اعرض النتائج 1 من 3 إلى 3

الموضوع: السلطة الهرمية

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:32 AM

    المشاركات
    4,871
    العمر
    41

    السلطة الهرمية

    ولا شك أن المثال الهرمي المركزي سبب رئيس في انهيار منظومة القيم والأخلاق ، فإنها لا يمكن أن تستقيم في ظل استبداد يخل بمعايير الحياة ، معايير السعادة والنجاح ...... إلخ ، فالنجاح في المنظومة الهرمية المستبدة يتلخص في الوصول إلى المنصب أو الثروة من أقصر الطرق بأدنى كلفة من فكرة أو حركة ، استنادا إلى مبدإ "الفهلوة" ، فلا خبرة تَرَاكَمَتْ تجعل صاحبها ذا كفاءة وكفاية ، وإنما القفزة المفاجئة التي تفتقر إلى سبب من خارج ، فثم شبكة من العلائق التي تقوم على مبدإ الولاء ، وهو ما تَتَعَدَّدُ درجاته في هَرَمِ السلطة ، فَثَمَّ تَرَاتُبِيَّةٌ تحول دون الاتصال المباشر بَيْنَ قمة الهرم وقاعدته ، وهو ، كما يقول بعض المختصين ، مظنة الفشل في إدارة أي منظومة فالمثال الرأسي الهرمي يحول دون التواصل بين القاعدة والقمة ، في إطار من السرية التي تحرص النخبة الحاكمة عليها بذريعة الحفاظ على الأمن القومي ! ، فَوَدَّتْ ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الإعلاميين ، أن تطفئ النور وتحكم في الظلام الدامس فلا يفطن عاقل لما تصنع ، ففي المثال الهرمي تعظم حاجة القاعدة إلى مَنْ يَعْلُوهَا فِي درجات السلطة ، مع فساد المنظومة : فساد القيم الأخلاقية وفساد الإجراءات التنفيذية ، ولو في القطاعات الخدمية التي يُفْتَرَضُ فِيهَا الحياد السياسي والإنساني فَهِيَ محل إجماع من كافة البشر ، فَثَمَّ تَقَصُّدٌ فِي غَيْرِ المحل يَنْحَطُّ فِيهَا الخصم في خصومته السياسية أن يَنْزِلَ بِهَا إلى دركة الخصومة في حُقُوقِ البشر الأساسية في العمل والتعليم والعلاج ..... إلخ ، فَالْفَسَادُ في المنظومات الخدمية تَظْهَرُ آثاره المباشرة في واقع المجتمع ما لا تظهر آثار الفساد في الجهات السيادية ، فَفَسَادُهَا وإن كان الأخطر إلا أنه آخِرُ ما يَظْهَرُ ، فهو مِمَّا يَتَرَاكَمُ جيلا بَعْدَ آخَرَ ، فَيَجِدُ المجتمع من آثَارِهِ الْمُتَرَاكِمَةِ تَآكُلَ المنظومة القيمية في الأسرة والشارع والمدرسة والهيئة وتآكل المنظومة الخدمية فلا يَبْلُغُ المجتمع أصل الفساد في مركز السلطة فَهُوَ مِمَّا حُجِبَ وَرَاءَ الأستار ، أستار السلطة التي تَتَّخِذُ من القرار المباشر وتعطي من الضوء الأخضر ما يُسَرِّعُ من وَتِيرَةِ الفساد ، فَلَا يشترط أن تَتَّخِذَ الإجراء المباشر بل دورها يَقْتَصِرُ على صناعة البيئة الحاضنة للفساد الأخلاقي والإداري ومن ثَمَّ تَتْرُكُ المفسِدَ يُبْدِعُ وَيَبْتَكِرُ ! فيكون من تَرَاكُمِ الفساد ما يفرز المؤسسة الفاشلة التي تشد أطراف المجتمع فلا يحصل على أدنى قدر من الخدمة الرديئة ! إلا بَعْدَ أن يجهد الجهد الشديد ، وتلك معادلة السيطرة على المجتمع بإرهاقه ، فهو يعمل كثيرا ولا يُحَصِّلُ إلا قليلا لا يكفيه ، وهو يجهد في الوقوف أمام نافذة خدمة أو مؤنة لِيَنَالَ حظه من الخدمة الرديئة والمؤنة غير الصالحة لاستهلاك البشر وهي ، مع ذلك ، تحمد السلطة ! أن وَفَّرَتْ لَهَا الخدمة فخيرها وفير وفضلها عظيم ، ولك أن تدخل قسم الاستقبال في أي مؤسسة علاجية حكومية في نظام حكم هرمي مستبد ، فهو يحكي حال المجتمع إذ يكتظ المكان بالمرضى مَعَ رَدَاءَةِ الخدمة وسوء التهوية وَفَوْضَى تسيطر على المكان مع ارتجال في الأداء فَبَعْضٌ يُسِيئُ القول والفعل إن من طاقم العمل أو من المرضى ، فكلاهما يَئِنُّ من ضغط الواقع فلا يجد إلا الانفجار في الآخر ، فلا أحد منهما ينفجر خارج هذه الدائرة الاجتماعية الضيقة ، وهو ما يشبه ، من وجه ، نظرية سياسية مشهورة تستعملها السلطة إذا تمكنت وتستعملها الثورة إن حَسَمَتْ أمرها فَلَمْ تَرَ خِيَارًا دون المواجهة الصريحة بلا تَرَدُّدٍ ، فَالتَّرَدُّدُ في موضع كهذا يكافئ الانتحار ! ، وكذلك السلطة ، فإنها ابتداء لا بد أن تضرب المجتمع بعنف فتوجه ضربة قاضية لمراكز القوة وصناعة القرار في المجتمع ، وبعد انهيار المقاومة وسقوط المجتمع في قبضة السلطة ولا يكون ذلك إلا باستخدام قوة غاشمة مفرطة ، ومذبحة المماليك مارس 1811م مثال أول وفيها استخدم الباشا الجديد القوة النارية المفرطة ضد النخبة العسكرية القديمة التي لا تصلح نواة لجيشه الجديد فلا تدين له بالولاء التام ، وما تصنع أي ثورة مضادة مطلع هلالها وَبَعْدَ اسْتِوَائِهَا بَدْرًا على التمام والكمال مِثَالٌ ثَانٍ ، فَبَعْدَ سقوط المجتمع فِي قبضة السلطة يُعَادُ تشكيله فَتَكُونُ التَّرْبِيَةُ بعد القمع ! ، كما يضرب صاحب "استعمار مصر" المثال من كلام ضابط فرنسي في الجزائر إبان حقبة الاحتلال ، فَيَشْرَحُ باختصار الطريقة المثلى لإنشاء سلطة سياسية مستقرة ، فلا بد من القمع أولا وهو الذي يسيطر على الجسم ، وبعده تكون التَّرْبِيَةُ التي تسيطر على العقل على المدى الطويل وهو ما يستوجب هدوء الجسم فلا يكون في حال ثورة ولا يكون ذلك إلا بَعْدَ تَوْجِيهِ الضربات المؤلمة بأقصى قوة ، فهي تصهر المجتمع وتحوله إلى مادة خام أولية يسهل تشكيلها بعد ذلك على مثال معين يحقق مآرب الغالب الذي امتلك السلطة وأدوات القوة ، فمنها أدوات هدم يبدأ بها عاجلا فإذا نجح في هدم المثال القديم بما يوجه من ضربات متتالية لمنظومة القيم والأخلاق ومنظومة الجسد وما يحتاج من سلع وخدمات ، فإذا نجح في ذلك على المدى القريب فهو يشرع في مرحلة التربية التي تَتَوَجَّهُ إلى العقل وذلك ما يكون على المدى البعيد ، وَلَنْ تَنْجَحَ السلطة في ذلك إلا إن كانت ضربات الهدم قوية حاسمة فالضربة الضعيفة تقوى البنيان ولا تقصمه ، فكانت النصيحة الْمِيكْيَافِيلِّيَّةِ أَنَّ الأمير إن ضَرَبَ فَلْتَكُنْ ضربته قاصمة وإلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ ، وكذلك الثورة فاكتفاؤها بضربة جزئية يَشُدُّ ظَهْرَ الثورةِ المضادة ، فهي تَنْقَضُّ بَعْدَ ذلك بِمُنْتَهَى الشراسة ، فلا بد من الضرب المبرح والإهانة البالغة ابتداء فإذا استسلم الخصم كان تشكيله وِفْقَ مَعَايِيرَ جديدة ، معايير الغالب المتمكن الذي يبدأ في تربية العقل بعد استسلام البدن ، فالسلطة إذا ضربت فأوجعت فكل ما يكون منها بعد ذلك من عطاء ، ولو رَدِيئًا لا يصلح لحيوان ! ، كل ما يكون بعد ذلك فهو خير وبركة ! ، واضرب له المثل بما يكون من فعل السلطة مع الأسرى من المعارضين ! أو صغار المجندين من الدفعات الجديدة فلا بد ابتداء من تَقَصُّدِ الإهانة البدنية والنفسية البالغة لكسر الفرد وإضعافه ، فإذا زاد الضغط فاستسلم ، فكل ما تُلْقِيهِ إليه السلطة بعد ذلك من فتات فهو خير وبركة ! ، ولو ألقت إليه الماء بالدلو أو الجردل ! وألقت إليه الطعام بَقَايَا خُبْزٍ على الأرض ، ومبدأ الأمر ، كما تقدم من كلام الضابط الفرنسي ، مبدأ الأمر السيطرة على الجسد بممارسة العنف المفرِط ، وبعده تكون السيطرة على العقل بالتعليم وهو ما يضرب له صاحب "استعمار مصر" المثل بِتَعْلِيمِ صغارِ العمال العاداتِ الانضباطية للعمل المأجور ، فالسلطة تحرص عَبْرَ أجهزتها المركزية في التعداد والحصر أن تَكْتَشِفَ طبيعة الخصم ! وهو المجتمع ، فتحصر قوته العاملة التي توظفها في تحقيق مآربها ، فَيَتَحَوَّلُ المجتمع إلى طاقة خادمة لمركز السلطة المحلي أو الخارجي ، والإنتاج الرأسمالي في مصر إبان القرن التاسع عشر مثال يضربه بعض الباحثين فإنه قد اعتمد آليات محكمة حَوَّلَتْ قوة المجتمع إلى قوة عمل في المشروعات الوطنية العملاقة ! ، كحفر قناة السويس الأم ! ، فكانت السخرة التي وُظِّفَ فيها آلاف لتحقيق حلم السلطة ! في الثَّرَاءِ والشهرة ، وإن كان ثم إنجاز مادي على الأرض فهو خادم لهذه الصورة الوظيفية التي تستنزف قاعدة المجتمع لصالح نخبته القابعة في قِمَّةِ الهرمِ ، وهو ما يضرب له المثل ، أيضا ، بمصر ، فالاحتلال البريطاني قد أنشأ في مصر واحدة من أقدم شبكات السكك الحديدية في العالم وأكبرها طاقة في النقل ، فنقلت أرقاما قياسية في نَقْلِ الأفراد بمعايير ذلك الزمان ، فنقلت 4,7 مليون راكب في 1890م ، و30 مليونا في 1906م ، ولكن ذلك ، بداهة ، لم يكن ينصرف ابتداء إلى تقديم الخدمة العامة ، وإنما أرادت السلطة أن تُوَفِّرَ خطوط النقل للعمالة الرخيصة التي تَسْتَعْمِلُهَا في مشروعاتها التي لا حظ للمجتمع منها إلا الفتات ، فهو أكثر من يعمل ويجهد وأقل من ينتفع بالثمرة ، ومن يخالف عن هذا المثال ، فثم الإجراء العقابي الذي يستند إلى النظرية آنفة الذكر : نظرية الضرب الموجع المهين الذي لا يطيق الخصم دفعه فَيَسْتَسْلِمُ وَيَرْضَى بأي عطاء ، وهو ، أيضا ، ما باشرة الاحتلال البريطاني لمصر ، كما يذكر المصنف آنف الذكر : مصنف "استعمار مصر" فلم يخل المشهد ابتداء من حركات مقاومة ولو في الأطراف فاستعملت بريطانيا وهي مضرب المثل في الحكمة خلافا لفرنسا الغاشمة ، استعملت بريطانيا الحكيمة وسائل اعتقال وتعذيب بشعة ولو إلى حين حتى تقمع الجسد ، كما يضرب المصنف المثلَ بوسائل كحرق الجسم بمسامير حديدية محماة ! ، وبعد استسلام الجسد تحت وطأة التعذيب وتلك صورة تكبر لِتَسْتَغْرِقَ المجتمع كله ، فما صورته الكلية إلا حكاية صور جزئية تَجْتَمِعُ ، فبعد استسلام الجسد على المدى القريب تحت وطأة التعذيب تكون صناعة العقل بوسائل التربية التي تؤتي أكلها على المدى البعيد الذي يجيده الإنجليز ، فالعنف في سياستهم أمر عارض ، والمستقر مِنْهَا هو العمل الطويل الهادئ في تربية العقل وصناعة الرأي وشرطه ، كما تقدم ، إجهاد البدن بحرمانه إلا من حد أدنى به اسْتِبْقَاءُ مهجتِهِ ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما سلكت جادته السلطة الوظيفية النائبة بعد خروج المركز فلم تخرج عن هذه الفلسفة وإن قَارَفَتْ منها المثال الأسوأ .

    فالسلطة هي التي صنعت هذا الواقع الخدمي الرديء فَهَنْدَسَتِ المؤسسة أو المنظومة ، ولو خطوطا عريضة ، فإنها ، بداهة ، لم توعز إلى الطبيب أو الممرِّض أن يصرخ في المريض ، ولم توعز إلى المريض أن يبادلهما الصراخ بمثله ، ولكنها صنعت البيئة الحاضنة لهذا المشهد البائس ، وهي ، أبدا ، بعيدة عن الصراخ فهي تَنْظُرُ من أعلى إذ تَقْبَعُ في قمة الهرم وتدير الأمر إدارةَ الأزمةِ ، فلا يَعْنِيهَا عِلَاجُ الأزمة بل تحرص على استمرارها ولكن تحت السيطرة استنادا إلى نظرية "الصراع منخفض الحدة" ، فهو لا يَبْلُغُ درجة الاشتعال ولا يَنْحَطُّ إلى دركة الانطفاء ، فيكون ثَمَّ شَدٌّ وَتَوَتُّرٌ لا يبلغ حد الثورة أو الفوضى التامة ، فثم فوضى جزئية تستنزف المجتمع عبر أطر وهياكل مترهلة تتسم بالبيروقراطية الشديدة فَثَمَّ انهيار أخلاقي وانهيار إجرائي ، فَقِلَّةُ موارد وَقِلَّةُ كفاءات مع فساد في الأخلاق وانهيار آخر في منظومة القيم ، ولك أن تستنسخ هذه الصورة في كل مؤسسة تنفيذية خدمية تباشر مصالح الجمهور .

    واضرب له المثال المشهور في الجهاز الْبِيرُوقْرَاطِي المصري ، فَأَيُّ وَرَقَةٍ أو معاملة لا بد أن تُمْهَرَ بِتَوْقِيعَاتٍ عدة من الموظف المباشر إلى مدير الإدارة إلى مدير القطاع إلى مدير المصلحة أو المؤسسة ....... إلخ ، فذلك ما يُدْخِلُ صَاحِبَهَا فِي نَوْعٍ من أَنْوَاعِ العبودية ! ، فإن قلبه قد تَعَلَّقَ بالموظف الذي صار يملك الضر والنفع ! ، فيملك تمرير المعاملة أو إيقافها ! ، فالأمر ، لو تدبر الناظر ، يجاوز ما قد يتبادر إلى الذهن من إجهاد صاحب المعاملة واستنزاف طاقته في إطار سياسة محكمة تضمن السيطرة على الفرد فلا ينال جزءا يسيرا من حقه إلا بعد إزهاق روحه ! ، فلا يكون ثم هامش قوة يناجز به السلطة فهو تحت السيطرة والتحكم وهو أبدا إلى السلطة يحتاج ، ولو في ورقة قد يَتَوَقَّفُ عليها مستقبل أيامه في الحصول على فرصة عمل أو فرصة هرب من هذا الجحيم ! ، فَثَمَّ هدف أكبر ، وهو تكريس العبودية ، عبودية الفرد للدولة الإله ، وإن بيروقراطية مترهلة كالبيروقراطية المصرية المعاصرة ، فإنها بِمَا تملك من صلاحيات كبيرة قد أُسْنِدَتْ إلى جهاز وظيفي فاسد ، فهو طامح طامع ، طامح للسلطة طامع في الثروة ، قد جعل التزلف والرياء وصناعة الولاء ، ولو ظاهرا ، قد جعل هذه القيم الفاسدة هي درجات التَّرَقِّي في هرم السلطة ، فلا يبلغ الغاية إلا الماكر الذي يجيد التلون فلا رصيد له من كفاءة تجعله أهلا لولاية ، فَاسْتَعَاضَ عَنْهَا بِعَرْضِ نَفْسِهِ في سوق نخاسة سياسي في الداخل وفي الخارج ، فهو مملوك يروم الالتحاق بهرم السلطة فلا بد أن يدخل في الرق طوعا ، فهو يبيع ولاءه لمن يدفع ، فَيَلْتَحِقُ بِقَبِيلٍ أو جناح في السلطة ، فهو يَتْبَعُ الأستاذ فلان أو الأمير فلان كما كانت الحال في النظام المملوكي ، أو الجناح الفلاني من السلطة ، فَفِي كل مؤسسة لا سيما المؤسسات السيادية تَتَشَكَّلُ الأحزاب والأجنحة التي تَنْتَهِي نِسْبَتُهَا إلى مجموعة من كبار الموظفين هم النواة الصلبة لهذا الجناح أو الحزب وعلى كل موظَّف أو عنصر أن يختار إلى أي الأحزاب يُنْسَبُ فهو محسوب على فلان من القادة أو على الجناح الفلاني من المؤسسة ، وذلك ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، ما يظهر في أي تجمع ، ولو طلبةً في المدارس ، فَثَمَّ شِلَلٌ كما يقال في مصر وهي جمع "شِلَّة" ، فالطلبة في الفصل أو في المدرسة على أنحاء فَثَمَّ شِلَلٌ مركزية ، فَيُصَنَّفُ الطالب تَبَعًا لذلك فأنت من شِلَّةِ فلان أو شِلَّةِ فلان فلا بد أن تختار لك نسبة ! ، فإذا كان ثم طالب حُرٌّ صاحب اختيار وموقف في الحياة ، فهو أبدا يُنْبَذُ ، فتجتمع الشلل على حربه إذ لم تَنْجَحْ فِي ضمه ، فالمؤسسات الهرمية المركزية ، ولو شِلَلًا في المدارس ، هذه المؤسسات تكره أَيَّ حُرٍّ ذا رأي واختيار لا جرم كان فشله في التأقلم مع الوظيفة الرسمية أو حتى الرسالة الدعوية إن تحولت إلى عمل هرمي مركزي فَدَخَلَهُ مَا دَخَلَ السلطة من أمراض الولاء الشخصي ، وهو ما يكشف عن أزمة المعارضة السياسية المعاصرة ، سواء أكانت ذات مرجع رسالي أم آخر أرضي ، واضرب له المثل بمصر فثم سلطة هرمية شديدة المركزية قد تَجَذَّرَتْ وَانْشَعَبَتْ بِتَعَاقُبِ أجيالها مع اختلاف توجهاتها اليسارية تارة والرأسمالية أخرى وعديمة التوجه ثالثا ! ، وأخيرا النيوليبرالية التي تعتبر امتدادا للحقبة الساداتية فهي التطور الطَّبِيعِيُّ لما كان من تَسْوِيَاتٍ سياسية واقتصادية بعد مناورة أكتوبر 73 التي أعطت المشهد زخما إعلاميا كَسَى السلطة شرعية الإنجاز العسكري وهو ما استثمر في الإجراء الاقتصادي الليبرالي والإجراء السياسي التَّطْبِيعِيِّ ، فَكَانَ المشهدُ الآن ، لو تدبر الناظر ، ثمرة من ثمار أكتوبر 73 ! ، لا جرم كان على رَأْسِهِ عنصر يَنْتَمِي إلى جيل ما بعد الحرب ، جيل السلام والتطبيع انطلاقا من القاعدة الرأسمالية الغربية ، فَثَمَّ سلطة قد تجذرت وانشعبت مع اختلاف تَوَجُّهَاتِهَا ، كما تقدم ، ولكنها لم تخرج في جميع نسخها اليسارية أو الرأسمالية ، لم تخرج عن المثال الهرمي المركزي ، فَهِيَ هَرَمِيَّةٌ مركزية ذات طَبِيعَةٍ عسكرية سَوَاءً أكانت يسارية أم رأسمالية ! ، فالقاسم المشترك الأعظم هو الطبيعة المستبدة التي تَغْلِبُ على النظام العسكري ما لا تَغْلِبُ عَلَى غَيْرِهِ ، فالاستبداد كسائر الأجناس الأخلاقية والسياسية العليا ، فهو قيمة مطلقة في الذهن يندرج تحتها من الأنواع والأمثلة ما يَتَفَاوَتُ فمنه استبداد مدني وآخر عسكري ، وكلاهما لا يطيق الخروج عن الرواية الرسمية ، رواية السلطة التي لا تسمع صوتا غير صوتها ولو ناصحا يَرُومُ الإصلاح من داخل المنظومة فضلا أن يكون ذا خصومة سواء أكانت إصلاحية أم ثورية ، فلا تطيق سماع النصح فَضْلًا عن المعارضة والقدح ، فعناصرها من النوع التنفيذي ذي الولاء المطلق ، فَلَا يكون أبدا صاحب موقف أو رأي ، فذلك مظنة الاعتراض أو التوقف ، فَثَمَّ مثال تحتكر قمته اتخاذ القرار فهي تمنع حق تداول المعلومة بذريعة ما تَقَدَّمَ من الحفاظ على أسرار الدولة وأمنها القومي الذي يختزل في أمن هذه النواة المركزية التي احتكرت اتخاذ القرار بما يَتَوَافَرُ لَهَا من معلومات احتكرتها ووظفتها لتحقيق مآربها الخاصة وإن كَسَتْهَا لحاء المصلحة العامة ، فَتِلْكَ عدوى انْتَقَلَتْ إلى بقية مستويات السلطة ، فَكُلُّهَا ذَاتُ أنوية صلبة تَتَصَارَعُ عَلَى النفوذ والثروة أو الرشوة ! ، فَثَمَّ فساد في إدارة المخصصات وثم آخر تحصيل الجبايات ، وَثَمَّ ثالث في قبول الرشى والعمولات فتلك مصادر تمويل السلطة الهرمية فَهِيَ بِطَبِيعَتِهَا تكره العمل والإنتاج إذ لم يكن يوما معيار التَّرَقِّي في درجاتها ، بل من كان يَعْمَلُ أكثر وَيَرُومُ الإصلاح حقا فهو أبدا يُنْبَذُ وَيُنْبَزُ ، فتجده في أي مكتب رسمي قد انْزَوَى وَانْطَوَى ، ولا يسلم مع ذلك من الأذى فمن حوله يسعى جاهدا في نسبته إلى التقصير وإلحاق أي خطإ به على وجه يُعَرِّضُهُ للتحقيق والجزاء والإيقاف عن العمل أو النَّقْلِ إلى دائرة أخرى أقل في الدرجة والامتيازات أو الفصل النهائي ، بل قد يصل الأمر إلى حد الوشاية السياسية اسْتِثْمَارًا لِظَرْفٍ اسْتِثْنَائِيٍّ ، كما هي الحال الآن فِي مصر ، فقد صارت الوشاية بِزَمِيلِ العمل انطلاقا من خصومة السلطة مع التيار الإسلامي السياسي الذي تخوض الآن ، ولو في روايتها الرسمية ، حربَ الاسْتِئْصَالِ الصفرِيَّةِ ضِدَّهُ ، صارت هذه الوشاية أمرا شَائِعًا لا سيما في دوائر السلطة الأكثر جهلا وفسادا ، وهو ما يجعل هذا العنصر المحارَب يَتَوَخَّى الحذر فهو يمارس عمله في بيئة فاسدة قد انحط فيها معيار القيم والأخلاق ، فإما أن يسلك الجادة ! فيصير موظفا صالحا بمعيار السلطة ! فهو يداهن ويشارك في إدارة الفساد ، وإما أن يُدَارِي فَيَبْذُلَ من الدنيا ما لا يضر قِيَمَهُ وَأَخْلَاقَهُ ، وإما أن يعتزل السلطة وما تعبد من آلهة تَضُرُّ وَتَنْفَعُ ، فهي ، كما تقدم ، تحتكر الختم والتوقيع الذي يُسَهِّلُ الأمر أو يُعَسِّرُهُ ! ، فلا يسلم من عبوديتها إلا من صَدَّقَ القولَ المشهور المأثور : من عَرَفَ الناس استراح ، فقال من قال من المحققين يشرح هذا القول : يعني أنهم لا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ ، وذلك أمر قد يسهل تصوره ولكن تأويله في الخارج قد يعسر إلا على آحاد هم الاستثناء ، فقد يكون من الحكمة الاعتزالُ ولو بالجنان فالخلطة بالأبدان أمر يتحتم في دوائر العمل والحياة ، وَثَمَّ من يجاوز فهو يعتزل بالجنان والبدن ، وذلك أمر يدق ، فلا بد له من فِقْهٍ وإلا صار صاحبه نَهْبًا للوساوس ، وثم من يَفِرُّ من هذه الأجواء ، فهو يصبر حتى يجعل الله ، جل وعلا ، له مخرجا فيهاجر من هذه الأرض ويفارق هذا الجمع كما يَرَى الناظر الآن من تَنَامِي ظاهرة الهجرة الشرعية وغير الشرعية من بلد كمصر ، وهي ما لم يَقْتَصِرْ على طالب السعة في العيش بعد تَضْيِيقِ أسبابه ، فَثَمَّ من لا يجد ضيقا في أسباب المعاش ولكنه لا يطيق التفريط في عمره وعقله الذي يُسْتَنْزَفُ إما في عمل بيروقراطي عقيم لا إبداع فيه ولا تجديد فتلك ، أيضا ، خاصة رئيسة من خصائص النظام الهرمي المركزي فهو نظام رتيب لا يشبع رغائب النفس بما فُطِرَتْ عليه من حُبِّ التعلم والابتكار ، فَلَهَا فضول وشغف بكل جديد وذلك بداهة ما لا يكون في نظام بيروقراطي رتيب لا سيما إن كان من النوع الهرمي المركزي فإنه يمنع ، كما تقدم ، حق احتكار المعلومة إلا بالقدر الذي يحقق مآربه ، فإن أدخل تحديثا أو تعديلا فَبِمَا يُوَاطِئُ رغائبه ، فمثله في ذلك كمثل المحتل من خارج واضرب له المثل في مصر بما تقدم من صَنِيعِ الاحتلال البريطاني فإنه لم يسع في تحديث مصر وإدخال أنظمة تقنية جديدة إلا ليحقق مصالحه في استغلال الأطراف ، فهو يحدثها بِمَا يزيد من إنتاجِها الخادم للمركز ، لا سيما الإنتاج الأولي من الخامات ، فَبِهِ تَتَحَرَّكُ آلة الإنتاج التي يحتكر المركز أسرارها ، فهو ، أيضا ، كنواة النظام الصلبة ، فَيَمْنَعُ حَقَّ تَدَاوُلِ المعلومة إلا بالقدر الذي يحقق مآربه ، فالعنصر النابه لا مكان له في نظام هرمي مركزي يقيس الكفاءة بالولاء ذي الطابع السلطوي المستبد ، فهو ولاء لشخص أو مجموعة شخوص تشكل نواة صلبة ، ومن حولها فهو في فَلَكِهَا يدور ، فلا يرضى عاقل ذو نفس شريفة أن يكون لبشر مثله تَبَعًا ، فليس بصاحب رسالة يُوحَى إليه ، وليس ، بداهة ، بإله يعلم ويرزق ، فليس إلا بشرا مثله لا يضر ولا ينفع فما يجعل له سيادة ؟! لا سيما وهو ليس بذي كفاءة ولا كفاية وإنما اعتلى هَرَمَ السلطة غفلةً بما يجيد من فنون النفاق والرياء وهي ، بداهة ، لا تَزِيدُ في الكفاءة والإنتاج ! ، وإنما تُرَسِّخُ السلطة على حساب الكفاءة ، فهي تَعْتَمِدُ المركزية المستبدة فلا تُمَارِسُهَا رَغْبَةً فِي الإشراف والرِّقَابَةِ بِمَا يحقق أهداف المنظومة من تقديم الخدمة العامة وزيادة الإنتاج ..... إلخ ، فضلا أن تكون بَوَاعِثُهَا رسالية تجاوز هذه الدار إلى ما بعدها من دار الحساب والجزاء ، فيكون عنوانها العنوان العمري المحكم : لو عَثُرَتْ دابة في العراق لَسُئِلَ عنها عمر لِمَ لَمْ يُسَوِّ لها الطريق ويمهد ؟! .
    فالسلطة الهرمية تَعْتَمِدُ المركزية المستبدة التي تستبعد من لا تَثِقُ فِي ولائه التام فتمارس التطهير لكافة مستويات السلطة لا سيما في المناصب السيادية ، وَتُقَرِّبُ من يُوَالِيهَا ولو مُنَافِقًا يَتَزَلَّفُ فهو من أصحاب الولاء المزيف ولكنه يجيد المكر فَيَتَصَنَّعُ الولاء وَيُبَالِغُ فِي الخضوع ، ويحسن يَلْبَسُ لكلِّ حالٍ لبوسها ، فهو ، أبدا ، مُتَشَبِّعٌ بما لم يعط ، فَثِيَابُهُ ثِيَابُ الزُّورِ ، وليس له من مؤهلات الرياسة إلا المداهنة والتصنع دون حرج في صدره فَلَيْسَ ابْتِدَاءً ذا رأي أو موقف في الحياة لِتَلُومَهُ نَفْسُهُ إِنْ فَرَّطَ في قيمة أو مبدإ ، فإذا آل الأمر لواحد أو نخبة مركزية ذلك وصفها فلا بد أن تسعى بداهة في تطهير المنظومة بذريعة اجتثاث الفوضى التي تآمر مَنْ أَثَارَهَا على الدولة والوطن والأمة بل والدين إن لزم الأمر ! ، وتلك هي الدعاية الرئيسة التي روج لها نظام الحكم في مصر بعد يوليو 2013 ، فهي مِثَالٌ قِيَاسِيٌّ على ما تَقَدَّمَ من وصف السلطة الهرمية المركزية التي جمعت الفساد والترهل في نفس الآن ، فبيروقراطيتها من النوع القديم الذي يثير السخرية تارة والاشمئزاز أخرى ، وهو ما يجده صاحب أي معاملة يسوقه القدر سوقا إلى مَكَاتِبِهَا ويضطره الظرف القاهر أن يُدَارِي عَنَاصِرَهَا فمنهم من يصدق فيه قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ" ، وإن لم يخل المشهد فِي أحيان من صاحبِ ذوق وتهذيب فذلك إنما يرجع في الغالب إلى أصل كريم ونشأة أسرية طيبة ، وإلا فالسلطة الهرمية المستبدة لا تَزْرَعُ هذه المشاعر في نُفُوسِ عناصرها ، بل تحرص على أضدادها لا سيما في مستويات السلطة السيادية التي تملك صلاحيات تنفيذية واسعة في تقييد الحركة والضبط والإحضار ، فتلك مستويات تُلَقَّنُ مشاعر الكره والكبر ، فالمجتمع خصم حقير فوضوي لا يستحق التقدير فلا تصلحه إلا العصا الغليظة ، فهو كالعبد الذي ذمه أبو الطيب في قوله :
    لَا تشـتَـرِ الـعَـبـد إلا والـعَـصَـا مـعــه ******* إِن الـعَـبِـيــدَ لأنـــجـــاسٌ مَـنـاكــيــد

    فلا تَحْكُمِ المجتمع إلا والعصا في يدك فالمجتمع لئيم يجحد المعروف ! ، وإن كان هو صاحب اليد على السلطة فَلَوْلَا ما تجبيه من مكوس وما تستقطعه من رسوم ما وجدت مالا لِتَشْتَرِيَ به ولاءات الجند والخدم وكهنة الفكرة والدعاية ، فليست إلا كائنا طفيليا يَغْتَذِي عَلَى دماءِ المجتمع اللئيم الذي يُنْكِرُ الجميل ، جميل الأمن والأمان ! ، فَلَوْلَا السلطة لسقطت الدولة وآلت الحال إلى الفوضى ، فقد نجحت السلطة في تَرْسِيخِ دعائمها إذ انتحلت زورا لقب الدولة فضلا أن تَزِيدَ في الدعوى فَتَزْعُمَ أنها قد خرجت من رحم الأمة وليست إلا ابنا غير شرعي لمركز احتلال واستبداد من خارج ، فهي تزعم أنها تمثل المجتمع فَتَحْفَظُ أمنه وتحقق مصالحه وتسعى في تطهيره من العناصر الفاسدة ، فكل من خالف عن أمرها فاتخذ القرار أن يكون ذا موقف في الحياة ، ولو في مشهد واحد ، فتلك علامة التمرد والعصيان فلا بد من الْبَتْرِ والاستئصال وَتَنْظِيفِ الجرح من الصديد والقيح ، لا جَرَمَ كَانَ من وُعُودِ السلطةِ الحالية فِي مصر بعد أن اسْتَوْلَت على مقاليد الأمر أن وعدت لجان التفتيش من خارج أنها سوف تطهر الجيش ، وهو مركز السلطة الهرمية فِي مصر ، أنها سوف تُطَهِّرُهُ من كل ذي أيديولوجيا تخالف عن قيم المركز الرأسمالية ، وذلك وعد يقدمه كل حكم وظيفي تابع أيا كان الخصم ، كما يضرب بعض الباحثين المثل بحركة الجيش في تركيا في 12 سبتمبر 1980 فقد تحرك لقمع النخبة اليسارية التي تخالف عن قيم الحلف الأطلسي الذي يَتْبَعُهُ ، فليس إلا أداة وظيفية تطوق المعسكر الشرقي فلا يسمح ، بداهة ، بِتَمَدُّدِ أي حركة أو تَنْظِيمٍ يحمل قيم اليسار ، فليست السلطة في هذه المواجهة إلا أداة وظيفية وسيطة بين المركز من خارج وخصومه في الداخل لا سيما خصوم الأيديولوجيا ، وهو مشهد تكرر في مصر في يوليو 2013 ، فقد تحرك الجيش لقمع النخبة الإسلامية التي تخالف ، أيضا ، عن قيم الغرب الليبرالية ، فليس إلا أداة وظيفية تُطَوِّقُ الصحوة الإسلامية في الشرق على ما اعْتَرَاهَا من نَقْصٍ ، وذلك أمر بَدَهِيٌّ وإن لم يكن مُسَوِّغًا يُبَرِّرُ الإخفاقات المتكررة التي تدل على قلة الفقه والاعتبار بما جرى ويجري من وَقَائِعَ لم يطل بِهَا العهد وَيَبْعُدْ ، فلم تَسْلَمِ الصحوة الإسلامية من النَّقْصِ إذ لا صغير يكبر فجأة فَيَتَعَلَّمُ المشي دَفْعَةً بل لا بد له من عَثَرَاتٍ ، لا سيما وقد خرج من مخاض مؤلم بعد أن استعمل المركز أدواته الوظيفية الصلبة في ضرب الهوية الشرقية الأصيلة وَأَحَلَّ عوضا منها هوية مصطنعة لا تحكي قيم المجتمع فلا بد من فرضها بالقوة المسلحة ، فهي في هذا المشهد ، أيضا ، أداة وظيفية وسيطة بين المركز في الخارج وخصومه في الداخل ، وهي من احتكر معيار الصحة والفساد ، فمن صالحها فهو الصالح ومن ناجزها فهو الفاسد فَهِيَ مركز الأمر والنهي ومعيار الحسن والقبح ، فما سواها من القيم والأفكار فليس إلا المتشابه الذي يُرَدُّ إلى محكمها ، فَانْتَقَلَ مركز التشريع إِلَيْهَا من الوحي ، وَانْتَقَلَ مركز الاختيار والتأثير إِلَيْهَا من المجتمع ، فاحتكرت السلطات جميعا ، فلا يجد أي حُرٍّ يحمل قيم الهوية الأصيلة بل ويملك حد أدنى من احترام الذات ولو انطلاقا من نظرية أرضية محدثة لا يملك إلا الانزواء في ركن بعيد أو الهجرة إلى وطن بديل ، فالأمر يجاوز حد الهجرة طلبا للرزق ، وإن كان ذلك مما يحمد فهو من مقاصد الوحي المحكم ، فـ : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ، فَثَمَّ هجرة طلبا للرزق ، وثم أخرى فِرَارًا بالدين أو الحياة أو العقل الذي يستنكف المثال الهرمي آنف الذكر ، فهو يُمَارِسُ من الاستبداد والتسلط ما يَضِيقُ به الفضاء الواسع ، فَثَمَّ ما اصطلح أنه التأطير الذي يفصل أنشطة الحياة ويضعها في أطر محكمة تخضع للسلطة التي تَبُثُّ قِيَمَهَا عَبْرَ هذه الأطر الفكرية والسياسية والإدارية والأمنية ، فهي ، كما الحال في مصر الآن ، تصنع مثال الحكم الشمولي الذي يتدخل في أدق تفاصيل الحياة فيجاوز حد الشرع والعقل والعرف في احترام الخصوصية الذاتية ، فمن عجب أن يتحدث رأس النظام علنا ! أنه يجهز قاعدة بيانات تحت الأرض على عمق كذا وكذا من الأمتار ، 14 مترا إن لم تخن الذاكرة ، وهو مغرم باستعراض قدراته الفذة على حفر القنوات والخنادق ! ، فيجهز قاعدة بيانات تُدِيرُهَا نخبة جديدة ، نحو خمسين ألفا من الموظفين المختارين بعناية المصنوعين على عين السلطة فَهُمْ نواة صلبة لنسخة جديدة من نسخ الحكم المركزي في مصر وإن كانت أشد مركزية وشمولية فهي أشد وسوسة إذ لا تملك حدا أدنى من الشرعية السياسة إلا شرعية الأمر الواقع الذي يفتقر إلى احتياطات أمنية كبيرة يَطُولُ زَمَانُهَا على وجه يستنزف قوة الأفراد والهيئات ، وهو ما يجعل الانتقال إلى الملاذ الآمن حتما لازما ، فمنه يُدَارُ المجتمع من قمة الهرم المدفون تحت الأرض ! ، فَثَمَّ مثال شديد المركزية يأرز إلى عقل أمني غير مبدع ، فهو لا يجيد إلا أعمال التجسس والتحسس وحيازة الْمُسْتَمْسَكَاتِ اللاأخلاقية ! ، فتلك أدواته في التحكم والسيطرة ، وهي أدوات قذرة تلجأ إليها السلطة الفاشلة إذا أَخْفَقَتْ في إدارة الدولة وتقديم الخدمة العامة وتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم ، وهو حد لا يقتصر ، كما تقدم ، على عيش الأبدان فذلك ما يشترك فيه الإنسان والحيوان ، وإنما يجاوزه إلى الأديان ومنظومات القيم والأخلاق ، فلا أفسد عليها من المثال الهرمي المركزي فهو يُفْسِدُ الطبائع السوية بِمَا يمارس من التَّلْقِينِ الإجباري والفصل التَّعَسُّفِيِّ بَيْنَ أجزاء الحياة بذريعة التنظيم والإرادة ، فهو الحق الذي يُرَادُ به الباطل ، فَلَيْسَ الْغَرَضُ من هذا التأطير والترتيب خدمة المجتمع وإنما الْغَرَضُ ، كما يقول بَعْضُ الباحثين ، هو إحكام السيطرة عَلَيْهِ ، السيطرة على مَوَادِّهِ الجسمية والعقلية فَتِلْكَ السيطرة على الفرد ، والسيطرة على المجتمع بصناعة الملل والأفكار ، فالسيطرة المركزية قد اتخذت أسماء ذاتَ بُعْدٍ أخلاقي ، كأسماء التربية والترتيب ، كما يذكر بعض الباحثين في ظاهرة التأطير الاجتماعي في مصر ، فالقاسم المشترك الأعظم بَيْنَ مؤسسات الدولة الحديثة ، هو الهيمنة على الفرد والمجتمع مِنْ خلال أمثلة سلطوية ، فالمؤسسة التعليمية والمؤسسة السياسية والمؤسسة الإعلامية ...... إلخ ، مؤسسة هَرَمِيَّةٌ تحكي الفلسفة الشمولية ، فَثَمَّ سلطة أرضية فقيرة طامحة في الاستيلاء على الحكم طامعة في الاستمتاع بمباهجه ، فلا تَعْدِلُ ، بداهة ، في الحكومة أو الخصومة ، فَإِنَّ الفقير إلى شيء لا تؤمن حكومته إذ تَمِيلُ بِهِ الأهواء العقلية وَتَتَقَاذَفُهُ الحظوظ النفسانية ، فكيف يصح في الأذهان أن السلطة الأرضية التي تفتقر إلى الأسباب هي مَنْ يَعْدِلُ في الحكومات ، وَلَهَا في كل حالٍ مأرب ؟! ، وذلك معيار حاكم في أي سلطة ، فلا بد من توصيف المشرِّعِ الذي يضع القانون ، فَيُشْتَرَطُ فيه العلم والعدل والحياد الذي يخرجه أن يكون طَرَفًا في الخصومة ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما تَفْتَقِدُهُ السلطة الأرضية ، لا سيما الهرمية المركزية ، فاجتهادها أن تُفَتِّشَ فِي السَّرَائِرِ وَتَتَجَسَّسَ على الأفراد والهيئات فَقَوَاعِدُ بَيَانَاتِهَا قواعد تَحَكُّمٍ وسيطرة ، فلا يَعْنِيهَا ، ولو في أعرق الديمقراطيات الأرضية ، أن تخدم المواطن بقدر ما يَعْنِيهَا السيطرة والتحكم انطلاقا من نظرية السلطة الانضباطية التي تَبُثُّ في رُوعِ المواطن أنها إله يعلم ما يطوي صدره من الأفكار والرغائب ، فَغَايَتُهَا ، كما يقول بعض الباحثين ، أن يَتَحَوَّلَ المجتمع كله إلى سجن ذي شكل هندسي ، وهو ما ينعكس على أخلاق الفرد فإن للسجن منظومة أخلاق تخالف بداهة عن منظومة الحياة خارجه ، فداخل السجن لا طموح يُجَاوِزُ اليوم ، فَضِيقُ السجن يُؤَثِّرُ فِي طاقة العقل أن يَبْتَكِرَ ويجاوز الحاضر إلى المستقبل لا تَخَرُّصًا وَإِنَّمَا أَخْذًا بِالْأَسْبَابِ وَجَرْيًا على الخطوات التي تَتَرَاكَبُ تَرَاكُبَ القياس الصريح مقدماتٍ وَنَتَائِجَ ، فذلك من عمل العقل الحر الذي لا يمكن أن يَنْشَأَ فِي مهاد الاستبداد ، فالاستبداد والظلم يصيب النفس بالإحباط والإحجام فلا تملك تصورا ولا إرادة ، فَتَجْبُنُ أَنْ تُفَكِّرَ فَقَدْ تخرج عن النص المحكم ، نص السلطة الذي يُوَاطِئُ حَظَّهَا في رياسة مطلقة لا تكون إلا أن يَنْزَوِي الفرد وَيَخْجَلَ ، فالخجل وَالتَّرَدُّدُ وصعوبة النطق فهو يحكي صعوبة أخرى في صناعة الفكرة ، فمنطق الظاهر ليس إلا تأويلا لما يحصل في المنطق الباطن ، وفسادُ الرأي وهو مجموع مركب من فساد المدخَلَات إذ لا معلومة صحيحة يَنَالُهَا العقل من ناصح ، فالسلطة غاشة للرعية يصدق في صاحبها قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" ، فثم رأي فاسد إذ المدخَلات فاسدة فهي كاذبة إما في مادة الخبر وإما في التحليل والاستنباط فَثَمَّ مَنْ يَتَحَكَّمُ في صناعة الرأي فهو يمارس الوصاية على العقول فَيُقَزِّمُهَا فَلَيْسَتْ تَعْلَمُ إلا ما تُعَلَّمُ من سلطة مركزية تحتكر المعلومة وتحجبها عن الجمهور ، وهو مَنْ يدفع ثَمَنَ الإهمال والترهل في بيروقراطية اخْتُزِلَتْ في السلطة فَحِفْظُ مصالحها ولو على حساب الجمهور هو الغاية ! ، مع أن هذه البيروقراطية تَرْفَعُ شعار الخدمة العامة للجمهور ، فذلك العنوان الرسمي ، وأما الإجراء الفعلي فهو تقزيم المجتمع وإضعافه ، فالمدخَلات الفاسدة من المعلومات ، وآلة العقل الذي شَوَّهَهُ الاستبداد فهو من يعالج هذه المدخلات ، فَثَمَّ فساد في المدخلات ، وفساد في الآلة المعالِجة ، فلا تكون المخرَجات بداهة إلا فاسدة ، وذلك فعل الاستبداد الذي أضعف النفوس وأفسد الأخلاق ، فالمواطن المصري كما يصفه اللورد كرومر : خجول مُتَوَحِّدٌ ولا يكون ذلك إلا من الاستبداد والتحكم الذي يستهدف الفرد بجرعة عالية التَّرْكِيزِ من الإهانة النفسية والبدنية ، وهو ما يحمله على الانزواء جانبا فلا يطيق أي مواجهة إذ يفتقد الثقة في النفس بما مُورِسَ ضده من العنف ، وضعف الثقة يُفْضِي إلى انعدام المبادرة وذلك وصف آخر من أوصاف المصريين كما يقرر اللورد كرومر ، فثم أخلاق اللامبالاة والسكون وذلك وصف القمع والقهر فلا يكترث صاحبه إذ قُتِلَتْ فيه معادنُ النجدة ، وهو ما يُفْضِي إلى انعدام الإحساس بالأمان بالنسبة إلى المستقبل ، ولا عيشة لخائف ولا طموح لمن يخشى مستبدا قد يسلبه ما شَيَّدَ من عمران أو اكتسب من تجارة أو صناعة ، فما يحمله أن يغامر وليس ثم ضامن من قانون أو حارس ؟! ، فالمستبد قد استجمع السلطات جميعا فَصَارَ هواه هو الحكم فلا يأمن أولياؤه فضلا عن خصومه ! ، فلا يَتَقَوَّى به ضعيف ليأخذ حقه من قوي ، كما أبان الصديق ، رضي الله عنه ، في خطبته ، فـ : "أضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه" ، بل قد صارت السلطة عَضُدَ القويِّ فهو يُؤَثِّرُ في قَرَارِهَا بجاهه وماله ، فلا يستقر الملك في بيئة الاستبداد وهو ، كما يقول اللورد كرومر ، ما يَقْتُلُ روح الاجتهاد والحاجة إلى التملك فما يُلْجِئُكَ أن تكد لِتَتَمَلَّكَ ما لا تملك ؟! ، فالسلطة المستبدة قد تملكت البلاد والعباد ، ما عَلَا الأرض وما سفل ! ، وذلك ما زَادَهُ إدوارد لين بَيَانًا فأرجع إفراط المصريين في تعاطي التبغ والقهوة والحشيش ، والقاهرة تحتل مركزا متقدما بين مدن العالم ، الخامسة عالميا فِي تعاطي هذا المخدر بعينه ، فذلك إفراز بدهي لحال القمع الذي يسد الأفق وَيَقْضِي عَلَى الطموحِ في غَدٍ أفضل ، فالاستبداد لا يقتصر على ما أفسد في الماضي وما يفسد في الحاضر فهو يصادر المستقبل فَيَقْتُلُ الحلم في مَهْدِهِ ، فيلجأ المجتمع إلى الهروب من هذا الواقع بما يَتَعَاطَى من المكيِّف والمخدر وما يُهْدِرُ من الوقت على المقاهي وأمام الشاشات وفي الشوارع تَنَزُّهًا بلا غاية فليس من جَمِّ النفوس لتستأنف نشاطا يَنْفَعُ في دين أو دنيا بل قد صار التَّنَزُّهُ والاستجمام هو النشاط كله ! إذ اعتاد صاحبه الكسل فليس ثم ما يحرك بواعث الإرادة والفعل ، فالعامل ، كما يقول إدوارد لين ، يَقْضِي عادة يومين في عمل يمكنه إنهاؤه بسهولة في يوم واحد مع عناد وتحكم ، فلا يستجيب صاحبه لنصح ، فالاستبداد يُوَلِّدُ في النفوس العناد ، ولو أَضَرَّ ، فهو رَدُّ فِعْلِ العاجز إذ لا يطيق دفع الصائل ، واضرب له المثل بعناد الطفل الصغير ، فهو يستجيب قهرا تحت وطأة العنف والتوبيخ ولكنه يُبْطِنُ العناد فَبِهِ يَدْفَعُ الصائل الذي يَرُومُ قَهْرَهُ وإلغاء وجوده فمصادرة الإرادة إلغاء لوجود الإنسان إذ خاصته الرئيسة ، ولو طفلا ، أنه ذو موقف واختيار لا يمكن حمله على ضده بالقهر والإكراه ، بل قد أبطل الوحي إيمان المكره ، فـ : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) ، فلا رأي لمكره إن في أصل الدين الجامع أو في فَرْعٍ من فروعه ، ولو دق ، بل لا نجاة في إيمان يُكْرَهُ صاحبه فإيمانه ابتداء باطل ! ، فكان من شؤم الاستبداد أن وَلَّدَ في النفوس العنادَ ولو في حق ، فلا أثقل على النفس أن تُهَانَ وَتُكْرَهَ ، ولو أظهرت الخضوع فَهُوَ عارض مُؤَقَّتٌ حتى تحين فرصة بها تَثْأَرُ ممن ظلمها وقد تُجَاوِزُ في الغالب حَدَّ العدل فيكون رَدُّ فالفعل ظلما بآخر فلا تَعْدِلُ في ثَأْرِهَا بل تَزِيدُ لا سيما وليس ثم معيار محكم به تُقَاسُ الأفعال وردود الأفعال فالبيئة ، في الجملة ، قد فسدت ، وحظوظ النفس إن في الظلم أو في الثأر من الظالم ، حظوظ النفس قد عَظُمَتْ ، فإذا كانت النفوس تُمَارِسُ العناد ، ولو عناد الأطفال ، لِتُبْدِيَ الاعتراض والمقاومة ، فلا تستجيب لنصح ، ولا تَتْبَعُ رَأْيًا يُخَالِفُ عَنْ رَأْيِهَا ، ولو صحيحا ، مع تأخير العمل عن موعده فلا رغبة في ابتكار أو إنتاج ، فلا يكون ذلك في فكرة أو حركة إلا إذا كان من الحرية ما يفتح الآفاق بلا انفلات ويحفظ الحقوق فلا انْتِهَاكَ ، فانصرف المصريون إلى المكيِّفَاتِ والمخدرات كما يرصد إدوارد لين في القرن التاسع عشر ، فكيف لو عَاشَ في هذا العصر ونظر في حال المصريين بعد انْتِقَالِهم من الاستبداد الملكي إلى نظيره الجمهوري ذي الطابع العسكري الذي تذرع أنه جاء ليحرر المصري من رق الملكية فأدخله في رق الجمهورية العسكرية المركزية ! ، فأبان نظام يوليو 52 عن أمراض المركزية آنفة الذكر في النفس المصرية المقهورة ، فلا زالت خاملة لا تريد الحركة فهي تهدر ساعات طويلة يمكن استخدامها في شيء مفيد مُرْبِحٍ إن في الدين أو في الدنيا ، إن في الفكرة أو في الحركة ، فَذَاعَ الكسل وهو سبب في تدهور الشعوب ، وقوة الشعوب ودرجتها ، كما يقول بعض المفكرين ، هي مجموع من أخلاق الأفراد ، فإذا فَسَدَتِ الأخلاقُ الفرديةُ ، وَهُوَ مَا يكون في الأنظمة الاستبدادية ، فالمجتمع يَفْسَدُ تَبَعًا ، فهو مجموع الأفراد ، كما تقدم ، فمن عجب أن فطن الإنجليز وهم المحتل الوافد ، أن فطنوا لهذه الأمراض النفسانية التي أصابت المصريين من جراء الاستبداد ، فاعتبر البريطانيون ، كما يقول صاحب "استعمار مصر" ، اعتبر البريطانيون أن مهمتهم هي تخليص مصر من شرط الإفراط في الحكم ، وهو ما يكون في الحكم الهرمي المركزي ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر لا يقتصر على الشعب المصري بل هو قانون عام في جميع الشعوب ، ولكنهم ، أي البريطانيون ، لم يَنْصَحُوا النصح الكامل فهم كأي محتل وافد لا يعنيه إلا زيادة الطاقة الإنتاجية للأطراف بما يعود على المركز بالرخاء والرفاه ، فَغَايَتُهُم ، كما يقول صاحب "استعمار مصر" أن تُطْلَقَ الطاقة الإنتاجية للفلاح المصري إلى آخر مداها ! ، فكان من الاستبداد ما قمع الحرية وهو ما تذرعت له السلطة بالأمن ، والحرية ، كَمَا تَقُولُ بَعْضُ الباحثاتِ ، هي القيمة العظمى في أخلاق الرجال ، في مقابل الأمن فهو القيمة العظمى في أخلاق النساء ، وهو ما يرجح ما قال بعض المصنفين في سيكولوجية الشعوب أن الجمهور أُنْثَوِيُّ المشاعرِ فهو يروم من يغازله ويجامله فَيَصِفُهُ بما ليس فيه من أوصاف الجمال والفتنة ! ، وإن كان الممدوح يعلم أن المادح كاذب ، فهو يغتذي بهذه المشاعر ، ولو مصطنعة ، وهو يروم من يحميه فلا بد من بطل ذي خلفية عريضة ! ، فهو الذي يحوط الأنثى بذراعه ويحملها على حماره ! ، فكذلك الشعوب التي حملت في جيناتها جين العبادة للبطولة ، كما يقول بعض المفكرين الإنجليز ، وهو يحكي أَبْرَزَ ما ورثت الحضارة الغربية المعاصرة من الحضارة اليونانية والرومانية فقد ورثت مركزية هذا البطل الذي يحمي الأمة في مقابل أن تسلم له القياد فلا تُنَاقِشَ ولا تُجَادِلَ ، فهو يعلم المصلحة أكثر منها ، وليست الْأُمَّةُ إلا امرأة ضعيفة يحوطها البطل بِذِرَاعَيْهِ فليس لها أن تعترض أو تَمْتَنِعَ ! ، فكذلك يريد المستبد من الجمهور ، أن يتحول إلى امرأة تحركها بواعث الخوف من المجهول والرغبة في الأمن والاستقرار ولو أَفْسَدَ البطل المعاشَ والمعادَ مَعًا ! ، فأعظم قيمة في حياتها هي قيمة الأمن ، ولو وهما ، لا جرم كان المستبد أبدا يمارس التخويف والترهيب بضرب المثال على الهدم والتخريب فهو مَنْ حَالَ دونه وهو من أنقذ المجتمع من ويلاته ، فوجوده وإن ظالما معطِّلا للوحي والعدل خير من عدمه ، مع أن وجود العادل المعظم للوحي والعدل خير منه ! ، فلا يكون ضرب المثل إلا بالأدنى تخويفا يحمل المرأة أن تَرْضَى بأدنى معيشة في كنف زوج ظالم جريا على نظرية : ظل رجل ولا ظل حائط ، كما يقال في المثل الدارج في مصر ، فكذا الشعوب إذ تَأَنَّثَتْ ولم يظهر من فحولتها ما يَكُفُّ يَدَ المستبد ، وليس ذلك ، لو تدبر الناظر ، مما اختص به شعب دون آخر ، وإن كان للشعب المصري منه أوفر حظ بما مُورِسَ ضده من استبداد وَتَغْيِيبٍ عن صنع القرار عبر العصور ، إن في ممالك الكفر أو ممالك الإيمان ، إن في ممالك العدل أو ممالك الطغيان ، فالشعب المصري ، في الجملة ، لم يكن ذا رأي أو مشورة فهو أبدا يَتْبَعُ من غلب عادلا كعمرو بن العاص وصلاح الدين الأيوبي أو ظالما كالمعز الفاطمي ومحمد علي فضلا عن الأمثلة المحلية بعد يوليو 52 فهي أمثلة استبداد محلي وإن كانت ذا ولاء للمركز على تَفَاوُتٍ بَيْنَهَا في هامش المناورة السياسية ، ولو تدبر الناظر ، لوجد أَنَّ مَنْ يحمل جينات الفحولة التي تُنَاجِزُ السلطة هي الطبقة الوسطى ، فهي ، أبدا ، خصم الاستبداد ، إذ تُعَانِي ، كما يقول بعض الباحثين ، تُعَانِي من القلق فهي أَبَدًا تُفَكِّرُ وَتَرْغَبُ في غَدٍ أفضل ، ولا أشد على الاستبداد من عقل يُفَكِّرُ ويقترح ما يُهَدِّدُ وجود السلطة فَتَغْيِيبُ العقول ، وحجب المعلومات ، عامل رَئِيسٌ في استقرار الحكومات ! ، فضلا عن القمع الخشن ، فلا تخشى السلطة المركزية المستبدة إلا مَنْ يُفَكِّرُ وَيَقْتَرِحُ فهو يَعْتَرِضُ على ما يَرَى مِنْ فساد السلطة ، وهو يملك من هامش القوة والثروة ما يجعله خطرا ولو على المدى البعيد ، فَثَمَّ فائضُ وقتٍ لا بد أن تَشْغَلَهُ السلطة بالبحث عن الرزق ، فَتُضَيِّقُ عليه وَتُعَسِّرُ لِتُلْحِقَهُ بالطبقة الأدنى فلا تملك إرادة التغيير ولا تملك أدواته ولا تملك أي فائض من فكر أو جهد أو ثروة أو وقت ، فهي أبدا تكابد لِتَبْقَى على قَيْدِ الحياةِ ، وفوقهما جميعا طبقة مترفة وإن امتلكت أدوات التغيير إلا أنها بداهة لا تمتلك إرادته فقد أفسدها التَّرَفُ ، بل لا ترغب في ذلك ابتداء فهي ضد أي تغيير قد يضر بمصالحها شديدة المركزية ولو أضرت بالمصلحة الجماعية فالسلطة الهرمية ذات الطابع المركزي سلطةٌ شديدة الْأَثَرَةِ والأنانية ، تمارس التضييق على الجمهور ، ولو في تصميم العمران والفضاء الخارجي فله تأثير غير مباشر في الوجدان النفساني ، فَتَصْمِيمُ المدينة والقرية تصميم يجاوز البنية الظاهرة إلى أخرى باطنة انطلاقا من نظرية التربية الرسمية ، أو التربية العمومية التي احتكرتها السلطة وَانْتَزَعَتْهَا من مؤسسات المجتمع التي تَصْنَعُ هَوِيَّتَهُ الذاتية بلا تدخل من خارج ، فالسلطة قد فطنت لذلك فَلَنْ تستطيع السيطرة على المجتمع طالما استقل بالفكرة والحركة فكان له من الموارد الذاتية ، المعنوية والمادية ، ما يجعله خصما يُنَاجِزُ السلطة الهرمية المركزية ، فهي سلطة تحتكر من النفس موضع الإله مع افتقارها إلى خصائص الألوهية الصحيحة ، فلا هي أعلم ، ولا هي أنصح ، ولا هي أفصح ، فلا تعلم ما يَنْفَعُ المجتمع ويضرُّه وإن مارست عليه من أبوة الْفِكْرِ والسياسة ما يَنْفِرُ منه أي عاقل حر يأبى الانقياد لبشر يضاهيه في الماهية والوصف ، ولا تَنْصَحُ وإن تظاهرت بذلك فغايتها ولو في أعرق الأنظمة الديمقراطية أو الليبرالية ، غايتها أن تسيطر على المجتمع بتأميم أفكاره وأمواله سواء أكان ذلك بطرائق خشنة كما الحال في الأمثلة الهرمية الصلبة ، أم بأخرى ناعمة لا يفطن لها المجتمع لا سيما وقد قُطِعَتْ صِلَتُهُ بالوحي فما أسهل التحكم في تَوَجُّهَاتِهِ فَهُوَ يختار ما اختارت له السلطة الناعمة بأدوات دعايتها وإعلامها .

    فَلَا بُدَّ في جميع الصور ، الناعمة أو الخشنة ، لا بد من مركزية تحتكر الفكرة والقرار ، وباعثها ، كما تقدم ، الحاجة والافتقار ، خلافا لمركزية الرسالة التي جاءت تهدم المؤسسات المركزية ، الكهنوتية والسياسية ، فَثَمَّ تَنْظِيمُ الكهنةِ الذي امتاز من المجتمع فَلَهُ ألقاب ودرجات وله أزياء ومراسم ، فَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يدخله ، وَثَمَّ تنظيم السياسة الذي ينطلق من مبدإ الحق الإلهي المتوارث الذي يمنحه الكهنوت فِي مُقَابِلِ ما يحظى به من الامتيازات الأدبية والمادية ، وثم تَنْظِيمُ الاقتصادِ الإقطاعي ، فالحكم المركزي الهرمي الصلب قد احتكر جميع السلطات : التشريعية والقضائية والتنفيذية وإن زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ على مثال حداثي يَفْصِلُ بَيْنَ السلطات ، وتلك ، أيضا ، من الدعاية التي أطلقت فَفِيهَا من الحق ما أُرِيدَ به الباطل ، فلا يَعْرِفُ الوحي ذلك الفصل الحاد بَيْنَ السلطات كما الحال في الأنظمة الأرضية العلمانية ، فالوحي قد جاء فاستغرق الجميع فهو مصدر التشريع وهو من يُنَظِّمُ إجراءات التقاضي والإنفاذ للأحكام على قاعدة العدل والمساواة ، فمركزيته تخالف بَدَاهَةً عن مركزية المرجع الأرضي الذي يحتكر السلطة وإن تَظَاهَرَ أنه يُنَظِّمُهَا وَيُجَزِّئُهَا بَيْنَ تشريع وقضاء وإنفاذ ، فذلك إن صَحَّ فَفِي الإجراء لا في أصل النظرية الفلسفية التي تُبَرِّرُ طغيان العقل الأرضي في مناجزة الوحي السماوي ومنازعتِه أَخَصَّ أوصافه أنه من يُنْزِلُ الشرع فهو المصدر والمرجع المجاوز من خارج فَبَرِئَ مما لم تبرأ منه المراجع الأرضية فلا تجاوز قصور العقل وحظ النفس وإن اجتهدت ما اجتهدت أن تصيب الحياد والتجرد فلا تسلم من بواعث ذاتية ولو خفية .

    فاسم المركزية الأرضية يَظْهَرُ في عَنَاوِينِ السلطة المستبدة واضرب له المثال بمصر ، أيضا ! ، فَثَمَّ الأمن المركزي والجهاز المركزي للمحاسبات ، والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ...... إلخ ، وكلها أدوات تحكم وسيطرة تجتهد في جمع أكبر قدر من المعلومات عن الخصم ! ، فالمجتمع ، كما تَقَدَّمَ مرارا ، هو الخصم الألد ، فتلك مركزية جاء الوحي يهدمها ، وفي مقابلها السلطة الأفقية ، وهي مثال الإدارة الناجح ، كما يقول بعض الباحثين ، فإن الاتصال المباشر بين القيادة والأفراد يسهم في زيادة الكفاءة بِتَجَاوُزِ الإجراءاتِ البيروقراطية المعقدة التي يَضَعُهَا المثال السلطوي الهرمي عَرَاقِيلَ فِي طريقِ الأفراد فلا يَتَّصِلُونَ بالقيادة إلا بعد جهد ، سواء أكان ذلك بذواتهم فلا يحظون بِلِقَاءِ القائد المقدس ! في النظام الهرمي إلا بعد إجراءات معقدة أَمْنِيَّةٍ وإدارية ، فالسلطة الهرمية تُضْفِي على ذَاتِهَا قَدَاسَةَ الإله الغائب عن الأنظار وإن حَضَرَ بِعِلْمِهِ المحيط ! ، فهي تَبُثُّ في روع المجتمع أنها ترقبه من خارج ، من عاصمة أو خندق خفي في مكان ما لا تفصح عنه ، فهو سر ألوهيتها الأعظم ! ، فَتَتَقَمَّصُ دور المرجعية المجاوزة من خارج ، فهي مرجعية الإله ، مع أنها تزعم أنها علمانية لادينية أو ضد دينية ، فالقياس أن تأبى الانقياد لأي مرجع يجاوزها من خارج ، فَبَثَّتْ في المجتمع روح التمرد على الإله الحق ، جل وعلا ، فَأَبَتِ الانقياد لرسالتِهِ السماوية ، المرجعِ المجاوز من خارج العقل ، عَقْلِ الفرد أو العقل الجمعي الذي نجحت السلطة فِي تَشْكِيلِهِ بِمَا تملك من أدوات الثقافة والدعاية والتعليم ، فَلَيْسَ التَّعْلِيمُ في هذا المثال الهرمي أَدَاةً لصناعة الوعي الذي يحرر العقل من الأوهام والخرافات ، بل هو أداة لِتَغْيِيبِ الوعي بذريعة تحريره من خرافة الميتافيزيقا الغيبية ، فهو أداة لعزله عن الرسالة السماوية ، وإحلال المرجع الأرضي محلها ، فهو الإله الجديد الذي صنعته السلطة من خارج المجتمع ، فَهُوَ مثال هَرَمِيٌّ شديد التَّمَايُزِ وَالانْعِزَالِ عن الأفراد ، وكلما امتاز منهم فكان كَيَانًا خارجا عنهم بَعُدَتِ الشُّقَّةُ فلا يدخلون عليه إن كان ذلك ممكنا ! ، إلا بعد إجراءات معقدة ، فالدخول في حضرته الإلهية يمر عبر إجراءات بيروقراطية شديدة التعقيد ، فَلَا جرم أن سُلْطَةً على هذا المثال الهرمي تحرص أيما حرص أن تمتاز من المجتمع امتيازَ الربِّ من العبد ! ، فلا تخالطه بذاتها المقدسة ، فهي في منزل أعلى ترقب وترصد ، وتعطي وتمنع ، وتشرع وتحكم فتمارس من وظائف الربوبية والألوهية ما به تَصِيرُ مرجعا من أعلى يجاوز مع أن النظرية العلمانية ، كما تقدم ، نظرية تأبى الانقياد لأي مرجع يجاوز من خارج ، فلم تخرج عن فطرة التأله التي رُكِزَتْ فِي كُلِّ فَرْدٍ وجماعةٍ ، فإنها إن لم تَنْقَدْ لمرجع حق يجاوزها من خارج فلا بد أن تَنْقَادَ لغيره لِتُشْبِعَ غَرِيزَتَهَا في التأله والتنسك ، فمن خرج عن عبودية الإله الحق وأبى الانقياد لمرجعه الرسالي من خارج دَخَلَ ضرورة في عبودية غيره وانقاد جبرا لمرجعه الأرضي فاستبدله بالمرجع الرسالي ، فلا بد من إله من خارجه يعبده فهو الذي يشرع ويحكم ، فإن لم يكن الإله الحق فَثَمَّ آلهة باطلة تَتْرَى ومنها الدولة الإله وذلك اصطلاح غربي لم تَنْقُصِ الصراحة واضعه إذ أبان عن حقيقة السلطة العلمانية في الدولة المدنية الحديثة .

    فَفِي المثال الأفقي تَزُولُ الحواجز بين القيادة والأفراد في منظومات الإدارة البشرية ، فكفاءتها تزيد إذ يكون الاتصال المباشر الذي يَخْتَزِلُ الإجراءات البيروقراطية المعقدة ، فلا يجهد الفرد أن يَتَّصِلَ بالقيادة ، ولا يدخل المحرَّر الرسمي نَفَقَ البيروقراطية المظلم فلا يصير نافذا إلا بعد مائة توقيع وختم فَيَنْتَقِلُ من موظف إلى آخر ، ومن إدارة إلى أخرى ، مع ما يكون من العراقيل التي تَتَقَصَّدُهَا السلطة تَارَةً ، وأخرى يَكُونُ ذلك من ضعف الأداء وَقِلَّةِ الكفاءة إذ المنظومة ابتداء لم تَقُمْ إلا على الولاء المطلق دون اعتبار لكفاءة أو كفاية ، فَثَمَّ قَامُوسٌ تَزْدَهِرُ مواده في أروقة هذه البيروقراطية الفاشلة ، فمنها مواد الاعتذار من قَبِيلِ "معلش ، حقك علي ، هدي أعصابك ، خمس دقايق والموضوع يخلص ، حاضر المدير جاي في السكة حالا ......." ، فهي اصطلاحات تَدُورُ على تَطْيِيبِ الخواطر وترحيل المشاكل دون حل ناجز ، وثم مواد التسويف من قبيل : "الموظف المختص مجاش ، فوت علينا بكرة ، السيستم واقع ، الجهاز عطلان" ، فذلك قاموس عامي مصري يحفظه كل موظف وَمُرَاجِعٍ ، وهو ما يكرس هرمية السلطة ، فالمحرَّر أو المستند لا يصدر إلا بعد سلسلة طويلة من الإجراءات التي لا يمكن اختزالها إلا بالمحسوبية أو الرشوة ، وتلك من أبرز خصائص السلطة الهرمية الفاشلة كما الحال القياسية في مصر الجمهورية العسكرية المركزية .

    واضرب له المثل بِعَارِضٍ مُؤَقَّتٍ قد خالف فيه الجيش في مصر عن مثال الهرم ذي القمة المعزولة عن القاعدة ، فبعد هزيمة 67 اقتضى المخطط السياسي التجهيزَ لضربة عسكرية محدودة تَدْفَعُ بمفاوضات السلام والتطبيع قُدُمًا إلى الأمام ، وهو ، بداهة ، أمر يدبر في غرف السياسة المغلقة فلا تدركه القواعد الجماهيرية ، المدنية أو العسكرية ، بل ولا يدركه كثير من القيادات الوسطى والعليا ، فهي قيادات تَنْفِيذِيَّةٌ تخضع للقرار السياسي ، وهو ما كان في مرحلة التجهيز للحرب ، فلم يكن المثال الهرمي يصلح بداهة في مرحلة إعادة البناء للجيش وبث روح التضحية والفداء في جنده ، فكان من حسن التدبير أن تَوَلَّى رئاسة الأركان قائد مشهور يتحرك من باعث ذاتي محترف ، فَلَمْ يدرك أبعاد اللعبة السياسية إلا بعد حين فلما اعترض كان نصيبه الإبعاد والتشهير ثم المحاكمة والسجن ، ومحل الشاهد أنه نجح في التحول من المثال الهرمي إلى نظيره الأفقي ، فَقَدْ كَانَ حريصا على الاجتماع بالجند والرتب الدنيا والاستماع إلى شكاواهم واقتراحاتهم دون عوائق بيروقراطية ، ولما اتسع نطاق العمل حرص على ترسيخ هذه الثقافة الأفقية داخل وحدات الجيش فلا يغيب قُوَّادُهَا عن الجند فذلك ما يسهم في رفع المعنويات وزيادة الكفاءة ، وهو ، لو تدبر الناظر ، من آحاد نوادر في تاريخ العسكرية المصرية الحديثة فلا يُقَاسُ عليه بالنظر في تاريخ الجيش المصري الحديث فلم يكن يَوْمًا إلا جيشا وَظِيفِيًّا تَابِعًا ، بل لم يخرج في تلك اللحظة عن هذا الدور الوظيفي ولكن الحال اقتضت آنذاك فتح هوامش كبيرة يَتَحَرَّكُ فِيهَا المجتمع بطاقاته الروحية والإدارية فَيَقْتَرِبُ أكثر من المؤسسة العسكرية التي وجدت نفسها مضطرة أن تَسْتَعِينَ بِهِ وَلَوْ مُؤَقَّتًا ، فصارت تحكي روح المجتمع الراغب في الثأر ، ولو انتحلت هذه الروح فذلك جزء من مخطط السياسة فلا بد من الاستعانة بالمجتمع في هذه اللحظة لصناعة نصرٍ ولو جزئي يُنْسَبُ إلى البطل الذي يُعَزِّزُ شرعيته لِيَتَّخِذَ بها قرار الانفتاح الاقتصادي والتطبيع السياسي الذي يُرْجِعُ المعادلة إلى صورتها الأولى : صورة الهرم المنعزل عن القاعدة وهو ما ترسخ عبر عقود من التطبيع كما يظهر الآن من حال القيادات والجند فَثَمَّ فجوة هائلة ، وثم قمة شديدة العزلة عن القاعدة ، فضلا عن عُزْلَةِ الهرم العسكري كله عن سائر المجتمع بل الخصومة بَيْنَهُمَا قد اشتدت ، فتآكلت شرعية النظام وهو ما ألجأه أن يُفْرِطَ في استعمال العنف في الداخل ، وَيُفْرِطَ في التنازل في الخارج فَذَانِكَ رَافِدَا شَرْعِيَّتِهِ الوظيفية في هذه اللحظة الفاضحة ، وهو ما زاد الهرمية المركزية على حساب الأفقية ، فالهرمية أليق بالاستبداد الذي يخالف عن توجه المجتمع الفكري والسياسي فلا بد من تنظيم صلب يقمع أي حراك فاعل في المجتمع ولا يكون ذلك بداهة وثم اتصال وثيق بين القيادة والقاعدة بل لا بد من وضع العراقيل وبث الكراهية في أروقة السلطة ضد المجتمع الذي تُسْرِفُ السلطة في نَبْزِهِ بألقاب التخلف والجهل والفوضى والاتكالية فضلا عن وَسْمِ فِئَامٍ منه بالإرهاب والتطرف الذي يُحِلُّ الدم والمال والعرض ، فالرسالة ، لو تَدَبَّرَ الناظر ، هي أَمْضَى مَعَاوِلِ الهدم لهذا المثال الهرمي إن في الكهنوت أو في السياسة ، فقد جاءت تُزِيلُ الحواجز بين الإله الحق ، جل وعلا ، وسائر الخلق ، فهي الواسطة بين الحق والخلق ، واسطة البلاغ والبيان ، لا التحكم والاستبداد وَاسْتِرْقَاقِ الخلق بذريعة التنسك للإله ، فيكون الكهنوت باب الملكوت فلا يَلِجُهُ إلا من رَضِيَ عنه هرم السلطة الدينية في الأرض ! ، فجاء الوحي ليهدم هذا الهرم فيكون الاتصال المباشر بالوحي إذ نصوصه ظاهرة لا بواطن لها ولا أسرار تَحْتَكِرُهَا سلطة مركزية ، فحق تداول المعلومة الرسالية مكفول لكل مؤمن بالوحي ، وليس ثم تنظيم صلب يُمَارَسُ الدين من خلاله ، فالعبد يدخل في الحضرة الإلهية بلا واسطة ، لا دخول الغلاة من أهل الرياضة ، وإنما دخول النساك من أهل الديانة فالصلاة ، لو تدبر الناظر ، مع كونها شعيرة واجبة فهي تحكي هذا المعنى اللطيف فلا تَنْظِيمَ بين العبد وربه ، جل وعلا ، بل إذا كَبَّرَ العبد ودخل في الصلاة فهو يسأل ما يشاء وَيُنَاجِي ربه بِلَا واسطة من حَبْرٍ أو رَاهِبٍ أو شيخ أو مَرْجِعٍ ..... إلخ من الوسائط الطاغوتية الأرضية ، وإن كان ثَمَّ أُطُرُ تَعْلِيمٍ لا تحتكرها فئة مخصوصة بل كلٌّ يطيق النظر في الوحي بل والاجتهاد في الاستنباط إذا استوفى آلة البحث والنظر ، بل مثال التعليم الرسالي مثال أفقي يسهل اتصال الطالب فيه بالأستاذ في حلقات درس مفتوحة تُتِيحُ قدرا أكبر من التواصل والتفاعل خلافا لمثال التعليم الهرمي فهو كالمثال الهرمي في السياسة فلا يخلو من العراقيل التي تضعها البيروقراطية الإجرائية .

    ومركزية الرسالة السماوية تمتاز من المركزية الأرضية في السلطة الهرمية ، مركزية الرسالة تمتاز أنها مركزية غَنِيَّةٌ قد تَنَزَّهَتْ عن أعراض النقص والحاجة التي لا تسلم منها السلطة الأرضية ، فالله ، جل وعلا ، غني عن خلقه ، بل هم الفقراء إلى سلطته ووحيه لتحصل لهم السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) .
    واضرب له المثل من تاريخ الرسالة ، بما كان من وصف صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو رجل يدخل عليه الناس جميعا بلا حجاب ، فليس ثَمَّ من الْعَرَاقِيلِ ما يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، فَيَجْلِسُ حَيْثُ انْتَهَى به المجلس ويدخل الأعرابي مجلسه فيسأل عنه إذ لا يمتاز من بقية أصحابه في شيء ، وهو مع ذلك يخالط الناس ويسايرهم في الأسواق ، وذلك وصف من قَبْلَهُ من الأنبياء ، عليهم السلام ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) ، واضرب له المثل ، أيضا ، بعمر الفاروق ، رضي الله عنه ، مع ما اشتهر من مركزيته الشديدة فإنها ، لو تدبر الناظر ، كانت مركزية إدارية اقتصرت صَرَامَتُهَا على الولاة فكان شديدا عليهم فَهُمْ أصحاب الأمر والنهي فَخَشِيَ أن يَتَوَسَّعُوا ، ولو في مباح ، بما تحت يدهم من صلاحيات ، فكانت مركزيته المشهورة في رقابة الولاة والاحتساب عليهم حرصا على مصالح الرعية فلم تكن مركزيته ضد المجتمع كما هي الحال الآن ، فإن السلطة الهرمية المستبدة تُدَاهِنُ أفرادها على حساب المجتمع وذلك ضِدُّ ما كان من عمر الذي اشتد على ولاته في مقابل لِينِهِ ورحمته بالأمة ، فكان عمر كسابقيه في الأمر ، صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخليفته الأول ، فكلاهما لم يكن ذا حجاب يحول دون الناس ، فلما انقضى زمن الخلافة الراشدة كان ملك معاوية ، رضي الله عنه ، وهو البرزخ بين الخلافة والملك العضوض ، فَلَئِنْ لَمْ يخل من رحمة فهو خَيْرٌ ممن أتى بعده إلا أنه لم يخل من نقص إذ بدأت السلطة تمتاز من المجتمع وإن احتفظت بعلائق قوية معه فكان اتخاذ الحجاب والمقصورة في الصلاة وإن أَمْلَى ذلك الظرف الأمني عقيب محاولات الاغتيال السياسي التي نَفَّذَهَا الخوارج ضد علي ومعاوية وعمرو بن العاص ، رضي الله عن الجميع ، في العراق والشام ومصر ، فَنَجَحُوا في الأولى إذ قَتَلَ ابن ملجم الخليفة الرابع ، رضي الله عنه ، وفشلوا في الشام ومصر ، فكان الاحتياط باتخاذ الحجاب ولكنه ، من وجه آخر ، قد ساهم في تشكل السلطة بعيدا عن المجتمع لا سيما بعد الانتقال من الملك والرحمة إلى الملك العضوض بِتَوَلِّي يزيد وما كان بعده من أحداث جسام فلا زالت السلطة تَبْتَعِدُ عن المجتمع ولكنها لم تكن أبدا كما الحال الآن فلم تخالف المجتمع في المرجع والباعث الرسالي فَنَقْصُهَا لم يُجَاوِزِ الجانب الإجرائي ، وإلا فالوحي رائد وتحته السلطة السياسية والقوة العسكرية انطلاقا من نَظَرِيَّةٍ "الكتاب الهادي والحديد الناصر" ، إن حديد السياسة أو الحرب أو المال ، فكان النقص الإجرائي وهو أمر معتبر ولكنه لا يعدل ، بداهة ، النقص الفاحش الذي طرأ بعد زوال الإطار الرسالي السياسي الجامع على ما أصابه من تَرَهُّلٍ وفساد آخر أيامه ، وكان من المثال ، أيضا ، ما يشهد لمثال السياسة الأول ، مثال الرسالة والخلافة الراشدة ، فكان الأشج العادل : عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، على رأس المائة الأولى إمامَ تجديد ، فلم يكن منه ، لو تدبر الناظر ، إلا أن رجع بمثال الحكم إلى الصورة الأولى ، الصورة الأفقية فلا عَوَائِقَ بَيْنَ السلطة والمجتمع ، فهدم ما شَيَّدَ أسلافه من بني أمية مِنْ هرم السلطة المركزية ، وإن لم يصبر القوم عليه طويلا فكان الجزاء أن استبدلوا مثالَ ظلمٍ وَنَقْصٍ لم يَزَلْ في ازدياد ، فاستبدلوه بِمِثَالِ العدل والتمام ، فَفِيهِم يصدق الآي المحكم إذ يُنْكِرُ وَيُوَبِّخُ : (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) ، فكان من السنة الجارية أن عُوقِبُوا بما اختاروا فلم يزل ملكهم في نَقْصٍ حتى كانت النهاية الدامية على يد الجيوش العباسية الثائرة ، ولو تدبر الناظر حال مصر الآن ، مع القدر الفارق بداهة ، لم يجد خروجا عن السنة الربانية المحكمة ، فكان من المحاولة ، ولو في الجملة ، أن تَتَحَوَّلَ السلطة من مثال الهرم المركزي إلى آخر أفقي ، فلم يصبر الناس على صاحبها ، فاستبدلوا وإن شئت الدقة فَقُلِ استرجعوا المثال الهرمي المركزي فكان من العقاب الرباني أن آلت بهم الحال إلى حكم استبداد أشد ، فمن بطر المعيشة وجحد النعمة فجزاؤه أن تُسْلَبَ ويستبدل بها من النقمة ما يعظم ، وهو أمر ، لم يخل منه المعارِض ، وإن كان ذا توجه رسالي ، ولو في الجملة ، فالمعارض الأبرز لنظام الاستبداد في مصر ، وهو ما اصطلح أنه الإسلام السياسي لم يخل في أطره التَّنْظِيمِيَّةِ من أمراض السلطة الوظيفية ، وإن كانت حاله في الجملة أحسن ، ولكنه لم يخرج ، أيضا ، عن المثال الهرمي المركزي الذي يستند إلى الولاء التنظيمي فهو ولاء يجاوز الفكرة الرسالية إلى أخرى إجرائية تجعل الكيان مُقَدَّمًا وإن لم يستعلن بذلك أصحابه بل قد لا يشعر كثير منهم فَيَرَى تعصبه للكيان انتصارا للفكرة ، وإن جاوزها فقد صار الكيان هو الأصل ، فذلك عيب بارز في المعارضة يجعلها صورة تُشْبِهُ الأصل ! ، وهو السلطة الهرمية المستبدة ، وهو ما يجعل التَّغْيِيرَ في هذه الحال متعذرا إذ لا يمكن تغيير صورة باستخدام نفس أدواتها فلا يمكن ، ولو من باب ضرب المثال فَثَمَّ بَعْضُ التجوز ، لا يمكن تطهير البول بالبول ، ولو كان الثاني أخف تَرْكِيزًا فَنَجَاسَتُهُ أقل ، فلا يطهر النجس بآخر ، وإنما يطهر النجس بطهور يذهب عَيْنَهُ وَأَثَرَهُ .

    والصلاحيات المطلقة في الأنظمة الهرمية ولو حَقَّقَتِ المعايير الديمقراطية الغربية لو سُلِّمَ أنها مثال الفكرة المحكم ، هذه الصلاحيات وإن حصلت بانتخاب حر فَهِيَ تُؤْذِنُ بالنقص والاضطراب ، فالاستبداد يضر إن في الأنظمة الشمولية وذلك أمر ظاهر لا يَفْتَقِرُ إلى مزيد استدلال ، أو في الأنظمة الديمقراطية الحرة ، ولو في الجملة ، ، وأمريكا الآن أَبْرَزُ مِثَالٍ على ذلك ، فمع رسوخ مؤسساتها السياسية إلا أنها تَجِدُ في التَّعَاطِي مع البيت الأبيض الآن حَرَجًا أيَّ حرج ! ، فَثَمَّ رَئِيسٌ سلطوي قد بَلَغَ سدة الحكم انطلاقا من قيم الدولة الديمقراطية فجاء بمثال استبداد يهدد قيم المنظومة التي أفرزته ! ، وهو ، كما تقدم مرارا ، ما يَعْكِسُ إشكالا رَئِيسًا في جوهر النظرية الديمقراطية التي لا تجاوز في أحسن أحوالها أن تكون آلة لا نظرية فَلَيْسَتْ فِي نَفْسِهَا فكرة ، فَأَفْرَزَتْ من يهدم قيم المجتمع الأمريكي فَثَمَّ صلاحيات كبيرة في النظام الرئاسي قد تستعمل في أحيان آلةً تهدم النِّظَامَ أو تضعفه انطلاقا من قيم انغلاق عنصرية تسلب أمريكا خاصتها العظمى في رعاية المواهب واحتضان المبادرات المهاجِرة ، ولعل ذلك ما جعل بَعْضًا يُرَشِّحُ فِي علاج الاستبداد في الأطراف ألا يكون المثال الرئاسي هو المبدأ في مجتمع حديثِ عَهْدٍ باستبداد ! ، فيكون العلاج ابتداء بنظام برلماني تَتَوَزَّعُ فيه الصلاحيات العظمى فلا يستأثر بها طرف على حساب بقية الأطراف ، وإلا أفضى الأمر إلى إنتاج الاستبداد ولو في سياق ديمقراطي حر ! ، مع التَّفْرِيقِ بَيْنَ القائد والمؤسسة ، فلا بد من مؤسسة أو نظام أفكار وإجراءات محكم لا يَتَأَثَّرُ باختلاف الشخوص انطلاقا من نظرية الصديق الخالدة نظرية : " ألا مَنْ كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، وَقَرَأَ : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)" ، فَثَمَّ في مثال الرسالة مرجع تشريع وتكوين لا يغيب فهو الحي الذي لا يموت ومن سواه فهو ميت كما قد نص الوحي المنزل ، فـ : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) ، و : (مَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) .

    وهو أمر يستوجب ، كما يقول بعض المحققين ، يستوجب العدل والحكمة ، فتارة ترجح المناصحة لا سيما في أوقات الرخاء ، وأخرى ترجح المناصرة لا سيما في أوقات الشدة مع استحضار المناصحة أبدا فليست الشدة ذريعة للمجاملة وإنما حسن العدل في كُلٍّ ، في الرخاء وفي الشدة ، مع الحذر أن يستدرج الذهن إلى المثال العلماني الذي يُرَوَّجُ تحت شعار : فضل الدعوي عن السياسي فتلك ذريعة إلى علمنة الوحي تحت هذا العنوان الجذاب الذي يظهر النصح ويبطن الغش ، علم صاحبه أو جهل ، فالفصل بين السلطات ، كما تقدم ، أمر قد اعتبره الوحي بالنظر في الجانب الإجرائي لا في الأصل الفلسفي الذي تنطلق منه النظرية السياسية العلمانية ، وليس الإفراط يقابل بتفريط فَلَئِنْ أَفْرَطَ التيار الإسلامي في اعتبار التنظيمات الهرمية حتى صيرها الأصل ، فلا يكون الحل هو التفريط بإهدارها بالكلية فلا يوجد عمل يؤتي أكله إلا وثم إطارُ تَنْظِيمٍ محكم ، ولكن الخطأ أن يجاوز العامل بهذا الإطار حده فَيَجْعَلَهُ ، كما تقدم ، هو الأصل ، ويجعل الفكرة هي الفرع ، فهو يغضب للتنظيم ما لا يغضب للحق ، فذلك من الظلم الذي يضاهي به خصمَه من السلطة الهرمية المركزية فكيف يناجزه وهو على مثاله في الاستبداد وإن باسم الحق المحكم ، بل وباسم الوحي المنزل ؟! .

    ولا يعني ذلك أن فكرة التنظيم والتهذيب فكرة خاطئة بالكلية ، فلا يزدهر الوحي إلا في محيط من الفوضى والتخلف ! فذلك ما لا يقوله عاقل ، فهو نَبْزٌ للرسالة أنها وإن نَزَلَتْ من عليم حكيم إلا أنها لا تجزئ في حصول التقدم والرفاه ! ، وتلك فحوى الدعاية البريطانية التي أطلقها اللورد كرومر في كتابه "مصر الحديثة" ، فَلَئِنْ صدق في رصد بعض الظواهر الأخلاقية السلبية في المجتمع المصري فقد احتلت بريطانيا مصر وهي في أوج تقدمها العلمي والصناعي بعد أن جنت ثمار الحقبة الفيكتورية ، حقبة التحول من الزراعة إلى الصناعة فخلال 64 عاما تحولت بريطانيا من قطر زراعي إلى آخر صناعي مُزْدَهِرٍ ذي أسواق كبيرة إذ سيطرت جيوش البلاد على الأطراف شرقا وغربا فكانت الإمبراطورية التي جاوزت حُدُودَ الجزرِ البريطانيةِ ، وفي المقابل كانت مصر في مرحلة من مراحل التخلف الفكري والسياسي والتقني ، مع أنها مع كل ذلك كانت دولة مُكْتَفِيَةً بذاتها في غذائها وسلعها الأساسية فكانت دولة زراعية ناجحة ، فكان من أَثَرِ بريطانيا المباشر أن حافظت على بِنْيَةِ الاقتصاد الزراعي ولكنها حولته من اقتصاد مستقل إلى آخر تابع ، فحافظت على حصة الماء ، وحافظت على رقعة الزراعة ، ولكنها تحكمت في المحاصيل بما يُوَاطِئُ نَهْضَةَ الصناعة في بِرِيطَانْيَا فهي تفتقر إلى الخامات التي تُنْتِجُهَا الأطراف ، فتحولت مصر إلى تابع زراعي ناجحٍ في الإنتاج ، فاشلٍ في الإدارة واستثمار الموارد إذ وضع الاحتلال يده على الأرض والثروة ، ووضع مثال الإدارة وسياسة الزراعة التي تضمن تدفق الخامات من الأطراف إلى المركز ، وكان من أَثَرِ بريطانيا غير المباشر أنها أنشأت قوة عسكرية وظيفية تَتَّسِمُ بالسطحية والجهل وَقِلَّةِ الثقافة وغياب الوعي فَثَمَّ مستوى علمي منخفض رَسَّخَ مَا تَوَاتَرَ بعد ذلك من ضحالة الفكر في نخبة القوة المسلحة ، فذلك ما يواطئ سياسة المركز في صناعة الأداة التنفيذية ، فالعنصر المسلح في المركز لا سيما في مستويات القيادة العليا عُنْصُرٌ لا يخرج عن طابع المهنية التي تفرض على العسكري أن يطيع الأوامر ، وذلك جزء من فلسفة التربية في المركز فإنها تمارس التأطير في مدارسها كما تمارسه في الأطراف ، مع القدر الفارق بداهة ، فالتأطير في مدارسها يخرج عنصرا جيد التخطيط والتدريب فهو يجاوز ، لا سيما في مستويات القيادة العليا ، يجاوز حد العنصر الوظيفي التنفيذي فَثَمَّ صناعة لعقل استراتيجي يضع خطة الحرب استنادا إلى معطيات تجاوز المعطيات المادية المباشرة ، فثم إِدْرَاكٌ واسع للتاريخ والجغرافيا السياسية يسهم في تشكيل العقد العسكري الجامع ، فصناعة العنصر المحترف في المركز صناعة متكاملة ذات روافد فلا تقتصر على الرَّافِدِ التنفيذي الذي يحول الإنسان إلى آلة حرب بلا عقد أيديولوجي إلا عقد السلطة المركزية ، وإن تحكمت الجهات المتنفذة في المركز في صناعة هذا العقد عبر مؤسسات هرمية لا تخرج عن المثال الهرمي محل الشاهد ، فلا يخلو الأمر من تَزْيِيفٍ للحقائق مع جرعة عنصرية مركزية تَسْتَنِدُ إلى نظرية التفوق العرقي ، فمع فساد هذا العقد الأيديولوجي وهو منشأ الإرادة والحركة ، إلا أن ثم عملا منظما مُؤَطَّرًا يَتَّسِمُ بالحرفية الشديدة في دراسة حزمة من العلوم السياسية والعسكرية مع جرعة أيديولوجية تسهم بدور فاعل في صناعة العقد العسكري ، وهو ما لا يجد الناظر في الأطراف مَثِيلَهُ أو شبيهه إلا في الاسم دون المسمى ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، يجري مجرى الاشتراك اللفظي ! ، فَثَمَّ في الأطراف صناعة أخرى لعنصر تَنْفِيذِيٍّ تابع يَتَّسِمُ عمله بالطابع الوظيفي غير المبدع فهو جزء من أجزاء البيروقراطية التابعة فليست ذات قَرَارٍ مستقل فضلا أن كفاءتها دون كفاءة نظيرتها في المركز فَلَيْتَهَا كانت كالتكنوقراط المحترف الذي يملك الكفاءة المهنية وإن لم يملك الرؤية السياسية ، فالتكنوقراط في الأطراف إلا ما نَدَرَ ، لا كفاءة ولا رؤية ، فهي عناصر تَنْفِيذٍ تَتَّسِمُ بالجمود وانعدام المبادرة ، وذلك ، أيضا ، مما ذكره كرومر في كتابه إذ يصف أخلاق المصريين فالاستبدادُ قد قَتَلَ الطموح في النفوس فلا تمتلك جرأة المبادرة وإن كان ثم فكرة فلا تجد من البيئة الحاضنة ما يَرْعَاهَا ، وهو ما زاده الاحتلال البريطاني وإن نجح في تحديث البنية التحتية فانطلاقا من نظرية التبعية ، فقد وضع الإنجليز نَوَاةَ القوة الوظيفية منخفضة الوعي والعلم غائبة التصور والفكر فإسنادها الحضاري إلى مصادر ثَقَافَتِهَا منقطع بل وَمُنْعَدِمٌ ! ، فهي نخبة منبتة لا جذور لها في الداخل ، فتوجهت شطر المركز الذي صنعها فانتماؤها إليه ولو انتماء الوظيفية أقوى من انتمائها إلى الداخل ، فتلك النخبة التي رسخت الأخلاق التي يَنْتَقِدُهَا اللورد كرومر ، فما ترسخت إلا في ظل نخب مستغربة إِنْ نخبةَ محمد علي باشا الفرنسية أو النخبة البريطانية التي دخلت مصر بعد الثورة العرابية التي شن الإعلام الوظيفي الموجه ضدها حملة شرسة فهي سبب الفوضى التي يَقِفُ النظام ضدها وهو النظام الذي أدخلته بريطانيا ! ، فمع كل ما كان في الثورة العرابية من أخطاء إن في الفكرة أو في الحركة أو في الركون إلى النصيحة الفرنسية ألا يغلق عرابي قناة السويس أو يَرْدِمَهَا فَهِيَ ، لو تدبر الناظر ، سبب رئيس في احتلال مصر إن احتلالا مباشرا بالجيوش البريطانية التي دخلت مصر من شرقها فكان معبرها هو القناة ، أو آخر غير مباشر بما كان من شق قناة صيرت مصر محل أطماع عالمية فضلا أنها أفصت إلى ركود التجارة الداخلية وما كان من روافد لوظائفِ النقل الداخلي والتبادل البيني بين الوافد من الشرق عبر البحر الأحمر ، والتجار في الداخل فضلا عن محطة تبادل أخرى مع شمال المتوسط الذي يَتَبَادَلُ مع مصر التجارة تَبَادُلَ النِّدِّ للند قبل أن تسقط مصر في قبضة الاحتلال المركزي لا سيما الاحتلال البريطاني المباشر ، فمع كل ما تقدم من أخطاء إلا أن ثورة عرابي في أدنى أحوالها كانت ، كما يقول بعض الفضلاء ، ظاهرة سياسية وعسكرية تَنْطَلِقُ من الداخل مع ما أصاب الهوية المصرية من تَشَوُّهٍ فَهِيَ فِي أحسن أحوالها مشروع وطني غير تابع ، فضلا أن روحها لم تَزَلْ تحمل قِيَمَ الوحي فإن الوعاء الذي يخرج الكوادر التي التحقت بمؤسسات الدولة الحديثة هو الأزهر ، وهو ، مع ما أصابه من جمود وتقليد ، لم يزل يحكي روح الهوية الرسالية ، ولو في الجملة ، فالكوادر التي انضمت إلى ثورة عرابي كان أكثرها من خريجي الأزهر إذ لم يكن ثم تَعْلِيمٌ نظامي مستقر إلا الأزهر فالمدارس النظامية لَمَّا تَكْفِ بَعْدُ في سد الثغرة فكان لجوء الدولة العلمانية الحديثة اضطرارا ! إلى الأزهر الذي يخالف عن قيمها اللادينية وعرابي نفسه من خريجي الأزهر فكان يحكي ، ولو في الجملة ، قيم الأمة المصرية ذات الجذور الرسالية ، لا جرم كان الحط عليها واتهامها بالفوضى التي تضاد النظام ، فهو اتهام آخر للوحي ، ولو من طريق غير مباشرة ، أنه معدن الفوضى والاضطراب إذ لم يفرز في تلك الآونة إلا حركة عرابي المارقة ! .

    وإن صح اتهام عرابي أنه عدو النظام ! ، فلم يكن ذلك إلا النظام الوظيفي وإن كان ذا بِنْيَةٍ تحتية محكمة ، فإن الأمور بمقاصدها ، من وجه ، فلم يكن مقصد بريطانيا أن تَتَقَدَّمَ مصر وَتَتَحَدَّثَ إلا أنها جزء من أملاك الإمبراطورية البريطانية فهي تَلْعَبُ دور الطرف الذي يمد المركز بما يحتاج من الخامات ، والأمور ، من وجه آخر ، بمآلاتها ، فقد آلت الحال إلى ما يَرَى الناظر اليومَ من انهيار الأطراف بعد أن تسلمت النخب الوظيفية التابعة الحكم كوكيل حصري لمصالح المركز الأنجلوساكسوني في بلادٍ والفرانكفوني في أخرى ، فما ذكر اللورد كرومر من الأخلاق السلبية في مصر حق ولكنه ، من وجه آخر ، مما يراد به الباطل ، فَلَوْ رام كرومر نقل قيم الإنتاج البريطانية إبان العهد الفيكتوري المزدهر إلى مصر ، فلا يكون ذلك في ظل احتلال يقتل الفكرة والطموح فلا مبادرة لمهزوم ، وهو ما حرص عليه المركز إبان احتلاله الأطراف فما كان من مبادرة فمآلها الحرب إن خرجت عن سيطرة المحتل ، أو الاحتواء والتوظيف بما يملك المركز من أدوات الجذب والمكر ، كما يرى الناظر الآن في نَزِيفِ العقلِ في الأطراف فإن البيئة غير الحاضنة للمواهب والمبادرات ليست إلا نِتَاجَ الاستبداد الذي رعاه كرومر وَنُخَبُهُ ، فَأَفْرَزَ النخب الوظيفية التابعة التي فاقمت الحال فمن سيئ في ظل الاحتلال الخارجي إلى أسوأ في ظل الاحتلال الداخلي ! ، فمن صنع هذه النخب إلا كرومر الذي يَنْبِزُ مصر أنها غير مبدعة ولا مبادرة ، وهل ثم فاقد للحرية يبدع ويبتكر في مناخ استبداد لا يَرْعَى المواهب ولا يطلق المبادرات إلا مبادرات الدعاية السياسية بلا أساس محكم ، فهي صور جذابة بلا حقائق وراءها ، في مقابل ما يقدم المركز من مناخ حرية في البحث ورعاية للفكر وحفاظ على الملكيات الخاصة ، الفكرية والمادية ، فلا يخشى صاحب المبادرة المصادرةَ أو التأميمَ ، وإن كان ذلك محدودا كسائر قيم المركز فلا تجاوز الخط الأحمر الذي وضعته النخب المهيمنة على القرار الدولي ، فَعِنْدَهَا تضمحل منظومة القيم الرأسمالية وتكون الحرب الضروس على المنافس كما يظهر في الحروب التجارية فلا تَقِلُّ شراستها ، ولو على المستوى الفكري ، عن الحرب العسكرية المباشرة ، ومع ذلك فهامش الحرية في المركز يتيح للفارين من الأطراف بإبداعاتهم ومبادراتهم أن يَعْمَلُوا في مناخ أفضل ، وإن كان إنتاجهم آخر أمره إلى المركز الذي رَعَى وَأَنْفَقَ وَهَيَّأَ الظرف الملائم وتلك قسمة العدل فمن بذر وسقى وتعاهد فهو أحق بالثمرة بداهة ، فالمناخ في المركز ، كما يقول بعض الاقتصاديين ، قد أتاح لآحاد من الشباب أن يطلقوا مبادرات من قبيل محركات البحث ومواقع التوصل الاجتماعي على ما وراءها من أهداف سياسية واجتماعية بعيدة المدى ، فثم مناخ أتاح للشباب أن يطرحوا أفكارهم ومبادراتهم في سوق ذات ضوابط فهي تَرْعَى المواهب وتحفظ حقها فلا تصادر ولا تُؤَمِّمُ إلا في أضيق الحدود الرسمية طبقا لمعطيات النظرية الرأسمالية لا سيما نسختها الليبرالية ، وأما خارج هذه الحدود فالنخب المهيمنة تصنع ما تشاء فلا قيد يحكمها إن تعلق الأمر بمصالحها المباشرة ، فَفِي المركز على أقل تقدير ! ، هامش حرية في الإبداع والإنتاج ، وأما في الأطراف فلا هامش إذ المناخ طَارِدٌ لكل فكرة ومبادرة بل قد يجرمها فَيُعَاقِبُ من أبدع إذ اجترأ فَفَكَّرَ خارج الصندوق المحكم ، صندوق الاستبداد القاتل للمواهب ، الطامحِ في المكاسب العاجلة لا استنادا إلى كفاءة وكفاية وإنما استعمالا للصلاحيات التنفيذية في تحقيق مكاسب مباشرة تعكس ضيق الأفق فلا يرى صاحبها ما يجاوز يومه من كسب عاجل ، ولو أفضى إلى خراب آجل ، فضلا أن يُعَجَّلَ الخراب بشوم الظلم والاستبداد ، فكل أولئك مما روج له كرومر وغيره أنه طبائع المصريين ، وقد صدق من وجه ، ولكنه كذب من وجوه إذ زعم أن الاحتلال قد جاء يخلص البلاد من هذه الطبائع ولئن صدق أخرى في جزء لا كُلٍّ فَلَئِنْ صَحَّ أنه جاء يصنع ذلك لِيُخْرِجَ البلاد من الفوضى فلم يكن يروم إلا تأطيرها في منظومات عمل محكمة تطلق طافة الفرد الإنتاجية لا انطلاقا من استقلال في النظرية وإنما تكريسا للتبعية المركزية ، فالأطراف ، كما تقدم مرارا ، خودام المركز وخطوط إمداده بالخامات ، فكان تركيزه وتركيز غيره على ظواهر تحكى فوضى فكرية واجتماعية ليست إلا نِتَاجَ استبداد تجذر من لدن الباشا محمد علي فأفرز نخبا ضعيفة خاملة فلا يفرز الاستبداد غيرها ، فَرَصَدَ كما يعنون صاحب "استعمار مصر" : "الضوضاء والفوضى" ! ، فقد تضاعف عدد المقاهي والبارات وصالات القمار أكثر من ثلاثة أضعاف ! ، وذلك ، بداهة ، يعكس أزمة أخلاق وأزمة مجتمع يَفْتَقِرُ إلى المشروع الجامع ، حقيقة لا وهما ، فلا يكون ذلك إلا انطلاقا من روح ثقافته التي تحرره من التبعية فلا أمة تنهض وقد استعارت من غيرها مشروع نهضة لا يأرز إلى مصادرها الأصلية ، فيعكس روحا لا تبادر في مجتمعات كسولة خاملة قد انتشرت فيها الأمراض الاجتماعية ، ولها يضرب الباحث آنف الذكر المثال بِإِدمان الخمور والمخدرات فذلك جزء من ضعف عام في الإرادة يلحق الأذى بالبنية الاجتماعية فلا يزدهر ذلك إلا في اللحظات الاستثنائية ، اللحضات الحضارية الحرجة التي تشكو فيها الجماعة من فساد الفكرة وخمول الحركة فَثَمَّ أزمة ثقافة ومرجع قبل أن تكون أزمة آلة ومصنع ، فلا بد لحركته من فكرة تَسْبِقُ فَهِيَ التصور الذي يسبق الحكم إذ الحكم على الشيء ، كما يقول أهل الشأن ، فرع عن تصوره ، وجاء آخر وهو المفكر الفرنسي "دوك داركور" ، جاء يُنَوِّهُ بجمل من السمات السلبية للمصريين فثم الأخلاق الخانعة ، وهل رسخها في المصريين إلا رجلهم المخلص محمد علي باشا المبدِع ؟! ، وثم التبلد تجاه الألم ، وذلك ، أيضا ، من إفرازات الاستبداد ، فقد اعتاد الفرد فيه الهوان فلم يعد ثَمَّ شعور بألم ، كما يحكي أبو الطيب في بيته المشهور :
    مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ ******* ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ .

    وثم فساد وعدم نزاهة وسبات ذهني فلا إبداع فتلك من الأخلاق التي تَنْشَأُ فَرْعًا عن بيروقراطية تابعة للخارج ، كما يرى الناظر الآن فيما آلت إليه الحال في مصر ، محل الشاهد ، فهل كان ذلك ، أيضا ، إلا وللمركز فيه دور فاعل ؟! وإن لم يحسن إلقاءُ التبعةِ كُلِّهَا عليه وتبرئة الذمة ، فلم يكن الشرق آنذاك محل التهمة ! ، بل كان محل تهمة أولى بما فشا فيه من الجمود والتقليد فخمدت الفكرة والحركة وهو ما أعطى القوى المستغرِبة الذريعة أن تَتَّجِهُ نحو الغرب بل وَتُرَدِّدَ دعايته الكاذبة وهي التي استعملها اللورد كرومر البريطاني والدوك داركور الفرنسي ، فأجمع الأنجلوساكسوني والفرانكفوني اللاتيني أن سبب تخلف الشرق هو استمساكه بالوحي ! ، فالإسلام قد صنع بيئة الاستبداد الخانقة لأي فكرة ! ، وهو الذي أرشد العقول أن تتدبر وتتفكر في الآي المحكم : الشرعي والكوني ، فكانت هذه الدعاية التي انطلت على فئام من المهزومين حضاريا في الأطراف ! ، فَرَأَوا في الغرب مثال التهذيب والانضباط ، وفي الشرق مثال الفوضى وسيئ الأخلاق ! ، فلا بد من استيراد المثال الغربي في الفكرة والسلطة فلا يقتصر ذلك على استيراد ما ينفع من تقنية الإنتاج فليس يحتاج صاحب الحضارة المستقلة أكثر من ذلك ، فعنده من رصيد الثقافة ما يُغْنِيهِ عن تسول الفتات من موائد الخصوم ، فلم يظفر إلا بما يشوه ذاته الحضارية مع تَوَافِهِ التكنولوجيا الاستهلاكية دون إبداع يجاوز حد الاستعمال إلى الابتكار والإنتاج ولو محاكاة مبدأ الأمر حتى تحصل ملكة الاستقلال في التطوير والتحديث فلا يكون ذلك إلا وقد تحررت الفكرة والإرادة السياسية ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، جوهر الإشكال في الشرق في مثال السلطة المعاصر فلا يملك استقلالا أول في الفكرة ولا آخر يَتْلُو في الإرادة والحركة فهو تابع وظيفي لا أكثر على تفاوت في درجة التبعية فلا يخرج عن الاسم العام : اسم التبعية المطلق وإن كانت على أنحاء .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:32 AM

    المشاركات
    4,871
    العمر
    41

    فَثَمَّ في هذا المثال الهرمي : تمايز تام بين المجتمع والسلطة ، فالسلطة كيان منفصل مُسْتَعْلٍ ، وهو كيان يمارس السيادة انطلاقا من نظرية الرق التي قامت عليها الإمبراطورية الأمريكية مَطْلَعَ أمرها ، كما يُقِرُّ بَعْضُ قَرَاصِنَتِهَا الاقتصاديين في مُصَنَّفٍ مَشْهُورٍ يُشْبِهُ أن يكون سيرة ذاتية خاصة ، فأصحاب المزارع من البيض قد استجلبوا الخدم والرقيق من الأطراف ليحرثوا أرض المركز ، وهو ما يحصل اليوم أيضا ، فَثَمَّ استجلاب للعقول الخادمة للإمبراطورية الأمريكية الحاكمة بما توفر من فُرَصِ الحياة والبحث ، فَالرِّقُ الآن ألطف وأرق إذ المستَرَقُّ يدخل اختيارا فَثَمَّ هندسة محكمة للأطراف بما فَشَا فِيهَا من استبداد متعمَّد فهو ، من وجه ، يَئِدُ أي حركة إصلاحية لا سيما إن كانت بَوَاعِثُهَا رسالية ، وهو ، من آخر ، يصنع بيئة استراتيجية طاردة للعقول والمواهب فهي تَفِرُّ من نيران الأطراف إلى جنان المركز حيث الغنى والرفاه وتحقيق الأحلام ، فكان من استعلاء السلطة البيضاء التي استجلبت الرقيق الأسود والملون ليحرث أرض الإمبراطورية الناشئة فَثَمَّ ، كما يقول بعض الباحثين ، هَرَمٌ اجتماعي يَرْفُضُ الرق نظريا ويمارسه عمليا إن رقا مباشرا أو آخر غير مباشر فهو الرق الماكر الذي يرى الناظر اليوم آثاره في الإمبراطوريات الرأسمالية الصناعية فهي وارثة نظائرها الزراعية ، فالفكرة والأيديولوجيا واحدة وإن اختلفت الأدوات من محراث الزراعة إلى ماكينة الصناعة ، فالنظام الرأسمالي بطبيعته نظام هرمي تستأثر قمته الحاكمة بمعظم المكاسب ، فَتَتَرَاكَمُ الثروة والنفوذ في قمة الهرم في مقابل القاعدة التي تعمل في مزارع السادة قديما ومصانعهم حديثا ، فلا بد لاستمرار النظرية الرأسمالية في العمل ، لا بد من اعتماد نظام الرق حلا والحفاظ عليه أبدا كما قال أحد الآباء المؤسسين لأمريكا ، وهو توماس جيفرسون ، فالرق ضرورة لا غنى عنها وانهيار نظامه يؤدي إلى فوضى اجتماعية واقتصادية فإذا تحرر الرقيق من عبودية صاحب المزرعة وصاحب المصنع ، فمن يقوم بالعمل الشاق بأقل تكلفة على وجه يحقق أعلى الرباح للنخبة المالكة التي تشارك النخبة الحاكمة صناعة المثال السياسي والاقتصادي الخادم للأيديولوجيا الرأسمالية ، فذلك ، كما يقول الباحث آنف الذكر ، ذلك تَرْتِيبٌ هرمي محكم ذو قيود صلبة صارمة ، فَثَمَّ حفنة قليلة من الملاك يقبعون أعلى القمة ، وثم قاعدة مِنْ جيش ضخم مِنَ العمال يمكن تصنيفهم كعبيد وإن في نظام أكثر لياقة ولباقة فَهْوَ يُقَدِّمُ المزايا التي تجعل الإنسان يدخل في رِقِّهِ اختيارا ومن أبى فَثَمَّ أوراق ضغط سياسي وعسكري واقتصادي ...... إلخ ، وإن تأخرت الورقة العسكرية في الأمثلة المعاصرة فهي آخر الدواء فَقَبْلَهَا أدوية أخرى ناجعة قد أثبتت فعالية كبيرة في حسم الأمر دون حاجة إلى الغزو ، الغزو العسكري المباشر ، فما تُنْجِزُهُ الكلمة والفكرة فَلَيْسَ ثَمَّ حاجة إلى الرصاصة والمدفع ، وما يُنْجِزُهُ مدفع صغير فليس ثم حاجة إلى آخر كبير جريا على نظرية معاوية ، رضي الله عنه ، فما يُجْزِئُ فيه اللفظ فلا حاجة إلى السوط ، فلا يضع سوطه حيث يجزئ لسانه ، وما يجزئ فيه السوط فلا حاجة فيه إلى السيف فلا يضع سيفه حيث يجزئ سوطه ، ولها حظ من الوجاهة فالسياسة هي : الاقتصادُ في القوة فلا تستخدم إلا ضرورة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا فَكُلَّمَا كان السياسي أنجح كان استخدامه للقوة أقل ، وكلما كان أفشل كان إفراطه في استخدام القوة فلا يملك من حلول السياسة التي لا يجيدها إلا مَنْ رَفَقَ بالناس فَطَالَ صبره واتسع صدره ولو انطلاقا من نظرية براجماتية فكيف إن كانت السياسة تأرز إلى نظرية الوحي المحكمة ، وهي ، كما يقول أهل الشأن من المصنفين في النبوات وَسِيَرِ أصحابها ، عليهم السلام جميعا ، هي من جملة ما عُلِّلَ به احترافهم جميعا رعي الغنم فَفِي رعايتها مع كثرة العدد وضعف العقل وتفرق الجمع في المرعى وهو يجهد صاحبه أن يجمع الشتات فلا بد من صبر وأناة ، فَفِي رعايتها ما لا يكون إلا لمن اتَّسَعَ صدره فلا يزيدها العنف إلا نفورا وشتاتا فلا بد من التَّرَفُّقِ في الجمع والرعاية مع الاقتصاد في العنف والزجر وذلك ، لو تدبر الناظر ، حد السياسة .
    فنظام الرق الآن ، وهو محل الشاهد ، قد تَطَوَّرَ وصار أكثر لباقة ، وذلك ما وصفه المصنف آنف الذكر أنه الكوربوقراطية أو نظام الشركة المركزية ذات النخبة القليلة التي قررت السيطرة على كوكب الأرض ! ، فما يمارس من إصلاح اقتصادي في الأطراف تَنْفِيذًا لتعليمات الجهات المركزية المقرِضة ، قد يسهم في زيادة الثروة رَقَمًا ، لا إِنْتَاجًا يحرر الأطراف من هيمنة المركز أن تَسْتَقِلَّ بإنتاج ما تحتاج فَغَايَتُهُ اقتصاد ذو طبيعة استهلاكية أو خدمية في أحسن الأحوال دون وجود قاعدة محكمة في القطاعات الاستراتيجية كالصناعة والزراعة وما يَرْفِدُهُمَا من البحث العلمي المبتكِر الذي يجاوز حد التَّلْقِينِ والتكرار دون قيمة علمية مضافة كما الحال في معاهد الدرس والبحث في الأطراف التي لا تجاوز في أحسن أحوالها مراحل التعليم الأساسي في دول المركز ، وَلَا عدالة في التوزيع ولو لثروة ورقية غير منتِجة ، فمآل هذا الإصلاح أن يَزْدَادَ هذا الهرم السياسي الاقتصادي تماسكا وصلابة ، فمن يَتَرَبَّعُ على قِمَّتِهِ يَزْدَادُ غنى ونفوذا ، والقاعدة ، في المقابل ، تَزْدَادُ فَقْرًا وضعفا فَتَرْضَى بما تُلْقِي إليها النخبة من فتات الأجر ، وهو ما يفاقم الأوضاع في الأطراف فهي تموج بالأمراض الاجتماعية والصحية ...... إلخ بما سلب من ثرواتها وبما استعمل عليها من نخب وظيفية لا تَنْتَمِي إليها إلا صورة بلا حقيقة ، فلا فكرة تجمع وإن خَرَجَا من نفس المنشإِ ، وانظر في إشكالات رئيسة في مجتمعات الأطراف التي ازدادت توحشا فصارت تُقَارِفُ من الجرائم ما يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لتفاوت أحوالها في التردي والانهيار حتى بلغت الحال حد الاسترقاق والبيع ، بيع الأحرار وأكل أثمانهم ، بل واستثمار الحرائر في أعمال السخرة والبغاء كما ترصد بعض الوثائقيات من موجات الهجرة المتدفقة من جنوب الصحراء ، فثم هجرة إلى الشمال الإفريقي رغبة في الجواز إلى البر الأوروبي ، وأثناء هذه الرحلة تجري أعمال الخطف والاسترقاق والاستغلال في أعمال السخرة والبغاء ..... إلخ مع أن أولئك قد خرجوا من بلاد غنية بالموارد الطبيعية ، ولكنها تفتقر إلى القوة التي تحمي بها ثرواتها فقد أصبحت ، كما يقول بعض الفضلاء ، وبالا عليها فثروة بلا قوة تحميها هي المصيبة التي تجعل صاحبها مطمع كل ناهب وسارق ، وتفتقر إلى آلة الإنتاج التي تستثمر بِهَا هذه الخامات ، وهو ما كَرَّسَهُ المركز من واقع التَّفَاوُتِ الكبير في القوة وفي التقنية ليضمن السيطرة طويلةَ المدى على الأطراف بِإِضْعَافِهَا وَتَجْهِيلِهَا ، فتلك نظرية إقطاعية رأسمالية تشكل نواة النظام الدولي المعاصر لا سيما مع تعاظم نفوذ القطب الأوحد الذي امتلك ترسانة السلاح الأقوى ونشر قواته على مدى جغرافي واسع ، نحو 750 قاعدة عسكرية في 130 دولة ، فَرُقْعَتُهُ الجيوعسكرية رقعة واسعة قد ضمن بها الهيمنة على الأطراف بل وبقية دول المركز بوصفه رأس الإمبراطورية الرأسمالية ، فإنها وَإِنْ في المركز لا تخلو من ظاهرة الهرمية ، محل الشاهد ، فالمركز الرأسمالي في نفسه على درجات فَثَمَّ قمة تحتلها أمريكا فهي عاصمة الإمبراطورية الجامعة ، التي أقامت بنيانها جريا على النظرية آنفة الذكر : نظرية سيطرة المركز القوي الذي لا يملك موراد طبيعية وإن امتلك القوة العسكرية والتكنولوجية ، سيطرته على الأطراف التي تمتلك الموارد الطبيعية ولا تمتلك القوة لتدفع ولا التقنية لتصنع فهي سبب ما حاق بالأطراف من أمراض اجتماعية وصحية ..... إلخ ، على وجه ألجأ شباب الجنوبِ الغنيِّ بموارده الفقيرِ بكوادره المدربة التدريبَ الحديث الذي يؤهلها للاستفادة من ثرواتها على الوجه الأمثل ، على وجه ألجأ أولئك أن يخاطروا بحياتهم في رحلة هجرة مبدؤها في الصحراء ومنتهاها في الماء ، فمن الصحراء الإفريقية الكبرى إلى الشمال مجازفة بِرُكُوبِ مياه المتوسط عَلَّهَا تلقي بهم على الضفة الأخرى شمال المتوسط ، فهي رحلة المجازفة بالحرية والحياة ، فكم يَكْتَنِفُهَا من مخاطر وَكَمْ تَؤُولُ إلى مصائب من قتل أو سرقة أو اغتصاب أو اختطاف وَبَيْعٍ يُصَيِّرُ الحرَّ عبدًا ! ، فسيده يستثمر فيه استثمار المركزِ في الأطراف التي فَرَّ منها ، فهو استثمار الاستنزاف لا الاستصلاح سعيا في تحقيق أكبر عائد بأقل تكلفة ، فذلك ، كما يقول بعض المختصين ، عنوان آخر من عناوين النظام الرأسمالي الذي رَدَّ الناس إلى زمن الرق الأول وإن زعم أنه نظام الحرية في العمل والتَّنَقُّلِ ........ إلخ ، فَتَسَبَّبَ في جُمَلٍ من الأمراض النفسية المزمنة في الأطراف ، وانظر في حكايات من احترف حِرَفَ الاقتصاد الأسود كتجارة الرقيق الأبيض والأسود طلبا لِلَذَّةٍ تَطْرَأُ ، وتجارة المخدرات ، وتجارة الأعضاء ...... إلخ ، فتلك تجارات تزدهر في المجتمعات المنهارة التي تَصَدَّعَ بُنْيَانُهَا المادي والمعنوي ، وغالبا ما يدفع المجتمع ، وهو قاعدة الهرم ، غالبا ما يدفع القسط الأكبر من الثمن ، فهو أضعف أجزاء الهرم ، وغالبا ما يكون ذلك تحت سمع وبصر السلطة التي استأثرت بأجهزة الدولة الحاكمة فَوَظَّفَتْهَا لتحقيق مآربها الخاصة سواء أكانت وزارات سيادية أو أخرى خدمية ، واضرب له المثل بتجارة الأعضاء ، فهي شبكات كشبكات التهريب والدعارة ، فذلك عمل جماعي لا يقوم به واحد ولا يطيقه أَفْرَادٌ بل لا بد من نظام هرمي محكم ، يجاوز الشبكة الدُّنْيَا التي تباشر العمل جراحة واستئصالا ، وما يسبقها من سمسرة ومساومة في السعر ، وتحاليل تضمن سلامة العضو المباع لئلا يكون ثم غش أو تَدْلِيسٌ في السلعة ! ، فَبَعْدَ ذلك لا بد من تَرَاتُبٍ هرمي يَنْتَهِي إسناده في الغالب إلى المنصب السيادي الأعلى فهو الراعي الرسمي لهذه السوق الاقتصادية السوداء ، فلا أحد يتجر فيها إلا وله منها حظ ولو عمولةَ غَضِّ الطرف فضلا أن يكون شريكا فاعلا فهو يسهل مرور البضاعة إلى الخارج فتجارة الأعضاء ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الصحفيين ، ليست من أعمال النشل في وسائل المواصلات العامة ، فليست الْكُلْيَةُ أو الكبد حافظة نقود في الجيب الخلفي ، فلا بد من إجراءات محكمة تحت رعاية جهة سيادية مُتَنَفِّذَةٍ ، ولا بد أن تكون مع ذلك خائنة على تفاوت في خيانتها فهي تابعة للمركز أو مَنْ يَدْفَعُ أكثر إذ لا تُعَظِّمُ إلا الربح المادي المباشر الذي يُتَرْجَمُ في هذا العصر إلى أوراق النقد ، فَغَايَتُهَا تحصيل أكبر رقم من الثروة والاستمتاع بِأَوْفَرِ قِسْطٍ من اللذة المادية لا جرم إذا فَتَّشْتَ في الأصول وجدت ما يهول فَثَمَّ نفوس نشأت على أكل السحت ولو حقيرا ، فَثَمَّ ، على سبيل المثال المعاصر في نخب الجند الوظيفي التابع ، ثَمَّ من نشأ على الاختلاس من عهدة التعيين ، أو الاتجارِ في مواد غذائية رديئة في سجن أو وحدة عسكرية استثمارا لرداءة الأطعمة الرسمية ! واستنزافا لمدخرات النزلاء والجند ، برفع الأسعار وعدم توافر البديل الآدمي ، وإن كان ما يَبَيِعُ هو أيضا مِنْ غير الآدمي أو مِنَ المتوافر بأسعار مناسبة فيبالغ في الثمن على وجه يُبِينُ عن ماهية النفس الوضيعة فما ظنك به إن ولي منصب سيادة فصار رأسا لهرم في سياسة أو حرب ، فلا يَصِلُ في الغالب إلا بالخيانة والغدر ومن يختاره ممن يَصْطَفِيهِ وإن شئت الدقة فقل يَشْتَرِيهِ فهو من جملة الرقيق الذي يشتريه المركز من الأطراف ، مَنْ يَشْتَرِيهِ فلا يَشْتَرِيهِ بداهة إلا والعصا معه فهو عبد لئيم يصدق فيه ، كما تقدم مرارا ، قول أبي الطيب :
    لا تشتـر العبـد إلا والعصا معـه ******* إن العبيـد لأنـجاس مناكيــد .
    فلا بد من مُسْتَمْسَكَاتٍ تَزْجُرُهُ إن رام غدرا أو خيانة ، فَمَنْشَأُ اختياره الخيانة ومن اختاره لم يختره ، بداهة ، ليكون خالدا يوم اليرموك ، فلم يختره قائدا وإنما اختاره خائنا تابعا ، فلا بد أن يختاره من الدرجة السفلى فلا يختاره من السَّافِلَةِ فهو من قعر سلة المهملات يستنبط ، فليس من القاذورات التي تطفو على السطح بل لا بد أن يكون من القعر ، وهو مع ذلك عقوبة من الرب الحكيم المهيمِن ، جل وعلا ، فيكون في أحيان كثيرة بعد سَعَةٍ وَنِعْمَةٍ لا يَقْدُرُهَا الناس حق القدر ، ولو لم تكن المثلى إلا أنها خير يستوجب الصيانة والحمد ، فلا يكون إلا التفريط والجحد ، فيصدق فيهم أنهم من القرية التي بطرت معيشتها ، فـ : (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) ، فهم كأهل سبأ إذ بطروا النعمة فـ : (قَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) ، فكان من الجزاء البلاء بعد النعمة ، فـ : (جَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) ، وذلك قانون يطرد فما ابْتُدِئَ قوم بنعمة فَرَدُّوهَا إلا وَكُوفِئُوا بنقمة أشد ، فكان من الابتلاء ما هو أسوأ فقد جاءتهم السعة فَأَبَوا إلا الضيق فجزاهم الله ، جل وعلا ، بما طلبوا ولا يظلم ربك أحدا .
    فالجهة السيادية المتنفذة في الأطراف هي الوكيل الحصري للمركز في انْتِهَابِ ثروات الأطراف وإدارته إدارة الاقتصاد الأسود ، وذلك أمر يَتَكَرَّرُ في كل تجارة سوداء تَزْدَهِرُ في دول العالم الثالث المتخلفة فهي سوق التوريد فمنها يُوَرَّدُ الرقيق الأبيض والأسود إما طَلَبًا لِلَذَّةٍ في الشمال الغني ، الأوروبي والأمريكي ، بل الشطر الأوروبي الشرقي وإن انْتَمَى إلى الشمال اسما فهو يَنْتَمِي إلى الجنوب الفقير المتخلف مسمى فهو ، أيضا ، مركز توريد لهذه البضاعة البشرية ، فَيُوَرَّدُ الرقيق من الأطراف إلى المركز إما طلبا لِلَذَّةٍ أو سَدًّا لحاجات الشمال من الأيدي العاملة الرخيصة التي تُبَاشِرُ الأعمال الشاقة فَتَصْنِيفُهَا أنها العمالة غير الذكية ، فإما أن تُسْتَثْمَرَ طاقتها في أعمال شاقة لا تَفْتَقِرُ إلى مهارة ، وإما أن تُدَرَّبَ لِتَكْتَسِبَ المهارة وتسد الحاجة ، والمثل المشهور الآن هو ألمانيا التي تستقبل المهاجرين بكثافة سدا لحاجاتها البشرية وَالْعُمَّالِيَّةِ فَتُعِيدُ تأهيلهم وفق برامج محكمة ليدخلوا سوق العمل الألماني الذي يستوجب قدرا كبيرا من المهارة .
    فالجنوب الأسود والملون وهو الفقير هو قاعدة الهرم العالمي الذي يقبع على قمته الشمال الأبيض وهو الغني ، فمن يدفع فاتورة رفاهه هو الجنوب الذي يشكو الجهل والفقر والمرض والاستبداد وغياب الرؤية والاستراتيجية لا أنه عاجز عن التفكير والتخطيط وإنما هو مُكَبَّلٌ بنخب حاكمة هي قمة هرم آخر في الداخل ، فهي تحكم الجنوب نِيَابَةً عن الشمال نظير ما تقبض من عمولات السياسة والمال فالمركز يضمن بقاءها في سدة الحكم ، والمركز يقسم لها من غنيمة البلاد المسروقة ، فهي نخبة القمع والحراسة : قمع المجتمعات في الأطراف أن تُطَالِبَ بحقها في الحياة والثروة فذلك ما قد يُضَيِّقُ على الصفوة في المركز إذ تحوز الشعوب في الأطراف حَقَّهَا فلا يكون ذلك إلا خصما من الثروة المسروقة التي يَسْتَنْزِفُهَا المركزُ من الأطراف خاماتٍ قد احْتَكَرَ ، كما تقدم ، تكنولوجيا معالجتها وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة ، فلا بد من قمع هذه الشعوب وذلك ما يكون بالحرب المباشرة وذلك عصر قد وَلَّى وإن لم يختف ، فلا زال ثم خيار عسكري مباشِر ولكنه ليس الأول كما كانت الحال في الاستعمار الكلاسيكي القديم ، فثم الآن استعمار بالوكالة تباشره نخب الفكر والسياسة التي تُشَوِّهُ العقل وتحكم بالجور ، فلا تصون الثوابت الأيديولوجية والأخلاقية ، ولا تعدل في قضية ولا تَقْسِمُ بِسَوِيَّةٍ ، فهي ، كما تقدم ، نخب القمع والحراسة : قمع المجتمعات وحراسة مصالح المركز في الأطراف ، فذلك رأس هرم آخر في الداخل يضاهي رأس الهرم الخارجي : المركز بمؤسساته السياسية والاقتصادية .... إلخ ، فما النظام السياسي المحلي إلا صورة مصغرة من مثال قياسي وهو النظام السياسي الدولي ، وكما تظهر الأمراض العقلية والاجتماعية والصحية ...... إلخ ، كما تظهر في الأطراف من جراء هذه السياسة الجائرة فهي تظهر في المركز الغني المترَف الذي لم يحقق السعادة المنشودة ، بل كان من عاجل العقوبة أن فشت فيه ، أيضا ، الأمراض الاجتماعية والنفسانية ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، وربما كانت أمراضه أشد فَتْكًا ، كما يقول بعض الباحثين وهو من أبناء المركز بل وَمِنْ صُنَّاعِ هذه السياسة الجائرة فلم يخل من نوبة صدق ! أبان فيها عن حقيقة الأمر ، فالحضارات الغنية في تاريخ الإنسانية تُبْتَلَى بأعلى نسب الانتحار والإيذاء الجسدي المتسبَّب عن المخدرات والعنف .

    ومناط الأمر : نخبة رأسمالية محلية أو دولية تصوغ تسلطها في قَوَانِينَ ومراسيم ومبادئ حاكمة ، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب ، فظاهرها الحرية والإخاء والمساواة ..... إلخ من الشعارات المستهلَكة وباطنها العبودية والنظرة الدونية للآخر ، واضرب له المثل بمبدأ الرئيس الأمريكي جيمس مونرو 1823 ، مبدأ ارفعوا أيديكم عن العالم الجديد ، فيخاطب أوروبا فهي مرجع الضمير في "ارفعوا" ، والعالم الجديد هو أمريكا بشطريها الشمالي الأنجلوساكسوني والجنوبي اللاتيني ، فظاهر المبدأ الرغبة في الحرية والاستقلال وتقليص النفوذ الاستعماري الأوروبي في الشطر الغربي من الكرة الأرضية ، وله باطن أول وهو رغبة أمريكا في الانعزال المؤقت حتى تصنع قوتها الذاتية بمعزل عن أي مؤثرات خارجية تحقيقا لاستراتيجية طويلة المدى تُفْضِي إلى نشوء إمبراطورية جديدة تَرِثُ الإمبراطوريات الأوروبية القديمة لا سيما البريطانية والفرنسية والإسبانية التي كانت تملك نفوذا كبيرا في الجوار الأمريكي : في الكاريبي وأمريكا الوسطى ونظيرتها الجنوبية ، وثم باطن ثان وهو الأخطر ، فهو ، كما يقول بعض الباحثين ، يُكَرِّسُ حَقَّ أمريكا أن تغزو أمريكا الوسطى والجنوبية إذا ما رأت في ذلك ما يحقق مصالحها الذاتية ويكاد هذا المبدأ يكون أصل كل تدخل أمريكي سافر في جمهوريات أمريكا الوسطى كجواتيمالا التي وقع فيها الانقلاب تحقيقا لمآرب شركة الفواكه الكبرى في أمريكا والتي كانت تحتكر المزارع في جواتيمالا فلما جاء نظام وطني يروم استعادة الحق المغتصب كان الانقلاب 1954 الذي حرضت عليه الشركة وخططت له وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ونفذته النخبة المحلية المستبدة في جواتيمالا ، فتلك ترجمة دقيقة للنظرية الرأسمالية التي تحرك أجهزة الاستخبارات وتمول مراكز الأبحاث وَتُؤَثِّرُ في صناعة القرار ، فيكون الضوء الأخضر في المركز ولا بد من نخبة في الداخل تُنَفِّذُ فيكاد هذا السيناريو يَتَكَرَّرُ في كل انقلاب أمريكي ناعم أو خشن ! ، لا سيما في أمريكا الوسطى والجنوبية فذلك ما كان في جواتيمالا وبنما فضلا عن التدخلات في نيكاراجوا ، وفي الجنوب كانت انقلابات البرازيل وتشيلي والأرجنتين والإكوادور ..... إلخ ، وهي انقلابات خشنة فضلا عن أخرى ناعمة كانقلاب البرازيل الأخير إذ وصل اليمين الموالي للرأسمالية الأمريكية ، وصل إلى سدة الحكم بعد إنهاء حكم اليسار الذي استمر 15 سنة أو يزيد ، فانتهى بإلقاء رئيس ورئيسة في السجن ! ، وإن بطريقة قانونية ناعمة فضلا عن الاقتراع السياسي الشفاف ! الذي أوصل الرئيس اليميني الحالي إذ نجح في العزف على وتر الأمن فهو الجنرال القوي الذي سَيُعِيدُ للبلاد الأمن الذي افتقدته ، فتصبح خيرا من سوريا والعراق ! ، لا سيما وهي من البلاد ذات المعدلات العالية في الجريمة ، فاختاره الناس اختيارا حُرًّا من الناحية الإجرائية ولكنه موجه بآلة إعلامية صَنَعَتِ العقل الجمعي الخائف الذي يَنْتَظِرُ الجنرال القوي الصارم ليدخل في رِقِّهِ طوعا ويضحي بحريته رجاءَ الأمن ولو في كنف نظام تابع يكرس هيمنة المركز على بلد خَرَجَتْ عن طوعه ، ولو حِينًا ، وحققت نتائج اقتصادية واجتماعية جيدة فاستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير ، فكان من العقاب الناجز ، لو تدبر الناظر ، ما يجري الآن في غابات الأمازون من حريق والنظام فيه متهم رَئِيسٌ فِي ظِلِّ ما يَتَرَدَّدُ من أَنْبَاءٍ ، والله أعلم بالصحة أو الكذب ، أنه يَنُوبُ عن المركز في محاولة السيطرة على ثروات تَقْبَعُ تحت أرضِ الأمازون ولو أُحْرِقَ بِمَنْ فِيهِ ! ، فكل أولئك ، لو تدبر الناظر ، من مخرجات مبدأ مونرو الذي توسع فيه من توسع من رءوساء أمريكا التالين ، فكان التوسع الثاني في أمريكا الشمالية ونظيرتها الجنوبية نهاية الحرب العالمية الثانية إبان حكم الرئيس فرانكلين روزفلت ، ثم كان التوسع الأكبر فقد صار هذا المبدأ عالميا بعد أن كان إقليميا ، فانتقل من شطر الكرة الأرضية الغربي إلى العالم كله مع انتقال أمريكا من قوة إقليمية إلى أخرى عالمية فصار ذريعة لأي تدخل أمريكي سافر في العالم كله لا في شطره الغربي فقط ، وهو ما اتخذ عناوين عدة تَتَغَيَّرُ تَبَعًا لِتَغَيُّرِ الحال ، فكان العنوان في الشطر الثاني من القرن الماضي : مكافحة الشيوعية ، وصار اليوم مكافحة الأصولية الإسلامية ولكلِّ مرحلة عنوان يلائمها وعدو يناسبها ، والنخبة في المركز هي من يضع العنوان بما لها من نفوذ في السياسة والحرب والاقتصاد والإعلام ، فهي النخبة القائدة التي تصنع أخرى تابعة في الأطراف ليس لها دور إلا الإنفاذ مع هامش مناورة يَتَّسِعُ تارة وَيَضِيقُ أخرى ، ولكنه لا يخرج عن السيناريو الرئيس الذي تحركه بواعث الشح والأنانية ، وتلك بواعث كل نخبة مستبدة إن في المركز أو في الأطراف ، فإن المجتمعات في المركز قد يؤلمها ما تَرَى من حروب ودماء وانتهاكات في الأطراف فهي تُلَامِسُ بَقَايَا الفطرة الآدمية فيها فقد تَتَأَثَّرُ وقد تَذْرِفُ الدمع وتمارس الإنكار والشجب .... إلخ ، مع هامش حرية أوسع ونطاق عَمَلٍ أهلي أرحب ، ولكن كل أولئك ليس إلا وسائل لتفريغ الشحنة العاطفية كما الحال في التظاهرات السياسية التي تَغْلِبُ فيها العاطفةُ الفكرةَ ، فضلا أن الأمريكي أو الأوروبي بعد أن يَتَفَاعَلَ مع المأساة التي تَسَبَّبَتْ فيها بلاده ، فَيُجَاوِزَ حَدَّ التعاطف إلى المطالب ، فالنخبة في المركز مباشرة تذكره أن ما يطلب من العدل والإنصاف في الأطراف قد يُفْضِي إلى ضيق في معاشه ! ، فهو ، كما يقول بعض الباحثين في الشأن الاقتصادي الانْتِهَازِيِّ ، فهو يعتمد في حياته بشكل مباشر أو غير مباشر على استغلال الشعوب النامية في الأطراف بما يستنزف من مواردها الطبيعية ويستجلب من عمالتها الرخيصة ، فهل يطيق الاستغناء عن هامش رفاه فضلا أن يَرُدَّ الحق المنتهب كله ؟! ، وهو الذي يثور ويضج بالشكوى مع أي ارتفاع طفيف في أسعار الوقود واضرب له المثل القريب المشهود بِتَظَاهُرَاتِ السترات الصفراء في فرنسا أُمِّ الحريات ! ، فَقَدْ ثَارَ الناس احتجاجا على زيادة أسعار المحروقات ، ولا يخلو تظاهرهم من رأي معتبر إذ يشكون كما الأطراف من تَسَلُّطِ النخبة المركزية الحاكمة في مثال رأسمالي نيوليبرالي ذي ميول يمينية وإن لم تكن صريحة ، ولكن هذا الشعب هو نفس الشعب الذي يعلم أن 85% من ثروة غرب إفريقيا ، أو إفريقيا الفرنسية كما يسمونها ، أَنَّهَا تقبع في أقبية البنك المركزي الفرنسي فلولا ثروات إفريقية المنهوبة ما قامت لفرنسا قائمة وهو ما صرح به الرئيس الأسبق جاك شيراك ولم تنقصه الشجاعة أن يقر أن فرنسا ليست إلا قرصانا اقتصاديا بدرجة دولة ! ، فهل يطيق الأوروبي الأبيض صاحب العيش المرَفَّهِ أن يَتَخَلَّى عن بعض حظه في الرفاه تضامنا مع أخيه الأسود أو الملون في الجنوب ؟! .

    والله أعلى وأعلم .


  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:06:32 AM

    المشاركات
    4,871
    العمر
    41

    وتأمل ما كان في مصر الاشتراكية ! ، وهي مثال للحكم المركزي ذِي البناء الهرمي المتدرج فِي مستويات السلطة ، فقد نجح النظام الذي حكم في الخمسينيات وما بعدها ، نَجَحَ فِي صناعة هَرَمَيْنِ من البيروقراطية : البيروقراطية الإدارية فَثَمَّ جهاز حكومي متضخم يشتري السلم الاجتماعي بما يمنح من رواتب بلا عمل ولا إنتاج ، فهي بدل ولاء ، من وجه ، وبدل بطالة من آخر ، فسوء الإدارة قد استنزف الخزانة العامة ، إِذْ ثَمَّ رواتب تدفع بلا نظير يعدلها أو يقاربها من مُنْتَجِ السلعةِ أو الخدمةِ ، بل البيروقراطية الحكومية قد ساهمت بما تَرَاكَمَ من فساد ، فساد الإدارة والرشوة والمحسوبية ..... إلخ ، قد ساهمت بما تَرَاكَمَ من ذلك في ضعف الخدمة والإنتاج ، فهي تَسْتَنْزِفُ الخزينةَ العامةَ بما يصرف من رواتب ، وتستنزف ثروة المجتمع بما تقبض من رِشًى وعمولات .... إلخ ، فضلا عن سوء المخرَج والمنتَج سلعةً أو خدمةً ، فذلك ما يضطر المجتمع أن يدفع من المال العام مَرَّةً بَعْدَ أخرى لإصلاح ما فَسَدَ ، فالمنتج الرَّدِيءُ يُفْسِدُ الحال ولا يصلحها وإن ظن صاحبه أنه يُصْلِحُ ، فَثَمَّ تكلفة علاج وإصلاح ، واضرب له المثل بمنتج غذائي فاسد فإنه بِمَا يَتَرَاكَمُ من أضراره يَسْتَنْزِفُ مِيزَانِيَّةَ الصحة العامة في العلاج مع أن الوقاية خَيْرٌ وَأَوْفَرُ فَلَوْ حُسِمَتْ مادة الفساد أولًا ما اضطر المجتمع أن يدفع من ثَرْوَتِهِ ثانيًا ليعالج المرض .
    فهذه البيروقراطية الحكومية قد زادت الحال سوءا وزادت المجتمع فَقْرًا وضعفا فهي ، لو تدبر الناظر ، آلةُ تَحَكُّمٍ وسيطرة ، فهي تقيد المجتمع إذ تَرْبِطُهُ بالسلطة رَبْطًا مباشرا ، فَهُوَ يَنْتَظِرُ آخر الشهر لِيُمْنَحَ الرَّاتِبَ أو المنحة ، وذلك ما يجعل الجمعية العمومية للبيروقراطية الحكومية ، وهي هيئة الموظفين ، وذلك ما يجعلها تُنَافِحُ عن النظام فقد ارْتَبَطَتْ مصالحها به ارْتِبَاطًا مباشرا فَبَقَاؤُهَا مِنْ بَقَائِهِ ، لا سيما رجال الصفوف العليا ، فَكُلَّمَا عَلَتْ درجة العنصر في هذا الهرم كان أحرص على بَقَائِهِ ، فَانْتِفَاعُهُ منه أعظم ، لا سيما إن فَتَحَ قَنَوَاتِ الفساد فَمِنْهَا يَرْبَحُ وَيَثْرَى ، وهي بيروقراطية تُضْعِفُ المجتمع بما تُقَدِّمُ مِنْ خدمات رَدِيئَةٍ ، وما تستحل من المال العام اختلاسا أو المال الخاص رشوة أو إتاوة ..... إلخ ، وإلى جوار هذه البيروقراطية الإدارية التي جاوزت المليون ، كما يذكر بَعْضُ الْكُتَّابِ إذ يحكي عَرْضًا أمريكا لِلنِّظَامِ فِي الخمسينيات أَنْ تُعَادَ هيكلة الحكومة المصرية فلا تحتاج إلا 180 ألفا من الموظفين فقط ، فالباقي زِيَادَةٌ تُزْحِمُ دواوين الدولة ومكاتبها ، وهو ما تضخم بعد ذلك وَأَيُّ زَائِرٌ لِدَوَاوِينِ الحكومة المصرية يَتَنَدَّرُ من الصورة الكاريكاتيرية من اجتماع الموظفين على المكاتب في دوائرَ ضَيِّقَةٍ تَتَّسِمُ بالمودة والحميمية ! ، فإما أن يجتمعوا على الأكل وإما أن يجتمعوا على الثَّرْثَرَةِ التي تطال أدق تفاصيل الحياة الخاصة رجالا ونساء ! ، وتلك ، بداهة ، حَالٌ مزاجية تَنْفِرُ من أي عمل يَنْفَعُ ، فَيَشِقُّ عليها البحث في الملفات القديمة المتهالكة فَثَمَّ ، من وجه آخر ، تخلف تِقَنِيٌّ ، وثم نقص في برامج التدريب والتطوير إذ الميزانية لا تسمح ، كما هي الحال في ميزانية التعليم في مصر على سبيل المثال ، فأكثرها يذهب في الرواتب والحوافز والبدلات ، وَأَقَلُّهَا يُنْفَقُ في تَرْمِيمِ مَا تَبَقَّى من الأبنية المتهالكة وطباعة ما تَيَسَّرَ من الكتب التي لا تقدم مادة علمية نافعة ، فَغَايَتُهَا أن تكون أدوات تَلْقِينٍ تَقْتُلُ ملكة النظر والاستنباط فهي تُرَسِّخُ التَّقْلِيدَ الأعمى ، وذلك وصف يلائم أي رأس في الدين أو السياسة يَرُومُ الطغيان ، فلا يطيق مَنْ يُفَكِّرُ إذ يملك قوة النقد والتفنيد التي تُزَيِّفُ رياساتهم بالأدلة الصحيحة ووجوه الاستدلال الصريحة .
    فكان من تضخم هذه البيروقراطية ما ازدحمت به المكاتب والدواوين بلا قيمة مضافة ، فلا يعدل المخرَج ما يكون من مدخَلات التوظيف والتدريب ..... إلخ ، فالموظف غير الكفء عبء على الجهاز الإداري فهو يأخذ ولا يُعْطِي ما يضاهي المأخوذ ، فَتَزْدَادُ الخسائر بما يكون من تَرَاكُمِ الصورة آنفة الذكر : أخذ بلا عطاء ، فوصفه في المركز أنه العمالة غير الذكية وهي عمالة غير مدربة فلا تصلح إلا للأعمال الشاقة التي تَعْتَمِدُ على المجهود البدني دون آخر عقلي يضاهيه وذلك ما يجعل جلوسها على مقاعد الإدارة كَارِثَةً عظمى ، فَلَيْسَ لها الرغبة في العمل ابتداء ، وليس لَهَا القدرة على العمل إذا رغبت ، فَبِيئَةُ العملِ فاسدةٌ : برامجَ تدريب وتطوير فالموظف غير مؤهل لا من الناحية الدراسية ولا من الناحية الإجرائية لا سيما إن احتل المكان الشاغر برشوة أو محسوبية أو نفاق يحمل اسم الولاء وذلك ما يلحظه الناظر لحظَ التَّنَدُّرِ أيضا ! فَيَجِدُ حملة مؤهلات نظرية يحتلون مناصب في مؤسسات عَمَلِيَّةٍ تَفْتَقِرُ إلى مهارات خاصة لا يَعْلَمُ عَنْهَا دارسُ العلوم النظرية شيئا ! فحال هذا الموظف بداهة أنه لا يعمل ولا يريد أن يعمل وإن أراد العمل فهو لا يفقه ما العمل ؟! فَعِنَايَتُهُ تَنْصَرِفُ أَنْ يُعَوِّضَ ما دفع ! ولو اختلاسا أو رشوة أو تَقَاعُسًا عن العمل فهو يقبض الراتب دون جهد يناظر وذلك في حد ذاته فساد وإن لم يكن فجا كفساد الاختلاس أو الرشوة ، فَبِيئَةُ العمل ، كما تقدم ، فاسدة ، بَرَامِجَ توظيفٍ وتطوير وأدواتِ تنفيذٍ ، ومنظومةَ تحكمٍ وسيطرةٍ قد جمعت أوصاف النقص : فَسَادًا وَتَرَهُّلًا ، فَتَحَوَّلَتْ هَذِهِ الكتلة الوظيفية غير المنتجة إما لفساد في التوظيف والتدريب أو آخر في الذمة والضمير ، أو لكلا الوجهين وهو ما يغلب في مراحل العجز والترهل ، تحولت إلى عبء على الميزانية ، فجهاز وظيفي يبلغ مليونا من العاملين ، وحاجة المجتمع لا تتجاوز 180 ألفا ، جهاز كهذا يلتهم ميزانية الدولة ، لا سيما إن كانت دولة مدينة مفلسة مع فساد رءوسها في معظم مستويات القيادة العليا : السياسية أو الإدارية ، فأكثر المخصَّصَاتِ تَتَوَجَّهُ إلى سداد أصول الدين وفوائده المتراكمة ، فضلا عن بند الرواتب فهو بَنْدٌ كبير في رَقَمِهِ ضعيفٌ في أَثَرِهِ ، فليس ثم إنتاج يضاهيه ، كما تقدم ، وهو ما يُفْضِي إلى انهيار القوة الشرائية فالعملة ضعيفة إذ ليس ثَمَّ إنتاج يضاهي ما يطبع من النقد ، والبيروقراطية شديدة المركزية والفساد والتَّرَهُّلِ ليست بداهة منتجةً لِتَقْوَى بها العملة أو تَسْتَقِرَّ فهي أبدا إلى انهيار سواء أكان متدرجا أم مفاجئا ، فَثَمَّ طبقة من البيروقراطية الطفيلية التي تستنزف ثروة المجتمع بلا عائد فهي ، من هذا الوجه ، تضاهي الرأسمالية الطفيلية التي لا تعرف إلا لغة الربح المجرد فهو رقم لا أكثر دون توجه إلى إقامة قواعد إنتاج محكمة تحقق القيمة الاقتصادية المضافة تنمية لا نموا يقتصر على رقم لا يعكس نشاط إنتاج وإنما يعكس نشاط استيراد واستهلاك يعم كافة شرائح المجتمع ، كلٌّ بما يملك من مدخرات ، فهو نمطُ استهلاكٍ يَسْتَنْزِفُ مدخراتِ المجتمع ، وَيُرَسِّخُ ثقافة الاستهلاك لا سيما في النخبة الثَّرِيَّةِ التي يَتَوَجَّهُ إليها خطاب المستثمر الرأسمالي الطفيلي فهو يغرق أسواقها ومجمَّعَاتها التجارية الكبرى بِسِلَعٍ يغلب عليها وصف الكمالي وربما التافه في أحيان كثيرة مع ما يكون من التَّبَارِي في إظهار الوجاهة بشراء كلِّ جديدٍ مستطرف وإن لم يكن ثم حاجة إلا الرياء ولفت الأنظار فذلك ما يحكي حال الإفلاس الفكري والحركي في هذه النخبة التي لا تَتَحَرَّكُ في العادة إلا إذا كان الباعث شهوة أو نزوة غاية صاحبها أن يجرب لا أكثر فسرعان ما يَمَلُّ وَيَنْتَقِلُ إلى سلعة جديدة ، وهو ما يزيدُ فُرَصَ رأسِ المالِ الطفيلي أن يحقق مزيدا من الأرباح فهو يُغْرِقُ الأسواق كل يوم بِسِلَعٍ جديدة دون الاشتغال بإقامةِ قواعدِ إِنْتَاجٍ لصناعات ثقيلة أو ذات مستوى عال من التقنية تحقق القيمة المضافة لأيِّ اقْتِصَادٍ نَاهِضٍ ، ولو على المدى البعيد الْمُتَرَاكِمِ ، فذلك ما لا يحسنه رأس المال الطفيلي الباحثُ عن الربح السريع ، فهو يستثمر في رغبات الأغنياء في الكماليات ، واحتياجات الفقراء من الأساسيات ، لا سيما إن كان محتكِرًا يجيد صناعة الأزمات والاستثمار فيها ، وهو ما يَعْظُمُ شؤمُه إن تَحَالَفَ رأس المال الطفيلي مع طبقة سياسية فاسدة ، سواء أكان الفساد فَجًّا كما الحال في الأطراف فَثَمَّ تحالف مباشر بَيْنَ رأس المال الطفيلي والطبقة السياسية ونظيرتها البيروقراطية لا سيما مستويات الحكم العليا فهي الأعظم نفوذا والأعظم فسادا والأعظم ثَرَاءً ، وقد يَزْدَادُ الأمر سوءا إن كانت الطبقة السياسية الحاكمة هِيَ طبقة رأس المال الطفيلي فهي تحكم وَتُتَاجِرُ وذلك ما يُفْضِي إلى انهيار الاقتصاد على المدى البعيد بما يَتَرَاكَمُ من كساد إذ يعزف رأس المال الخاص أن يستثمر فلا يتحرك في دوائر الاقتصاد لا سيما المتوسطة والصغيرة فهي تخشى بأس السلطة وليس لها من النفوذ والحظوة ما به تحمي نَفْسَهَا لا سيما إن كانت الحال قَهْرًا واستبدادا ، فكلما زَادَ عنف السلطة انهارت عُمْلَتُهَا في ارْتِبَاطٍ شرطي لطيف يحكيه بعض المحققين ، فإن العنف يحمل أي عاقل أن يحجم في بيئة استثمار غير آمنة ، فليس ثم من الضمانات ما به تأمن رءوس الأموال من المصادَرَةِ والمنافسة غير العادلة إلا ما يكون من ضروري العيش فيكون الاستثمار في بِيئَةٍ كهذه ضرورةً تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، فَلَيْسَتِ الحالُ حالَ اختيارِ وَسَعَةٍ ، ويكون من السلامة أن تُهَاجِرَ رءوس الأموال إلى بِيئَاتٍ أخرى آمنة ، فَيُحْفَظُ المال من المصادرة ، ويحفظ من انهيار قوته الشرائية ، إذ يَتَحَرَّكُ طَلَبًا لربحٍ يُقَلِّصُ هامش الخسارة على أدنى تقدير ، هامش الخسارة من جراء التضخم المتصاعد الذي يستنزف الربح حلالا بالبيع أو حراما بالربا ! ، فإن تعذر ذلك فالمال يهجر السوق بتجميده في أصول تحفظ قيمته من أرض أو عقار أو ذهب أو عملة أجنبية قوية .
    فالشؤم يعظم ، كما تقدم ، إذا تحالف رأس المال مع نخبة السياسة ، فيكون الفساد فَجًّا كما هي الحال في الأطراف أو ناعما كما هي الحال في المركز فإنه لا يخلو من هذا الوصف وإن كانت رأسماليته أرسخ وأقوى فقد حققت من القيمة المضافة ما لا يُنْكِرُهُ إلا جاهل أو جاحد ، ولكنها ، كما يقول بعض الفضلاء ، لم تخرج عن حد الوجاهة التي يُرَائِي صَاحِبُهَا بما يُنْفِقُ فِي مجالات بحث لا تعود على العالم بالنفع ، بل ولا تَعُودُ عَلَى المركز بالنفع المباشر ، فليس إلا تكريس السيادةِ انطلاقا من نظرية : (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، فَثَمَّ مَا اصْطَلَحَ الفاضل آنف الذكر أن يطلق عليه لَقَبَ "التَّبْذِيرِ الْوَجَاهِي" ، وقد مثل له بمسبار "كوريوسيتي روفر" الذي تكلف 2,5 مليار دولار ! ، فهو يكرس وجاهة المركز ويكرس سيادته على الأرض فقد جاوزها إلى السماء ، ولسان حاله لسانُ مقالِ يأجوج ومأجوج : "قَدْ قَتَلْنَا أَهْلَ الْأَرْضِ، فَتَعَالَوْا نُقَاتِلْ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ السَّمَاءَ بِنِبَالِهِمْ وَنُشَّابِهِمْ، فَتَرْجِعُ مُخْتَضِبَةً دَمًا ، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَتَلْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ" ، فقد غَلَبُوا أهل الأرض وَقَهَرُوهُم فَتَوَجَّهَتْ أنظارهم إلى السماء لتكون لهم السيادة في الْبَرِّ والبحر والجو ! ، فكذلك طبقة السياسة والمال في الأطراف وإن كان المثال أسوأ وأردأ ، فإن ما يُنْفِقُهُ المركز في مشاريع الوجاهة في السماء ولا تخلو من قِيمَةٍ بَحْثِيَّةٍ مضافة ، فالأطراف تُنْفِقُهُ في مشاريع الوجاهة في الأرض قصورا ومنشآت لا قيمة لها تُضَافُ بل هي مِمَّا يَسْتَنْزِفُ المال العام ولا يحقق فرص عمل مستدامة ، ولو في مشروعات استهلاكية ، فلا هو أقام قاعدة إنتاج تضاف إلى الاقتصاد ، ولا هو أقام قواعد خدمة في التعليم والصحة كما يضرب الفاضل آنف الذكر المثل بما أنفق في المسبار "كوريوسيتي روفر" ، فهو يكفي في إِنْشَاءِ بِنْيَةٍ تحتية لدولة مالي ، في المياه النظيفة والصحة ، فضلا عن تَوْفِيرِ فُرَصِ تعليم لملايين من الطلبة ، ولا هو وَفَّرَ فُرَصَ عملٍ مستدامة ولو في أنشطة اقتصادية استهلاكية تافهة ! ، ولا هو كفى الموازنة العامة عبء نفقاته ! .
    ومع تراكم الفساد وضعف الكفاءة في هذه البيروقراطية تَبْرُزُ الحاجة إلى إعادة الهيكلة لِتَقْلِيلِ الخسائرِ ، فَثَمَّ مالٌ يُدْفَعُ أو يُطْبَعُ بِلَا إِنْتَاجٍ يضاهيه وذلك ، كما تقدم ، من شؤم ما صنعت هذه البيروقراطية غير المنتجة ، فلا قيمة لَهَا تضاف إلى اقتصاد المجتمع اللهم إلا ما يكون من إنفاقٍ في ضرورات المعاش من غذاء ودواء ومسكن وملبس ... إلخ ، فذلك ما يحرك دوائر اقتصادية دُنْيَا تَعُودُ بالنفع المباشر على المجتمع ، جَرْيًا على نظرية الاقتصاد الكينزي نظرية "التدفق الْفَعَّالِ" ، فحصول المال في يَدِ العامة يُحَرِّكُ دَوَائِرَ اقتصاديةٍ حَوْلَهَا بما يكون من تعاظم قدرتها الشرائية وذلك ما يحفز الصانع أَنْ يُصَنِّعَ والمستورِد أن يَسْتَوْرِدَ ...... إلخ ، ومع ذلك فهذه النظرية لا تحقق الغاية من الإنفاق ، فالبيروقراطية لا تَتَقَاضَى رواتب مجزية تُوَفِّرُ لَهَا عيشا كريما يَعُفُّهَا أن تكسل فلا تَعْمَلَ إِذْ لا مقابل عادلًا يُبْذَلُ ، أو تختلس أو تَرْتَشِي أو تَفْرِضَ الإتاوة لتستكمل احتياجاتها لا سيما إن كان لها من قوة الإنفاذ المباشر ما يجعلها تُرْهِبُ صغار التجار والصناع ، كما يُضْرَبُ المثل بِتَصْرِيحٍ مشهور لوزيرِ داخلية مصري يُفَاخِرُ فيه أن رجاله يعرفون كيف يستكملون رواتبهم فلا يحتاجون إلى مخصصات إضافية تُرْهِقُ الميزانية فقد كَفَوْهَا المؤنة بما يفرضون من إتاوات وَيَتَقاضَوْنَ من رشى ، فالمجتمع هو الذي يُوَفِّرُ هذه المخصصات الإضافية من جيبه على وجه يفضي ، كما تَقَدَّمَ مِرَارًا ، إلى استنزاف ثروة المجتمع بأدوات إنفاذ وظيفية تَتَّسِمُ بضعف الكفاءة وخيانة الأمانة ، فَتِلْكَ بِيرُوقْرَاطِيَّةٌ تفتقر إلى إعادة الهيكلة ، وهو ما يستثمر ، من وجه آخر ، في هدم البنيان فجأة ، لا سيما إن كان ثم هوى للسلطة فَهِيَ تَرُومُ تَوْفِيرَ النفقات التي تُسَدِّدُ بها ديونها أو تستكمل بها قصورها أو تَضُخُّهَا في استثماراتها الخاصة وإن من جيوب العامة بما تَسْتَقْطِعُ من الضرائبِ وَتُقَلِّصُ من الرواتب ومزايا الدعم الاجتماعي ، أو كان ثَمَّ أمر مباشر من جهات التمويل الدولية التي تخضع لسياسات المركز فهو الآن نيوليبرالي شرس قد فَرَضَ على الأطراف من بَرَامِجَ التقشف وتقليص بنود الدعم والأجور ما خضعت له السلطة التابعة في الأطراف تحت عناوين تشريعية من قَبِيلِ "قانون الخدمة المدنية" ، فهو ما يُتَّخَذُ ذريعةً إلى تصفية هذه البيروقراطية المتراكمة على عجل دون تَرَوٍّ أو نَظَرٍ في بُعْدٍ اجتماعي يُوَفِّرُ البدائل المناسبة من فُرَصِ التدريب والتوظيف ، فَلَيْسَ ثَمَّ إلا الرغبة الجامحة التي امتلك صاحبُها أداة السلطة القامعة فهو يُرَاهِنُ على العنف المفرِط الذي يُرْهِبُ المجتمع أَنْ يَتَحَرَّكَ لا سيما وَثَمَّ ظَهِيرُ إقليمي ودولي يدعم ، فإعادة الهيكلة في هذه الحال هي ، لو تدبر الناظر ، من الحق الذي يُرَادُ به الباطل ! ، وقل مثله في إعادة التخطيط والتطوير لمناطق دون توفير البديل المناسب فليس إلا رغبة أخرى جامحة في إخلاء المواقع المتميزة تمهيدا لِبَيْعِهَا أو إقامة مشاريع ذات طابع رأسمالي طفيلي يحقق للسلطة ودوائرها المقرَّبَةِ أعظم الأرباح ولو على حساب المجتمع ، فهو ، أبدا ، من يدفع الثمن ! ، فالنية أصل كل عمل ، فقد يكون صحيحا في نفسه ولكن فساد النية يفسده ، فصاحبه يَتَذَرَّعُ أنه يَرُومُ الصالح العام وقد يبدو الأمر كذلك لا سيما إن نُفِّذَ بطريقة صحيحة عادلة ، ولكن فساد نِيَّتِهِ لا يَنْفَكُّ يظهرُ في قوله وعمله .

    فإذا قال قائل ، على سبيل المثال ، إِنَّ بَلَدًا ما يحتاج إلى توسع عمراني يخفف الأعباء عن الحواضر القديمة ، فيكون الانتقال إلى أخرى جديدة ، فذلك ما لا يخلو من وجاهة ، ولكنه صاحبه كعادته ! يبطن ما لا يظهر ، فإن الشرط في أي مشروع ناجح أن يستغرق نفعه جَمِيعَ طبقات المجتمع ، فلا يكون مشروعا لنخبة وتكون الدعاية أنه للعامة فهو ، بِزَعْمِ القائل ، مشروع قومي وليس إلا مشروع السلطة ونخبها العليا التي تَرُومُ الانتقال بعيدا عن الزحام ، وتروم الاستمتاع بِرَفَاهِ العيش في حاضرة الملك الجديدة فضلا عن توفير درجة أعلى من الحماية إذ الهوة بَيْنَ النخبةِ والمجتمعِ قد اتسعت فهي تخشى بأسه ما لا تخشى غيره ، فهو العدو الناجز من داخل فخطره يفوق أي عدو من خارج ! ، فقد يكون المشروع نافعا ، ولكنه ليس واجب الوقت ، فمحله الثاني لا الأول ، فالنظر فيه يكون على مدى أبعد ، فضلا أنه لا يحقق الغاية إلا أن يكون مشروع المجتمع لا مشروع النخبة .


    فالنخبة الرأسمالية التي احتكرت الثروة قد نجحت بامتياز في اختراق هَرَمِ السلطة السياسي والإداري فَضْلًا عن مؤسسات الرقابة والمحاسبة ، وسلطةِ الضبطِ والإحضار وَنَظِيرَتِهَا في القضاء وَثَالِثَتِهِمَا فِي التشريع فالرأسمالية تملك من أدوات الضغط السياسي الناعم ما يجعل لمصالحها اعتبارا حالَ نَظَرَ المشرِّع الأرضي فهو يحظى بِتَمْوِيلٍ ودعم رسمي وآخر غير رسمي ! ، على وجه يدل يقينا على افتقار المراجع الأرضية إلى الأسباب المادية والمعنوية فليست أهلا أن تُشَرِّعَ إذ لا تخلو من حظ نفس به تُحِلُّ أو تُحَرِّمُ ، فَثَمَّ دعم رسمي ظاهر فجماعات الضغط السياسي تمول حملات المترشحين إما إلى المناصب التنفيذية أو نظيرتها التشريعية ، وثم آخر غير رسمي وهو ما يمرر من تحت الطاولة من صفقات أو عمولات ...... إلخ ، فتلك صورة الفساد المباشر الذي يَزْدَهِرُ في البيئات البيروقراطية آنفة الذكر ، لا جرم كان ازدهاره في الأطراف أظهر ، إذ البيروقراطية الفاشلة الفاسدة فِيهَا أَرْسَخُ ، فضلا عن القمع السياسي والأمني فَدَوْرُ مراكزِ النفوذ داخل أجهزة الدولة يَتَعَاظَمُ بما تملك من صلاحيات واسعة وحماية من أعلى مستويات السلطة ، وهو ، كما تقدم مرارا ، ما يستغرق جميع مستويات الهرم السياسي والإداري ، وإن تَرَكَّزَ في القمة وما يقاربها من مستويات القيادة العليا وهو ما يقيم الحاجز شَيْئًا فَشَيْئًا بين القمة والقاعدة ، لا سيما والفساد في القاعدة أقل ، ولو في الجملة ، فمؤشر الفساد في الأنظمة المركزية المستبدة عال إن في القمة أو في القاعدة ، ولكن القاعدة أقل فسادا ولو عجزًا لا عفةً ! ، فليس لها من الصلاحيات والحماية ما لِلْقِمَّةِ ، فإذا نظرت القاعدة وهي من جملة من يكدح وإن كانت حالها من العامةِ أفضل ، إذا نظرت القاعدة في حال القمة التي تَرْفَلُ في نعيم السلطة فَفَسَادُهَا قد أَزْكَمَ الأنوف ، فذلك ما يَزِيدُ في الهوة بَيْنَ القمة والقاعدة وَيَزِيدُ مِنْ حَالِ السخطِ الْمُتَرَاكِمِ في نفوس صغار العاملين في أي بِيرُوقْرَاطِيَّةٍ سواء أكانت إدارية كما ضُرِبَ المثلُ آنفا ، أم عسكرية ، فتلك هي البيروقراطية الثَّانِيَةُ التي نجح نظام الحكم المصري في الخمسينيات أَنْ يُشَيِّدَهَا ، أو يستكمل ما شَرَعَ فيه الاستعمار قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ إذ وضع حجر أساس محكم لهذه البيروقراطية العسكرية أداةِ التحكم والسيطرة والقمع لأي حِرَاكٍ يُهَدِّدُ مَصَالِحَ المركز في الأطراف ، فجاء نظام يوليو 52 ليستكمل ما بدأ الاستعمار ، فَأَحْكَمَ بُنْيَانَ التَّنْظِيمِ الفاعل في هذه البيروقراطية العسكرية التي احتكرت أدوات العنف أكثر ، فهي على جادة الباشا الأول ، فلا تمكن صناعة تَنْظِيمٍ صغير يحكم مجتمعا كبيرا إلا إذا نجح التَّنْظِيمُ في إحداثِ فارقٍ هائل في القوة ولا يكون ذلك إلا بتجريد المجتمع من أدواته الفاعلة صلبة أو ناعمة ، فَجُرِّدَ من سلاحه وَجُرِّدَ من أوقافه وَجُرِّدَ من استقلال مؤسساته الفكرية والتعليمية التي تصنع الثقافة والهوية ، فهذه البيروقراطية العسكرية قد أَنْشَأَتْ جَيْشًا كَبِيرًا ناهز 600 ألف عنصر إن لم تخن الذاكرة وهو رقم كبير في مقابل عدد السكان آنذاك ، فتضخمت كلا البيروقراطيتين : المدنية والعسكرية ، فهما أداتا التحكم والسيطرة في المجتمع ، وكلاهما قد اسْتَشْرَى الفساد في أركانه ، لا سيما في مستويات القيادة العليا ، فذلك ، أيضا ، ما يَتَرَاكَمُ في هرم البيروقراطية العسكرية كما المدنية ، فصغار العناصر تسخط ما تَرَى من فَسَادِ النخبة ، ولو حسدا من عند أَنْفُسِهَا فَلَوْ بَلَغَتْ مَا بَلَغَتِ القيادة لفسدت كما فسدت إذ آلة الإفساد محكمة فهي ضمان الحفاظ على التنظيم وحماية مصالحه وَتَثْمِيرِ مكاسبِه ، فَيَتَرَاكَمُ السخط في نفوس القاعدة بَمَا ترى وتسمع من فساد القمة ، لا سيما إن كانت تخوض المعارك في سبيل القيادة أن تَثْرَى وَتَنْعَمَ وَتُضَارِبَ بِدِمَائِهَا في بورصة السياسة البراجماتية اللاأخلاقية ، فَتَتَّسِعَ الهوةُ بين القمة والقاعدة ، وَيَعْظُمُ السخط فِي المستويات التنفيذية الدنيا التي تُبَاشِرُ الأمر ، فذلك ما يَتَوَاتَرُ في أي تنظيم هرمي ، عسكري أو مدني ، لا سيما في أدواره الأخيرة التي تَتَّسِمُ بالضعف والترهل .

    وتلك ، لو تدبر الناظر ، سنة جارية ولو في التنظيمات الدعوية الإصلاحية ، فإن ثم حاجزا تَرَاكَمَ بَيْنَ القمةِ والقاعدةِ ، لا سيما مع تَعَاقُبِ الأجيال وَضَعْفِ الاتصال بَيْنَهَا إذ الإحلال والتجديد يَجْرِي عَلَى وَتِيرَةٍ بطيئة تحكي تَغَلْغُلَ القيم البيروقراطية الرَّتِيبَةِ في الجهاز الإداري ، فيظهر السخط شيئا فشيئا في المستويات الدنيا فهو يبدأ من القاعدة التي تشعر بالهضم وتشتكي تجاهل القيادة التي تَرُومُ تَثْبِيتَ المشهد بما يُكَرِّسُ رِيَاسَتَهَا ولو انطلاقا من قاعدة أخلاقية معتبرة ولكنها كأي مبدإ إن جاوز صاحبه الحد فاستخدمه في الضد صار وبالا عليه فضلا عن نُفُورِ الناس من الحق الذي يَتَذَرَّعُ به إلى باطل ، ولو خَفِيَ ، فحظوظ النفس مما يَخْفَى وهي من أَدَقِّ الدواخل التي لا يفطن لها التَّقِيُّ والفاجر ، وإذا وَجَدَتْ هذه القواعدُ الساخطة رأسا في مستوى عال من مستويات الإدارة ، فإنها تَلْتَفُّ حوله إذ يحكي طموحها في التغيير ولو في إطار التنظيم ، فَيَنْشَأُ الجناح تِلْقَائِيًّا في مقابل الجناح القديم ويبدأ الصراع شيئا فشيئا حتى يحتدم ويصل إلى درجة لا يمكن احتمالها ولا إخفاؤها فيكون مِنَ الصراع ما يُفْضِي إلى غَلَبَةِ جناحٍ فهو يَهْزِمُ الآخرَ وَيُهَمِّشُهُ وقد يَعْزِلُهُ فَيُجَمِّدُ عضويته أو يستبعده نهائيا ، فَتَزْدَادُ الانشقاقات ولو في القاعدة فالرأس التي تغادر التنظيم تستقطع جزءا من القاعدة وهو الجزء الراغب في التغيير ، وثم من يؤثر السلامة فيكتم رغبته في التغيير فلم يفقد الأمل بَعْدُ في التنظيم فهو يروم التغيير من خلال أدواته ، والخطر أن هذا الجزء ، كما ظهر في بعض التنظيمات الإصلاحية ذات المرجعية الإسلامية في مصر بعد 2011 وهو ما زادت وتيرته بعد الانحسار الكبير في أعقاب يوليو 2013 ، الخطر أن هذا الجزء يخرج سَاخِطًا وَقَدْ يَزْدَادُ سخطه فلا يميز بين الفكرة والتنظيم فيكون سخطه على الفكرة ولو حقا فذلك من شؤم ما اقترف التَّنْظِيمِ من بَاطِلٍ باسمها سواء أَتَقَصَّدَ ذلك أم وقع خطأ أم جمع الاثنين فلا يخلو الأمر ، كما تقدم مرارا ، من حظ نفس ، ولو خفيا لا يظهر ، وهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، ما رصدته بعض مراكز البحث الأمريكية مبكرا إذ رصدت تَمَاهِي القواعد الإسلامية الشابة مع قيم العلمانية الناعمة ، لا سيما العلمانية الجزئية التي تمكر فلا تُظْهِرُ العداء الفج لقيم النبوة والوحي ، وقد زَادَ ذلك بعد 2011 و 2013 مع فشل التنظيم في استيعاب الأحداث المتسارعة فَبِنَاؤُهُ الهرمي الصلب وبيروقراطيته في الإدارة قد أبطأت به عن طموح القواعد الشابة التي استفزت بأجواء الحرية المفاجئة ، ولم يحسن كثير منها التمييز بين الفكرة والتنظيم ، فَحَمَّلَ الفكرة أخطاء التنظيم ، فكان خروجها ساخطة وكان اقْتِرَابُهَا أكثر من قِيَمِ العلمانية وإن كُسِيَتْ ألفاظا رسالية ! ، فَنَشَأَ عَنْ ذَلِكَ لا سيما بعد ضربة يوليو 2013 المؤلمة ، نَشَأَ مِنْهَا مَا يَنْشَأُ من تَيَّارَاتٍ عَقِيبَ أَيِّ صدمة ، فَثَمَّ مَنْ غَادَرَ فاتجه في طَرَفٍ فاختار العمل المسلح فضلا عما قد يقرنه من تصلب أيديولوجي في مسائل الأسماء والأحكام تحت وطأة الخذلان الذي لاقاه من المجتمع ، فسارع بالحكم عليه الحكم العام القطعي بالمروق والانفلات من ربقة الدين الرسالي ، فَغَلَا في الحكم بلا تمييز ، فَأَلَمُ الصدمةِ قَدْ أَذْهَبَ الفكرةَ ، لا سيما وقد أَغْلَقَ الغضبُ عقلَه ، والإنسان ، كما يقول بعض المفكرين في لَفْتَةٍ لظيفة ، الإنسان قد يحتقر غيره ويحط من شأنه لأنه يحبه ! وإنما حمله ذلك أن خذله وهو يحتاجه فلم يُطِقْ إلا أن يَتَطَرَّفَ في كَرَاهِيَّتِهِ لا جرم كان الاقتصاد في الحب والبغض من أمارات الحكمة فلا تَغْلِبُهَا العاطفة ، فلا يكن حبك كَلَفًا ولا يكن بُغْضُكَ تَلَفًا ، كما أُثِرَ عن عمر ، رضي الله عنه ، فَالْكَلَفُ زيادةٌ وَالتَّلَفُ نَقْصٌ ، والعدل وسط بَيْنَهُمَا فلا إفراط ولا تفريط ، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم .
    وثم من اتجه على خلاف الأول فَغَلَا في الطرف الآخر ، فكان الانتقال إلى الطرح العلماني بعد أن فَقَدَ الثقة في الطرح الإسلامي بِمَا كَانَ من عَارِضِ عَثْرَةٍ لا تعدو أن تكون ابتلاء يُمَحِّصُ ، فلا تخلو حاله وَإِنْ نُظِرَ فِيهَا بَعَيْنِ القدر الراحمة لا سيما إِنْ فُجِعَ بِفَقْدِ عزيز أو نحوه ، لا تخلو من نظر آخر بعين الشرع الحاكمة فلا تخلو من نَقْصٍ في النظر والاعتبار ، وذلك ما لا يطيقه كل أحد ، وقد يقوله المرء في زمن سلامة وأمان وَلَمَّا يدخل قلبه الإيمان ، فإذا ابْتُلِيَ لم يُطِقْ فَكَانَ منه أسوأ مِمَّا ينكر على الآخر ، فالتحري في هذا الأمر حتم لازم والاعتدال والاقتصاد في النظر فلا تغلب عين القدر الراحمة كما يصنع بعض حتى بَلَغَتْ به الحال أن يَلْتَمِسَ لأولئك العذر في ردود أفعالهم الفكرية الحادة التي تجاوز العلمانية في أحيان إلى الإلحاد الصراح ، ولم يَبْلُغْ به الأمر حد الاعتذار وإنما انْتَقَلَ في طور تال إلى مرحلة الدفاع عن الإلحاد بذريعة الحرية الفكرية التي أصبحت بلا سقف وانتقلت من دوائر السياسة إذ عجز الناس أن يَنَالُوا حقوقهم لبطش الطاغوت ، فانتقلت من دائرة السياسة إلى دائرة الديانة فقد غرهم حلم ذي الملكوت ، جل وعلا ، ولا تغلب ، في المقابل ، عين الشرع الحاكمة فيكون الإنكار الشديد الذي يُنَفِّرُ لا سيما إن كانت حاله مما يُرْجَى خَيْرُهُ فهو في حالِ صدمةٍ عارضةٍ ليس من الفقه مواجهتها بحدة فَتَعْظُمَ النفرة وَتَبْعُدَ الرجعى .

    وتلك ، لو تدبر الناظر ، ظاهرة لا يسلم منها أي تَنْظِيمٍ إذا خَرَجَ عن الغاية الرئيسة ، ولو ضِمْنًا ، فَإِنَّ تَعَاقُبَ الأجيال على أي فكرة أو دولة يُفْضِي ، لُزُومًا ، إلى انهيار بعد اكتمال البناء ، وَضَعْفٍ بعد قوة ، فإذا تَرَهَّلَ التنظيم فمن آيات ذلك ما يَكُونُ مِنْ ضَعْفِ الصلةِ بَيْنَ القمة والقاعدة ، مع ظهور الأجنحة المتصارعة فهي ظاهرة في أي تَنْظِيمٍ صلب ، فذلك ما يسري إلى بقية أجزاء الهرم في كافة مستويات القيادة ، فَفُلَانٌ من القيادات الوسطى أو الصغرى محسوب على جناح فلان ، وآخر محسوب على جناح آخر ، وَبَيْنَهُمَا نَوْعٌ من الصراع المكتوم الذي يحكي صراعا آخر مكتوما في قمة السلطة ، وهو ما تكون فيه الغلبة لجناح على آخر ولو في إطار التنظيم فلم يبلغ الأمر حد الانشقاق الرأسي الذي يُفْضِي إلى انهيار الكيان ، وإنما يحسم الصراع للجناح الأقوى الذي يُقَلِّصُ من صلاحيات الجناح المهزوم فَيُقْصَى من مواقع التأثير في صناعة القرار وَيُوكَلُ إليه من الأمر ما لا يُؤْبَهُ له ، كما يَرَى الناظر في التنظيمات الصلبة والجيوش أبرز مثال عليها ، فالعناصر المغضوب عليها وهي التي تمثل جناحا مهزوما داخل المنظومة فَلَمْ يَتِمَّ اسْتِبْعَادُهُ أو تَصْفِيَتُهُ ، فلا زَالَ يَنْتَمِي إِلَيْهَا ، ولكنه مُهَمَّشٌ قد أُقْصِيَ إلى مكان بعيد بلا صلاحيات كبيرة ، أو آخر قَرِيبٍ تحت رقابة صارمة فِي وظيفية إدارية لا تملك صلاحية تَحْرِيكِ قطاعٍ مُؤَثِّرٍ من القوة على الأرض ، أو المشاركة الفاعلة في اتخاذ القرار ، فَدَوْرُهُ لا يجاوز حد العمل البيروقراطي في الجناح الإداري المدني ، ولو داخل كيان عسكري ، وهو عمل إلى البطالة أقرب ، إذ البيروقراطية المترهلة لا قيمة مضافة لها ولا أَثَرَ لَهَا يظهر ، فَلَيْسَ إلا مُكَاتَبَاتٍ وَمُرَاسَلَاتٍ يغلب عليها الرُّوتِينُ ، وإذا جاوز الأمر الخطوط الحمراء على وجه يُعَارِضُ قِيَمَ المنظومة ، أو يعارض مصالح استراتيجية لدوائر ضيقة محكمة في قمة الهرم ، فهي النَّوَاةُ الصلبة التي تكاد تكون تَنْظِيمًا داخل التنظيم وذلك من آثار التَّرَاتُبِيَّةِ الصلبة في مستويات القيادة داخل التنظيم ، فالرتبة الأعلى تملك صلاحيات واسعة تُغْرِيهَا أَنْ تَصْنَعَ حولها شبكاتٍ من المصالح والولاءات الخاصة فَتَنْشَأَ نَوَاةٌ صلبة في هذا الموضع ، وَتَنْشَأَ أخرى في مكان آخر ..... إلخ ، فإذا لم يكن ثم رأس ذات حشمة تمسك بالزمام فلا يَنْفَلِتُ ، فإن هذه الأنوية سوف تَنْمُو وَتَزْدَادُ على حساب الكيان نفسه ، فَتُشْبِهُ ، من وجه ، أن تكون كالورم الذي يفسد الخلايا التي تحوطه فَتَصِيرَ مثله إذ يُوَظِّفُهَا لصالحِه ، فإذا جاوز الصراع الخط الأحمر الذي يمثل مصالح نخبة مُتَنَفِّذَةٍ داخل التنظيم فهي الدائرة الفاعلة التي تملك من مفاتيح التنظيم ما لا يملكه غيرها ، فَلَهَا نفوذ أقوى وهو ما يجعل كَفَّتَهَا تَرْجُحُ في هذا الصراع الداخلي المغلق ، فلا يجاوز حدود التنظيم ولا يظهر إلى العلن ، وذلك ما لا يطول فَإِنَّ ارْتِفَاعَ حِدَّتِهِ يُظْهِرُ مَا اسْتَتَرَ ولو تسريبات من داخل الدوائر القريبة من هذا المشهد ، فَإِمَّا أن يَطُولَ أَمَدُ الصراعِ إذ الْقِوَى مُتَكَافِئَةٌ أو مُتَقَارِبَةٌ فَلَيْسَ أَحَدُهَا يرجح الآخر الرجحان التام الذي به يَحْسِمُ الصراع لصالحه فَيَتَحَوَّلُ الأمر إلى إدارةِ صِرَاعٍ يَسْتَنْزِفُ الطرفين وهو ما تستفيد منه أطراف أخرى ، فالقائد الأعلى قد يدير هذا الصراع بما يُوَاطِئُ مصالحه فلا يريد لجناح أن يَقْوَى فَيُهَدِّدَهُ أو يُمَارِسَ ضُغُوطًا بها يَبْتَزُّ القيادة ليحصل على مكاسب زائدة ، ولو في إطار المنظومة نَفْسِهَا ، فَلَيْسَ طَامِعًا في السلطة وليس ذا فكرة تخالف عن فكرتها ، ولكنه يضغط لتحقيق مصالح خاصة ، وَضَغْطُهُ مَعَ ذلك يُزْعِجُ القيادة إذ لا تَرُومُ سَنَّ هذه السنة أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ أوراقَ ضغطٍ فكلمته تُسْمَعُ ومصالحه تُعْتَبَرُ ، فذلك ما يَلْوِي ذراعَ القيادة وهو ما تَسْتَنْكِفُ أي قيادة داخل المثال الهرمي الصلب ، فلا تُرِيدُ لأحد جميلا عليها ، بل غالبا ما تبدأ بأصحاب الأيدي والصنائع ، فمن اصطنع فيها معروفا فهو أول من تُجْهِزُ عليه ، فلا تُرِيدُ لأحد من السلطان الأدبي أو المادي ما يَلْوِي ذراعها ، فَثَمَّ من له سلطان أدبي من قِيَادَةٍ عُلْيَا لَهَا رمزية جامعة ، وثم من أسدى الجميل في مرحلة سابقة ، وثم من يعلم يقينا حجم هذه القيادة فهو يهزأ بها ويتهكم ، فلا تريد قيادة كهذه مَنْ اطلع على عَوْرَاتِهَا المغلظة ! ، لا سيما إن كان تَارِيخُهَا غَيْرَ مُشَرِّفٍ ، وَثَمَّ من تَوَلَّى أمر هذه القيادة فَسَامَهَا خطة الخسف فاحتملت عداوته واستبطنت الغل والحقد حتى تسنح فرصة الانتقام ، فكل أولئك لا بد من إخراجهم من المشهد الإخراجَ الناعم أو الخشن ، إن لزم الأمر .
    وثم من يضغط من داخل المنطومة في مستويات قيادة تملك من أوراق التأثير ما يجعلها رقما فاعلا في معادلة القرار ، فالقيادة تصانعها كرها وودت لو تخلصت منها ، فيكون من صناعة الجناح أو التنظيم المضاد ، ولو داخل التنظيم ، ما يُسَعِّرُ نَارَ الحربِ بَيْنَ الأجنحة ذات الولاءات المتعارضة ، ولو داخل الكيان الواحد ، فتلك من حِيَلِ القيادة لِتَسْتَنْزِفَ الخصوم فَتَسْهُلَ السيطرة عليها جميعا ، ولا تَبْرُزَ قيادة مستريحة في مكانها تنسج خيوط الولاءات الخاصة حولها لا سيما إن كانت ذكية ذات جاذبية ، فهي تجيد التخطيط وتجيد فن العلاقات العامة ، فإذا تُرِكَتْ مَكَانَهَا زمانا دون رقابة صارمة ، ودون مضايقةٍ ناجزة تحد من نفوذها بما يكون من صراع بَيْنِيٍّ يَسْتَنْزِفُ طَاقَتَهَا فلا تَتَفَرَّغُ لصناعة شبكة خاصة من الولاءات والعلاقات فَثَمَّ مَنْ يَتَجَسَّسُ عَلَيْهَا وَثَمَّ من يناجزها فيشغب عليها ، فضلا عن التغيير المستمر في القيادات على خلفية الوشايات وتغير الولاءات وزيادة الشعبية التي تُهَدِّدُ القيادة الكَارِيزْمِيَّةِ ، ولو كانت تشكو الضآلة والتقزم في الْخَلْقِ والخُلُقِ ! ، فلا يُتْرَكُ قائدٌ في مكانه زَمَنًا يطول ، كما يحكي بعض الباحثين من سياسة الشاه محمد رضا بهلوي بعد أن نجحت الثورة المضادة التي أعادته إلى سدة الحكم 1953 ، فكانت تلك سياسته في المؤسسات الصلبة كالجيش ، وإن تُرِكَ القائد في مَكَانِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ رِقَابَةٍ صارمة وضغوط هائلة تجعله لا يشعر بالراحة والاسترخاء أبدا فَتُحَدِّثَهُ نفسه بإقامة كيان خاص ، ولا بد أن يكون بَلِيدًا جامدا فليس ذا إبداع ولا مبادرة فهو إلى الموظف البيروقراطي أَقْرَبُ ، وتلك خاصة رئيسة في أي تَنْظِيمٍ هرمي صلب ، فَثَمَّ مستويات من البيروقراطية تَتَّسِمُ بالسمع والطاعة المفرِطة ، ولا بد أَلَّا يُظْهِرَ من معارضة القيادة ما يجعل ولاءه مَحَلَّ شك ! ولو في إجراء تَنْفِيذِيٍّ لا يمس الولاء السياسي ، فلا تريد القيادة المستبدة في نظام هرمي إلا الموظف البيروقراطي المطيع فهو الجامد البليد الذي لا يملك القدرة على التغيير ولو داخل قيم المنظومة فضلا أن يكون تغييره من خارج قيم المنظومة ، فتلك مصيبة أعظم ، والإجراء في هذه الحال يكون أعنف لا سيما إن كان العنصر المتمرِّد من القيادات الوسيطة أو الصغرى فلا نفوذ لها ولا هيبة يجعل السلطة تَتَمَهَّلُ في استخدام العنف المفرط ضدها : تَصْفِيَةً أو سجنا أو عَزْلًا وإحالةً إلى التقاعد مع تَقْلِيصِ المخصصات أو قطعها قطعا بَاتًّا ! ، وقد تُفْضِي الحال ، ولو على المدى البعيد ، إلى انشقاقات تَتَرَاوَحُ تَبَعًا لصلابة التنظيم فقد تكون انشقاقات أفقية متدرجة من القيادات الوسيطة وما دونها ، وقد تكون انشقاقات رأسية مفاجئة تشطر التنظيم إلى جناحين رئيسين قُوَّتُهُمَا تَتَكَافَأُ أو تَتَرَاجَحُ فيكون من الصراع ما تَعْظُمُ آثاره فهي تَتَعَدَّى إلى خارج التنظيم ، فيتحول المشهد إلى احتراب أهلي في نطاق جغرافي ضيق أو آخر واسع تَبَعًا لدرجات الانشقاق ومستوياته ، وهو ما يستنزف قوة الطرفين فالمستفيد آخرُ من خارجهما يَرْقُبُ وهو ، مع ذلك ، يُدِيرُ المشهد ولو من طرق غير مباشرة ، فتلك نظرية الصراعات منخفضةِ الحدة مُتَطَاوِلَةِ المدة التي يدير بها النظام الدولي بَعْضَ مَشَاهِدِ الصراع الأهلي في الأطراف ، فَلَيْسَ في عجلة من أمره إذ يستخدم سياسة إدارة الأزمة فلا يهتم كثيرا بالحل السريع بل ذلك لا يخدم مصالحه في أحيان ، فَطُولُ الأمد يَسْتَنْزِفُ أجنحة الصراع جميعا فيكون مَنْ يَرْقُبُ مِنْ خارج هو المستفيد الأكبر ، فهو في مأمن من الخسائر المباشرة ، فَقَدِ ادَّخَرَ قُوَّتَهُ لِيَحْسِمَ الصِّرَاعَ إذا تَكَسَّرَتِ الأجنحة المتصارعة ، وتلك نظرية تستخدمها قوى التغيير الثوري أو الإصلاحي في مواجهة أي نظام مستبد إذا اشتد الصراع بَيْنَ أَجْنِحَتِهِ ، فَتَرْكُهَا تَتَصَارَعُ ، على وزان الدعاء المشهور : اللهم أَهْلِكِ الظالمين بالظالمين فَدَعْهُمْ يُفْنِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَتَرْكُهَا تَتَصَارَعُ هو الْأَوْلَى مَعَ الاستفادةِ مِنْ نَزِيفِهَا الْمُتَسَارِعِ دون التَّعَجُّلِ في دخول مشهد لَمَّا يكتمل فضلا عن ضَبَابِيَّةٍ في الرؤية تَحْمِلُ النَّاظِرَ عَلَى التَّأَنِّي لِئَلَّا يُسَارِعَ بِالظُّهُورِ من كُمُونٍ فذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، ما يُهَدِّدُ قُوَّتَهُ الصلبة بالاستهداف المباشر دون طائل ، فالأمر ، كما يَنْقِلُ بعض الفضلاء عن لينين وهو من مُنَظِّرِي الثورة المخضرمين مع فَسَادَ دِيَانَتِهِ وَسِيَاسَتِهِ ، فالأمر لا بُدَّ له من حشد وهو ما تصنعه آلة الدعاية والإعلام ، ولا يجزئ حتى يكون ثم تَنْظِيمٌ يُوَظِّفُ هذا الحشد ، فالحشد ، كما يقول بعض الباحثين ، يَتْبَعُ التنظيم فإذا تَرَاجَعَ التَّنْظِيمُ تَرَاجَعَ الحشدُ إذ لا يطيق التضحية بلا طائل فليس ثَمَّ رائد وليس ثم طرح محكم يستحق المغامرة فلا يَتَحَوَّلُ الأمر إلى مُقَامَرَةٍ خَسَائِرُهَا هائلة .
    فلا يجزئ هذا الأمر حتى يكون ثم تَنْظِيمٌ يُوَظِّفُ هذا الحشد بِمَا يملك من أدوات على الأرض ، أو أخرى داخل المؤسسات الصلبة إن كان ثم جناح آخر داخل المنظومة يَرَى نهاية وشيكة لَهَا بِمَا تُقَارِفُ القيادة المتهورة من أخطاء جسيمة ، فهو يَرُومُ إعادة التأهيل للمنظومة بما يَبُثُّ من دعاية تَتَصَاعَدُ عَبْرَ بَعْضِ الوسائطِ من خَارِجِهَا ، فَتَرُومُ صناعةَ حشد جماهيري في ظل غياب التنظيم السياسي المستقل ، فذلك ما يجعلها البديل للسلطة الحالية فهي جناح يُنَاجِزُ آخر ، وهو يَرُومُ الاستفادة من الحشد الغاضب الذي تَرَاكَمَ عَبْرَ سنوات واكتسب الزخم بما يُبَثُّ من دعاية قوية وهي في نفس الآن ماكرة إذ تَسْتَهْدِفُ رأس السلطة وَدَائِرَتَهُ الأسرية والتنفيذية الضيقة ، فهي مانع صواعق يمتص طاقتها فَيَحْمِي المنظومة من أَثَرِهَا المباشر إذ يقصره على نَوَاةٍ بِعَيْنِهَا من أنوية السلطة ذات الأنوية والأجنحة الْمُتَعَدِّدَةِ فَبَعْضُهَا يُضَحِّي بِبَعْضٍ لاستبقاء الكيان الأم وإعادة تَدْوِيرِهِ كَمَا النِّفَايَاتِ فهي محاولة لإعادة تأهيل كيان عاجز عن الاستمرار بما اقتضت السنة الربانية من انهيار بعد اكتمال فهو الآن في مراحل الانهيار الأخيرة وإن اشتدت وطأته فَتِلْكَ مَئِنَّةُ ضعفٍ إذ شَرَاسَةُ مَنْ يُقَاتِلُ في مراحل متأخرة تكون أَشَدَّ ، فالإفراط في العنف ، لو تدبر الناظر ، مئنة من العجز ، وقد ينجح في تهدئة الأمور ولكنه لا ينجح أبدا في حسمها ، فَثَمَّ جناح آخر يناجزه وهو يروم توظيف الزخم الشعبي استثمارا لحال الغضب والاحتقان ، وذلك ما يجعل أَيَّ راغب في التغيير حقا يَتَرَيَّثُ فلا يَتَعَجَّلُ ويشارك فهو في هذه الحال يقامر ولما تَسْتَبِنْ بَعْدُ الرؤية .

    واضرب له المثل بالإصلاح البروتستانتي الذي ظَهَرَ دَاخِلَ التَّنْظِيمِ الكاثوليكي ، فهو انشقاق مُؤَثِّرٌ وإن لم يكن انشقاقا رأسيا كاملا ، فقد احتفظت الكاثوليكية بهرمها الكهنوتي وإن تَضَرَّرَ مِنْ جَرَّاءِ الطرح البروتستانتي الذي نجح في توظيف فسادها وفضائحها في ضربها في مواضع مؤثرة ، فكان ظهور الجناح البروتستانتي الذي اكتسب زخما جماهيريا كبيرا فانتشرت البروتستانتية في أوروبا على وجه هدد النفوذ الكاثوليكي المطلق فكانت الحرب لا محالة إذ الجناحان قد استويا في القوة أو تَقَارَبَا ، فكانت حرب الثلاثين عاما ، وهي نقطة تحول جوهري في السياسة الدولية ، وهي ، كما يقول بعض الفضلاء ، نواة أولى للنظام الدولي الحالي إذ أفرزت معاهدة وستفاليا 1648 التي وضعت حجر أساس الدولة الوطنية العلمانية الحديثة التي تقتصر على قَوْمِيَّةٍ بِعَيْنِهَا فلا تجمع القوميات بِرِبَاطٍ أيديولوجي يجاوز الحد الجغرافي .

    فالأجنحة ، لو تدبر الناظر ، ظاهرة ذات دلالات تَتَعَارَضُ ، فقد تحكي قوة السلطة إذ تَتَحَكَّمُ في المشهد وتدير هذا الصراع بما يحقق مصالحها في إضعاف أي خصم محتمل وحسم أي تهديد ولو بَعِيدًا يَتَرَاكَمُ فصناعة الجناح في أي مؤسسة أو كيان لا يكون فجأة ، فَهُوَ نِتَاجُ فِكْرٍ وَنَظَرٍ ، وحكاية لشبكة من العلاقات والولاءات المتراكمة ، فإذا ظهر هذا الجناح فهو يخصم من رصيد السلطة ، ولو قَوِيَّةً ، إذ تُخَصِّصُ جزءا من وقتها وجهدها وتمويلها لتحجيمه أو القضاء عليه تَبَعًا لدرجة الخطورة ، فتجتهد في صناعة نَظَائِرَ تُنَاجِزُهُ وهي مِنْ بَعِيدٍ تَرْقُبُ وَتُدِيرُ المشهد .

    وقد تحكي في المقابل ضعف السلطة فَقَدْ فَقَدَتِ السيطرة على المشهد فظهرت الأجنحة الَّتِي تَتَصَارَعُ عَلَى المقعد الشاغر عمليا وإن لم يشغر رسميا ، فَبِقَدْرِ ما يَنْحَسِرُ من نفوذ السلطة فَثَمَّ قوى أخرى تملأ المحل الشاغر ، فتلك سنة ربانية في الكون ، فليس ثم محل يشغر وإلا وثم حَالٌّ يشغل ، فيكون الصراع بَيْنَ الأجنحة أو الكيانات أَيُّهَا يسبق فيملأ المحل الشاغر أو يملأ جزءا منه ويملأ غيره آخر فَهُمَا يَتَصَارَعَانِ في هذه المساحة الشاغرة من السلطة التي تَزِيدُ يَوْمًا بعد آخر بما يكون من تَرَهُّلِ القيادة فهي من ضعيف إلى أضعف ، فَتُغَادِرُ كلَّ يومٍ مساحةً يجتهد الخصوم فِي شَغْلِهَا فيكون الصراع بَيْنَهُمْ لاحتلال هذا الفراغ بِقَدْرِ ما لهم من أوزان نسبية تجاوز الأوزان الجماهيرية فليست ذات اعتبار أَوَّلَ في صراع السلطة لا سيما في الأمثلة السياسية المعاصرة التي جُرِّدَتْ فيها المجتمعات من أسباب القوة فصارت جمهورا يَتَفَرَّجُ ويشجع اللُّعْبَةَ الحلوة لا أكثر ! ، فهو عامل تَرْجِيحٍ يُسْتَدْعَى في اللحظات الأخيرة لِيُقْضَى الأمر باسمه وليس له منه شيء إذ ليس له من أدوات القوة على الأرض شيء يؤبه له ، فهي ، لو تدبر الناظر ، تجاوز الحشد فَلَيْسَ له كيان أو تَنْظِيمٌ يدير المشهد وليس له من أسباب القوة الذاتية ما اجتهدت الدولة المدنية الحديثة أن تَسْلُبَهُ من يده ليكون أعزل مجردا من أي قوة فَيَسْهُلَ حُكْمُهُ على السلطة .

    وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما لا يُقْضَى في يوم وليلة ، فالغالب أن هذا الصراع بَيْنَ أجنجة التنظيم لا يحسم في جولة أو اثنتين ، فهو أمر يَتَرَاكَمُ ، إذ ليست كل المعارك جولة وليست كل الهزائم بالضربة القاضية فمنها ما يكون نقاطا تَتَرَاكَمُ ، وقد يُقْضَى الأمر ، ولو في الظاهر ، بالضربة القاضية ، فهي ، لو تدبر الناظر ، نتاج تَرَاكُمٍ آخر فلا بد من ضعف وَتَرَهُّلٍ وهو ما لا يحصل فجأة فالشيب لا يزحف دفعة وإنما يزحف شيئا فشيئا حتى يغزو الرَّأْسَ كُلَّهُ ، فهذا الضعف والترهل المتراكم هو ما يجعل الضربة القاضية تُؤَثِّرُ فَتُسْقِطُ الخصمَ دفعةً .
    وقد يكون من التدبير الكوني المحكم أن يطول أمد الصارع بين الأجنحة المتخالفة وكلها ، لو تدبر الناظر ، فاسدة ، فَيُخْرِجُ كلٌّ للآخر من ملفات الفساد السياسي والمالي والأخلاقي ما يسقط الهيبة فيكون ذلك من المكر الإلهي المحكم ، إذ يظهر للعامة من خلائق القوم خسةً ونذالةً ودناءة أصلٍ ما يعجل بزوال الجميع وإن طال أمد الصراع ، فالأمر ، بداهة ، لا يحسم بالضربة القاضية ، وإنما يحسم ، في الغالب بالنقاط ، وَكُلَّمَا طال الأمد نال الجميع من الإرهاق والتَّعَبِ ما يُسَهِّلُ مُهِمَّةَ أيِّ مخلصٍ أن يصلح ، فلا يجد عدوا قويا يناجزه ، وإنما يجده ضَعِيفًا مُنْهَكًا قد استنزفه الخصم في جولة تَقَدَّمَتْ ، فضلا عن سنة التمايز التي بِهَا تُبْلَى السرائر ، فـ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •