العبادات التي شرعها الوحي إما عبادات فعل كالصلاة أو كف للنفس كَكَفِّهَا عن مباح في عبادة صوم وإمساك سواء أكان من الفرض لذاته فهو مما يجب ابتداء وذلك صوم رمضان أم من الفرض لغيره كما الحال في النذر ، أم الواجب كفارة في جماع في نهار رمضان أو ظهار أو غيره ، أم جبرا لفوات الهدي في الحج ، أم من المندوب وهو ما يتفاوت فبعضه أفضل من بعض ، وقد يكون التفضيل مقيدا فلا يطلق ، كما في قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ" ، فتلك أفضلية مقيدة ، إذ احْتَرَزَ بذكر الفريضة فهي ، بداهة ، أفضل من النافلة ، مؤكدةً أو غَيْرَ مؤكدة ، فلا تجزئ نافلة عن فريضة وإنما تجبر ما نقص منها ، فَصَلَاةُ الليلِ أفضل نفل مطلق ، والنفل المقيد من السنن الرواتب ، وَأَفْضَلُهَا رَكْعَتَا الفجرِ فَلَمْ يَتْرُكْهُمَا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا في حضر ولا في سفر ، وكذا الوتر ، فكل أولئك : السنن الرواتب والوتر أَفْضَلُ من سائر النوافل المطلقة ، وكذلك صوم المحرم فهو أفضل نوافل الصوم المطلقة ، فكان من القيد ، أيضا ، ما به الاحتراز فَقَيَّدَ الأفضلية بما بعد رمضان ، وصوم الشهر : شهر الله المحرم ، ونسبته إلى الله ، جل وعلا ، نسبة التشريف فهو من إضافة المخلوق إلى الخالق ، وقد يقال إن في الإضافة نسبة تشريع فهو شهر يَحْرُمُ فِيهِ القتال فَأُضِيفَ إلى الله ، جل وعلا ، تعظيما يحض على الامتثال ، فلا يخلو في هذه الحال أن يكون من إضافة الكلم الشرعي الحاظر للقتال ، أن يكون من إضافة هذا الكلم الشرعي إلى الله الحاكم الشارع ، جل وعلا ، فيكون ، من هذا الوجه ، من إضافة الوصف إلى الموصوف لا أن الشهر من وصف الله ، جل وعلا ، وإنما تَرْكُ القتال فيه تكليف شرعي ، وهو من الكلم الإلهي ، والكلم الإلهي من وصف الرب العلي ، جل وعلا ، فأفضل النفل المطلق في الصوم هو صوم المحرم ، فَوَجَبَ التَّقْيِيدُ بهذا القيد : قَيْدِ النفل المطلق ، فَنَفْلُ الصوم المقيد أفضل منه كما في صوم الست من شوال ، وصوم عرفة ، فهو من أعظم النوافل في يوم الحج الأكبر ، وفيما تَقَدَّمَهُ من العشر ، وإن كان الخلاف فيها أظهر ، على تفصيل في كتب الفروع ، فصوم يوم عرفة ، وهو مما خُصَّ بالدليل فلا يشرع للحاج أن يَصُومَهُ ليجتهد في الذكر والدعاء ، وإنما اقتصرت فضيلته على غير الحاج ، فقد أفطر صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم عرفة وأمر الناس بالفطر ، وأتبع بيان القول بنظيره من الفعل فأمر بقدح لبن فشرب منه والناس ينظرون إليه ، فاختلف الحكم باختلاف الحال ، وَذَلِكَ ما يُوَاطِئُ القياس الصريح إذ الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما ، فَلِكُلِّ حالٍ من الأحكام ما يلائمها ، فاختلف الحكم بل وتعارض باختلاف الحال ، وليس ثم تناقض أو اضطراب إذ الجهة قد انفكت ، فجهة الاستحباب في صوم عرفة لغير الحاج ، وجهة الكراهة للحاج ، وهو ما عُلِّلَ ألا يضعف فلا يقوى أن يذكر ويدعو ، وإن كان ثَمَّ مَنْ يَقْوَى على ذلك وهو صائم بل ولعله حال الصوم أنشط في الذكر والدعاء منه في الفطر ، ولكن ذلك ليس الغالب بل هو النادر أو القليل ، والحكم لا يشرع إلا للغالب من أحوال الناس فلا يشرع تشريعُ العموم لواحد أو نوادر ، إلا أن يجري ذلك مجرى الخصائص فلا يجاوز محله ، أو الرخص اسْتِثْنَاءً فلا يجاوز محل الرخصة ، وإنما يجري مجرى الضرورة التي تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، فحال أكثر الناس أَنَّ الصومَ يجهدهم ، فَشُرِعَ للحاج منهم أن يُفْطِرَ لِيَتَقَوَّى على الذكر والدعاء ، وثم تعليل آخر ، وهو ما أبان عنه النبي الشارع صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق هي عيدنا أهل الإسلام ، فـ : "يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" ، فأطنب بذكر الأيام متتالية ، يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريف ، وكان من القصر بتعريف الجزأين "يوم عرفة" وما عُطِفَ عليه فذلك جزء ، والتعريف فيه بالإضافة إلى الاسم الظاهر "عرفة" و "النحر" و "التشريق" ، والخبر "عيدنا" فذلك آخر ، والتعريف فِيهِ بالإضافة إلى الضمير في "عيدنا" ، ضمير المتكلمين المتصل أو ما اصطلح أنه "نا" الدالة على المتكلمين ومحلها إذ أضيفت إلى اسم هو محل الجر ، خلاف ما لو أضيفت إلى فعل ، فمحلها الرفع ، كما في "نَزَّلْنَا" في قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا) ، فاكتسبت لَقَبًا يزيد أنها "نا" الدالة على الفاعلين في مقام التكلم أيضا .
فكان من القصر بتعريف الجزأين ما بِهِ تقرير المعنى وتوكيده فذلك من القصر الإضافي إذ ثم أيام عيد أخرى كَعِيدِ الفطر من رمضان ، والجمعة فهي عيد الأسبوع عند أهل الإسلام ، وكان من النصب على الاختصاص في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أَهْلَ الْإِسْلَامِ" ما به زيادة بيان على تقدير : أخص أهلَ الإسلام بذلك ، أو هو من النصب على النداء استحضارا للأذهان ، وبعده كان البيان عما شرع فيهن من التوسع في المباحات ، فـ : "هُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" ، وجاء في موضع آخر البعال ، وهو الوطأ ، فذلك من المباح الذي تُجَمُّ به النفس ويحسن به إلى الأهل وَيُبْتَغَى به صالح الولد ، وذلك ما يجري مجرى التغليب فإن يوم عرفة إذ ذُكِرَ معهم فلا يدخل في حَدِّهِمْ ، فليس بِيَوْمِ أكلٍ وشرب وَبِعَالٍ بل هو يوم ذكر ودعاء إن في حق الحاج أو في حق غيره ، وإنما اختص الحاج بالفطر لا أنه العيد الذي يشرع فيه التوسع في المباح جما للنفوس ، وإنما هو من عيد الطاعة ومواسم العبادة التي يُشْرَعُ فِيهَا التَّقَرُّبُ بالعمل الصالح ، الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ ، فخرج يوم عرفة وإن شُرِعَ للحاج فيه أن يفطر ، بل تلك العزيمة في حقه ، فكان التقييد أنهن أيام أكل وشرب مما اقتصر على يوم النحر وأيام التشريق ، وهو ما أبان عنه الخبر في موضع آخر ، فـ : "بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ يُنَادِي أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ" ، فَقَصَرَهَا على أيام التشريق ، فذلك من المبيِّن لما أُجْمِلَ من عطف الأيام جميعا في الخبر الأول ، وزاد الْبِعَالَ ، فتلك من الزيادات المقبولة إذ لا تُعَارِضُ المزيد عليه الذي اقْتُصِرَ فيه على الأكل والشرب ، بل هي كالحكم الجديد الذي لا يعارض ما تَقَدَّمَهُ فَيُشْبِهُ أن يكون من زيادة الصوم بعد الصلاة في تَشْرِيعِ الأحكام ، فلا يقال بَدَاهَةً إن زيادة الصوم تُعَارِضُ الصلاة ! ، فيكون الصوم ناسخا لها وإنما هو المتمِّم ، ولئن صح من باب التجوز أن يقال إن الصوم قد زِيدَ في التشريع فَنَسَخَ فذلك على اصطلاح من تَقَدَّمَ إذ يطلقون النسخ على كل زيادة ، فضلا أنه نسخ ، من وجه ، فهو نسخ لإجزاء الصلاة وحدها في بَرَاءَةِ الذمة من عهدة التكليف فبعد إيجاب الصوم لا تَبْرَأُ كما تَبْرَأُ قبله ، فَرَفَعَ الإجزاءَ بالصلاة وحدها فلا يجزئ في هذه الحال إلا الصلاة والصوم ، فكان من زيادة البعال في الخبر : "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ" ، ما يجري مجرى هذه الزيادة فلا تعارض ، بل هي مما استفيد باستقراء الطرق والألفاظ ، فاجتمع من الألفاظ ما به تمام المعنى إذ استوفى أجزاء القسمة ، قسمة المباح : أكلا وشربا وبعالا ، وإن كان ثم عموم في المعنى يجاوز هذه الثلاثة ، فَثَمَّ ما يشرع من اللعب واللهو وهو ما يكون في غير الأكل والشرب والبعال ، وإنما ذكرها إذ هي مظنة الترفه والتوسعة على النفس والأهل والولد فذكرها ، من هذا الوجه ، يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، كما قرر أهل الشأن ، فذكر المثال لا يخصص العام وإنما يُبَيِّنُهُ ، إذ بالمثال يَتَّضِحُ المقال ، فَخُصَّتْ أيام التشريق في الأثر إذ : "بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ يُنَادِي أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ " ، فخرج يوم عرفة فالمشروع فيه للعموم إلا الحجاج ، المشروع فيه الصيام ، وهو ما اختص بفضيلة زائدة : فضيلة تكفير السيئات ، عاما مضى وآخر آتٍ لو قُدِّرَ لصاحبه أن يحيى ، فـ : "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ" ، وهو ما أطلق فلا يخلو من قيد استفيد من استقراء نصوص الباب ، باب الوعد والوعيد ، فذلك مما قُيِّدَ بالقيد القياسي في باب الأسماء والأحكام : استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، فضلا عن قيد آخر يقصر التكفير على الصغائر ، فالكبائر لا بد لها من توبة خاصة ، فلا تكفرها ، في الجملة ، العبادات إن واجبة أو مندوبة ، وإن نفعت صاحبها لا في تكفير يباشر ، وإنما في تَرْجِيحٍ لكفة الحسنات بَيْنَ يدي الله ، جل وعلا ، فيكون ثم من رجحان الحسنات ما تَزِيدُهُ الصالحات وإن لم تغفر السيئات الْكُبْرَى التي تَفْتَقِرُ إلى توبة مخصوصة ، فصاحب الكبيرة تحت المشيئة ، فقد يغفر الله ، جل وعلا ، فَضْلًا ، وقد يُؤَاخِذُ عدلا ، ولا يظلم ، جل وعلا ، أحدا ، فكان من الوعد المخصوص ما قيد بقيدين : استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، وقصر التكفير على الصغائر إلا أن يكون من رجحان الحسنات السيئاتِ ، وذلك أمر مُغَيَّبٌ لا يعلمه أحد إلا الرب المهيمن ، جل وعلا ، بما له من علم الإحاطة الأول ، وعلم الإحصاء الثاني فهو يصدقه ، فكان من صوم عرفة ما يكفر العامين ، فـ : "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ" ، فكان من الاحتساب ما أطنب في بيانه إذ حَدَّهُ حَدَّ المصدر الذي تُصُيِّدَ من "أَنْ" وما دخلت عليه "يُكَفِّرَ" فأطنب بهما في البيان وهما في قوة لفظ واحد ، وهو لفظ المصدر ، على تقدير : أحتسب على الله تكفيرَه السنةَ التي قبله ، والسنة التي بعده ، فكان من الإطناب بالتكرار على وجه اسْتَغْرَقَ شَطْرَيِ القسمة طباقَ إيجابٍ بَيْنَ "قَبْلَهُ" ، و "بَعْدَهُ" ، ولا يخلو السياق من تقدير محذوف قد دل عليه السياق اقتضاء ، فتأويل الخبر : أحتسب على الله أن يكفر ذنوب السنة التي قبله ، فيجري ذلك مجرى الحذف ، حذف المضاف "ذنوب" وإقامة المضاف إليه "السنة" مَقَامَهُ ، ولا يخلو من قيد آخر يُسْتَصْحَبُ كما تَقَدَّمَ من الأصل القياسي المحكم في باب الوعد والوعيد ، فذلك ما يقتصر على الصغائر ، فيكون من التقدير ما يزيد في الدلالة إذ يزيد في التخصيص على تقدير : أحتسب على الله أن يكفر صغائر السنة التي قبله ، فذلك فضل مخصوص يزيد على فضل المحرم وسائر ما أُطْلِقَ من نوافل الصوم ، فَثَمَّ نَصٌّ في المحل ، كما يقال ، أيضا ، في الست ، الست من شوال ، فـ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ" ، فَثَمَّ فَضْلٌ مخصوص ، وذلك ما يكافئ الأجر لا الحقيقة ، فمن صامها وصام زيادة فقد حصل له من الفضل زيادة أخرى تُضَاهِي ما زاد ، فمن صام الست ، وصام عرفة ، وصام المحرم ، وصام الاثنين والخميس ، أو صام ثلاثة أيام من كل شهر ...... إلخ من صور الصوم المندوب ، من صام الست وزاد ما تَقَدَّمَ فهو بداهة كمن صام الدهر كله وَزَادَ .
فالصوم من أفضل أعمال عرفة ، وكذا الدعاء ، وهو ما عُمَّ ثم خُصَّ ، فكان العموم : "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ" ، وذلك ما حُدَّ حَدَّ القصر بتعريف الجزأين "خير الدعاء" و "دعاء يوم عرفة" فلا يخلو من دلالة التوكيد ، فثم نص على الخيرية ، وهو ما يحتمل ، أيضا ، المبالغة ، فيكون القصر من هذا الوجه إضافيا لا حقيقيا ، فمهد بين يدي الدعاء المخصوص أن حَدَّ الدعاء حَدَّ العموم فأضافه إلى يوم عرفة ، فذلك ما استغرق كل دعاء ، إن دعاء الثناء أو دعاء المسألة ، إن دعاء الفضل أو دعاء العدل ، إن دعاء الجمال أن ينجي الله ، جل وعلا ، الصالحين ، أو دعاء الجلال أن يهلك الظالمين ، ولكلٍّ محله وهو ما يستوجب النظر إذ لكل زمان من الدعاء ما يُلَائِمُ فإذا عَمَّتِ المظالم وَعُطِّلَتِ الشرائع كان من آكد الدعاء أن يهلك الله ، جل وعلا ، الظالم المعطِّل فَيُنْجِيَ الخلق من شره لا سيما إن عظمت مظالمه فاستعلن وجاهر بل تَبَجَّحَ وَفَاخَرَ ، فالدعاء عليه واجب الوقت ، واستعمال الجلال والغلظة في حقه من محكم الشرعة ألا يُسَدَّدَ إلى توبة وأن يكون آية وَعِبْرَةً .

فَعَمَّ في الخيرية : "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ" ، ومن ثم خص بالذكر : "وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" ، ذكر الشهادة على حد التوحيد الذي قَيَّدَهُ بالحال احترازا فأثبت الوحدانية بالحال "وحده" ، وزاد نَفْيَ الشريك ، فـ : "لاَ شَرِيكَ لَهُ" ، فذلك ، أيضا ، من الإطناب باللازم احْتِرَازًا يَرْفَعُ أي احتمال أو شُبْهَةٍ ، وبعده ذكر الملك والحمد والقدرة في قول صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" ، فكان من الشهادة ما أجمعت عليه النبوات جميعا ، فهو : "خَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي" ، وَمِنْ ثَمَّ كان الإطناب على حد الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير من الظرف "له" ، في "لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ" ولا تخلو اللام فيه من دلالة الاختصاص والاستحقاق فَلَهُ وحده دون غيره الملك التام ، ملك الخلق والرزق والتدبير فهو المالك للأعيان إذ خَلَقَهَا ، الملِك إذ دَبَّرَهَا بما أجرى من أقدار الكون وَأَنْزَلَ من أحكام الشرع ، فَلَهُ الملك التام ، وله الحمد التام فلا تخلو دلالة "أل" فيهما من عهد خاص وهو عهد الاستغراق المعنوي ، وبعده كان النص على القدرة : "وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" ، فلا يخلو ذلك من إطناب آخر استغرق شطري القسمة ، فكان الحمد جمالا بما استغرق من أجناس المحامد المعنوية والخبرية ، الذاتية والفعلية ، ثم كانت القدرة جلالا ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إنها داخلة في حَدِّ الحمد فمنه الحمد بوصف الجمال ومنه آخر بوصف الجلال ، فيكون ذلك من الإطناب بخاص بعد عام ، ولا يخلو من حصر وتوكيد آخر بتقديم ما حقه التأخير من متعلق القدرة في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" ، وذلك مما تُكُلِّمَ في إسناده فقد أطلق فِيهِ الترمذي حكم الغرابة وذلك مُشْعِرٌ بالضعف كما علم باستقراء أحكام المصنِّف في جامعه ، فكان من الدعاء ما هو خير ، وكان من اليوم ، يوم عرفة ، ما هو خير ، فذلك إما أن يحمل على الحقيقة فهو خير يوم كما قيل في عشر ذي الحجة فهي خير الأيام فتفضيل ليالي العشر الأواخر من رمضان عليها : تفضيل الليل لا اليوم الذي يكون من الفجر إلى غروب الشمس ، وإما أن يحمل على المبالغة إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده .

والله أعلى وأعلم .