهُ والاستجمام هو النشاط كله ! إذ اعتاد صاحبه الكسل فليس ثم ما يحرك بواعث الإرادة والفعل ، فالعامل ، كما يقول إدوارد لين ، يَقْضِي عادة يومين في عمل يمكنه إنهاؤه بسهولة في يوم واحد مع عناد وتحكم ، فلا يستجيب صاحبه لنصح ، فالاستبداد يُوَلِّدُ في النفوس العناد ، ولو أَضَرَّ ، فهو رَدُّ فِعْلِ العاجز إذ لا يطيق دفع الصائل ، واضرب له المثل بعناد الطفل الصغير ، فهو يستجيب قهرا تحت وطأة العنف والتوبيخ ولكنه يُبْطِنُ العناد فَبِهِ يَدْفَعُ الصائل الذي يَرُومُ قَهْرَهُ وإلغاء وجوده فمصادرة الإرادة إلغاء لوجود الإنسان إذ خاصته الرئيسة ، ولو طفلا ، أنه ذو موقف واختيار لا يمكن حمله على ضده بالقهر والإكراه ، بل قد أبطل الوحي إيمان المكره ، فـ : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) ، فلا رأي لمكره إن في أصل الدين الجامع أو في فَرْعٍ من فروعه ، ولو دق ، بل لا نجاة في إيمان يُكْرَهُ صاحبه فإيمانه ابتداء باطل ! ، فكان من شؤم الاستبداد أن وَلَّدَ في النفوس العنادَ ولو في حق ، فلا أثقل على النفس أن تُهَانَ وَتُكْرَهَ ، ولو أظهرت الخضوع فَهُوَ عارض مُؤَقَّتٌ حتى تحين فرصة بها تَثْأَرُ ممن ظلمها وقد تُجَاوِزُ في الغالب حَدَّ العدل فيكون رَدُّ فالفعل ظلما بآخر فلا تَعْدِلُ في ثَأْرِهَا بل تَزِيدُ لا سيما وليس ثم معيار محكم به تُقَاسُ الأفعال وردود الأفعال فالبيئة ، في الجملة ، قد فسدت ، وحظوظ النفس إن في الظلم أو في الثأر من الظالم ، حظوظ النفس قد عَظُمَتْ ، فإذا كانت النفوس تُمَارِسُ العناد ، ولو عناد الأطفال ، لِتُبْدِيَ الاعتراض والمقاومة ، فلا تستجيب لنصح ، ولا تَتْبَعُ رَأْيًا يُخَالِفُ عَنْ رَأْيِهَا ، ولو صحيحا ، مع تأخير العمل عن موعده فلا رغبة في ابتكار أو إنتاج ، فلا يكون ذلك في فكرة أو حركة إلا إذا كان من الحرية ما يفتح الآفاق بلا انفلات ويحفظ الحقوق فلا انْتِهَاكَ ، فانصرف المصريون إلى المكيِّفَاتِ والمخدرات كما يرصد إدوارد لين في القرن التاسع عشر ، فكيف لو عَاشَ في هذا العصر ونظر في حال المصريين بعد انْتِقَالِهم من الاستبداد الملكي إلى نظيره الجمهوري ذي الطابع العسكري الذي تذرع أنه جاء ليحرر المصري من رق الملكية فأدخله في رق الجمهورية العسكرية المركزية ! ، فأبان نظام يوليو 52 عن أمراض المركزية آنفة الذكر في النفس المصرية المقهورة ، فلا زالت خاملة لا تريد الحركة فهي تهدر ساعات طويلة يمكن استخدامها في شيء مفيد مُرْبِحٍ إن في الدين أو في الدنيا ، إن في الفكرة أو في الحركة ، فَذَاعَ الكسل وهو سبب في تدهور الشعوب ، وقوة الشعوب ودرجتها ، كما يقول بعض المفكرين ، هي مجموع من أخلاق الأفراد ، فإذا فَسَدَتِ الأخلاقُ الفرديةُ ، وَهُوَ مَا يكون في الأنظمة الاستبدادية ، فالمجتمع يَفْسَدُ تَبَعًا ، فهو مجموع الأفراد ، كما تقدم ، فمن عجب أن فطن الإنجليز وهم المحتل الوافد ، أن فطنوا لهذه الأمراض النفسانية التي أصابت المصريين من جراء الاستبداد ، فاعتبر البريطانيون ، كما يقول صاحب "استعمار مصر" ، اعتبر البريطانيون أن مهمتهم هي تخليص مصر من شرط الإفراط في الحكم ، وهو ما يكون في الحكم الهرمي المركزي ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر لا يقتصر على الشعب المصري بل هو قانون عام في جميع الشعوب ، ولكنهم ، أي البريطانيون ، لم يَنْصَحُوا النصح الكامل فهم كأي محتل وافد لا يعنيه إلا زيادة الطاقة الإنتاجية للأطراف بما يعود على المركز بالرخاء والرفاه ، فَغَايَتُهُم ، كما يقول صاحب "استعمار مصر" أن تُطْلَقَ الطاقة الإنتاجية للفلاح المصري إلى آخر مداها ! ، فكان من الاستبداد ما قمع الحرية وهو ما تذرعت له السلطة بالأمن ، والحرية ، كَمَا تَقُولُ بَعْضُ الباحثاتِ ، هي القيمة العظمى في أخلاق الرجال ، في مقابل الأمن فهو القيمة العظمى في أخلاق النساء ، وهو ما يرجح ما قال بعض المصنفين في سيكولوجية الشعوب أن الجمهور أُنْثَوِيُّ المشاعرِ فهو يروم من يغازله ويجامله فَيَصِفُهُ بما ليس فيه من أوصاف الجمال والفتنة ! ، وإن كان الممدوح يعلم أن المادح كاذب ، فهو يغتذي بهذه المشاعر ، ولو مصطنعة ، وهو يروم من يحميه فلا بد من بطل ذي خلفية عريضة ! ، فهو الذي يحوط الأنثى بذراعه ويحملها على حماره ! ، فكذلك الشعوب التي حملت في جيناتها جين العبادة للبطولة ، كما يقول بعض المفكرين الإنجليز ، وهو يحكي أَبْرَزَ ما ورثت الحضارة الغربية المعاصرة من الحضارة اليونانية والرومانية فقد ورثت مركزية هذا البطل الذي يحمي الأمة في مقابل أن تسلم له القياد فلا تُنَاقِشَ ولا تُجَادِلَ ، فهو يعلم المصلحة أكثر منها ، وليست الْأُمَّةُ إلا امرأة ضعيفة يحوطها البطل بِذِرَاعَيْهِ فليس لها أن تعترض أو تَمْتَنِعَ ! ، فكذلك يريد المستبد من الجمهور ، أن يتحول إلى امرأة تحركها بواعث الخوف من المجهول والرغبة في الأمن والاستقرار ولو أَفْسَدَ البطل المعاشَ والمعادَ مَعًا ! ، فأعظم قيمة في حياتها هي قيمة الأمن ، ولو وهما ، لا جرم كان المستبد أبدا يمارس التخويف والترهيب بضرب المثال على الهدم والتخريب فهو مَنْ حَالَ دونه وهو من أنقذ المجتمع من ويلاته ، فوجوده وإن ظالما معطِّلا للوحي والعدل خير من عدمه ، مع أن وجود العادل المعظم للوحي والعدل خير منه ! ، فلا يكون ضرب المثل إلا بالأدنى تخويفا يحمل المرأة أن تَرْضَى بأدنى معيشة في كنف زوج ظالم جريا على نظرية : ظل رجل ولا ظل حائط ، كما يقال في المثل الدارج في مصر ، فكذا الشعوب إذ تَأَنَّثَتْ ولم يظهر من فحولتها ما يَكُفُّ يَدَ المستبد ، وليس ذلك ، لو تدبر الناظر ، مما اختص به شعب دون آخر ، وإن كان للشعب المصري منه أوفر حظ بما مُورِسَ ضده من استبداد وَتَغْيِيبٍ عن صنع القرار عبر العصور ، إن في ممالك الكفر أو ممالك الإيمان ، إن في ممالك العدل أو ممالك الطغيان ، فالشعب المصري ، في الجملة ، لم يكن ذا رأي أو مشورة فهو أبدا يَتْبَعُ من غلب عادلا كعمرو بن العاص وصلاح الدين الأيوبي أو ظالما كالمعز الفاطمي ومحمد علي فضلا عن الأمثلة المحلية بعد يوليو 52 فهي أمثلة استبداد محلي وإن كانت ذا ولاء للمركز على تَفَاوُتٍ بَيْنَهَا في هامش المناورة السياسية ، ولو تدبر الناظر ، لوجد أَنَّ مَنْ يحمل جينات الفحولة التي تُنَاجِزُ السلطة هي الطبقة الوسطى ، فهي ، أبدا ، خصم الاستبداد ، إذ تُعَانِي ، كما يقول بعض الباحثين ، تُعَانِي من القلق فهي أَبَدًا تُفَكِّرُ وَتَرْغَبُ في غَدٍ أفضل ، ولا أشد على الاستبداد من عقل يُفَكِّرُ ويقترح ما يُهَدِّدُ وجود السلطة فَتَغْيِيبُ العقول ، وحجب المعلومات ، عامل رَئِيسٌ في استقرار الحكومات ! ، فضلا عن القمع الخشن ، فلا تخشى السلطة المركزية المستبدة إلا مَنْ يُفَكِّرُ وَيَقْتَرِحُ فهو يَعْتَرِضُ على ما يَرَى مِنْ فساد السلطة ، وهو يملك من هامش القوة والثروة ما يجعله خطرا ولو على المدى البعيد ، فَثَمَّ فائضُ وقتٍ لا بد أن تَشْغَلَهُ السلطة بالبحث عن الرزق ، فَتُضَيِّقُ عليه وَتُعَسِّرُ لِتُلْحِقَهُ بالطبقة الأدنى فلا تملك إرادة التغيير ولا تملك أدواته ولا تملك أي فائض من فكر أو جهد أو ثروة أو وقت ، فهي أبدا تكابد لِتَبْقَى على قَيْدِ الحياةِ ، وفوقهما جميعا طبقة مترفة وإن امتلكت أدوات التغيير إلا أنها بداهة لا تمتلك إرادته فقد أفسدها التَّرَفُ ، بل لا ترغب في ذلك ابتداء فهي ضد أي تغيير قد يضر بمصالحها شديدة المركزية ولو أضرت بالمصلحة الجماعية فالسلطة الهرمية ذات الطابع المركزي سلطةٌ شديدة الْأَثَرَةِ والأنانية ، تمارس التضييق على الجمهور ، ولو في تصميم العمران والفضاء الخارجي فله تأثير غير مباشر في الوجدان النفساني ، فَتَصْمِيمُ المدينة والقرية تصميم يجاوز البنية الظاهرة إلى أخرى باطنة انطلاقا من نظرية التربية الرسمية ، أو التربية العمومية التي احتكرتها السلطة وَانْتَزَعَتْهَا من مؤسسات المجتمع التي تَصْنَعُ هَوِيَّتَهُ الذاتية بلا تدخل من خارج ، فالسلطة قد فطنت لذلك فَلَنْ تستطيع السيطرة على المجتمع طالما استقل بالفكرة والحركة فكان له من الموارد الذاتية ، المعنوية والمادية ، ما يجعله خصما يُنَاجِزُ السلطة الهرمية المركزية ، فهي سلطة تحتكر من النفس موضع الإله مع افتقارها إلى خصائص الألوهية الصحيحة ، فلا هي أعلم ، ولا هي أنصح ، ولا هي أفصح ، فلا تعلم ما يَنْفَعُ المجتمع ويضرُّه وإن مارست عليه من أبوة الْفِكْرِ والسياسة ما يَنْفِرُ منه أي عاقل حر يأبى الانقياد لبشر يضاهيه في الماهية والوصف ، ولا تَنْصَحُ وإن تظاهرت بذلك فغايتها ولو في أعرق الأنظمة الديمقراطية أو الليبرالية ، غايتها أن تسيطر على المجتمع بتأميم أفكاره وأمواله سواء أكان ذلك بطرائق خشنة كما الحال في الأمثلة الهرمية الصلبة ، أم بأخرى ناعمة لا يفطن لها المجتمع لا سيما وقد قُطِعَتْ صِلَتُهُ بالوحي فما أسهل التحكم في تَوَجُّهَاتِهِ فَهُوَ يختار ما اختارت له السلطة الناعمة بأدوات دعايتها وإعلامها .

    فَلَا بُدَّ في جميع الصور ، الناعمة أو الخشنة ، لا بد من مركزية تحتكر الفكرة والقرار ، وباعثها ، كما تقدم ، الحاجة والافتقار ، خلافا لمركزية الرسالة التي جاءت تهدم المؤسسات المركزية ، الكهنوتية والسياسية ، فَثَمَّ تَنْظِيمُ الكهنةِ الذي امتاز من المجتمع فَلَهُ ألقاب ودرجات وله أزياء ومراسم ، فَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يدخله ، وَثَمَّ تنظيم السياسة الذي ينطلق من مبدإ الحق الإلهي المتوارث الذي يمنحه الكهنوت فِي مُقَابِلِ ما يحظى به من الامتيازات الأدبية والمادية ، وثم تَنْظِيمُ الاقتصادِ الإقطاعي ، فالحكم المركزي الهرمي الصلب قد احتكر جميع السلطات : التشريعية والقضائية والتنفيذية وإن زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ على مثال حداثي يَفْصِلُ بَيْنَ السلطات ، وتلك ، أيضا ، من الدعاية التي أطلقت فَفِيهَا من الحق ما أُرِيدَ به الباطل ، فلا يَعْرِفُ الوحي ذلك الفصل الحاد بَيْنَ السلطات كما الحال في الأنظمة الأرضية العلمانية ، فالوحي قد جاء فاستغرق الجميع فهو مصدر التشريع وهو من يُنَظِّمُ إجراءات التقاضي والإنفاذ للأحكام على قاعدة العدل والمساواة ، فمركزيته تخالف بَدَاهَةً عن مركزية المرجع الأرضي الذي يحتكر السلطة وإن تَظَاهَرَ أنه يُنَظِّمُهَا وَيُجَزِّئُهَا بَيْنَ تشريع وقضاء وإنفاذ ، فذلك إن صَحَّ فَفِي الإجراء لا في أصل النظرية الفلسفية التي تُبَرِّرُ طغيان العقل الأرضي في مناجزة الوحي السماوي ومنازعتِه أَخَصَّ أوصافه أنه من يُنْزِلُ الشرع فهو المصدر والمرجع المجاوز من خارج فَبَرِئَ مما لم تبرأ منه المراجع الأرضية فلا تجاوز قصور العقل وحظ النفس وإن اجتهدت ما اجتهدت أن تصيب الحياد والتجرد فلا تسلم من بواعث ذاتية ولو خفية .

    فاسم المركزية الأرضية يَظْهَرُ في عَنَاوِينِ السلطة المستبدة واضرب له المثال بمصر ، أيضا ! ، فَثَمَّ الأمن المركزي والجهاز المركزي للمحاسبات ، والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ...... إلخ ، وكلها أدوات تحكم وسيطرة تجتهد في جمع أكبر قدر من المعلومات عن الخصم ! ، فالمجتمع ، كما تَقَدَّمَ مرارا ، هو الخصم الألد ، فتلك مركزية جاء الوحي يهدمها ، وفي مقابلها السلطة الأفقية ، وهي مثال الإدارة الناجح ، كما يقول بعض الباحثين ، فإن الاتصال المباشر بين القيادة والأفراد يسهم في زيادة الكفاءة بِتَجَاوُزِ الإجراءاتِ البيروقراطية المعقدة التي يَضَعُهَا المثال السلطوي الهرمي عَرَاقِيلَ فِي طريقِ الأفراد فلا يَتَّصِلُونَ بالقيادة إلا بعد جهد ، سواء أكان ذلك بذواتهم فلا يحظون بِلِقَاءِ القائد المقدس ! في النظام الهرمي إلا بعد إجراءات معقدة أَمْنِيَّةٍ وإدارية ، فالسلطة الهرمية تُضْفِي على ذَاتِهَا قَدَاسَةَ الإله الغائب عن الأنظار وإن حَضَرَ بِعِلْمِهِ المحيط ! ، فهي تَبُثُّ في روع المجتمع أنها ترقبه من خارج ، من عاصمة أو خندق خفي في مكان ما لا تفصح عنه ، فهو سر ألوهيتها الأعظم ! ، فَتَتَقَمَّصُ دور المرجعية المجاوزة من خارج ، فهي مرجعية الإله ، مع أنها تزعم أنها علمانية لادينية أو ضد دينية ، فالقياس أن تأبى الانقياد لأي مرجع يجاوزها من خارج ، فَبَثَّتْ في المجتمع روح التمرد على الإله الحق ، جل وعلا ، فَأَبَتِ الانقياد لرسالتِهِ السماوية ، المرجعِ المجاوز من خارج العقل ، عَقْلِ الفرد أو العقل الجمعي الذي نجحت السلطة فِي تَشْكِيلِهِ بِمَا تملك من أدوات الثقافة والدعاية والتعليم ، فَلَيْسَ التَّعْلِيمُ في هذا المثال الهرمي أَدَاةً لصناعة الوعي الذي يحرر العقل من الأوهام والخرافات ، بل هو أداة لِتَغْيِيبِ الوعي بذريعة تحريره من خرافة الميتافيزيقا الغيبية ، فهو أداة لعزله عن الرسالة السماوية ، وإحلال المرجع الأرضي محلها ، فهو الإله الجديد الذي صنعته السلطة من خارج المجتمع ، فَهُوَ مثال هَرَمِيٌّ شديد التَّمَايُزِ وَالانْعِزَالِ عن الأفراد ، وكلما امتاز منهم فكان كَيَانًا خارجا عنهم بَعُدَتِ الشُّقَّةُ فلا يدخلون عليه إن كان ذلك ممكنا ! ، إلا بعد إجراءات معقدة ، فالدخول في حضرته الإلهية يمر عبر إجراءات بيروقراطية شديدة التعقيد ، فَلَا جرم أن سُلْطَةً على هذا المثال الهرمي تحرص أيما حرص أن تمتاز من المجتمع امتيازَ الربِّ من العبد ! ، فلا تخالطه بذاتها المقدسة ، فهي في منزل أعلى ترقب وترصد ، وتعطي وتمنع ، وتشرع وتحكم فتمارس من وظائف الربوبية والألوهية ما به تَصِيرُ مرجعا من أعلى يجاوز مع أن النظرية العلمانية ، كما تقدم ، نظرية تأبى الانقياد لأي مرجع يجاوز من خارج ، فلم تخرج عن فطرة التأله التي رُكِزَتْ فِي كُلِّ فَرْدٍ وجماعةٍ ، فإنها إن لم تَنْقَدْ لمرجع حق يجاوزها من خارج فلا بد أن تَنْقَادَ لغيره لِتُشْبِعَ غَرِيزَتَهَا في التأله والتنسك ، فمن خرج عن عبودية الإله الحق وأبى الانقياد لمرجعه الرسالي من خارج دَخَلَ ضرورة في عبودية غيره وانقاد جبرا لمرجعه الأرضي فاستبدله بالمرجع الرسالي ، فلا بد من إله من خارجه يعبده فهو الذي يشرع ويحكم ، فإن لم يكن الإله الحق فَثَمَّ آلهة باطلة تَتْرَى ومنها الدولة الإله وذلك اصطلاح غربي لم تَنْقُصِ الصراحة واضعه إذ أبان عن حقيقة السلطة العلمانية في الدولة المدنية الحديثة .

    فَفِي المثال الأفقي تَزُولُ الحواجز بين القيادة والأفراد في منظومات الإدارة البشرية ، فكفاءتها تزيد إذ يكون الاتصال المباشر الذي يَخْتَزِلُ الإجراءات البيروقراطية المعقدة ، فلا يجهد الفرد أن يَتَّصِلَ بالقيادة ، ولا يدخل المحرَّر الرسمي نَفَقَ البيروقراطية المظلم فلا يصير نافذا إلا بعد مائة توقيع وختم فَيَنْتَقِلُ من موظف إلى آخر ، ومن إدارة إلى أخرى ، مع ما يكون من العراقيل التي تَتَقَصَّدُهَا السلطة تَارَةً ، وأخرى يَكُونُ ذلك من ضعف الأداء وَقِلَّةِ الكفاءة إذ المنظومة ابتداء لم تَقُمْ إلا على الولاء المطلق دون اعتبار لكفاءة أو كفاية ، فَثَمَّ قَامُوسٌ تَزْدَهِرُ مواده في أروقة هذه البيروقراطية الفاشلة ، فمنها مواد الاعتذار من قَبِيلِ "معلش ، حقك علي ، هدي أعصابك ، خمس دقايق والموضوع يخلص ، حاضر المدير جاي في السكة حالا ......." ، فهي اصطلاحات تَدُورُ على تَطْيِيبِ الخواطر وترحيل المشاكل دون حل ناجز ، وثم مواد التسويف من قبيل : "الموظف المختص مجاش ، فوت علينا بكرة ، السيستم واقع ، الجهاز عطلان" ، فذلك قاموس عامي مصري يحفظه كل موظف وَمُرَاجِعٍ ، وهو ما يكرس هرمية السلطة ، فالمحرَّر أو المستند لا يصدر إلا بعد سلسلة طويلة من الإجراءات التي لا يمكن اختزالها إلا بالمحسوبية أو الرشوة ، وتلك من أبرز خصائص السلطة الهرمية الفاشلة كما الحال القياسية في مصر الجمهورية العسكرية المركزية .

    واضرب له المثل بِعَارِضٍ مُؤَقَّتٍ قد خالف فيه الجيش في مصر عن مثال الهرم ذي القمة المعزولة عن القاعدة ، فبعد هزيمة 67 اقتضى المخطط السياسي التجهيزَ لضربة عسكرية محدودة تَدْفَعُ بمفاوضات السلام والتطبيع قُدُمًا إلى الأمام ، وهو ، بداهة ، أمر يدبر في غرف السياسة المغلقة فلا تدركه القواعد الجماهيرية ، المدنية أو العسكرية ، بل ولا يدركه كثير من القيادات الوسطى والعليا ، فهي قيادات تَنْفِيذِيَّةٌ تخضع للقرار السياسي ، وهو ما كان في مرحلة التجهيز للحرب ، فلم يكن المثال الهرمي يصلح بداهة في مرحلة إعادة البناء للجيش وبث روح التضحية والفداء في جنده ، فكان من حسن التدبير أن تَوَلَّى رئاسة الأركان قائد مشهور يتحرك من باعث ذاتي محترف ، فَلَمْ يدرك أبعاد اللعبة السياسية إلا بعد حين فلما اعترض كان نصيبه الإبعاد والتشهير ثم المحاكمة والسجن ، ومحل الشاهد أنه نجح في التحول من المثال الهرمي إلى نظيره الأفقي ، فَقَدْ كَانَ حريصا على الاجتماع بالجند والرتب الدنيا والاستماع إلى شكاواهم واقتراحاتهم دون عوائق بيروقراطية ، ولما اتسع نطاق العمل حرص على ترسيخ هذه الثقافة الأفقية داخل وحدات الجيش فلا يغيب قُوَّادُهَا عن الجند فذلك ما يسهم في رفع المعنويات وزيادة الكفاءة ، وهو ، لو تدبر الناظر ، من آحاد نوادر في تاريخ العسكرية المصرية الحديثة فلا يُقَاسُ عليه بالنظر في تاريخ الجيش المصري الحديث فلم يكن يَوْمًا إلا جيشا وَظِيفِيًّا تَابِعًا ، بل لم يخرج في تلك اللحظة عن هذا الدور الوظيفي ولكن الحال اقتضت آنذاك فتح هوامش كبيرة يَتَحَرَّكُ فِيهَا المجتمع بطاقاته الروحية والإدارية فَيَقْتَرِبُ أكثر من المؤسسة العسكرية التي وجدت نفسها مضطرة أن تَسْتَعِينَ بِهِ وَلَوْ مُؤَقَّتًا ، فصارت تحكي روح المجتمع الراغب في الثأر ، ولو انتحلت هذه الروح فذلك جزء من مخطط السياسة فلا بد من الاستعانة بالمجتمع في هذه اللحظة لصناعة نصرٍ ولو جزئي يُنْسَبُ إلى البطل الذي يُعَزِّزُ شرعيته لِيَتَّخِذَ بها قرار الانفتاح الاقتصادي والتطبيع السياسي الذي يُرْجِعُ المعادلة إلى صورتها الأولى : صورة الهرم المنعزل عن القاعدة وهو ما ترسخ عبر عقود من التطبيع كما يظهر الآن من حال القيادات والجند فَثَمَّ فجوة هائلة ، وثم قمة شديدة العزلة عن القاعدة ، فضلا عن عُزْلَةِ الهرم العسكري كله عن سائر المجتمع بل الخصومة بَيْنَهُمَا قد اشتدت ، فتآكلت شرعية النظام وهو ما ألجأه أن يُفْرِطَ في استعمال العنف في الداخل ، وَيُفْرِطَ في التنازل في الخارج فَذَانِكَ رَافِدَا شَرْعِيَّتِهِ الوظيفية في هذه اللحظة الفاضحة ، وهو ما زاد الهرمية المركزية على حساب الأفقية ، فالهرمية أليق بالاستبداد الذي يخالف عن توجه المجتمع الفكري والسياسي فلا بد من تنظيم صلب يقمع أي حراك فاعل في المجتمع ولا يكون ذلك بداهة وثم اتصال وثيق بين القيادة والقاعدة بل لا بد من وضع العراقيل وبث الكراهية في أروقة السلطة ضد المجتمع الذي تُسْرِفُ السلطة في نَبْزِهِ بألقاب التخلف والجهل والفوضى والاتكالية فضلا عن وَسْمِ فِئَامٍ منه بالإرهاب والتطرف الذي يُحِلُّ الدم والمال والعرض ، فالرسالة ، لو تَدَبَّرَ الناظر ، هي أَمْضَى مَعَاوِلِ الهدم لهذا المثال الهرمي إن في الكهنوت أو في السياسة ، فقد جاءت تُزِيلُ الحواجز بين الإله الحق ، جل وعلا ، وسائر الخلق ، فهي الواسطة بين الحق والخلق ، واسطة البلاغ والبيان ، لا التحكم والاستبداد وَاسْتِرْقَاقِ الخلق بذريعة التنسك للإله ، فيكون الكهنوت باب الملكوت فلا يَلِجُهُ إلا من رَضِيَ عنه هرم السلطة الدينية في الأرض ! ، فجاء الوحي ليهدم هذا الهرم فيكون الاتصال المباشر بالوحي إذ نصوصه ظاهرة لا بواطن لها ولا أسرار تَحْتَكِرُهَا سلطة مركزية ، فحق تداول المعلومة الرسالية مكفول لكل مؤمن بالوحي ، وليس ثم تنظيم صلب يُمَارَسُ الدين من خلاله ، فالعبد يدخل في الحضرة الإلهية بلا واسطة ، لا دخول الغلاة من أهل الرياضة ، وإنما دخول النساك من أهل الديانة فالصلاة ، لو تدبر الناظر ، مع كونها شعيرة واجبة فهي تحكي هذا المعنى اللطيف فلا تَنْظِيمَ بين العبد وربه ، جل وعلا ، بل إذا كَبَّرَ العبد ودخل في الصلاة فهو يسأل ما يشاء وَيُنَاجِي ربه بِلَا واسطة من حَبْرٍ أو رَاهِبٍ أو شيخ أو مَرْجِعٍ ..... إلخ من الوسائط الطاغوتية الأرضية ، وإن كان ثَمَّ أُطُرُ تَعْلِيمٍ لا تحتكرها فئة مخصوصة بل كلٌّ يطيق النظر في الوحي بل والاجتهاد في الاستنباط إذا استوفى آلة البحث والنظر ، بل مثال التعليم الرسالي مثال أفقي يسهل اتصال الطالب فيه بالأستاذ في حلقات درس مفتوحة تُتِيحُ قدرا أكبر من التواصل والتفاعل خلافا لمثال التعليم الهرمي فهو كالمثال الهرمي في السياسة فلا يخلو من العراقيل التي تضعها البيروقراطية الإجرائية .

    ومركزية الرسالة السماوية تمتاز من المركزية الأرضية في السلطة الهرمية ، مركزية الرسالة تمتاز أنها مركزية غَنِيَّةٌ قد تَنَزَّهَتْ عن أعراض النقص والحاجة التي لا تسلم منها السلطة الأرضية ، فالله ، جل وعلا ، غني عن خلقه ، بل هم الفقراء إلى سلطته ووحيه لتحصل لهم السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) .
    واضرب له المثل من تاريخ الرسالة ، بما كان من وصف صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو رجل يدخل عليه الناس جميعا بلا حجاب ، فليس ثَمَّ من الْعَرَاقِيلِ ما يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، فَيَجْلِسُ حَيْثُ انْتَهَى به المجلس ويدخل الأعرابي مجلسه فيسأل عنه إذ لا يمتاز من بقية أصحابه في شيء ، وهو مع ذلك يخالط الناس ويسايرهم في الأسواق ، وذلك وصف من قَبْلَهُ من الأنبياء ، عليهم السلام ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) ، واضرب له المثل ، أيضا ، بعمر الفاروق ، رضي الله عنه ، مع ما اشتهر من مركزيته الشديدة فإنها ، لو تدبر الناظر ، كانت مركزية إدارية اقتصرت صَرَامَتُهَا على الولاة فكان شديدا عليهم فَهُمْ أصحاب الأمر والنهي فَخَشِيَ أن يَتَوَسَّعُوا ، ولو في مباح ، بما تحت يدهم من صلاحيات ، فكانت مركزيته المشهورة في رقابة الولاة والاحتساب عليهم حرصا على مصالح الرعية فلم تكن مركزيته ضد المجتمع كما هي الحال الآن ، فإن السلطة الهرمية المستبدة تُدَاهِنُ أفرادها على حساب المجتمع وذلك ضِدُّ ما كان من عمر الذي اشتد على ولاته في مقابل لِينِهِ ورحمته بالأمة ، فكان عمر كسابقيه في الأمر ، صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخليفته الأول ، فكلاهما لم يكن ذا حجاب يحول دون الناس ، فلما انقضى زمن الخلافة الراشدة كان ملك معاوية ، رضي الله عنه ، وهو البرزخ بين الخلافة والملك العضوض ، فَلَئِنْ لَمْ يخل من رحمة فهو خَيْرٌ ممن أتى بعده إلا أنه لم يخل من نقص إذ بدأت السلطة تمتاز من المجتمع وإن احتفظت بعلائق قوية معه فكان اتخاذ الحجاب والمقصورة في الصلاة وإن أَمْلَى ذلك الظرف الأمني عقيب محاولات الاغتيال السياسي التي نَفَّذَهَا الخوارج ضد علي ومعاوية وعمرو بن العاص ، رضي الله عن الجميع ، في العراق والشام ومصر ، فَنَجَحُوا في الأولى إذ قَتَلَ ابن ملجم الخليفة الرابع ، رضي الله عنه ، وفشلوا في الشام ومصر ، فكان الاحتياط باتخاذ الحجاب ولكنه ، من وجه آخر ، قد ساهم في تشكل السلطة بعيدا عن المجتمع لا سيما بعد الانتقال من الملك والرحمة إلى الملك العضوض بِتَوَلِّي يزيد وما كان بعده من أحداث جسام فلا زالت السلطة تَبْتَعِدُ عن المجتمع ولكنها لم تكن أبدا كما الحال الآن فلم تخالف المجتمع في المرجع والباعث الرسالي فَنَقْصُهَا لم يُجَاوِزِ الجانب الإجرائي ، وإلا فالوحي رائد وتحته السلطة السياسية والقوة العسكرية انطلاقا من نَظَرِيَّةٍ "الكتاب الهادي والحديد الناصر" ، إن حديد السياسة أو الحرب أو المال ، فكان النقص الإجرائي وهو أمر معتبر ولكنه لا يعدل ، بداهة ، النقص الفاحش الذي طرأ بعد زوال الإطار الرسالي السياسي الجامع على ما أصابه من تَرَهُّلٍ وفساد آخر أيامه ، وكان من المثال ، أيضا ، ما يشهد لمثال السياسة الأول ، مثال الرسالة والخلافة الراشدة ، فكان الأشج العادل : عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، على رأس المائة الأولى إمامَ تجديد ، فلم يكن منه ، لو تدبر الناظر ، إلا أن رجع بمثال الحكم إلى الصورة الأولى ، الصورة الأفقية فلا عَوَائِقَ بَيْنَ السلطة والمجتمع ، فهدم ما شَيَّدَ أسلافه من بني أمية مِنْ هرم السلطة المركزية ، وإن لم يصبر القوم عليه طويلا فكان الجزاء أن استبدلوا مثالَ ظلمٍ وَنَقْصٍ لم يَزَلْ في ازدياد ، فاستبدلوه بِمِثَالِ العدل والتمام ، فَفِيهِم يصدق الآي المحكم إذ يُنْكِرُ وَيُوَبِّخُ : (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) ، فكان من السنة الجارية أن عُوقِبُوا بما اختاروا فلم يزل ملكهم في نَقْصٍ حتى كانت النهاية الدامية على يد الجيوش العباسية الثائرة ، ولو تدبر الناظر حال مصر الآن ، مع القدر الفارق بداهة ، لم يجد خروجا عن السنة الربانية المحكمة ، فكان من المحاولة ، ولو في الجملة ، أن تَتَحَوَّلَ السلطة من مثال الهرم المركزي إلى آخر أفقي ، فلم يصبر الناس على صاحبها ، فاستبدلوا وإن شئت الدقة فَقُلِ استرجعوا المثال الهرمي المركزي فكان من العقاب الرباني أن آلت بهم الحال إلى حكم استبداد أشد ، فمن بطر المعيشة وجحد النعمة فجزاؤه أن تُسْلَبَ ويستبدل بها من النقمة ما يعظم ، وهو أمر ، لم يخل منه المعارِض ، وإن كان ذا توجه رسالي ، ولو في الجملة ، فالمعارض الأبرز لنظام الاستبداد في مصر ، وهو ما اصطلح أنه الإسلام السياسي لم يخل في أطره التَّنْظِيمِيَّةِ من أمراض السلطة الوظيفية ، وإن كانت حاله في الجملة أحسن ، ولكنه لم يخرج ، أيضا ، عن المثال الهرمي المركزي الذي يستند إلى الولاء التنظيمي فهو ولاء يجاوز الفكرة الرسالية إلى أخرى إجرائية تجعل الكيان مُقَدَّمًا وإن لم يستعلن بذلك أصحابه بل قد لا يشعر كثير منهم فَيَرَى تعصبه للكيان انتصارا للفكرة ، وإن جاوزها فقد صار الكيان هو الأصل ، فذلك عيب بارز في المعارضة يجعلها صورة تُشْبِهُ الأصل ! ، وهو السلطة الهرمية المستبدة ، وهو ما يجعل التَّغْيِيرَ في هذه الحال متعذرا إذ لا يمكن تغيير صورة باستخدام نفس أدواتها فلا يمكن ، ولو من باب ضرب المثال فَثَمَّ بَعْضُ التجوز ، لا يمكن تطهير البول بالبول ، ولو كان الثاني أخف تَرْكِيزًا فَنَجَاسَتُهُ أقل ، فلا يطهر النجس بآخر ، وإنما يطهر النجس بطهور يذهب عَيْنَهُ وَأَثَرَهُ .

    والصلاحيات المطلقة في الأنظمة الهرمية ولو حَقَّقَتِ المعايير الديمقراطية الغربية لو سُلِّمَ أنها مثال الفكرة المحكم ، هذه الصلاحيات وإن حصلت بانتخاب حر فَهِيَ تُؤْذِنُ بالنقص والاضطراب ، فالاستبداد يضر إن في الأنظمة الشمولية وذلك أمر ظاهر لا يَفْتَقِرُ إلى مزيد استدلال ، أو في الأنظمة الديمقراطية الحرة ، ولو في الجملة ، ، وأمريكا الآن أَبْرَزُ مِثَالٍ على ذلك ، فمع رسوخ مؤسساتها السياسية إلا أنها تَجِدُ في التَّعَاطِي مع البيت الأبيض الآن حَرَجًا أيَّ حرج ! ، فَثَمَّ رَئِيسٌ سلطوي قد بَلَغَ سدة الحكم انطلاقا من قيم الدولة الديمقراطية فجاء بمثال استبداد يهدد قيم المنظومة التي أفرزته ! ، وهو ، كما تقدم مرارا ، ما يَعْكِسُ إشكالا رَئِيسًا في جوهر النظرية الديمقراطية التي لا تجاوز في أحسن أحوالها أن تكون آلة لا نظرية فَلَيْسَتْ فِي نَفْسِهَا فكرة ، فَأَفْرَزَتْ من يهدم قيم المجتمع الأمريكي فَثَمَّ صلاحيات كبيرة في النظام الرئاسي قد تستعمل في أحيان آلةً تهدم النِّظَامَ أو تضعفه انطلاقا من قيم انغلاق عنصرية تسلب أمريكا خاصتها العظمى في رعاية المواهب واحتضان المبادرات المهاجِرة ، ولعل ذلك ما جعل بَعْضًا يُرَشِّحُ فِي علاج الاستبداد في الأطراف ألا يكون المثال الرئاسي هو المبدأ في مجتمع حديثِ عَهْدٍ باستبداد ! ، فيكون العلاج ابتداء بنظام برلماني تَتَوَزَّعُ فيه الصلاحيات العظمى فلا يستأثر بها طرف على حساب بقية الأطراف ، وإلا أفضى الأمر إلى إنتاج الاستبداد ولو في سياق ديمقراطي حر ! ، مع التَّفْرِيقِ بَيْنَ القائد والمؤسسة ، فلا بد من مؤسسة أو نظام أفكار وإجراءات محكم لا يَتَأَثَّرُ باختلاف الشخوص انطلاقا من نظرية الصديق الخالدة نظرية : " ألا مَنْ كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، وَقَرَأَ : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)" ، فَثَمَّ في مثال الرسالة مرجع تشريع وتكوين لا يغيب فهو الحي الذي لا يموت ومن سواه فهو ميت كما قد نص الوحي المنزل ، فـ : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) ، و : (مَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) .

    وهو أمر يستوجب ، كما يقول بعض المحققين ، يستوجب العدل والحكمة ، فتارة ترجح المناصحة لا سيما في أوقات الرخاء ، وأخرى ترجح المناصرة لا سيما في أوقات الشدة مع استحضار المناصحة أبدا فليست الشدة ذريعة للمجاملة وإنما حسن العدل في كُلٍّ ، في الرخاء وفي الشدة ، مع الحذر أن يستدرج الذهن إلى المثال العلماني الذي يُرَوَّجُ تحت شعار : فضل الدعوي عن السياسي فتلك ذريعة إلى علمنة الوحي تحت هذا العنوان الجذاب الذي يظهر النصح ويبطن الغش ، علم صاحبه أو جهل ، فالفصل بين السلطات ، كما تقدم ، أمر قد اعتبره الوحي بالنظر في الجانب الإجرائي لا في الأصل الفلسفي الذي تنطلق منه النظرية السياسية العلمانية ، وليس الإفراط يقابل بتفريط فَلَئِنْ أَفْرَطَ التيار الإسلامي في اعتبار التنظيمات الهرمية حتى صيرها الأصل ، فلا يكون الحل هو التفريط بإهدارها بالكلية فلا يوجد عمل يؤتي أكله إلا وثم إطارُ تَنْظِيمٍ محكم ، ولكن الخطأ أن يجاوز العامل بهذا الإطار حده فَيَجْعَلَهُ ، كما تقدم ، هو الأصل ، ويجعل الفكرة هي الفرع ، فهو يغضب للتنظيم ما لا يغضب للحق ، فذلك من الظلم الذي يضاهي به خصمَه من السلطة الهرمية المركزية فكيف يناجزه وهو على مثاله في الاستبداد وإن باسم الحق المحكم ، بل وباسم الوحي المنزل ؟! .

    ولا يعني ذلك أن فكرة التنظيم والتهذيب فكرة خاطئة بالكلية ، فلا يزدهر الوحي إلا في محيط من الفوضى والتخلف ! فذلك ما لا يقوله عاقل ، فهو نَبْزٌ للرسالة أنها وإن نَزَلَتْ من عليم حكيم إلا أنها لا تجزئ في حصول التقدم والرفاه ! ، وتلك فحوى الدعاية البريطانية التي أطلقها اللورد كرومر في كتابه "مصر الحديثة" ، فَلَئِنْ صدق في رصد بعض الظواهر الأخلاقية السلبية في المجتمع المصري فقد احتلت بريطانيا مصر وهي في أوج تقدمها العلمي والصناعي بعد أن جنت ثمار الحقبة الفيكتورية ، حقبة التحول من الزراعة إلى الصناعة فخلال 64 عاما تحولت بريطانيا من قطر زراعي إلى آخر صناعي مُزْدَهِرٍ ذي أسواق كبيرة إذ سيطرت جيوش البلاد على الأطراف شرقا وغربا فكانت الإمبراطورية التي جاوزت حُدُودَ الجزرِ البريطانيةِ ، وفي المقابل كانت مصر في مرحلة من مراحل التخلف الفكري والسياسي والتقني ، مع أنها مع كل ذلك كانت دولة مُكْتَفِيَةً بذاتها في غذائها وسلعها الأساسية فكانت دولة زراعية ناجحة ، فكان من أَثَرِ بريطانيا المباشر أن حافظت على بِنْيَةِ الاقتصاد الزراعي ولكنها حولته من اقتصاد مستقل إلى آخر تابع ، فحافظت على حصة الماء ، وحافظت على رقعة الزراعة ، ولكنها تحكمت في المحاصيل بما يُوَاطِئُ نَهْضَةَ الصناعة في بِرِيطَانْيَا فهي تفتقر إلى الخامات التي تُنْتِجُهَا الأطراف ، فتحولت مصر إلى تابع زراعي ناجحٍ في الإنتاج ، فاشلٍ في الإدارة واستثمار الموارد إذ وضع الاحتلال يده على الأرض والثروة ، ووضع مثال الإدارة وسياسة الزراعة التي تضمن تدفق الخامات من الأطراف إلى المركز ، وكان من أَثَرِ بريطانيا غير المباشر أنها أنشأت قوة عسكرية وظيفية تَتَّسِمُ بالسطحية والجهل وَقِلَّةِ الثقافة وغياب الوعي فَثَمَّ مستوى علمي منخفض رَسَّخَ مَا تَوَاتَرَ بعد ذلك من ضحالة الفكر في نخبة القوة المسلحة ، فذلك ما يواطئ سياسة المركز في صناعة الأداة التنفيذية ، فالعنصر المسلح في المركز لا سيما في مستويات القيادة العليا عُنْصُرٌ لا يخرج عن طابع المهنية التي تفرض على العسكري أن يطيع الأوامر ، وذلك جزء من فلسفة التربية في المركز فإنها تمارس التأطير في مدارسها كما تمارسه في الأطراف ، مع القدر الفارق بداهة ، فالتأطير في مدارسها يخرج عنصرا جيد التخطيط والتدريب فهو يجاوز ، لا سيما في مستويات القيادة العليا ، يجاوز حد العنصر الوظيفي التنفيذي فَثَمَّ صناعة لعقل استراتيجي يضع خطة الحرب استنادا إلى معطيات تجاوز المعطيات المادية المباشرة ، فثم إِدْرَاكٌ واسع للتاريخ والجغرافيا السياسية يسهم في تشكيل العقد العسكري الجامع ، فصناعة العنصر المحترف في المركز صناعة متكاملة ذات روافد فلا تقتصر على الرَّافِدِ التنفيذي الذي يحول الإنسان إلى آلة حرب بلا عقد أيديولوجي إلا عقد السلطة المركزية ، وإن تحكمت الجهات المتنفذة في المركز في صناعة هذا العقد عبر مؤسسات هرمية لا تخرج عن المثال الهرمي محل الشاهد ، فلا يخلو الأمر من تَزْيِيفٍ للحقائق مع جرعة عنصرية مركزية تَسْتَنِدُ إلى نظرية التفوق العرقي ، فمع فساد هذا العقد الأيديولوجي وهو منشأ الإرادة والحركة ، إلا أن ثم عملا منظما مُؤَطَّرًا يَتَّسِمُ بالحرفية الشديدة في دراسة حزمة من العلوم السياسية والعسكرية مع جرعة أيديولوجية تسهم بدور فاعل في صناعة العقد العسكري ، وهو ما لا يجد الناظر في الأطراف مَثِيلَهُ أو شبيهه إلا في الاسم دون المسمى ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، يجري مجرى الاشتراك اللفظي ! ، فَثَمَّ في الأطراف صناعة أخرى لعنصر تَنْفِيذِيٍّ تابع يَتَّسِمُ عمله بالطابع الوظيفي غير المبدع فهو جزء من أجزاء البيروقراطية التابعة فليست ذات قَرَارٍ مستقل فضلا أن كفاءتها دون كفاءة نظيرتها في المركز فَلَيْتَهَا كانت كالتكنوقراط المحترف الذي يملك الكفاءة المهنية وإن لم يملك الرؤية السياسية ، فالتكنوقراط في الأطراف إلا ما نَدَرَ ، لا كفاءة ولا رؤية ، فهي عناصر تَنْفِيذٍ تَتَّسِمُ بالجمود وانعدام المبادرة ، وذلك ، أيضا ، مما ذكره كرومر في كتابه إذ يصف أخلاق المصريين فالاستبدادُ قد قَتَلَ الطموح في النفوس فلا تمتلك جرأة المبادرة وإن كان ثم فكرة فلا تجد من البيئة الحاضنة ما يَرْعَاهَا ، وهو ما زاده الاحتلال البريطاني وإن نجح في تحديث البنية التحتية فانطلاقا من نظرية التبعية ، فقد وضع الإنجليز نَوَاةَ القوة الوظيفية منخفضة الوعي والعلم غائبة التصور والفكر فإسنادها الحضاري إلى مصادر ثَقَافَتِهَا منقطع بل وَمُنْعَدِمٌ ! ، فهي نخبة منبتة لا جذور لها في الداخل ، فتوجهت شطر المركز الذي صنعها فانتماؤها إليه ولو انتماء الوظيفية أقوى من انتمائها إلى الداخل ، فتلك النخبة التي رسخت الأخلاق التي يَنْتَقِدُهَا اللورد كرومر ، فما ترسخت إلا في ظل نخب مستغربة إِنْ نخبةَ محمد علي باشا الفرنسية أو النخبة البريطانية التي دخلت مصر بعد الثورة العرابية التي شن الإعلام الوظيفي الموجه ضدها حملة شرسة فهي سبب الفوضى التي يَقِفُ النظام ضدها وهو النظام الذي أدخلته بريطانيا ! ، فمع كل ما كان في الثورة العرابية من أخطاء إن في الفكرة أو في الحركة أو في الركون إلى النصيحة الفرنسية ألا يغلق عرابي قناة السويس أو يَرْدِمَهَا فَهِيَ ، لو تدبر الناظر ، سبب رئيس في احتلال مصر إن احتلالا مباشرا بالجيوش البريطانية التي دخلت مصر من شرقها فكان معبرها هو القناة ، أو آخر غير مباشر بما كان من شق قناة صيرت مصر محل أطماع عالمية فضلا أنها أفصت إلى ركود التجارة الداخلية وما كان من روافد لوظائفِ النقل الداخلي والتبادل البيني بين الوافد من الشرق عبر البحر الأحمر ، والتجار في الداخل فضلا عن محطة تبادل أخرى مع شمال المتوسط الذي يَتَبَادَلُ مع مصر التجارة تَبَادُلَ النِّدِّ للند قبل أن تسقط مصر في قبضة الاحتلال المركزي لا سيما الاحتلال البريطاني المباشر ، فمع كل ما تقدم من أخطاء إلا أن ثورة عرابي في أدنى أحوالها كانت ، كما يقول بعض الفضلاء ، ظاهرة سياسية وعسكرية تَنْطَلِقُ من الداخل مع ما أصاب الهوية المصرية من تَشَوُّهٍ فَهِيَ فِي أحسن أحوالها مشروع وطني غير تابع ، فضلا أن روحها لم تَزَلْ تحمل قِيَمَ الوحي فإن الوعاء الذي يخرج الكوادر التي التحقت بمؤسسات الدولة الحديثة هو الأزهر ، وهو ، مع ما أصابه من جمود وتقليد ، لم يزل يحكي روح الهوية الرسالية ، ولو في الجملة ، فالكوادر التي انضمت إلى ثورة عرابي كان أكثرها من خريجي الأزهر إذ لم يكن ثم تَعْلِيمٌ نظامي مستقر إلا الأزهر فالمدارس النظامية لَمَّا تَكْفِ بَعْدُ في سد الثغرة فكان لجوء الدولة العلمانية الحديثة اضطرارا ! إلى الأزهر الذي يخالف عن قيمها اللادينية وعرابي نفسه من خريجي الأزهر فكان يحكي ، ولو في الجملة ، قيم الأمة المصرية ذات الجذور الرسالية ، لا جرم كان الحط عليها واتهامها بالفوضى التي تضاد النظام ، فهو اتهام آخر للوحي ، ولو من طريق غير مباشرة ، أنه معدن الفوضى والاضطراب إذ لم يفرز في تلك الآونة إلا حركة عرابي المارقة ! .

    وإن صح اتهام عرابي أنه عدو النظام ! ، فلم يكن ذلك إلا النظام الوظيفي وإن كان ذا بِنْيَةٍ تحتية محكمة ، فإن الأمور بمقاصدها ، من وجه ، فلم يكن مقصد بريطانيا أن تَتَقَدَّمَ مصر وَتَتَحَدَّثَ إلا أنها جزء من أملاك الإمبراطورية البريطانية فهي تَلْعَبُ دور الطرف الذي يمد المركز بما يحتاج من الخامات ، والأمور ، من وجه آخر ، بمآلاتها ، فقد آلت الحال إلى ما يَرَى الناظر اليومَ من انهيار الأطراف بعد أن تسلمت النخب الوظيفية التابعة الحكم كوكيل حصري لمصالح المركز الأنجلوساكسوني في بلادٍ والفرانكفوني في أخرى ، فما ذكر اللورد كرومر من الأخلاق السلبية في مصر حق ولكنه ، من وجه آخر ، مما يراد به الباطل ، فَلَوْ رام كرومر نقل قيم الإنتاج البريطانية إبان العهد الفيكتوري المزدهر إلى مصر ، فلا يكون ذلك في ظل احتلال يقتل الفكرة والطموح فلا مبادرة لمهزوم ، وهو ما حرص عليه المركز إبان احتلاله الأطراف فما كان من مبادرة فمآلها الحرب إن خرجت عن سيطرة المحتل ، أو الاحتواء والتوظيف بما يملك المركز من أدوات الجذب والمكر ، كما يرى الناظر الآن في نَزِيفِ العقلِ في الأطراف فإن البيئة غير الحاضنة للمواهب والمبادرات ليست إلا نِتَاجَ الاستبداد الذي رعاه كرومر وَنُخَبُهُ ، فَأَفْرَزَ النخب الوظيفية التابعة التي فاقمت الحال فمن سيئ في ظل الاحتلال الخارجي إلى أسوأ في ظل الاحتلال الداخلي ! ، فمن صنع هذه النخب إلا كرومر الذي يَنْبِزُ مصر أنها غير مبدعة ولا مبادرة ، وهل ثم فاقد للحرية يبدع ويبتكر في مناخ استبداد لا يَرْعَى المواهب ولا يطلق المبادرات إلا مبادرات الدعاية السياسية بلا أساس محكم ، فهي صور جذابة بلا حقائق وراءها ، في مقابل ما يقدم المركز من مناخ حرية في البحث ورعاية للفكر وحفاظ على الملكيات الخاصة ، الفكرية والمادية ، فلا يخشى صاحب المبادرة المصادرةَ أو التأميمَ ، وإن كان ذلك محدودا كسائر قيم المركز فلا تجاوز الخط الأحمر الذي وضعته النخب المهيمنة على القرار الدولي ، فَعِنْدَهَا تضمحل منظومة القيم الرأسمالية وتكون الحرب الضروس على المنافس كما يظهر في الحروب التجارية فلا تَقِلُّ شراستها ، ولو على المستوى الفكري ، عن الحرب العسكرية المباشرة ، ومع ذلك فهامش الحرية في المركز يتيح للفارين من الأطراف بإبداعاتهم ومبادراتهم أن يَعْمَلُوا في مناخ أفضل ، وإن كان إنتاجهم آخر أمره إلى المركز الذي رَعَى وَأَنْفَقَ وَهَيَّأَ الظرف الملائم وتلك قسمة العدل فمن بذر وسقى وتعاهد فهو أحق بالثمرة بداهة ، فالمناخ في المركز ، كما يقول بعض الاقتصاديين ، قد أتاح لآحاد من الشباب أن يطلقوا مبادرات من قبيل محركات البحث ومواقع التوصل الاجتماعي على ما وراءها من أهداف سياسية واجتماعية بعيدة المدى ، فثم مناخ أتاح للشباب أن يطرحوا أفكارهم ومبادراتهم في سوق ذات ضوابط فهي تَرْعَى المواهب وتحفظ حقها فلا تصادر ولا تُؤَمِّمُ إلا في أضيق الحدود الرسمية طبقا لمعطيات النظرية الرأسمالية لا سيما نسختها الليبرالية ، وأما خارج هذه الحدود فالنخب المهيمنة تصنع ما تشاء فلا قيد يحكمها إن تعلق الأمر بمصالحها المباشرة ، فَفِي المركز على أقل تقدير ! ، هامش حرية في الإبداع والإنتاج ، وأما في الأطراف فلا هامش إذ المناخ طَارِدٌ لكل فكرة ومبادرة بل قد يجرمها فَيُعَاقِبُ من أبدع إذ اجترأ فَفَكَّرَ خارج الصندوق المحكم ، صندوق الاستبداد القاتل للمواهب ، الطامحِ في المكاسب العاجلة لا استنادا إلى كفاءة وكفاية وإنما استعمالا للصلاحيات التنفيذية في تحقيق مكاسب مباشرة تعكس ضيق الأفق فلا يرى صاحبها ما يجاوز يومه من كسب عاجل ، ولو أفضى إلى خراب آجل ، فضلا أن يُعَجَّلَ الخراب بشوم الظلم والاستبداد ، فكل أولئك مما روج له كرومر وغيره أنه طبائع المصريين ، وقد صدق من وجه ، ولكنه كذب من وجوه إذ زعم أن الاحتلال قد جاء يخلص البلاد من هذه الطبائع ولئن صدق أخرى في جزء لا كُلٍّ فَلَئِنْ صَحَّ أنه جاء يصنع ذلك لِيُخْرِجَ البلاد من الفوضى فلم يكن يروم إلا تأطيرها في منظومات عمل محكمة تطلق طافة الفرد الإنتاجية لا انطلاقا من استقلال في النظرية وإنما تكريسا للتبعية المركزية ، فالأطراف ، كما تقدم مرارا ، خودام المركز وخطوط إمداده بالخامات ، فكان تركيزه وتركيز غيره على ظواهر تحكى فوضى فكرية واجتماعية ليست إلا نِتَاجَ استبداد تجذر من لدن الباشا محمد علي فأفرز نخبا ضعيفة خاملة فلا يفرز الاستبداد غيرها ، فَرَصَدَ كما يعنون صاحب "استعمار مصر" : "الضوضاء والفوضى" ! ، فقد تضاعف عدد المقاهي والبارات وصالات القمار أكثر من ثلاثة أضعاف ! ، وذلك ، بداهة ، يعكس أزمة أخلاق وأزمة مجتمع يَفْتَقِرُ إلى المشروع الجامع ، حقيقة لا وهما ، فلا يكون ذلك إلا انطلاقا من روح ثقافته التي تحرره من التبعية فلا أمة تنهض وقد استعارت من غيرها مشروع نهضة لا يأرز إلى مصادرها الأصلية ، فيعكس روحا لا تبادر في مجتمعات كسولة خاملة قد انتشرت فيها الأمراض الاجتماعية ، ولها يضرب الباحث آنف الذكر المثال بِإِدمان الخمور والمخدرات فذلك جزء من ضعف عام في الإرادة يلحق الأذى بالبنية الاجتماعية فلا يزدهر ذلك إلا في اللحظات الاستثنائية ، اللحضات الحضارية الحرجة التي تشكو فيها الجماعة من فساد الفكرة وخمول الحركة فَثَمَّ أزمة ثقافة ومرجع قبل أن تكون أزمة آلة ومصنع ، فلا بد لحركته من فكرة تَسْبِقُ فَهِيَ التصور الذي يسبق الحكم إذ الحكم على الشيء ، كما يقول أهل الشأن ، فرع عن تصوره ، وجاء آخر وهو المفكر الفرنسي "دوك داركور" ، جاء يُنَوِّهُ بجمل من السمات السلبية للمصريين فثم الأخلاق الخانعة ، وهل رسخها في المصريين إلا رجلهم المخلص محمد علي باشا المبدِع ؟! ، وثم التبلد تجاه الألم ، وذلك ، أيضا ، من إفرازات الاستبداد ، فقد اعتاد الفرد فيه الهوان فلم يعد ثَمَّ شعور بألم ، كما يحكي أبو الطيب في بيته المشهور :
    مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ ******* ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ .

    وثم فساد وعدم نزاهة وسبات ذهني فلا إبداع فتلك من الأخلاق التي تَنْشَأُ فَرْعًا عن بيروقراطية تابعة للخارج ، كما يرى الناظر الآن فيما آلت إليه الحال في مصر ، محل الشاهد ، فهل كان ذلك ، أيضا ، إلا وللمركز فيه دور فاعل ؟! وإن لم يحسن إلقاءُ التبعةِ كُلِّهَا عليه وتبرئة الذمة ، فلم يكن الشرق آنذاك محل التهمة ! ، بل كان محل تهمة أولى بما فشا فيه من الجمود والتقليد فخمدت الفكرة والحركة وهو ما أعطى القوى المستغرِبة الذريعة أن تَتَّجِهُ نحو الغرب بل وَتُرَدِّدَ دعايته الكاذبة وهي التي استعملها اللورد كرومر البريطاني والدوك داركور الفرنسي ، فأجمع الأنجلوساكسوني والفرانكفوني اللاتيني أن سبب تخلف الشرق هو استمساكه بالوحي ! ، فالإسلام قد صنع بيئة الاستبداد الخانقة لأي فكرة ! ، وهو الذي أرشد العقول أن تتدبر وتتفكر في الآي المحكم : الشرعي والكوني ، فكانت هذه الدعاية التي انطلت على فئام من المهزومين حضاريا في الأطراف ! ، فَرَأَوا في الغرب مثال التهذيب والانضباط ، وفي الشرق مثال الفوضى وسيئ الأخلاق ! ، فلا بد من استيراد المثال الغربي في الفكرة والسلطة فلا يقتصر ذلك على استيراد ما ينفع من تقنية الإنتاج فليس يحتاج صاحب الحضارة المستقلة أكثر من ذلك ، فعنده من رصيد الثقافة ما يُغْنِيهِ عن تسول الفتات من موائد الخصوم ، فلم يظفر إلا بما يشوه ذاته الحضارية مع تَوَافِهِ التكنولوجيا الاستهلاكية دون إبداع يجاوز حد الاستعمال إلى الابتكار والإنتاج ولو محاكاة مبدأ الأمر حتى تحصل ملكة الاستقلال في التطوير والتحديث فلا يكون ذلك إلا وقد تحررت الفكرة والإرادة السياسية ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، جوهر الإشكال في الشرق في مثال السلطة المعاصر فلا يملك استقلالا أول في الفكرة ولا آخر يَتْلُو في الإرادة والحركة فهو تابع وظيفي لا أكثر على تفاوت في درجة التبعية فلا يخرج عن الاسم العام : اسم التبعية المطلق وإن كانت على أنحاء .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:09-11-2019
    الساعة:06:47 AM

    المشاركات
    4,884
    العمر
    41

    فَثَمَّ في هذا المثال الهرمي : تمايز تام بين المجتمع والسلطة ، فالسلطة كيان منفصل مُسْتَعْلٍ ، وهو كيان يمارس السيادة انطلاقا من نظرية الرق التي قامت عليها الإمبراطورية الأمريكية مَطْلَعَ أمرها ، كما يُقِرُّ بَعْضُ قَرَاصِنَتِهَا الاقتصاديين في مُصَنَّفٍ مَشْهُورٍ يُشْبِهُ أن يكون سيرة ذاتية خاصة ، فأصحاب المزارع من البيض قد استجلبوا الخدم والرقيق من الأطراف ليحرثوا أرض المركز ، وهو ما يحصل اليوم أيضا ، فَثَمَّ استجلاب للعقول الخادمة للإمبراطورية الأمريكية الحاكمة بما توفر من فُرَصِ الحياة والبحث ، فَالرِّقُ الآن ألطف وأرق إذ المستَرَقُّ يدخل اختيارا فَثَمَّ هندسة محكمة للأطراف بما فَشَا فِيهَا من استبداد متعمَّد فهو ، من وجه ، يَئِدُ أي حركة إصلاحية لا سيما إن كانت بَوَاعِثُهَا رسالية ، وهو ، من آخر ، يصنع بيئة استراتيجية طاردة للعقول والمواهب فهي تَفِرُّ من نيران الأطراف إلى جنان المركز حيث الغنى والرفاه وتحقيق الأحلام ، فكان من استعلاء السلطة البيضاء التي استجلبت الرقيق الأسود والملون ليحرث أرض الإمبراطورية الناشئة فَثَمَّ ، كما يقول بعض الباحثين ، هَرَمٌ اجتماعي يَرْفُضُ الرق نظريا ويمارسه عمليا إن رقا مباشرا أو آخر غير مباشر فهو الرق الماكر الذي يرى الناظر اليوم آثاره في الإمبراطوريات الرأسمالية الصناعية فهي وارثة نظائرها الزراعية ، فالفكرة والأيديولوجيا واحدة وإن اختلفت الأدوات من محراث الزراعة إلى ماكينة الصناعة ، فالنظام الرأسمالي بطبيعته نظام هرمي تستأثر قمته الحاكمة بمعظم المكاسب ، فَتَتَرَاكَمُ الثروة والنفوذ في قمة الهرم في مقابل القاعدة التي تعمل في مزارع السادة قديما ومصانعهم حديثا ، فلا بد لاستمرار النظرية الرأسمالية في العمل ، لا بد من اعتماد نظام الرق حلا والحفاظ عليه أبدا كما قال أحد الآباء المؤسسين لأمريكا ، وهو توماس جيفرسون ، فالرق ضرورة لا غنى عنها وانهيار نظامه يؤدي إلى فوضى اجتماعية واقتصادية فإذا تحرر الرقيق من عبودية صاحب المزرعة وصاحب المصنع ، فمن يقوم بالعمل الشاق بأقل تكلفة على وجه يحقق أعلى الرباح للنخبة المالكة التي تشارك النخبة الحاكمة صناعة المثال السياسي والاقتصادي الخادم للأيديولوجيا الرأسمالية ، فذلك ، كما يقول الباحث آنف الذكر ، ذلك تَرْتِيبٌ هرمي محكم ذو قيود صلبة صارمة ، فَثَمَّ حفنة قليلة من الملاك يقبعون أعلى القمة ، وثم قاعدة مِنْ جيش ضخم مِنَ العمال يمكن تصنيفهم كعبيد وإن في نظام أكثر لياقة ولباقة فَهْوَ يُقَدِّمُ المزايا التي تجعل الإنسان يدخل في رِقِّهِ اختيارا ومن أبى فَثَمَّ أوراق ضغط سياسي وعسكري واقتصادي ...... إلخ ، وإن تأخرت الورقة العسكرية في الأمثلة المعاصرة فهي آخر الدواء فَقَبْلَهَا أدوية أخرى ناجعة قد أثبتت فعالية كبيرة في حسم الأمر دون حاجة إلى الغزو ، الغزو العسكري المباشر ، فما تُنْجِزُهُ الكلمة والفكرة فَلَيْسَ ثَمَّ حاجة إلى الرصاصة والمدفع ، وما يُنْجِزُهُ مدفع صغير فليس ثم حاجة إلى آخر كبير جريا على نظرية معاوية ، رضي الله عنه ، فما يُجْزِئُ فيه اللفظ فلا حاجة إلى السوط ، فلا يضع سوطه حيث يجزئ لسانه ، وما يجزئ فيه السوط فلا حاجة فيه إلى السيف فلا يضع سيفه حيث يجزئ سوطه ، ولها حظ من الوجاهة فالسياسة هي : الاقتصادُ في القوة فلا تستخدم إلا ضرورة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا فَكُلَّمَا كان السياسي أنجح كان استخدامه للقوة أقل ، وكلما كان أفشل كان إفراطه في استخدام القوة فلا يملك من حلول السياسة التي لا يجيدها إلا مَنْ رَفَقَ بالناس فَطَالَ صبره واتسع صدره ولو انطلاقا من نظرية براجماتية فكيف إن كانت السياسة تأرز إلى نظرية الوحي المحكمة ، وهي ، كما يقول أهل الشأن من المصنفين في النبوات وَسِيَرِ أصحابها ، عليهم السلام جميعا ، هي من جملة ما عُلِّلَ به احترافهم جميعا رعي الغنم فَفِي رعايتها مع كثرة العدد وضعف العقل وتفرق الجمع في المرعى وهو يجهد صاحبه أن يجمع الشتات فلا بد من صبر وأناة ، فَفِي رعايتها ما لا يكون إلا لمن اتَّسَعَ صدره فلا يزيدها العنف إلا نفورا وشتاتا فلا بد من التَّرَفُّقِ في الجمع والرعاية مع الاقتصاد في العنف والزجر وذلك ، لو تدبر الناظر ، حد السياسة .
    فنظام الرق الآن ، وهو محل الشاهد ، قد تَطَوَّرَ وصار أكثر لباقة ، وذلك ما وصفه المصنف آنف الذكر أنه الكوربوقراطية أو نظام الشركة المركزية ذات النخبة القليلة التي قررت السيطرة على كوكب الأرض ! ، فما يمارس من إصلاح اقتصادي في الأطراف تَنْفِيذًا لتعليمات الجهات المركزية المقرِضة ، قد يسهم في زيادة الثروة رَقَمًا ، لا إِنْتَاجًا يحرر الأطراف من هيمنة المركز أن تَسْتَقِلَّ بإنتاج ما تحتاج فَغَايَتُهُ اقتصاد ذو طبيعة استهلاكية أو خدمية في أحسن الأحوال دون وجود قاعدة محكمة في القطاعات الاستراتيجية كالصناعة والزراعة وما يَرْفِدُهُمَا من البحث العلمي المبتكِر الذي يجاوز حد التَّلْقِينِ والتكرار دون قيمة علمية مضافة كما الحال في معاهد الدرس والبحث في الأطراف التي لا تجاوز في أحسن أحوالها مراحل التعليم الأساسي في دول المركز ، وَلَا عدالة في التوزيع ولو لثروة ورقية غير منتِجة ، فمآل هذا الإصلاح أن يَزْدَادَ هذا الهرم السياسي الاقتصادي تماسكا وصلابة ، فمن يَتَرَبَّعُ على قِمَّتِهِ يَزْدَادُ غنى ونفوذا ، والقاعدة ، في المقابل ، تَزْدَادُ فَقْرًا وضعفا فَتَرْضَى بما تُلْقِي إليها النخبة من فتات الأجر ، وهو ما يفاقم الأوضاع في الأطراف فهي تموج بالأمراض الاجتماعية والصحية ...... إلخ بما سلب من ثرواتها وبما استعمل عليها من نخب وظيفية لا تَنْتَمِي إليها إلا صورة بلا حقيقة ، فلا فكرة تجمع وإن خَرَجَا من نفس المنشإِ ، وانظر في إشكالات رئيسة في مجتمعات الأطراف التي ازدادت توحشا فصارت تُقَارِفُ من الجرائم ما يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لتفاوت أحوالها في التردي والانهيار حتى بلغت الحال حد الاسترقاق والبيع ، بيع الأحرار وأكل أثمانهم ، بل واستثمار الحرائر في أعمال السخرة والبغاء كما ترصد بعض الوثائقيات من موجات الهجرة المتدفقة من جنوب الصحراء ، فثم هجرة إلى الشمال الإفريقي رغبة في الجواز إلى البر الأوروبي ، وأثناء هذه الرحلة تجري أعمال الخطف والاسترقاق والاستغلال في أعمال السخرة والبغاء ..... إلخ مع أن أولئك قد خرجوا من بلاد غنية بالموارد الطبيعية ، ولكنها تفتقر إلى القوة التي تحمي بها ثرواتها فقد أصبحت ، كما يقول بعض الفضلاء ، وبالا عليها فثروة بلا قوة تحميها هي المصيبة التي تجعل صاحبها مطمع كل ناهب وسارق ، وتفتقر إلى آلة الإنتاج التي تستثمر بِهَا هذه الخامات ، وهو ما كَرَّسَهُ المركز من واقع التَّفَاوُتِ الكبير في القوة وفي التقنية ليضمن السيطرة طويلةَ المدى على الأطراف بِإِضْعَافِهَا وَتَجْهِيلِهَا ، فتلك نظرية إقطاعية رأسمالية تشكل نواة النظام الدولي المعاصر لا سيما مع تعاظم نفوذ القطب الأوحد الذي امتلك ترسانة السلاح الأقوى ونشر قواته على مدى جغرافي واسع ، نحو 750 قاعدة عسكرية في 130 دولة ، فَرُقْعَتُهُ الجيوعسكرية رقعة واسعة قد ضمن بها الهيمنة على الأطراف بل وبقية دول المركز بوصفه رأس الإمبراطورية الرأسمالية ، فإنها وَإِنْ في المركز لا تخلو من ظاهرة الهرمية ، محل الشاهد ، فالمركز الرأسمالي في نفسه على درجات فَثَمَّ قمة تحتلها أمريكا فهي عاصمة الإمبراطورية الجامعة ، التي أقامت بنيانها جريا على النظرية آنفة الذكر : نظرية سيطرة المركز القوي الذي لا يملك موراد طبيعية وإن امتلك القوة العسكرية والتكنولوجية ، سيطرته على الأطراف التي تمتلك الموارد الطبيعية ولا تمتلك القوة لتدفع ولا التقنية لتصنع فهي سبب ما حاق بالأطراف من أمراض اجتماعية وصحية ..... إلخ ، على وجه ألجأ شباب الجنوبِ الغنيِّ بموارده الفقيرِ بكوادره المدربة التدريبَ الحديث الذي يؤهلها للاستفادة من ثرواتها على الوجه الأمثل ، على وجه ألجأ أولئك أن يخاطروا بحياتهم في رحلة هجرة مبدؤها في الصحراء ومنتهاها في الماء ، فمن الصحراء الإفريقية الكبرى إلى الشمال مجازفة بِرُكُوبِ مياه المتوسط عَلَّهَا تلقي بهم على الضفة الأخرى شمال المتوسط ، فهي رحلة المجازفة بالحرية والحياة ، فكم يَكْتَنِفُهَا من مخاطر وَكَمْ تَؤُولُ إلى مصائب من قتل أو سرقة أو اغتصاب أو اختطاف وَبَيْعٍ يُصَيِّرُ الحرَّ عبدًا ! ، فسيده يستثمر فيه استثمار المركزِ في الأطراف التي فَرَّ منها ، فهو استثمار الاستنزاف لا الاستصلاح سعيا في تحقيق أكبر عائد بأقل تكلفة ، فذلك ، كما يقول بعض المختصين ، عنوان آخر من عناوين النظام الرأسمالي الذي رَدَّ الناس إلى زمن الرق الأول وإن زعم أنه نظام الحرية في العمل والتَّنَقُّلِ ........ إلخ ، فَتَسَبَّبَ في جُمَلٍ من الأمراض النفسية المزمنة في الأطراف ، وانظر في حكايات من احترف حِرَفَ الاقتصاد الأسود كتجارة الرقيق الأبيض والأسود طلبا لِلَذَّةٍ تَطْرَأُ ، وتجارة المخدرات ، وتجارة الأعضاء ...... إلخ ، فتلك تجارات تزدهر في المجتمعات المنهارة التي تَصَدَّعَ بُنْيَانُهَا المادي والمعنوي ، وغالبا ما يدفع المجتمع ، وهو قاعدة الهرم ، غالبا ما يدفع القسط الأكبر من الثمن ، فهو أضعف أجزاء الهرم ، وغالبا ما يكون ذلك تحت سمع وبصر السلطة التي استأثرت بأجهزة الدولة الحاكمة فَوَظَّفَتْهَا لتحقيق مآربها الخاصة سواء أكانت وزارات سيادية أو أخرى خدمية ، واضرب له المثل بتجارة الأعضاء ، فهي شبكات كشبكات التهريب والدعارة ، فذلك عمل جماعي لا يقوم به واحد ولا يطيقه أَفْرَادٌ بل لا بد من نظام هرمي محكم ، يجاوز الشبكة الدُّنْيَا التي تباشر العمل جراحة واستئصالا ، وما يسبقها من سمسرة ومساومة في السعر ، وتحاليل تضمن سلامة العضو المباع لئلا يكون ثم غش أو تَدْلِيسٌ في السلعة ! ، فَبَعْدَ ذلك لا بد من تَرَاتُبٍ هرمي يَنْتَهِي إسناده في الغالب إلى المنصب السيادي الأعلى فهو الراعي الرسمي لهذه السوق الاقتصادية السوداء ، فلا أحد يتجر فيها إلا وله منها حظ ولو عمولةَ غَضِّ الطرف فضلا أن يكون شريكا فاعلا فهو يسهل مرور البضاعة إلى الخارج فتجارة الأعضاء ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الصحفيين ، ليست من أعمال النشل في وسائل المواصلات العامة ، فليست الْكُلْيَةُ أو الكبد حافظة نقود في الجيب الخلفي ، فلا بد من إجراءات محكمة تحت رعاية جهة سيادية مُتَنَفِّذَةٍ ، ولا بد أن تكون مع ذلك خائنة على تفاوت في خيانتها فهي تابعة للمركز أو مَنْ يَدْفَعُ أكثر إذ لا تُعَظِّمُ إلا الربح المادي المباشر الذي يُتَرْجَمُ في هذا العصر إلى أوراق النقد ، فَغَايَتُهَا تحصيل أكبر رقم من الثروة والاستمتاع بِأَوْفَرِ قِسْطٍ من اللذة المادية لا جرم إذا فَتَّشْتَ في الأصول وجدت ما يهول فَثَمَّ نفوس نشأت على أكل السحت ولو حقيرا ، فَثَمَّ ، على سبيل المثال المعاصر في نخب الجند الوظيفي التابع ، ثَمَّ من نشأ على الاختلاس من عهدة التعيين ، أو الاتجارِ في مواد غذائية رديئة في سجن أو وحدة عسكرية استثمارا لرداءة الأطعمة الرسمية ! واستنزافا لمدخرات النزلاء والجند ، برفع الأسعار وعدم توافر البديل الآدمي ، وإن كان ما يَبَيِعُ هو أيضا مِنْ غير الآدمي أو مِنَ المتوافر بأسعار مناسبة فيبالغ في الثمن على وجه يُبِينُ عن ماهية النفس الوضيعة فما ظنك به إن ولي منصب سيادة فصار رأسا لهرم في سياسة أو حرب ، فلا يَصِلُ في الغالب إلا بالخيانة والغدر ومن يختاره ممن يَصْطَفِيهِ وإن شئت الدقة فقل يَشْتَرِيهِ فهو من جملة الرقيق الذي يشتريه المركز من الأطراف ، مَنْ يَشْتَرِيهِ فلا يَشْتَرِيهِ بداهة إلا والعصا معه فهو عبد لئيم يصدق فيه ، كما تقدم مرارا ، قول أبي الطيب :
    لا تشتـر العبـد إلا والعصا معـه ******* إن العبيـد لأنـجاس مناكيــد .
    فلا بد من مُسْتَمْسَكَاتٍ تَزْجُرُهُ إن رام غدرا أو خيانة ، فَمَنْشَأُ اختياره الخيانة ومن اختاره لم يختره ، بداهة ، ليكون خالدا يوم اليرموك ، فلم يختره قائدا وإنما اختاره خائنا تابعا ، فلا بد أن يختاره من الدرجة السفلى فلا يختاره من السَّافِلَةِ فهو من قعر سلة المهملات يستنبط ، فليس من القاذورات التي تطفو على السطح بل لا بد أن يكون من القعر ، وهو مع ذلك عقوبة من الرب الحكيم المهيمِن ، جل وعلا ، فيكون في أحيان كثيرة بعد سَعَةٍ وَنِعْمَةٍ لا يَقْدُرُهَا الناس حق القدر ، ولو لم تكن المثلى إلا أنها خير يستوجب الصيانة والحمد ، فلا يكون إلا التفريط والجحد ، فيصدق فيهم أنهم من القرية التي بطرت معيشتها ، فـ : (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) ، فهم كأهل سبأ إذ بطروا النعمة فـ : (قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) ، فكان من الجزاء البلاء بعد النعمة ، فـ : (جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) ، وذلك قانون يطرد فما ابْتُدِئَ قوم بنعمة فَرَدُّوهَا إلا وَكُوفِئُوا بنقمة أشد ، فكان من الابتلاء ما هو أسوأ فقد جاءتهم السعة فَأَبَوا إلا الضيق فجزاهم الله ، جل وعلا ، بما طلبوا ولا يظلم ربك أحدا .
    فالجهة السيادية المتنفذة في الأطراف هي الوكيل الحصري للمركز في انْتِهَابِ ثروات الأطراف وإدارته إدارة الاقتصاد الأسود ، وذلك أمر يَتَكَرَّرُ في كل تجارة سوداء تَزْدَهِرُ في دول العالم الثالث المتخلفة فهي سوق التوريد فمنها يُوَرَّدُ الرقيق الأبيض والأسود إما طَلَبًا لِلَذَّةٍ في الشمال الغني ، الأوروبي والأمريكي ، بل الشطر الأوروبي الشرقي وإن انْتَمَى إلى الشمال اسما فهو يَنْتَمِي إلى الجنوب الفقير المتخلف مسمى فهو ، أيضا ، مركز توريد لهذه البضاعة البشرية ، فَيُوَرَّدُ الرقيق من الأطراف إلى المركز إما طلبا لِلَذَّةٍ أو سَدًّا لحاجات الشمال من الأيدي العاملة الرخيصة التي تُبَاشِرُ الأعمال الشاقة فَتَصْنِيفُهَا أنها العمالة غير الذكية ، فإما أن تُسْتَثْمَرَ طاقتها في أعمال شاقة لا تَفْتَقِرُ إلى مهارة ، وإما أن تُدَرَّبَ لِتَكْتَسِبَ المهارة وتسد الحاجة ، والمثل المشهور الآن هو ألمانيا التي تستقبل المهاجرين بكثافة سدا لحاجاتها البشرية وَالْعُمَّالِيَّةِ فَتُعِيدُ تأهيلهم وفق برامج محكمة ليدخلوا سوق العمل الألماني الذي يستوجب قدرا كبيرا من المهارة .
    فالجنوب الأسود والملون وهو الفقير هو قاعدة الهرم العالمي الذي يقبع على قمته الشمال الأبيض وهو الغني ، فمن يدفع فاتورة رفاهه هو الجنوب الذي يشكو الجهل والفقر والمرض والاستبداد وغياب الرؤية والاستراتيجية لا أنه عاجز عن التفكير والتخطيط وإنما هو مُكَبَّلٌ بنخب حاكمة هي قمة هرم آخر في الداخل ، فهي تحكم الجنوب نِيَابَةً عن الشمال نظير ما تقبض من عمولات السياسة والمال فالمركز يضمن بقاءها في سدة الحكم ، والمركز يقسم لها من غنيمة البلاد المسروقة ، فهي نخبة القمع والحراسة : قمع المجتمعات في الأطراف أن تُطَالِبَ بحقها في الحياة والثروة فذلك ما قد يُضَيِّقُ على الصفوة في المركز إذ تحوز الشعوب في الأطراف حَقَّهَا فلا يكون ذلك إلا خصما من الثروة المسروقة التي يَسْتَنْزِفُهَا المركزُ من الأطراف خاماتٍ قد احْتَكَرَ ، كما تقدم ، تكنولوجيا معالجتها وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة ، فلا بد من قمع هذه الشعوب وذلك ما يكون بالحرب المباشرة وذلك عصر قد وَلَّى وإن لم يختف ، فلا زال ثم خيار عسكري مباشِر ولكنه ليس الأول كما كانت الحال في الاستعمار الكلاسيكي القديم ، فثم الآن استعمار بالوكالة تباشره نخب الفكر والسياسة التي تُشَوِّهُ العقل وتحكم بالجور ، فلا تصون الثوابت الأيديولوجية والأخلاقية ، ولا تعدل في قضية ولا تَقْسِمُ بِسَوِيَّةٍ ، فهي ، كما تقدم ، نخب القمع والحراسة : قمع المجتمعات وحراسة مصالح المركز في الأطراف ، فذلك رأس هرم آخر في الداخل يضاهي رأس الهرم الخارجي : المركز بمؤسساته السياسية والاقتصادية .... إلخ ، فما النظام السياسي المحلي إلا صورة مصغرة من مثال قياسي وهو النظام السياسي الدولي ، وكما تظهر الأمراض العقلية والاجتماعية والصحية ...... إلخ ، كما تظهر في الأطراف من جراء هذه السياسة الجائرة فهي تظهر في المركز الغني المترَف الذي لم يحقق السعادة المنشودة ، بل كان من عاجل العقوبة أن فشت فيه ، أيضا ، الأمراض الاجتماعية والنفسانية ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، وربما كانت أمراضه أشد فَتْكًا ، كما يقول بعض الباحثين وهو من أبناء المركز بل وَمِنْ صُنَّاعِ هذه السياسة الجائرة فلم يخل من نوبة صدق ! أبان فيها عن حقيقة الأمر ، فالحضارات الغنية في تاريخ الإنسانية تُبْتَلَى بأعلى نسب الانتحار والإيذاء الجسدي المتسبَّب عن المخدرات والعنف .

    ومناط الأمر : نخبة رأسمالية محلية أو دولية تصوغ تسلطها في قَوَانِينَ ومراسيم ومبادئ حاكمة ، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب ، فظاهرها الحرية والإخاء والمساواة ..... إلخ من الشعارات المستهلَكة وباطنها العبودية والنظرة الدونية للآخر ، واضرب له المثل بمبدأ الرئيس الأمريكي جيمس مونرو 1823 ، مبدأ ارفعوا أيديكم عن العالم الجديد ، فيخاطب أوروبا فهي مرجع الضمير في "ارفعوا" ، والعالم الجديد هو أمريكا بشطريها الشمالي الأنجلوساكسوني والجنوبي اللاتيني ، فظاهر المبدأ الرغبة في الحرية والاستقلال وتقليص النفوذ الاستعماري الأوروبي في الشطر الغربي من الكرة الأرضية ، وله باطن أول وهو رغبة أمريكا في الانعزال المؤقت حتى تصنع قوتها الذاتية بمعزل عن أي مؤثرات خارجية تحقيقا لاستراتيجية طويلة المدى تُفْضِي إلى نشوء إمبراطورية جديدة تَرِثُ الإمبراطوريات الأوروبية القديمة لا سيما البريطانية والفرنسية والإسبانية التي كانت تملك نفوذا كبيرا في الجوار الأمريكي : في الكاريبي وأمريكا الوسطى ونظيرتها الجنوبية ، وثم باطن ثان وهو الأخطر ، فهو ، كما يقول بعض الباحثين ، يُكَرِّسُ حَقَّ أمريكا أن تغزو أمريكا الوسطى والجنوبية إذا ما رأت في ذلك ما يحقق مصالحها الذاتية ويكاد هذا المبدأ يكون أصل كل تدخل أمريكي سافر في جمهوريات أمريكا الوسطى كجواتيمالا التي وقع فيها الانقلاب تحقيقا لمآرب شركة الفواكه الكبرى في أمريكا والتي كانت تحتكر المزارع في جواتيمالا فلما جاء نظام وطني يروم استعادة الحق المغتصب كان الانقلاب 1954 الذي حرضت عليه الشركة وخططت له وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ونفذته النخبة المحلية المستبدة في جواتيمالا ، فتلك ترجمة دقيقة للنظرية الرأسمالية التي تحرك أجهزة الاستخبارات وتمول مراكز الأبحاث وَتُؤَثِّرُ في صناعة القرار ، فيكون الضوء الأخضر في المركز ولا بد من نخبة في الداخل تُنَفِّذُ فيكاد هذا السيناريو يَتَكَرَّرُ في كل انقلاب أمريكي ناعم أو خشن ! ، لا سيما في أمريكا الوسطى والجنوبية فذلك ما كان في جواتيمالا وبنما فضلا عن التدخلات في نيكاراجوا ، وفي الجنوب كانت انقلابات البرازيل وتشيلي والأرجنتين والإكوادور ..... إلخ ، وهي انقلابات خشنة فضلا عن أخرى ناعمة كانقلاب البرازيل الأخير إذ وصل اليمين الموالي للرأسمالية الأمريكية ، وصل إلى سدة الحكم بعد إنهاء حكم اليسار الذي استمر 15 سنة أو يزيد ، فانتهى بإلقاء رئيس ورئيسة في السجن ! ، وإن بطريقة قانونية ناعمة فضلا عن الاقتراع السياسي الشفاف ! الذي أوصل الرئيس اليميني الحالي إذ نجح في العزف على وتر الأمن فهو الجنرال القوي الذي سَيُعِيدُ للبلاد الأمن الذي افتقدته ، فتصبح خيرا من سوريا والعراق ! ، لا سيما وهي من البلاد ذات المعدلات العالية في الجريمة ، فاختاره الناس اختيارا حُرًّا من الناحية الإجرائية ولكنه موجه بآلة إعلامية صَنَعَتِ العقل الجمعي الخائف الذي يَنْتَظِرُ الجنرال القوي الصارم ليدخل في رِقِّهِ طوعا ويضحي بحريته رجاءَ الأمن ولو في كنف نظام تابع يكرس هيمنة المركز على بلد خَرَجَتْ عن طوعه ، ولو حِينًا ، وحققت نتائج اقتصادية واجتماعية جيدة فاستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير ، فكان من العقاب الناجز ، لو تدبر الناظر ، ما يجري الآن في غابات الأمازون من حريق والنظام فيه متهم رَئِيسٌ فِي ظِلِّ ما يَتَرَدَّدُ من أَنْبَاءٍ ، والله أعلم بالصحة أو الكذب ، أنه يَنُوبُ عن المركز في محاولة السيطرة على ثروات تَقْبَعُ تحت أرضِ الأمازون ولو أُحْرِقَ بِمَنْ فِيهِ ! ، فكل أولئك ، لو تدبر الناظر ، من مخرجات مبدأ مونرو الذي توسع فيه من توسع من رءوساء أمريكا التالين ، فكان التوسع الثاني في أمريكا الشمالية ونظيرتها الجنوبية نهاية الحرب العالمية الثانية إبان حكم الرئيس فرانكلين روزفلت ، ثم كان التوسع الأكبر فقد صار هذا المبدأ عالميا بعد أن كان إقليميا ، فانتقل من شطر الكرة الأرضية الغربي إلى العالم كله مع انتقال أمريكا من قوة إقليمية إلى أخرى عالمية فصار ذريعة لأي تدخل أمريكي سافر في العالم كله لا في شطره الغربي فقط ، وهو ما اتخذ عناوين عدة تَتَغَيَّرُ تَبَعًا لِتَغَيُّرِ الحال ، فكان العنوان في الشطر الثاني من القرن الماضي : مكافحة الشيوعية ، وصار اليوم مكافحة الأصولية الإسلامية ولكلِّ مرحلة عنوان يلائمها وعدو يناسبها ، والنخبة في المركز هي من يضع العنوان بما لها من نفوذ في السياسة والحرب والاقتصاد والإعلام ، فهي النخبة القائدة التي تصنع أخرى تابعة في الأطراف ليس لها دور إلا الإنفاذ مع هامش مناورة يَتَّسِعُ تارة وَيَضِيقُ أخرى ، ولكنه لا يخرج عن السيناريو الرئيس الذي تحركه بواعث الشح والأنانية ، وتلك بواعث كل نخبة مستبدة إن في المركز أو في الأطراف ، فإن المجتمعات في المركز قد يؤلمها ما تَرَى من حروب ودماء وانتهاكات في الأطراف فهي تُلَامِسُ بَقَايَا الفطرة الآدمية فيها فقد تَتَأَثَّرُ وقد تَذْرِفُ الدمع وتمارس الإنكار والشجب .... إلخ ، مع هامش حرية أوسع ونطاق عَمَلٍ أهلي أرحب ، ولكن كل أولئك ليس إلا وسائل لتفريغ الشحنة العاطفية كما الحال في التظاهرات السياسية التي تَغْلِبُ فيها العاطفةُ الفكرةَ ، فضلا أن الأمريكي أو الأوروبي بعد أن يَتَفَاعَلَ مع المأساة التي تَسَبَّبَتْ فيها بلاده ، فَيُجَاوِزَ حَدَّ التعاطف إلى المطالب ، فالنخبة في المركز مباشرة تذكره أن ما يطلب من العدل والإنصاف في الأطراف قد يُفْضِي إلى ضيق في معاشه ! ، فهو ، كما يقول بعض الباحثين في الشأن الاقتصادي الانْتِهَازِيِّ ، فهو يعتمد في حياته بشكل مباشر أو غير مباشر على استغلال الشعوب النامية في الأطراف بما يستنزف من مواردها الطبيعية ويستجلب من عمالتها الرخيصة ، فهل يطيق الاستغناء عن هامش رفاه فضلا أن يَرُدَّ الحق المنتهب كله ؟! ، وهو الذي يثور ويضج بالشكوى مع أي ارتفاع طفيف في أسعار الوقود واضرب له المثل القريب المشهود بِتَظَاهُرَاتِ السترات الصفراء في فرنسا أُمِّ الحريات ! ، فَقَدْ ثَارَ الناس احتجاجا على زيادة أسعار المحروقات ، ولا يخلو تظاهرهم من رأي معتبر إذ يشكون كما الأطراف من تَسَلُّطِ النخبة المركزية الحاكمة في مثال رأسمالي نيوليبرالي ذي ميول يمينية وإن لم تكن صريحة ، ولكن هذا الشعب هو نفس الشعب الذي يعلم أن 85% من ثروة غرب إفريقيا ، أو إفريقيا الفرنسية كما يسمونها ، أَنَّهَا تقبع في أقبية البنك المركزي الفرنسي فلولا ثروات إفريقية المنهوبة ما قامت لفرنسا قائمة وهو ما صرح به الرئيس الأسبق جاك شيراك ولم تنقصه الشجاعة أن يقر أن فرنسا ليست إلا قرصانا اقتصاديا بدرجة دولة ! ، فهل يطيق الأوروبي الأبيض صاحب العيش المرَفَّهِ أن يَتَخَلَّى عن بعض حظه في الرفاه تضامنا مع أخيه الأسود أو الملون في الجنوب ؟! .

    والله أعلى وأعلم .


  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:09-11-2019
    الساعة:06:47 AM

    المشاركات
    4,884
    العمر
    41

    وتأمل ما كان في مصر الاشتراكية ! ، وهي مثال للحكم المركزي ذِي البناء الهرمي المتدرج فِي مستويات السلطة ، فقد نجح النظام الذي حكم في الخمسينيات وما بعدها ، نَجَحَ فِي صناعة هَرَمَيْنِ من البيروقراطية : البيروقراطية الإدارية فَثَمَّ جهاز حكومي متضخم يشتري السلم الاجتماعي بما يمنح من رواتب بلا عمل ولا إنتاج ، فهي بدل ولاء ، من وجه ، وبدل بطالة من آخر ، فسوء الإدارة قد استنزف الخزانة العامة ، إِذْ ثَمَّ رواتب تدفع بلا نظير يعدلها أو يقاربها من مُنْتَجِ السلعةِ أو الخدمةِ ، بل البيروقراطية الحكومية قد ساهمت بما تَرَاكَمَ من فساد ، فساد الإدارة والرشوة والمحسوبية ..... إلخ ، قد ساهمت بما تَرَاكَمَ من ذلك في ضعف الخدمة والإنتاج ، فهي تَسْتَنْزِفُ الخزينةَ العامةَ بما يصرف من رواتب ، وتستنزف ثروة المجتمع بما تقبض من رِشًى وعمولات .... إلخ ، فضلا عن سوء المخرَج والمنتَج سلعةً أو خدمةً ، فذلك ما يضطر المجتمع أن يدفع من المال العام مَرَّةً بَعْدَ أخرى لإصلاح ما فَسَدَ ، فالمنتج الرَّدِيءُ يُفْسِدُ الحال ولا يصلحها وإن ظن صاحبه أنه يُصْلِحُ ، فَثَمَّ تكلفة علاج وإصلاح ، واضرب له المثل بمنتج غذائي فاسد فإنه بِمَا يَتَرَاكَمُ من أضراره يَسْتَنْزِفُ مِيزَانِيَّةَ الصحة العامة في العلاج مع أن الوقاية خَيْرٌ وَأَوْفَرُ فَلَوْ حُسِمَتْ مادة الفساد أولًا ما اضطر المجتمع أن يدفع من ثَرْوَتِهِ ثانيًا ليعالج المرض .
    فهذه البيروقراطية الحكومية قد زادت الحال سوءا وزادت المجتمع فَقْرًا وضعفا فهي ، لو تدبر الناظر ، آلةُ تَحَكُّمٍ وسيطرة ، فهي تقيد المجتمع إذ تَرْبِطُهُ بالسلطة رَبْطًا مباشرا ، فَهُوَ يَنْتَظِرُ آخر الشهر لِيُمْنَحَ الرَّاتِبَ أو المنحة ، وذلك ما يجعل الجمعية العمومية للبيروقراطية الحكومية ، وهي هيئة الموظفين ، وذلك ما يجعلها تُنَافِحُ عن النظام فقد ارْتَبَطَتْ مصالحها به ارْتِبَاطًا مباشرا فَبَقَاؤُهَا مِنْ بَقَائِهِ ، لا سيما رجال الصفوف العليا ، فَكُلَّمَا عَلَتْ درجة العنصر في هذا الهرم كان أحرص على بَقَائِهِ ، فَانْتِفَاعُهُ منه أعظم ، لا سيما إن فَتَحَ قَنَوَاتِ الفساد فَمِنْهَا يَرْبَحُ وَيَثْرَى ، وهي بيروقراطية تُضْعِفُ المجتمع بما تُقَدِّمُ مِنْ خدمات رَدِيئَةٍ ، وما تستحل من المال العام اختلاسا أو المال الخاص رشوة أو إتاوة ..... إلخ ، وإلى جوار هذه البيروقراطية الإدارية التي جاوزت المليون ، كما يذكر بَعْضُ الْكُتَّابِ إذ يحكي عَرْضًا أمريكا لِلنِّظَامِ فِي الخمسينيات أَنْ تُعَادَ هيكلة الحكومة المصرية فلا تحتاج إلا 180 ألفا من الموظفين فقط ، فالباقي زِيَادَةٌ تُزْحِمُ دواوين الدولة ومكاتبها ، وهو ما تضخم بعد ذلك وَأَيُّ زَائِرٌ لِدَوَاوِينِ الحكومة المصرية يَتَنَدَّرُ من الصورة الكاريكاتيرية من اجتماع الموظفين على المكاتب في دوائرَ ضَيِّقَةٍ تَتَّسِمُ بالمودة والحميمية ! ، فإما أن يجتمعوا على الأكل وإما أن يجتمعوا على الثَّرْثَرَةِ التي تطال أدق تفاصيل الحياة الخاصة رجالا ونساء ! ، وتلك ، بداهة ، حَالٌ مزاجية تَنْفِرُ من أي عمل يَنْفَعُ ، فَيَشِقُّ عليها البحث في الملفات القديمة المتهالكة فَثَمَّ ، من وجه آخر ، تخلف تِقَنِيٌّ ، وثم نقص في برامج التدريب والتطوير إذ الميزانية لا تسمح ، كما هي الحال في ميزانية التعليم في مصر على سبيل المثال ، فأكثرها يذهب في الرواتب والحوافز والبدلات ، وَأَقَلُّهَا يُنْفَقُ في تَرْمِيمِ مَا تَبَقَّى من الأبنية المتهالكة وطباعة ما تَيَسَّرَ من الكتب التي لا تقدم مادة علمية نافعة ، فَغَايَتُهَا أن تكون أدوات تَلْقِينٍ تَقْتُلُ ملكة النظر والاستنباط فهي تُرَسِّخُ التَّقْلِيدَ الأعمى ، وذلك وصف يلائم أي رأس في الدين أو السياسة يَرُومُ الطغيان ، فلا يطيق مَنْ يُفَكِّرُ إذ يملك قوة النقد والتفنيد التي تُزَيِّفُ رياساتهم بالأدلة الصحيحة ووجوه الاستدلال الصريحة .
    فكان من تضخم هذه البيروقراطية ما ازدحمت به المكاتب والدواوين بلا قيمة مضافة ، فلا يعدل المخرَج ما يكون من مدخَلات التوظيف والتدريب ..... إلخ ، فالموظف غير الكفء عبء على الجهاز الإداري فهو يأخذ ولا يُعْطِي ما يضاهي المأخوذ ، فَتَزْدَادُ الخسائر بما يكون من تَرَاكُمِ الصورة آنفة الذكر : أخذ بلا عطاء ، فوصفه في المركز أنه العمالة غير الذكية وهي عمالة غير مدربة فلا تصلح إلا للأعمال الشاقة التي تَعْتَمِدُ على المجهود البدني دون آخر عقلي يضاهيه وذلك ما يجعل جلوسها على مقاعد الإدارة كَارِثَةً عظمى ، فَلَيْسَ لها الرغبة في العمل ابتداء ، وليس لَهَا القدرة على العمل إذا رغبت ، فَبِيئَةُ العملِ فاسدةٌ : برامجَ تدريب وتطوير فالموظف غير مؤهل لا من الناحية الدراسية ولا من الناحية الإجرائية لا سيما إن احتل المكان الشاغر برشوة أو محسوبية أو نفاق يحمل اسم الولاء وذلك ما يلحظه الناظر لحظَ التَّنَدُّرِ أيضا ! فَيَجِدُ حملة مؤهلات نظرية يحتلون مناصب في مؤسسات عَمَلِيَّةٍ تَفْتَقِرُ إلى مهارات خاصة لا يَعْلَمُ عَنْهَا دارسُ العلوم النظرية شيئا ! فحال هذا الموظف بداهة أنه لا يعمل ولا يريد أن يعمل وإن أراد العمل فهو لا يفقه ما العمل ؟! فَعِنَايَتُهُ تَنْصَرِفُ أَنْ يُعَوِّضَ ما دفع ! ولو اختلاسا أو رشوة أو تَقَاعُسًا عن العمل فهو يقبض الراتب دون جهد يناظر وذلك في حد ذاته فساد وإن لم يكن فجا كفساد الاختلاس أو الرشوة ، فَبِيئَةُ العمل ، كما تقدم ، فاسدة ، بَرَامِجَ توظيفٍ وتطوير وأدواتِ تنفيذٍ ، ومنظومةَ تحكمٍ وسيطرةٍ قد جمعت أوصاف النقص : فَسَادًا وَتَرَهُّلًا ، فَتَحَوَّلَتْ هَذِهِ الكتلة الوظيفية غير المنتجة إما لفساد في التوظيف والتدريب أو آخر في الذمة والضمير ، أو لكلا الوجهين وهو ما يغلب في مراحل العجز والترهل ، تحولت إلى عبء على الميزانية ، فجهاز وظيفي يبلغ مليونا من العاملين ، وحاجة المجتمع لا تتجاوز 180 ألفا ، جهاز كهذا يلتهم ميزانية الدولة ، لا سيما إن كانت دولة مدينة مفلسة مع فساد رءوسها في معظم مستويات القيادة العليا : السياسية أو الإدارية ، فأكثر المخصَّصَاتِ تَتَوَجَّهُ إلى سداد أصول الدين وفوائده المتراكمة ، فضلا عن بند الرواتب فهو بَنْدٌ كبير في رَقَمِهِ ضعيفٌ في أَثَرِهِ ، فليس ثم إنتاج يضاهيه ، كما تقدم ، وهو ما يُفْضِي إلى انهيار القوة الشرائية فالعملة ضعيفة إذ ليس ثَمَّ إنتاج يضاهي ما يطبع من النقد ، والبيروقراطية شديدة المركزية والفساد والتَّرَهُّلِ ليست بداهة منتجةً لِتَقْوَى بها العملة أو تَسْتَقِرَّ فهي أبدا إلى انهيار سواء أكان متدرجا أم مفاجئا ، فَثَمَّ طبقة من البيروقراطية الطفيلية التي تستنزف ثروة المجتمع بلا عائد فهي ، من هذا الوجه ، تضاهي الرأسمالية الطفيلية التي لا تعرف إلا لغة الربح المجرد فهو رقم لا أكثر دون توجه إلى إقامة قواعد إنتاج محكمة تحقق القيمة الاقتصادية المضافة تنمية لا نموا يقتصر على رقم لا يعكس نشاط إنتاج وإنما يعكس نشاط استيراد واستهلاك يعم كافة شرائح المجتمع ، كلٌّ بما يملك من مدخرات ، فهو نمطُ استهلاكٍ يَسْتَنْزِفُ مدخراتِ المجتمع ، وَيُرَسِّخُ ثقافة الاستهلاك لا سيما في النخبة الثَّرِيَّةِ التي يَتَوَجَّهُ إليها خطاب المستثمر الرأسمالي الطفيلي فهو يغرق أسواقها ومجمَّعَاتها التجارية الكبرى بِسِلَعٍ يغلب عليها وصف الكمالي وربما التافه في أحيان كثيرة مع ما يكون من التَّبَارِي في إظهار الوجاهة بشراء كلِّ جديدٍ مستطرف وإن لم يكن ثم حاجة إلا الرياء ولفت الأنظار فذلك ما يحكي حال الإفلاس الفكري والحركي في هذه النخبة التي لا تَتَحَرَّكُ في العادة إلا إذا كان الباعث شهوة أو نزوة غاية صاحبها أن يجرب لا أكثر فسرعان ما يَمَلُّ وَيَنْتَقِلُ إلى سلعة جديدة ، وهو ما يزيدُ فُرَصَ رأسِ المالِ الطفيلي أن يحقق مزيدا من الأرباح فهو يُغْرِقُ الأسواق كل يوم بِسِلَعٍ جديدة دون الاشتغال بإقامةِ قواعدِ إِنْتَاجٍ لصناعات ثقيلة أو ذات مستوى عال من التقنية تحقق القيمة المضافة لأيِّ اقْتِصَادٍ نَاهِضٍ ، ولو على المدى البعيد الْمُتَرَاكِمِ ، فذلك ما لا يحسنه رأس المال الطفيلي الباحثُ عن الربح السريع ، فهو يستثمر في رغبات الأغنياء في الكماليات ، واحتياجات الفقراء من الأساسيات ، لا سيما إن كان محتكِرًا يجيد صناعة الأزمات والاستثمار فيها ، وهو ما يَعْظُمُ شؤمُه إن تَحَالَفَ رأس المال الطفيلي مع طبقة سياسية فاسدة ، سواء أكان الفساد فَجًّا كما الحال في الأطراف فَثَمَّ تحالف مباشر بَيْنَ رأس المال الطفيلي والطبقة السياسية ونظيرتها البيروقراطية لا سيما مستويات الحكم العليا فهي الأعظم نفوذا والأعظم فسادا والأعظم ثَرَاءً ، وقد يَزْدَادُ الأمر سوءا إن كانت الطبقة السياسية الحاكمة هِيَ طبقة رأس المال الطفيلي فهي تحكم وَتُتَاجِرُ وذلك ما يُفْضِي إلى انهيار الاقتصاد على المدى البعيد بما يَتَرَاكَمُ من كساد إذ يعزف رأس المال الخاص أن يستثمر فلا يتحرك في دوائر الاقتصاد لا سيما المتوسطة والصغيرة فهي تخشى بأس السلطة وليس لها من النفوذ والحظوة ما به تحمي نَفْسَهَا لا سيما إن كانت الحال قَهْرًا واستبدادا ، فكلما زَادَ عنف السلطة انهارت عُمْلَتُهَا في ارْتِبَاطٍ شرطي لطيف يحكيه بعض المحققين ، فإن العنف يحمل أي عاقل أن يحجم في بيئة استثمار غير آمنة ، فليس ثم من الضمانات ما به تأمن رءوس الأموال من المصادَرَةِ والمنافسة غير العادلة إلا ما يكون من ضروري العيش فيكون الاستثمار في بِيئَةٍ كهذه ضرورةً تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، فَلَيْسَتِ الحالُ حالَ اختيارِ وَسَعَةٍ ، ويكون من السلامة أن تُهَاجِرَ رءوس الأموال إلى بِيئَاتٍ أخرى آمنة ، فَيُحْفَظُ المال من المصادرة ، ويحفظ من انهيار قوته الشرائية ، إذ يَتَحَرَّكُ طَلَبًا لربحٍ يُقَلِّصُ هامش الخسارة على أدنى تقدير ، هامش الخسارة من جراء التضخم المتصاعد الذي يستنزف الربح حلالا بالبيع أو حراما بالربا ! ، فإن تعذر ذلك فالمال يهجر السوق بتجميده في أصول تحفظ قيمته من أرض أو عقار أو ذهب أو عملة أجنبية قوية .
    فالشؤم يعظم ، كما تقدم ، إذا تحالف رأس المال مع نخبة السياسة ، فيكون الفساد فَجًّا كما هي الحال في الأطراف أو ناعما كما هي الحال في المركز فإنه لا يخلو من هذا الوصف وإن كانت رأسماليته أرسخ وأقوى فقد حققت من القيمة المضافة ما لا يُنْكِرُهُ إلا جاهل أو جاحد ، ولكنها ، كما يقول بعض الفضلاء ، لم تخرج عن حد الوجاهة التي يُرَائِي صَاحِبُهَا بما يُنْفِقُ فِي مجالات بحث لا تعود على العالم بالنفع ، بل ولا تَعُودُ عَلَى المركز بالنفع المباشر ، فليس إلا تكريس السيادةِ انطلاقا من نظرية : (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، فَثَمَّ مَا اصْطَلَحَ الفاضل آنف الذكر أن يطلق عليه لَقَبَ "التَّبْذِيرِ الْوَجَاهِي" ، وقد مثل له بمسبار "كوريوسيتي روفر" الذي تكلف 2,5 مليار دولار ! ، فهو يكرس وجاهة المركز ويكرس سيادته على الأرض فقد جاوزها إلى السماء ، ولسان حاله لسانُ مقالِ يأجوج ومأجوج : "قَدْ قَتَلْنَا أَهْلَ الْأَرْضِ، فَتَعَالَوْا نُقَاتِلْ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ السَّمَاءَ بِنِبَالِهِمْ وَنُشَّابِهِمْ، فَتَرْجِعُ مُخْتَضِبَةً دَمًا ، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَتَلْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ" ، فقد غَلَبُوا أهل الأرض وَقَهَرُوهُم فَتَوَجَّهَتْ أنظارهم إلى السماء لتكون لهم السيادة في الْبَرِّ والبحر والجو ! ، فكذلك طبقة السياسة والمال في الأطراف وإن كان المثال أسوأ وأردأ ، فإن ما يُنْفِقُهُ المركز في مشاريع الوجاهة في السماء ولا تخلو من قِيمَةٍ بَحْثِيَّةٍ مضافة ، فالأطراف تُنْفِقُهُ في مشاريع الوجاهة في الأرض قصورا ومنشآت لا قيمة لها تُضَافُ بل هي مِمَّا يَسْتَنْزِفُ المال العام ولا يحقق فرص عمل مستدامة ، ولو في مشروعات استهلاكية ، فلا هو أقام قاعدة إنتاج تضاف إلى الاقتصاد ، ولا هو أقام قواعد خدمة في التعليم والصحة كما يضرب الفاضل آنف الذكر المثل بما أنفق في المسبار "كوريوسيتي روفر" ، فهو يكفي في إِنْشَاءِ بِنْيَةٍ تحتية لدولة مالي ، في المياه النظيفة والصحة ، فضلا عن تَوْفِيرِ فُرَصِ تعليم لملايين من الطلبة ، ولا هو وَفَّرَ فُرَصَ عملٍ مستدامة ولو في أنشطة اقتصادية استهلاكية تافهة ! ، ولا هو كفى الموازنة العامة عبء نفقاته ! .
    ومع تراكم الفساد وضعف الكفاءة في هذه البيروقراطية تَبْرُزُ الحاجة إلى إعادة الهيكلة لِتَقْلِيلِ الخسائرِ ، فَثَمَّ مالٌ يُدْفَعُ أو يُطْبَعُ بِلَا إِنْتَاجٍ يضاهيه وذلك ، كما تقدم ، من شؤم ما صنعت هذه البيروقراطية غير المنتجة ، فلا قيمة لَهَا تضاف إلى اقتصاد المجتمع اللهم إلا ما يكون من إنفاقٍ في ضرورات المعاش من غذاء ودواء ومسكن وملبس ... إلخ ، فذلك ما يحرك دوائر اقتصادية دُنْيَا تَعُودُ بالنفع المباشر على المجتمع ، جَرْيًا على نظرية الاقتصاد الكينزي نظرية "التدفق الْفَعَّالِ" ، فحصول المال في يَدِ العامة يُحَرِّكُ دَوَائِرَ اقتصاديةٍ حَوْلَهَا بما يكون من تعاظم قدرتها الشرائية وذلك ما يحفز الصانع أَنْ يُصَنِّعَ والمستورِد أن يَسْتَوْرِدَ ...... إلخ ، ومع ذلك فهذه النظرية لا تحقق الغاية من الإنفاق ، فالبيروقراطية لا تَتَقَاضَى رواتب مجزية تُوَفِّرُ لَهَا عيشا كريما يَعُفُّهَا أن تكسل فلا تَعْمَلَ إِذْ لا مقابل عادلًا يُبْذَلُ ، أو تختلس أو تَرْتَشِي أو تَفْرِضَ الإتاوة لتستكمل احتياجاتها لا سيما إن كان لها من قوة الإنفاذ المباشر ما يجعلها تُرْهِبُ صغار التجار والصناع ، كما يُضْرَبُ المثل بِتَصْرِيحٍ مشهور لوزيرِ داخلية مصري يُفَاخِرُ فيه أن رجاله يعرفون كيف يستكملون رواتبهم فلا يحتاجون إلى مخصصات إضافية تُرْهِقُ الميزانية فقد كَفَوْهَا المؤنة بما يفرضون من إتاوات وَيَتَقاضَوْنَ من رشى ، فالمجتمع هو الذي يُوَفِّرُ هذه المخصصات الإضافية من جيبه على وجه يفضي ، كما تَقَدَّمَ مِرَارًا ، إلى استنزاف ثروة المجتمع بأدوات إنفاذ وظيفية تَتَّسِمُ بضعف الكفاءة وخيانة الأمانة ، فَتِلْكَ بِيرُوقْرَاطِيَّةٌ تفتقر إلى إعادة الهيكلة ، وهو ما يستثمر ، من وجه آخر ، في هدم البنيان فجأة ، لا سيما إن كان ثم هوى للسلطة فَهِيَ تَرُومُ تَوْفِيرَ النفقات التي تُسَدِّدُ بها ديونها أو تستكمل بها قصورها أو تَضُخُّهَا في استثماراتها الخاصة وإن من جيوب العامة بما تَسْتَقْطِعُ من الضرائبِ وَتُقَلِّصُ من الرواتب ومزايا الدعم الاجتماعي ، أو كان ثَمَّ أمر مباشر من جهات التمويل الدولية التي تخضع لسياسات المركز فهو الآن نيوليبرالي شرس قد فَرَضَ على الأطراف من بَرَامِجَ التقشف وتقليص بنود الدعم والأجور ما خضعت له السلطة التابعة في الأطراف تحت عناوين تشريعية من قَبِيلِ "قانون الخدمة المدنية" ، فهو ما يُتَّخَذُ ذريعةً إلى تصفية هذه البيروقراطية المتراكمة على عجل دون تَرَوٍّ أو نَظَرٍ في بُعْدٍ اجتماعي يُوَفِّرُ البدائل المناسبة من فُرَصِ التدريب والتوظيف ، فَلَيْسَ ثَمَّ إلا الرغبة الجامحة التي امتلك صاحبُها أداة السلطة القامعة فهو يُرَاهِنُ على العنف المفرِط الذي يُرْهِبُ المجتمع أَنْ يَتَحَرَّكَ لا سيما وَثَمَّ ظَهِيرُ إقليمي ودولي يدعم ، فإعادة الهيكلة في هذه الحال هي ، لو تدبر الناظر ، من الحق الذي يُرَادُ به الباطل ! ، وقل مثله في إعادة التخطيط والتطوير لمناطق دون توفير البديل المناسب فليس إلا رغبة أخرى جامحة في إخلاء المواقع المتميزة تمهيدا لِبَيْعِهَا أو إقامة مشاريع ذات طابع رأسمالي طفيلي يحقق للسلطة ودوائرها المقرَّبَةِ أعظم الأرباح ولو على حساب المجتمع ، فهو ، أبدا ، من يدفع الثمن ! ، فالنية أصل كل عمل ، فقد يكون صحيحا في نفسه ولكن فساد النية يفسده ، فصاحبه يَتَذَرَّعُ أنه يَرُومُ الصالح العام وقد يبدو الأمر كذلك لا سيما إن نُفِّذَ بطريقة صحيحة عادلة ، ولكن فساد نِيَّتِهِ لا يَنْفَكُّ يظهرُ في قوله وعمله .

    فإذا قال قائل ، على سبيل المثال ، إِنَّ بَلَدًا ما يحتاج إلى توسع عمراني يخفف الأعباء عن الحواضر القديمة ، فيكون الانتقال إلى أخرى جديدة ، فذلك ما لا يخلو من وجاهة ، ولكنه صاحبه كعادته ! يبطن ما لا يظهر ، فإن الشرط في أي مشروع ناجح أن يستغرق نفعه جَمِيعَ طبقات المجتمع ، فلا يكون مشروعا لنخبة وتكون الدعاية أنه للعامة فهو ، بِزَعْمِ القائل ، مشروع قومي وليس إلا مشروع السلطة ونخبها العليا التي تَرُومُ الانتقال بعيدا عن الزحام ، وتروم الاستمتاع بِرَفَاهِ العيش في حاضرة الملك الجديدة فضلا عن توفير درجة أعلى من الحماية إذ الهوة بَيْنَ النخبةِ والمجتمعِ قد اتسعت فهي تخشى بأسه ما لا تخشى غيره ، فهو العدو الناجز من داخل فخطره يفوق أي عدو من خارج ! ، فقد يكون المشروع نافعا ، ولكنه ليس واجب الوقت ، فمحله الثاني لا الأول ، فالنظر فيه يكون على مدى أبعد ، فضلا أنه لا يحقق الغاية إلا أن يكون مشروع المجتمع لا مشروع النخبة .


    فالنخبة الرأسمالية التي احتكرت الثروة قد نجحت بامتياز في اختراق هَرَمِ السلطة السياسي والإداري فَضْلًا عن مؤسسات الرقابة والمحاسبة ، وسلطةِ الضبطِ والإحضار وَنَظِيرَتِهَا في القضاء وَثَالِثَتِهِمَا فِي التشريع فالرأسمالية تملك من أدوات الضغط السياسي الناعم ما يجعل لمصالحها اعتبارا حالَ نَظَرَ المشرِّع الأرضي فهو يحظى بِتَمْوِيلٍ ودعم رسمي وآخر غير رسمي ! ، على وجه يدل يقينا على افتقار المراجع الأرضية إلى الأسباب المادية والمعنوية فليست أهلا أن تُشَرِّعَ إذ لا تخلو من حظ نفس به تُحِلُّ أو تُحَرِّمُ ، فَثَمَّ دعم رسمي ظاهر فجماعات الضغط السياسي تمول حملات المترشحين إما إلى المناصب التنفيذية أو نظيرتها التشريعية ، وثم آخر غير رسمي وهو ما يمرر من تحت الطاولة من صفقات أو عمولات ...... إلخ ، فتلك صورة الفساد المباشر الذي يَزْدَهِرُ في البيئات البيروقراطية آنفة الذكر ، لا جرم كان ازدهاره في الأطراف أظهر ، إذ البيروقراطية الفاشلة الفاسدة فِيهَا أَرْسَخُ ، فضلا عن القمع السياسي والأمني فَدَوْرُ مراكزِ النفوذ داخل أجهزة الدولة يَتَعَاظَمُ بما تملك من صلاحيات واسعة وحماية من أعلى مستويات السلطة ، وهو ، كما تقدم مرارا ، ما يستغرق جميع مستويات الهرم السياسي والإداري ، وإن تَرَكَّزَ في القمة وما يقاربها من مستويات القيادة العليا وهو ما يقيم الحاجز شَيْئًا فَشَيْئًا بين القمة والقاعدة ، لا سيما والفساد في القاعدة أقل ، ولو في الجملة ، فمؤشر الفساد في الأنظمة المركزية المستبدة عال إن في القمة أو في القاعدة ، ولكن القاعدة أقل فسادا ولو عجزًا لا عفةً ! ، فليس لها من الصلاحيات والحماية ما لِلْقِمَّةِ ، فإذا نظرت القاعدة وهي من جملة من يكدح وإن كانت حالها من العامةِ أفضل ، إذا نظرت القاعدة في حال القمة التي تَرْفَلُ في نعيم السلطة فَفَسَادُهَا قد أَزْكَمَ الأنوف ، فذلك ما يَزِيدُ في الهوة بَيْنَ القمة والقاعدة وَيَزِيدُ مِنْ حَالِ السخطِ الْمُتَرَاكِمِ في نفوس صغار العاملين في أي بِيرُوقْرَاطِيَّةٍ سواء أكانت إدارية كما ضُرِبَ المثلُ آنفا ، أم عسكرية ، فتلك هي البيروقراطية الثَّانِيَةُ التي نجح نظام الحكم المصري في الخمسينيات أَنْ يُشَيِّدَهَا ، أو يستكمل ما شَرَعَ فيه الاستعمار قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ إذ وضع حجر أساس محكم لهذه البيروقراطية العسكرية أداةِ التحكم والسيطرة والقمع لأي حِرَاكٍ يُهَدِّدُ مَصَالِحَ المركز في الأطراف ، فجاء نظام يوليو 52 ليستكمل ما بدأ الاستعمار ، فَأَحْكَمَ بُنْيَانَ التَّنْظِيمِ الفاعل في هذه البيروقراطية العسكرية التي احتكرت أدوات العنف أكثر ، فهي على جادة الباشا الأول ، فلا تمكن صناعة تَنْظِيمٍ صغير يحكم مجتمعا كبيرا إلا إذا نجح التَّنْظِيمُ في إحداثِ فارقٍ هائل في القوة ولا يكون ذلك إلا بتجريد المجتمع من أدواته الفاعلة صلبة أو ناعمة ، فَجُرِّدَ من سلاحه وَجُرِّدَ من أوقافه وَجُرِّدَ من استقلال مؤسساته الفكرية والتعليمية التي تصنع الثقافة والهوية ، فهذه البيروقراطية العسكرية قد أَنْشَأَتْ جَيْشًا كَبِيرًا ناهز 600 ألف عنصر إن لم تخن الذاكرة وهو رقم كبير في مقابل عدد السكان آنذاك ، فتضخمت كلا البيروقراطيتين : المدنية والعسكرية ، فهما أداتا التحكم والسيطرة في المجتمع ، وكلاهما قد اسْتَشْرَى الفساد في أركانه ، لا سيما في مستويات القيادة العليا ، فذلك ، أيضا ، ما يَتَرَاكَمُ في هرم البيروقراطية العسكرية كما المدنية ، فصغار العناصر تسخط ما تَرَى من فَسَادِ النخبة ، ولو حسدا من عند أَنْفُسِهَا فَلَوْ بَلَغَتْ مَا بَلَغَتِ القيادة لفسدت كما فسدت إذ آلة الإفساد محكمة فهي ضمان الحفاظ على التنظيم وحماية مصالحه وَتَثْمِيرِ مكاسبِه ، فَيَتَرَاكَمُ السخط في نفوس القاعدة بَمَا ترى وتسمع من فساد القمة ، لا سيما إن كانت تخوض المعارك في سبيل القيادة أن تَثْرَى وَتَنْعَمَ وَتُضَارِبَ بِدِمَائِهَا في بورصة السياسة البراجماتية اللاأخلاقية ، فَتَتَّسِعَ الهوةُ بين القمة والقاعدة ، وَيَعْظُمُ السخط فِي المستويات التنفيذية الدنيا التي تُبَاشِرُ الأمر ، فذلك ما يَتَوَاتَرُ في أي تنظيم هرمي ، عسكري أو مدني ، لا سيما في أدواره الأخيرة التي تَتَّسِمُ بالضعف والترهل .

    وتلك ، لو تدبر الناظر ، سنة جارية ولو في التنظيمات الدعوية الإصلاحية ، فإن ثم حاجزا تَرَاكَمَ بَيْنَ القمةِ والقاعدةِ ، لا سيما مع تَعَاقُبِ الأجيال وَضَعْفِ الاتصال بَيْنَهَا إذ الإحلال والتجديد يَجْرِي عَلَى وَتِيرَةٍ بطيئة تحكي تَغَلْغُلَ القيم البيروقراطية الرَّتِيبَةِ في الجهاز الإداري ، فيظهر السخط شيئا فشيئا في المستويات الدنيا فهو يبدأ من القاعدة التي تشعر بالهضم وتشتكي تجاهل القيادة التي تَرُومُ تَثْبِيتَ المشهد بما يُكَرِّسُ رِيَاسَتَهَا ولو انطلاقا من قاعدة أخلاقية معتبرة ولكنها كأي مبدإ إن جاوز صاحبه الحد فاستخدمه في الضد صار وبالا عليه فضلا عن نُفُورِ الناس من الحق الذي يَتَذَرَّعُ به إلى باطل ، ولو خَفِيَ ، فحظوظ النفس مما يَخْفَى وهي من أَدَقِّ الدواخل التي لا يفطن لها التَّقِيُّ والفاجر ، وإذا وَجَدَتْ هذه القواعدُ الساخطة رأسا في مستوى عال من مستويات الإدارة ، فإنها تَلْتَفُّ حوله إذ يحكي طموحها في التغيير ولو في إطار التنظيم ، فَيَنْشَأُ الجناح تِلْقَائِيًّا في مقابل الجناح القديم ويبدأ الصراع شيئا فشيئا حتى يحتدم ويصل إلى درجة لا يمكن احتمالها ولا إخفاؤها فيكون مِنَ الصراع ما يُفْضِي إلى غَلَبَةِ جناحٍ فهو يَهْزِمُ الآخرَ وَيُهَمِّشُهُ وقد يَعْزِلُهُ فَيُجَمِّدُ عضويته أو يستبعده نهائيا ، فَتَزْدَادُ الانشقاقات ولو في القاعدة فالرأس التي تغادر التنظيم تستقطع جزءا من القاعدة وهو الجزء الراغب في التغيير ، وثم من يؤثر السلامة فيكتم رغبته في التغيير فلم يفقد الأمل بَعْدُ في التنظيم فهو يروم التغيير من خلال أدواته ، والخطر أن هذا الجزء ، كما ظهر في بعض التنظيمات الإصلاحية ذات المرجعية الإسلامية في مصر بعد 2011 وهو ما زادت وتيرته بعد الانحسار الكبير في أعقاب يوليو 2013 ، الخطر أن هذا الجزء يخرج سَاخِطًا وَقَدْ يَزْدَادُ سخطه فلا يميز بين الفكرة والتنظيم فيكون سخطه على الفكرة ولو حقا فذلك من شؤم ما اقترف التَّنْظِيمِ من بَاطِلٍ باسمها سواء أَتَقَصَّدَ ذلك أم وقع خطأ أم جمع الاثنين فلا يخلو الأمر ، كما تقدم مرارا ، من حظ نفس ، ولو خفيا لا يظهر ، وهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، ما رصدته بعض مراكز البحث الأمريكية مبكرا إذ رصدت تَمَاهِي القواعد الإسلامية الشابة مع قيم العلمانية الناعمة ، لا سيما العلمانية الجزئية التي تمكر فلا تُظْهِرُ العداء الفج لقيم النبوة والوحي ، وقد زَادَ ذلك بعد 2011 و 2013 مع فشل التنظيم في استيعاب الأحداث المتسارعة فَبِنَاؤُهُ الهرمي الصلب وبيروقراطيته في الإدارة قد أبطأت به عن طموح القواعد الشابة التي استفزت بأجواء الحرية المفاجئة ، ولم يحسن كثير منها التمييز بين الفكرة والتنظيم ، فَحَمَّلَ الفكرة أخطاء التنظيم ، فكان خروجها ساخطة وكان اقْتِرَابُهَا أكثر من قِيَمِ العلمانية وإن كُسِيَتْ ألفاظا رسالية ! ، فَنَشَأَ عَنْ ذَلِكَ لا سيما بعد ضربة يوليو 2013 المؤلمة ، نَشَأَ مِنْهَا مَا يَنْشَأُ من تَيَّارَاتٍ عَقِيبَ أَيِّ صدمة ، فَثَمَّ مَنْ غَادَرَ فاتجه في طَرَفٍ فاختار العمل المسلح فضلا عما قد يقرنه من تصلب أيديولوجي في مسائل الأسماء والأحكام تحت وطأة الخذلان الذي لاقاه من المجتمع ، فسارع بالحكم عليه الحكم العام القطعي بالمروق والانفلات من ربقة الدين الرسالي ، فَغَلَا في الحكم بلا تمييز ، فَأَلَمُ الصدمةِ قَدْ أَذْهَبَ الفكرةَ ، لا سيما وقد أَغْلَقَ الغضبُ عقلَه ، والإنسان ، كما يقول بعض المفكرين في لَفْتَةٍ لظيفة ، الإنسان قد يحتقر غيره ويحط من شأنه لأنه يحبه ! وإنما حمله ذلك أن خذله وهو يحتاجه فلم يُطِقْ إلا أن يَتَطَرَّفَ في كَرَاهِيَّتِهِ لا جرم كان الاقتصاد في الحب والبغض من أمارات الحكمة فلا تَغْلِبُهَا العاطفة ، فلا يكن حبك كَلَفًا ولا يكن بُغْضُكَ تَلَفًا ، كما أُثِرَ عن عمر ، رضي الله عنه ، فَالْكَلَفُ زيادةٌ وَالتَّلَفُ نَقْصٌ ، والعدل وسط بَيْنَهُمَا فلا إفراط ولا تفريط ، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم .
    وثم من اتجه على خلاف الأول فَغَلَا في الطرف الآخر ، فكان الانتقال إلى الطرح العلماني بعد أن فَقَدَ الثقة في الطرح الإسلامي بِمَا كَانَ من عَارِضِ عَثْرَةٍ لا تعدو أن تكون ابتلاء يُمَحِّصُ ، فلا تخلو حاله وَإِنْ نُظِرَ فِيهَا بَعَيْنِ القدر الراحمة لا سيما إِنْ فُجِعَ بِفَقْدِ عزيز أو نحوه ، لا تخلو من نظر آخر بعين الشرع الحاكمة فلا تخلو من نَقْصٍ في النظر والاعتبار ، وذلك ما لا يطيقه كل أحد ، وقد يقوله المرء في زمن سلامة وأمان وَلَمَّا يدخل قلبه الإيمان ، فإذا ابْتُلِيَ لم يُطِقْ فَكَانَ منه أسوأ مِمَّا ينكر على الآخر ، فالتحري في هذا الأمر حتم لازم والاعتدال والاقتصاد في النظر فلا تغلب عين القدر الراحمة كما يصنع بعض حتى بَلَغَتْ به الحال أن يَلْتَمِسَ لأولئك العذر في ردود أفعالهم الفكرية الحادة التي تجاوز العلمانية في أحيان إلى الإلحاد الصراح ، ولم يَبْلُغْ به الأمر حد الاعتذار وإنما انْتَقَلَ في طور تال إلى مرحلة الدفاع عن الإلحاد بذريعة الحرية الفكرية التي أصبحت بلا سقف وانتقلت من دوائر السياسة إذ عجز الناس أن يَنَالُوا حقوقهم لبطش الطاغوت ، فانتقلت من دائرة السياسة إلى دائرة الديانة فقد غرهم حلم ذي الملكوت ، جل وعلا ، ولا تغلب ، في المقابل ، عين الشرع الحاكمة فيكون الإنكار الشديد الذي يُنَفِّرُ لا سيما إن كانت حاله مما يُرْجَى خَيْرُهُ فهو في حالِ صدمةٍ عارضةٍ ليس من الفقه مواجهتها بحدة فَتَعْظُمَ النفرة وَتَبْعُدَ الرجعى .

    وتلك ، لو تدبر الناظر ، ظاهرة لا يسلم منها أي تَنْظِيمٍ إذا خَرَجَ عن الغاية الرئيسة ، ولو ضِمْنًا ، فَإِنَّ تَعَاقُبَ الأجيال على أي فكرة أو دولة يُفْضِي ، لُزُومًا ، إلى انهيار بعد اكتمال البناء ، وَضَعْفٍ بعد قوة ، فإذا تَرَهَّلَ التنظيم فمن آيات ذلك ما يَكُونُ مِنْ ضَعْفِ الصلةِ بَيْنَ القمة والقاعدة ، مع ظهور الأجنحة المتصارعة فهي ظاهرة في أي تَنْظِيمٍ صلب ، فذلك ما يسري إلى بقية أجزاء الهرم في كافة مستويات القيادة ، فَفُلَانٌ من القيادات الوسطى أو الصغرى محسوب على جناح فلان ، وآخر محسوب على جناح آخر ، وَبَيْنَهُمَا نَوْعٌ من الصراع المكتوم الذي يحكي صراعا آخر مكتوما في قمة السلطة ، وهو ما تكون فيه الغلبة لجناح على آخر ولو في إطار التنظيم فلم يبلغ الأمر حد الانشقاق الرأسي الذي يُفْضِي إلى انهيار الكيان ، وإنما يحسم الصراع للجناح الأقوى الذي يُقَلِّصُ من صلاحيات الجناح المهزوم فَيُقْصَى من مواقع التأثير في صناعة القرار وَيُوكَلُ إليه من الأمر ما لا يُؤْبَهُ له ، كما يَرَى الناظر في التنظيمات الصلبة والجيوش أبرز مثال عليها ، فالعناصر المغضوب عليها وهي التي تمثل جناحا مهزوما داخل المنظومة فَلَمْ يَتِمَّ اسْتِبْعَادُهُ أو تَصْفِيَتُهُ ، فلا زَالَ يَنْتَمِي إِلَيْهَا ، ولكنه مُهَمَّشٌ قد أُقْصِيَ إلى مكان بعيد بلا صلاحيات كبيرة ، أو آخر قَرِيبٍ تحت رقابة صارمة فِي وظيفية إدارية لا تملك صلاحية تَحْرِيكِ قطاعٍ مُؤَثِّرٍ من القوة على الأرض ، أو المشاركة الفاعلة في اتخاذ القرار ، فَدَوْرُهُ لا يجاوز حد العمل البيروقراطي في الجناح الإداري المدني ، ولو داخل كيان عسكري ، وهو عمل إلى البطالة أقرب ، إذ البيروقراطية المترهلة لا قيمة مضافة لها ولا أَثَرَ لَهَا يظهر ، فَلَيْسَ إلا مُكَاتَبَاتٍ وَمُرَاسَلَاتٍ يغلب عليها الرُّوتِينُ ، وإذا جاوز الأمر الخطوط الحمراء على وجه يُعَارِضُ قِيَمَ المنظومة ، أو يعارض مصالح استراتيجية لدوائر ضيقة محكمة في قمة الهرم ، فهي النَّوَاةُ الصلبة التي تكاد تكون تَنْظِيمًا داخل التنظيم وذلك من آثار التَّرَاتُبِيَّةِ الصلبة في مستويات القيادة داخل التنظيم ، فالرتبة الأعلى تملك صلاحيات واسعة تُغْرِيهَا أَنْ تَصْنَعَ حولها شبكاتٍ من المصالح والولاءات الخاصة فَتَنْشَأَ نَوَاةٌ صلبة في هذا الموضع ، وَتَنْشَأَ أخرى في مكان آخر ..... إلخ ، فإذا لم يكن ثم رأس ذات حشمة تمسك بالزمام فلا يَنْفَلِتُ ، فإن هذه الأنوية سوف تَنْمُو وَتَزْدَادُ على حساب الكيان نفسه ، فَتُشْبِهُ ، من وجه ، أن تكون كالورم الذي يفسد الخلايا التي تحوطه فَتَصِيرَ مثله إذ يُوَظِّفُهَا لصالحِه ، فإذا جاوز الصراع الخط الأحمر الذي يمثل مصالح نخبة مُتَنَفِّذَةٍ داخل التنظيم فهي الدائرة الفاعلة التي تملك من مفاتيح التنظيم ما لا يملكه غيرها ، فَلَهَا نفوذ أقوى وهو ما يجعل كَفَّتَهَا تَرْجُحُ في هذا الصراع الداخلي المغلق ، فلا يجاوز حدود التنظيم ولا يظهر إلى العلن ، وذلك ما لا يطول فَإِنَّ ارْتِفَاعَ حِدَّتِهِ يُظْهِرُ مَا اسْتَتَرَ ولو تسريبات من داخل الدوائر القريبة من هذا المشهد ، فَإِمَّا أن يَطُولَ أَمَدُ الصراعِ إذ الْقِوَى مُتَكَافِئَةٌ أو مُتَقَارِبَةٌ فَلَيْسَ أَحَدُهَا يرجح الآخر الرجحان التام الذي به يَحْسِمُ الصراع لصالحه فَيَتَحَوَّلُ الأمر إلى إدارةِ صِرَاعٍ يَسْتَنْزِفُ الطرفين وهو ما تستفيد منه أطراف أخرى ، فالقائد الأعلى قد يدير هذا الصراع بما يُوَاطِئُ مصالحه فلا يريد لجناح أن يَقْوَى فَيُهَدِّدَهُ أو يُمَارِسَ ضُغُوطًا بها يَبْتَزُّ القيادة ليحصل على مكاسب زائدة ، ولو في إطار المنظومة نَفْسِهَا ، فَلَيْسَ طَامِعًا في السلطة وليس ذا فكرة تخالف عن فكرتها ، ولكنه يضغط لتحقيق مصالح خاصة ، وَضَغْطُهُ مَعَ ذلك يُزْعِجُ القيادة إذ لا تَرُومُ سَنَّ هذه السنة أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ أوراقَ ضغطٍ فكلمته تُسْمَعُ ومصالحه تُعْتَبَرُ ، فذلك ما يَلْوِي ذراعَ القيادة وهو ما تَسْتَنْكِفُ أي قيادة داخل المثال الهرمي الصلب ، فلا تُرِيدُ لأحد جميلا عليها ، بل غالبا ما تبدأ بأصحاب الأيدي والصنائع ، فمن اصطنع فيها معروفا فهو أول من تُجْهِزُ عليه ، فلا تُرِيدُ لأحد من السلطان الأدبي أو المادي ما يَلْوِي ذراعها ، فَثَمَّ من له سلطان أدبي من قِيَادَةٍ عُلْيَا لَهَا رمزية جامعة ، وثم من أسدى الجميل في مرحلة سابقة ، وثم من يعلم يقينا حجم هذه القيادة فهو يهزأ بها ويتهكم ، فلا تريد قيادة كهذه مَنْ اطلع على عَوْرَاتِهَا المغلظة ! ، لا سيما إن كان تَارِيخُهَا غَيْرَ مُشَرِّفٍ ، وَثَمَّ من تَوَلَّى أمر هذه القيادة فَسَامَهَا خطة الخسف فاحتملت عداوته واستبطنت الغل والحقد حتى تسنح فرصة الانتقام ، فكل أولئك لا بد من إخراجهم من المشهد الإخراجَ الناعم أو الخشن ، إن لزم الأمر .
    وثم من يضغط من داخل المنطومة في مستويات قيادة تملك من أوراق التأثير ما يجعلها رقما فاعلا في معادلة القرار ، فالقيادة تصانعها كرها وودت لو تخلصت منها ، فيكون من صناعة الجناح أو التنظيم المضاد ، ولو داخل التنظيم ، ما يُسَعِّرُ نَارَ الحربِ بَيْنَ الأجنحة ذات الولاءات المتعارضة ، ولو داخل الكيان الواحد ، فتلك من حِيَلِ القيادة لِتَسْتَنْزِفَ الخصوم فَتَسْهُلَ السيطرة عليها جميعا ، ولا تَبْرُزَ قيادة مستريحة في مكانها تنسج خيوط الولاءات الخاصة حولها لا سيما إن كانت ذكية ذات جاذبية ، فهي تجيد التخطيط وتجيد فن العلاقات العامة ، فإذا تُرِكَتْ مَكَانَهَا زمانا دون رقابة صارمة ، ودون مضايقةٍ ناجزة تحد من نفوذها بما يكون من صراع بَيْنِيٍّ يَسْتَنْزِفُ طَاقَتَهَا فلا تَتَفَرَّغُ لصناعة شبكة خاصة من الولاءات والعلاقات فَثَمَّ مَنْ يَتَجَسَّسُ عَلَيْهَا وَثَمَّ من يناجزها فيشغب عليها ، فضلا عن التغيير المستمر في القيادات على خلفية الوشايات وتغير الولاءات وزيادة الشعبية التي تُهَدِّدُ القيادة الكَارِيزْمِيَّةِ ، ولو كانت تشكو الضآلة والتقزم في الْخَلْقِ والخُلُقِ ! ، فلا يُتْرَكُ قائدٌ في مكانه زَمَنًا يطول ، كما يحكي بعض الباحثين من سياسة الشاه محمد رضا بهلوي بعد أن نجحت الثورة المضادة التي أعادته إلى سدة الحكم 1953 ، فكانت تلك سياسته في المؤسسات الصلبة كالجيش ، وإن تُرِكَ القائد في مَكَانِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ رِقَابَةٍ صارمة وضغوط هائلة تجعله لا يشعر بالراحة والاسترخاء أبدا فَتُحَدِّثَهُ نفسه بإقامة كيان خاص ، ولا بد أن يكون بَلِيدًا جامدا فليس ذا إبداع ولا مبادرة فهو إلى الموظف البيروقراطي أَقْرَبُ ، وتلك خاصة رئيسة في أي تَنْظِيمٍ هرمي صلب ، فَثَمَّ مستويات من البيروقراطية تَتَّسِمُ بالسمع والطاعة المفرِطة ، ولا بد أَلَّا يُظْهِرَ من معارضة القيادة ما يجعل ولاءه مَحَلَّ شك ! ولو في إجراء تَنْفِيذِيٍّ لا يمس الولاء السياسي ، فلا تريد القيادة المستبدة في نظام هرمي إلا الموظف البيروقراطي المطيع فهو الجامد البليد الذي لا يملك القدرة على التغيير ولو داخل قيم المنظومة فضلا أن يكون تغييره من خارج قيم المنظومة ، فتلك مصيبة أعظم ، والإجراء في هذه الحال يكون أعنف لا سيما إن كان العنصر المتمرِّد من القيادات الوسيطة أو الصغرى فلا نفوذ لها ولا هيبة يجعل السلطة تَتَمَهَّلُ في استخدام العنف المفرط ضدها : تَصْفِيَةً أو سجنا أو عَزْلًا وإحالةً إلى التقاعد مع تَقْلِيصِ المخصصات أو قطعها قطعا بَاتًّا ! ، وقد تُفْضِي الحال ، ولو على المدى البعيد ، إلى انشقاقات تَتَرَاوَحُ تَبَعًا لصلابة التنظيم فقد تكون انشقاقات أفقية متدرجة من القيادات الوسيطة وما دونها ، وقد تكون انشقاقات رأسية مفاجئة تشطر التنظيم إلى جناحين رئيسين قُوَّتُهُمَا تَتَكَافَأُ أو تَتَرَاجَحُ فيكون من الصراع ما تَعْظُمُ آثاره فهي تَتَعَدَّى إلى خارج التنظيم ، فيتحول المشهد إلى احتراب أهلي في نطاق جغرافي ضيق أو آخر واسع تَبَعًا لدرجات الانشقاق ومستوياته ، وهو ما يستنزف قوة الطرفين فالمستفيد آخرُ من خارجهما يَرْقُبُ وهو ، مع ذلك ، يُدِيرُ المشهد ولو من طرق غير مباشرة ، فتلك نظرية الصراعات منخفضةِ الحدة مُتَطَاوِلَةِ المدة التي يدير بها النظام الدولي بَعْضَ مَشَاهِدِ الصراع الأهلي في الأطراف ، فَلَيْسَ في عجلة من أمره إذ يستخدم سياسة إدارة الأزمة فلا يهتم كثيرا بالحل السريع بل ذلك لا يخدم مصالحه في أحيان ، فَطُولُ الأمد يَسْتَنْزِفُ أجنحة الصراع جميعا فيكون مَنْ يَرْقُبُ مِنْ خارج هو المستفيد الأكبر ، فهو في مأمن من الخسائر المباشرة ، فَقَدِ ادَّخَرَ قُوَّتَهُ لِيَحْسِمَ الصِّرَاعَ إذا تَكَسَّرَتِ الأجنحة المتصارعة ، وتلك نظرية تستخدمها قوى التغيير الثوري أو الإصلاحي في مواجهة أي نظام مستبد إذا اشتد الصراع بَيْنَ أَجْنِحَتِهِ ، فَتَرْكُهَا تَتَصَارَعُ ، على وزان الدعاء المشهور : اللهم أَهْلِكِ الظالمين بالظالمين فَدَعْهُمْ يُفْنِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَتَرْكُهَا تَتَصَارَعُ هو الْأَوْلَى مَعَ الاستفادةِ مِنْ نَزِيفِهَا الْمُتَسَارِعِ دون التَّعَجُّلِ في دخول مشهد لَمَّا يكتمل فضلا عن ضَبَابِيَّةٍ في الرؤية تَحْمِلُ النَّاظِرَ عَلَى التَّأَنِّي لِئَلَّا يُسَارِعَ بِالظُّهُورِ من كُمُونٍ فذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، ما يُهَدِّدُ قُوَّتَهُ الصلبة بالاستهداف المباشر دون طائل ، فالأمر ، كما يَنْقِلُ بعض الفضلاء عن لينين وهو من مُنَظِّرِي الثورة المخضرمين مع فَسَادَ دِيَانَتِهِ وَسِيَاسَتِهِ ، فالأمر لا بُدَّ له من حشد وهو ما تصنعه آلة الدعاية والإعلام ، ولا يجزئ حتى يكون ثم تَنْظِيمٌ يُوَظِّفُ هذا الحشد ، فالحشد ، كما يقول بعض الباحثين ، يَتْبَعُ التنظيم فإذا تَرَاجَعَ التَّنْظِيمُ تَرَاجَعَ الحشدُ إذ لا يطيق التضحية بلا طائل فليس ثَمَّ رائد وليس ثم طرح محكم يستحق المغامرة فلا يَتَحَوَّلُ الأمر إلى مُقَامَرَةٍ خَسَائِرُهَا هائلة .
    فلا يجزئ هذا الأمر حتى يكون ثم تَنْظِيمٌ يُوَظِّفُ هذا الحشد بِمَا يملك من أدوات على الأرض ، أو أخرى داخل المؤسسات الصلبة إن كان ثم جناح آخر داخل المنظومة يَرَى نهاية وشيكة لَهَا بِمَا تُقَارِفُ القيادة المتهورة من أخطاء جسيمة ، فهو يَرُومُ إعادة التأهيل للمنظومة بما يَبُثُّ من دعاية تَتَصَاعَدُ عَبْرَ بَعْضِ الوسائطِ من خَارِجِهَا ، فَتَرُومُ صناعةَ حشد جماهيري في ظل غياب التنظيم السياسي المستقل ، فذلك ما يجعلها البديل للسلطة الحالية فهي جناح يُنَاجِزُ آخر ، وهو يَرُومُ الاستفادة من الحشد الغاضب الذي تَرَاكَمَ عَبْرَ سنوات واكتسب الزخم بما يُبَثُّ من دعاية قوية وهي في نفس الآن ماكرة إذ تَسْتَهْدِفُ رأس السلطة وَدَائِرَتَهُ الأسرية والتنفيذية الضيقة ، فهي مانع صواعق يمتص طاقتها فَيَحْمِي المنظومة من أَثَرِهَا المباشر إذ يقصره على نَوَاةٍ بِعَيْنِهَا من أنوية السلطة ذات الأنوية والأجنحة الْمُتَعَدِّدَةِ فَبَعْضُهَا يُضَحِّي بِبَعْضٍ لاستبقاء الكيان الأم وإعادة تَدْوِيرِهِ كَمَا النِّفَايَاتِ فهي محاولة لإعادة تأهيل كيان عاجز عن الاستمرار بما اقتضت السنة الربانية من انهيار بعد اكتمال فهو الآن في مراحل الانهيار الأخيرة وإن اشتدت وطأته فَتِلْكَ مَئِنَّةُ ضعفٍ إذ شَرَاسَةُ مَنْ يُقَاتِلُ في مراحل متأخرة تكون أَشَدَّ ، فالإفراط في العنف ، لو تدبر الناظر ، مئنة من العجز ، وقد ينجح في تهدئة الأمور ولكنه لا ينجح أبدا في حسمها ، فَثَمَّ جناح آخر يناجزه وهو يروم توظيف الزخم الشعبي استثمارا لحال الغضب والاحتقان ، وذلك ما يجعل أَيَّ راغب في التغيير حقا يَتَرَيَّثُ فلا يَتَعَجَّلُ ويشارك فهو في هذه الحال يقامر ولما تَسْتَبِنْ بَعْدُ الرؤية .

    واضرب له المثل بالإصلاح البروتستانتي الذي ظَهَرَ دَاخِلَ التَّنْظِيمِ الكاثوليكي ، فهو انشقاق مُؤَثِّرٌ وإن لم يكن انشقاقا رأسيا كاملا ، فقد احتفظت الكاثوليكية بهرمها الكهنوتي وإن تَضَرَّرَ مِنْ جَرَّاءِ الطرح البروتستانتي الذي نجح في توظيف فسادها وفضائحها في ضربها في مواضع مؤثرة ، فكان ظهور الجناح البروتستانتي الذي اكتسب زخما جماهيريا كبيرا فانتشرت البروتستانتية في أوروبا على وجه هدد النفوذ الكاثوليكي المطلق فكانت الحرب لا محالة إذ الجناحان قد استويا في القوة أو تَقَارَبَا ، فكانت حرب الثلاثين عاما ، وهي نقطة تحول جوهري في السياسة الدولية ، وهي ، كما يقول بعض الفضلاء ، نواة أولى للنظام الدولي الحالي إذ أفرزت معاهدة وستفاليا 1648 التي وضعت حجر أساس الدولة الوطنية العلمانية الحديثة التي تقتصر على قَوْمِيَّةٍ بِعَيْنِهَا فلا تجمع القوميات بِرِبَاطٍ أيديولوجي يجاوز الحد الجغرافي .

    فالأجنحة ، لو تدبر الناظر ، ظاهرة ذات دلالات تَتَعَارَضُ ، فقد تحكي قوة السلطة إذ تَتَحَكَّمُ في المشهد وتدير هذا الصراع بما يحقق مصالحها في إضعاف أي خصم محتمل وحسم أي تهديد ولو بَعِيدًا يَتَرَاكَمُ فصناعة الجناح في أي مؤسسة أو كيان لا يكون فجأة ، فَهُوَ نِتَاجُ فِكْرٍ وَنَظَرٍ ، وحكاية لشبكة من العلاقات والولاءات المتراكمة ، فإذا ظهر هذا الجناح فهو يخصم من رصيد السلطة ، ولو قَوِيَّةً ، إذ تُخَصِّصُ جزءا من وقتها وجهدها وتمويلها لتحجيمه أو القضاء عليه تَبَعًا لدرجة الخطورة ، فتجتهد في صناعة نَظَائِرَ تُنَاجِزُهُ وهي مِنْ بَعِيدٍ تَرْقُبُ وَتُدِيرُ المشهد .

    وقد تحكي في المقابل ضعف السلطة فَقَدْ فَقَدَتِ السيطرة على المشهد فظهرت الأجنحة الَّتِي تَتَصَارَعُ عَلَى المقعد الشاغر عمليا وإن لم يشغر رسميا ، فَبِقَدْرِ ما يَنْحَسِرُ من نفوذ السلطة فَثَمَّ قوى أخرى تملأ المحل الشاغر ، فتلك سنة ربانية في الكون ، فليس ثم محل يشغر وإلا وثم حَالٌّ يشغل ، فيكون الصراع بَيْنَ الأجنحة أو الكيانات أَيُّهَا يسبق فيملأ المحل الشاغر أو يملأ جزءا منه ويملأ غيره آخر فَهُمَا يَتَصَارَعَانِ في هذه المساحة الشاغرة من السلطة التي تَزِيدُ يَوْمًا بعد آخر بما يكون من تَرَهُّلِ القيادة فهي من ضعيف إلى أضعف ، فَتُغَادِرُ كلَّ يومٍ مساحةً يجتهد الخصوم فِي شَغْلِهَا فيكون الصراع بَيْنَهُمْ لاحتلال هذا الفراغ بِقَدْرِ ما لهم من أوزان نسبية تجاوز الأوزان الجماهيرية فليست ذات اعتبار أَوَّلَ في صراع السلطة لا سيما في الأمثلة السياسية المعاصرة التي جُرِّدَتْ فيها المجتمعات من أسباب القوة فصارت جمهورا يَتَفَرَّجُ ويشجع اللُّعْبَةَ الحلوة لا أكثر ! ، فهو عامل تَرْجِيحٍ يُسْتَدْعَى في اللحظات الأخيرة لِيُقْضَى الأمر باسمه وليس له منه شيء إذ ليس له من أدوات القوة على الأرض شيء يؤبه له ، فهي ، لو تدبر الناظر ، تجاوز الحشد فَلَيْسَ له كيان أو تَنْظِيمٌ يدير المشهد وليس له من أسباب القوة الذاتية ما اجتهدت الدولة المدنية الحديثة أن تَسْلُبَهُ من يده ليكون أعزل مجردا من أي قوة فَيَسْهُلَ حُكْمُهُ على السلطة .

    وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما لا يُقْضَى في يوم وليلة ، فالغالب أن هذا الصراع بَيْنَ أجنجة التنظيم لا يحسم في جولة أو اثنتين ، فهو أمر يَتَرَاكَمُ ، إذ ليست كل المعارك جولة وليست كل الهزائم بالضربة القاضية فمنها ما يكون نقاطا تَتَرَاكَمُ ، وقد يُقْضَى الأمر ، ولو في الظاهر ، بالضربة القاضية ، فهي ، لو تدبر الناظر ، نتاج تَرَاكُمٍ آخر فلا بد من ضعف وَتَرَهُّلٍ وهو ما لا يحصل فجأة فالشيب لا يزحف دفعة وإنما يزحف شيئا فشيئا حتى يغزو الرَّأْسَ كُلَّهُ ، فهذا الضعف والترهل المتراكم هو ما يجعل الضربة القاضية تُؤَثِّرُ فَتُسْقِطُ الخصمَ دفعةً .
    وقد يكون من التدبير الكوني المحكم أن يطول أمد الصارع بين الأجنحة المتخالفة وكلها ، لو تدبر الناظر ، فاسدة ، فَيُخْرِجُ كلٌّ للآخر من ملفات الفساد السياسي والمالي والأخلاقي ما يسقط الهيبة فيكون ذلك من المكر الإلهي المحكم ، إذ يظهر للعامة من خلائق القوم خسةً ونذالةً ودناءة أصلٍ ما يعجل بزوال الجميع وإن طال أمد الصراع ، فالأمر ، بداهة ، لا يحسم بالضربة القاضية ، وإنما يحسم ، في الغالب بالنقاط ، وَكُلَّمَا طال الأمد نال الجميع من الإرهاق والتَّعَبِ ما يُسَهِّلُ مُهِمَّةَ أيِّ مخلصٍ أن يصلح ، فلا يجد عدوا قويا يناجزه ، وإنما يجده ضَعِيفًا مُنْهَكًا قد استنزفه الخصم في جولة تَقَدَّمَتْ ، فضلا عن سنة التمايز التي بِهَا تُبْلَى السرائر ، فـ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) .

    والله أعلى وأعلم .


  4. #4
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:09-11-2019
    الساعة:06:47 AM

    المشاركات
    4,884
    العمر
    41

    وتاريخ التنظيم الهرمي المغلق الذي يحكم مصر ، وهو ، كما تقدم مِثَالٌ قياسي لنظرية الحكم الهرمي المركزي ، تَارِيخُ هَذَا التَّنْظِيمِ ، لو تدبر الناظر ، تَارِيخٌ يَمْتَدُّ لِقَرْنَيْنِ أو يَزِيدُ ، فهو الذي وضع القوة العسكرية الصلبة في موضع المركز الرئيس ، وذلك إشكال رَئِيسٌ في أي مجتمع أن يَنْتَقِلَ مَرْكَزُ التحكم والسيطرة مِنَ الأمة إلى السلطة ، ولا يكون ذلك إلا بِسَلْبِ أسبابِ القوةِ من النَّاسِ ، فالسلطة التي تحكم ولا تخدم وتحمي فَهِيَ خَارِجَةٌ عَنِ الغاية الرَّئِيسَةِ في السياسة ، فالخدمة والحماية وقبلها الحفاظ على الهوية والديانة ، وهي منظومة القيم التي يَنْشَأُ عليها أي كيان راسخ ، تِلْكَ هِيَ وظيفة السلطة التي تخرج مِنْ رَحِمِ المجتمعِ فَهِيَ تُشَاطِرُهُ القيم والمبادئ ، وهي تُعَالِجُ ما يُعَالِجُ من آلام وَحَوَائِجَ ، فَعِنْدَهَا من القيم الفكرية والدينية ما به الأمانة تَتَحَقَّقُ ، وعندها من الكفاءة ما به القوة تَتَحَقَّقُ ، فهي خير مَنْ يُسْتَأْجَرُ في الشأن العام أو الخاص ، فـ : (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) ، فسلطةٌ كهذه لا تَرْغَبُ ، أَبَدًا ، أَنْ تَسْتَبِدَّ وَتَطْغَى فَتَسْلُبَ الناس أسباب القوة والمنعة بل هي تَسْتَمِدُّ قُوَّتَهَا مِنْ قُوَّةِ المجتمعِ الذي يَرْفِدُهَا بالشرعية الأخلاقية ، شرعية التَّفْوِيضِ والإنابة أَنْ تَتَوَلَّى السلطةُ إدارةَ الشأنِ العام ، فالمجتمع القوي يُفْرِزُ نُخْبَةً قَوِيَّةً ، مِنْهَا تَخْرُجُ الكوادر الناصحة الصالحة التي تَتَوَلَّى مناصب الدولة الناجحة وهي الدولة العادلة التي تقيم أساس الملك المتين ، أساس العدل ، وهو أمر ، كما تقدم مِرَارًا ، يجاوز حَدَّ القسمة فِي المال والخدمة ، فَثَمَّ العدلُ فِي فُرَصِ الحياةِ الكريمة وفرصِ العمل والإبداع ، وحرية الرأي والفكرة التي تَأْرِزُ إلى مرجع محكم يحول بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّطَطِ ، وحرية التَّنَقُّلِ دون حَوَاجِزَ وَكَمَائِنَ تَضَعُهَا السُّلْطَةُ حِجَارَةً تُعَثِّرُ وَتُكَدِّرُ ، فَضْلًا عَنْ هَامِشٍ واسع من القوة يشغله المجتمع ، فَلَهُ مصادرُ قوةٍ وَتَمْوِيلٍ ذاتيةٍ لا تخشى مِنْهَا السلطة إلا إذا كانت خائنة لقيم المجتمع أو فاسدة تحظى بِامْتِيَازَاتٍ مُسْتَقْطَعَةٍ من ثَرَوَاتِ المجتمع وحقوقه في المشاركة الفكرية والسياسية والاقتصادية ، فالاستبداد الذي تُمَارِسُهُ السلطة المستبدة إنما هو استقطاع لشطر كَبِيرٍ من حقوق المجتمع أَنْ يُشَارِكَ وَيُعَارِضَ ، والثَّرَاءُ غير المشروع الذي يَظْهَرُ فَجْأَةً ! على رِجَالَاتِ السلطةِ الفاسدة إنما هو استقطاع لشطر كَبِيرٍ من ثَرْوَةِ المجتمعِ ، وهو ما يَنْعَكِسُ على الخدمات العامة وهي جزء مِنْ ثَرْوَةِ المجتمعِ فَلَيْسَتْ ثَرْوَتُهُ ما يحوز من نقد مطبوع ، فما أيسر أن تَطْبَعَ السلطةُ الورقَ فَلَا قِيمَةَ له بما يكون من التضخم الذي يَلْتَهِمُ قُوَّةَ الشراء لهذا النقد فلا غطاء له من إِنْتَاجٍ أو ثَرْوَةٍ حقيقية ، ثَرْوَةِ الصناعةِ والزراعةِ والخدمات فَكُلُّهَا مُؤَشِّرَاتٌ تَعْكِسُ قوة الاقتصاد ، فإذا كانت السلطة فاسدة سارقة فإنها تَسْتَنْزِفُ الثروة الحقيقية وإن زَادَتِ الثَّرْوَةُ الورقية ، فهي تسيطر على موارد البلاد وَتَتَصَرَّفُ فِيهَا بما يخدم المركز أولا ، والنخب التابعة في الداخل التي اتخذت ، كما يقول بعض الباحثين ، صورة العائلات التي تسيطر على حصة وافرة من الاقتصاد وتديره بما يحقق مصالح المركز .


    والشاهد أن السلطة التي تحكم وَتَقْمَعُ ولا تخدم وَتَحْمِي ، لا يمكن أن تمنح المجتمع فضاء حرية ، فالحرية بِيئَةُ القوةِ والثروةِ : قوة الروح بما يكون من حرية التَّنَسُّكِ والتدبر ، فالأمر يُجَاوِزُ حَدَّ الشَّعَائِرِ الَّتِي يَرُومُ المستبد قَصْرَ الدينِ عَلَيْهَا فَيَسْلُبُهُ روحه الوثابة التي تجاوز الذات إلى المجتمع ، وتحوله إلى طاقة تغيير فاعلة ، فالدين ، كما يقول صاحب الأوراق التي سطرت خلف القضبان "هروبي إلى الحرية" فَهِيَ أَصْدَقُ كلماتٍ فلا تخرج إلا من سجين قد صُودِرَتْ حُرِّيَّتُهُ فذاق مرارة الأسر وما يكون فيه من الخوف والقهر ، فلا يدرك ذلك إلا من ذاقه فَهُوَ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى تحرير البشر من عُبُودِيَّاتِ الأرضِ المحدثة التي تَسْتَبِدُّ بالأمر ، ولا يكون ذَلِكَ إلا بمادة الدين ، كما يقول صاحب الأوراق آنفة الذكر ، فَهِيَ مادة التغيير للإنسان ، والإنسان هو مَنْ يُغَيِّرُ العالم فلا يستطيع ذلك إلا بقوة دافعة تجاوز مدارك الحس ، فتضحية المتدين أعظم تضحية ، فهذا التغيير قَدْ طَالَ جَوْهَرَ الإنسان فأعاد تَرْتِيبَ الداخل فكان التَّغْيِيرُ في الخارج ثَوْرَةً بَدَأَتْ من الروح ، فَتَغْيِيرُ الإنسان هو الثورة التي قام بها الدين ، فلا يطيق ذلك إلا حضارة مَرْكَزُهَا النُّبُوَّةُ فهي مرجع مُجَاوِزٌ من خارج هذه الأرض ، وَحَامِلُهَا ، كما يَقُولُ بَعْضُ المحققينَ ، لَيْسَ صُوفِيًّا هنديا قد اعْتَزَلَ الحياة بذريعة الاستغراق فِي التفكير فهو سَلْبِيٌّ لا يُجَاوِزُ تَأْثِيرُهُ جَسَدَ النَّاسِكِ أو الرَّاهِبِ فَلَيْسَ ، حامل القيم الرسالية ، صُوفِيًّا هنديا ولا ناسكا مسيحيا نحيلا ، ولا جنديا رومانيا متوحشا فهو على ضِدِّ الراهب فَلَهُ أَثَرٌ ظَاهِرٌ فِي الخارجِ ولكنه أَثَرٌ سالب أيضا إذ ليس ثَمَّ مَرْجِعٌ محكم يَأْرِزُ إليه فِي تَصَوُّرِهِ قبل أن يصدر عنه القول والعمل ، فحامل القيم الرسالية ، كما يقول بعض المحققين ، هو الفارس الشجاع الذي وصف القرآنُ قَبِيلَهُ الناصح أنهم : (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ، فكان الانتشار الروحي السياسي العسكري ، فَهُوَ انْتِشَارُ الفكرةِ والحركةِ فلم يكن الوحي فكرة بلا حركة ، أو نُسُكَ عابدٍ بلا عدلِ حاكمٍ وفتحِ قائدٍ ، وهو ما يَأْبَاهُ خصوم الوحي الذين يَنْتَحِلُونَهُ اسْمًا بلا مُسَمَّى ، ويظهرون تَعْظِيمَهُ ، وهم أَلَدُّ خصومه ، فَدِعَايَتُهُمْ أَنَّهُ قَرِينُ الفوضى في الشرق ، وأنه مادة الإرهاب والعنف ..... إلخ من الدعاية السوداء الَّتِي يُطْلِقُهَا أَقْزَامُ السُّلطةِ اللادينية التي اختصت الوحي الخاتم بأوصاف القدح وألقاب الذم وهي بها أَلْيَقُ ، فالوحي قد تَمَدَّدَ تَمَدُّدًا جَاوَزَ التَّمَدُّدَ الروماني والفارسي فلا يَجْحَدُ أَيُّ نَاظِرٍ فِي مَوَازِينِ القوى فِي العالم القديم أن فارسَ والرومَ كَانَتَا أَكْبْرَ إمبراطوريتين في العالم وقد حَقَّقَتَا من التمدد الجيوسياسي باستخدام القوة العسكرية الهائلة ما اقْتَسَمَتَا بِهِ النُّفُوذَ ، ولكنهما لَمْ تُجَاوِزَا حد التَّمَدُّدِ الحضاري على الأرض بما أَقَامَتَا من دواوين الإدارة والسياسة والحرب فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ قوة روحية باعثة لهذا الحراك الهائل ، فليس إلا القوة وهي القيمة المركزية العظمى في أي حضارة أرضية ، فالقوة آلة واللذة غاية ، والقانون هو الوسيط الذي يحكي إرادة الطبقة الحاكمة التي احتكرت أسباب القوة والثروة واحتكرت أدوات التشريع التي بها تُحَوِّلُ إِرَادَتَهَا القاهرةَ إلى نصوص ملزِمة ، فلا يُرْجَى مِنْ قَانُونٍ كَهَذَا عدلٌ ، ولا يمكن أن يُقَدِّمَ للعالم أَيَّ خَيْرٍ ، فالقانون هو قانون السلطة الذي تَسْطُرُهُ لِتَنَالَ بِهِ الامتيازات وَتَحْمِي به المكتسبات ، فَتَمَدُّدُ هذهِ القوة لا يحمل أَيَّ رسالةٍ إلى العالم ، فليس إلا القهر والاستبداد ، وأما الوحي فلم يُهْمِلِ التَّمَدُّدَ الجيوسياسي العسكري على الأرض ، ولكنه أَطَرَهُ على معنى شريف كان هو الباعث الأول ، فَكَانَ انْتِشَارُ الوحيِ انْتِشَارًا روحيا واسعا قبل أن يكون سياسيا أو عسكريا ، فالباعث وحي هو المركز ، فهو مركز الفكرة وباعث الحركة في الشرق الذي خرجت منه الرسالة لِتُغَيِّرَ وجه الأرض بجيوش الفتح التي لم تكن بداهة قوة وظيفية مرتزقةً تَتْبَعُ مَنْ يَدْفَعُ أكثر أو يملك من أدوات القوة ما يأطرها على فكرته ، ولو أرضية محدثة ، فليس لها من قوة الروح ما به تميز الحق من الباطل فلا تنفذ الأمر إلا إذا كان حقا ، وإلا فلا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ ، فكانت ثَوْرَةً على عبودية الأرض أَخْرَجَتِ النَّاسَ إلى عبودية السماء ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، غاية الأحرار إذا أحكموا المشاعر بلجام الشَّرَائِعِ ، فكان الباعثُ فكرةَ الوحي ، وكان الصادر حركة الجمع الذي يحمل الكتاب الهادي بِيَدٍ والحديد الناصر بأخرى ، فليس كتابا مجردا من الحكم يُتْلَى تِلَاوَةَ المواعظِ والرقائقِ ، بل هو طاقة تَغْيِيرٍ هائلة ، أخلاقه ، كما يقول بعض المفكرين ، أخلاق العمل الصالح الذي تظهر آثاره في الخارج ، فلا يَنْطَوِي صاحبه على ذاته ولا يهجر الحياة إلى الصوامع أو الكهوف ، فهو الحاملُ للمبادئ الحافظُ للمصالح ، قد جَمَعَ الدينَ والدنيا في إهابه ، فَثَمَّ مَرْجِعُ المبدإِ ، كِتَابًا من السماءِ يَهْدِي ، وَثَمَّ سياسة العدلِ الَّتِي تُمْسِكُ بِسَيْفِ الحسمِ ، فكمال حكومتها جمال العدل وجلال الحسم ، فكرةً تهدي وقوةً تحمي ، فَلَيْسَ دونَ هتلر ! ، وهو رَجُلُ النَّازِيَّةِ ، مع القدر الفارق بداهة بَيْنَ الرسالة السماوية الْمُنْزَلَةِ وأي أطروحة أرضية مُحْدَثَةٍ ، فهتلر ، كما يقول بعض المفكرين ، دليل واضح كيف يمكن توظيف أدوات الحضارة في تدمير الثقافة ! ، ولكنه ، مع ذلك ، قد فَقِهَ الأمر ، فالسلام لا يكون إلا بحرب ، والحق لا يظهر إلا أَنْ يُدَافِعَ الباطلَ وَيَصْبِرَ ، فخطب هتلر عن سيادة ألمانيا النازية ، سيادة الْعِرْقِ الآري انطلاقا من مشاعر الاستعلاء التي تسكن الروح الأوروبية البيضاء ، خَطَبَ فأجاد من وجه إذ أبان عن أسباب السيادة والنصر ، فسيادة ألمانيا يَنْبَغِي أن تُؤَدِّي إلى "سلام لا يأتي عبر سعف النخيل الذي يحمله النائحون المسالمون الباكون ، وإنما يأتي عبر سيف قاهر تمسكه أمة قائدة ، سيف يعمل في خدمة ثقافة عليا" ، فذلك طرح لا يخلو من الحق ، وإن استخدمه هتلر في دعاية أرضية بَاعِثُهَا العنصريةُ ، فلا بد من قوة عسكرية تَحْمِي ، وتلك ، بداهة ، لَيْسَتِ القوةَ الوظيفيَّةَ التَّابِعَةَ التي تحكمُ الداخل نِيَابَةً عن المركز فَقَدِ انْتَقَلَتْ من وظيفة الحامي لقيم الذات ومصالحه إلى وظيفة الحاكم للمجتمع بما يحفظ مصالح الخصم ، فكان سعيها آنف الذكر أن تَسْلُبَ المجتمعَ أسباب قوته الذاتية إذ هو الخصم الجديد الذي تَشَكَّلَ فِي عقيدتها العسكرية غَيْرِ المعلنة ، والتي لا تَنْفَكُّ تَظْهَرُ : فلتاتِ لسانٍ مِنْ بَعْضِ قَادَتِهَا ! ، فالقوة الحامية للفكرة لا بُدَّ أن تَدِينَ لَهَا بالولاء ، فَسَعَى هتلر أن يُنْشِئَ قوة تحمي النازية إذ تَشَرَّبَتْ قِيَمَهَا العنصرية ، فَاتَّحَدَ المرجعُ وَثَبَتَ ، وإن ظَلَمَ صاحبُه وَهَدَمَ فكانت النازية قوة تدمير هائلة في القرن الْمَاضِي ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ ذَاتَ مَرْجِعٍ فكريٍّ ، فَلَمْ يكن السيف يَخْبِطُ خَبْطَ عشواء ، وإنما انْطَلَقَ مِنْ قِيمَةٍ عظمى ولو عنصريةً بَغِيضَةً تحتقر سائر أجناس الخليقة إلا الجنس الآري الأبيض ، فالسيف يَحْمِيهَا وَيُبَشِّرُ بها في أرجاء أوروبا ، وهو يعمل في خدمة مُثُلِ النازية العليا ، فذلك طرح لا يخلو من مَنْطِقٍ ، وإن كان صاحبه مجنونا يَقْتُلُ وَيُدَمِّرُ ! ، فلا فكرة تظهر إلا وَثَمَّ سَيْفٌ يَنْصُرُ وَيُؤَيِّدُ ، فإذا صَحَّ المرجع واستقام فكان الوحي هو الباعث ، فحامل السيف آنذاك قد سَلِمَ مِنَ الصِّرَاعِ المحتدمِ بين روحه وبدنه ، فقد جُمِعَ له الاثنان في إهاب واحد ، فمرجعية الوحي قد أبطلت هذا التناقض بَيْنَ روح مسيحية تَرُومُ مملكة السماء بِرَهْبَنَةٍ وَتَصَوُّفٍ ، وهي ، كما يقول بعض المحققين ، مثالية مفرطة لم يطق أكثر الناس انْتَحَالَهَا ، فَنَجَمَ النفاق إذ تظاهر المسيحي بالورع والتقوى وهو يقارف أضدادها فهو يُحَاكِي صورة مثالية قد يَبْلُغُهَا آحاد من الرهبان ، ولكن الجمع الغالب لا يَبْلُغُهَا فلا يصح في الأذهان أن يُكَلَّفَ الناس بما يشق المشقة الغالبة فلا يطيقه إلا آحاد فالتكليف قد نَزَلَ يستغرق الجمهرة العظمى فَلَمْ يَنْزِلْ نادرا يَمْتَثِلُهُ آحاد ، فالنادر لا حكم له ، وإنما نَزَلَ بما يطيق الناس من المشقة المعتادة ، فلا يكون التكليف بما جاوز الحد والعادة من المشقة الزائدة التي لا يحتملها إلا آحاد قد أُوتُوا من القدرة ما لم يُؤْتَ غيرهم ، فَلَئِنْ صحت رَهْبَانِيَّتُهُمْ وهي لا تصح ، وإن غُفِرَ لِبَعْضِهِم إذ تأولوا ما يَصْنَعُونَ أنه عبادة فكان من النية الصالحة ما نَسَخَ المجاوزة في الحد لا أنه قد أَصْلَحَ مَا فَسَدَ من العمل ، فالنية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد ولا تبيح المحدث المحظور من أحوال الغلو والزيادة وإنما يَرْجُحُ ثواب النية المحررة إِثْمَ البدعة المحدثة لا سيما إِنْ وَقَعَ فِيهَا مَنْ وَقَعَ جهلا أو مصادفة أو رَغْبَةً تَصْدُقُ أَنْ يُصِيبَ الحقَّ ، فَلَئِنْ صحت رَهْبَانِيَّتُهُمْ فإنها مما لا يطيق أكثر الناس فكيف يأتي الوحي من عند الرب الحكيم المحكِم ، العليم المتقِن الذي أَتْقَنَ كُلَّ شيءٍ ، فأتقن الشرع أمرا ونهيا ، وأتقن الكون خلقا ورزقا ، كيف يأتي الوحي بما لا يُوَاطِئُ الحال الغالبة فيكلف الناس ما لا تطيقه إلا الفئة النادرة ، فذلك ما يُجَافِي عن العلم والحكمة وهو ، لو تدبر الناظر ، اتهام لِرَبِّ العزةِ ، جل وعلا ، أنه لا يَعْلَمُ الحق ولا يُحْكِمُ الأمرَ والنهيَ فَيُنَزِّلُ من التكليف بقدر وهو ما يواطئ الجمع الغالب ، فلا يكلف ، جل وعلا ، نَفْسًا إلا وسعها ، فَثَمَّ التَّنَاقُضُ بَيْنَ مسيحية صوفية تَرُومُ مملكة السماء مجردة من الأثر الفاعل في الحياة ، وهو ما انقلب بعد ذلك فصارت المسيحية مادية مفرِطة بعد أن كانت روحانية مفرِطة وذلك رَدُّ الفعل البدهي فإن الغلو في باب يُضَاهِيهِ الجفاء التام ، فمن الرهبانية إلى التهتك والفسوق ، حتى صار مضرب المثل ، وانتقلت المسيحية كما يَنْقِلُ بعض المفكرين ، انتقلت من "طوبى للمساكين بالروح ، لأن لهم ملكوت السماوات" إلى "طوبى للأقوياء ، لأنهم سوف يحكمون الأرض" ، فانتقلت المملكة من السماء إلى الأرض ، وصار الفردوس أرضيا فهو المدينة الفاضلة التي اقْتَرَحَهَا الأدب الغربي عبر أجياله من أفلاطون إلى يوتوبيا توماس مور إلى مدينة كامبانيلا : مدينة الشمس ، وهي مدينة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب ، فلا مكان فيها لضعيف أو عاجز ، فتلك بيئة تحكمها الغريزة الحسية الدُّنْيَا كما ينقل بعض المحققين من وصف الذئاب أنهم يأكلون الذئب الذي يعجز فلا يطيق الحركة فَيَكُونُ عِبْئًا على القطيع إذ هُوَ غَيْرُ مُنْتِجٍ فلا يصطاد ، وهو عالة على القطيع إذ يستهلك من اللحم ما لم يَصِدْهُ ، فَيَأْكُلُ ولا يعلم ، وكأن هذا القطيع يمثل أصدق تمثيل مرجعية المذاهب الأرضية المحدثة : سواء أكانت الشيوعية أم الرأسمالية الليبرالية فمن لا يعمل لا يأكل لأنه لا يُنْتِجُ ، فلا يَتَحَوَّلُ إنتاجه إلى رصيد من الثروة المادية يَصُبُّ أكثرها في جيوب النخبة الحاكمة ، فَعَلَامَ تستقطع الدولة من الضرائب والموارد لخدمة عاجز لا ينفع البلاد بشي؟! ء ، وإن كان بالأمس مُنْتِجًا فاعلا يُتَرْجَمُ نشاطه إلى زيادة في الثروة فضلا عما يستقطع من دخله كمعاش أو تأمين أو ضريبة ، فهو يسهم في سداد أعباء الدولة فأول وعاء هو وعاء الضرائب والمعاشات ، ومع ذلك يكون مآله كَمَآلِ الذئبِ العجوز الذي لم يعد يُنْتِجُ فَلَمْ يَعُدْ ذا قيمة مادية مضافة فوجب التخلص منه ولو بأكله ! إذ القيمة المادية البراجماتية هي الحاكمة ، وقياسها أن من لا يعمل ولا يحقق دخلا فعلام يَسْتَقْطِعُ مِنْ ثَرْوَةِ القطيعِ ولو كان مريضا لا يطيق العمل .
    فمعيار التقييم لأي أمة ، كما يذكر بعض المفكرين ، هو موقفها من خصومها في السياسة والحرب ، والمرضى والمحتاجين وكبار السن ، فإذا سَنَّتْ حضارةٌ سُنَّةَ القتلِ الرحيم للتخلص من المرضى والعاجزين كما صنعت النازية ولم تخل من جذور مسيحية كاثوليكية كانت رافدا من روافد الهوية النازية ، إذا سَنَّتْ حضارةٌ هذه السنة فهي تشكو أزمة أخلاقية عظمى ، وإن زعمت أنها مسيحية روحانية فَقَدِ انْتَقَلَ مَرْكَزُ الثِّقَلِ فيها من مملكة السماء العليا إلى أرض الميعاد الدنيا ، وَهُوَ ، لَوْ تَدَبَّرَ الناظرُ ، ما ظهرت آثاره في الأخلاق البروتستانتية ، أخلاق الإنتاج بالمفهوم المادي الجاف ، وهو ما اسْتُنْسِخَ منه إسلام السوق ، كما أَطْلَقَ عَلَيْهِ بَعْضُ الباحثين ، فهو النسخة البروتستانتية الإسلامية ! ، فالمادية اليهودية قد انتقلت إلى المسيحية فظهر المذهب البروتستانتي الذي حَمَلَ قِيَمَ اليهودية ، فكان الملك الألفي في الأرض الذي استبدل بِمَمْلَكَةِ السماء ، فانتقل مركز المسيحية من السماء إلى الأرض ودخلت قيم اليهودية المادية إلى النظرية المسيحية الروحانية ، لا جرم كانت الحضارة الغربية ، كما يقول بعض المفكرين ، حضارة يهودية مسيحية .
    والشاهد أن ثم تَنَاقُضًا بَيْنَ المسيحية الصوفية في نُسْخَتِهَا الكلاسيكية الَّتِي تَسْتَهْدِفُ مَمْلَكَةَ السماءِ ، والْيَهُودِيَّةِ الَّتِي تَرُومُ أرض الميعاد بِحَرَكَةٍ وَتَصَرُّفٍ ، فَكَانَتِ الرِّسَالَةُ الخاتمة الجامعة لجلال الموسوية وجمال الْعِيسَوِيَّةِ هِيَ رَائِدَ الحركةِ وَالتَّغْيِيرِ الذي يُجَاوِزُ الذات إلى كَافَّةِ أَرْجَاءِ الأرضِ ، فالمسيحية ، كما يقول بعض المفكرين ، تُرِيدُ تحويل البشر إلى ملائكة بِطَرْحٍ غَالٍ في الزهد والرياضة ، والماديون لا سيما اليهود يُؤَكِّدُونَ أَنَّنَا حيوانات تُحَرِّكُهَا غَرَائِزُ الْحِسِّ ، والرسالة الخاتمة تُؤَكِّدُ عَلَى تَفْضِيلِ الإنسان ، الكائنِ المختارِ لخلافة الأرض بِشَرِيعَةِ الوحيِ ، فذلك وصف الخيرية المجاوز الذي جاء به الوحي الخاتم ليخرج من العرب الأجلاف دعاة وفاتحين وهو ، بداهة ، ما يَقُضُّ مضاجع الاستبداد في المركز وفي الأطراف فلا يُرِيدُ أمة الرسالة فوحدها من يغير القواعد فَلَا يَقْتَصِرُ تَغْيِيرُهَا على الظَّوَاهِرِ ، فهي المرجع المحكم الذي يجاوز الأرض فَوَحْدَهُ مَا سَلِمَ من الهوى وحظ النفس فلا غاية له أن يسلب المجتمع أَسْبَابَ القوةِ لِيَسْتَبِدَّ ويظلم ، بل هو سَاعٍ ، أَبَدًا ، أن يَرْفِدَ المجتمع بأسباب القوة لِيُبَاشِرَ وظائفه في الأمر والنهي ، فَتِلْكَ قَاعِدَةُ الوحيِ ، قَاعِدَةُ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فلا يطيق هذه الوظيفة الرِّسَالِيَّةِ الشريفة إلا أن يكون ذَا قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ ، فيكون له من أسباب الذات ما يَخْشَى بَأْسَهُ كُلُّ حاكمٍ إِذَا حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ أَنْ يَسْتَبِدَّ ، ولو كان الفاروق عمر ، رضي الله عنه ، وهو مضرب المثل في العدل وَالْوَرَعِ ، فلم يَسْمَعِ الجمع وَيُطِعْ إذ فَضَّلَ نفسه بثوب دونهم فلا سمع ولا طاعة لمن حاز شيئا بلا مستند فَنَزَاهَتُهُ على المحك ، ولو خرقة يستر بها بدنه ، فإذا أبان عن المستندِ الذي يُبْرِئُ ذمته فالسمع والطاعة فهي كالحكم الذي يدور مع عِلَّتِهِ ، فالعلة أن يَسْلَمَ الحاكمُ مِنْ قَوَادِحِ الدِّيَانَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَعَوَارِضِ العجز حِسًّا أو معنى ، فإذا سَلِمَ من ذلك واتصف بأضداده فكان القوي الأمين فالسمع والطاعة فيما وافق الحق فلا بد ، أبدا ، من مرجع محكم قد برئ من تهم الانحياز والميل ، وَعَوَارِضِ الجهل والحاجة والضعف ، فَصَاحِبُ هَذِهِ الْعَوَارِضِ لا تُؤْمَنُ فكرته أن تُصِيبَ الحقَّ ، أبدا ، بل قد تُصِيبُهُ فِي مواضع ، ولو كثرت ، فلا يرجو العصمة من الخطإ ، ولو نَدَرَ ، فمراجع الأرض المحدثة لا تنفك تطلب مرجعا يجاوزها من خارج ليحكم بَيْنَهَا فِيمَا فِيهِ قَدِ اخْتَلَفَتْ ، وذلك أصل جليل في بَابِ النُّبُوَّاتِ يُبِينُ عن حاجة الأرض إلى السماء ، فالإنسان بَيْنَهُمَا يَتَرَوَاحُ ، فَثَمَّ نَوَازِعُ السماءِ ، وهي نَوَازِعُ الروحِ النُّورَانِيَّةِ ، وَثَمَّ نَوَازِعُ الأرضِ وهي نَوَازِعُ البدنِ الطِّينِيَّةِ ، وذلك مَنَاطُ الصراعِ الذي احتدم ، فَالنَّصْرَانِيَّةُ قد نَزَعَتْ إِلَى الروح فجعلت مملكة السماء هِيَ الغاية ، واليهودية قد نَزَعَتْ إلى البدن فجعلت أَرْضِ الْمِيعَادِ هِيَ الغاية ، فالإنسان هو الْمُرَكَّبُ الْمُتَنَاقِضُ من روح الإنسان وهي الصورة الباطنة وَحَامِلِهَا وهو الجسد ، فَهُوَ الصورة الظاهرة ، فالأمر ، كما يقول صاحب المذكرات آنفة الذكر ، مذكرات "هروبي إلى الحرية"، هذا الأمرُ لَيْسَ إما العلم أو الدين ، وإنما العلم والدين معا فَهَذَا هو الإسلام الذي يُمَثِّلُ الوحيَ والرسالةَ .

    والشاهد أن السلطة التي تَحْكُمُ وَتَقْهَرُ ولا تخدم وَتَحْمِي ، فهي لا تَسْتَمِدُّ شَرْعِيَّتَهَا السياسية من بَيْعَةِ رِضًى ، ولا تسلك جَادَّةَ هدى ، وإنما تحكم حكمَ الْجَبْرِ الذ ي أَخْبَرَ بِهِ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَشَرْعِيَّتُهَا شرعية القوة القاهرة فلا تسقط باختيار المجتمع إذ لم تَأْتِ به ابتداء ، وأي حكومة ، كما يقول بعض المحققين ، أي حكومة لا يمكن إِسْقَاطُهَا أو مُسَاءَلَتُهَا مساءلةَ التدقيق وَمُحَاسَبَتُهَا محاسبةَ الأمرِ والنهيِ ، وَأَطْرُهَا على منهاج الحق والعدل ، أي حكومة لا يمكن في حقها ذلك فهي فاسدة بالقوة أو بالفعل ، فَقَدْ يكون مَبْدَءُ أمرِها خَيْرًا ولكنها إذا استبدت ولم تجد من يَزْجُرُ وَيُنْكِرُ فذلك يُغْرِيهَا أَنْ تَطْغَى وَتَظْلِمَ فَتِلْكَ طبائع النفوس إذا لَمْ تجد مَنْ يَرُدُّهَا ، فالظلم شِيمَةٌ قد جُبِلَتْ عَلَيْهَا النفوس بِمَا رُكِزَ فِيهَا من شُحٍّ وَأَثَرَةٍ فذلك باعث الظلم في الفكرة والحركة ، فلا يحسم هذه المادة الخبيثة إلا الوحي مرشدا والمجتمع منكِرًا ، كما أثر عن الفاروق عمر رضي الله عنه ، فـ : "لا خير فيهم إذا لم يقولوها لَنَا ، ولا خير فِينَا إذا لم تُقَلْ لَنَا" ، فإذا غاب الزَّاجِرُ المنكِر استبد الحاكم بما يملك من قوة البطش الوظيفية فلا يمكن أَنْ تَمْنَحَ المجتمعَ فضاء حرية ، فالحرية هي بِيئَةُ القوةِ : قوة الروح بما تحمل من القيم والمبادئ ، وذلك مقصد الوحي الأول أن يحفظ الدين ، فَهُوَ ، كما تقدم ، طاقة الإصلاح والتغيير الذي يُجَاوِزُ الْفَرْدَ إِلَى الجماعة على وجه يَسْتَغْرِقُ سَائِرَ أحكامِ العبادةِ والسياسةِ ، فَقُوَّةُ الروحِ وقوة البدن بِمَا اعتدل من المعايش عَبْرَ منظومات التعليم والصحة والغذاء ، وذلك مقصد الوحي الثَّانِي أَنْ تُحْفَظَ النَّفْسُ بِحِفْظِ مَعَاشِهَا الكريمِ ، والحرية ، من وجه آخر ، بِيئَةُ الثَّرْوَةِ إذ مناخ التجارة والاستثمار الآمن .
    فَكُلُّ أولئك من أسباب القوة الذاتية التي اجْتَهَدَتِ الأنظمة الوظيفية التابعة أَنْ تَنْتَزِعَهَا مِنَ المجتمعَ لِتُحْكِمَ السيطرةَ عَلَيْهِ بِمَا يُوَاطِئُ أَغْرَاضَ المحتلِّ الرئيسِ ، فَهِيَ الوكيل النائب الذي نَقَلَ مَرْكَزَ الثِّقَلِ من المجتمع بِقِيَمِهِ وَمَبَادِئِهِ وَقُوَّتِهِ المادية والبشرية ، إلى السلطة التي اسْتَنَدَتْ إلى القوة العسكرية فهي مركز الحكم الجديد وحولها ، كما يقول بعض المحققين ، أَقَلِّيَّاتٌ تَتَسَانَدُ مِنْ نُخَبِ فِكْرٍ ودعايةٍ وإعلام ورأسمال .... إلخ ، فكان اصطناعُ النخب العسكرية التابعة التي جاوزت الحد في شئون السياسة والحكم ، وهي ، لو تدبر الناظر ، النواة الصلبة في هذا المثال الاستعماري ذي الغطاء الوطني العلماني انطلاقا من نظرية الدولة المدنية الحديثة ذات الحد الجيوسياسي الضيق الذي قَصَرَ الولاء الوجداني على الحد الجغرافي ، فلا يمكن لِبَقِيَّةِ النخبِ الْوَظِيفِيَّةِ الصغرى أَنْ تَنْهَضَ بالأمر دون وجود القوة العسكرية القامعة للمجتمع ، وهي النخبة الوظيفية الكبرى إذ لا تملك رسوخا في الفكرة ، فهي من صنائع المركز الذي اصطنع مِنْهَا جناحا يخترق المجتمع ويسعى في تحريف هويته الفكرية والسياسية ، فقد أعلنت الحرب عليه ، ولا بد لها من جند ، فهي أقليات لا تصمد للأغلبية الكاسحة ذات الأصول الراسخة ، فكان سَعْيُ المركز الحثيث أن يَنْتَقِلَ مركز الثقل من المجتمع إلى السلطة طِبْقًا لأدبيات السياسة المركزية المحدثة ، وهي ما تُؤَرِّخُ له أوروبا بصلح وستفاليا 1648 ، وهو حجر الأساس لطرح الدولة المدنية العلمانية الحديثة التي تَسْتَبْعِدُ الدين من المشهد ، أو تضطره إلى رُكْنٍ ضَيِّقٍ فلا يأتي في المحل الأول ، فقد تُقَدِّمُهُ عَقْدَ ولاء جديد وهو عقد المواطنة الذي يستند إلى الحد الجغرافي آنف الذكر فلا يخلو من تحكم ، فانتقل هذا المثال اللاديني من المركز إلى الشرق ، وقد كان الشرق أَبَدًا يجمعه الوحي هويةَ فكرٍ وسياسةٍ وتشريعٍ لا حدود بين أمصاره ولا فواصل ، فَثَمَّ عقد رسالي جامع ، رائده المنة الرَّبَّانِيَّةُ العظمى ، مِنَّةُ : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) ، فلم يكن لهذا الطرح العلماني الوافد أن يستقر في الشرق لولا أن اصطنع شراذم من الأقليات التي استخلفها في حكم الشرق انطلاقا من نظريته السياسية المحدثة وإن خالفت عن الهوية الرسالية المنزلة ، ولم يكن لهذه الشراذم أن تستمر في الحكم لولا أن كانت القوة العسكرية الوظيفية ردءا يُعِينُهَا ويحميها ، وهي القوة التي صُنِعَتْ عَلَى عَيْنِ المحتل الوافد ، فلم تكن خارجة من المجتمع كما الأقليات التي تحميها ، فثم قوة النار في مركز الحكم ، وثم أقليات الفكر والسياسة فهي تدور في فَلَكِهَا ، ولم يكن ذلك ليستقر مع وجود القوة العسكرية لولا أن جُرِّدَ المجتمع من أدوات القوة الذاتية ، فصار أعزل وصار فَقِيرًا يستجدي السلطةَ وهو الذي كان بالأمس يضاهيها في الثروة بما يملك من أموال الأوقاف ، بل هو الآن مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مما تستقطعه من ثَرْوَتِهِ من ضرائب ومكوس .

    فالأمر أعمق بكثير من حراك لا يخلو من نفع عظيم لا سيما فِي نَوَازِلَ عاجلة كَفَكِّ أَسْرِ مَنْ ظُلِمَ ، فذلك من المغنم العاجل الذي يُثْلِجُ صدورَ المكلومين ولكنه بداهة لا يحسم أصل الداء ، فَلَا يحسمه إلا أَنْ يَسْتَرِدَّ المجتمع هويته وَأَهْلِيَّتَهُ ، فَيُحْسِنَ تَعْرِيفَ ذاته وَيَسْتَرِدَّ ما سُلِبَ من قُوتِهِ ليناجز السلطة ويصير لها ندا ، بل ويأطرها على مرجعه في العلم والعمل ، في السلم والحرب ، فيكون هو الفاعل الصانع لهويته الذَّاتِيَّةِ لا الْمُنْفَعِلَ بما يصدم ذاته الحضارية ، ويكون هو الفاعل الصانع للسلطة انطلاقا من قيمه لا الْمُنْفَعِلَ الخاضع لسلطةٍ تُفْرَضُ عليه من خارج .

    والحال الراهنة في مصر الآن ، أيا كانت نَتَائِجُهَا ، فهي كاشفة لا مُنْشِئَةٌ ، كما يقول القانونيون ، فهي على المستوى الميداني كاشفة لمناطق من السلطة والمجتمع كانت خَافِيَةً قَبْلَ أن تظهر بهذا الطرح المناوِئ للسلطة ولو انساق المرء وراء نظرية المؤامرة لا سيما إن أخفق هذا الحراك وَاسْتُؤْصِلَتْ عَنَاصِرُهُ استئصالا لا يعرف الرحمة كما الحال بعد أي انقلاب فاشل أو محاولة انقلاب فاشل ، فإذا لم ينجح الأمر وآل إلى ما تقدم من المآلات التي ترسخ بها قدم السلطة إذ تخرج من هذه النازلة أَقْوَى وَأَشْرَسَ فالضربة التي لا تقصم الظهر تُقَوِّيهِ فإذا نظر الناظر في مآل كهذا إن وَقَعَ وليس بِبَعِيدٍ وَإِنْ لم يكن الاحتمال الوحيد القوي إلا أنه احتمال قوي لا يمكن إهداره انسياقا وراء حلم التغيير الناعم بلا ثمن ! فإذا آل الأر إلى نجاح السلطة في مدافعة هذا الجناح المناوئ لها مِنْ دَاخِلَهَا وَمِنْ وَرَائِهِ الغطاء الشعبي الذي قد يُسْتَفَزُّ فَيَكْشِفُ هو الآخر جميع أوراقه ، فالأمر يؤول في هذه الحال إلى مذبحة جديدة لكلِّ خصومِ السلطة مِنْ دَاخِلِهَا وَمِنْ خَارِجِهَا وهذا المآل قد يحمل الناظر أن يُفْرِطَ فِي تَبَنِّي نظرية المؤامرة إذ لو كان ما تَقَدَّمَ لَقِيلَ ، على سبيل التجوز ، فالأمر والله أعلم صراع حقيقي ولكن ذلك تجوز في الاستنتاج بالنظر في المآلات ولو من باب التندر ! ، فَلَوْ كَانَ مَا تَقَدَّمَ لجاز القول إِنَّ مَنْ دَبَّرَ ابتداء هو السلطة ! ، فهي المستفيد الأول بل والأوحد فكأنها قد صنعت ذاك لِتَسْتَفِزَّ خصومًا بَعِيدِينَ عن أنظارها ، فهي تُرِيدُ الإيقاع بهم في فَخٍّ نَصَبَتْهُ ، وهو ما جعل بعض الفضلاء ، يحذر من النزول المكشوف الذي تظهر فيه جميع الأوراق الفاعلة على الأرض على وجه يسهل على السلطة إذا نجحت في التصدي أن تستأصل أولئك الخصوم فقد صاروا مكشوفين إذ نَزَلُوا بكامل قوتهم دفعةً يغلب عليها الحماس والعاطفة دون النظر والتروي ، وذلك ، مظنة الإخفاق ، لا سيما هو أمر قد تكرر قبل ذلك في يناير 2011 وإن لم تكن هي الأخرى ابتداء فَخًّا ولكن مآلات الأمر جعلتها أشبه ما تكون بالفخ فقد كَشَفَ الجميع عن أَوْرَاقِهِم الفاعلة دفعةً وراحت الثورة المضادة تُبَيِّتُ لهم نوايا القتل والاستئصال وتجتهد في جمع المعلومات لا سيما وقد انكشفت جميع القوى واستبان ما كان منها خافيا وهو ما سَهَّلَ مُهِمَّتَهَا بعد ذلك في القمع والاستئصال في يوليو 2013 ، فالحذر حتم لازم لا سيما وهذا الأمر يشبه ، من وجه ، أن يكون مقامرةً ، فالفرصةُ واحدةٌ إذ هو انقلاب داخل السلطة ، والانقلاب ضربة مفاجئة إن فشلت فالفاشل يدفع الثمن كله ، فلا يعدو دور الجماهير في مشهد كهذا أن يكون كَدَوْرِهِم في 30 يونيو 2013 مع القدر الفارق بداهة ومع اختلاف الخصوم وَتَرْتِيبِهم في المشهد ، وأقصى ما يمكن نَوَالُهُ من حراك لم تصنعه فكان لك دور في إخراج مشهده الخاتم لا أكثر ، أَقْصَى ما يمكن نَوَالُهُ ألا يكون هذا الإخراج بلا مقابل مجز لا سيما والمشهد ثري فلا بد من مقابل كبير ولو كان دور الجماهير هي كتابة كلمة النهاية لا أكثر ! ، فلا شك أن من سينقلب لو نجح فلن يمنح ثمرة عمله لغيره فلا يوجد من يَنْقَلِبُ لحساب غيره ، كما يَتَنَدَّرُ بعض المحللين ، ولكن يوجد من يحتاج إلى غيره لكي يَنْقَلِبَ ولو لِيُوَفِّرَ له الغطاء الشرعي ، فهو يضطر أن يبذل له جزءا من المكاسب ، وهي ، لو تدبر الناظر ، محل المساومة والتفاوض ، مع الحذر ، كما تقدم ، من كشف الأوراق كلها فلا بد من الحذر والتأني لئلا تعظم الخسائر فتكون انتكاسة جديدة يدفع فيها المجتمع لا سيما نخبه الفاعلة ، يدفع الثمن من جديد مقابل سلعة لم يَشْتَرِهَا ولكنه حُمِّلَ وزرها لا سيما وقد تعجل وكشف أوراقه ، فتلك النازلة ، كاشفة ، من هذا الوجه ، كاشفة من آخر إذ أبانت عن الحال التي بَلَغَهَا المجتمع تحت حكم النخب الوظيفية المتساندة ، والقوة العسكرية ، كما تقدم ، في مركزها ، فَهِيَ الحامي لِقِيَمِ المحتل ! ، فوظيفتها الحماية والحكم ، حماية قيم المحتل الذي أنشأ هذه القوة على قيم جديدة ، والمثل المتبادر ما صنع الاحتلال البريطاني الوافد ، فإنه لما دخل مصر فاتحا منقذا لوكيله الوظيفي الخديوي محمد توفيق ، لم يصبر على جيش العاصي عرابي ! ، فسارع بِحَلِّهِ وهو ما صنع بَعْدَهُ بِقَرْنٍ أو يزيد حاكم العراق بول بريمر بعد احتلال البلاد في 2003 ، إذ كان من أوائل ما أصدر من مراسيم : مرسوم حَلِّ النَّوَاةِ العسكرية والأمنية الصلبة للنظام السابق ، فهو الخصم فلا يمكن الاعتماد على هياكله وعناصره في إقامة مشروع احتلال على أنقاض مشروعه وبعده كان السعي الحثيث في استئصال النخب العسكرية بعمليات التصفية والاغتيال .
    فكذلك الشأن في جَيْشِ عُرَابِي فلا يمكن الاستناد إليه في أي مشروع استعماري ، فهو ، على أدنى تقدير ، جيش وطني يَنْتَمِي إلى المجتمع ، فضلا عن هوية وأيديولوجيا ولو لم تكن على المثال الرسالي الأول ، ولكنها لا تَنْفَكُّ وإن درست آثارها ، لا تَنْفَكُّ تضرب بسهم في صناعة الهوية الوطنية المصرية فلا تَخْلُو من جُذُورٍ إسلاميةٍ وهي بداهة لا تصلح في تشكيل عقيدة الجيش الجديد ، الجيش الذي صنعه المحتل ، فقد اشْتَرَطَ فيه ألا يكون المتقدِّم ممن سبق له حمل السلاح مع عرابي فتلك نخبة مغضوب عليها فهي بَيْنَ السجن والنفي والإقالة ، وألا يكون من ذوي الثقافة العالية ، فاشترطوا مَنْ رسب في الصف الرابع الابتدائي ! إن لم تخن الذاكرة وهو ما يوازي في هذه الآونة نظرية 50% في الثانوية العامة ، فالمثقَّف المتعلم لا يَنْصَاعُ بداهة بسهولة خلاف الجاهل الذي لا مشروع له في حياته وهي صفة غالبة على كل من يدخل هذه المؤسسات فلا يدخلها إلا بعد أن يفشل في صناعة أي مستقبل ناجح ، فصارت بمرور الأيام مستودع الفشل وضعف العقل والانتهازية والرغبة في الوصول السريع مع عدم المؤهلات لذلك ولو على حساب ذَوِي الخبرة والكفاءة ، وتلك صفات مثالية في العناصر الوظيفية ، لا سيما وهي بَعْدَ ذلك تدخل ماكينة صهر وإعادة تشكيل للشخصية وِفْقَ مَا يُوَاطِئُ أغراض المحتل والسلطو الوظيفية من بعده ، فَالْمُخْرَجُ الرئيس من هذه العملية هو جيش وظيفي خادم لا يجاوز دوره دور الحارس ، فهو الحامي والحاكم ، كما تقدم ، الحامي لقيم المركز الذي صنعه على مثال أيديولوجي يخالف عن روح الشرق الرسالية بل وظيفته الأولى أن يَقْمَعَهَا فهي روح أي تغيير فاعل في الشرق ، وهو الحاكم للمجتمع حكم الاستبداد والقهر ، فوظيفته أن يَسْتَلِبَ أسبابَ القوة من المجتمع لئلا ينهض فيناجز المحتل الوظيفي في الداخل ومن ورائه المحتل المركزي من خارج ، فالأمر لا يقتصر على الوكيل فهو ذراع من جسد ، وليس له من الفكرة والتخطيط شيء إلا التفاصيل ، فقد صنع المركز الإطار المحكم الذي يَتَحَرَّكُ الْوَكِيلُ داخلَه ، فلا يجاوزه ، فوظيفته ، كما تقدم ، حماية مصالح المركز في الأطراف ، سواء أكانت المصالح المادية المباشرة ، أم المصالح الأيديولوجية والسياسية ، فالقوة العسكرية وإن اشْتَبَكَتْ مع القوى المدنية العلمانية ، وذلك أمر يَرَاهُ الناظر اليوم في مصر ، وهو ، أيضا ، مما يصب في قَنَاةِ الحراك ويزيده زَخَمًا ، وهو أمر يحمد ، ولو على المدى التكتيكي القصير ، فلا يمكن أن يكون التصالح في مشهد كهذا إلا مناجزة لخصم قد جاوز الحد فاستحق الْعَزْلَ ولو من داخل المنظومة الحاكمة إذ صار خطرا على أوليائه قبل خصومه وهو ، بداهة ، لا يعدو أن يكون إعادة تدوير للمخلَّفَاتِ ولولا ضعف المجتمع الراهن ما بلغت به الحال أَنْ يُرَاهِنَ على انقلاب داخل منظومة الحكم الوظيفية فقد ضاقت به الحال وَرَجَا أَيَّ انْفِرَاجَةٍ ولو مُؤَقَّتَةً إذ بَلَغَ الجهدُ بِهِ كُلَّ مَبْلَغٍ لا سيما أصحاب الضرر المباشر الذين اختصهم النظام الحاكم بِقَمْعٍ زائدٍ ، وتلك انْفِرَاجَةٌ معتبرة لا يجحدها إلا من يكابر لا سيما في ظل هذا العجز التام ، فالمجتمع ، إن لم يطق التغيير الكامل ، فذلك ما لا يطيقه إلا مجتمع قوي قد استكمل بناءه الفكري والمادي ، فالمجتمع إن عجز ولم يُطِقِ التَّغْيِيرَ التام فلا يَرُدُّ ، بَدَاهَةً ، عطية ربانية بِانْفِرَاجَةٍ سياسية أو اجتماعية ، ولكنه لا بد أن يُدْرِكَ تَمَامَ الإدراك أن الأمر إن تَمَّ فَلَيْسَ إلا إعادة تَرْتِيبٍ للمشهد بِرَدِّهِ إلى قواعده الأولى وإن بأسلوب أَلْطَفَ ، فَلَنْ تُغَادِرَ المجموعات الوظيفية مَحَالَّهَا ، إذ التَّغْيِيرُ يَقْتَصِرُ في العادة على دَوَائِرَ ضَيِّقَةٍ من السلطة ، فَتِلْكَ المفسدة الصغرى التي تُدْرَءُ بها المفسدة العظمى ، فَيُضَحَّى بِرَأْسِ الهرم الوظيفي الحاكم استبقاء لجسمه الذي يسارع بإنتاج رأس جديدة فثم خطوط إنتاج مفتوحة تُفْرِزُ الرءوس طِبْقًا لمعايير محكمة تضمن استقرار المعادلة السياسية التي سطرها المركز ، فلم يغادر الأطراف إلا وقد أنشأ المنظومة وَأَمَدَّهَا بِرَوَافِدِ الاستمرار والاستقرار ، فَانْتَخَبَ مِنَ المجتمع نُخَبَ الوظيفة التي تُحَرِّكُهَا مطامع خاصة تَرُومُ تحصيلها ولو على حساب المصلحة العامة وهي في نفس الآن وضيعة الأصل والنسبة متواضعة الفكرة والحركة ، فلا تطيق بلوغ ما تطمح إلا بدعم من خارج ولو خيانةً للمبادئ والمصالح جميعا ، فلا هي رسالية ولا هي وطنية ، فَقَدْ خالفت عن كل معيار حاكم ، فالمجتمع في الحال الراهنة بعد عقود من الحكم الوظيفي التابع ، المجتمع الآن لا يملك قدرة تامة على تغيير كامل يُقَوِّضُ هذا المثال الهرمي الذي احتكر أسباب القوة ، فَغَايَتُهُ أن يُنَفِّذَ هجمة مرتدة تُرْبِكُ الخصم ولكنها لا تملك والحال هذه من الضعف أن تُقَوِّضَ أركانه وإن كانت هشة ، لا أنه خصم قوي فهو لا يملك جذورا راسخة في المجتمع ، فوصفه أبدا الخوف والترقب مع استعمال فنون الحرب النفسانية بضربات دعائية وإعلامية استباقية تَتَّسِمُ بالإفراط في استعراض القوة الغاشمة أمام خصم أعزل ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، صنيع الجبان الخائف إذ ليس ثم من يُنَازِلُ ، فلا أيسر من استعراض القوة وقد خلا صاحبها بِأَرْضٍ فَطَلَبَ النِّزَالَ والطعانا ، كما يقول أبو الطيب ، فلا يُنَازِلُ إلا الهواء وتلك ، بَدَاهَةً ، منازلة لا خَطَرَ فِيهَا ولا مغامرة ! ، فذلك وصف يَتَكَرَّرُ في كل مشهد ، ومع ذلك فالمجتمع وقد سُلِبَ أسباب قوته الذاتية قد صار مُنْتَهَى سؤلِه الآن أن يُقَلِّصَ فَارِقَ الْقُوَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النظام الوظيفي ، فَلَا يُعْطَى الفرصةَ أبدا ، ولو في المجال الخدمي ذي الطابع المدني ، فالنظام يشعر بغيرة مفرطة من أي كيان منظم يسحب بساط الجماهير من تحت أقدامه بما يُوَفِّرُ من بدائل خدمية ذات طابع إنساني خلاف الحكم الوظيفي ذي الطابع الرأسمالي الليبرالي الذي لا يروم إلا الكسب المادي العاجل إن من الخارج دعما أو من الداخل نهبا ! ، فالمجتمع وإذ تلك حاله فهو يَتَرَقَّبُ ، كما يَتَرَقَّبُ الآن ، أي فرصة ولو من صُنْعِ غيره ليوجه للنظام ضربةً يَسْتَرِدُّ بِهَا قِسْطًا من ثِقَتِهِ بِنَفْسِهِ ، وإن لم تكن كافية في إحداث تَغْيِيرٍ جوهري ، فأي تغيير جوهري الآن إن حدث فَلَيْسَ مِنْ صُنْعِ المجتمع لئلا يخدع وَيَغْتَرَّ بمن يجامله في لحظات صحوته أنه الشعب العظيم الذي صنع المعجزة وعلم الدنيا آداب الثورة ! ، ولم يصنع شيئا ، لو تدبر الناظر ، إلا أن وَافَقَتْ غضبته حركة جناح آخر في المشهد ، أو اسْتُفِزَّ من هذا الجناح عبر عملية شحن وتصعيد متدرج ، فذلك الجناح هو مِنْ يملك القوة التي تَفْتَقِرُ إلى غطاء جماهيري يُضْفِي على حراكه الشرعية السياسية ، فالمجتمع يستدعي هذا الجناح ، أو الجناح هو من يستدعيه ! ، وهو ، بداهة ، يملك القوة الصلبة ، والأمر يسير موجز ، فاستدعاءُ قوة عسكرية من داخل النظام جناحا يصارع آخر ، استدعاؤها بغطاء جماهيري حاشد يساوي في معادلة السياسة والحرب انقلابا من داخل النظام الوظيفي نَفْسِهِ ، فهو يُعِيدُ تَرْتِيبَ ما بَعْثَرَهُ الجناح الآخر من أوراق اللعبة ، فيستعيد توازنه الذي اختل ، ويعيد إِنْتَاجَ نفسه فِي نسخة جديدة أقل ظلما وأخف وطأة ، فلا هي عادلة ولا هي خفيفة الوطأة ، وإنما هي سيئ أحسن من أسوأ ! ، وقد يكون القياس الناصح في مشهد كهذا هو الترجيح والتفاضل ، كما يَنْقِلُ ابن حزم الإجماع على ذلك ، فَتُوَالَى الفئة الأقل شرا لا رضى بِشَرِّهَا وإنما دفعا لشر أعظم ، لا سيما والجديدة مبدأَ أمرِها ضعيفة لم تَرْسَخْ أقدامها بَعْدُ فهي ، بداهة ، تسعى في استئلاف الجمهور وحشد كل خصوم الجناح الآخر خلفها بما تبذل من وعود وتقدم من تنازلات تحدث انفراجة ينتظرها كثير من الفضلاء ، فقد دفعوا القسط الأوفر وَنَالُوا القدر الأعظم من البطش والتنكيل ، ولا يعلم فداحة ذلك إلا من ذَاقَهُ ، فهم أعظم الناس انْتَفَاعًا بذلك وأولى الناس بالتقديم فيكون السعي في تَفْرِيجِ كُرْبَتِهِم على رأس أي حراك ، ولو انقلابا ! ، وذلك أمر يفتقر إلى نظر وتدبر في مقادير الأمور لئلا تُفْضِي الحال إلى الأسوإِ ، لا سيما والمجتمع ليس صانع المشهدِ ، وإنما هو عامل مساعد في إكماله ، فلئن نجح في تَنْفِيذِ هذه الهجمة المرتدة ، فإنه لا يملك خطوتين بعدهما ، كما يلخص بعض الفضلاء المشهد ، فهو هجمة مرتدة وتنظيم على الأرض يُؤَمِّنُ استمرارها أكبر قَدْرٍ ممكن حتى تَتَحَقَّقَ مطالبها كاملة أو غَالِبَةً ، فلا بد من تأمين استمرارها بما يوفر لها من أسباب الدعم والإمداد حتى تَنْجَحَ في الخطوة الثالثة وهي السيطرة على مفاصل النظام على وجه يشل أركانه وَيَنْقِلُ مركز الثقل من السلطة إلى المجتمع ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا والمجتمع قوي فاعل بأسبابه الذاتية وتنظيماته الحركية ، خلاف ما لو كانت حاله كحاله الآن ، فأقصى ما يطيق أن يَتَمَهَّلَ فلا يكشف أوراقه جميعا ، وأن يَتَحَسَّسَ مَوْطِئَ قدمه لئلا يستدرج إلى معركة غير متكافئة ، وأن يدعم ما استطاع مَنْ يَرَى أنه سوف يحقق له انفراجة عاجلة ، ولو جزئية ، وهو ما يجعله يَنْتَقِلُ إلى مرحلة أخرى من مراحل الصراع ، وهي مرحلة بناء الذات ، ليكون قادرا في مرحلة قادمة ولو على المدى المتوسط أو البعيد أن يُنَاجِزَ النواة الصلبة لهذا النظام الهرمي فإنه لم يسقط بداهة إذ انْقَلَبَ جناح من أجنحته على آخر ! ، فلا بد من قوة اجتماعية منظمة تمثل روح الفكرة التي تصدر عنها الحركة ، حركة المجتمع ، فلا تكون كالنظام الذي يمثل مصالح الداعمين في الداخل وفي الإقليم وفي المركز ، فإذا نجح المجتمع في بناء هذه القوة الذاتية استنادا إلى قِيَمِهِ الأصيلة ، فثم معركة أولى مع الأذرع الوظيفية في الأطراف ، فهي آنذاك واجب الوقت ، وبعدها المواجهة الحاسمة مع الأصل ، وهو النظام الدولي الذي يحكي مصالح المركز ، فتلك آخر مستويات الصراع ، وهو ، بداهة ، ما لا يطيقه المجتمع الآن وَلَمَّا يَسْتَكْمِلْ بَعْدُ قوته ليناجز الذراع الوظيفي في الداخل فكيف يحرق المراحل فيناجز المركز وهو المستوى الأخير ؟! ، وإن كان لذلك أهلا بما يملك من القيم الرسالية الأصيلة ، ولكنه لَمَّا يستوف بعد ما أُمِرَ باستيفائه من عدة بها يُنَاجِزُ الخصم ، وَسَنَنَ الربِّ ، جل وعلا ، سَنَنٌ مُحْكَمٌ لا يداهن أحدا وإن كان ذا عاطفة صادقة فلا بد من فكرة ناصحة وحركة راشدة على الأرض ، وإلا فالعاطفة وحدها تُفْضِي إلى العجلة والتسرع على وجه يضر ولا ينفع ، بل قد يُفْضِي إلى انكسار يكون رَدُّ فِعْلِهِ سَلْبِيًّا فهو ، كما يسميه أهل الشأن ، دعاية سلبية إذ يَرْتَفِعُ الطموح فجأة إلى أقصى حد ثم يهوي فجأة إلى أدنى حد فيصاب صاحبه بالإحباط واليأس .


    والله أعلى وأعلم .


  5. #5
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:09-11-2019
    الساعة:06:47 AM

    المشاركات
    4,884
    العمر
    41

    والصراع إذا احتدم داخل أي نظام وظيفي تابع فلا يقتصر ذلك على الداخل بل لا بد مِنْ تَدَخُّلِ الأطراف الفاعلة في الدائرة الإقليمية الأخص والدائرة الدولية الأعم ، ولذلك تسارع الأطراف المتصارعة في الداخل ، وَهِيَ تَوَابِعُ ، تُسَارِعُ إلى استرضاء الروافد من خارج ، ولو بإعطاء أضواء خضراء أو مُوَافَقَةٍ غَيْرِ مكتوبة على إجراءٍ مَا داخل منظومة الحكم لا يجاوز في الغالب إعادة تَرْتِيبٍ للمشهد لا تخرج عن الإطار العام المحكم فذلك الثابت الذي لا يُنْسَخُ وَلَا يُبَدَّلُ أبدا ! ، وهو مجال المزايدة بين الأطراف المتخاصمة أو المتشاكسة داخل النظام الوظيفي التابع ، فَخَاصَّتَاهُ الرَّئِيسَتَانِ ، كما تقدم في مواضع سابقة ، خَاصَّتَاهُ الرَّئِيسَتَانِ : تَرَكُّزُ النفوذ والثروة في دائرة ضيقة ، وانشطار هذه الدائرة إلى أجنحة تَتَصَارَعُ أَيًّا كان مستوى الصراع فَقَدْ يَفْتَقِرُ في أحيان إلى تَغْيِيرِ الرأس وَمَنْ حَوْلَهُ من الدائرة الضيقة واستبدال أخرى بها وَقَدْ يَفْتَقِرُ إلى بَعْضِ التعديلات داخل نفس الإطار تخفيفا لاحتقان جماهيري أو إرضاءً لفصيلٍ سِيَاسِيٍّ مُؤَثِّرٍ سواء أكان داخل السلطة أم خارجها .
    ووصفُ الضِّيقِ في دَائِرَةِ الحكمِ وَصْفٌ نسبي ، فَثَمَّ نظامٌ وَظِيفِيٌّ مركزي عاقل يُوَسِّعُ دائرة المشاركة ولو في السرقة والنهب سواء أكان ذلك صراحة أم في إطار قانوني محكم يضفي على السرقة وصفا قانونيا مقبولا في الدوائر القضائية والحقوقية والاجتماعية فلا يشعر المجتمع أن ثم ضَيْرًا إذا حاز فلان أو فلان من رجالات السلطة ، إِذَا حَازَ قِسْطًا من النفوذ أو المال العام فالقانون قد نَصَّ على ذلك فَرَئِيسُ الدولة الوظيفية التي تقوم على حق احتكار القوة والثروة ، هذا الرئيس يملك صلاحيات شمولية تجعله نواة الحكم والفكر والسياسة والاجتماع والاقتصاد ..... إلخ ، وذلك ، في المقابل ، هو وصف النظام الوظيفي المركزي السَّفِيهِ الذي يَبْلُغُ فِي أحيان حد الجنون ! ، فَرَئِيسُهُ يستمد صلاحياته المطلقة ، كما تَقُولُ أَدَبِيَّاتُ السياسةِ الشموليةِ المحدثة ، يستمدها من إيمان الجماهير به ولو بَلَغَ حَدَّ العبادة والتأليه لا جرم افْتَقَرَ هذا المثال إلى آلة دعاية سوداء ! فهي تبث من الدعاية ما يجعل شخص السلطة الاعتباري : المنصب أو الكرسي أو الزي الرسمي ، أو شخص السلطة الحقيقي : الرئيس أو الزعيم أو الأمين العام للحزب أو سكرتير اللجنة المركزية للحزب ..... إلخ ، ما يجعلهما فَوْقَ البشرِ ! ، فَهِيَ تَبُثُّ من الدعاية ما يُضْفِي على هذه الشخوص الباهتة وصف القداسة ، وهذا الرئيس الإلهي ومن حوله من آلهة جبال الأوليمب ! ، هذا الرئيس ومن حوله يحظون بمخصصات ونسب ربح أو عمولات ينص عليها القانون الذي كتبوه ! ، فهو ، كما تقدم ، إرادة الطبقة الحاكمة التي اكتسبت شَرْعِيَّتَهَا من أي مصدر إلا الوحي في المثال الرسالي الشوري ، أو الشعب في المثال العلماني الديمقراطي ، فاكتسبت النخب في المثال الشمولي المركزي الذي تمتاز به الأنظمة الوظيفية ، اكتسبت شَرْعِيَّتَهَا من القوة ، وإن كَسَتْهَا لحاءً آخر مقبولا فَهِيَ تُجِيدُ تسمية الأشياء بِغَيْرِ أسمائها ، فالشيوعية تذرعت بالقوة الثورية ، قوة الطبقة الكادحة فَهِيَ قوة لا تَعْتَرِفُ بالقانون ، أيا كان مستمده ، فَقَدْ جَاءَتْ لِتَثُورَ عليه فَثَارَتْ على كل الثوابت الفكرية والسياسية ، بل وجعلت دِعَايَتَهَا الرئيسة ملصقا استوقف المفكر النمساوي المسلم يهوديَّ الأصلِ : ليبولد فايس أو محمد أسد ، اسْتَوْقَفَهُ وهو يحكي رجلا يَرْتَدِي سترة زرقاء فهو من أصحاب الياقات الزرقاء ، أو طبقة العمال أو البروليتاريا كما في الأدبيات الشيوعية الكلاسيكية ، فهذا الرجل الأزرق ! أو العامل المجتهد في مصانع الدولة التي تمتلك كل شيء فوق الأرض وتحته باسم الجمهور العامل وقوى الشعب الكادح .... إلخ من الشعارات التي أصبحت بعد ذلك مثار سخرية وَتَنَدُّرٍ في الدراما ! (فوزية البرجوازية مثالا على ذلك ! وهو من الدراما المصرية التي أُنْتِجَتْ في ثمانينيات القرن الماضي) ، هذا الرجل الأزرق قد اكتسب قوة خارقة ، كما يَنْقِلُ بعض المحققين عن محمد أسد ، فَقَدْ رَقَى إلى السماء وَجَاوَزَ السحاب وَرَكَلَ رجلا أَبْيَضَ اللحية شَيْخًا فَانِيًا ، وهو في الأدبيات النصرانية كما يحكي بعض المفكرين الفرنسيين مِمَّنْ دَخَلَ في الدين الخاتم ، هو الأب أو الإله الذي في السماء ! ، فصورة الابن أو يسوع صورة الشاب المقبل على الحياة وصورة الإله صورة شيخ فان قد قارب الموت ! ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، من مبادئ ما دخل النصرانية مبكرا من الأطروحات الأرضية المحدثة ، وهو ما عَظَّمَ من قِيمَةِ الإنسان الذي يمثله ابن الله في مقابل الحط من قيمة الإله فهو شيخ فان يوشك أن يموت فَيَنْتَقِلَ مركزُ الثقل في الحكم والتشريع من السماء إلى الأرض ، وذلك ما أَفْرَزَ بعد ذلك نظريات الحداثة الأدبية من قبيل موت المؤلف وإن كان مؤلفَ الكتاب المقدس فقد مات الإله وانتهى الأمر وأصبح الإنسان هو سيد الكون سواء أكان الإنسان الرأسمالي التاجر أم نظيره الشيوعي الكادح ! ، الذي رَكَلَ الشيخَ الفاني في الملصق آنف الذكر ، رَكَلَهُ بِقَدَمِهِ وَحَلَّ محله ، فذلك هو إله السماوات ! فَقَدْ رَكَلَتْهُ البروليتاريا فَأَقْصَتْهُ مِنْ مَنْصِبِ الخلق والتدبير وجلست محله فَهِيَ الإله الذي يحكم الأرض انطلاقا من قِيَمِ الثورةِ التي أعطت هذه البروليتاريا العمالية حق الاستبداد والديكتاتورية ، فما الحزب الشيوعي ولجانه الفرعية والمركزية إلا صوت البروليتاريا انطلاقا من نظرية "ديكتاتورية البروليتاريا" فهذه نظرية أرضية أعطت لصاحبها حق الاستبداد والتحكم والقهر وحكم الناس بالحديد والنار استنادا إلى تفويض الجماهير الكادحة التي منحته حق التشريع والحكم ، وأطلقت يده بالقتل والهتك ، فهو يقارف كل جرائمه استنادا إلى تفويض الجماهير ، فصار الحزب وهو يمثل النواة الصلبة في التجربة الشيوعية ، صار الحزب لا سيما لجنته المركزية العليا ، صار هو الحاكم الذي يَقْتَسِمُ النفوذ والثروة باسم الشعب الذي يُلْقَى إليه الفتات ! ، فهو يكدح في المصانع والمزارع التي تقول الدعاية الرسمية إِنَّهَا حقٌّ للطبقة العمالية فهي المالكة لأصولها فما الدولة والحزب إلا نائب عن الشعب في إدارة الثروة العامة ، وَإِنْ أَفْضَى ذلك إِلَى تَرَاكُمِ النُّفُوذِ وَالثَّرْوَةِ في قمةِ هَرَمِ السلطةِ وهو لجان الحزب العليا التي لا زالت دوائرها تضيق حتى تختزل آخر أمرها في شخص الزعيم الاعتباري أو الحقيقي ، فَذَلِكَ هَرَمُ الاستبداد الذي نَجَحَ فِي تمرير دعايته الاستبدادية في قَوَالِبَ ثورية ذات طابع جماهيري وإن كان الجمهور هو الكادح الذي يدفع الثمن فهو يكد لِيَسْتَمْتِعَ الحزب وأعضاؤه بمزايا ومكتسبات كَفَلَهَا الدستور الثوري الذي كَتَبَتْهُ الطبقة الحاكمة فهو يحكي إرادتها في الاستئثار بالنفوذ والثروة ، ولطبقة البروليتاريا اسم الحكم بلا مسمى فَكُلُّ ذلك يُقْتَرَفُ باسمها ! ، فهي الجمهور الثائر الذي منح الحزبَ التَّفْوِيضَ لِيَسْتَرِقَّهُ فِي المصانع والمزارع انطلاقا من نظرية الدولة الإله ، دولة الحزب المركزي الذي يستأثر بجميع الصلاحيات في أضيق الدوائر فهي ما احتف بشخص الزعيم القائد الذي يمارس الأبوة الفكرية والسياسية فهو المنظر الأيديولوجي والاقتصادي وهو من يُنْشِئُ منظومةَ الأخلاقِ والقيمِ انطلاقا من مرجعيته الذاتية فلا مرجع يجاوز ذاته القدسية فهي من خارج الذوات الأخرى فَتَحْكُمُ فِيهَا الحكمَ النافذ : حكمَ الوحيِ الشارعِ الذي لا يخالف عنه أحد ولا عجب إذ احتل هذا الزعيم منصب الإله فالمثال قد اختزل من الدولة الإله إلى القائد الإله فلا زالت الصلاحيات تُنْتَزَعُ من الدولة لصالح السلطة ومنها إلى صاحب العصمة قائدِ الأمة ورائدِ النهضة وَمُنْقِذِ الدولة من المؤامرات الكونية التي تُسْتَدْعَى لِتُخَاطِبَ غَرَائِزَ الجمهور فَتَارَةً تُثِيرُ فيه غريزة الكبر والاستعلاء فهو الشعب العظيم الذي يستحق حكم العالم فقد انْتَخَبَتْهُ يد العناية الإلهية لِيُخْرِجَ بَقِيَّةَ الأمم من طَوْرِ البداوةِ إلى طورِ الحضارة كما كانت الدعاية النازية تُبَشِّرُ فالأمة الألمانية هي قاطرة الأمم ، فَتَارَةً تُثِيرُ فِيهِ هذه الغريزة العنصرية كما يقول بعض الباحثين في تَقْدِمَةٍ لكتاب "سيكولوجية الجماهير" وهو مرجع في دراسة طبائع الشعوب الأنثوية التي تَتَّسِمُ بالعاطفة المفرِطة انطلاقا من غَرِيزَةٍ جانحة لا زمام من العقل أو الفكر يُحْكِمُهَا ، فَثَمَّ آلة دعاية تلح أنها الأمة الأرقى فكرا والأنقى عرقا ، فلا تكون الحضارة في عرق آخر ، فذلك قَدَرٌ نَافِذٌ ، ووصف ذات لازم لا يُكْتَسَبُ ، فالانتماء إلى الأمة الألمانية لا يُنَالُ بالكسب أو المحاولة ، وهو أمر يخالف ، بداهة ، عن الجنسية الألمانية فذلك إجراء إداري لا يسوغ لصاحبه أن يحظى بحق العضوية الكاملة في هذا الكيان الحضاري المتفوِّق فغايته أن يحظى بِبَعْضِ المكتسبات التي تجعله تابعا من درجة أعلى فهو أَرْقَى مِنَ التَّابِعِ المجرد ، وهو في نفس الآن دون المثال العنصري الأنقى ، المثال الآري الأبيض ، فَثَمَّ إلحاحٌ في هذه الدعاية الْغَرَائِزِيَّةِ : دعاية الأنا الشعبوية المتفوِّقَةِ التي تختزل في الأنظمة الشمولية حتى تَتَرَكَّزَ في شخص القائد الملهِم الذي يَرَى ما لا يَرَى العامة ، فلا يخضع لِلنَّقْدِ أو المساءلة ، فَإِذَا حُوصِرَ فالتاريخ وحده من يحاسبه ، والله ، جل وعلا ، يوم القيامة هو من يُسَائِلُهُ ! ، فلا يملك بَشَرٌ هذا الحق ، إذ يَرَى الزعيم في هذا المثال الشمولي أنه سقف التشريع ، فهو مرجع التحسين والتقبيح في الفكر والسياسة والاقتصاد بل وأحكام الأسرة طلاقا وزواجا ! ، فكيف يخضع مَنْ تِلْكَ حاله لأي مساءلة أرضية ولو انطلاقا من مرجعية سماوية ، وغالبا ما تشكو هذه القيادة الشمولية من اضطراب نفسي حاد ، وهو ما يجعل ردود أفعالها تَتَّسِمُ بالمخالفة عن كل مَنْقُولٍ ومعقول ومأثور من سير الحكام ولو ظالمين مستبدين إلا من ضاهاه في النرجسية والسادية والسيكوباتية العدوانية من أمثال كاليجولا ونيرون فَهُمَا المثال القياسي من العصر الروماني ، فَثَمَّ جرعة أعلى من الاستبداد تحكي الاضطراب النفسي الحاد الذي لا يخلو من نَزْعَةِ ثَأْرٍ وانتقام ورغبة سادية تَلْتَذُّ بإذلال الآخر والحط من شأنه وَتَسْفِيهِ رَأْيِهِ في السر والعلن لإشباع رَغَائِبِ الأنا في الإحساس بالتفوق الذي تَفْتَقِدُهُ فَلَا تجد وسيلة لتحصيله إلا الحط من شأن الآخر ليكون أسفل منها ! ، وهو أمر ، لو تدبر الناظر ، لا يخلو منه منصب سياسي أو إداري في هذا المثال الشمولي المركزي ، فَثَمَّ قادة ملهمون في كل مستويات السلطة والإدارة ولو في الأرشيف أو دوائر السكرتارية الدنيا ! ، فمدير أي إدارة ولو تحت بير السلم ، كما يقال في مصر ! ، هو رائد المنظومة وقائد المجموعة وإن كان دون المستوى إن في الجانب العقلي فهو غَبِيٌّ متسلط أو في الجانب التَّنْفِيذِيِّ فهو بَلِيدٌ لا يجيد الإدارة ، فَوُصُولُهُ إلى هذا المنصب يحكي الأزمة السياسية والاجتماعية ، وإن فِي دائرته الوظيفية الضيقة ، فإنه المنتج القياسي لنظام سياسي شمولي يفرز القيادات الأكثر ولاء ونفاقا ، فذلك معيار الاختيار الأول ، فكل مدير في مكانه قد تحول إلى زعيم خالد يستجمع الصلاحيات والامتيازات فجميع الموظفين يخطبون وده رغبةً في منحة أو علاوة أو تحضيرا لخلافة ، فالجميع يسعى في ذلك ولو على المدى الطويل وأمهرهم من يجيد النفاق والتزلف الزائد فَيُبْدِي من الخضوع والذلة ما يُرْضِي صاحب العصمة فَيَصْطَفِيهِ ، ولو مملوكَ خدمةٍ وَتَرْفِيهٍ ، حتى تَلُوحَ الفرصة في الأفق فهو يُبَادِرُ بِاقْتِنَاصِهَا فليس ثَمَّ طريق آخر إلى المنصب إلى هذا الطريق المختصر ، فإنه لا يملك الصبر ولا يطيق التعلم ليسلك جادة الكفاءة ، فجادة الولاء أقصر وأيسر بكثير ، ولو في نيل منصب مدير الأرشيف ! ، وذلك مثال صغير في أي مستوى من مستويات الحكم الشمولي فاستنساخه يتدرج صعودا من رئيس الأرشيف إلى قائد الأمة ، أو هبوطا من قائد الأمة إلى رَئِيسِ الأرشيف ، وحول كل مركز من مراكز السلطة دائرة تَتَّسِعُ تارة وَتَضِيقُ أخرى تَبَعًا لمهاراته في اصطناع الأولياء وتوزيع المناصب والامتيازات على وجه يضمن لرياسته الاستقرار والديمومة حتى يخرج إلى المعاش أو إلى الممات ! ، فما استبداد السلطة ، لو تدبر الناظر ، إلا حكاية لاستبداد المجتمع في كافة مستوياته ، فالداء يَتَفَشَّى في القاعدة وَيَتَرَكَّزُ في القمة ، وثم تبادل في التأثر والتأثير فَكُلٌّ يَرْفِدُ الآخر بأسباب بقائه فالمجتمع المستبد يمنح السلطة المستبدة فرصة الحكم إذ يعجبه هذا المثال الشمولي فَقَدْ فسدت خلائقه صار يَرَى القمع والاستبداد فضيلة وصار يَرَى القوة الغاشمة قِيمَةً أخلاقية حاكمة وتلك أخلاق العبيد الذي يعجبهم قرع العصا فيعجبهم الإجراء الاستثنائي ، ولو كان دمويا ، فهو يبين عن فحولة النظام وذكوريته ! ولو تحول المجتمع إلى مفعول به من قِبَلِ هذا النظام الفحل مكتمل الذكورة وإن لم يكن له كبير حظ من الرجولة ! .
    والسلطة المستبدة ، في المقابل ، تَضُخُّ دماء الاستبداد في عروق النخبة الضيقة مِنْ حولها فَهِيَ الدائرة الأولى من دَوَائِرِ النُّفُوذِ وَالثَّرْوَةِ ، والطبقات المستفيدة من حَوْلِهَا لا تَزَالُ تَنْشَعِبُ وتدق في الجهاز الإداري الذي تحول إلى ضَامِنِ ولاءٍ أوَّلَ ، وذلك ملمح آخر رئيس في أي نظام شمولي ، كما يضرب بعض المفكرين المثل بالنظام الشيوعي السوفييتي ، وهو الصورة القياسية للأنظمة الشمولية المركزية ، فَقُدِّرَ عدد العاملين في جهازه الإداري بنحو 18 مليونا ، وَثُلُثَا هذا العدد على أقل تقدير ، أي نحو 12 مليونا ، زائدون عن الحاجة الفعلية فإدارة الدولة الفعلية لا تحتاج أكثر من 6 ملايين موظف ، وما زاد فهو البطانة الاجتماعية التي تحظى بِبَعْضِ الفتات الذي يَتَسَاقَطُ من موائد اللجان المركزية للحزب الشيوعي الثوري ! الذي ثَارَ لِيَسْتَعِيدَ حقوق الفقراء من النخبة العمالية الكادحة ، نخبة البروليتاريا التي يمارس الاستبداد والقمع باسمها انطلاقا من نظرية "ديكتاتورية البروليتاريا" آنفة الذكر ، فلا صوت يَعْلُو على صوتها الجهوري الذي يهتف باسم الزعيم السوفييتي ! ، في إطار ما تقدم من غريزة الأنا فَكُلُّ مَنْ يُعَارِضُ الزعيمَ فالأنا الْعُمَّالِيَّةُ تفترسه بأنيابها وإن كان عنوان وَعْيٍ وَيَقَظَةٍ يروم إخراجها من هذه الغيبوبة سواء أكان منطلقه وحيا سماويا فهو في نظر البروليتاريا رجعي ثيوقراطي يروم إرجاع ذلك الشيخ الهرم ذي اللحية البيضاء إلى منصب الإله فهو يروم إحياء عظامه وهي رميم فلا تلتفت البروليتاريا التقدمية إلى طرحه الرجعي المتخلف ، أم كان منطلقه أرضيا إصلاحيا فهو نظر هذه البروليتاريا رجعي إقطاعي يَرُومُ رَدَّ الجمهور إلى رِقِّ الأرضِ التي احتكرتها النخبة المالكة ، وكأن الجمهور في المثال الشيوعي قد صار حُرًّا يحق له التملك ، فَقَدِ انْتَقَلَ من رِقِّ الطبقة الإقطاعية إلى رِقِّ الطبقة السياسية في لجان الحزب ونخبه المتنفذة فلا تَقِلُّ ظلما واستبدادا عن نخب الرأسمالية الإقطاعية في المثال القديم ، والرأسمالية الليبرالية في المثال الحديث ، فإن أصل الداء ، لو تدبر الناظر ، واحد ، وهو الاستبداد انطلاقا من نظرية أرضية محدثة وإن اسْتَفَزَّتْ ، من وجه آخر ، غريزة أخرى من غرائز الجمهور ، وهي غريزة التدين الفطرية فِي كُلِّ جبلةٍ أرضية ، فاستفزتها بما تكسو به استبدادها مِنْ لحاء الدين فهي الضامنة لقيمه ومبادئه وهي الحامية لمصادره ومراجعه وإن كانت أَلَدَّ أعدائِه بِمَا تُقَارِفُ من جنايات تَنْسِبُهَا إلى الدين المحكم زورا فإن صحت النسبة فَإِلَى الدينِ المبدل أو المؤول الذي أَحْدَثَتْهُ لِتَسْتَمِيلَ الجمهور المتدين فلا يخلو أمرها من تحكم فإنها تُنْفِذُ من أحكامه ما يُوَاطِئُ حظوظها في السلطة والثروة ، وَتُعَطِّلُهَا إِنْ خالفت عن ذلك ، فالمحكم الباعث لحركتها في الفكر والسياسة والاقتصاد ليس الوحي كما تَزْعُمُ ، وإنما باعث أرضي محدث وهو حظ النفس في السلطة والجاه فذلك رائدها في التشريع سواء أنسبت تلك الجناية إلى الوحي ، فهي ممن يصدق فيه قول الرب جل وعلا : (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) ، فلا يأتون مذعنين إلا إذا شَهِدَ الوحيُ لهم ، فَإِنْ شَهِدَ عليهم وهو لا محالة شاهد إذ باعث حكومتهم هوى النفس وحظها في الجاه والرياسة والرَّفَاهِ والرياشةِ ، إن شهد عليهم فهو أول مَنْ يَنْقُضُ عُرَاهُ وَيُعَطِّلُ فَتَاوَاهُ ، فحظ النفس في السلطة أو الجاه هو رائد التشريع في الأنظمة الأرضية المحدثة لا سيما الشمولية المستبدة سواء أنسبت ذلك إلى الوحي أم نسبته إلى ضده فهي ثائرة عليه باسم الليبرالية تارة كما في الأمثلة الرأسمالية ، أو باسم البروليتاريا الكادحة أخرى كما في الأمثلة الشيوعية ، فكلاهما ينطلق من عبارة موجزة تحكي حقيقة الصراع بين النبوات وخصومها ، عبارة : لقد مات الإله ! ، فَنَابَ عنه الإنسان فَهُوَ مركز الوجود الجديد ووحده من يحق له التشريع سواء أكان هيئة جامعة أم زعامة نادرة استجمعت مادة الذكاء في هذا العالم فلا تحتاج إلى مستشار من خارجها ، فهي المرجع المجاوز من خارج الجنس البشري ، وإن كانت من أغبى أجناسه وأحط أنواعه فكريا وأخلاقيا واجتماعيا وذلك في الغالب وصف من اجْتَرَأَ فَادَّعَى هذه الدعوى سواء أصرح أم أضمر ، فهو الطبيب الفيلسوف الذي يُدَاوِي الأبدان وَيُصَحِّحُ الأديان ويصوغ نظريات القيم والأخلاق وَيُقَسِّمُ الأرزاق فيمنح ويمنع ، فلا يحظى بعطائه إلا من دخل في سلطانه دخولَ العبد الخاضع الذي يجيد فن الهتاف باسم الزعيم فذلك دليل الولاء المطلق ، فالزعيم في مركز السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية فَلَيْسَ ثَمَّ مرجع يجاوزه ومن حوله أطراف بأمره تعمل فلا تسبقه بالقول أو الإشارة فَتُبَادِرَ بِاقْتَرَاحِ ما لم يَقْتَرِحْ فذلك ما يُغْضِبُهُ إذ تَقَدَّمَ أحدٌ بَيْنَ يديه ، وهو ما نهى عنه الوحي ! ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، فقد أَنْزَلَ نفسه منزلة المركز ، وهو في الوحي المنزل ، الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا أنهما نِدَّانِ يَتَسَاوَيَانِ أو يَتَنَاجَزَانِ فذلك ، بداهة ، ما لا يتصور في مقال التوحيد الناصع ، وإنما المراد مركز التشريع الحاكم ، فهو الله ، جل وعلا ، شارعا ، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُبَلِّغًا وَمُبَيِّنًا ، فَجَاءَ مَنْ جَاءَ من الزعماء الملهمين في الأنظمة الشمولية ! ، جَاءَ لِيَحِلَّ في هذا المركز وَيُقْصِيَ الوحي كما أقصى صاحب اللياقة الزرقاء الشيخَ الهرم فَرَكَلَهُ بقدمه وجلس على عرشه في السماء ليعلن موت الإله وسيادة الإنسان ! ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، عبارة جاوزت نطاق السياسة إلى نطاق الأدب ، فكانت نظرية موتِ المؤلِّف ، ولو كان ما أَلَّفَ هو الكتاب المقدس ! ، فلا بد من قطع العلائق مع أي إرث فكري مُتَقَدَّمٍ ليسلم الناقد من تهمة الرجعية والدوجماتية التي تؤمن بمعتقدات سابقة ، فلا بد من التجرد من أي معتقد ومرجع قبل النظر في أي كتاب أو مؤلَّف ، ولو الكتاب السماوي المقدس ، فلا قدسية لأي مرجع يَتَقَدَّمُ ولو كان وحيا ، وذلك ، ولو في إطار المثال الغربي في العصر الوسيط ، فالوحي فيه كان محرفا لم يسلم من التبديل ، فذلك ، ولو في هذا الإطار ، فلا يخلو النقد في هذه الحال من وجاهة بل هو من الواجب على كُلِّ ذي عقلٍ لِيَتَحَرَّرَ من ربقة الكهنوت الذي صادر الفكر باسم الدين فجنى الجناية العظمى على الوحي ، ومع ذلك فإن هذا العمل ولو كان حقا في هذه الصورة الدينية المحرفة إلا أن صاحبه لم يقصد به تحرير الوحي المنزل مما علق به من شوائب الوضع المحدَث ، وإن كانت تلك دعايته إصلاحا أو تجديدا ..... إلخ ، بل كانت الغاية هي ضرب المرجعية الرسالية في مقتل ، سواء أكانت مُبَدَّلَةً كما كانت الحال في العصور الأوروبية الوسطى ، أم محفوظة فإن نقدهم للكتاب المقدَّس الذي طالته يد الكهنوت الآثمة بالتبديل والتحريف ، هذا النقد لا يصمد للكتاب العزيز فَقَدْ تَحَدَّى وأقام الحجة الرسالية المحكمة التي تواطئ فطرة التوحيد الأولى فَتُقَوِّمُ ما اعوج منها بما نالها من محدثات الأحبار والكهنة فلو كان ثم قصد صحيح لنظر أولئك في محكم التَّنْزِيلِ وإنما الإشكال ، كما تقدم ، أن الناظر ، سواء أكان من المدرسة الرأسمالية أم نظيرتها الشيوعية ، أنه قد انْطَلَقَ مِنْ قَنَاعَةٍ مسبقة وعقيدة راسخة أن الإله قد مات وأن الإنسان قد حَلَّ محله في مَرْكَزِ الوجود فَصَارَ عقله هو مرجع التشريع ومناط التحسين والتقبيح مع أنه يزعم أن البحث المنصف يستوجب التجرد من كل قناعة مسبقة فقد تجرد من كل قناعة إلا قناعته الراسخة أن الإله قد مات وأن الإنسان قد احتل مركز الكون بعده ! ، فكان ذلك للشعب أو الجمهور في المثال الديمقراطي الذي يحكم باسم الشعب وهو الناسخ لحكم الكهنوت باسم الله ، وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، باطل ، فالحكم بالوحي الذي أَنْزَلَهُ الإله الحق هو الناسخ لهما جميعا إذ صَحَّحَ مَا حُرِّفَ من فطرة التوحيد والتشريع ، وكان ذلك ، في المقابل ، للزعيم الملهم في المثال الشيوعي الشمولي ، سواء أكان شخص الدولة أو السلطة فهو شخص اعتباري قد انْشَعَبَ نُفُوذُهُ في المجتمع انشعاب الخلايا السرطانية في الجسد الضعيف الذي لا مناعة له تحفظه ، فَلَمَّا شَغَرَ المحل من مادة الحق التي تَمْنَعُ ، شُغِلَ بِضِدِّهَا من الباطل الذي يُمْرِضُ وَيَقْتُلُ ، فانشعب هذا السرطان في أرجاء المجتمع إن في دوائر الحكم والإدارة ، كما قد ضرب المثل آنفا بالجهاز الوظيفي في الاتحاد السوفييتي ، فثم بدل ولاء يقدم لنحو 12 مليونا من الموظفين العاطلين عن العمل والإنتاج ، فخلفهم ، كما يقول بعض المفكرين ، جيش من البطالين يستفيد من هوامش الخدمة التي تمنحها الدولة المركزية الإله ، فهم أشرس المعارضين لأي تغيير يهدد هذه الامتيازات ولو كانت فتات الموائد التي يجلس عليها كبار رجالات الحزب من اللجنة المركزية العليا إلى أدنى اللجان التي انشعبت في المجتمع ، وهو ما استنسخ في تجارب اشتراكية في الأطراف ، فكانت تجربة الجهاز الإداري الهرمي في مصر لما تحولت إلى المعسكر الشرقي في الخمسينيات ، فكان ثم جهاز وظيفي قد تَضَخَّمَ ، فَجَاوَزَ المليون مع أن الدولة آنذاك ، كما يحكي بعض الباحثين ، كان يَكْفِيهَا من رجال الإدارة 180 ألفا ، وما زاد فهو البطانة التي تدين بالولاء لهرم السلطة الذي يُطْعِمُ وَيَسْقِي ! ، وهو ما أَفْضَى إلى تَعْقِيدِ المعاملات بهذا المثال البيروقراطي المركب لا سيما وهو تلقائيا يفرز ظواهر سلبية كالرشى والمحسوبية التي تضع من لا يستحق في موضع المسئولية في جميع مستويات الحكم والإدارة من أعلى رأس إلى أدنى عضو ، فَيَتَرَاجَعُ الأداء والإنتاج شيئا فشيئا ويتآكل الهرم ولو بعد عقود فالفساد كَسَائِرِ الظواهر الإنسانية أمر يَتَرَاكَمُ فلا يؤتي أكله حَالًا ، وقد حكى الأثر أن دخول الشرك على العرب لم يكن دفعة فلما جاء غمرو بن لحي بالأصنام من بلاد الشام لَمْ يكن يَرُومُ نَقْضَ دين إبراهيم عليه السلام وإنما رام الاعتبار بها ، كما رام قوم نوح عليه السلام قَبْلَهُ ، فَاتَّخَذُوا صُوَرًا تُذَكِّرُهُمْ بالصالحين اعتبارا فَلَمَّا تَقَادَمَ العهد وَنُسِخَ العلم وَفَشَا الجهل تدريجا اتخذت أصناما تُعْبَدُ من دون الله ، جل وعلا ، فكان الفساد المتراكم جيلا بعد آخر ، وكان السرطان الذي تَفَشَّى في الجسد كله ، فَالْوَرَمُ في المركز قد بَثَّ خلاياه أو ما اصطلح في علم الأورام أنه الثانويات ، قد بَثَّهَا في سائر أرجاء الجسد انطلاقا من النظرية الهرمية المحكمة التي تخاطب غريزة الأنا الجماهيرية التي تَتَّسِمُ بالشعبوية والديماجوجية ذات الشعارات الرَّنَّانَةِ ، فنحن الأمة الأرقى ونحن العرق الأنقى ونحن قاطرة الحضارة في هذا العالم ونحن المثال القياسي ونحن سقف التاريخ ونهاية الأيديولوجيا ونحن الإنسان الأخير الذي بَلَغَ الكمال المطلق فلا مرجع يَعْلُوهُ ولا فكرة تَتْلُوهُ فقد نَسَخَتْ فِكْرَتُنَا كُلَّ فكرةٍ فلا قول لأحدٍ بَعْدَهَا بل من رَامَ الخروج عنها فهو الخائن للدين والوطن والأمة وكل مقدس سماوي أو أرضي ! ، فثم خطاب غرائزي آخر يعضد خطاب الأنا فَثَمَّ غريزة الخوف التي تَبُثُّهَا الأنظمة الشمولية في روع المجتمع فَثَمَّ عدو يَتَرَبَّصُ بِقِصَّةِ نَجَاحِنَا المبهر ! فهو يروم إيقاف عجلة التقدم والبناء وإن كان قصورا من الحجارة أو الرمال ! ، فلا بد من التَّنْكِيلِ بهذا العدو الأثيم وإن استوجب ذلك استباحة دمه وماله وعرضه بل ذلك في عَقْلِ مَنْ يحركه هذا الخطاب الغرائزي الدموي ، ذلك من الدين الذي يَرْجُو به صاحبه الزُّلْفَى فهو يَحْسِمُ مادة الفساد من الأرض وذلك مما أمر به الوحي إذ نَهَى عن الفساد وذم من يُفْسِدُ فهو أَلَدُّ الخصامِ فلا يجد صاحب هذا القول ، وإن كان ألد خصوم الوحي ، لا يجد غضاضة أَنْ يُوَظِّفَ نصوصَ الوحي لتحقيق مآربه فهو يقود الحرب على أعداء الدين والوطن والإنسانية فمعركته أقدس المعارك إن في ميدان الحرب تَقْتِيلًا أو في ميدان الفكر تصحيحا وإن شئت الدقة فَقُلْ تَحْرِيفًا وَتَخْرِيبًا ! ، وذلك ما يفتقر بداهة إلى تفويض شعبي ! كما رأى الناظر في بعض صور التفويض المعاصر وإن في نطاق أضيق من نطاق التطهير الأيديولوجي في الأمثلة الأشد راديكالية كالمثال السوفييتي زمن ستالين ، والمثال الصيني في ثورة ماو تسي تونج الثقافية التي استغرقت عشر سنوات عجاف قُتِلَ فِيهَا كُلُّ صاحب فكرةٍ تُعَارِضُ فكرة ماو فهو مركز الفكر والتشريع الناسخ لكل ما تقدمه من إرث الأمة الصينية ، فلم يَنْتَهِ التطهير إلا بموته 1976 وإلا فماو كان يَنْتَوِي استكمال ثورته التصحيحية ولو قتل الشعب الصيني كله ، على طريقة عتريس ! ، طريقة : "اقتلوا البلد كلها" في رواية "شيء من الخوف" ! ، فَرَأَى الناظرُ طَرَفًا من ذلك في هذه الآونة وإن في نطاق أضيق ، فكان طلبُ الزعيم التفويضَ إيذانًا بحمام دماء وإن في نطاق أضيق ، فَالنِّظَامُ الشمولي يَرُومُ الاقتراع الجماهيري الذي يَبْلُغُ حَدَّ الإجماع القطعي فلا يُعْلَمُ له مخالفٌ أو مُتَوَقِّفٌ يَنْظُرُ وَيَتَحَرَّى قَبْلَ أن يَرُدَّ أو يَقْبَلَ فذلك في حد ذاته خرق لإجماع الأمة فصاحبه آثم في الدين والدنيا ! ، وهو مظنة الخيانة العظمى ، فكيف بمن خالف ، فلا بد من تفويض شعبي باعثه هو الآخر غَرَائِزِيٌّ يدغدغ العواطف ، فلا بد أن يحظى الزعيم الملهم بالتأييد المطلق ، فلا يَأْكُلُ السمينَ على موائده وَيُلْقِي الفتات إلى بطانته إلا باسم هذا الشعب العظيم الكادح ليل نهار في المصانع والمزارع ليحظى أعضاء الحزب في المثال الشيوعي ودوائره المقربة في كافة مستويات السلطة ، ليحظى أولئك بامتيازات تَتَنَاسَبُ طَرْدِيًّا مع موقعهم في هرم السلطة حتى يَنْتَهِيَ إلى القمة حيث يقبع إله الحكمة والتشريع ، فهو الزعيم الذي اختزلت فيه معاني العصمة والكمال ، فلا يُبَادِرُ أَحَدٌ فَيَسْبِقَهُ في فكرة أو حركة لا سيما إن كان غَبِيًّا مستحكم الغباء ، فذلك ما يفضحه إن كان الاقتراح صحيحا يُوَاطِئُ قياس العقل فلا دور للعقل في هذه الصورة الغرائزية التي تسوق الجمهور سوق القطيع ، فلا يمكن للعقل أن يظهر في مشهد كهذا فليس إلا عاطفة غرائزية يجيد الزعيم دَغْدَغَتَهَا بصنوف شتى ، فَتَارَةً باسم العظمة فالأمة التي يخاطبها أولُّ أمة في الوجود واسمها أحلى اسم في الوجود ، ولأجلها نعيش ونموت ، ولو صنما يُقَدَّسُ في العقل فهو كصنم الحجارة الذي يُقَدَّسُ في الحس ، فكيف إن اختزلت هي الأخرى في شخص بشر يأكل ويشرب وَيَتَغَوَّطُ فَكُلُّنَا فداؤه ! ، فانشعبت هذه الدعاية السوداء انشعاب السرطان في الجسد وإن كان ظاهرها شحما فليست إلا ورما يصدق فيه قول أبي الطيب :
    أُعِيذُها نَظَراتٍ مِنْكَ صادِقَةً ******* أن تحسَبَ الشّحمَ فيمن شحمهُ وَرَمُ .
    فانشعب هذه الدعاية السوداء حتى دخلت كل حيٍّ وشارعٍ وبيتٍ وعقلٍ إلا من رحم الله جل وعلا ، فَنَشَأَتْ أجيال على الهتاف فلا تجيد سواه فهو الذريعة القصيرة إلا بلوغ المراتب المنيفة ، فما استفاد الجمهور إلا أن غُيِّبَ وعيه الحقيقي وَاسْتُفِزَّتْ دَوَافِعُهُ الغرائزية ذات الطابع الشعبوي الهمجي ، فَثَمَّ ، كما يقول بعض المفكرين ، ثَمَّ استراتيجية واحدة وهي الإيمان بلا عقلانية الجمهور الذي تحركه الغرائز والعواطف ، مع التظاهر أن هذه البواعث اللاعقلانية هي منتهى العقلانية فذلك خطاب الزعيم السياسي في قطيع من أنصاره ! إذ يدغدغ مشاعرهم فيسمعهم ، تارة ، من كلمات الثَّنَاءِ والمدح ما يُرْضِي غرورهم كما يَسْتَمِيلُ الرجلُ المرأةَ بكلمات الحب وأشعار الغزل ، ويسمعهم أخرى من الدعاوى ما يُثِيرُ المخاوف من عدو مجهول لا بد من صناعته في العقل الجمعي ، فَلَوْ لم يكن اليهودُ مخلوقين لوجب اختراعهم كما قال هتلر في سياق التبرير لما قَارَفَ من جرائم في أفرانه على ما كان في الرواية اليهودية المعاصرة من زِيَادَةٍ وَتَكَلُّفٍ مع شوبِ مؤامرة لم تسلم منه رءوسهم التي لا تجد غضاضة في التضحية بِبَعْضِهِم لا سيما من العامة لِتَتَّجِرَ النخبة اليهودية السياسية بدمائهم ، وذلك ، أيضا ، مسلك مشهور في أنظمة الاستبداد والشمول ، فَثَمَنُ البقاءِ هو دماء الأبرياء من العامة وصغار الجند والخدم ، ومحل الشاهد دعاية هتلر الغرائزية فالأمة الألمانية هي الأرقى ، ولا بد من عدوٍّ يَتَرَبَّصُ بمثالها الناجح فالفاشل وحده من لا عدو له ! ، فَاخْتِيرَ اليهود في مثال هتلر ، واختير المسلمون والمهاجرون والملونون في المثال الشعبوي اليميني المعاصر الذي يزدهر الآن في المركز ، إن في أمريكا أو أوروبا ، فالعقل ، كما تَقَدَّمَ ، غائب ، وهو ما يميزه بعض المفكرين بمعيار لطيف يُفَرِّقُ بَيْنَ فِعْلِ العقلِ وَفِعْلِ الغريزة ، فالأمر يَتَوَقَّفُ على درجة الوعي بالفعل ، فالفعل الذي يصدر دون غاية تُرْجَى على وجه لا يخلو من الاندفاع والحدة هُوَ فِعْلُ الغريزة فالعقل آنذاك غَائِبٌ أو هو حاضر كالغائب فقد تَمَلَّكَتِ الغريزة غضبا أو خوفا أو شهوة ..... إلخ ، فهي ما يَتَحَكَّمُ في الأفعال التي لا تخلو في هذه الحال أن تكون رُدُودَ أفعالٍ لأسباب من خارج تَسْتَثِيرُ في النَّفْسِ غَرَائِزَهَا ، رغبةً أو رهبةً ، فلا الغاضب يُحْسِنُ يُفَكِّرُ فَهُوَ يُبَادِرُ فَيَنْتَقِمُ وَيَبْطِشُ وإن جاوز الحد في العقاب فكان التَّنْكِيلُ والتمثيل تَشَفِّيًا في الخصم على وجه يَنْحَطُّ بصاحبه إلى دركة دون دَرَكَةِ الحيوان ، ولا الجائع يحسن يفكر فهو يروم ابتداء ما يشبع ، ولا الخائف يحسن يفكر أو يلتذ بشهوة ، فلا عيشة لخائف وإن جمعت له أسباب اللذة جَمْعًا .
    وإذا نظرت في هذا المعنى ، معنى الغريزة ، لوجدته مئنة من الركز والغرز فهو شيء جُبِلَتْ عَلَيْهِ النفس وَأُحْضِرَتْ ، كما في قوله تعالى : (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) ، والمحضِر لها هو خالقها ، جل وعلا ، فهو الذي رَكَزَ فِيهَا هذه الأخلاق ، فَثَمَّ رِكْزُ أعلى وهو ركز التوحيد والتشريع وما وُضِعَ فِي النفس من قوى التحسين والتقبيح سواء أكانت لمعقول أم محسوس ، فالنفوس تميل ضرورة إلى الأعيان الطيبة فهي تَرْغَبُ في الماء الطاهر وَتَرْغَبُ عن نظيره النجس ، فلا يوجد عاقل ، بداهة ، يحب شرب الماء النجس إلا إذا تَبَدَّلَتِ الفطرة وَانْتَكَسَتْ فَصَارَ صاحبُهَا يستسيغ الخبيث بل ويلتذ به ، واضرب له المثل ، في أعيان المناكح بمن يرغب عن المنكح الطيب زواجا إلى ضده من المنكح الخبيث سفاحا ، وقد أُرِيَهُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المعراج مثالا يُضْرَبُ بِرَجُلٍ يَتْرُكُ اللحمَ الطيب ويأخذ نظيره الخبيث ، فَيَطْعَمُ الثاني وهو الضار القبيح الذي تَسْتَنْكِفُهُ النفوس الصحيحة التي لم تَتَبَدَّلْ فطرتها ، فكان ضرب المثل المحسوس بأكل اللحم لتقريب المعنى في وطء الفرج ، فالقوة الأخلاقية التي رُكِزَتْ فِي النفوس رِكْزَ الضرورة العلمية التي لا يُنْكِرُهَا إلا جاحد أو مسفسط ، هذه القوة تستحسن بداهة العفة لا الفجور ، اللحم الطيب الذي يُذَكَّى فَيُطَهَّرُ من الدم والقذر لا الخبيث الذي يَلْقَى حتفه بلا تذكية فهو ميتة تحرم لما اشتملت من الضرر فلا يَرْغَبُ فِيهَا إلا مَنْ تَبَدَّلَتْ فطرته فاستطاب الدم وهو الخبيث القذر ، فلا تستطيب النفس بما ركز فيها من الفطرة الصريحة ، لا تستطيب النجس من المآكل والمشارب ، فلا تستطيب أكل الخنزير أو شرب الدم أو الخمر أو الماء النجس ، ولا تستطيب المأوى النجس من المزابل ومواضع القذر لا كما زعم من زعم من الرُّهْبَانِ وَمَنْ سَلَكَ جادتهم من غلاة أهل الطريق الذين جعلوا من تمام الولاية : تَرْكَ الاغتسال من الجنابة والمبيت في موضع القذر ولبس الأسمال البالية والسعي في الطرقات بلا هُدًى فتلك الحال الكاملة ! وإن خالفت عن الحال الرسالية الراشدة التي كان العقل فِيهَا حاضرا يحكم ، فَذَلِكَ ما يَسْتَحْسِنُ كُلُّ عاقل يَفْقَهُ ، فلم يغلب وارد الجذب إلى الحضرة الإلهية التي ذهل بها عقل المجذوب فَصَارَ هو الولي المرغوب الذي تَطْلُبُ العامةُ بَرَكَتَهُ ولو بَصْقًا في مواضع الداء فَيُشْفَى بِبَرَكَةِ بصقةِ الوليِّ القذرِ ! ، فقد صَارَ تَقْذِيرُ البدنِ مَئِنَّةً من سمو الروح وَانْعِتَاقِهَا من ربقة الجسد الطيني الكثيف فلا بد من إهانته وتقذيره انتصار للروح التي تعرج إلى الحضرة الإلهية ! ، فكل ذلك مَئِنَّةٌ مِنْ تَبَدُّلِ الفطرة الأولى فقد استطاب صاحبها الأعيان النجسة والأحوال الدنسة .
    فَثَمَّ رِكْزٌ أعلى من التوحيد والتشريع ، فـ : (أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، وثم ، في المقابل ، رِكْزٌ أدنى كما تقدم في قول الرب الأعلى : (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) ، فَجُبِلَتْ على الشح والحرص وحب الذات والأثرة ...... إلخ من الغرائز التي تدل على نَقْصِ الجبلة البشرية ، وهو ما يُبْطِلُ أَهْلِيَّتَهَا أَنْ تُشَرِّعَ وَتَضَعَ الأحكامَ فَإِنَّ بَاعِثَهَا في ذلك هو غَرَائِزُهَا التي تروم إشباعها ، وحاجاتُها التي تروم سدها ، فكيف يَضَعُ الشرعَ مَنْ يجوع ويعطش ويبول ويتغوط ويقضي الوطر ..... إلخ من غَرَائِزِ البدنِ الضرورية ، ومن يجهل ويذهل وَيَنْسَى ..... إلخ من آفات العقل التي لا سبيل إلى إنكارها فَهِيَ مِمَّا يَجِدُ كُلُّ أحدٍ في ذاته وإن بلغت ما بلغت من الكمال ، ولو ذوات الأنبياء عليهم السلام فإنهم لا يُعْصَمُونَ من العوارض الجبلية : أكلا وشربا ونكاحا ومرضا وموتا ، فـ : "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا قَالَ: «أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ الرَّجُلَانِ مِنْكُمْ»" ، فيوعكون كما يوعك الناس ويموتون كما يموت الناس ، فـ : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) ، وَقُلْ مثلَه في غَرَائِزِ النفس كالأثرة والشح والطمع وحب الجاه والرياسة ..... إلخ ، فهي من الآفات التي رُكِزَتْ في النفس ليكون الابتلاء بِتَهْذِيبِهَا بما جاءت به النبوات من كتاب وحكمة فهي ما يُلْجِمُ النَّفْسَ الشهوانية ، وهو ، مع ذلك ، لا يغلو في ذلك فيسلك بها جادة الرَّهْبَنَةِ والتصوفِ ، فالوحي قد جاء يهذب الغرائز فلم يأت لطمسها فهي من بواعث الحركة إعمارا للأرض وإكثارا للنسل فإذا طمست فآوى الإنسان إلى كهف أو مزبلة ! ، فمن يعمر الكون ؟! ، وذلك من آكد المقاصد الشرعية ، فـ : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فكان الأمر بالمشي في المناكب طلبا للرزق الذي به حفظ النفس ، وكان من الأمر بالانتشار بعد الصلاة ابْتِغَاءَ الفضلِ ، فـ : (إِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ، وإنما ضاع الحق والعدل بين طرفين كلاهما يُذَمُّ : إِفْرَاطًا في إشباع الغرائز وَتَفْرِيطًا في إبطالها ، والصحيح هو السَّعْيُ فِي تهذيبها أَنْ تُوضَعَ في المحال المحمودة التي جاءت بها النبوات المعصومة .

    فالغرائز ، وهي محل الشاهد ، من آكد بواعث الظلم والبغي إن في الخلطة والرعي ، فـ : (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) ، أو في السياسة والحرب ، وهي ، كسائر المعاني التي يجردها الذهن ، فهو يَتَصَوَّرُهَا مطلقةً ثم يُقَيِّدُهَا كسائر الأجناس العامة فمنها غرائز الحس كالجوع والعطش .... إلخ ، ومنها غرائز المعنى كالخوف والحب والغضب ، وإنما يحمد مَنْ قيدها بلجام العقل ، وهو أمر يعسر وإن كان تصوره يَسْهُلُ ، فإذا طَرَأَ سبب الغضب وهو من أشد الْغَرَائِزِ مُكْنَةً من النفس بما جبلت عليه من حب الانتقام والثأر لا سيما إن كان الخصم أضعف ، فَدَاعِي الاسترسال في الغضب أقوى إذ لا يخشى القوي بأس الضعيفَ فهو يُنْفِذُ غضبه وانتقامه بل ويفرط في الظلم والبغي بما جبلت عليه النفس من الْعُلُوِّ فِي الأرض ، فإذا طرأ سبب الغضب تَبَيَّنَ الحليم المتأني جِبِلَّةً ، والمتحلِّم المستأني الذي يسوس نفسه وإن غَالَبَتْهُ فَغَلَبَهَا تارة وَغَلَبَتْهُ أخرى ، ومن عجز فلم يصبر على رياضة النفس فهو يضرب ويبطش ويسب ويصرخ إذ ذَهَلَ العقل ، فلا يحسن يُقَدِّرُ العواقب ، وهو ما يَتَفَاوَتُ حَتَّى يَبْلُغَ في أحيان حد الظلم والعدوان ، فيكون السلوك العدواني وذلك من أمراض النفوس الضعيفة فلا تحسن تلجم مشاعرها لا على وجه آخر يناقض ، فَثَمَّ ، في المقابل ، من هو بارد لا يغار إذا اسْتُغْضِبَ أو انْتُهِكَتِ الحرمات ، وَيَرَى ذلك حلما وإنما هو الدياثة وقلة المروءة ، والفضيلة ، كما تقدم مرارا ، وسط بين فضيلتين ، فالحلم وسط بين الغضب والبرود ، والحليم لا يشترط فيه ألا يغضب ، بل غَضْبَتُهُ تُحْذَرُ ، وهي مما يُحْمَدُ إن كانت في ذات الله ، جل وعلا ، كما أُثِرَ من حال النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تُنتَهك حُرْمَة الله فينتقم لله بها" ، فقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمن سأله مُسْتَنْصِحًا ، فأجابه أن : "لَا تَغْضَبْ" ، هذا القول لا يستوجب بداهة ألا يحصل له ما يحصل لجميع الخلق من فَوْرَةِ الغضب في الجنان ، وإنما التكليف ألا يَسْتَرْسِلَ فيه فَيَظْلِمَ وَيَبْغِي لا سيما إن كان الخصم ضعيفا لا يُخْشَى بأسُه فَثَمَّ من لا يغضب ويبطش إلا بالضعفاء وذلك ، لو تدبر الناظر ، وصف الجبناء ، فإن الشجاع لا يَرْضَى أن يبطش بضعيف بل كمال المروءة يوجب الترفق به وإن جَهِلَ ، فَيَحْلُمُ القوي ويعفو إن قدر ، فلا يكون العفو ، في المقابل ، ذريعة التخاذل والقعود ، فذلك وصف الجبان إذ لم يطق مدافعة خصمه ابتداء ليقال إنه قد قدر وعفا وإنما عجز وقعد ، وَذَلِكَ فُرْقَانٌ آخر بين الشجاعة والجبن ، والغضب وبلادة الحس ، فلا يؤمر أحد ألا يغضب فذلك مما لا يطاق إذ يُخَالِفُ عن جبلة النفوس الضرورية وإنما يؤمر ألا يَسْتَرْسِلَ في لوازم هذا الغضب فَتَبْلُغَ به حد الظلم والعدوان ، فيضع الغضب في موضعه والحلم في موضعه ، كما يحكي أبو الطيب في بيته المشهور :
    وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا ******* مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى .

    فوضع أحدهما موضع الآخر يضر ، وإنما الحكمة أن يوضع في المحل الذي يلائم ، فيغضب في مواضع الغضب ويحلم في مواضع الحلم ، ويعطي في مواضع العطاء ويمنع في مواضع المنع ، ويستعمل أخلاق الشدة والجلال في مواضعها وأخلاق اللين والجمال في نظائرها فذلك الكمال الذي جاءت به النبوة الخاتمة التي استجمعت ، كما تقدم في مواضع سابقة ، الجلال الموسوي والجمال العيسوي ، فاستجمعت جلال التوراة وقد جاءت بالعزائم وجمال الإنجيل وقد جاء بالرخص ، فكان الوحي لجاما حاكما وقيدا وازعا فَوَحْدَهُ مَا يُهَذِّبُ الْغَرَائِزَ ، وإنما حُمِدَ مَنْ حُمِدَ من رجالات السياسة والحرب أن لجموا غرائزهم فلا يفرحون فرح البطر والأشر ، ولا يحزنون حزن اليأس والجزع ، وذلك وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهو ، لو تدبر الناظر ، أكمل مِنْ وَصْفِ مَنْ تلاهم وإن ظهر ، بادي الرأي ، أنه أقوى وأشد بأسا ، كما يضرب المثل برجال كأبي جعفر المنصور ، فحل بني العباس كما يَسِمُهُ صاحب "سير أعلام النبلاء" رحمه الله ، وأبي مسلم الخراساني الرجل الداهية الصلب الذي قُدَّ وَجْهُهُ من الصخر فلا يَرَى الناظر فيه فَرَحًا ولا حُزْنًا ، فإذا أتاه الخبر بالنصر لم يفرح ، وإذا أتاه بالهزيمة لم يجزع ، فحاله أبدا واحدة لا تَتَغَيَّرُ ! ، وهو ، مع ذلك ، ظلوم غشوم قد قتل الألوف ، فَلَئِنْ حُمِدَ فيه ما اصطلح المحدَثُونَ أنه الثَّبَاتُ الانفعالي ، فإنه ، بداهة ، ليس كَثَبَاتِ القرن الرسالي الذي كان رجاله أشد ثَبَاتًا فلم يحملهم البأس أن يظلموا الخلق وإن انتصروا ممن ظلم ، فـ : (مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) ، فحالهم بين الانتصار عدلا والعفو فضلا ، عفوِ القادر إذا غلب ، كما صنع صاحب الشرع الأكمل صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الفتح الأكبر ، فاستعمل الجمال في مواضعه ، فـ : "اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ" ، واستعمل الجلال في مواضعه فأهدر دماء أقوام وإن تَعَلَّقُوا بأستار الكعبة فهم من أكابر المجرمين ، وذلك وصف العاقل الرشيد الذي لا يطلق لنفسه العنان فلا تستبد به الغريزة ، فإذا غضب تَأَنَّى فلم يعاجل بالعقاب ، فكان من خصال الكمال أن يَتَمَهَّلَ الغاضب فَشُرِعَ له أن يَتَوَضَّأَ أو يُبَدِّلَ جلسته فَيُغَالِبَ لسانه أن يُفْلِتَ ويده أن تَبْطِشَ ، لا سيما إن كان هو الأقوى فَلَيْسَ ثم ما يَزَعُهُ إلا الحلم والمراقبة ، مراقبة الله ، جل وعلا ، فإذا ذُكِّرَ به تَذَكَّرَ ، كما أُثِرَ عن الفاروق عمر ، رضي الله عنه ، فكان خير الناس إلا أن يَغْضَبَ فلا يَنْهَضُ لغضبه أحدٌ فإذا ذُكِّرَ بالله ، جل وعلا ، فَتُلِيَتْ عليه آيات من الكتاب فذلك ما يسكن غَضْبَتَهُ ، فالعاقل مَنْ يُحْسِنُ يُلْجِمُ غرائزه لا سيما الغرائز الغضبية فإنها تفضي به إذا اسْتَرْسَلَ فَلَمْ يَسْتَمْهِلْ أن يَظْلِمَ وَيَبْغِيَ ، فلا يحمد قولٌ أو عملٌ حالَ الغضب المستحكِم فصاحبه في الغالب يَنْدَمُ وَيَتَحَسَّرُ ، وذلك أمر ، كما تقدم ، مما تَسْهُلُ حكايتُه نَظَرًا حال السعة ، فإذا ضاق الأمر واشتد الخطب لم يثبت إلا من ثَبَّتَ الرب ، جل وعلا ، والعاقل من يسأل الله ، جل وعلا ، السلامة ، فلا يُحَمِّلُ نفسه من البلاء ما لا تطيق وهو ، مع ذلك ، يؤدبها أن تَثْبُتَ إذا امْتُحِنَتْ بالشدة ، ومع البلاء يَنْزِلُ الصبر ، ومع الشدة يَقْرُبُ الفرج ولا يكون ذلك إلا أن تَفْزَعَ النَّفْسُ إلى بَارِيهَا ، جل وعلا ، أن يُسَدِّدَهَا وَيَهْدِيَهَا ، فصاحبها يَتَأَوَّلُ المأثور من دعاء المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن : "اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ أَنْتَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" .

    فالغزيرة أبدا تفضي بصاحبها إلى الهلكة فلا يسلم صاحبها من شَرِّهَا إلا أن يكون العقل رائدها فهو أول وهي المحل الثاني ، كما قال أبو الطيب في الرأي والشجاعة ، فالرأي عقل ، والشجاعة غريزة ، فهو أول وهي المحل الثاني ، فـ :
    الرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ ******* هُوَ أوّلٌ وَهيَ المَحَلُّ الثّاني .

    وما دون العقل فَغَرِيزَةٌ تَسْتَفِزُّهَا أي دعاية شعبوية ديماجوجية تضفي على الأعمال الوحشية ألقاب التطهير والتصحيح ..... إلخ ، واضرب له المثل بحملات التطهير الأرثوذكسي الصربي لكل ما هو مسلم في البوسنة أو كاثوليكيٌّ في كرواتيا ، فتلك جريمة كساها النظام الدولي أسماء لطيفة تُخَفِّفُ من حِدَّتِهَا فأطلق عليها لقب "التطهير العرقي" ، وذلك ، كما يقول بعض المفكرين ، ما لا يكون إلا في عالم لا يعترف بوجود الله ، جل وعلا ، فهو لا يعترف بوجود الإنسان ، بل تصير المصلحة المادية هي المعيار ، وهو ما يحول المجتمع ، كما يقول المفكر آنف الذكر ، ما يحوله إلى قطيع من الذئاب لا تدرك بداهةً قِيَمَ التضامن أو التكافل أو الصحبة ، فالذئب إذا هرم أو أصيب بعلةٍ أو ضربةٍ تَعُوقُهُ فالذئاب الأخرى تَلْتَهِمُهُ ! ، فَلَيْسَ لديها من فائض الأخلاق ! ما يجعلها تكفله ، وهو ما يصيب النفوس بالإحباط ويجعلها تَتَخَوَّفُ من قَابِلِ الأيام إذ تَفْتَقِرُ إلى الأمان في عالمٍ تَحَوَّلَ إذ غاب الوحي إلى غابة لا يسكنها إلا الوحش ، ولولا آحاد من الفضلاء يُذْهِبُ الله ، جل وعلا ، بهم الوحشة ، فَهُمْ مِنْ زَادِ الغربةِ في هذه الدنيا ، فَلِقَاؤُهُم ، كما أُثِرَ عن الفاروق عمر ، لقاؤهم جلاء الأحزان فالمرء إذ يجالسهم فهو يأمن فلا يخشى غدرا ولا بأسا ، فيطمئن إذا حضروا ، فإذا افْتُقِدُوا أو رحلوا فَهُوَ بعدهم يذل ، كما أُثِرَ عن أحمد ، رحمه الله ، فـ : "إذَا مَاتَ أَصْدِقَاءُ الرَّجُلِ ذَلَّ" ، وقد ضاقت الدنيا على أبي عبد الله البخاري وقد مات أحبابه وَتَكَالَبَ عليه خصومه ، فدعا الله ، جل وعلا ، أن يموت فمات من ليلته عَشِيَّةَ الفطر من رمضان 256هـ ، فإذا مات أخ من الإخوان سقط عضو من الأعضاء ، كما أُثِرَ عن أيوب السختياني ، فـ : "إنَّهُ لَيَبْلُغُنِي مَوْتُ الرَّجُلِ مِنْ إخْوَانِي فَكَأَنَّمَا سَقَطَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِي" ، فهم الأعوان كما قال ابن المعتز ، فـ : "مَنْ اتَّخَذَ إخْوَانًا كَانُوا لَهُ أَعْوَانًا" ، وفي ضياع المال فسحةٌ أن يكتسبَ ولا خلف للأخ إذا مضى ، فـ :
    يَمْضِي أَخُوك فَلَا تَلْقَى لَهُ خَلَفًا ******* وَالْمَالُ بَعْدَ ذَهَابِ الْمَالِ مُكْتَسَبُ .

    فالأخ لا يخفر الذمة ، فهو يصون الود ، ولو لحظة ، وهو ما تَوَسَّلَ به أبو الطيب عند سيف الدولة ، فـ :
    بَينَنا لَو رَعَيتُم ذاكَ مَعرِفَةٌ ******* إِنَّ المَعارِفَ في أَهلِ النُهى ذِمَمُ .

    فَثَمَّ أَرْحَامٌ جامعة أعظمها رحم الإسلام ، فـ : "إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك ، فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة" ، وبعدها من الأرحام ما يصونه أولو النهى ، فَرَحِمُ المعارف ورحم الشدائد ، فَلَئِنْ فَاتَتْكَ رَحِمُ الدين ، وذلك خسران عظيم لا عِوَضَ منه ، فإن فاتتك فكنت من أهل الدنيا فلتكن من أهل الوفاء فلا تخفرن الذمة ، فقريش لم تخفرها وهي كافرة فاجرة ! ، فحفظتها بما رُكِزَ فِيهَا من شمائل المروءة والنجدة .

    فمن جالسته فأهداك من جيد كلامه فهو يقطف لك من أطايب ثماره ولولا ثلاث ما أحب الصالحون كعمر الفاروق وأبي الدرداء ، ما أحبوا البقاء ، وَمِنْهَا مجالسة أقوام يَنْتَقُونَ جيد الكلام كما يُنْتَقَى أطايب الثمر ، وليس ذلك إلا كلام النبوات وما احتف بها من المقالات ، فلا يعيد الثقة المفقودة والأمان المنشود إلا النبوة التي جاءت ، كما تقدم مرارا ، بتقويم الفطرة وتصحيح الشرعة ، فجاءت بصحائح المنقول التي تواطئ صرائح المعقول .

    والله أعلى وأعلم .


  6. #6
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:09-11-2019
    الساعة:06:47 AM

    المشاركات
    4,884
    العمر
    41

    ومشروعية السياسة والحكم : أمر قد عمت به البلوى في هذه الأعصار ، فقد اختلفت فيه الأنظار ، والمثال الحاضر الآن في الذهن هو النخب الحاكمة في الأطراف عبر المثال الهرمي محل الشاهد ، فَإِنَّهَا لا تكتسب المشروعية إلا من المركز فهو الذي صَنَعَهَا على عَيْنِهِ ، صناعة تجاوز حد الإجراء فَثَمَّ صناعة الأفكار ، فَلَيْسَ الأمر ارْتِزَاقًا محضا ، بل المرتزق المحض الذي احترف العمل الوظيفي المجرد من أي قيمة فكرية حاكمة إلا فكرة المصلحة الخاصة الناجزة ، هذا المرتزق لا تؤمن حكومته إذ هو دائم التَّنَقُّلِ في الوظيفة تَبَعًا للمقابلِ المادي فهو معيار ولائه الأول وربما الأوحد ، فإن وجد من يَسْتَوْظِفُهُ وَيَدْفَعُ أَكْثَرَ فَهُوَ لِمَنْ دَفَعَ ! ، فالاقتصار عَلَيْهِ إِنْ جَازَ فَهُوَ اقْتِصَارُ الضرورة فَلَيْسَ إلا مرحلة حتى يَتِمَّ إعداد البديل الذي يحمل ولاء خاصا لصاحب العمل يجاوز حَدَّ الراتب الذي يَتَقَاضَاهُ ، وإن كان ذلك ، أبدا ، مِعْيَارًا رَئِيسًا في التَقْيِيمِ ، فطبيعة العمل الوظيفي مهما كسيت لحاء الفكرة والأيديولوجيا فهي في نفسها طبيعة براجماتية انتهازية لا تُقِيمُ كَبِيرَ وزن للفكرة ، فصاحبها على طريقة من سُئِلَ : ما مذهبك ؟ ، فقال : في أي بلد ؟! ، فهو حنفي في بلد الحنفية ، مالكي في بلد المالكية ...... إلخ ، بل لا يجد حَرَجًا أن يَنْخَلِعَ من الديانة في بلد الدهرية المنكرِين للبعث والنشور ! ، فَيُمَارِسُ التقية الفكرية أو السياسية صيانةً لمصالحه الخاصة الضيقة ، فذلك وصف لا يفارق العمل الوظيفي ، فدائرة مصالحه ضيقة جدا لا تجاوز حد العنصر أو الموظَّفِ ، مهما تَلَقَّى من أفكار فطبيعته تُنَاجِزُ الفكرة فلا يقيم لها وزنا إذ لا اعتبار لها في حياته بل هي محل استخفاف وتهكم فليست إلا تضييعا للوقت في مقالات وحكايات لا تُتَرْجَمُ في الواقع إلى مكسب مادي عاجل فتلك طبيعة العنصر الوظيفي ، وهو عنصر في الغالب : جاهل فارغ مع إحساس مُفْرِطٍ بالنقص يجعله أبدا يَرُومُ الظهور في صورة العظيم ، ولا يخلو في الغالب مِنْ تَشَوُّهٍ نَفْسِيٍّ جراء الخلل الاجتماعي ، فهو ، كما يُنَوِّهُ بَعْضُ الفضلاء ، شخص على الهامش لم ينجح المجتمع الطبقي ذو الطبيعة العنصرية ، لم ينجح أن يحتويه فَيَضَعَهُ في موضع التقدير لملكَاتِه مهما كانت محدودة ، فلا بد من وظيفة يُحْسِنُهَا فَهِيَ قِيمَتُهُ ، كما أُثِرَ عن علي رضي الله عنه ، فلا المجتمع أَوْجَدَ لهذا العنصر وظيفةً ودورًا في الحياة يلائم ملكاته مع وضوح الرؤية الفكرية ، ولا المجتمع سعى في إخراجه من هذا الوضع فَيَسَّرَ له أسباب التَّأَدُّبِ وَالتَّعَلُّمِ الذي به يَتَمَيَّزُ فَيُرْضِي تَطَلُّعَ ذَاتِهِ إلى التَّمَيُّزِ عَلَى قاعدة حقيقية لا أخرى وهمية يَلْجَأُ إليها المفلِس الذي يصطنع الملكات والمواهب وليس له منها شيء ، مع نَقْصٍ جبلي في ذاته ، لم ينجح المجتمع في علاجه بل زاده بسلوكه العنصري المفرِط الذي يبالغ في احتقار الضعيف فَيَسْخَرُ منه وَيَهْزَأُ وَيَسْعَى فِي إقصائه ما أمكن ، فذلك ما يَزِيدُ نَقْصَهُ نَقْصًا فَيَزْدَادُ حقدا وشراسة وهو ما لَا يَنَالَ النخبةَ فهو أحقر أن يُؤْذِيَهَا وإن كانت هي السبب الرِّئِيسَ فيما آلت إليه حاله ، فَحِقْدُهُ وَشَرَاسَتُهُ تَتَوَجَّهُ إلى العامة ، فَيَتَعَزَّزُ السلوكُ السَّادِيُّ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ يَلْتَذُّ بإذلال المجتمع الذي أذله وأهانه ، فلا تَرَاهُ إلا وهو يُؤْذِي من يحب ، وَيَرَى ذلك من كمال الفحولة فَكَمَالُ النَّفْسِ يَعْدِلُ عِنْدَهُ قَسْوَةَ القلبِ ، أو أخلاق الجلال التي تحسن في أحوال دون أخرى فَطَرْدُهَا في كل حال وضع للشيء في غير موضعه ، فالثبات الانفعالي ، وهو مما يمدح صاحبه ، هذا الثبات حال الشدائد يَقِي صاحبه شر الانهيار فهو يَثْبُتُ لِمَا فَجَأَهُ مِنَ الخطوب ، ولا يكون ذلك إلا بِتَثْبِيتِ الرَّبِّ المعبود ، جل وعلا ، لا جرم كان سؤال الثبات حَالَ مَنْ يَعْقِلُ من نفسه الضعفَ وإن آنس منها ، في أحيان ، قُوَّةً أو عِزَّةً فلا حول لها ولا قوة إلا بالله ، جل وعلا ، خلاف من يَغْتَرُّ بِعَارِضِ قُوَّةٍ يطرأ ، فيكون الخذلان أن يُوكَلَ إِلَى نَفْسِهِ ، فَيَنْسِبَ إليها الفضل وَيَرْكَنَ إليها في الخطب ، فمن رُزِقَ الثبات حال الشدة فَلْيَحْمَدِ الله رب العزة ، جل وعلا ، أن ثَبَّتَهُ فَوَقَاهُ شر الانهيار ، فكان صبره الذي يكسر قلب الشامت أَلَّا يَرَاهُ ضَعِيفًا فَهُوَ يَتَمَاسَكُ وَيَتَجَلَّدُ ، فَيَتَكَلَّفُ مِنْ أخلاق الصبر ما يحسن في مواضعه ، ولكن ذلك ، من وجه آخر ، إن لم يَقْتَرِنْ بِنَظِيرِهِ من أخلاق الجمال رحمةً فهو مما يُفْضِي بصاحبه إلى الغلظة والقسوة فهو يُغَلِّبُ الجلال في كل حال فيكون قاسيا وإن ظن أنه صارم ، وَبَيْنَهُمَا قدر فارق ، أو ما اصطلح في المنطق أنه العموم والخصوص المطلق فكل قَاسٍ صارم ولا عكس ، فالصرامة أعم إذ تَسَعُ الرحيم كما الفظ الغليظ ، بل الرحيم بها يمدح مدحا يزيد فهو يحسن يضع كُلَّ خُلُقٍ في موضعه وتلك آية الحكمة ، أن يُوضَعَ الشيءُ في المحل الذي يلائم ، فهو يشتد في محال الشدة ، ويلين في محال اللين ، فلا يَغْلِبُ طرفٌ آخرَ ، بل العدل أن يمزج الشدة باللين ، وَيَلْبَسَ لكلِّ خطب لبوسه ، لا لبس المنافق المتلون الذي يستعمل التقية في غير موضعها ، فهو يَتَوَسَّلُ بِهَا لِبُلُوغِ مآربه فَيَجْعَلُهَا أصلًا في مسلكه وليست إلا ضرورةً تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، فالحكمة أَنْ يَسْتَعْمِلَ لكلِّ محلٍّ من الأحوال ما يلائمه ، وليس ذلك من التَّنَاقُضِ أو التَّلَوُّنِ في شيء ، فَثَمَّ قَدْرٌ فَارِقٌ وإن كانت الصورة واحدة ، فَقَدْ يَظُنُّ ظَانٌّ أن الاثنين متناقضان ، إذ يرى في حالهما التغاير ، ولكن المنافق يَتَلَوَّنُ فلا يصدق فِيمَا يظهر ، فإن أظهر لِينًا في موضع فَتَقِيَّةً لا يُجْرِيهَا مجرى الضرورة ، كما تقدم ، بل بها يتوسل إلى بلوغ مصلحة عاجلة ، فإذا نالها أظهر ما أبطن من البغض والقسوة على وجه لا يخلو من التشفي والانتقام وذلك مئنة من لؤم الأصل وخسة الطبع ، وأما الآخر فهو صادق لا يَتَنَاقَضُ بَلْ يَجْرِي عَلَى قَانُونِ الحكمةِ الرَّاشِدِ ، فإن ضحك فصدقا لا غشا ، وإن عَبَسَ فصدقا لا غشا ، فلا يخالف بظاهره عن باطنه إلا ضرورة تقدر بقدرها ، فليست أصلا يطرد على وجه يُصَيِّرُ الكذب فضيلة ! ، فالصبر لا يستوجب الغلظة ، واللين لا يستوجب الغفلة ، وإنما يقتصد الحكيم في أحكامه ، فهو يضحك في مواضع الجمال ، ويعبس في مواضع الجلال ، وذلك وصف النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الضحوك الْقَتَّالُ ، فَثَمَّ مثال مبالغة في كلتا الحالين فهو ضحوك في مواضع الرحمة ، وذلك أبلغ في الدلالة من ضاحك ، قَتَّالٌ في مواضع الجلال ، وذلك أبلغ في الدلالة من قاتل ، فهو الْقَتَّالُ لا أنه يظلم وَيَبْغِي فَيَسْفِكُ من الدم ما لا يحل ، وإنما يشتد إذا جد الجد ، فيصدق فيه ، من وجه ، قول أبي فراس :
    سَيَذْكُرُني قومي إذا جَـدَّ جِـدُّهُـمْ ******* وَفِـي اللّيلةِ الظَّلْماءِ يُفْتَـقَـدُ البدر .

    وَهُوَ هُوَ من دَمْعُهُ يَنْحَدِرُ وَهُوَ يَرَى حَفِيدَهُ يَحْتَضِرُ ، فَيُسْأَلُ عن ذلك فَيَقُولُ هي الرحمة فليست الضعف أو الجزع ، كما يظن بَعْضٌ مِمَّنْ يَتَكَلَّفُ أخلاق الجلال في كل حال فَتُفْضِي به إلى قسوة الجنان ، لا سيما إن كان لَئِيمًا يَتَقَصَّدُ إيذاء الخلق فهو يَلْتَذُّ بإيلامهم ، فَثَمَّ سادية تَعْظُمُ بِهَا بَلْوَى صاحبها وَبَلْوَى مَنْ حوله فهو يَضُرُّ نفسه وَيُضَّارُ غيره ، فشؤمه قد لَزِمَ وَتَعَدَّى ! ، وهو أمر تَنَاوَلَهُ بَعْضُ المحققين تناولا لطيفا دَحَضَ بِهِ شُبْهَةً تَعْظُمُ أَنَّ ثَمَّ حَالًا أكمل مِنْ حَالِ النُّبُوَّةِ ، فَتَكَلَّمَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي حال النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَوْمَ بدر وقد بات لَيْلَهُ يدعو ربه ، جل وعلا ، فإن تهلك هذه العصابة البدرية لا يعبد رب البرية ، جل وعلا ، في الأرض بَعْدَهَا ، فأكثر وَأَلَحَّ في موضع يحسن فيه الإلحاح والإكثار ، فالله ، جل وعلا ، أكثر ، وهو أكرم أن يَرُدَّ يَدَيْ داعٍ دون إجابة ، فكيف بصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟! ، وإن تأخرت أو ادَّخَرَ له مِنْهَا عوضا يَعْظُمُ يَوْمَ العرضِ الأكبر ، فكان من حاله أن نَزَلَ مقام الرجاء فَجَمَعَ بَيْنَهَ وَبَيْنَ مقام اليقين ، فكان من الصديق أن رَقَّ لحاله فَبَعْضَ مناشدتك ربَّك فإنه منجزك ما وعدك ، فكان مقام الصديق مقام اليقين ، فَظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ في هذه الحال أكمل ! ، ولو تدبر الناظر لوجد حال النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم هي الأكمل فقد جمع الْمَقَامَيْنِ : اليقين والرجاء ، فهو خَيْرٌ من الصديق ، رضي الله عنه ، خَيْرِيَّةَ الأفضلِ عَلَى الفاضلِ ، فكلاهما من الصنف الكامل ، وَقُلْ مِثْلَهُ فِي بكائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على جثمان عمه حمزة ، رضي الله عنه ، يوم أحد ، وبكائه على ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ ، فالعين تدمع والقلب يحزن ، والأب بِفِرَاقِ ابنه يكرب ، ولكنه لا يقول ما يُغْضِبُ الرَّبَّ ، جل وعلا ، وَيُسْخِطُ ، فجمع الرحمة فَبَكَى والصبر فلم يَنْطِقْ هجرا ، فحاله أكمل من حال الفضيل ، رحمه الله ، إذ ضحك يوم مَاتَ ابنه فَسُئِلَ عن ذلك فَقَالَ : أردت أن أرغم أنف الشيطان ! ، فلم يحتمل المحل الصبر والرحمة فخاف إن سلك جادة الرحمة أن يجزع فاقتصر على مقام الجلال ، فَحَالُهُ ، بَدَاهَةً ، دون حال النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فمن جمع مقامين خير بداهة ممن اقتصر على واحد ، فالأول قد جمع الأضداد لا عَلَى حَدِّ التَّنَاقُضِ أو الفصامِ ، وإنما وَضَعَ كُلًّا في محله الذي يلائم ، فكان من وصف النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أنه نبي المرحمة جمالا ونبي الملحمة جلالا ، فهو مَنْ مَزَجَ اللين بالشدة ، فَأَحْسَنَ يَسْتَعْمِلُ الأخلاق في مواضعها ، وَأَحْسَنَ يَسْتَعْمِلُ الرجال في مواضعها ، فمزج لين الصديق أبي بكر بشدة الفاروق أبي حفص ، فلم يكن ثم جنوح إلى طرف وإن مال إلى جمال الصديق في مواضع كأسرى بدر فقد أَشَارَ بِمَا يُوَافِقُ طبعه الجميل أن يَغْفِرَ البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَيَصْفَحَ ، وأشار الفاروق ، في المقابل ، بما يوافق طبعه الجليل أن يضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم السيف وَيَقْتُلَ ، فَنَزَلَ الوحي ، وهو الحجة ، نَزَلَ يشهد لجلال الفاروق في هذا الموضع ، لا طَرْدًا لَهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ، وإنما الحكمة ، كَمَا تَقَدَّمَ مرارا ، بِذَا قَضَتْ ، أن يكون الجلال حتى يكون الإثخان ثم يكون الجمال باتخاذ الأسرى والمن أو الفداء ، وبعده كان الصديق وهو آية الرحمة فهو أرحم الأمة بالأمة ، كما قال صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلم يطرد الرحمة في موضع الشدة يوم الردة ، بل كان من جلاله ما يحكي نفسا عظيمة وهمة رفيعة لا تعرف القعود أو التخاذل ، ولا تقبل المهادنة أو الموادعة ، فَلِسَانُ حالها لسان أبي الطيب إذ يمدح سيف الدولة محبوبَه الأوحدَ :
    وَلَا كُتْبَ إلاّ المَشرَفيّةُ عِنْدَهُ ******* وَلا رُسُلٌ إلاّ الخَميسُ العَرَمْرَمُ .
    فلا تعرف شكاية بالقول فَحَالُهَا النكاية بالسيف ، فَقَدْ وُكِلَ القوم إلى رجل فَعَّالٍ لا قَوَّالٍ ، فَصَدَّقَ الدعوى بالبينة ، وَجَيَّشَ الجيوش وبعث البعوث التي أرغمت أنوف المرتدين وسامتهم خطة الخسف فكانت خيله تدهم حتى عجل الناس بالسقيا ، فقال قائلهم :
    ألا فاسقياني قبل خيل أبي بكر ******* لعلَّ منايانا قريب ولا ندري .
    فهي خيل تعاجل الخصم بالمنايا ، وله يد تُعَاجِلُ بالعطايا ، فـ : (لَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فذلك ، كما تقدم ، وصف العظيم الذي يحسن يجمع الأضداد لا على حد التَّعَارُضِ أو التَّنَاقُضِ فالجهة قد انفكت ، كما يقول أهل الأصول والنظر ، وكذا الشأن في خليفته عمر ، وهو الشديد ، فهو أشد الأمة في دين الله ، جل وعلا ، كما أُثِرَ عَنِ النَّبِيِّ الخاتمِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكان شديدا يغلظ فلما ولي الأمر لَانَ حتى خشي الله ، جل وعلا ، في اللِّينِ ، فجمع الاثنين فهو من يُقَوِّضُ ملك كسرى وقيصر ، وهو الذي يسمع آي الجلال : (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ) ، فَيُصْعَقُ ، ولا تستقيم الحال إلا أن يُمْزَجَ اللين بالشدة وبه اعتذر مَنِ اعتذر أن عَزَلَ عمر خالدا ، فكلاهما شديد فلا يَلِينُ أحدهما للآخر ، خلاف ما كان من أبي بكر الذي كان إلى اللين أقرب فأكملت شدة خالد لِينَهُ فجاء عمر الشديد فلا يصلحه إلا أمثال أبي عييدة فهو إلى اللين أقرب ، فولاه أمر الجيوش وعزل خالدا الذي أبى إلا أن يُؤَمِّرَ نَفْسَهُ كما أقر له عمر ، فكان من تواضع أبي عبيدة وتجرد خالد ونصح عمر للناس ألا يفتنوا بخالد فيظنوا النصر معقودا بناصية فرسه ، كان من كل أولئك عقد فريد قد انتظم حبات الجمال والجلال ، وبمثل أولئك تظهر الديانة وتقام الحضارة ، خلاف من شاهت نفسه فهو ذليل النفس إذا عجز ، عزيز بالإثم إذا ظهر ، فليس له من الدين أو الورع أو فروسية الأخلاق ما به يصفح إن قدر فلا يعفو أبدا بل يَظْلِمُ وَيَبْغِي ، وما استوفى كريم قط ، وإن حقَّه ، فكيف بمن ظلم وبغى فهو يَسْتَوْفِي وزيادة ! ، فَتِلْكَ حَالٌ اجتماعية تُعَزِّزُ فِي الأفراد ، لا سيما محدودي المواهب والإمكانيات ، تُعَزِّزُ فِيهِم الأنانية والذاتية المطلقَة مع شراسة مفرطة في التَّعَاطِي مع الآخر وإن أظهر الود واللين حالَ العجز ، فإذا قدر أبان عن حقيقة وصفه حقدا وقسوة وإن زعم أنها صرامة وحسم وليس إلا القمع والبطش ، وتلك طبيعةٌ تُلَائِمُ العنصرَ الوظيفي الطموح وإن كان طموحه أكبر من إمكانياته فهو يختزل المراحل الوظيفية بصناعة الولاءات الشخصية ولو أَرَاقَ بِهَا مَاءَ وَجْهِهِ ، فَبُلُوغُ الغايةِ أمر يستحق إهانة الذات وإذلالها فَعَمَّا قريب تستمتع بذلك فَتُهِينُ الكبار وتذلهم ، وتوقفهم فلا يجلسون بحضرتها ، وقد كانت بالأمس واقفة ذليلة فإذا بها اليوم جالسة تَكْتَسِي لحاء العزة زورا فليست منها في شيء وإن تظاهرت بها فلا زالت حركاتها ولفتاتها تَفْضَحُ سَابِقَ ذِلَّتِهَا ، فَمَا تَكَلَّفَ أحدٌ خُلُقًا من أخلاق الجلال عِزَّةً أو كِبْرًا أو تَصَدُّرًا لَيْسَ له بأهلٍ إلا وهو حقير مُؤَخَّرٌ ، وإن ظَنَّ أنه العظيم المقدَّم ، فالعظيم لا يحتاج مَنْ يُعَظِّمُهُ ، والمقدَّم مقدَّم أبدا وإن مَشَى رويدا فيصدق فيها قول القائل :
    مَنْ لِي بِمِثْلِ سَيْرِكَ الْمُدَلَّلِ ******* تَمْشِي رُوَيْدًا وَتَجِي فِي الْأَوَّلِ .

    فالعنصر الوظيفي يختزل المراحل ولا يكون ذلك إلا أن يصطنع ولاءات تُقَدِّمُهُ وليس لذلك بأهل مع ما احتمل في صدره من غل وحقد ، فهو يُبْغِضُ أي ناجح إذ يفضح ما اجتهد في إخفائه ، فلا تَرَاهُ إلا قامعا لأي نفس ذات شرف وهيبة ، كتلك التي وصفها أبو الطيب مادحا سيف الدولة :
    قد نابَ عنكَ شديدُ الخوْفِ وَاصْطنعتْ ******* لَكَ المَهابَةُ ما لا تَصْنَعُ البُهَمُ .
    فتلك الهيبة الذاتية ، كما يقول بعض من صَنَّفَ في سلوك الجمهور فيحكي من وسائل السيطرة والتحكم في المجموع يحكي : الهيبة وهو يجعلها على أنحاء فَمِنْهَا ما يكتسب من خارج ، فَثَمَّ أسباب تَرْفِدُهَا ، فَثَمَّ السلطة لا سيما إن كانت ذات زي رسمي فهو يحرك في العامة مشاعر الهيبة من سطوة الدولة وقمعها وإن لم تُحَبَّ وَتُرْضَى فَلَا عاقل ذا قدر من الشرف والمروءة ولو يَسِيرًا ، لا عاقل يحب مَنْ يَقْمَعُ وَيُذِلُّ ، فالنفوس قد جبلت على حب المحسن إليها لا المسيئ ، فالجمهور قد يخضع للأقوى الذي يحكم ، فيدين بالولاء كَرْهًا إذ معيار الحكومة هو القوة المطلقة وتلك نظرية سياسية محدثة تهيمن الآن على فضاء السياسة والحرب فَثَمَّ حق القوة المطلق لا قوة الحق المحكم ، فلا محكم إلا القوة فهي الثابت الرئيس في الحكومات الأرضية المحدثة وإن انتحلت قيم الحرية والإخاء والمساواة ، فتلك أدوات التجميل لكل قَبِيحٍ وجهه حسن ! ، فَثَمَّ حُسْنٌ زَائِفٌ بِزُخْرُفٍ خادع ، فالانطلاق من الأرض باعثه البخل والشح والأثرة وتلك أخلاق تذكي نار الصراع لا على قاعدة عدل ورحمة بل ثم رغبة قد بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَحُّشِ أن يَتَمَلَّكَ صاحبها وَيَسْتَأْثِرَ ويكون مَنْ دونه عَبِيدًا عنده ، فَتِلْكَ نظرة النخبة إلى العامة فهم الخدم والحرس في القصور وهم أدوات الترفيه ولو بامتهان الكرامة والانحطاط بصاحبها إلى دركة الحيوان كما صنع الرومان وهم مثال قياسي على الحضارة المادية التي استندت إلى حق القوة ، فكان العبيد ، كما يَنْقِلُ بَعْضُ الباحثين ، كانوا ثُلُثَ الشعب وليس لهم مع ذلك أي حق ، فهم من يضمن استقرار المعادلة الاجتماعية التي تحقق للنخبة الثروةَ فالعبيد طاقة عمل رخيصة لا حق لها إلا ما يُقِيمُ صلبها لتواصل العمل والإنتاج ولولا ذلك ما استحقت الحياة فالحفاظ عليها ليس تقديسا لحق الحياة وإنما هو صيانة واستصلاح لأداة الإنتاج فإن فسدت أو كان عبء صِيَانَتِهَا أكبر وجب التخلص منها ولو بإعدامها تَوْفٍيرًا للنفقة ! ، وَتُحَقِّقُ لَهَا ، مع ذلك ، الحماية والخدمة والترفيه فكان العبيد فَرَائِسَ للوحوش في الملاعب والميادين العامة ، فتلك نظرة النخبة للعامة في أي مجتمع طبقي يصدر عن طرح أرضي لا يَنْفَكُّ بحكم الجبلة والتكوين عن أخلاق الأثرة والأنانية والشح والاستعلاء في الأرض ، فتلك نظرة أي مجتمع طبقي وَإِنْ زَعَمَ أنه يأرز إلى مرجع سماوي فالمرجع السماوي قد سلم من هذه الآفات المهلِكَة التي تُهَدِّدُ الفرد والمجتمع ، فهي معدن لا يَنْضُبُ لِكُلِّ مرضى النفوس أن يُلْحِقُوا الضرر الجسيم بمن حولهم بما احتملت نفوسهم من طاقة السلب والهدم فهي تخاصم من حولها وتعاديه لا سيما إن تَشَبَّعَتْ بِقِيَمٍ تخالف عن قِيَمِهِ ، فَيَزْدَادُ العداء والكره ، مع ما تَقَدَّمَ من تَشَوُّهٍ في النفس ، فهي تعتنق نظرية القوة المفرِطة مع قسوة القلب فلا تَرَى الرحمةَ إلا عَبَثًا وفوضى ، فالصرامة والحسم ليست إلا القمع والظلم وتلك طبيعة العنصر المقموع المرذول فلم يَرَ في حياته سوى ذلك ، فهو يتأول ما لُقِنَّ وَعُلِّمَ إن من المجتمع العنصري فهو أول محضن للاستبداد السياسي الذي يشكو المجتمع منه وهو من حواضنه الرئيسة بل هو المحضن الأول الذي يُعَزِّزُ فِي الفرد ملكة الظلم والتعدي على الحقوق فذلك القوي المهاب وَإِنِ اقْتَصَرَتْ هَيْبَتُهُ على زي يَلْبَسُهُ فَإِذَا خَلَعَهُ وَتَقَاعَدَ صَارَ كَمًّا مهملا لا يُؤْبَهُ بِهِ بعد أن كان ملء السمع والبصر وإن احتفظ بقدر من الوجاهة فليس مصدرها ذاته المفلسة بل ما احتفظ به من علائق مع دوائر في السلطة تجعل الناس تلجأ إليه في أمور الخدمة فلا أحد يَصِلُهُ مودةً ، فليس لذلك أهلا إذ ما رأى الناس منه إلا كل قبيح فهم بَيْنَ مداهن وآخر يهادن ، فليس ثم من يحبه أو يهابه لِذَاتِهِ المجردة ، فهي مفلسة لا حظ لها من الجلال الذي يُرَهِّبُ أو الجمال الذي يُرَغِّبُ ، فَلَيْسَ إلا النقص المطلق وإن بَلَغَ أعلى منصب ، بل ذلك شرط آخر رئيس في العنصر الوظيفي التابع ، فلا بد أن يكون مُفْلِسًا في ذاته لا يمتلك أسباب القوة الذاتية التي تجعله يستقل بها فلا يصير تابعا ، فخاصته الرئيسة : خاصة الكائن الطفيلي أو مصاص الدماء ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، فهو كائنٌ لا يستطيع العيش إلا أن يَغْتَذِيَ على غيره ، فالحكم الوظيفي التابع لا يَرُومُ بداهة الاستقلال بل ما كان استصناعه إلا لتكريس معادلة التبعية على اختلاف في هَوَامِشِ استقلالٍ في بعض الأحيان فَلَا تُهَدِّدُ استقرارَ المعادلة ، فطبيعة هذا الحكم أنه غير مُنْتِجٍ ، فهو أبدا يستهلك ، فيشبه ، من وجه ، ما يصنع الجسم حال الجوع فإنه يطلق مادة اصطلح في علوم الطب أنها الجلوكاجون الذي يحرر السكر من مخازنه إذ يهدم جزيئا أكبر وهو الجلايكوجين فذلك مخزن السكر الذي يشبه أن يكون الاحتياطي الأول ، فهو أول ما يلجأ إليه الجسم إن لم يكن ثم إمداد خارجي ، فيكون الجوع الذي يهبط بالسكر في الدم فلا يجد الجسم وهو غير قادر على إنتاج السكر من هضم الغذاء الذي يدخله إذ ليس ثم غذاء من خارج ، فَثَمَّ جوع وإملاق ، فَيَلْجَأُ إلى هضم احْتِيَاطِيَّاتِهِ فَإِذَا نَفَدَ الجلايكوجين فإنه يَنْتَقِلُ إلى ما بَعْدَهُ حتى تُفْضِي به الحال أن يهضم نفسه ! ، فيصاب بالهزال وكل أولئك ليس إلا الحل المؤقت فليس ثم عوض مما يُسْتَهْلَكُ من الجسم إذ ليس ثم قدرة على البناء ، فليس إلا هدم المخزون الاستراتيجي ثم التحول إلى الأصول فَتُهْدَمُ تِبَاعًا ، حتى يفنى الجسد ويموت فهو جسد غير منتج لا يملك القدرة على بناء جزيئات كبيرة تكون ذخيرة له إذا كان ثَمَّ نازلة عظيمة ، فالجسد المنتِج الذي يجيد البناء يستخدم إنزيمات مخصوصة لصناعة هذا المخزون الاستراتيجي من الجلايكوجين ، فإذا احتاجه حَرَّرَ منه بقدر ، فارتفعت نسبة السكر في الدم ، فيكون تنظيم مروره إلى الخلايا بالإنسولين الذي يزيد حساسية الخلايا لقبول هذا السكر فهي تستفيد منه في عملياتها الحيوية هدما وبناء ، فما زاد بعد ذلك فهو يخزن في الكبد والعضلات ، فإذا نقص السكر حَرَّرَ من هذا المخزون بقدر ما يسد النقص حتى يكون ثم مدد من خارج ..... إلخ من دورة الإنتاج والاستهلاك المحكمة التي تدل على إِتْقَانِ الصنعة الربانية الْمُتْقَنَةِ ، فإذا لم يكن ذلك فالجسد في حال جوع فلا مصدر من خارج ، فهو يستهلك المخزون الاستراتيجي تِبَاعًا فإذا نفد الْتَفَتَ إلى أصول الجسد فهضم لحمه وأصيب بالهزال فالموت ، وانظر في حال بلد كمصر في هذه الآونة ، فهي مِثَالٌ قياسي على الحكم الوظيفي غير المنتِج الذي لم يجد إلا المخزون الاستراتيجي فليس له قدرة على صناعة الثروة النافعة : ثروة الإنتاج لا ثروة النقد التي لا تجاوز حد الطَّبْعِ في أحيان ! ، فليس ثم ما يوازيه من الإنتاج الضامن لقيمة الورق ، فَلَئِنْ حقق إنجازا في المعدل الكلي : معدل الثروة الورقية ، فَلَيْسَ ، كما يقول بَعْضُ المحققين ، ليس ثَمَّ ما يضاهيه في المعدل الجزئي إذ القوة الشرائية للأفراد لا تَزَالُ في تَدَهْوُرٍ وإن كَثُرَ الورق في أيديهم فليس ثم إنتاج يضاهيه في زراعة أو صناعة ، فليس إلا الاستهلاك ، وَلَيْتَهُ كان على حَدِّ العدلِ في توزيع الثروة وإن لم تستثمر في إقامة قواعد إنتاجية هي كالمدد الذي يدخل الجسم أولا بأول فلا يحتاج الجسد أن يُنْفِقَ مدخراته تَلْبِيَةً لاحتياجاته دون أن يكون ثم من عمليات التمثيل الغذائي الراشد هدما وبناء ما يزيد في ثروة الجسد من الاحتياطيات ، احتياطيات الجلايكوجين آنف الذكر فهو وقاء للجسد أن يَهْضِمَ نَفْسَهُ بعد أن يستهلك مدخراته ، فذلك ما يَرَاهُ الناظر في مصر اليومَ فقد أتت على مدخراتها لا سيما وثم كائن وظيفي طفيلي يسارع بهذا الاستهلاك إذ يستأثر بالجزء الأكبر من الغذاء ، فيأتي على المخزون الاستراتيجي فإذا انتهى منه فهو يَتَحَوَّلُ إلى الأصول فَيَهْضِمُهَا كما يَرَى الناظر الآن في سلوك السلطة الوظيفية في مصر فَبَعْدَ الإتيان على ثروة المجتمع يكون التحول إلى أصول البلاد من المصانع والمعامل والأرض ، مع الفساد العظيم في التَّقْيِيمِ إذ تُبَاعُ بثمن بخس نظيرَ عمولات مجزية تَزِيدُ من ثروة هذا المجموع الوظيفي الطفيلي فقد تَحَوَّلَ في هذه الصورة إلى سمسارِ أرضٍ وعقارٍ ! ، وهو الذي يستأثر ، كما تقدم ، بالحظ الأوفر من الثروة استنادا لما احتكر من القوة ، قوة القمع وقوة الحكم فَالْقَرَارُ عنه يَصْدُرُ وَإِنْ تَابِعًا للخارج ولكنه ، مع ذلك ، يملك من أدوات القمع والإرهاب ما به يُنْفِذُ الْقَرَارَ وإن خطأ عظيما بل وخيانة أعظم ! ، فَيَحْظَى بِقَدْرٍ من الثروة وإن عمولات البيع للفروع والأصول جميعا ! .
    وَهُوَ ، في الجملة ، يَحُوزُ القسط الأكبر من الثَّرْوَةِ وإن كان الأقل في الإنتاج بل يكاد يكون هو العاطل الأوحد ، فهو لا يعمل من وجه ، وهو ، من آخر ، أَكْثَرُ من يَأْكُلُ ، مع أنه ينتحل قاعدة : من لا يعمل لا يأكل ! ، فَلَوْ صَدَقَ في ذلك لكان أول هالكٍ فلا يستحق الأكل ابتداء إذ لا يعمل مطلقا فوظيفته الرئيسة أن يأكل إِنْتَاجَ غَيْرِهِ فَيَسْتَحْوِذَ عليه بآلة القوة ، وهي مُسْتَمَدُّ شَرْعِيَّتِهِ الرئيس مع ما يقدم من التنازلات السياسية والاقتصادية للخارج فهو يخاصم الداخل ابتداء إِنْ مخاصمةَ المرتزقِ المحض الذي لا يَعْنِيهِ إلا الكسب واللذة ، أو مخاصمةَ المرتزقِ الذي تَشَرَّبَ قِيَمَ الخصم فكيف به إِنْ وَلِيَ الأمر ؟! ، فاجتمع به حب السلطة والرغبة في الاستحواذ على الثروة ، مع بُغْضِ الفكرة التي يُفْتَرَضُ ، ولو جدلا ! ، أَنَّهُ أحد أَبْنَائِهَا ولو بحكم المولِد ، فَقَدْ نَشَأَ على بُغْضِهَا إن في المهاد الأول ، أو فِيمَا بعده إذا انخرط في العمل الوظيفي فالتحق بمعاهده في الداخل وفي الخارج ، فالداخل يمده بروحٍ وظيفيةٍ براجماتية تُعَزِّزُ فِيهِ قِيَمَ السمعِ والطاعة المطلقة رَغْبَةً في تحقيق المصلحة الخاصة التي لا تُنَالُ إلا بإنفاذ الأمر ، ولو آلةَ القتل والقمع في المجتمع ، فتلك سَبِيلٌ بِهَا يَبْلُغُ أعلى المناصب فكلَّمَا قَتَلَ أكثر وكأن أشد قسوة فَهُوَ عنصر مُرَشَّحٌ لِتَوَلِّي منصبٍ أعلى إذ أظهر من الولاء ما لم يَتَوَرَّعْ معه أن يُقَارِفَ الجنايات العظمى في دائرة اختصاصه التي تَتَّسِعُ حَتَّى تَبْلُغَ حَدَّ النيابةِ المباشرة عن المركز في حكم الأطراف ، فيلتحق بمعاهده في الخارج إذ تصقل هذه الموهبة فتكسوها لحاء الفكرة الوافدة التي تُعَزِّزُ في ذاته بُغْضَ حضارته وَقِيَمِهِ فهو يُنَدِّدُ بِهَا أبدا وَيَرَاهَا سبب التَّخَلُّفِ إذ بَهَرَهُ الغالب الذي وَظَّفَهُ إذ خدعه بأضواء حضارته ، وَإِنْ زائفةً ، وَلَيْتَهُ احتمل منها القدرةَ على إنتاج التقنية المبهِرَةِ فَلَمْ يَسْتَفِدْ إلا الانبهار بهذه الأضواء والرغبة الساذجة في محاكاتها اسما بلا مسمى ، فتلك طبيعته الذاتية فهو غَيْرُ قادر على إنتاج الجلايكوجين ! فلا يملك أداة بناء للجسم بل لا يزال يهدم من بنيانه وَيُبَدِّدُ من مدخراته وأصوله ما يصبيه بالهزال وهو ما يجعله أطوع ، فلا يملك من أسباب القوة الذاتية ما به يدافع المركز فضلا أن يضاهيه وينافسه ، فكيف يكون ذلك وثم سلطة وظيفية طابعها الرَّئِيسُ ، كما يقول بعض المؤرخين ، هو الخضوع والذل مع الخارج ، واضرب له المثل بمفاوضات السد الذي يُقَامُ الآن على أطراف الهضبة الحبشية وهو ما يهدد مصر التهديد الوجودي ولا يجد الناظر من السلطة إلا اللين وإعطاء الدنية تَلَطُّفًا في القول مع خصم يروم تَرْكِيعَ البلاد وإذلالها فليس ثم صولة أسدٍ تحاكي تلك التي يَرَاهَا الناظر في الداخل بطشا بكل مَنْ يُعَارِضُ ولو في إجراء فني ، فليس إلا القسوة والعنف مع الداخل ، فالمعادلة ، كما يقول بعض المحققين ، معادلةُ صِرَاعٍ بَيْنَ السلطة والمجتمع ، فأساس العلاقة بَيْنَهُمَا قوة الحاكمِ وضعف المحكوم ، فلا يستقر الحكم المستبد لا سيما الوظيفي التابع إلا بإضعاف المجتمع واستنزافه ، فالسلطة الوظيفية تستنزف مدخراته المادية وإن رفعا لروحه المعنوية ! ، فليس الأمر مجرد ذات ناقصة تروم استكمال الأبهة في مشاهد إنجاز زائفة ، فذلك أمر لا يمكن إنكاره حال التحليل النفسي للعنصر الوظيفي فلا بد كما تقدم مرارا أن يكون نَاقِصًا في نفسه عاجزا عن إنتاج الأفكار وإنتاج السلع والخدمات ، فهو كائن مستهلِك وَلَيْتَهُ استهلك ما يملك فهو يُبَدِّدُ ثَرَوَاتِ غَيْرِهِ وَيُفَرِّطُ في أصوله ، مع عناد يحاكي عناد الأطفال ، ولئن اغتفر ذلك في حق الأطفال بل استحب في أحيان فهو مما يدل على إصرار يُمْكِنُ تَهْذِيبُهُ وَتَوْظِيفُهُ في أمرٍ يَنْفَعُ فلا يُغْتَفَرُ في حق ناضج أو هكذا يفترض ! ، فالإصرار والحسم باب والعناد والكبر أن يستمع للنصيحة آخر ، فشتان بينهما وإن ظهر بادي الرأي تشابهٌ في المسلك فكلاهما يُنَافِحُ عَنْ رَأْيِهِ ، ولكن الأول يَتَذَرَّعُ بالدليل فهو يجادل جدال الحكيم ، واضرب له المثل بما صنع الصديق ، رضي الله عنه ، يوم الردة ، فكان وحده من أَصَرَّ على القتال ولكنه لم يَنْسِبْ ذلك إلى عصمة رأيه بل احتج احتجاجَ الْفَطِنِ الأريب ، فَقَاسَ الزكاةَ على الصلاة إذ اقْتَرَنَا في محكم التنزيل ، فالواحد إذا أقام الدليل الصحيح الصريح السالم من المعارضة المعتبرة فلم يكن المعارِض ممن يتحكم بلا حجة ، الواحد إذا كانت تلك حاله فَرَأْيُهُ يَرْجُحُ رَأْيَ الجماعة لا بمجرده المطلق وإنما بما أقام عليه من البرهان المحكم ، فليس رأي الجمهور الذي لا يَرْقَى إلى حد الإجماع فَثَمَّ مخالف ، ولو واحدا ، ليس هذا الرأي مئنة مطلقة من الصحة ، وإن كان مظنته في مواضع كثيرة إلا أن العبرة أبدا بالدليل الصحيح الصريح السالم من المعارضة فإذا صح فهو المذهب في الاعتقاد أو الشرع أو السياسة أو الحرب ..... إلخ ، فذلك قانون محكم يطرد في سائر الأبواب ، فكان الصديق ، رضي الله عنه ، واحدا يجادل الجدال الناصح لا واحدا يحتكر اليقين الجازم تحكما بلا دليل كما هي حال المستبدين ، فـ : "وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا" ، فَأَقَامَ حجةً من العقل رَدَّ فِيهَا الزكاة إلى الصلاة ، فكلاهما مما يُقَاتَلُ تَارِكُهُ ، وقد سَلَّمَ المخالفُ بذلك في الصلاة ولكنه توقف في الزكاة فَرَدَّهُ الصديق إلى القياس المحكم إذ سوى بَيْنَهُمَا الوحي المنزَل ، والحكم الذي يُنَاطُ بشرطين ، كما يقول أهل النظر ، فَعِلَّتُهُ مركبة من جزئين ، هذا الحكم يفوت إذا فات شرط أو شطر من المجموع المركب ، فمن التزم الصلاة ولم يَلْتَزِمِ الزَّكَاةَ فَقَدْ فَاَتهُ شرطُ العصمةِ في الخبر ، إذ هو شَرْطٌ مُرَكَّبٌ من أجزاء فلا تحصل صورته المجموعَة المجزئة في ثبوت الحكم إلا باستيفاء أَجْزَائِهَا جَمِيعًا ، فإن فات جزء تَخَلَّفَ المجموع المركب الذي به الحكم يُعَلَّلُ ، فَفَاتَ الحكم فانتفت العصمة وإذا حصل هذا المجموع ثَبَتَ الحكم فكانت العصمة ، فذلك القياس المعقول إن بالمنطوق طردا أو المفهوم عكسا ، فكان الإجماع بعد ذلك على قوله لا استبدادا يُرَهِّبُ المخالِفَ وإنما رجوعا إلى الدليل ، فذلك الإجماع الذي رَفَعَ الخلاف الذي تَقَدَّمَهُ ، كما اطرد في الأصول على خلاف في ذلك محله باب الإجماع من أدلة الأحكام ، فَاسْتَنَدَ الصديق إلى قياس محكم عمدته الوحي المنزل الذي سَوَّى بين الصلاة والزكاة ثم كان النَّصُّ الرِّافِعُ للاحتمال : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، ثُمَّ قَدْ حُرِّمَ عَلَيَّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ" ، فَذَكَرَ الزكاةَ شَرْطًا في العصمة فذلك منطوق قد أَفَادَ بالمفهومِ أن فَوَاتَهَا فواتٌ للعصمة فهي تدور مع أسبابها من الشهادة والصلاة والزكاة ..... إلخ وجودا وعدما ، فانتقل الإجماع إلى رُتْبَةٍ أعلى فكان إجماعا مستنده القياس ، ولا يخلو من خلاف في حجيته وإن مرجوحا ، ثم صار إجماعًا مستنده النص وهو حجة بلا خلاف ، وليس المراد بسط الحجة في حروب الردة ، وإنما ضُرِبَ بها المثال في هذا المشهد فذلك واحد اتسم بالإصرار لا العناد والكبر ، إذ أقام الدليل ورام النصح ، فشتان حاله وحال من يَتَحَكَّمُ فليس ثم حجة إلا أنه صاحب هذا الرأي ! فهو يَتَّسِمُ بِنَرْجِسِيَّةٍ مُفْرِطَةٍ يعتقد بها عصمةَ ذاته وإن كانت ناقصة تُثِيرُ التَّنَدُّرَ في أحيان كثيرة فذلك ما ألجأه ، كما تقدم ، أن يَتَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يُعْطَ مِنْ خِلَالِ الكمال لَعَلَّهُ يخفي نَقَائِصَهُ الذاتية ، فلا هَيْبَةَ له في ذاته وهو ما حَمَلَهُ أَنْ يطلبها من خارجها بما جَمَعَ من أسباب العزة الظاهرة التي لا تحول دون بَوَادِرَ تَفْضَحُ ، فـ :
    مَهْمَا تكنْ عند امْرِئٍ من خَلِيقَةٍ ******* وَإِنْ خَالها تَخْفَى على النَّاسِ تُعْلَمِ .
    فهو ذليل وإن اكتسى أبهة ملك أو سلطان ، فالإصرار شيء ، وما اصطلح في علم النفس أنه التفكير أحادي الجانب أو "uni-lateral thinking" شيءٌ آخر ، فَهٌوَ يَتَّسِمُ بِضِيقِ الأفقِ فَلَيْسَ ثَمَّ إلا فكرة واحدة لَا يَبْرَعُ صَاحِبُهَا في تَوْلِيدِ البدائل المناسبة ولا يُجِيدُ الاستماعِ إلى الآراء الناصحة التي تَرْفِدُ فكرته فَمَنْ طَلَبَ المشورة في مَوَاضِعِهَا فَقَدْ حاز عقول من يَسْتَشِيرُ فأضاف إلى عقله الكثير ، خلاف هذا الكائن الوظيفي البغيض فَلَا يَقْبَلُ النُّصْحَ إذ يَرَى نَفْسَهُ فوق التَّخْطِئَةِ وَالنَّقْدِ ! ، فلا يُقِرُّ أبدا بخطإٍ وإن اقْتَرَفَهُ عَلَى الملإ فلا يَزَالُ يَجْتَهِدُ فِي تَأْوِيلِهِ تَارَةً أو نِسْبَتِهِ إلى غَيْرِهِ أُخْرَى لِيَبْرَأَ مِنْ عُهْدَتِهِ وَيَسْلَمَ مِنْ تَبِعَتِهِ ، فلا يَتَصَوَّرُ أبدا أن يكون مَحَلَّ مناقشة فضلا عن المساءلة الَّتِي قد تُفْضِي إلى عَزْلِهِ فَلَا يَرَى أحدا أهلا لذلك فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السماء أحد ! ، فليس ثَمَّ كائنٌ فِي الأرض يُسَائِلُهُ ، وذلك ما يجعله فوق المجتمع فَوْقِيَّةَ الربوبية فهو من يَتَحَكَّمُ في الأرزاق ، وَفَوْقِيَّةَ الألوهية فهو مَنْ يَسُنُّ القوانينَ والأحكامَ ، فَثَمَّ مكابرة إِبْلِيسِيَّةٌ يُعَارِضُ صاحبُهَا كُلَّ دليلٍ يَصِحُّ بِمَا يَقْتَرِحُ من الهوى والذوق لِيَسْلَمَ رَأْيُهُ فَلَا يُخَطَّأُ أَبَدًا ! ، وإن كان أَغْبَى الخلقِ وأشدهم بلادة مع رِقَّةٍ في الخلق والديانة وَبُغْضٍ للحقِّ الصانعِ للحضارة ، وقسوة في الطبع فلا يحسن إلا القمع والبطش ، فَشَرْطُ تمكنه : حِيَازَةُ أَكْبَرِ قَدْرٍ من السلطة والثروة مع السعي في استلابها من المجتمع بذرائع شتى فلئن استفاد منها أبهة ملك ورفاه عيش فالأمر يجاوز ذلك ولو على المدى البعيد الآجل ، فَثَمَّ استنزاف للثروة العامة على وجوه لا يَنْقَضِي منها العجب ، فإنه تارة يَسْتَقْطِعُ من ميزانية الخدمات العامة ، ومصر الآن كالعادة مثال قياسي يَشْهَدُ ! ، فَثَمَّ استقطاع من حجم الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة على وجه يخالف الدستور الذي كَتَبَتْهُ السلطة فهي مَنْ يَنْسَخُهُ إذا شاء فالقانون ، كما تقدم مرارا ، هو حكاية لإرادة الطبقة الحاكمة التي استجمعت أسباب القوة والثروة ، فَتُحْكِمُهُ إِنْ شَاءَتْ وتجعله أخرى من المتشابه المنسوخ ! ، فلا تَتَحَرَّجُ أن تخالف عن نصوص الدستور ، فَثَمَّ عجزٌ في الموازنة العامة ، وذلك ما يُلْجِئُ السلطة الوظيفية الفاسدة أن تَسُدَّهُ بِهَضْمِ ثَرْوَةِ المجتمع ، فإما أن تَفْرِضَ ضَرَائِبَ تَزِيدُ لِتُمَوِّلَ هذا العجز ، فهذا حَلٌّ ! ، وإما أن تستقطع من ميزانية الخدمات العامة فلا تدخر من الامتيازات الخاصة التي تحظى بها النخبة الحاكمة ونظيرتها التاجرة ، فثم زيادة في مخصصات السادة ، وثم استقطاع من مخصصات العامة ، فميزانية الصحة في مصر ، على سبيل المثال ، يفترض طبقا للدستور أن تَبْلُغَ هذا العام : 184 مليارا ، فَاسْتُقْطِعَ مِنْهَا النصفُ أو يزيد ! نحو 60% فلم تبلغ هذا العام إلا 74 مليارا فقط ، فاستقطعت السلطة 110 مليارات كاملة ! ، وميزانية التعليم لم تجاوز 99 مليارا فلما طلب الوزير 39 مليارا إضافيا لم يجب إلى سؤله فليس ثم مصدر تمويل يجزئ ! ، وَقُلْ مِثْلَهُ في سائر المخصصات العامة التي تُوَجَّهُ إلى خدمة الجمهور ، فالضرائب وهي مصدر التمويل الرئيس لهذه الموازنة الجائرة ، الضرائب تُفْرَضُ على العامة ما لا تُفْرَضُ على النخبة التي تحظى بإعفاءات كبيرة بذريعة تشجيع الاستثمار الذي يُوَفِّرُ فُرَصَ العمل ، فلا تكون الضرائب إن صح أنها جائزة في الشرع والعقل ! ، لا تكون تصاعدية تحكي التفاوت بين العامة والنخبة ، فالفقير هو من يتحمل العبء الأكبر في المثال النيوليبرالي الشرس الذي يطبق الآن في مصر ، والغني هو من يتحمل القسط اليسير ، وانظر في زيادات الخدمات ، كالكهرباء والماء ، إذ قُسِّمَتْ إلى شرائح فكلما زَادَ الاستهلاك وهو مئنة من الرفاه قَلَّتْ نسبة الزيادة ! ، فثم عقل رأسمالي نيوليبرالي يَتَحَكَّمُ في مشهد الاقتصاد فهو يجامل الخاصة على حساب العامة على وجه يُفْضِي إلى اسْتِنْزَافِ داخلي إذ يُهَاجِرُ المال من المجتمع إلى النخبة كما يهاجر من الأطراف إلى المركز ، فذلك العقل النيوليبرالي هو ، بداهة ، عقل من خارج ، فَثَمَّ جهات دولية مانحة لا تستسلم لها إلا السلطة الوظيفية التابعة ، فهي تَضْعُفُ أن تُفَاوِضَ إذ ليست من نسيج المجتمع لِتُنَافِحَ عن مصالحه وَتُدَافِعَ بل شرط بقائها في الوظيفة أن تُحَقِّقَ أهداف الخارج وأخطرها صناعة مثال في الفكر والسياسة والحرب والاقتصاد يلائم المثال الأكبر الذي يطرحه المركز خيارا واحدا لا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ فَهُوَ ضمان السيادة لحضارته ، وليس على الأطراف إلا أن تسمع وتطيع عبر قنوات السلطة ذات البناء الهرمي المحكم الذي نجح في تكبيل المجتمع بعد أن نجح في استنزافه ، فَفُرِضَتِ الضرائب وَزِيدَ في رسوم الخدمات مع رداءتها ، زِيدَ فيها لسد عجز الموازنة ، من وجه ، فتلك أولى جهات الاستنزاف للمجتمع ، وأسرفت السلطة في الاقتراض إما فشلا في إيجاد مصادر تمويل ذاتي أو فسادا إذ تقترض لتمويل مشروعات لا يعود نفعها على المجتمع المستنزَفِ ، لا سيما في المدى القريب المستعْجَلِ ، فواجب الوقت سَدُّ هذه الحاجة الملجئة لا الاشتغال بما طال أمده ، فذلك ما يأتي تَبَعًا بعد استيفاء الحاجات الضرورية لا أصلا ، فَلَيْسَ ثم من يَطْلُبُ الكماليات وَلَمَّا يستوفِ بَعْدُ الحاجيات والضرورات الملجئة التي لا بقاء له إلا بها ، فمن ذا يشتري هاتفا نقالا حديثا وهو لا يَمْلِكُ يطعم نفسه أو أهله إلا إن كان مرائيا ، فذلك ما تصنع السلطة الوظيفية الفاسدة إذ تحرص على مظاهر الأبهة وتسعى في تسجيل الأرقام القياسية في تَوَافِهَ لا تعود بالنفع على المجتمع من قَبِيلِ : أكبر وأعرض وأطول وما شئت من أفعل التفضيل ولا يصدق فيها منه إلا أسفه وأفسد ! ، ولسان المقال : أن السلطة تَبْنِي دولة جديدة وهو ما أثار النقد في مصر ، ولا يخلو ، من وجه يدق ، وهو ما يحكي رغائب هذه السلطة فهي صادقة لا تكذب إذ تَبْنِي دولة جديدة دولة النخبة في مقابل دولة العامة : مصر النخبة التي تستأثر بأدوات السلطة وَتَتَمَتَّعُ بِرَفَاهِ السلطة في مقابل مصر القديمة المتهالكة التي تجتاحها الفوضى وإن شيئا فشيئا فَتُبَادِرُ مصر الجديدة بالهروب إلى قُرَاهَا المحصنة لتقاتل الشعب من وراء جدرها إن لَزِمَ الأمر ! فهي تحوطها بالجند والحرس وتنقل إليها ما خف حمله وغلا ثمنه من ثروة مصر القديمة ومؤسساتها السيادية والاقتصادية .... إلخ ، فَثَمَّ عاصمة صيفية وأخرى شتوية ، وفيهما من رَفَاهِ العيش ما يليق بسكان مصر الجديدة ! ، وهو ما صاغه روائي مصري راحل في رواية اشتهرت تحمل اسم المدينة الفاضلة أو اليوتوبيا التي تجسد نظرية الفردوس الأرضي الذي لا يجاوز هذه الدار الفانية فَهِيَ مُنْتَهَى سؤله ، فرواية اليوتوبيا شاهد رئيس يتداوله النظار في هذه الدولة الجديدة التي يجري العمل فيها بسرعة وإن افتقرت إلى الإحكام والدقة فَثَمَّ شعب يَتَعَجَّلُ الرحيل إلى وطنه الجديد فهي بالفعل مصر جديدة ولكنها مصر غريبة تخاصم الأرضَ والشعبَ ، تخاصمهما التاريخَ والهويةَ والجذورَ ، فلا هي مصر العدل ولا هي مصر الوحي ، من باب أولى ، وإن زعمت التدين والورع زورا وكذبا ، فتلك نظرة سفه تجافي عن قانون الحكمة التي تستوجب تقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير ، فيخالف السفيه عنها فهو يؤخر ما حقه التقديم ، ويقدم ما حقه التأخير إن صَحَّ أَنَّ فِيهِ نَفْعًا ولو على المدى البعيد الذي يزعم ، فلا تخرج هذه القروض أن تكون أثمانا سياسية تبذل مع ما تناله السلطة من عمولات ورشى تَنْفَعُ ! ، فهي تساهم في تضخم جسد السلطة في مقابل هزال المجتمع الذي يستنزف مخزونه الاستراتيجي كما تقدم في مثال الجلايكوجين المختزن في الكبد والعضلات ، فَطَرَفٌ يَسْمَنُ وَيُثْقِلُهُ الشحم ولو ورما يضر ، وآخر يضعف ويصيبه الهزال بما تهضم السلطة من جسده فلا تقتصر على مدخراته ، بل تجاوزها إلى أصوله ، فقد يقول قائل إنه لا حاجة تُلْجِئُهُ إلى السلطة ، وذلك قد يصح من وجه فقد يكون له فَضْلُ نَفَقَةٍ من الاستثمار الخاص أو المدخرات ، فلا يلجأ إلى المستشفيات أو المستوصفات العامة إذا مرض إذ يملك ثمن العلاج الخاص ، ولا يُدْخِلُ أبناءَه مدارسَ عامة فهو يَمْلِكُ أقساط نَظَائِرِهَا الخاصة ، ولكنه ، من وجه آخر ، ينفق من أرباح تجارته ومن مدخراته ما يسد هذه الاحتياجات ، فالسلطة تستقطع جزءا من ثروته بما تفرض من ضرائب ورسوم وما بَقِيَ فَهِيَ تَسْتَوْلِي عليه من طريق أخرى إذ تُزَاحِمُ القطاع الخاص المحلي والأجنبي ، فتقدم الخدمات بأسعار أقلَّ تَذَرُّعًا أنها تحارب الاحتكار والغلاء وجشع التجار وأنانية رأس المال ..... إلخ من الشعارات الاشتراكية الكلاسيكية التي استجازت بها السلطةُ دخولَ السوق ، ولو انطلاقا من نظرية رأسمالية احتكارية وذلك تَنَاقُضٌ يشهده الناظر اليوم في مصر النيوليبرالية التي لا تجد غضاضة أن تستعمل العناوين اليسارية الكلاسيكية ذات الطابع الاجتماعي لِتُبَرِّرَ دخولها السوق ، وهو ، كما يقول ابن خلدون رحمه الله ، ذريعة إلى فساد الأحوال وضيق المعايش ومنذر بسقوط الدولة واضمحلال الملك ، فما بقي من الثروة فليت السلطة تتركه لما تَبَقَّى من القطاع الخاص لا سيما المحلي ليدير ثروته أو ما تَبَقَّى منها ! بمعزل عن هذه السلطة الأكولة فلا تشبع أبدا ، فما بقي فهي تلجئ المجتمع أن يدفعه لها في صورة مقابل مادي لسلعة أو خدمة احتكرتها السلطة إذ دخلت سوق العمل قسرا بذريعة ما تقدم من ضبط الأسعار فنافست التجارَ بأسعارها لا رغبة في التخفيف وإنما أخرى في التجفيف : تجفيف السوق من أي رأس مال يُنَافِسُ فهو يُبَادِرُ بمغادرة سوقٍ كَهَذِهِ قد انعدمت فيها فُرَصُ التَّنَافُسِ العادل فهي تخوضها مع جهة رسمية تمتلك أدوات السلطة فضلا أنها لا تدفع فلسا في صورة رسوم أو ضرائب وهو ما يجعل أسعارها أفضل لا أنها أَجْوَدُ أو أنها أَرْأَفُ ، وإنما تلك حيلة بها تحتكر السوق شَيْئًا فَشَيْئًا بعد أن تهرب رءوس الأموال المنافسة تِبَاعًا فلا يبقى إلا هي في السوق ، و :
    إذا ما خَلا الجَبَانُ بأرْضٍ ******* طَلَبَ الطّعْنَ وَحدَهُ وَالنّزَالا .
    فَتُسَيْطِرُ على السوق ومن ورائه المجتمع ، فضلا عن استثمار هذه الواجهات الاقتصادية البيضاء في ممارسة أنشطة اقتصادية سوداء فَمَا يُلْجِئُ جهة سيادية أن تُنْشِئَ مستشفى يشبه أن يكون ذا أغراض تَتَعَدَّدُ منها غسيل أموال مشبوهة ، والاستيلاء على حصة من سوق رائجة كالسوق المصرية لا سيما في قطتع حيوي كالقطاع الصحي فضلا ، وهو محل الشاهد ، عن صور من الاقتصاد الأسود كبيع الأعضاء ، على سبيل المثال ، فتلك المستشفى قد ذُكِرَ اسمها في سياق الأخبار المتداولة عن سقوط شبكة كبيرة لتجارة الأعضاء ، أعضاؤها من أساتذة الطب ومدرسيه فضلا عن ممارسيه ، وتلك ، بداهة ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الفضلاء ، تلك ليست سرقة حافظة نقود في حافلة فسرقة الأعضاء وتهريبها في حاويات مخصوصة .... إلخ ، كل أولئك لا بد له من جهة سيادية تُشْرِفُ عليه أو تَتَسَتَّرُ عليه إن شئت الدقة ! نظير ما تقبض من عمولة مجزية فضلا أن تكون هي من يَتَوَلَّى كِبَرَ هذه الجريمة .
    وَلَوْ كان ثَمَّ جهة عامة ذات كفاءة ما لجأ المجتمع إلى الجهة الخاصة ولاستثمر هذه النفقات في وجوه نَفْعٍ تَعُمُّ ، في صناعة أو زراعة أو تجارة ، فَنَفْعُهَا يَتَعَدَّى إذ تُوَفِّرُ فُرَصَ العمل المتوسطة والصغيرة وتسهم في تحسن المعدلات الجزئية التي تظهر آثارها المباشرة على الأفراد سعةً ورفاهَ عيشٍ ، فيكون ثم فائض مال يتحرك حركة راشدة في المجتمع خلاف ما لو كانت الخدمات رديئة ، فهي تَسْتَنْزِفُ مَا تَسْتَنْزِفُ من مدخرات الأفراد ، ولو قليلة ، إذ يعدلون عنها لرداءتها ويطلبون السلامة في غيرها ، فمهما تقلصت علائقهم مع السلطة فلا يدفعون ضرائب مباشرة فَهُمْ يكتوون بِنَارِهَا من وجه آخر بل من وجوه ! ، فأثمان السلع والخدمات تزيد بما يُفْرَضُ مِنْ ضرائب على الخامات ، ورسوم المحررات والمستندات ..... إلخ تَزِيدُ ، مع فساد الجهاز الإداري البيروقراطي فهو يروم استكمال احتياجاته من جيوب العامة تحت عناوين جذابة من قبيل : الحلاوة أو الإكرامية أو قول القائل في مصر الآن : مش هتصبح علي ؟! تأولا لنظرية السلطة : نظرية "صبح على مصر بجنيه" ، فإذا كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة أهله الرقص والهز ! ، وتلك نظرية تَسَوُّلٍ وابتزاز معا إذ تستنزف الثروة استنزافا بَيْنِيًّا فالعامة يَتَفَنَّونُ في سرقة بعضهم بطريقة لبقة ! والسلطة في مأمن فلا يجرءون على سرقتها ! ، وهو ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الفضلاء ، ما جعل الفرد يَتَحَوَّلُ تِلْقَائِيًّا دون أن يَشْعُرَ إِلَى جزءٍ من هذه المنظومة الفاسدة فهو يُبَادِرُ بِتَقْدِيمِ الرشوة فَيَتَطَوَّعُ ابتداء دون أن يُسْأَلَ فَثَمَّ صورة ذهنية قد استقرت في العقل الجمعي أن المواطن المصري متسول فتلك حال السلطة التي تحتكر الحديث باسمه ، والموظف المصري مُرْتَشٍ فاسد فكلٌّ ، إلا من رحم الرب جل وعلا ، يُمَارِسُ الفساد في حدود صلاحياته الوظيفية ولو موظفا في الأرشيف ! ، وأن العامل المصري فهلوي أو نصاب ! ..... إلخ ، وذلك من شؤم الحكم الوظيفي المستبد الذي أفسد الأخلاق والأديان فضلا عن الأبدان ففساده قد عم وطم ، البر والبحر والجو وسائر الأرجاء ! .
    والخدمات إذ تَتَرَدَّى فهي تلجئ الناس إلى إنفاق ما ربحوا أو ادخروا طلبا لخدمة أفضل تحقق ولو حد أدنى من الكفاية ! ، فلا يَظُنَّنَّ ظانٌّ أنه يسلم من هذا الاستنزاف فهو يطاله وإن على تفاوت فكلما زادت أرباحه أو مدخراته قلت الآثار السلبية ولكنه لا يخلو منها أبدا تحت حكم هذه السلطة الوظيفية .
    ومن يدفع فواتير الاقتراض آنف الذكر هو المجتمع فهو يدفعه جيلا بعد آخر من جودة المعاش التي تنخفض ، وأسعار السلع والخدمات التي ترتفع ، والحجة أنها قروض لتمويل مشروعات عامة ، وإن ذهب بعضها لذلك فهو الأقل ، فالأكثر يصب في قناة السداد : سداد أعباء الخدمة : خدمة الديون الربوية ، فضلا عن أصل الدين ، فَثَمَّ أقساط منه ناجزة وما تأجل فالربا يَتَضَخَّمُ وَيَتَرَاكَبُ فيدفعه الجيل القادم ! .
    وثم جهة استنزاف أدق ، فالسلطة تقترض لتمويل مشاريعها الخاصة ، بل وتستقطع من الموازنة العامة ما يصب في مصلحتها الخاصة ! ، تحت عناوين مبهمة فهي اصطلاحات فنية لا يَفْقَهُهَا إلا أهل الشأن ، فلا اشتغال لعامة الناس بها ، فَيُسْتَقْطَعُ من هذه الموازنة ما يُسْتَقْطَعُ لتمويل مشاريع غير منتجة تحقق الربح السريع الآمن لنخبة السلطة الحاكمة التاجرة ! ، كما هي الحال في مصر الآن إذ ازدهر الاستثمار الحكومي في العقار في المدن الجديدة التي أقيمت على أَرَاضٍ تدخل في الملكية العامة ، ولم يكن للمجتمع منها نصيب ، فهي مدن النخبة التي تُقَامُ على أرض الدولة ! ، والسلطة تستثمرها فتضع يدها عليها بحكم القانون ! ، وتشارك المستثمر أو المقاول بالأرض التي لا تملكها ! ، فضلا عما تُمَارِسُهُ من احتكار تَنْعَدِمُ فيه معايير العدالة في التنافس فَتُوكِلُ إليها المشاريع بالأمر المباشر ، وهي مع ذلك لا تجهد فَهِيَ تَقْبِضُ الثمن مُعَجَّلًا وتستأجر مقاولا أو مستثمرا من الباطن تعطيه بعض حقه وتسرق الآخر حتى تضطره في أحيان أن يفضحها على الملإ ! ، فهو يتأول ، ولو لم يفطن ، يَتَأَوَّلُ قول النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ" ، فَيَسْتَحِلُّ مِنْ عِرْضِ هذه السلطة أَنْ يَفْضَحَ فسادها نَصَحَ للعامة أو لِنَفْسِهِ ، فالجرم في كلتا الحالين يثبت ، فهي شريك في ربح ما يَبِيعُ مِنْ عقار أقيم على ملكية عامة فحقه الإزالة والهدم ، لا التصرف بالشراء والبيع ، وقد تقترض وَتُنَفِّذُ فهي تُشَيِّدُ وَتَبِيعُ ، والمجتمع من يتحمل التكاليف فهو ، كما تقدم ، من يسدد هذه القروض من ثروته العامة ، بل الأمر في هذه الصورة قد جاوز حد الاستنزاف للمدخرات ، فقد نفد الجلايكوجين ونفد الشحم فَبَدَأَ الجسد في هضم نفسه إذ تَتَصَرَّفُ السلطة الوظيفية في الأصول من الأرض والعقار والمصانع ...... إلخ ، وذلك ، أيضا ، ما يحمل عناوين اصطلاحية خداعة لا يُتْقِنُهَا إلا المتخصِّص من قبيل إعادة الهيكلة وهي تكافئ طرد العمالة الزائدة دون توفير بدائل مناسبة ، فالمستثمر الخاص لا يروم إلا أعلى ربح بأقل تكلفة فهو يسعى في تقليص العمالة ما استطاع ولا يَعْنِيهِ توفير بديل ، فالبعد الاجتماعي في نظره غائب ، ولئن اغتفر ذلك في حقه جدلا فهو كائن مادي لا يُقِيمُ وزنا إلا للربح إلا مَنْ رحم الرب ، جل وعلا ، من آحاد يضعون ثرواتهم في خدمة المجتمع حقيقة لا دعوى ، فكيف يُغْتَفَرُ في حق سلطة تَزْعُمُ أَنَّهَا تمثل المجتمع وتحفظ مصالحه ، فهي الآن في مصر وطبقا للنظرية الوظيفية آنفة الذكر ، نظرية التابع لجهة التمويل من خارج ، هي تسعى في تقليص حجم الجهاز الإداري استئصالا لا يَنْظُرُ في أي بعد اجتماعي فلا يقدم بدائل وإنما يَعْنِيهِ فقط إنفاذ القرار الملزم طبقا للاتفاق المبرم مع جهة مِنْ خارج لا يَعْنِيهَا ، كما تقدم ، إلا مصلحة المركز ، ولو استنزافا للأطراف ، فتلك صورة مكبرة من استنزاف السلطة الوظيفية في الأطراف للمجتمع ، فمن يملك القوة والثروة فهو يستنزف من دونه فهو الطرف الأضعف ، فثم الآن موجة تصفية جديدة لأصول الدولة فالجسد ، كما تقدم ، إذ فشل في تمثيل الغذاء تمثيلا صحيحا فهو مريض مُنْهَكٌ ، الجسد إذ هذه حاله فقد شرع يهضم ذاته بعد أن استنزف مدخراته من الجلايكوجين والشحم وأي فضل زائد ، فهو يهضم ذاته إذ يفرط في أصوله من جغرافيا ومياه إقليمية وثروات معدنية ....... إلخ ، وذلك ما يكون تارة بعقود بيع مباشرة أو بمكائد سياسية نسائية ! ، وأخرى بإنشاء صناديق ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب ! كصناديق الأصول غير المستغلة بذريعة استغلالها الاستغلالَ الأمثل ، وليس ذلك إلا البيع المجزَّأ ، فالسلطة الوظيفية سلطة غير مبتكِرَةٍ ، فلا حَلَّ عندها إذا ضاقت بها الحال إلا أن تَبِيعَ ما تملك من ذخائر حتى تبلغ بها الحال في أحيان أن تبيع الأرض قطعةً قطعةً كما يَبِيعُ الإنسان جسده عضوًا عضوًا إذا لم يجد ما ينفق .
    فَثَمَّ استنزاف لما اختزن الجسد من الغذاء مع تَقَاعُسٍ عن تعويضه سواء أكان ذلك قصدا فهو خائن أو خطأ فهو جاهل أو هما معا ! ، واضرب له المثل ، أيضا ، بمصر في الحال الرَّاهِنَةِ ! فهي ، كما تَقَدَّمَ ، مثال الجسد الهزيل الذي انخفضت نسبة السكر في دمه فَأَتَى على ما ادخر من الجلايكوجين في عضلاته وكبده مع وقوعه في مجاعة فلا يملك تعويض ما يستنفد من مخرونه ، فَثَمَّ سلطة تَتَقَاعَسُ أن تعيد إنعاش 3500 مصنع معطل وهي طاقة إنتاج مهدرة لو دَارَتْ لَعَوَّضَتِ الفاقد ، ولو جزئيا ، مع ما تُمَارِسُ مِنْ سلوك طفيلي إذ تَتَحَرَّكُ داخل هذا الفراغ الذي صنعته بما تمتلك من أدوات الإنتاج في مناخ يَتَّسِمُ بالاحتكار مع امتلاك المحتكر سلطة اتخاذ القرار فهو يمتص الثروة ويعيد تدويرها في أُطُرِهِ الخاصة التي لا تعود بالنفع على المجتمع فالمعدل الجزئي يدل على انهيار القدرة الشرائية للأفراد ، وإنما يقتصر النفع على دوائره الخاصة فإذا نظر في المعدل الكلي ، بادي الرأي ، ظهرت زيادة ولكنها لا تَتَّسِمُ بالعدالة في التوزيع ، فالكائن الطفيلي كائن أناني يحتكر الغذاء وحده بل وَيَسْلُبُه الجسدَ الذي يَتَطَفَّلُ عليه ، كما يصنع الفيروس الذي يُهَاجِمُ الخلية فَيُوَظِّفُ طاقتها في إِنْتَاجِ نسخِه الخاصة على حساب الصحة العامة ، فالإحصائيات تقول إن كيان السلطة الوظيفية في مصر يستلب من سوق العمل 500 ألف فرصة عمل ، مع حصوله على إعفاءات ضريبية تقدر بنحو 65 مليارا في السنة ، وهو ما يفضي ، إن لم تخن الذاكرة ، إلى خسائر تبلغ 7,2 مليارا فِي السنة الواحدة من إجمالي التاتج المحلي ، فكل أولئك مما يستقطع من ثروة المجتمع ، فهو من يكد ويَسَعْى ويحقق فائضا من الثروة مع اتهامه أبدا بالكسل والعجز والتقاعس وقد يصدق ذلك في مواضع لو تدبرها الناظر لوجد أكثرها في مواضع السلطة التي تَزْخَرُ بجموع هائلة من البطالين الفاسدين إلا من رحم رب العالمين جل وعلا ، فأولئك البطالون الفاسدون هم ، أيضا ، سبب في استنزاف ثروة المجتمع بما يفرضون من أعباء إضافية خارج المحررات الرسمية من رشى وإكراميات فلا تُقَيَّدُ ، بَدَاهَةً ، في دفاتر العمل الرسمي ! ، فثم المجتمع الذي يكد ويسعى مع ما يُسْتَقْطَعُ من ثروته ضرائب ورسوم خدمة ...... إلخ ، وثم ، في المقابل ، من لا يكد ولا يسعى إلا في دوائره الخاصة المعفاة من أي التزام مع تحميل الأعباء للمجتمع ، فهو الذي يتحمل وحده أرقام الخسائر آنفة الذكر التي تترجم في المقابل إلى مكاسب تحوزها السلطة في محافظها المتخمة بأموال المجتمع ، إِنِ المالَ العام فسادا مباشرًا ، أو ثروةَ المجتمع بما تمارس السلطة من احْتِكَارٍ يُخِلُّ بمعايير المنافسة العادلة فهو يحول بين المجتمع والإنتاج ثم يَتَّهِمُهُ أنه المتقاعس المتكاسل الذي يروم الأكل بلا عمل ، وهو أكثر من يعمل ولكنه أقل من يأكل ، فثم منظومة البيروقراطية الفاسدة التي تأكله مرات ، فتأكله بما تَفْرِضُ من رسوم كبيرة على خدمات وسلع رديئة ، وتأكله بما تستقطع من رشى وعمولات .... إلخ ، وثم منظومة البيزنس ! الذي احتكرته دوائر عليا من السلطة مع ما احتف بها من دوائر الفساد الرأسمالي الذي يحمل اسم رجال الأعمال فهم ، إلا من رحم الرب الرحمن جل وعلا ، هم في هذا المثال الوظيفي فاسدون إلى أن يقوم الدليل على نَزَاهَتِهِم ، فانقلب الأصل الذي يَنُصُّ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ، فهم متهمون حتى تثبت براءتهم ! ، وحكاية الجسد في هذا المثال حكاية اعتبار ، فإن ما يرى الناظر في المجتمع وهو جسد اعتباري يُضَاهِي ما يَرَى الباحث في الجسد من عمليات حيوية إن في الظروف العادية أو في ظروف المخمَصَةِ كتلك التي تَعِيشُهَا مصر الآن ! ، وإن لم تبلغ بَعْدُ حَدَّ الشدة العامة ، فَثَمَّ استنزاف متدرج يجعل الكيان المستنزَفَ أبدا تحت السيطرة فهو ضَعِيفٌ لا يطيق الإنجاز ، ولا يقوم بأعباء الإنتاج ، فقد سلب أدواته مع عظم ذخائره ، فلا بد من وضعه أبدا تحت الضغط الملجِئ لمصادرة إرادته وقراره ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا تحت حكم وظيفي تابع فهو يحقق إرادة المركز من خارج أن يَبْقَى الداخل ضعيفا لا يشكل تهديدا لمصالح الخارج إن في الإقليم أو في المركز ، وذلك حكم يَتَوَجَّسُ خيفة على وجه يثير التعجب تارةً وَالتَّنَدُّرَ أخرى من إجراءاته الاحترازية إذا أَحَسَّ بأي معارضة لا سيما إن كانت تملك من أسباب القوة ما يهدده ولو في إطار نظرية التدافع أيهما يحظى بِرِضَى المركز فيحقق معادلة الاستقرار الأمثل ، فذلك ما يجعل التفريط والتنازل أعظم ليحظى الحاكم الوظيفي ذو الجبهة الداخلية الساخطة ، ليحظى بدعم الجهات الخارجية التي تمده بأسباب القوة ولو ضوءا أخضر أن يَقْمَعَ المعارض أو المستنكر ولو كان من حزبه ليكون وحده في الصورة فلا يُزَاحِمَهُ أحد بل ولا يجاوره وَلَوْ فِي طرف من أَطْرَافِهَا فذلك ما يؤذن بتحول الحكم الديكتاتوري إلى الحكم الشمولي الذي تُخْتَزَلُ فِيهِ السياسة فِي واحد فهو الدولة والدولة هو ! كما كان الملك الشمس لويس الرابع عشر يقول ، فصارت القوة هي معيار الحكم فمن كان الأقوى فهو يحكم ، فإذا ضعف وهرم نَزَى عليه قوي متحفز فحكم عوضا منه ، والمجتمع ، أبدا ، إذا لم يكن ذا وعي وقدرة ، فهو ينتظر السيد الجديد ليدخل في خدمته فلا زال يَتَنَقَّلُ بين السادة مِلْكَ يمين لم يَنَلْ بعد صك انعتاقه من رِبْقَةِ السلطة الأرضية المحدثة وإن في المركز القوي ، فَرِقُّهُ ناعم يخدع إذ اكتسى لحاء فكريا وسياسيا جذابا ، فكيف بِنَظِيرَتِهَا الوظيفية في الأطراف الضعيفة ، فحالها أسوأ .
    والجميع تحت نير الرق الأرضي يَرْزَحُ ، فلا يحرره ، كما تقدم مرارا ، إلا الدخول في رق النبوة التي جاءت تسوي بين الخلق فتخرجهم إلى عبودية الحق ، جل وعلا ، وحده ، فلا يعبدون إلها غيره ولا يسوسهم حاكم إلا بِمَا وافق الوحي النازل ، فوحده ، كما تقدم مرارا ، ما تجرد من الأهواء والحظوظ ، فلا حاجة له أن يظلم وَيَبْغِيَ فلا يكون ذلك إلا من ناقص يروم الكمال ولو استلبه إثما وعدوانا .
    وتلك دولة جسدها لا يحسن إنتاج أي شيء ! ، إذ لا يحسن تمثيل الغذاء فلا يحسن حرقه لتوفير الطاقة اللازمة لينهض المجتمع ، فلا يفرز أي شيء ، لا إنزيما يستهلك الغذاء ويحوله إلى طاقة نافعة ، ولا آخر يختزن الفوائض ، فلا يحسن إفراز الأنسولين ولا الجلوكاجون ولا يحسن صناعة الجلايكوجين فلا يحسن إلا صناعة الفساد وحده ، على وجه تَرَاكَمَ فهي دولة منتجة للفساد بل وله مصدِّرَةٌ مُعَلِّمَةٌ فَهِيَ القدوة والمثال على وجه يجعل الناظر يَتَرَقَّبُ سقوطها ولو بعد حين فتلك سنة الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى إذ تتآكل قواعدها شيئا فشيئا على وجه يُغْنِي ، في أحيان ، عن التدخل فقد كفت الخصم المؤنةَ فلا حاجة له أن يكيد أو يتآمر ! فالدولة قد تآمرت على نَفْسِهَا وشرعت في تَقْوِيضِ أركانها .
    بل إذا استعملت الإنزيمات والمواد آنفة الذكر فَعَلَى وجه السفه فَتُنْفِقُ حيث يجب الإمساك فهي تستنزف المدخر في الكبد والعضلات وتفضي بالجسد إلى الهزال ، جسد السلطة في مقابل ما يتراكم في كبد السلطة وعضلاتها وَعَكَنِ بطنها الذي تفتق شحما ! .
    وهي ، في المقابل ، تمسك حيث تجب النفقة ، فلا تفعل الجلوكاجون الذي يكسر الجلايكوجين المختزن ليعيد الاعتدال لمستوى السكر في الدم ، ولا تفعل الإنسولين الذي يسهل استهلاك السكر فلا تفعله إلا إن كان ذلك يصب في قناتها الخاصة ! ، فصورتها النهائية : سلطة تُعَانِي من السمنة المفرطة وتحتها مجتمع يعاني من الهزال المفرط ، فهما نقيضان في الماهية والوصف .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 19-10-2019 في 09:02 AM

  7. #7
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:09-11-2019
    الساعة:06:47 AM

    المشاركات
    4,884
    العمر
    41

    والنخب الحاكمة في الأطراف لا تكتسب المشروعية إلا من المركز ، فهي مُنْتَجٌ أجنبي خالص وإن كانت الخامات محلية ، فلا يملك المجتمع الضعيف أدوات الصناعة ، صناعة الأخلاق أو صناعة الأشياء ، فقد اسْتُلِبَ خاصة الاستقلال المادي والمعنوي ، فَقِيَمُ السياسة والحرب تُسْتَنْسَخُ من مدونات المركز ، فالنصوص والاستراتيجيات ووسائل التعليم والتلقين وخطط التدريب وبواعث القرار السياسي والفعل العسكري ، كل أولئك وافد من خارج ، فهو من حضارة أخرى ذات منطلقات تُغَايِرُ منطلقاتِ الذات ، وهو أمر ، لو تدبر الناظر ، يجاوز حد الحلال والحرام ، وإن كان هو الحد الأول في النبوات ، فمن لم يؤمن بها فهو شديد الغيرة على ذاته الحضارية ، فيأنف ويستنكف وإن كان من القبيل الفاجر الملحد ! ، يأنف أن يكون تَابِعًا لغيره على وجه يهدر خصائصه الذاتية ، فَلَا عَاقِلَ حُرًّا ذَا نَفْسٍ شريفة وهمةٍ مَنِيفَةٍ وَإِنْ لَمْ يكن مِنْ أَتْبَاعِ الشريعةِ ، لا عَاقِلَ هَذَا وَصْفُهُ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ تَبَعًا فلا يكون ذلك إلا وهو مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ قَدْ بَغَى الخصم عليه فَغَلَبَهُ وألجأه أن يسلك جادته ، أو فَتَنَهُ بمادته ولا يكون ذلك إلا والخصم غالبٌ ظاهرٌ بما اسْتَجْمَعَ مِنَ الأسبابِ ، فلا يخلو المغلوب من تقصير ، ولكنه ، من وجه آخر ، لا يملك إرادة حرة مستقلة فهي شرط المسئولية والمحاسبة فالعبد إذ يَتْبَعُ سَيِّدَهُ فلا يُسْأَلُ ، في الجملة ، إذ ليس ذا سلطة مستقلة ، والقاعدة ، كما يقول بَعْضُ المحققين ، أن السلطة بالمسئولية ، فمن تَوَلَّى سلطة فهو محل المساءلة والمراجعة بل والزجر والإنكار إن خالف عن الأصول المحكمة أو مدونات القانون الذي تحتكم إليه الجماعة ، سماويا أو أرضيا ، فذلك محل إجماع بين كافة العقلاء ، آمنوا بالنبوات أو كفروا ، فَثَمَّ مظلة عليا هي ما اصطلح في هذا العصر أنها الدستور ، وتحته القانون المفصل ، فالأول قواعد كلية جامعة ، والثاني تفصيل للجزئيات على وجه يوافق الأصول فلا يَسْتَنْبِطُ حكما في الفروع يخالف عن أصل من الأصول فذلك كمثل مَنْ يَسْتَنْبِطُ من القاعدة ما يَنْقُضُهَا ، فَيَسْتَخْرِجُ من جوهر طيب كالعنب آخر خبيثا كالخمر ، ويحتج أن أصله طيب ، فالفرع المستنبَط خبيث ، فلا يصير حلالا طَيِّبًا أَنْ كَانَ أصله كذلك بل قد انْتَقَضَ حكم الأصل بهذا الفرع المستنبط ، فلا يُقَرُّ هَذَا الفرع الخبيث إذ قد خالف عن الأصل الطيب ، فكذلك القانون في مقابل الدستور ، فالدستور في كل أمة هو صاحب العصمة في صناعة الفكرة وَسَنِّ الشرعة ، فكيف يُقَرُّ فَرْعٌ يخالف عنه ، فهو ، بداهة ، مردود ، إذ قد خالف عن الأصول ، وذلك ما يشبه ، من وجه آخر في الأصول ، ما اصطلح أنه القياس فاسد الاعتبار ، فهو ما يُقَابِلُ النصَّ أو الإجماعَ ، كما يُضْرَبُ المثل في الفقه الإسلامي بمسألة مشهورة في كتاب النكاح ، وهي مسألة النكاح بلا ولي ، فَثَمَّ من الفقهاء من أباح للمرأة أن تُنْكَحَ بلا ولي ، إذ قاس ولايتها على نفسها في عقد النكاح على ولايتها على مالها في عقد البيع أو الشراء ....... إلخ ، فذلك ، بادي الرأي ، لا يخلو من نَظَرٍ مُعْتَبَرٍ ، ولكنه يخالف عن نص في الباب وهو الخبر المشهور : "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ" ، فَفَسَدَ القياس إذ فسد اعتباره ، فكذلك الدستور عند كل أمة ، سواء أكان النبوة أم سواها من دساتير الأرض ، فَثَمَّ أصل محكم وهو الدستور ، وثم قانون يَتَفَرَّعُ عَنْهُ ، فلا يخالف فرع عن أصل ، بل لا تَسْتَجِيزُ أمةٌ من الأمم أن تخالف عن قانون محكم قد اسْتَقَرَّ العمل به عندها ، فلا يصح التذرع بمصلحة متوهمة يستجيز بها الناظر المخالفة عن شرعة محكمة ، واضرب له المثل ، أيضا ، بسقطة مشهورة في الأصول لواحد من أساطين الباب أخطأ كما يخطئ البشر ! ، فليس بِرَاجٍ عصمة ، وليس خطؤه حجة على المرجع الأعلى ، مرجع الوحي مقاصدَ وأحكامًا ، فَثَمَّ مَنْ جَوَّزَ أَنَّ رعاية المصلحة الكلية تُجِيزُ ، فِي مواضعَ ، المخالفةَ عَنْ نَصٍّ جُزْئِيٍّ فِي البابِ ، وذلك ما يَفْتَحُ البابَ لِتَعْطِيلِ أَيِّ قانون ، سماويا أو أرضيا ، فضلا أن ذلك ما لا يُتَصَوَّرُ إلا بالقدح في الدستور أو الأصل إذ فَاتَتْهُ هذه المصلحة فَتَفَرَّعَ عنه حكم جزئي يهدر مصالح الخلق فأي نَبْزٍ أعظم من ذلك في حق أي مدونة دستورية أو قانونية ، فضلا عَنِ الشرعة السماوية ، واضرب له المثل بالربا ، فَثَمَّ من يصوغ المعادلة صوغا شرعيا يَعْتَبِرُ المصالحَ ! ، فالنهي عن الربا حكم جزئي يخالف عن مصلحة كلية وهي المصلحىة الاقتصادية إذ النظام الاقتصادي العالمي يقوم على هذه الكبيرة ! ، فاغتفرت لمصلحة التعامل مع العالم ! ، فَهِيَ مِمَّا به حفظ مقصد رئيس من مقاصد التشريع وهو حفظ المال ! مع أن الربا كما أثبت أرباب الاقتصاد المحدث سببٌ في إهدار قيمة المال إذ تحول من مقابل للسلع والخدمات إِلَى سِلْعَةٍ تُبَاعُ بِفَائِضِ ربا يَسْتَقْطِعُ جزءا من نشاط المجتمع النافع بلا عِوَضٍ ، فالربا ، لو تدبر الناظر ، قد تحول من معاملة مالية بين شخصين : حقيقيين أو اعتباريين كالقروض التي تقترضها الدول في هذا العصر من جهات التمويل الدولية فَثَمَّ عَقْدُ ربا بَيْنَ شخصين اعتباريين : الدولة والجهة المانحة ، كما ثَمَّ عَقْدُ ربا بَيْنَ شخصين حقيقيين : زيد وعمرو ، فَتَحَوَّلَ هذا العقد من عقد معاملةٍ إِلَى قِيمَةٍ عظمى مِنْ قِيَمِ المركزِ الحضارية ، فَصَارَ محددا من محددات الثقافة التي يَرَى الناظر الآن غَلَبَتَهَا على ثقافات الأطراف ، فذلك ، أيضا ، من صور الاستعمار الحديث الذي لا يقتصر فقط على صورة الاقتصاد ، وإنما يجاوزه إلى القيمة الفكرية الضرورية التي لا يمكن إهدارها ! فصارت أصلا محكما ! ، وإن خالفت عن أصل النبوة المحكم الذي يحرم الربا تحريم الضرورة والقطع ، فذلك نص قاطع غالب ، فهو المحكم الناجز الذي لا يجوز تأخيره فضلا عن تعطيله واستبدال ضده به ، فَتُسْتَبْدَلُ إباحةُ الربا بتحريمه ! ، فيصير الأصل في المحرَّم المحظور أنه الجائز المشروع ، وذلك لو تدبر الناظر كما لو قال القائل : إن السفاح قد نسخ النكاح ، فَصَارَتِ الرذيلة فضيلة ! ، وهو أمر قَدْ قَطَعَ فيه المركز شوطا كبيرا بذريعة الحفاظ على الحرية الشخصية ولو خالف صاحبها عن الأحكام الأخلاقية والأعراف الاجتماعية ، وما كان ذلك إلا بعد التلاعب في الأصول المحكمة لدستور الأخلاق ، فصارت العفة رجعية تصادر حق الإنسان في الاستمتاع بجسده كيف شاء فذلك جزء رئيس من حريته وإن صَيَّرَهُ عَبْدًا لشهوته وانحط به إلى دَرَكَةٍ دون دَرَكَةِ الحيوان في أحيان ! ، فَثَمَّ من أجناسه مَا يملك زوجا وولدا ، فَثَمَّ مؤسسة أسرية ، ولو بدائية ، وهو ما جاوزه الإنسان الحديث وهو الإله الجديد ! ، فإنه ما استجاز تبديل الأحكام الضرورية : الدينية والأخلاقية إلا وقد طغى بهواه أو ذوقه فاعتقد أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ الغاية العظمى فَلَامَسَ بعقله سقف الأفكار ، فهو المرجع الأعلى الذي لا مرجع فَوْقَهُ فَلَيْسَ ثَمَّ وحي ولا عرش ، فليس إلا العقل الذي صار الإله الحاكم فهو على عرش الفكرة والشرعة جالس ، فَبَلَغَ سِنَّ الرشد إذ نَضجَ واكتمل تكوينه فما حاجته إلى وحي يسوسه ؟! ، فضلا أن يَسُوءَهُ فَيُقَيِّدَ حُرِّيَّتَهُ في الاستمتاع ، ولو شهوة محرمة ، فهو الآن ينسخ مفهوم الأسرة الكلاسيكي ، بل ويعده من الأفكار العتيقة التي لا تلائم الحضارة الجديدة ، فالحضارة الجديدة قد اقترحت بالهوى والذوق وهما العمدة في الأمر والنهي ! ، قد اقترحت حدا آخر للأسرة فَلَيْسَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى أَصْلَهَا ، وإنما التماثل جائز ، بل والانحطاط إلى ما دونه من الأسر المختلطة بين الإنسان وسائر أجناس الحيوان ، فتلك أسرة تدخل في الحد الجديد الذي اقْتَرَحَهُ الدستور والقانون ، إذ قَدَّسَ قيمة الحرية الشخصية تقديسا يحكي رد الفعل كَغَالِبَ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ قِيَمِ المركز فليس إلا ردود أفعال غالية لأفعال جافية في العصور الوسيطة ، فَمِنْ هَيْمَنَةِ الكهنوت إِلَى تأليه العقول ، ومن عِفَّة الرهبان إلى مجون الفساق ، ومنهم رجال الكهنوت فهم أول مَنْ سَنَّ الفواحش في الأديرة حتى صارت مضرب المثل ! ، كما في الكلاسيكيات الأدبية الشرقية والغربية ، فكان ذلك من أمضى أسلحة العلمانية في صراعها مع المرجعية الكنسية ، فقد اجتهدت أن تفضح وقائع الفساد على جميع المستويات : السياسية والمالية والأخلاقية ....... إلخ ، فَكَانَتِ الْحَالُ الْفِكْرِيَّةُ والأخلاقية الرَّاهِنَةُ وَمَا صَدَرَ عَنْهَا مِنَ الدساتير والقوانين الضامنة ، كانت رَدَّ فِعْلٍ لحال شائهة جَفَتْ فِي باب الحقوق والحريات وأعظمت الجنايات في حق الديانات والرسالات إذ جعلتها مُسَوِّغَ ما تُقَارِفُ من الاستبداد والاستعباد للبشر ، فَاسْتَرَقَّتْهُمْ باسم الدين وجعلت خدمةَ رجال الكهنوت رسمَ دخول الملكوت ، فَكَانَ من الْمُسَوَّغِ الجائز أن يجافي الدستور والقانون المحدثَ عن هذا الإفك البائن ، فذلك حق ، وَلَكِنَّ صاحبه جَهِلَ أَوْ علم فَأَبْطَنَ نِيَّةَ السوءِ طَعْنًا في جنس الدين والرسالة ، ولكنه ، أَيًّا كَانَ بَاعِثهُ ، قَدْ جَاوَزَ الحدَّ المشروع ، حدَّ العدل ، وهو ، كما تقدم مرارا ، الوسط بَيْنَ طرفين ، والفضيلة بين رذيلتين ، فَلَمْ يصب العدل وإنما جاوزه إلى الطرف الآخر ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، فَغَلَا في ضِدِّهِ ، وكان الإفراط في تقديس قيمة الحرية الشخصية بَعْدَ قُرُونٍ مِنَ الاستبداد وَالاسْتِرْقَاقِ ، وَهُوَ أمر يَرْصُدُهُ بعض المحققين رصدا لطيفا إذ يُقَارِنُ بَيْنَ شريعة الوحي المنزلِ وشريعة الوضع المحدثِ ، فإن نظريات المركز تَرَاوَحَتْ بين حرية في الغرب الرأسمالي لا قيد لها ولا سقف إلا النظام العام الذي به يَتَقَاسَمُ المجتمع لَذَّاتِهِ فلا أحد ينكر على الآخر ! ، ولو كان يمارس العدوان السافر على القيم الدينية والأخلاقية التي استقرت في وجدان المجتمع فهي المجموع الفكري المتراكم ، فلم يعد دور القانون وقوة الإنفاذ إلا حماية الحرية ولو تضمنت بهذا المفهوم المتطرف العدوانَ على المجتمع كله بالمخالفة عن قيمه الحاكمة ، فإذا نجحت الدعاية السوداء ! في نسخ هذه القيم فصار المجتمع حديقة حيوانات مفتوحة ! ، فتلك جناية أعظم على القيم الإنسانية الحاكمة بما رُكِزَ في النفوس من الفطرة والآداب العامة ، فكان الغلو في الحرية الشخصية في هذه الصورة الغربية الرأسمالية ، فتلك قيمة أخرى حاكمة في حضارة الغالب ، فَثَمَّ معنى يُجَاوِزُ شهوة البدن وَلَذَّاتِهِ ، فلا يقتصر صاحبها على مباشرتها وإنما يضع من الدستور ما يُقَرِّرُهَا فالحرية المطلقة أصل محكم وإن خالف صاحبه عن القيم الرسالية والأخلاقية ، فلا يَرْعَى قيمة دينية أو اجتماعية .
    وكان نَظِيرُهَا في الصورة الشرقية الشيوعية ، فإن الحرية جائزة إلا إن خالف القول عن قول الطبقة الحاكمة وهي الحزب وَلِجَانُهُ التي تَزْدَادُ طغيانا ومركزية في الحكم المطلق كُلَّمَا عَلَتْ رُتْبَتُهَا في التنظيم الشيوعي الهرمي الذي يَنْتَهِي إلى لجنة مركزية عليا يَتَرَأَّسُهَا حاكم لا يخطئ فالحرية في النقد لا تلامس ذاته المقدَّسة فَوْقَ العرشِ ! ، كما أن الحرية في الرسالات لا تجاوز أحكام الشرعة المنزلة ، مع القدر الفارق بَدَاهَةً .
    وَبَيْنَ هاتين النظرتين كان الوحي بمقاله الناصع الذي حسم مادة الفوضى والاستبداد جميعا فلم يكن إطلاقه للحريات فَوْضَى أخلاقية ، ولم يكن تقييده لها قمعا سياسيا ، فذلك أَمْرٌ قَدْ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى إِذْ تَرَاوَحَتْ فِيهِ النَّظَرِيَّاتُ كما تقدم فلا تجاوز أن تكون فِعْلًا وَرَدَّ فِعْلٍ وكلاهما يخالف عن حكم العدل ، وهو ما ظهرت آثاره في الأحكام السياسية ، فالحرية المطلقة في النِّظَامِ الديمقراطي قد أهدرت قيمة الحاكم بذريعة النقد والمراجعة ، وهو ، أيضا ، رد فعل علماني لحال السياسة في العصر الوسيط إذ اكتسب الملك أو الإمبراطور القداسةَ من رجال الكهنوت فهو اختيار السماء وله الحق الإلهي في الأمر والنهي ، فمن استبداد الفرد إلى استبداد الجمع باسم الشعب ، فَثَمَّ عقل جَمْعِيٌّ يصدر عنه الرأي العام الذي يملك الأهلية المطلقة لِسَنِّ الأحكامِ دُونَ الرجوعِ إِلَى معيار محكم ، فالدستور الأرضي لَيْسَ ذَلِكَ الْمِعْيَارَ ، فهو ، أيضا ، من صناعة العقل الذي تَعْتَرِيهِ العوارضُ والآفاتُ ، فلا يقر بمرجعية تجاوزه من خارج ، وهو ما يفضي إلى اضطراب المرجعيات إذ الأهواء والأذواق تَتَغَايَرُ فَلَا بد من مرجع أعلى يُجَاوِزُهَا جَمِيعًا قَدْ سَلِمَ من آفاتها وَسَلِمَ من التهمة بالانحياز إلى شرعة دون أخرى أَنْ وَافَقَتْ أَهْوَاءَهُ وَلَبَّتْ احتياجاته ، فكان الاستبداد باسم هذا العقل الجمعي ، وهو عَقْلٌ عاطفي يَضَّطرِبُ فلا يثبت على حال إذ تحركه بواعث الهوى والذوق ، فضلا أنه سَهْلُ الاختراقِ بِمَا تُمَارِسُ الدعاية والميديا مِنَ التَّوْكِيدِ وَالتِّكْرَارِ وصناعة الهيبة ، كما يلخصها صاحب "سيكولوجية الجماهير" ، فالجماهير تُخَاطَبُ بالتوكيد وإن دعوى تَفْتَقِرُ إلى دليل ، ويكون التكرار لما لا دليل عليه حتى يستقر في الذهن ويصير أمرا محكما لا اشتباه فيه فهو من المسلمات الضرورية وإن لم يكن ، مَبْدَأَ أَمْرِهِ ، إلا فَرْضًا بلا دليل فإذا سألت من يَنْتَحِلُه وَيُدَافِعُ عنه باستماتةٍ ما دليل صحته ؟! توقف فلم يُجِبْ ! ، فقد نجحت الدعاية أن تُرَسِّخَهُ حَتَّى صار هو الدليل فلا يفتقر إلى دليل من خارج ! ،
    فَيَكُونُ التَّوْكِيدُ وَيَكُونُ التِّكْرَارُ وَيَكُونُ القائدُ ذو الهيبة فهو الذي يقود الجمع ولو إلى حتفه ! ، فيملك من قوة التأثير سواء أكانت هيبته ذاتية أم مكتسبة ، يملك من هذا القوة ما به يسحر الجمهور فهو خلف الزعيم وإن إلى المجهول .
    فَتِلْكَ هي الحالُ التشريعية في الصورة الديمقراطية التي خرجت من رَحِمِ الاستبداد باسم الدين ، فكانت الجناية العظمى على الرسالات أن انْتَسَبَ إِلَيْهَا من انْتَسَبَ من الطواغيت فاستبد باسمها فكان رَدُّ الفعل أن استبدت النخبة باسم الشعب ، فقد نجحت في خداعه بِالتَّوْكِيدِ وَالتِّكْرَارِ وما صنعت من الزَّعَامَاتِ فَصَارَ الشعب يَحْكُمُ بِمَا تريدالنخبة وإن ظن أنه يحكم بما يريد فقد صُودِرَتْ إرادته في المثال الديمقراطي مصادرةً ناعمةً لا يشعر بآلامها إلا من تَيَقَّظَ عَقْلُهُ فَفَطِنَ لهذه الخدعة العظمى ، فَلَمْ يَكُنْ رَدُّ الْفِعْلِ العلماني إلا نَزْعًا للقداسة عن الحاكم ، وذلك حق ، ولكنه جاوز الحد بذريعة النقد والمراجعة ، وذلك أمر يصح ما لم يجاوز حد الأدب فَيَصِيرَ فَوْضَى تَنَالُ من هيبة النظام : النظام الأخلاقي والسياسي العادل لا نظيره الفاجر الظالم ، فذلك ، أيضا ، مما عمت به البلوى إذ اتخذ ذريعة إلى الطغيان بِحُجَّةِ الحفاظِ على النظام العام بَلْ وَكَسَاهُ مَنْ كَسَاهُ من المخذولين لحاء الوحي فَوَضَعَ نصوص الطاعة المحكمة في غَيْرِ مَوْضِعِهَا إذ غَلَا فِيهَا فَأَطْلَقَهَا بلا قيد يَأْمُرُ وَيَنْهَى كما أَمَرَ الرب المعظَّم في محكم آيه المنزَّل أَنْ : (لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ، فكان من صورة الجور والطغيان الذي اكتسى لحاء الدين ما أَفْرَزَ أخرى هي الفوضى التي لا يُقِرُّهَا عقل صريح يَنْصَحُ ، ولو في إطار النظرية الديمقراطية الأرضية ، فلا بد من سقف للنقد ولا بد من حد للحرية في أي نقاش ، فمساحة النقاش تَتَّسِعُ لأصحاب الأهلية حقيقة لا دعوى فهم الإفراز الصحيح الذي يحكي هوية المجتمع ومصالحه العليا فليسوا نخبة تُفْرَضُ من خارج كالنخب العلمانية المعاصرة في الشرق ، سواء أكانت عسكرية وهي محل الشاهد أم سياسية أم فكرية ، فَإِنْ فُرِضَ جدلا أن العلمانية طرح يلائم فهو يلائم البيئة التي نشأ فيها ولا يَلْزَمُ من ذلك أَنَّهُ يلائم البيئة الشرقية التي شهدت تَنَزُّلَ الوحي فهو رائدها في الفكر والحكم والسياسة والحرب ..... إلخ ولا يَعِيبُهُ أَنْ تَقَاعَسَ الشرقُ عن تحمل رسالته الناصحة ، أو انْتَحَلَهُ مَنِ انْتَحَلَهُ مِنِ الطغاة ، فالطب علم يَنْفَعُ وإن أخطأ بعض الأطباء أو أجرم فلا يكون ذلك ذريعة إلى حظر الطب ومنعه ، فكذلك الوحي المنزل ، وله المثل الأعلى ، فهو المرجع المحكم الذي يصدر عنه الشرق وإن أَبَى الغربُ ، فَلَا يضير الوحي ما صنع الطواغيت إذ جعلوه ذريعة المخالفة عَنِ العدل ، وهو الذي جاء به يأمر ، وبطغيانهم يكفر .
    ودائرة النقاش لا بد أن تغلق بعد حصول الإجماع أو الظن الراجح فلا يخلو أَمْرٌ من خلاف لا سيما في باب المصالح العامة التي لا نَصَّ فِيهَا ، فلا بد من اتخاذ القرار وَتَحَمُّلِ تَوَابِعِهِ ، والمثل يضرب بما كان يوم أحد فَقَدْ فَتَحَ القائد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بَابَ النِّقَاشِ فَاسْتَشَارَ أصحابه في أمر تَتَّسِعُ فيه مساحة الشورى في باب السياسة والحرب فَمَالَ الجمعُ الغالب أن يخرج للقاء قريش خارج المدينة فَنَزَلَ صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم على رَأْيِ المجموع الغالب وإن لم يَكُنْ رَأْيَهُ فَكَانَ من أصحاب الرَّأْيِ المخالف أن يكون القتال داخل المدينة فأهلها أعلم بدروبها فَلَهُمُ الأسبقية الميدانية من هذا الوجه ، فلما اسْتَوْفَى النقاش غَايَتَهُ كان إغلاق بابه والمضي في إِنْفَاذِ القرار دون مشاكسة ومزايدة تَغْلِبُ على المعارضة في المثال الديمقراطي الأرضي إذ ثم حظوظ نَفْسَانِيَّةٌ في تحقيق مكاسب سياسية ولو على حساب المصلحة العامة .
    وكذلك الشأن في مثال الصديق أبي بكر ، رضي الله عنه ، يوم الردة فقد كان رأيه واحدا في مقابل جمع ولكنه لم يستخدم صلاحيات الحكم أن يَتَّخِذَ القرار دون أن يُقِيمَ عليه الحجة التي شهد بها النص فكان رجوع القوم إلى رأيه بما أقام من دليل فهو المرجع الأعلى الذي يصدر عنه الجميع صدورَ التجردِ من الأهواء والحظوظ فكان ذلك غَلْقًا لباب النقاش في موضع القرار فاتخاذه إجماعا أو ظنا راجحا يحكي شورى صحيحة لا أخرى صورية في مجالس يختارها المستبد لِيُضْفِي بِهَا شرعية سياسية على أهوائه وحظوظه ، فاتخاذ القرار يوجب الاشتغال بإنفاذه لا الطعن فيه مزايدةً ومناكفةً ، وإن لم يخل الأمر من استدراكٍ حَالَ المخالفة فِي الإنفاذ فكان مِنْ مُعَارَضَةِ جَمْعٍ من الصحابة ما قد صَنَعَ خالد ، رضي الله عنه ، في بَعْضِ المواضع في حرب الرِّدَّةِ مع عظيم بلائه فلم يمنع ذلك الصديق أَنْ يُسَائِلَهُ فَيَنْظُرَ في دعوى من يُعَارِضُه وإن كان من الجند الذي يَقُودُ فهم دونه في الرتبة ولكن دعواهم معتبرة فهي من الأمر والنهي آنف الذكر أَنْ : (لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .
    ودائرة النقاش إذا لم تغلق وصارت الحرية ذريعة إلى فَوْضَى في الرأي ، فذلك ما يُوقِعُ الجمهورَ فِي ضدٍّ آخر فيكون الحكم المستبد : الديكتاتوري أو الشمولي ، يكون هو الحل لقمع هذه الفوضى فالجمهور بِطَبِيعَتِهِ يميل إلى الاستقرار ، وهو ما يُحْسِنُ الطغاة اسْتِثْمَارَهُ فَعَلَى ضد المثال الرأسمالي الديمقراطي كان المثال الشيوعي الشمولي الذي يَتَذَرَّعُ بالاستقرار لِيَحْكُمَ بقبضة الاستبداد ، فالحرية في هذا المثال مطلقة إلا إن خالفت عن رَأْيِ الحاكم ! ، فهو الضامن للاستقرار والأمن وإن باشر الاستبداد والقمع فذلك خير من الفوضى وإن كان هو سببها الأول ! ، إن مباشرا فهو يُحَرِّضُ عليها لِيَطْرَحَ نَفْسَهُ بديلا منها ، أو غير مباشر فالفوضى رَدُّ فِعْلٍ بدهي للاستبداد السياسي ، وكلاهما ، كما تقدم ، قد خالف عن معيار العدل فهو الوسط بَيْنَ طَرَفَيْنِ كِلَاهُمَا يذم ، فالحكم الديمقراطي اللامركزي وإن اقْتَبَسَ من شورى الرسالة شعبة إلا أنه لم يَحُلْ دون وقوع الفوضى بما فَتَحَ من ذرائع النَّقْدِ بلا قيد ، والحكم الديكتاتوري ، وإن نجح في بعض الصور ، كما يلفت بعض المحققين النظر إلى معنى يدق ، فَثَمَّ تجارب اصطلح أنها تجارب "المستبد العادل" وذلك إن لم يكن متصورا بادي الرأي فالاستبداد ظلم مُطْلَقٌ لَا يَصِحُّ في الأذهان إطلاقُ لقب العدل عليه ، إلا أنه قد يوجد في زمنٍ مَا مستبد يحكم حكما مركزيا صالحا لا يخلو من إنجازات اجتماعية ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ فاسدٍ ، أو فساده مما يحتمل ! ، فثم من المصالح الحقيقة المعتبرة ما يرجحه ، واضرب له المثل المعاصر بالرئيس الفنزويلي الراحل هوجو تشافيز فحكمه حكم الديكتاتور وهو مع ذلك قد نجح في اكتساب ثقة الجمهور ، فالنجاح في هذه الصورة لا يرجع إلى طبيعة الحكم وإنما يرجع إلى ثقة الجمهور بشخصه وهو ما يجعل النجاح مرتبطا به فإذا زال شخصه انْتَهَتِ التجربة الناجحة بموته فلم تكن ذات أصول راسخة ، بل احتملت ، ابتداء ، بذرة الفساد ، فالحكم المركزي الذي يَسْتَنِدُ إلى مرجع أرضي محدَث فلا مرجع يجاوزه من أعلى ودائرة نقاشه تَضِيقُ فالصلاحيات تَتَرَكَّزُ في يد زعيم أو حزب يحظى بقداسة سياسية ! ، هذا المثال يَنْجَرِفُ تِلْقَائِيًّا إلى الفساد إذ آليات المساءلة فيه تَضْمُرُ ، فمن ذا يسائل الزعيم المخلِّص ؟! ، فلا تخلو الديمقراطية ، كما يقول بعض المحققين ، لا تخلو من قيمة شورى تعتبر ، ولكن سوء التطبيق فِيهَا يُفْضِي إلى تسلط المحكومين على الحكام إذ مساحة النقد تَتَّسِعُ فيصير الأمر فوضى ، ولا يخلو المثال الديكتاتوري من قيمة السمع والطاعة وهي حتم لازم في نجاح أي منظومة ، ولكن سوء التطبيق فيها يُفْضِي ، في المقابل ، إلى تسلط الحكام على المحكومين ! ، والمثال الرسالي ، لو تدبر الناظر ، هو من يضبط هذه العلاقة بين الحاكم والمحكوم فهي بَيْنَ نصين تدور : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، و : (لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

    وواقع الأمر في الشرق أَنَّ ثَمَّ نواة صلبة للحضارة والهوية لا تمكن السيطرة على المجتمع إلا بتدميرها أو تدجينها أو تشويهها أو استقطابها واحتوائها أو تفريغها من مضمونها أو قِسْمَتِهَا شِيَعًا تَتَصَارَعُ بإذكاء نار الفرقة الأيديولوجية والسياسية ، أو تَسْلِيطِ بَعْضِهَا على بَعْضٍ على وزان الأثر المشهور : "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُنَا أَنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ الْهَرْجَ . قِيلَ : وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَال : الْكَذِبُ وَالْقَتْلُ . قَالُوا : أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ الْآنَ ؟ قَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ الْكُفَّارَ ، وَلَكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ، حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ ، وَيَقْتُلَ أَخَاهُ ، وَيَقْتُلَ عَمَّهُ ، وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ . قَالُوا : سُبْحَانَ اللَّهِ ! وَمَعَنَا عُقُولُنَا ؟ قالَ : لَا ، إِلَّا أَنَّهُ يَنْزِعُ عُقُولَ أَهْلِ ذَاكَ الزَّمَانِ ، حَتَّى يَحْسَبَ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ" ، فلم يُجَبِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ سَأَلَ رَبَّهُ ، جل وعلا ، ثلاثا : "أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا" ، فَمُنِعَ الثالثة إذ قَضَاءُ الكونِ أَسْبَقُ ، وهو ما تَأَوَّلَهُ الرئيس الأمريكي ترامب ! ، فهو سعيد أن يَرَى الشرق يَقْتُلُ بَعْضُهُ بَعْضًا فكلهم عنده سواء ، وإن كانوا على تَفَاوُتٍ بالنظر في الخصومة الأيديولوجية والسياسية ، فالحكمة تقضي أن يُرَتِّبَ العاقل عداواته ، بل ويستعين بالأخف عداوةً على الأشد حتى ينجز الأمر بأقل قدر من الخسائر وهي السياسة الأمريكية الراهنة بعد الهزائم الكبيرة التي لَقِيَتْهَا القوةُ الأمريكية العسكرية الخشنة في جبهات عدة على وجه تراجع معه زخم الأطروحة الأمريكية الأبرز مطلعَ هذا القرن ، أطروحة "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" للمفكر الأمريكي الياباني الأصل ! "فرانسيس فوكوياما" فقد سَبَقَتْهَا أطروحة "صراع الحضارات" لأستاذه صمويل هانتنجتون ، فكان الصراع محتدما بَيْنَ حضارات استقرأها هانتنجتون ، أيا كان صحة الاستقراء وتمام أجزائه فَقَدْ أصاب إذ جَعَلَ الحضارة الإسلامية خصما أكبر فهو الخصم المباشر للحضارة الغربية بحكم الجوار الجيوسياسي والصراع التاريخي من لدن ظهرَ الإسلام وإلى يوم الناس هذا وإلى ما شاء الله ، جل وعلا ، سنةَ تَدَافُعٍ نافذةً ، فـ : (لَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، فضلا أن الحضارة الإسلامية حضارة رسالية في مقابل بقية الحضارات فأكثرها أرضي وما كان منها ذا أصل سماوي فقد طالته يد التحريف والتأويل حتى خرجت به عن حد الرسالية إلى حد البراجماتية السياسية ، فصارت حضارة أرضية خالصة أو غالبة ، وبقي الإسلام بطرحه الرسالي ومرجعه السماوي وإن كان الآن معطلا مُغَيَّبًا من المشهد إلا أنه لا زال محفوظا ولو في السطور والصدور ، فلا زال هو العائق الأكبر وربما الأوحد أمام الاجتياح الحضاري الغربي لأرض الشرق ، فقد اجتاح الغربُ أرضَ الشرق عسكريا وسياسيا واقتصاديا ..... إلخ إما مباشرة أو عبر وكلائه الوظيفيين كما هي الحال الآن في الحقبة بعد الاستعمارية ، فلا زال الوحي هو العائق وهو ما صرح به بعض الوكلاء الوظيفيين في مصر في لهجة تَقْطُرُ بغضا وحقدا وجهلا ، فَضْلًا أنها تخاطب في الغرب غَرَائِزَ عدة ! : غريزة الخوف من الوحي الكامن فالوكيل الوظيفي على صدره جاثم فَوَحْدَهُ مَنْ يُحْسِنُ ذلك فلا بد أن يَدْعَمَهُ الغربُ وَيُعْطِيَهُ من الصلاحيات السياسية والحقوقية ما به يُطْلِقُ يَدَهُ في مكافحة سرطان الإرهاب والتطرف فلا تَسْتَأْصِلُهُ إِلَّا يد باطشة لا يُشْتَرَطُ فيها أن تكون ماهرة ، فالعلاج الكيميائي الذي يستخدم في حالات الأورام السرطانية علاج غير اختياري أو non_selective ، فلا يحسن يميز الخلية السليمة من نظيرتها المعطوبة ، وإنما يشن الغارة بقوة كيميائية عمياء هدفها الرئيس تَنْظِيفُ أرضِ العمليات من جميع صور الحياة ! ، وهو علاج بدائي أُدْخِلَتْ عليه تعديلات تَجْعَلُهُ مُوَجَّهًا إلى موضع الداء وحده فيما يشبه العمليات النوعية الخاصة لا عمليات القصف العام الذي يدمر كل شيء ! ، والإشكال في الوكلاء الوظيفيين الآن في الشرق أنهم لم يجروا التحديثات اللازمة على أساليبهم الكيميائية القديمة ، فلا زالوا يستخدمون نفس الأساليب القديمة ، أساليب العلاج غير الاختياري الأعمى فهو يلائم طبيعتهم الجاهلة عديمة الكفاءة التي تفضل الحلول الاستئصالية الأسهل بالنظر في مبادئها وإن أفضت إلى ما هو أسوأ بالنظر في عواقبها ، من وجهة نظر الخصم بداهة فهي حكاية لما يدور في رأسه ! .
    فَثَمَّ إثارة لغريزة الخوف في المركز ، ولو في دوائر منخفضة الثقافة يخدعها هذا الخطاب الغرائزي وهو الغالب على جمهور المركز حتى الآن وَإِنْ تَبَجَّحَ أنه مُثَقَّفٌ قارئٌ فَقَدْ يصدق فيه أنه مُتَعَلِّمٌ ماهر فهو كَادِرٌ في اختصاصه ولكنه في الجملة ممن يصدق فيه أنه تقني أو تكنوقراط لا يفقه كثيرا في الشأن العام ، فليس إلا تِرْسًا في آلة لا يفقه أسلوب إدارتها وأغراض صناعتها ، فما أسهل أَنْ يُسْتَفَزَّ بخطاب غرائزي يَتَّسِمُ بالسطحية والسذاجة فهو خطاب بسيط لا عمق له في الفكر ، فَيَتَّسِمُ بالتعميمات مع التوكيد والتكرار واستخدام المؤثرات البصرية والسمعية واصطناع الزعامات السياسية والعسكرية التي تحتمي بها الجماهير من ذلك الوحش الكاسر الذي يجاورها على الشاطئ الآخر ، فطبقة التكنوقراط غَيْرُ الْمُسَيَّسَةِ هِيَ الغالبة فِي أَيِّ مجتمعٍ ، وعامة الشعوب في المركز لا تَقِفُ كثيرا أمام خطاب الوكيل الوظيفي في الشرق ، فهي تصدقه بما يحمل من عبارات مباشرة تخاطب العواطف ، وأبرزها الخوف ، وَتَتَجَاهَلُ العقول وذلك شرط رئيس في خطاب الجماهير غير الواعية وإن كانت جامعية مؤهلَةً ، فليس تَأْهِيلُهَا تَأْهِيلَ الفكرِ بل الميديا في المركز حريصة كل الحرص أن تُجَهِّلَهَا في باب الفكر والسياسة إلا ما يمس حياتها مباشرةً مع ربط ذلك رَبْطًا وَثِيقًا بمنظومة الاستبداد في الأطراف ، فَشَرْطُ ديمومةِ الرفاه والغنى في المركز أَنْ يَبْقَى الوضع على ما هو عليه في الأطراف ، ولا بد مِنْ مُبَرِّرٍ أخلاقي لذلك ، فكان خطاب الوكيل الوظيفي الذي يحذر المركز تَارَةً وَيُهَدِّدُهُ أخرى وإن كان تهديده لا يتوجه بداهة إلى النخب الحاكمة بالفعل في السياسة والحرب والاقتصاد والإعلام فهم أدرى الناس بحقيقة خطابه بل هم من كتبوه ووضعوا خطوطه العريضة المحكمة وإن منحوا الوكيلَ بَعْضَ الهوامش فهي إجرائية لا تخالف عن الأهداف الاستراتيجية التي لأجلها اصطنعوه ، فَتَهْدِيدُهُ يَتَوَجَّهُ إلى الجمهور الساذج وهو ما يُوَاطِئُ أهداف النخبة في المركز فهي قبل حرصها على تَقْيِيدِ الأطراف تَحْرِصُ أَشَدَّ الحرصِ أَنْ تُقَيِّدَ جمهورها وإن بقيود ناعمة تخالف بداهة عن القيود الخشنة في الأطراف ، فلا بد من السيطرة على المجتمع في المركز وهو ما يَتَوَلَّاهُ الجهاز الدعائي والإعلامي إذ يصوغ العقل الجمعي والرأي العام استنادا إلى خطاب الغريزة آنف الذكر فلا يَتَّسِمُ بِقَدْرٍ كاف من الموضوعية يَمْنَحُ الخصم الحضاري في الشرق فُرْصَةَ الدفاعِ عَن نفسه أو عَرْضِ رأيه فضلا أن تكون له المبادرة بحجة رسالية ناصعة فذلك ما يُقَوِّضُ بُنْيَانَ الفكر الغربي المتهافت الذي انْتَقَلَ من خرافة الكهنوت إلى جحود الملكوت ، فمن تطرف في الدين يَزْدَرِي العقل إلى تطرف في اللادين يَزْدَرِي الوحي فلم يحسن يجمع الاثنين : وَحْيًا صحيحا وعقلا صريحا ، فَلَوْ أُعْطِيَتِ الرسالة فسحة أن تحكي حجتها لافتضح المركز وافتضحت نخبه الفكرية والسياسية فَشَرْطُ بَقَائِهَا كشرط بَقَاءِ نخبها التابعة في الشرق : أَنْ يُجَهَّلَ المجتمع وَيُخَوَّفَ بخطاب غريزي سادج يَتَحَكَّمُ في النصوص على طريقة : (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ) ، فَثَمَّ تحكم يضاهيه من قبيل : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) ، دون نظر في سباق أو لحاق ، فكتاب القوم : كتابُ القتل ، وهم وحوش كاسرة تُنَاصِبُ العالمَ كلَّه العداءَ المستحكم كما قال الوكيل الوظيفي آنف الذكر ، فهو يَتَلَقَّفُ بضاعةَ الغرب لِيُسَوِّقَهَا في الشرق ، وذلك خطاب وإن تَوَجَّه إلى الداخل مع ما احتمل من غِلٍّ هائل يحكي تكوينا أيديولوجيا ونفسيا شائها إلا أنه في نفس الآن يصب في قناة المركز ، فمراكز الدعاية ووسائط الإعلام في المركز تَتَلَقَّفُ هذا الخطاب لتروجه في أوساط العامة المثقفة ! ، فَلَيْسَ القوم إلا قتلةً وانظروا في خطاب مَنْ يَرْأَسُهُم ولو كَرْهًا ! ، فهو أدرى بِشِعَابِ قومه ، فلا يصلحهم إلا الاستبداد والقمع وإلا فُتِحَتِ النار على الغرب ، فلا زال الشرق يحمل في جيناته ذكريات الغزو العسكري الذي بسط نفوذه وهدد وجود الغرب لولا انكساره في معارك فاصلة كَبُوَاتِيِيه أو بلاط الشهداء ، فإذا لم يكن ثم وكيل وظيفي صارم فسوف يَعْبُرُ الشرق إلى الشاطئ الآخر بكتاب الإرهاب والتطرف ليقمع المدنية الغربية الزَّاهِيَةَ وَيُرْجِعَ أوروبا إلى العصور المظلمة التي تخلصت منها بعد عناء فَلَيْسَ في ذاكرتها الجمعية إلا صورة المحاكم الكنسية التي تفتش في الضمائر وتقمع أي عقل حر يخالف عن إرادة الإكليروس التي انتحلت زورا منصب الفكر والشرع فهي مَنْ يَضَعُ النظريات ويسن الأحكام انطلاقا من مرجعية أرضية محدثة كسيت زورا لحاء المرجعية السماوية المنزلة ، فتلك صورة تصنعها الميديا في الغرب لتخوف المجتمعات المرفهة من خطر الشرق ، مع تصدير أخرى تحكي الدمار الهائل في الشرق والقتل المتبادل بَيْنَ شِيَعِهِ وأحزابه وهو ما أَثْلَجَ صدرَ الرئيس ترامب ! ، فصورة الشرق المتخلف الجاهل ، الهمجي القاتل ، صورة قياسية في دعاية المركز وإعلامه ، فلا بد من مجموع مركب يَصْنَعُ الفوضى في الشرق ، ومن أبرز أسبابه القمع والاستبداد الذي يحقق الغاية العظمى : غاية الاضطراب المستمر في الشرق ذي المرجعية الرسالية فذلك ما يُنَفِّرُ المجتمع الغربي من هذه المرجعية المتطرفة وإن كان المستبد فِي الشرق يمارس القمع ضِدَّهَا فلا يفقه المجتمع الغربي هذه التفصيلات المعقدة فلا تَفْقَهُهَا إلا النخبة الفكرية والسياسية التي صنعت هذا المشهد ، فَلَيْسَ الوكيلُ الوظيفي في الأطراف إلا أداة من جملة أدوات تصنع هذا المشهد فَهُوَ يُضْعِفُ الشرق أكثرَ وَيُسَهِّلُ استباحتَه وَنَقْلَ ثرواته إلى الغرب الذي احتكر التقنية الحديثة وَحَرَمَ مِنْهَا الأطراف فكان الوكيل الوظيفي أيضا هو الأداة التي حالت بين الشرق وبين التقنية الحديثة إلا هوامش يُفْرِجُ عنها المركز لضمان بقاء الشرق فلا يفنى فلا بد من حد أدنى من الحياة بالقدر الذي يضمن تدفق الثروات من الشرق المتخلف إلى الغرب المتقدم ، ولا بد أن يحافظ الوكيل الوظيفي على هذه المتراجحة الجائرة : غرب متقدم وشرق متخلف ، والوكيل الوظيفي ، مع ذلك ، يَتَوَلَّى حرب الهوية والفكر بالنيابة ويحافظ على معادلة أخرى : معادلة الفوضى تحت السيطرة ، فلا ينهض الشرق ولا يفنى في ذات الوقت ، فوظيفته في الوجود أن يَبْقَى على قيد الحياة لِيُمِدَّ الغرب بأسباب البقاء ، مع توفير الدعاية اللازمة التي تضمن للنخبة في الغرب السيطرةَ على المجتمع بإخافته دوما بوحوش همجية قد تهجم فجأة فَتُدَمِّرُ الحضارة على الشاطئ الآخر ، وقد تهاجر آحادا وجماعات فَتُهِدِّدُ النقاءَ العرقي والأيديولوجي في المركز ، فذلك ما يمنح المجتمع الغربي ذريعةً أخلاقية يُسَكِّنُ بِهَا مَا بَقِيَ من آثار الفطرة والضمير ، فالاستبداد والقتل في الشرق ضرورة للحفاظ على حضارة الغرب فلا يُصْلِحُ أولئك الهمج إلا وكيلٌ وظيفي صارم ، فذلك ما يجعل المجتمع الغربي يَقْبَلُ بهذا الوضع البائس في الشرق وإن كان لا يَرْضَاهُ لِنَفْسِهِ ، فلا يرى المجتمع في الشرق ندا له أو نظيرا في الحقوق الإنسانية ، وإن زعم أن أصول نظريته الحديثة في الفكر والسياسة هي : الحرية والإخاء والمساواة ، فَقَبْلَهَا بقرون جاء الوحي بنظرية : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" ، فليس ثم أخوة أيديولوجية بَيْنَ المواطن الصالح في المركز ونظيره الفاسد في الأطراف ! ، بل وليس ثم أخوة إنسانية ، فهنا إنسان وهناك آخر ولكلٍّ ما يصلحه من السياسات وأساليب الإدارة والحكم فذلك خطاب وظيفي آخر يَتَوَجَّهُ به الوكيل في الأطراف لِيُبَرِّرَ القمعَ والاستبداد فهو أعلم بِشِعَابِ بلده ، فيعلم ما يُصْلِحُهَا فلا يتألم ضمير المجتمع في المركز فما نصنع والقوم يَقْتُلُ بعضهم بعضا فَلَسْنَا أَرْفَقَ بهم من أنفسهم ، بل ذلك القتل هدف رئيس من أهداف النخبة الحاكمة في الغرب فهو ، كما تقدم ، يضمن حال الاضطراب تحت السيطرة والتحكم وهي حال قياسية في إضعاف أي مجتمع واستنزاف ثرواته ، وَتَنْفِيرِ كُلِّ من يتعاطف معه ولو انطلاقا من قيم إنسانية مجردة فضلا أن يكون مستند التعاطف فكريا يَنْظُرُ نَظَرَ الإنصاف والتجرد في مرجعيات هذا الشرق المتخلف ! ، فمن نظر بإنصاف علم أن هذا الشرق متخلفٌ لنكوصه عن أصول حضارته لا أنه يستمسك بها ، فليست مادة الإرهاب والتطرف كما يزعم الوكلاء الوظيفيون في الشرق ، فالإشكال في حكوماتهم الوظيفية التابعة التي تقمع هوية المجتمع وتروم فرض قيم الخصم عليه فرضا فذلك سبب رئيس في عدم الاستقرار في الشرق ، فأي أمة ذات مرجعية سماوية أو أرضية لا تستقر قدمها وترسخ على أرض صلبة إلا أن تستمد بواعثها الحضارية من مصادرها الأصلية ، وذلك محل إجماع ، صَحَّ مرجعها أو فسد ، إلا أن تقرر طوعا أن تعيد النظر في مراجعها نقدا وتنقيحا لا أن يفرض ذلك عليها فرضا ، فيكون السيف على عنقها وهي تباشر عملية التجديد لخطابها الفكري والسياسي ! ، كما هي الحال الآن في الشرق ، فَثَمَّ إكراه علماني ملجئ ، كما يقول بعض الباحثين ، فالعلمانية لا يمكن لها أن تحكم في الشرق إلا كَرْهًا ، فلئن حكمت اختيارا في الغرب فذلك إفراز تَرَاكَمَ عبر عصور من استبداد الكهنوت باسم الدين ، فكان رد الفعل انفجارا هائلا لم يتحر العدل في خصومته مع الكهنوت فَجَعَلَهَا مع الدين كله ، فكان التطرف في الجهة المقابلة ، وتلك طبيعة ردود الأفعال في الأفكار والأشياء فذلك قانون يطرد في الفيزياء والفكر ، فَمِنْ فِعْلٍ غالٍ في طرف إلى رد فعلٍ غال في الطرف الآخر فَمِنْ غُلُوٍّ في الدين إلى غلو في اللادين ، فلا يُحْكَمُ الشرقُ أبدا انْطِلَاقًا من هذه القاعدة الفكرية ، ولو صحيحة ! ، فإنه لم يَمُرَّ بِنَفْسِ التجربة فَلَمْ يُوَاطِئِ الغرب في المقدمات ليوافقه في النتائج فيكون الحل في إشكاله الراهن هو الحل الذي سلكه المركز ، فالمقدمات غير متماثلة فلا تكون النتائج متماثلة ، وذلك قانون يطرد في كلام النظار ، فالشرق شرق والغرب غرب فَلَا يَلْتَقِيَانِ أبدا في منطلقات الحضارة وإن جمعتهما بحكم الانتماء لنفس النوع ! النوع الإنساني ، وإن جمعتهما قيم إنسانية مطلقة ليست محل خلاف بين كافة العقلاء ، فلا تصح المساومة فيها بادعاء الفرق بين حقوق الفرد في الشرق وحقوق نظيره في الغرب استنادا إلى نظرية أخرى من نظريات الحكم الوظيفي في مصر ، نظرية "لَنَا إِنْسَانِيَّتُنَا ولكم إِنْسَانِيَّتُكُم" على وزان : (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) ، فلا تخلو من تأصيل شرعي محكم ! ، فلا يمكن للشرق أن يستقر ما لم يَتَصَالَحْ مع مرجعيته الرسالية تصالحا رسميا يجاوز حد التصالح الاجتماعي ، فلا بد أن تتصالح النخبة الفكرية والسياسية مع المجتمع ولا يكون ذلك بداهة إلا أَنْ تخرج من رَحِمِهِ ، فَتُمَثِّلَهُ حقيقة لا دعوى كما هي الحال الآن في النخب الوظيفية التي تحكم جَبْرًا ، فهي تحفظ الاستقرار المؤقت بما تمارس من قمع للأديان والأبدان ولكنها ، بداهة ، لا تحقق الاستقرار على المدى المتوسط أو البعيد إذ تجافي عن هوية المجتمع فأسباب الاضطراب حاضرة وإن كانت في أحيان كامنة إما خوفا من قبضة بطش لا يمكن أن تحكم السيطرة أبدا ، أو بما تمارس بعض الأنظمة الوظيفية من مداراة للمجتمع وإن شئت الدقة فَقُلْ تقية فكرية وسياسية فتظهر بعض صور التدين والورع البارد فلا تغامر بالصدام المباشر مع منظومة الأفكار والقيم خلافا لأخرى تَتَّسِمُ بالتهور والنَّزَقِ مع جهل مطبق واستبداد مطلق يَتَّسِمُ بالأحادية الفكرية الحادة فلا هو يصلح في ديانة ولا في سياسة ولو براجماتية تحسن التعاطي مع التوازنات الفكرية والاجتماعية ، لا سيما إن كان المركز هو الآخر يشهد نَزَقًا في الفكر والسياسة فهو ما يَنْعَكِسُ على وكلائه في الأطراف ، وهو ما تقدمت الإشارة إليه في أطروحة "صراع الحضارات" فهي نظرية كاشفة لا مؤسسة ، لم تجازف مجازفة الأطروحة اللاحقة : أطروحة "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" ، فَقَدِ استعجلت الثمرة لا سيما مع دخول العالم مطلع هذا القرن حقبة القطب الأوحد فقد انهار القطب الشيوعي في الشرق ، وشن المركز حربه الجديدة ضد العدو الجديد القديم ! ، فكانت الحرب على الإسلام عامة والسنة خاصة بوصفها النواة الصلبة للحضارة في الشرق ، وهي حرب دشنها الجمهوريون كالعادة ! فهم أمراء الحرب في المركز الأنجلوساكسوني البروتستانتي الأبيض الذي لا يخفي تحالفه مع نخبة يهودية في إطار الأيديولوجيا الصهيونية الجامعة فتلك في الجملة عقيدة المركز العسكرية التي شن بها الحرب على الإسلام مطلع هذا القرن ، وكانت نشوة الانتصار السريع في الجولة الأولى لا سيما في بلاد الأفغان والعراق ، كان ذلك مما حفز فوكوياما أن يستعجل الثمرة فيعلن انتهاء التاريخ وتوقف الأيديولوجيا فقد بلغت السقف فلا إصدار يجاوز الإصدار الأخير : إصدار الحضارة الغربية في نسختها الجمهورية ، وهو ما تراجع عنه بعد ذلك إذ بدأت القوة الأمريكية في الانحسار بعد أن بلغت السقف ، سقف : (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، وذلك ثابت رئيس من ثوابت العمران في الأرض إن لم يكن ذا باعث رسالي في الفكر ، فَثَمَّ ، كما يقول بعض الفضلاء ، ثابت العلو في الأرض : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا) ، فَأَمَرَ الْوَزِيرَ أن : (ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ) ، وثابت العبث فلا غاية مع كثرة المال والسبب فإن لم يرزق صاحبه دينا وعقلا فليس إلا تشييد الآيات عبثا : (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ) ، وثابت الخلد فهو يطلبه ولو انقلب ضدا فلا يخلد ذكره إلا بالذم والسب وإن داهنه أهل زمانه بالإطراء والمدح ، فذلك ثابت : (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) ، وكل أولئك ثوابت رَئِيسَةٌ في أي فكرة أرضية محدثة ، فاللذة غاية والقوة وسيلة ، وليس بعدها إلا الانحدار ولو تدريجا فتلك سنة ربانية محكمة ، فـ : "إِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ" ، فكان انحسار القوة الأمريكية في جبهات الصراع في الشرق على ما اكتنفها من اختراقات أيديولوجية وأخرى ميدانية فالمشهد أشد تعقيدا مما قَدْ يَتَصَوَّرُ الناظر بادي الرأي ، فالنظرة السطحية الساذجة تَتَّسِمُ ، كما تقدم ، بإطلاق الأحكام العامة إما تأييدا أو معارضة ، دون النظر في تفصيلات المشهد وروافده في الفكر أو السياسة أو الحرب ، وكان عدول المركز عن نظرية الحرب المباشرة إلى أخرى بالوكلاء ، ولعل بلاد الشام الآن هي أصدق مثال ، وهي نواة رئيسة من أنوية الحضارة في الشرق ، مع ما تَتَّسِمُ به من فسيفساء إثنية عرقية وأخرى دينية وثالثة مذهبية تَتَّسِمُ بالطائفية التي صارت ثابتا رئيسا من ثوابت الحكم في بعض أقطارها حتى انتهت بها الحال إلى مُحَاصَصَةٍ تُوهِمُ ، بادي الرأي ، أن الهوية قد انشطرت فلم تعد هوية المجتمع هي الوحي الذي دخل هذه الأمصار مبكرا فهي أولى محطات الفتح بعد ذيوع الرسالة في أرجاء الجزيرة ، فالشام والعراق يُتَاخِمَانِ الجزيرة وأي ناظر في الخريطة يدرك يَقِينًا أن ثم وحدة جيوسياسية بين العراق والشام ومصر والحجاز ، فتلك هي نواة الحضارة الصلبة في الشرق ، لا جرم كان العمل الدءوب على التفتيت والتدمير ، وهو ما استغرق سنوات من الاستنزاف ، كما كانت الحال في العراق التي اسْتُنْزِفَتْ فِي حرب ضروس مع الجارة إيران على قاعدة إثنية عرقية وأخرى طائفية ، ولعب النظام الدولي ونظيره الإقليمي دورا كبيرا في إذكاء هذا الصراع ، فالنظام الدولي أدار الملف طبقا لأطروحة هنري كيسنجر : "الصراعات منخفضة الحدة" ، وإن ارْتَفَعَتْ حدتها في التفاصيل اليومية لحربٍ اسْتَغْرَقَتْ ثماني سنوات قُتِلَ فيها مئات الآلاف وشهدت من الوقائع ما شهدت إلا أنها كانت منخفضة الحدة من جهة اقْتِصَارِهَا على بؤرة جغرافية محدودة فَلَمْ تَتَّسِعْ دائرتها لتشمل الإقليم مع ما كان من تحالفات لم تخل هي الأخرى من النفس الطائفي المذهبي وإن كانت في حقيقتها ذات أبعاد سياسية براجماتية ، فدعمت سوريا تحت الحكم النصيري الطائفي ، دعمت طهران وظاهر الأمر أنه تَقَارُبٌ مذهبي وحقيقته أنه تَخَالُفٌ سياسي بين بغداد ودمشق في إطار الصراع المحتدم آنذاك بين البعث العراقي ونظيره السوري أيهما يحمل لواء الفكرة القومية ولو من باب المزايدة السياسية ، والعرب السنة أو هكذا يُفْتَرَضُ فتلك قسمة ديموجرافية ، أَيْ : سكانية ، أكثر منها أيديولوجية ! ، العرب السنة ، في المقابل ، دَعَمُوا العراق في صراعه مع ثورة مذهبية تَبَنَّتْ خيار تصدير الثورة إلى الجوار المباشر في العراق ، والجوار الإقليمي حتى تخوم المتوسط غربا ، وتخوم بَابِ المندب جنوبا مع استهداف الحجاز بوصفه قبلة الدين والسياسة فمن حازه فهو صاحب الريادة التي تطلعت إليها الثورة الإيرانية مبكرا ، فانتحلت لقب الإسلامية وداهنت الحركات الإسلامية المقاومة السياسية والقتالية لا سيما والأنظمة الحاكمة في الإقليم قد تَبَنَّتِ الخيار العلماني الوظيفي التابع للنظام الدولي فذلك ما أعطى الثورة درجة امْتَازَتْ بِهَا ، فسارعت باحتضان الحركات المقاومة ، ولو تأييدا سياسيا دعائيا ، مع الاستثمار في القضية المركزية المعاصرة ، قضية البيت المقدس ، مع أن أدبيات المذهب لا تقيم له كَبِيرَ وَزْنٍ ، ولكن مركزية القضية استوجبت الاستثمار فيها ، ولو دعاية ، فضلا عما كان بعد ذلك من دعم بعض حركات المقاومة المسلحة في أكناف بيت المقدس وهو ما أفضى ، ولو على المدى الطويل ، إلى اختراق هذه الحركات إما الاختراق السياسي الذي يحولها ولو جزئيا إلى ذراع وظيفية تابعة لثورة فارس الشيعية ، أو الاختراق الأيديولوجي وهو الأشد خطرا إذ كان التَّغَزُّلُ فِي مرشد الثورة وقياداتها ، وهو ما سهل تَسَلُّلَ أفكار المذهب إلى البيئة السنية المتاخمة للبيت المقدس ، مع أن العراق من جانب آخر كانت محطة دعم رئيسة لحركات المقاومة في الأرض المحتلة ، فلا شك أن طهران قد أحسنت الاستثمار في هذه القضية ، وهو ما يندرج في خطة متدرجة تسعى طهران من خلالها أن تَنْتَزِعَ الزعامة الإسلامية الروحية من العرب السنة ، وما يتبع ذلك من الزعامة السياسية ذات العنوان الواحد ، كما قال بول بريمر لما سُئِلَ عن سبب تفضيله التَّعَاطِي مع الشيعة بعد الغزو في 2003 ، فأجاب إجابة موجزة تحكي طَرَفًا رئيسا من أطراف الحقيقة الأيديولوجية والسياسية في هذه البؤرة المشتعلة : they have one address ، هم يملكون عنوانا واحدا هو عنوان المرجعية الأيديولوجية فإذا أَبْرَمَ الاحتلال معها اتفاقا فهو واجب النفاذ في هَرَمِ الطائفة من القمة إلى القاعدة جريا على نظرية الهرم الاجتماعي ، فهو في المذهب الشيعي المعاصر أشد إحكاما إذ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ المرجعِ وَقَطَعَ على أتباع المذهب طريق النظر وإن كانوا له أهلا ، فَلَا بد من وصاية فكرية تُمَارِسُهَا المرجعية وَبِهَا تضمن السيطرة على الطائفة ، عَبْرَ هرم وظيفي يشبه ، من وجه ، الهرم الكهنوتي في العصر الوسيط ، ولا شك أن وحدة المرجع لا سيما في الأصول والمبادئ أمر يحمد ، فلكلِّ أمةٍ من المراجع والمصادر الأصلية ما يصوغ الهوية الفكرية والسياسة ، وهو ما اصطلح بعض النظار أن يطلق عليه لقب "العرق التاريخي" ، فهو عرق يجاوز العرق الإثني المتداول في علم الاجتماع ، فَثَمَّ عرق يمتزج فيه الفكر بالحس ، فهو مجموع متراكم لقيم ومبادئ تشكل الهوية الثقافية لأي أمة ، فوحدته وتماسكه أمر يحمد ، لا سيما إن كان يأرز إلى مرجع محكم ، ولكن ذلك ، في المقابل ، لا يَسْتَلْزِمُ الغلو في التقليد على وجه يُعَطِّلُ ملكات النظر والنقد التي رَكَزَهَا الله ، جل وعلا ، في العقل الصريح ، فلا بد من مرجع محكم قد صَحَّ نَقْلُهُ ولا بد من فقه محكم قد صَرُحَ عَقْلُه ، فنقل صحيح وعقل صريح وقصد رشيد مبدأَ الطلبِ فهو يروم الحق بدليله فتلك ضالته التي يَنْشُدُ فإذا وجدها سلك جادتها في العلم والعمل واستمسك بها واستعصم ، ولم يكن للطائفة الشيعية من هذا المعنى إلا وحدة ظاهرية تقوم على التقليد المذموم الذي يُعَطِّلُ ملكات النفوس في البحث والنظر ، فهي تكرس التبعية المطلقة للسلطة الدينية التي تحولت إلى سلطة ثيوقراطية تحكم باسم الله ولا تحكم بِوَحْيِهِ ، فَثَمَّ هيئة دينية ذات بناء هرمي تَرَاتُبِيٍّ تحكم السيطرة على أتباع المذهب ، فهي تمارس الاستبداد باسم الدين والمذهب ، ولا تروم هداية الخلق حقا إلا أن يواطئ الحق ما تهوى أو يهادنه فلا يهدد مكتسباتها الأدبية والمادية ، فحظوظ الآيات والمراجع المعنوية والمادية حظوظ كبيرة تجعل هذا المنصب مغنما يمنح صاحبه صلاحيات واسعة وحياة هَانِئَةً ، فليست الوحدة الظاهرية في هذا المثال تجزئ إلا في تحقيق مآرب سياسية براجماتية كالتي أرادها بول بريمر ، فالشيعة يملكون عنوانا دينيا وسياسيا واحدا ففتوى المرجع ألا يُقَاوَمَ الاحتلال على سبيل المثال ، فتوى واجبة النفاذ تحمل أتباع الطائفة من الجند النظامي أو الشعبي أن يُلْقِيَ سلاحه وإلا خالف عن حكم المرجع فذلك ما يؤذن بالفتنة أو العذاب الأليم فالمرجع قد صار مصدر فَتْوَى جاوزت الحد فهي شَرْعٌ مُلْزِمٌ ، وهي فرض العين على كُلِّ مُقَلِّدٍ ، فَثَمَّ فَرْضٌ أول أَنْ يُقَلِّدَ التَّابِعُ مَرْجِعًا ، وهو ما أُشْرِبَ معنى العصمة وإن لم يصرح التابع أو المتبوع ، بل ثم تصريح ضمني بعصمة المرجع الديني الأعلى الذي يَتَوَلَّى منصب الإرشاد ، فهو نائب عن ولي العصر ، فالولي الفقيه النابه نائب عن الإمام المعصوم الغائب ، وذلك ما يكسبه وصفه ، ولو ضِمْنًا ، فنائب صاحب العصمة يحظى بداهة بِقِسْطٍ منها يجعل تقليده واجبا بل فرضا ناجزا ، فلا يقتصر على الجواز المجرد في حق من لا يملك أهلية النظر والاجتهاد ، ولا شك أن هذا العنوان السياسي الواحد قد حقق للثورة مكاسب كبيرة على الأرض ، فقد نجحت الثورة الإيرانية أن تعيد إنتاج الهوية المركبة من العرق والمذهب ، مع إقامة كيان سياسي محكم يعبر عن هذه الهوية ، فلم يخرج القوم عن نظرية "العرق التاريخي" ، المجموع المتراكم من القيم والمبادئ الذي يحول الجمهور إلى شعب ، كما يحكي بعض الباحثين في علم الاجتماع ، فالجمهور الذي يَتَّسِمُ بالعشوائية والاضطراب يخوض مراحل من الاندماج والانصهار في بوتقة الفكرة الجامعة ، أو المثل الأعلى ، كما اصطلح بعض الباحثين ، فلكلِّ أمةٍ مَثَلٌ أعلى ، وذلك ما يحفظ الخصوصية الذاتية ، بغض النظر عن صحة هذا المثل أو فساده ، فمحل الشاهد هو التَّبَايُنُ التَّامُّ بين الأعراق التاريخية ، فلكلِّ أمةٍ عرق تاريخي ، فالشرق له عرق تاريخي مثله الأعلى هو الإسلام كما قال لورانس العرب ، ضابط الاستخبارات البريطاني وهو يتوجه إلى الصحراء العربية فكان السؤال الذي شغله وهو يخوض هذه المغامرة : هل يمكن للعرب أن يَتَخَلَّوا عن الإسلام مثلهم الأعلى الذي شيدوا حضارتهم على قواعده وأحكامه ويستبدلوا الفكرة القومية العربية به كهوية جديدة أو عرق تاريخي جديد يَنْسَخُ مَا تَقَدَّمَ ، ولئن نجح لورانس في ذلك فهو نجاح جزئي سارع من وَتِيرَتِهِ ما كان الشرق يشكو منه ولا زال مِنْ انهيار يحكي سُنَّةً أخرى في قيام الحضارات وانهيارها ، فَقَدْ بَلَغَ الشرقُ الغايةَ الحضاريةَ العظمى في عصوره المزدهرة ، وَكَانَ حَقًّا أَنْ يَبْدَأَ في الانحدار ، كما تقدم من صحيح الآثار : "إِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ" ، فالشرق الآن في مرحلة تَرَاجُعٍ ، وهو ، مع ذلك ، لا زال يملك مادة العرق التاريخي الذي يعيد به البناء الحضاري ، فَإِرْثُ الوحي المحكم محفوظ وتلك عِدَةُ المعبودِ جل وعلا : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، لا جرم كان استهدافه المباشر في هذه الآونة إن من المركز وهو العقل المدبر ، أو من وكلائه الوظيفيين فهم أدوات التنفيذ المباشر مع ما احتملوا في صدورهم من غل هائل يجاوز في أحيان كثيرة الغل الذي احتمله المركز للوحي المنزل ، فثم وكلاء وظيفيون قد صاروا ملكيين أكثر من الملك أو مركزيين أكثر من المركز في مزايدة سياسية رخيصة لا تخلو من تكلف يستنكفه كل حر ولو كان خصما للوحي ، فالمزايدة خلق مذموم واضرب له المثل بمن يُبَالِغُ في المدح حتى يخرج إلى الإغراق والغلو ، فالممدوح نَفْسُهُ يَتَحَرَّجُ من هذا التكلف ، فالناظر الآن في خطاب الوكلاء الوظيفيين في الشرق يجد من التهم المكِيلَةِ للوحي ما لم يجرؤ المركز على كيله ، فهو أشد توقيرا للوحي من أولئك الذين يَنْتَسِبُونَ إليه جسدا بلا روح ، عِرْقَ حسٍ بلا معنى ، فليسوا من حملة العرق التاريخي لحضارة الشرق وإن كانوا من أبنائه بُنُوَّةَ النشأةِ لا بُنَوَّةَ الفكرةِ ، وهو محل الشاهد في هذا الباب ، فَلَئِنْ سُلِّمَ أن عِرْقَ التاريخ الذي تأرز إليه الحضارة الغربية ، وأن نظيره الذي يأرز إليه مشروع سياسي كالمشروع الفارسي المذهبي ، وَأَنَّ ثَالِثَهُمَا الَّذِي تأرز إليه الحضارة الصينية ...... إلخ ، فَلَئِنْ سلم بصحتها جميعا في نفس الأمر ، فهي قواعد قامت عليها حضارات وأطروحات تلائم البيئة التي نشأت فيها ، فلا يمكن فرضها على الشرق المسلم كَرْهًا كما يرى النَّاظِرُ الآن من مشاريع الْعَلْمَنَةِ الإجبارية التي تروم سلخ المجتمعات من هَوِيَّتِهَا بِمَشَاهِدَ فجة تخاطب غَرَائِزَ الحس بذريعة الانفتاح المفاجئ الذي يفتقر إلى الحكمة ولو في إفساد المجتمع ! ، فلا يمكن حمله على نمط آخر يخالف عن عرقه التاريخي ، لا يمكن ذلك دفعةً وإن آتى بعض أكله جريا على نظرية الصدمة التي تختزل المراحل ، فهي ، من وجه آخر ، تذكي في المجتمع روح المقاومة لهذا الصائل الأهوج على هوية الوحي المنزل ، وفي ظل هذه الفوضى التي غاب فيها صوت العقل فضلا عن صوت الوحي ! ، تَنْشَأُ رُدُودُ الأفعال الحادة ، فإن المبالغة في إكراه الناس على ما يخالف قِيَمَهُمْ قد يحملهم على الغلو في الطرف الآخر ، فَيَنْصَدِعُ بُنْيَانُ المجتمع إذ يصير على فريقين يَتَنَاجَزَانِ قد قَصَدَ كلاهما طَرَفًا ، وخالف الاثْنَانِ مَعًا عن جادة الوسط المحكم ، وذلك قانون يطرد في جميع المسائل الدينية والأخلاقية والسياسية ، وهو قانون يستغرق الفيزياء كما الطبائع والأخلاق ، فلكلِّ فعلٍ رَدُّ فِعْلٍ يساويه في المقدار ويضاده في الاتجاه ، فلا يجد الناظر المنصف في حال الشرق الآن ، لا يجد الحل إلا أن يُرَاجِعَ الشرق مصدر حضارته التي شكلت عرقه التاريخي الجامع فشعوب المنطقة قد انصهرت في بوتقة الوحي فَأَفْرَزَتْ هذه الحضارة المتراكمة التي لا يمكن تجاوزها بضربة سياسية أو اجتماعية مفاجئة ، وإذا كان الغرب يُنَاجِزُ خصومه فَهُوَ يَتَأَذَّى من أي تدخل في أنماطه الأخلاقية والاجتماعية ، فَيَرَى قطعة من القماس تغطي الرأس ، يَرَاهَا خطرا يهدد الهوية العلمانية المستقرة التي بذلت أوروبا في سبيلها الدم والمال والجهد حتى استقرت وصارت هي العرق التاريخي الذي يشكل هوية المجتمع ، فَلْيَتْرُكِ الشرقَ ، ولو من باب الإلزام فذلك من المحال إذ التدافع بين الحضارات سنة ربانية جارية ، فَلْيَتْرُكِ الشرق يستقل بِعِرْقِهِ التاريخي ويقيم حضارته ويناجز عنها ، فعلام يستنكر مدافعة الشرق عن هويته ضد أي نمط وافد ولو في تفاصيل الحياة ، فأوروبا تصنع ذلك وأكثر فهي حريصة كل الحرص على نقاء الهوية العلمانية من أي شائبة دينية ، فلا تَتَسَامَحُ مَعَ أي خطر يهدد قيمها السياسية والاجتماعية ، فليكن الحكم واحدا فلا يكون ذلك حلالا للغرب حراما على الشرق ، فضلا أن يجاوز الغرب الحد فَيَرُومَ فَرْضَ قِيَمِهِ على الشرق كَرْهًا استنادا إلى قوة الغالب ، وهو ، مع ذلك ، ينكر على الإسلام تاريخَه الفاتح ، فإذا كان الغزو حراما مطلقا ! ، فَلْيَكُنْ حراما على الاثنين ، الشرق والغرب ، فكما يستنكر الغرب تاريخ الإسلام السياسي والعسكري وَيَرَاهُ تدخلا سافرا في شئون الآخرين ، فَلْيَكُفَّ ، ولو من باب الإلزام ، عن التدخل في شئون الشرق الخاصة ، فلا يفرض عليه ما يخالف عن قيمه وأخلاقه .
    وقد كان الغرب زَمَنَ الفتحِ الأول يحتل الشرق : الشام ومصر والساحل الإفريقي وكان يفرض مذهبه الملكاني بحد السيف وكان منه التدخل السافر في أدق تفاصيل الحياة ، وهو في العصر الحاضر قد شن غارته الفكرية والسياسية والعسكرية واصطنع من المجموعات الوظيفية ما يناجز به الشرق في أخص أوصافه ، وصف الرسالة ، فالإلزام يستوجب فض الاشتباك بين القبيلين ، فالشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا أبدا لا في فكر ولا شرع ولا سياسة ولا حرب ، فإذا التزم الغرب مبادئ الحيادية والحرية وِفْقَ ما يعتقد ، فَلْيَدَعِ الشرق وما يعتقد ! ، فَلَا يَفْرِضْ عليه قِيَمَهُ العلمانية كَرْهًا ، مع أنه لا يُكْرِهُهُ إلا على أسوإ ما فيها ، فلا يكرهه ، بداهة ، على الحرية السياسية ، وإنما يكرهه على الحرية الدينية والأخلاقية المنفلتة ، فلا يكون دفاعه إلا عن حقوق الشرق في الإلحاد والانحلال ! ، ولا يكون الانفتاح ، كما يَرَى الناظر الآن في بعض أمصار الشرق ، لا يكون إلا انفتاح الترفيه والرقص ! ، وكل أولئك من باب الإلزام لا أكثر ، وإلا فالمدافعة قَدَرٌ كَوْنِيٌّ نافذ ، وهو سنة ربانية جارية فلا يوجد اثْنَانِ في الكون يَتَخَالَفَانِ وهما مع ذلك يَتَجَاوَرَانِ إلا وهما يَتَدَافَعَانِ غَالِبًا أو يَتَهَادَنَانِ نادرًا ، وكلٌّ يَزْعُمُ أنه على الحق وَأَنَّ مخالفَه على الباطل ، فلا يحسم النِّزَاعَ بَيْنَهُمَا إلا مرجع يجاوز من خارجهما ، فلا بد من معيار محكم يُقَاسُ به الاثنان فلكلٍّ حجج في الفكر والنظر ، ولكلٍّ مسلك في السياسة والحرب ، ولكلٍّ تاريخ يشهد أي الفريقين أحق بالأمن ، فـ : (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ، وإذا كان التَّدَافُعُ قَدَرًا نافذا فَلْيَتَحَرَّ المتدافعان العدلَ وإن تَبَاغَضَا وليقوما بالحق وليشهدا بالقسط ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) .

    والله أعلى وأعلم .


  8. #8
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:09-11-2019
    الساعة:06:47 AM

    المشاركات
    4,884
    العمر
    41

    والقوة العسكرية الحديثة ذات البناء الهرمي ، محل الشاهد ، هي ، لو تدبر الناظر ، ماكينة إنتاج السياسة في مصر من 200 سنة أو يزيد ، من لدن محمد علي باشا : أول اختراق نوعي لهوية الشرق المسلم ، وإن شئت الدقة فقل أول مظهر من مظاهر هذا الاختراق ، فهو اختراق ناعم متدرج لم يكن ، بداهةً ، دفعةً ، وإنما يمكن التأريخ له ، أيضا ، بِتَوْصِيَاتِ لويس التاسع بعد فشل الحملة الصليبية السابعة 647هـ ، فهي لحظة الانكسار العسكري المتسرِّعِ الذي يُوَاجِهُ أُمَّةً لا زالت تحتفظ بحد أدنى من الهوية المتماسكة مع ما ذاع في هذه الحقبة من فوضى فكرية بلغت الذروة إبان سقوط البيت المقدس 492هـ إذ كانت المذاهب الباطنية ذائعة الصيت في مصر والشام ، فكانت لها الدولة في مصر وأجزاء من الشام ، مع ما كانت تشكوه آنذاك من ضعف سياسي لا سيما بعد انقسام المرجعية الأيديولوجية السياسية بعد وفاة المستنصر الفاطمي 487هـ ، فكان الانقسام المذهبي السياسي على ما اطرد في كل مقال محدث فإنه لا يَنْفَكُّ يَنْشَطِرُ على أنحاء فالنواة تصير على أنوية ولا تَزَالُ الانقسامات تَتْرَى تصديقَ قولِ الرب الأعلى عز وجل : (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، فأغرى ، جل وعلا ، العداوة والبغضاء بين من نسي حظا من الوحي ، وتنكير اللفظ "حظا" في سياق الإثبات مئنة من الإطلاق ، كما يقول أهل الأصول والبلاغة ، فَيَصْدُقُ فِي أَقَلِّ حظٍّ ، ولو في فرع من الفروع على وجه يطرد وينعكس ، فكلما نسي الجمع حظا من الوحي ظهر ما يعدله من العداوة والبغضاء في الفكرة وهو ما يظهر تأويله في الحركة ، ومنها حركة السياسة والحرب ، فهي التأويل المباشر لانشطار المرجعيات الفكرية ، إذ مبدأ الحركةِ فكرةٌ ، وهو ما فطن له لويس التاسع ، فالقوم مع ما أصاب فكرتهم من النقص والانحراف إلا أنهم لا زالوا على الأصل المحكم ، وإن ضَيَّعُوا ما ضَيَّعُوا من الفروع ، مع ما حدث فيهم من مقالات صدعت المرجعية الواحدة ، فأصحابها ممن يصدق فيهم أنهم : (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ، فكان من التفريق ، ولو تدبر الناظر لفظه لوجد فيه التضعيف : تَضْعِيفَ عين الفعل وهو الراء في "فرَّق" وهو مئنة من المبالغة إذ زيادة المبنى بالحرف المضعَّف تحكي زيادة تضاهيها فِي المعنى ، فَالتَّفْرِيقُ أشد من الْفَرْقِ ، فهو دليل الإمعان والتمكن من الفعل فمن قَطَعَ الشيء فَقَدْ يقطعه بلا نكاية تُؤَثِّرُ في المقطوع وقد يَقْطَعُهُ مرةً لا ثاني لها ، وأما من قَطَّعَ الشيء فإنه ينكي فيه ويؤثر، فيكون تَقْطِيعُهُ أَشَدَّ أَثَرًا من القطع المجرد ، فضلا عن دلالة التكثير فالتفريق يكون على أنحاء كثيرة ، فقد انشعب المقال الواحد على أنحاء وذلك تصديق الخبر الصادق : "أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ" ، وإن لم يخل ذلك ، من وجه آخر ، من استدراك ، فإن هذا الانقسام مع ما أحدثه من نَقْصٍ في الدين وفساد في المرجعية الفكرية والسياسية فرعا عما تقدم من إغراء العداوة والبغضاء ، فإن هذا الانقسام لم يكن حال الجمهرة العظمى في بلاد الشرق ، فكان جمهورهم على ما أصابهم من فتور وتقاعس لاسيما بعد ذيوع الإرجاء والتصوف المتأخر الذي غلا في الرياضة والزهد فصار طاقةَ سَلْبٍ تقعد الناس عن الأخذ بالأسباب الدينية والدنيوية وتلجئهم إلى التقليد المذموم فلا تجديد يأرز إلى أصول محكمة ولا أخذ بالأسباب طلبا للقوة والسيادة ، في مقابل ما كان من الخصم الذي اجتهد في استقراء السنن الكونية وتوظيفها في تحقيق الرفاه في العيش ، والمكنة في السياسة والحرب ، فلم يكن ثَمَّ تصور يجاوز هذه الدار استنادا إلى ثورة العقل العلماني على الكهنوت الديني فكان ثورة باطل على مثله ! ، فلم تخل من طفرة تقنية في مقابل ما أصاب البلاد الشرقية من الخمول والكسل ، وليس ثَمَّ بَيْنَ الله ، جل وعلا ، وبين عباده نسب إلا الطاعة والأخذ بالسبب ، والشرق آنذاك قد أصابه الفتور في الدين والدنيا فذاع الفهم الخاطئ لتعاليم الوحي النازل ، وكان الغلو في الزهد والرياضة مع انفصام تَزَايَدَ بين الوحي والسياسة ، لا سيما في الأعصار المتأخرة فالدولة العثمانية من لدن نشأتها كانت على منهاج التصوف ولم يخل أمرها من غلو ، ولكن فتوتها في السياسة والحرب مطلعَ ظهورها قد حجب هذا النقص في الأيديولوجيا والفكر حتى بلغت الدولة ذروتها بعد فتح القسطنطينية وما تلاه من أعصار النظم الإدارية والعسكرية المحكمة زمن السلطان سليمان القانوني وبعد اكتمال القمر بَدْرًا يكون النقص وهو ما أظهر مكامن الضعف في الأيديولوجية الصوفية التي انْتَحَلَتْهَا الدولة وأعطت لشيوخها من التصدر والرياسة ما بَلَغَ في أحيان حد القداسة في غلو مذموم صرف الناس عن الدين الحق ، فاشتغل المجتمع بطقوس جُرِّدَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ مَضَامِينِهَا الرسالية فضلا عما أُحْدِثَ من الطقوس الصوفية ، فانصرف المجتمع عن دوره الفاعل في الشأن العام ، فقد صار ذلك حكرا على الباب العالي والصدر الأعظم وقادة الإنكشارية ..... إلخ ، مع ما احتدم من صراع على السلطة ضعف فيه دور الدين وإن لم يبلغ حد الإقصاء التام مع ما كان بعد ذلك من خيانةِ الفكرة وَالتَّبَعِيَّةِ الوظيفية لأخرى وافدة ، فلم يكن ذلك إلا أواخر الدولة وقد آتى الانحراف الأيديولوجي والسياسي أُكُلَهُ ، فكان نسيان حظ من الوحي لَا يَزَالُ يَتَعَاظَمُ مع فتنة بما وَفَدَ من القيم والأفكار من بلادٍ كانت بالأمس مغلوبة فأخذت بالأسباب فصارت غالبة لم تَزَلْ في صعود سياسي وعسكري مع طفرات تِقَنِيَّةٍ في مقابل خمول الشرق الذي أورث السلطةَ فِيهِ تَرَهُّلًا وانحرافا عن الطريقة الرسالية المحكمة ، فقد تَسَلَّلَتِ العلمانية إلى المجتمع قبل أن تظهر كاصطلاح محدث ، إذ كان انصراف المجتمع عن الشأن العام وقصر التدين على دائرة الاعتقادات والنسك مع ما طَالَهَا من محدثاتِ القول والعمل ، فاشتغل الناس بالرياضة والتصوف مع ما ذاع من الإرجاء ومقال الكلام المحدث في الإلهيات على وجه جاوز تقريرات المتقدمين من أئمة المتكلمين الذين يَنْتَسِبُ إليهم أئمة ذلك العصر إلا آحادا مقموعين قد تحملوا من مقال السنة ما درس فالناس قد درجوا على خلافه فصارت المحدثة سنة ، والسنة محدثة غريبة وأهلها مثلها فهم الغرباء في أعصار الانحسار والضعف ، فلا يكون ضعف في السياسة والحرب إلا وقد تَقَدَّمَهُ مِثْلُهُ في الفكر والشرع ، وذلك ، كما يقول بعض المحققين ، وصف الشرق أبدا ، فإن ظهوره وعلو شأنه يقترن دوما بسلوك الجادة الرسالية فإن عدل عنها كان الانحراف الفكري الذي يفرز الضعف السياسي والعسكري ، وهو ما لحق الدولة العثمانية أواخر أيامها ، وإن كان الجمهور الأعظم على المقالة الأولى ، وإن أصولا ، فلا يزال أهل السنة وهم نواة الإسلام الصلبة ، لا يزالون أبدا الجمهرة العظمى ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، سر استهدافهم الآن بالتقتيل والتهجير فضلا عن استهداف أديانهم بذريعة التجديد وأخلاقهم بذريعة التحديث والتمدين ، فلا زالوا هم الجمهرة العظمى على ما نسوا من حظ بل وحظوظ ولكنها لم تبلغ أبدا ، ما نسيت الفرق المحدثة فنسيانها أعظم لا جرم كان افتراقها أعظم ، كما تقدم من نسيان الباطنية الإسماعيلية حظا من الدين عظيما بَلَغَ حَدَّ المروق من أصل الديانة بما كان من غلوهم في التعطيل في الإلهيات والنبوات ، فلم يَزَلْ مَقَالُهُمْ فِي تَفَرُّقٍ ، فكان انقسامهم بعد وفاة الخليفة المستنصر ، فصاروا على نِزَارِيَّةٍ تُعَارِضُ ، نسبة إلى نِزَار الابن الأكبر للخليفة المستنصر وهو الأولى بالولاية طبقا لقاعدة المذهب ، ومستعليةٍ تحكم ، نسبة إلى المستعلي وهو الأصغر الذي قدمه الوزير القوي الأفضل بن بدر الجمالي لِتَسْهُلَ سيطرته عليه بعد صيرورة الأمر إلى الوزير وانتقال الخلافة الفاطمية من عصر الخلفاء إلى عصر الوزراء ، وبينهما ، أي النِّزَارِيَّةُ والمستعلية ، ومن بعدهما الحافظية وَالطَّيِّبِيَّةُ وهما مما تَفَرَّعَ عن المستنعلية ! ، بَيْنَهُمَا من الخصومة ما يعظم وإن كان مقالهم واحدا فليس أصلا محكما ليسلم من المتشابهات التي لم تَزَلْ تَتْرَى واحدة بعد أخرى ، فاجتمعت في النِّزَارِيَّةِ الباطنية السوأتانِ ، فحشفا وسوء كلية ، فانحراف في السلوك بما يَتَعَاطَى القوم من مخدر محسوس وما يُقَارِفُونَ بعده من الفجور ، وانقسام في الأيديولوجيا والمرجعية الفكرية مع فسادها الذي بَلَغَ حد الإلحاد ! ، فَلَيْتَهُمْ كانوا فيه على كلمة سواء ! ، وليس ذلك بممكن ، فإن طبيعة الانقسام في الفكرة إن حادت عن الجادة المحكمة أنه انقسام سَرَطَانِيٌّ مُتَسَارِعٌ ، فتَنْشَعِبَ بها السبل ، وذلك ما حذر منه الوحي فَنَهَى عن اتباع السبل المحدثة التي تخالف عن صراط الرسالة المنزلة ، فـ : (أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، فذلك انقسام بدهي وانشطار تِلْقَائِيٌّ لا يَفْتَقِرُ إلى مُحَفِّزٍ ، إذ ليس ثم أصل محكم يأرز إليه المنقسِمون إذا انقسموا ، بل حالهم حال الفرح المذموم ، فـ : (تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ، والتَّقَطُّعُ ، كما تقدم من التَّفَرُّقِ ، فَفِيهِ أيضا من تضعيف عين الفعل "قطَّع" ما يدل على زيادة في المعنى فهو مئنة من استحكام الفعل وتكراره فكان التَّقَطُّعُ على أنحاء كثيرة مع اختلاف الطريقة ، فكان الانقسام في المرجعية الفكرية ، وهو ما أورث الحزبين الجديدين : المستعلية والنزارية عداوة وبغضاء تعظم ، فكان انحياز أحدهما إلى فارس شرقا فأنشأ دولة تشبه أن تكون مثال مبكرا للكيان الوظيفي فقد احترفت الاغتيال السياسي بلا بُعْدٍ أيديولوجي فمن استأجرَها استعملَهَا في اغتيال خصومه نظير ما يَبْذُلُ من أجرة ، مع احتفاظها بقدر من الأيديولوجيا يكسوها لحاء أخلاقيا في سياق التبريرِ لما تقارف من جرائم ، والتجنيدِ لمن تدرب من صنائع احترفت القتل فهي تدين بالولاء المطلق للزعيم الملهم ، الحسن الصباح ، الذي صار إلها يُسْأَلُ لذة الجنان التي اصطنعها تحت تأثير المخدر الذي يحدث النشوة في نفوس الشبيبة الطالبة للذة ، فهم جمهور الدولة الوليدة ، فلا بد من السيطرة عليهم سيطرة تامة : سيطرة العقل بما يروج فيهم من مخدرات سواء أكانت محسوسة أم معقولة ، فكان من مخدر الحشيش ما اشتهر في دولتهم حتى اشتق لهم منه لقب مشهور في تاريخ الشرق المسطور ، لقب الحشاشين ، وكان من مخدر المعنى مخدر الزعامة السياسية الأسطورية فَثَمَّ واحد لا شريك له ، فلا غيره يُدْخِلُ الشبابَ الجنة التي يَنْعَمُونَ فِيهَا بِلَذَائِذِ الحس ، وإن كان فُجْرًا وَعُهْرًا ، فحاجتهم إلى المخدر تَتَعَاظَمُ حتى تَبْلُغَ حَدَّ الإدمان فلا يطيقون الإقلاع عنه ، وهو ما يجعلهم يلتصقون أكثر بالمرجعية التي تمنحهم هذه الامتيازات الجسدية ، فكان ما اشتهر من غلوهم في الحسن الصباح فهو أصل الفكرة وصاحب الجنة ! ، فلا يَنْفَكُّ ذلك يقترن بصورة فاسدة مَنْشَؤُهَا الغلو والتعصب في الزعيم الخارق ، فَلَهُ ، كما يقول بعض من صنف في سلوك الجماهير ، له أوصاف قياسية في كل دولة ، فهو خارق للعادة ، قوي يخاف الأتباع بطشه وإن لم يكن إلا العنف الذي يحجب هشاشة الفكرة حِينًا فلا تنفك تظهر بعد زوال الهيبة وارتخاء القبضة ، وهو حكيم لا يُنَاقَشُ ، فَثَمَّ خضوع أعمى لأوامره فمن ذا يجرؤ على الاستدراك أو المراجعة فلا يصنع ذلك إلا مَنْ نَقَصَ ولاؤه فدينه ناقص بل وباطل في أحيان ! ، فهو الخائن لمرجع القيم والأفكار ، فلا يصح الولاء المطلق لصاحب الفكرة أو الدولة إلا أن يَتَجَرَّدَ الناس ، أفرادا وجماعات ، من خاصة العقل الذي يميز ، فَيَتَخَلَّوا طَوْعًا عن مناط التفضيل ! ، تفضيل بني آدم على سائر الأنواع ، فقد طابت نفوسهم أن يصيروا قَطِيعًا يُسَاقُ ولو إلى الذبح فالجميع وراء صاحب الأمر والنهي ، فكان الحسن الصباح يأمر الجند أن يَنْحَرُوا أنفسهم في حضرته ، فمنهم من يطعن نفسه ومنهم من يَتَرَدَّى من شاهق ، فلا يطيق أحد المخالفة عن أمر الزعيم الخالد ، فثم رغبة عارمة في تحمل دينه الجديد ونشره في العالمين طوعا أو كرها ! ، وثم مسارعة في نبز كل من يخالف أنه خائن للفكرة والدولة والشرعة ..... إلخ ، فتلك ، كما يقول المصنف آنف الذكر ، تلك صفات الألوهية التي تخلع على الإله سواء أكان صنما محسوسا في الخارج أم كان بطلا أو زعيما يحسن يستثير في الناس غرائزهم ، ترغيبا أو ترهيبا ، فيفسد أديانهم وأخلاقهم وَيُقَطِّعٌ أرحامهم إذ جاء بما يفرق بين المرء وزوجه من سحر الدعاية والإعلام وما يَعِدُ به الناس من اللذات والمباهج ، فلا يمكنه السيطرة على الجمهور إلا أن يصطنع فكرة ترغب أو أخرى ترهب ، فثم عدو يَتَرَبَّصُ وهو بداهةً ! كُلُّ من يخالف عن حكومته ، فَصَفُّ الجمعِ في مدافعته واجبُ الوقت وإن صَفَّ الجمعِ قَطِيعًا لا يَفْقَهُ ، فَيُجْزِئُ في الفقه أَنْ نَابَ عنه الزعيم في الفكر فهو الفقيه المجتهد في الدين والسياسة والحرب ..... إلخ ، فجاز لأهل التقليد أن يعطلوا عقولهم ويطيعوه ولو أضلهم فحالهم يوم الحشر حال مَنْ يَدْعُو : (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) ، وإن كانوا أهلا للاجتهاد والنظر ، فتقليدهم في هذه الحال يذم ، فلا يقلد إلا العاجز عن التدبر ، بل المقلد إذا أخلص القصد في طلب الحق فَلَجَأَ إلى الدعاء وَأَلَحَّ في السؤال أَنِ : "اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" ، فإذا كانت تلك حاله فَمَا ظَنُّهُ بِرَبِّ العالمين ، جل وعلا ، وَقَدْ رَكَنَ إليه ، وإنما حُجِبَ وَأُبْعِدَ أن كان ثَمَّ حظُّ نَفْسٍ يَعْظُمُ أو يَصْغُرُ مع كِبْرٍ يأبى صاحبه الإقرار بالخطإ ، وفجورٍ في الخصومة يُفْسِدُ الرأيَ والود وَيُصَيِّرُ الجمعَ على أشتاتٍ بما أغري فيه من الخصومات والعداوات ، فتلك خاصة المجتمع الجاهل الذي فَسَدَ تَصَوُّرُهُ بالمخدر ، فكان من مخدر المعنى صورةُ إلهٍ يُعْبَدُ تَصْنَعُهَا دعاية لا تَرْعَوِي ، فَلَهُ في كل بلد هيكل ، وله في كل ميدان تمثالٌ يُذَكِّرُ الناسَ بألوهيته ، فتلك رسالة سياسة لا تخلو من تكليف ديانة ! ، فصاحب التمثال هو المرجع إذ هو الحاكم الحكم المطلق فاستبداده قد جاوز حد القمع للأبدان فهو الصانع للقيم والأفكار وهو المجدد للمذاهب والأحكام ...... إلخ ، ولعل ذلك ما يدل على إحكام النهي عن اتخاذ الصور والتماثيل ، فإن من نظر بادي الرأي فَقَصَرَ الأمر على سد الذريعة أَنْ تُعْبَدَ العبادةَ الصريحة فقد صار ذلك الآن نادرا بل ومحالا في ظل سيادة الحضارة والتمدن فلم يدرك من العبادة إلا ما صرح من ركوع وسجود ..... إلخ ، فلا يخلو رأيه من سذاجة وقلة فقه ، وهو ، لو تدبر الناظر ، من آثار الإرجاء المحدث الذي مهد للعلمانية المعاصرة أَنْ قَصَرَ الإيمان على الاعتقاد والقول فأخرج العمل من مسمى الإيمان ، فذلك من جنس ما صنعت العلمانية المعاصرة إذ أخرجت الحياة من مسمى الدين في صورتها الكلية ، كما اشتهر من تقرير بعض المحققين إذ جعل العلمانية على ضربين : كلية وجزئية ، فأخرجت الحياة كلها من مُسَمَّى في صورتها الكلية ، وأخرجت السياسة والحرب والاقتصاد وسائر الشئون العامة من مسمى الدين في صورتها الجزئية التي لا تمانع في ممارسة الشعائر التعبدية بل وتجعل احترامها وتوقيرها حتما لازما فَتُوَفِّرُ لَهَا الغطاء الأخلاقي والقانوني وتحميها بقوة نافذة ، ولكنها ، بداهة ، لا تجاوز بالدين هذا السقف ، فلا دور له في سياسة أو حرب إذ لا يُغْرِي في العادة إلا العداوة والبغضاء ! ، وإن نطق الوحي أن نسيان الحظ منه هو الذي يغري العداوة والبغضاء في الجمع ، وهو ما يزيد إن زَادَ الحظ الْمَنْسِيُّ ، حتى يَبْلُغَ حَدَّ النقض الكلي لأصول الدين المحكمة ، كما تقدم من حال المقالات الحادثة في الديانة الخاتمة ، فكلما كان الافتراق في أصل من الأصول فضلا أن يكون في أصل الأصول ، أصل التوحيد الذي أجمعت عليه النبوات ، كلما كان الافتراق في ذلك كانت العداوة والبغضاء أعظم ، وهو ما يجاوز الأديان إلى الأبدان فيكون الاقتتال الذي يفسد الحال والمآل وبه انهيار الدول والممالك ، فلا يحفظ بَيْضَتَهَا ، لو تدبر الناظر وأنصف ، إلا منهاج الوحي المنزل الذي يزعم خصومه في الشرق والغرب جميعا ! ، أنه سبب الشر في هذا العالم ، وهو الكلمة السواء التي بها زوال الخصومات في الفكر والسياسة ، إذ تُرَدُّ العقول الناقصة بما يَطْرَأُ من آفات وما يكون من حظوظ وأهواء باعثها الحاجات الجبلية ، تُرَدُّ جميعا إلى الطريقة الرسالية المحكمة ، فلا يحسم الخصومة بَيْنَ الأهواء والحظوظ إلا كِتَابٌ من السماء يحكم فيما اختلفت فيه من خصومات الأرض فَلَوْ رُدَّتْ إلى العقل فلكلٍّ ، كما يقول بعض المحققين ، لكلٍّ عقلٌ ولكل ذوقٌ فلا تَزَالُ الخصومة في استحكام ولا تَزَالُ المذاهب في الفكر والسياسة .. إلخ لا تَزَالُ في انشعاب ، فذلك تأويل في الواقع لَمَا تَقَدَّمَ من حديث الافتراق الطارئ : "أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ" ، فالأصل واحد ، وإنما أحدث من أحدث ما به انشطر المرجع الأول ، مرجع التوحيد إذ : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، فكانوا على التوحيد ثم كان من الاختلاف ما لأجله أُرْسِلَتِ الرسل وَأُنْزِلَتِ الكتب ، فـ : (بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ، فَنَزَلَ الكتاب يجدد ما اندثر من آثار التوحيد ويسن من العدل ما به إحكام التشريع فلا يكون ذلك إلا إذا كان المرجع واحدا محكما قد سلم من آفات النقص وحظ النفس فلا يكون بداهة إذا كان المرجع صاحبَ التمثال والصورة التي تُذَكِّرُ النَّاسَ أبدا بحكومته الجاثمة على الصدور ، القاهرةِ للعقول بما تُرَوِّجُ من فكرة باطلة ، القامعةِ للنفوس بما تَسُنُّ وَتُنْفِذُ من حكومة جائرة ، فذلك فساد الأولى والآخرة ، وإن زعم صاحبه أنه مجدد أديان أَوْ رائد عمران ، أو كلاهما معا ، فلا دِينًا يُعَظِّمُ ولا عمرانا يُشَيِّدُ ، فليس إلا الخراب المستعجَل ! ، وليس إلا الانقسام والتشرذم وفساد ذات البين يما يُغْرَى من عداوة وبغضاء وما يُعَطَّلُ من الوحي فَيَنْسَى الناس منه حظا بما أحدثوا من الباطل فلا يُرْفَعُ حَقٌّ وإلا قد أُحْدِثَ ما يَعْدِلُهُ من باطل ، وليس يملك صاحبه من أدوات الحكم إلا ما امتلك الحسن الصباح قبله ! ، فثم آلة دعاية وإعلام تفسد الفكرة بما تحدث من النحلة ، فتلك الشبهة التي يُعَارِضُ بها محكمات الوحي والعقل ، وثم شهوة يُخَاطِبُ بها غَرِيزَةَ الحسِّ فإذا حضرت سكرتها غابت فكرتها ، فهو يمنح أتباعه من لذة الجاه والرياسة والثروة ولذة الجسد ما يحكم ولاؤهم فقد صار دِينَهُمْ ، صرحوا أو لم يصرحوا ، فمركز العطاء والمنع ربوبيةَ تَدْبِيرٍ ، ومركز الأمر والنهي ألوهيةَ تَشْرِيعٍ ، كل أولئك قد صار للحسن الصباح ومن بعده ! ، فلا يَزَالُ إسناد الطغيان يَتَّصِلُ في كل عصر ، فلا يخلو من مُبَارِزٍ لله ، جل وعلا ، وَمُنَازِعٍ في أخص أوصافه ربوبيةً وألوهيةً ، فلا جديد في الطاغوتية سواء أكانت دينية أم علمانية ، كما يضرب بعض المصنفين المثل بزعامة نابليون في فرنسا العلمانية إذ مارس من الهيمنة الفكرية والسياسية ما كان يمارسه البابا في الكاثوليكية ، فمع الاختلاف بل والتناقض بَيْنَ الكاثوليكية والعلمانية إلا أن الاثنين قد أجمعا على قدر مشترك من الطغيان في شخص الزعيم سواء أكان دينيا أم سياسيا ، فكلاهما قد ناجز الرسالة وبارزها بالعداوة إذ هي ما يحول دون انقسام الفكرة على أنحاء لا تخلو من الحظوظ والأهواء ، فَتُغْرِي ما تُغْرِي من العداوة والبغضاء فلا يحسم مادتها إلا الوحي الذي جاء بالكتاب الهادي فهو الجامع على كلمة سواء ، وَأَرْدَفَهُ في الذكر بالحديد الناصر الذي يعضد الوحي فَبِهِ إقامة القسط ولأجله نَزَلَ الميزان في الأرض وَوُضِعَ ، فهو آلة العدل في القسمة ، إذ يَسُنُّ من الأحكام ما به حفظ الملكيات وصيانة الحقوق العامة والخاصة وتوزيع الثروات وَفُرَصِ العيش والعمل ، فلا يكون ذلك إلا وَثَمَّ كتاب محكم قد تجرد من الهوى والحظ المحدَث فلا غاية له إلا جَمْعُ النَّاسِ على كلمة سواء بها يقام الدين ويقام العدل وبها يكون الاجتماع فلا يَتَفَرَّقُ الناس شِيَعًا وأحزابا تَتَنَاحَرُ إذ نَسِيَ كُلٌّ مَا نَسِيَ مِنَ الذكر ، فكان الانقسام في مرجع الفكر فهو أول الحرب والقتل ، فلا يَنْفَكُّ يُفْضِي إلى انقسام في المرجعية السياسية وهو ما صنع البيئة الاستراتيجية لأي غزو عسكري وافد ، فَثَمَّ انقسام في الفكرة على أنحاء ، وثم اقتتال في كل جبهة ، وثم كيانات سياسية تترى قد مزقت الجسد السياسي الواحد فصيرته على أبضاع متنافرة ، فلا كتاب يجمعها ولا حديد يمنعها فصارت نهبا لخصومها ، ولا يكون ذلك ، كَمَا تَقَدَّمَ ، إلا والانحراف فِي الأفكار والطغيان فِي الأحكام هو الرَّائِدَ ، فلا ينفك يكذب أهله فَلَيْسَ رائد صدق وعدل يَرُومُ لقومه الخير ، فلا يروم إلا الشر والعلو في الأرض بغير الحق وهو ما به يُسَلَّطُ الخصوم ، كما تقدم من حال الشرق عَشِيَّةَ الحملات الصليبية في العصر الوسيط فكان على أبضاع متناحرة وإن داخل الحزب الواحد ، فَثَمَّ حكومة بغداد الباهتة فليس لها من الخلافة إلا اسم روحي مجرد من الفعل السياسي والعسكري ، وثم دور متأخر من أدوار الملك السلجوقي الذي وَقَى بَغْدَادَ شرور الباطنية وأعاد لها بعضا من هيبتها السياسية وإن استبد بالأمر فلم تخل حاله من مآثر كملاذكرد 463هـ التي صد بها عدوان الروم الشرقيين ، ولكن الحال قد تَبَدَّلَ بعد رحيل الجيل الأول ، وتلك ، كما تقدم مرارا من كلام ابن خلدون ، سنة جارية في جميع الدهور ، فالملك في أوله غَضٌّ وفي أوسطه صلبٌ وفي آخره هَشٌّ وإن بقيت صورته في الخارج لا سيما إن كان من الجنس الباطش ، فذلك ما يعجل بسقوطه لو تدبر أصحابه ، فالبطش قد يقمع حينا ولكنه لا يصمد طويلا إذ يصيب المجتمع في مَقْتَلٍ ، وهو الحامل والحامي لهذا الملك ، فإن ضعف وفسدت أخلاقه وطبائعه بما يمارس الملك من استبداد يظن أن به الاستقرار ، فلا يزيد المجتمع إلا حقدا يستبطنه فإذا آنس من الملك رخاوة ناجزه بلا هوادة فكان ذهابه بما ظن أن به بقاءه وذلك ، لو تدبر الناظر ، من مكر الله ، جل وعلا ، بالطاغوت الباطش ، فرحيل الجيل الأول ، كما تقدم ، قد آذن بانقسام الملك السلجوقي إذ ورثه من لم يجهد في حيازته فكان الاقتتال بين أبناء البيت الواحد فانقسم الملك إلى أملاك متنافرة .
    وفي الغرب كانت حكومة القاهرة الفاطمية التي جمعت السوأتين : فساد الفكرة في العقد والشرع ، وفساد الرأي في السياسة والحرب وهما مَا يَتَلَازَمَانِ أبدا ، إذ الحكم فَرْعٌ عن التصور ، فإذا فسد التصور فسد الحكم ، فكان من انقسام المذهب ما تَقَدَّمَ ، فالمستعلية والنزارية يَتَنَاجَزَانِ ، ومصر والشام في أسوإ الأحوال ، فكل أولئك ما يَسَّرَ عدوان الغرب الكاثوليكي في العصر الوسيط ، وهو ما يؤيد فكرة لويس التاسع ، إذ سرعان ما استجمع الشرق قوته في الفكر والسياسة فكانت مشاريع الإصلاح الفكري والسياسي ، كما كانت الحال في العصر الزنكي والأيوبي ، وهو ما جمع الناس على كلمة سواء في الفكر والسياسة والحرب وإن لم تخل الحال من نقص يجبره إحكام الأصل وحسن القصد في جمع الناس على الحق ومناجزة الصائل على الدين والأرض ، ومن بعدها كان التداول بَيْنَ الشرق وحملات الصليب في عهد الأيوبيين والمماليك ، حتى فطن لويس التاسع أن الشرق لا يناجز بآلة الحرب قبل أن تُعْطَبَ فيه آلة الفكر ، فلا بد من غزو عَقْلِهِ قَبْلَ أرضه ، وتلك فكرة جعلها بعض الباحثين نَوَاةَ الاستشراق المعاصر كحركة سياسية استخباراتية ظاهرها أنها حركة بحثية علمية ، فكان الاستشراق غزوَ أفكارٍ ، والتبشير غزوَ أديانٍ ، والاستعمار غَزْوَ أمصارٍ بَعْدَهُمَا فمحله الآخر لا الأول بعد تمهيد الأرض بَيْنَ يديه ، وزاد من زاد من الباحثين المعاصرين التجارة غزوَ اقتصادٍ لا سيما بعد ازدهار طرح العولمة المجاوز للحدود بما استحدث من الكيانات الاقتصادية الكبرى ذات الجنسيات المتعددة .
    ومع ما كان من انهيار الشرق في حملات الصليب الأولى وبعدها حملة التتار إلا أن المجتمع بما أوتي من قوة ذاتية باعثها الوحي : روح الحضارة والعمران في الشرق ، إلا أن المجتمع قد دفع الصائل وكان من حكومة السياسة والحرب ما لا يخلو من نقص عظيم لا سيما بعد ذيوع الإرجاء والتصوف ، فذلك حكم ناقص ، ولكنه ، مع ذلك ، أصيل في الشرق غير وافد فلم يكن بداهة من الجنس الوظيفي التابع كما قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة ، وإن كان النقص في السياسة والحرب مِمَّا مَهَّدَ ، ولو على المدى البعيد ، لما آل إليه الأمر بعد ذلك ، فلا زال الوحي في انحسار إذ غادر مساحات مؤثرة في صناعة القرار السياسي والعسكري في مقابل تمدد السلطة وإن كانت في الجملة تعظم الشرعة إلا أنها بما قارفت من استبداد قد أضعفت أَثَرَ الدينِ في الشأن العام مع ما تَقَدَّمَ مرارا من ذيوع الإرجاء والتصوف وما يحدثانه في النفس من كسل وخمول فَتَرْكَنُ إلى التقليد في الدين والسياسة وكل صناعة تَنْفَعُ فَلَا يكون ثَمَّ تجديد يَنْصَحُ ، وكان الفساد الذي استشرى ، لا سيما مع تعاظم القوة العسكرية الباطشة وصيرورتها مركز التحكم والسيطرة وهو ، لو تدبر الناظر ، أمر يؤذن بفساد الحال ، واضرب له المثل باستقراء تاريخ الشرق من لدن الرسالة وحتى هذا العصر ، فإن الخلافة الراشدة وإن كانت دولة فَتْحٍ يغلب عليه جلال السيف إلا أنها أقامت من عدل السياسة والقضاء ما صار مثلا يُضْرَبُ فَأَمِنَ في حكومتها المخالف والموافق ، فلم يكن في سيفها من الرَّهَقِ إلا نَزْرٌ يسير فليست بداهة ، على وصف النبوة المعصومة ، بل ما كان من قتالها فِتْنَةً أو بَغْيًا قد صار مضرب مثل آخر في شرف الخصومة وعدالة الحكومة وإن لم تسلم النفوس من شنآنٍ وَبُغْضٍ فقد تحرت في معظم أحوالها القسط والعدل ، فَتَأَوَّلَتِ الأمر والنهي في قوله تعالى : (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فعدلت في المخالف لدينها والموافق ، ثم لم تلبث الحال أن نقصت شيئا فشيئا ، فَزَادَ رهق السيف وتراجعت المعاني الرسالية إذ عاودت العصبيةُ الظهورَ ، كما يقول ابن خلدون في نظريته السياسية في منشأ الدولة ، وهو ما يؤذن بِنَقْصٍ لا يَزَالُ في ازدياد لا سيما مع ظهور الملك العضوض إرثا ، وهو ما يسلب المجتمع حق الاختيار فيكون من الحقد والغيظ ما يَتَرَاكَمُ لا سيما إن لم يكن أمر السلطة رشدا فكان الإفراط في استعمال العنف مع المعارِض ، وهو من أسباب الانهيار ، ولو على مدًى يطول ، لا سيما إن صارت القوة والتغلب سَبَبًا في حيازة الملك ، وإن بَقِيَتْ صورة البيعة ، فاستعمال العنف ذريعة إلى بلوغ الملك والاستناد إلى قوة الجبر والقهر مبدأُ نَقْصٍ في الحال لا يَزَالُ في ازدياد ، فكان من بطش بني العباس ما رَجَحَ بني أمية أضعافا وإن اتخذ الثأر لآل البيت ، رضي الله عنهم ، ذريعة ، فملك بني العباس كان أنقص إذ كان العنف فيه أظهر ، وتلك ، كما تقدم ، سنة جارية في الملك ، فلا يكون أقوى إلا إذا كان أعدل ، ولا يكون أضعف إلا إذا كان أظلم وأبطش ، ولم يَزَلْ تدخل القوة المسلحة في الحكم يَتَعَاظَمُ ، لا سيما وعصبية الدولة محل تنازع بين الأحزاب : العربية والفارسية ، كما كانت الحال في الفتنة ، فتنة الأمين الذي يمثل الحزب العربي ، والمأمون الذي يمثل الحزب الفارسي ، وبعدهما كان ظهور الحزب التركي زمن المعتصم وهو ما ازداد نفوذا حتى بلغت به الحال أن يغتال الخليفة المتوكل ، ويتلاعب بمن جاء بعده ، ثم كانت غلبة القوة البويهية الفارسية ذات الصبغة المذهبية التي تخالف عن مذهب الخلافة ، ثم كانت غلبة القوة السلجوقية ، ومع ما كان من طفرة إيجابية سبقت الإشارة إليها إلا أن صيرورة القوة المسلحة مركزَ الحكم مما يسارع بالضعف إذ يعظم الصراع بين قادتها وأجنحتها ، فانقسم البيت السلجوقي على أنحاء ، وكان ظهور البيت الزنكي من جِنَاحٍ من أجنحة البيت السلجوقي ، وقد فرض الظرف السياسي آنذاك أن تنزع الدولة إلى الطابع العسكري إذ ثم عدو متحقق لا آخر مُتَوَهَّمٌ يصنع في مخيلة الجماهير ليكون ذريعة أن تحكم بالحديد والنار إذ لا صوت يعلو فوق صوت السلطة التي تناجز المجتمع لا سيما إن كان ذلك على قاعدة تَبَعِيَّةٍ وظيفية لخارجٍ يخالف عنها في القيم والمبادئ كما هي الحال في العصر الراهن ، فلم يكن ذلك ، بداهة ، وصف القوة الزنكية فلم تكن قوة وظيفية تابعة للمحتل بل تَوَلَّتْ كبرَ مناجزته حقيقة لا دعوى ، ومن بعدها القوة الأيوبية فالمملوكية ، وإن كان الطابع العسكري الذي أملاه الظرف السياسي سَبَبًا فِي النَّقْصِ ، وبعدهما كانت القوة العثمانية الفتية ، وهي قوة عسكرية ذات طابع إقطاعي ، فَكَانَ من نُبْلِ الدور التاريخي ما حجب النقص ، فكانت خلافة جامعة وإن ناقصة لا تضاهي مَا تَقَدَّمَهَا ، ولو في الجملة ، ولم يلبث الفساد السياسي أن طرأ إذ تعاظم دور الجند في الحكم والإدارة فكان من فساد الإنكشارية المتأخرين ما خالف عن دور الجيل الأول الذي كان سيف الدولة الماضي فَنَاَجَزَ خصومها وَمَدَّ حدودها لا سيما في أوروبا ، فلم يكن مِنَ الجيل المتأخر من يَقْتَدِي بالأول ، بل قد صار الإنكشارية بعد ذلك سببا رئيسا في إضعاف الخلافة وتحولها إلى إمبراطورية يَرْجُحُ فيها الطابعُ السياسي البراجماتي الدورَ الرسالي الأخلاقي ، وكأن ذلك ، لو تدبر الناظر ، منشأ العلمانية المعاصرة في الشرق ، وإن لم يكن الأمر على ما هو عليه الآن ! ، فلا شك أن تراجع دور الرسالة في الحكم والسياسة في مقابل تعاظم دور القوة المسلحة التي تحركها بَوَاعِثُ النفس في طلب الرياسة والملك ، لا شك أن ذلك مما أخرج الوحي ، كما تقدم ، من مساحات مؤثرة في السلطة ، فكان ظهور المسلك السياسي قبل ظهور الاصطلاح العلماني الذي يخرج السياسة من الدين وإن لم يكن ذلك ، بداهة ، قد اسْتَقَرَّ وتأطر فصار أيديولوجية في الحكم كما هي الحال الآن ، فالناس ، كما يَنْقِلُ بعض الباحثين ، الناس يباشرون الفعل أولا حتى إذا استقر ظهر المصطلح ثانيا ، ولكن ذلك النقص قد أفضى بعد ذلك إلى ما هو أعظم فلم يزل الوحي مقاصد وأحكاما ، لم يَزَلْ في تراجع مع ما أصاب الشرق من خمول هائل كَسَاهُ مَنْ كَسَاهُ من الكسالى ، كَسَاهُ لحاء الدين زهدا ورياضة ، وليس إلا تقليدا في الفكر والفقه والسياسة والحرب وسائر الفنون والصنائع مع إرجاءٍ أخرج العمل من مسمى الإيمان كما صنعت العلمانية بعد ذلك ، وإن كان صنيعها أفدح ، إذ أخرجت الحياة من سلطان الدين ، فخالفت عن محكم التنزيل الآمر أَنْ : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) ، فكانت هذه الحال الكاسدة في مقابل ما كان من حال الخصم الذي اجتهد في تحصيل عدة الحضارة والعمران ، فعلا شأنه في مقابل انحطاط الشرق وكان من فتنة فِئَامٍ منه لا سيما بعد جولة الحرب الحديثة التي افتتحتها الحملة الفرنسية ، فكانت ، كما يصفها الباحثون ، صدمة حضارية أكثر منها هزيمة سياسية أو عسكرية ، إذ أبانت عن الفرق الهائل في الحضارة والعمران بين الشرق النائم والغرب المستيقظ المتحفز الذي أخذ بالأسباب فكوفئ بالنتائج ، وهو ما فَتَنَ فِئَامًا من الشرق فلم يكن ثم من التأصيل الفكري والفعل الحضاري ما يصد هذه الحملة ، فلم يكن الأمر هزيمة سياسية هذه المرة بل كانت هزيمة أعمق ، هزيمة الفكر التي ألجأت المغلوب أن يقلد الغالب ، فكان السلطان محمود الثاني في مركز الخلافة يسارع في التغريب وإن لم يكن من الجنس الوظيفي العميل فقد كان خليفة الشرق المسلم ولكنه كان مفتونا بالغرب العلماني فَمَهَّدَ الأرض لمن جاء بعده من العناصر الوظيفية التابعة التي لم يَزَلْ أمرها يظهر حتى استولت على مقاليد الحكم بعد ذلك فكان الانقلاب العلماني على السلطان عبد الحميد الثاني 1909م ، وهو ما سبق الانقلاب الأتاتوركي على السلطان عبد المجيد الثاني 1924م ، وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، كاشف لا منشئ ، كما يقول أهل القانون المحدث ، فهو كاشف لما تقدم من انهيار المرجعية الفكرية والحضارية في الشرق ، وكذلك كانت الحال في مصر ، فمحمد علي باشا ، كاشف لا منشئ ، فهو يضاهي محمود الثاني ، بل هو أسوأ ، فهو من أوائل من يطلق في حقهم لقب التابع الوظيفي ، إن لم يكن أول من حمل هذا الوصف السياسي في الشرق ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ وَوِزْرُ مَنْ تَبِعَهُ لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ، فلم يكن أمره استبدادا وظلما فحسب ، بل كان خيانة حضارية مهدت لخروج مصر شيئا فشيئا من المرجعية الإسلامية ودخولها في نظيرتها العلمانية ، فضلا أنه قد دَشَّنَ منظومة القوة المسلحة المركزية التي حملت لقب الجيش الحديث ، وهو البناء الهرمي المحكم الذي بسط نفوذه على المجتمع كله ، فقد زَادَ نفوذه بل كان هو الأصل فما أُنْشِئَ من مؤسسات الدولة لم يكن إلا خادما له بوصفه آلة السلطة والقمع ، فأنشئت مدرسة الألسن لترجمة الكتب العسكرية الحديثة ، وأنشئت المدرسة البيطرية لرعاية الخيل بوصفها آلة الحرب آنذاك ، وأنشئت المدرسة الطبية لرعاية الجند لا أنهم بشر وإنما هم كالبقر ! فهم قطيع تُوَظِّفُهُ السلطة في تحقيق مآربها عسكريةً كانت أو مدنية ، فهو مثال قياسي للكيان الوظيفي الهرمي الذي يَتْبَعُ الخارج فغايته السيطرة على الداخل وتأمين مصالح النخبة المركزية وما يَتْبَعُهَا من نخب محلية فهي أدواتها في إدارة الأطراف إدارةَ التابع ، فكان هذا الجيش هو مركز الحكم فما الدولة ومؤسساتها إلا أدوات خادمة له وهو بدوره خادم للخارج فالمجتمع من هذه المعادلة غائب ، بل هو الخصم الناجز ! .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •