مما اطرد في نصوص الوعد والوعيد مقابلة الجزاء للعمل بما يكون من الطباق بَيْنَ ألفاظ الهدى والضلال سَبَبًا ، والفوز والخسران مُسَبَّبًا ، فإذا كان ثم ضلال فَثَمَّ خسران في الأولى والآخرة ، وذلك الطرد ، وإذا كان ثم هدى في القول والعمل ، في القصد والفعل ، في الباعث والحاصل ، في الصورة العلمية المبيِّنَةِ والصورة الإرادية المحفِّزَةِ والصورة العملية المصدِّقة ، فَثَمَّ الفوز وهو ما يَرَى الناظر آثاره في الأولى عاجلا فَثَمَّ من الْبِشْرِ والسرور ما يجاوز تَرَفَ الدثورِ ، فذلك ما يحكيه الْبِشْرُ الظاهر ، فَثَمَّ انْبِسَاطٌ وَانْشِرَاحٌ وهو مئنة من السعة ، فَشَرْحُ الصدرِ الباطن بما يكون من مادة الوحي النازل وأشرفها مادة التوحيد والإسلام ، فَتَوْحِيدُ الوجهة استسلام لرب العزة ، جل وعلا ، وهو ما أُطْلِقَ فَاسْتَغْرَقَ ، فإن التوحيد منه الباطن تصديقا وإرادة فَثَمَّ مادة استسلام وقبول وانقياد وإذعان ..... إلخ من المعاني اللطيفة التي تجاوز حد العرفان المجرَّد فذلك ، كما تقدم مرارا ، مما يحصل لكل أحد ، فلا بد من قدر زائد مرجِّح فهو من خارج الصورة العلمية فَثَمَّ مرجح من الصورة الإرادية التي تزيد قبولا ، فَيَرْجُحُ الفعلُ التَّرْكَ ، وَيَرْجُحُ الرضى السخط ، فيحصل إذعان وانقياد في الباطن فذلك ما يستوجب آخر في الظاهر في القول والعمل ، فيكون من إسلام الظاهر ما يُصَدِّقُ نظيره الباطن ، ويكون من انْشِرَاحِ الصدرِ بالإسلام ما يُذْهِبُ مادة الشرك والكفر ، فَثَمَّ من الانشراح وَالْبِشْرِ ما يجري ، أيضا ، مجرى التلازم ، فكلاهما مئنة من السعة ، فسعة الجنان بما يكون من مادة الإيمان تُحْدِثُ في الخارج انْفِرَاجَ الأسارير فَتَنْفَرِجُ الجبهة وَيَنْبَسِطُ الخد وَتَنْشُزُ الوجنة بما يكون من الفرحة والبسمة ، فَرْحَةِ الروحٍ رضى لا فرحة النفس أَشَرًا وَبَطَرًا ، فَثَمَّ في فَرَحِ المتقين من ذكر اللسان وسكون الأركان ما لا تخطئه العين التي تُبْصِرُ بِنُورِ الوحي ، فهي تميز بِشْرَ المؤمن من بِشْرِ المغرور ، فالأول مطمئن والثاني مضطرب يُزْعِجُ أركانه بِبِشْرٍ يَتَصَنَّعُهُ فلا يُذْهِبُ ما في الجنان من هَمٍّ وَحَزَنٍ ، فَثَمَّ شوبُ ذِلَّةٍ في الوجه يحكي حال الكفران والعصيان وإن تكلف صاحبه العزة فذلك ما يستر به ضعةً وَدَنَاءَةً لا يُذْهِبُهَا غِنًى وَلَا تَرَفٌ ، فتلك صورة النقص باطنا وظاهرا ، وهي الخسران المعجَّل وما عند الله ، جل وعلا ، أعظم ، فالساعةُ الموعدُ والساعة أَدْهَى وَأَمَرُّ ، فالخسران كسائر المعاني التي يجردها الذهن ، فهو جنس عام يَنْقَسِمُ في الخارج ، فثم خسران في الأولى وثم آخر في الآخرة ، وثم خسران في الشرع وآخر في الكسب وَلَوْ مَحْقَ بَرَكَةٍ وَعِظَمَ شُؤْمٍ وإن حصل في الكسب زيادة ، فهي زيادة الحس مع نَقْصِ المعنى ، فخسران الجنان بما يكون من الانقباض والضيق ، وفوزه يكون بضده من الانبساط والسعة ، ولا يكون ذلك إلا والإيمان مادته التي تملأ ، فهو وعاء يستغرق ، فإما أن يُسَدَّدَ صاحبه فَيَمْلَأَ المحل بمادة الصدق والعدل ، التوحيد والتكليف ، فذلك ما به المحل يَنْشَرِحُ ، وهو ما أبان عنه الوحي منطوقا في آي الأنعام : (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) ، فكان من الشرط ما يجري مجرى الدوران وجودا وعدما ، فلا يخلو من دلالة التعليل ، فإذا وجد السبب وهو توفيق الرب الحميد الكريم ، جل وعلا ، أن شَرَحَ الصدر وَهَيَّأَهُ ، فلا يخلو السياق من دلالة التضمين ، تضمين ماد الشرح مادة التهيئة ، فَيُهَيِّئُ صدره للإسلام أن يُعِدَّ المحل لقبول آثاره ، وذكر الصدر ، من هذا الوجه ، يجري مجرى المحل الذي يُرَادُ به الحال وهو الجنان فمحله الصدر ، ولا يخلو ذكره ، من وجه آخر ، أن يكون من المثال الذي يضرب لعام قد استغرق ، فالشرح تظهر آثاره في الخارج ، فيكون من شرح الوجه وانفراجه وشرح الأركان بما يكون من بَرَكَةِ الطاعة فَبِهَا تَعْمُرُ الأركان وَتَقْوَى ، فكل أولئك مما يدخل في عموم المادة ، مادة "شرح" ، ولا تخلو ، من وجه آخر ، أن تجري مجرى الاستعارة فقد استعار ما يكون من شرح الحس كما يشرح اللحم ويقطع فتلك سعة في النشر ، فهو ينشر ليجف ويحفظ ، فيكون مِنَ السعة في الحس ما استعير لمعنى وهو ما يكون من شرح الصدر فَيَتَّسِعُ بما يحل فِيهِ من مادة الإسلام الشارح ، ولا يخلو من دلالة المطابقة للحس ، ولو بالنظر في لازمه في الخارج ، فإن مِنْ شرحِ الصدر ما تظهر آثاره في الخارج فيكون من انبساط الجبهة وانفراج الأسارير ما هو شرح وسعة على ما تَقَدَّمَ مرارا من تلازم آخر بَيْنَ الباطن والظاهر ، فإذا سعد الباطن وانشرح بما يكون من وارد السرور والحبور بمادةِ وَحْيٍ نَزَلَ على المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك من آكد مَا يُسَرُّ به الجنان فلا تنفك الآثار تظهر في الخارج فالوجه يَنْبَسِطُ والأركان تَنْبَعِثُ فيكون من القوة والبركة ما به إنفاذ الأمر وإنجاز العمل ، فَثَمَّ تلازم بَيْنَ الباطن والظاهر يجاوز بالانشراح ما يكون في الصدر من وارد الخبر ، وما يكون في السمع والبصر من وَارِدِ الكلمة والصورة ، فالأذن تسمع ما تحب فَتَسْعَدُ إذ يَبْلُغُ الصوتُ معادنَ الفكر ، فهو يدرك الفحوى بما رُكِزَ فيه من معجم اللسان ، فما نطقه إلا تأويل لما استقر في الجنان من فكرة ، فَيَلْفِظُ مَا بِهِ تَسْتَبِينُ ، فيكون من الكلم المفهِم ما هو المجموع المركب من نطق المبنى الملفوظ وفهم المعنى المعقول ، فذلك حد الكلام كما قَرَّرَ أهل الشأن ، فإذا طَرَقَ السمعَ ما يُسْعِدُ فالجنان به يَنْشَرِحُ ، وأشرف أجناسه ما به انْشِرَاحِ الجنان من كلام الإيمان ، فذلك الوحي المنزَّل إسلاما به انْقِيَادُ الباطن تصديقا والظاهر تكليفا ، ولا يخلو من فسحة حلال به تُجَمُّ النفوس فهو السحر الحلال من كَلِمِ من تحب وتأنس ، فالأذن قبل العين حِينًا تَعْشَقُ ، فيكون منه ما حَرُمَ فهو يفسد الجنان ويحرف الفكرة فيكون من زخرف القول غرورا ، ويكون منه ما حَلَّ من كَلِمِ الحليل الذي به المرء يسعد ، فهو ما تَعَارَفَ وَائْتَلَفَ وكان من كلمة الوحي ما به استحل ، فكلامه سحر حلال يجم النفس ويشرح الصدر فلا تَثْرِيبَ فهو مما امتن به الرب الحميد المجيد ، جل وعلا ، من طيب المنكح والمعشر ، فذلك من السحر الحلال الذي لا تمل منه أذن المحب ، فالقائل :
منَ الخَفِرَاتِ البِيضِ وَدَّ جَليسُها ******* إذا ما انقضتْ أحدوثة ٌ لوْ تُعيدُها .
وذكر البيض ، لو تدبر الناظر ، يجري مجرى المثال لعام وهو جنس المحبوب فَثَمَّ الأبيض وَثَمَّ الأسمر ولكلٍّ فِي الصورة والهيئة مذهب ولكلٍّ في الحب مشرب ! ، لا جَرَمَ كان من غَضِّ البصر ما يَنْفَعُ ، فلكلِّ صورةٍ بَيْضَاءَ أو سمراء من النفس ما تَقْبَلُ ، فكان من وصفها أن وَدَّ الجليس لو تكلمت فهو يستمع فلا يمل ، فحديثها السحر الحلال ، فَوَدَّ لو أعادت ، وكذا البصر فَثَمَّ من الصورة جنس آخر يَنْقَسِمُ ، فمنه صورة محرمة يُزَخْرِفُهَا الوسواس فَتَغُرُّ مَنِ اسْتَرْسَلَ فَلَمْ يَغُضَّ العين أن تُبَاشِرَ المحرَّم ، ومنه صورة الحلال الطيب فهي مما تسعد به النفس وَتَأْنَسُ ، فذلك انشراح الصدر بما أَحَلَّ الرب ، جل وعلا ، من الزَّوْجِ ، فهو مما يُبْتَغَى به النسل الطيب الذي به يَسْتَكْثِرُ الجمع المؤمن فَيَنْشَرِحُ الصدر بما يكون من سَوَادِ الإيمان ، فَكُلُّ أولئك مما به انشراح الصدر ، وأشرفه ما كان بالإسلام ، فلا تخلو اللام في "للإسلام" في قوله تعالى : (يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) أن تُضَمَّنَ معنى الباء ، باء السببية ، فالإسلام سبب في شرح الصدر بل هو أعظم أسبابه وأشرف أجناسه ، فكان من الشرط والجواب ما اطرد وانعكس فَدَارَ دَوَرَانَ العلة والحكم ، السبب والمسبَّب ، المقدمة والنتيجة ، فإذا كان ثم إرادة الهدى من الله ، جل وعلا ، فَضْلًا ، وَهُوَ ما أُطْلِقَ فاستغرق سائر أجناس الهداية العلمية والعملية ، الباطنة والظاهرة ، فذلك الهدى التام إذ إطلاق العامل مئنة من استغراق أجناسه ، وذلك ما حُدَّ حَدَّ المذكر تَغْلِيبًا وإلا فهو يستغرق الإناث كَمَا الذكور ، لقرينة العموم في خطاب التكليف ، ولا يخلو الشطر الأول ، شطر الشرط أن يجري مجرى الإطناب في اللفظ ، إذ المصدر مما تُصُيِّدَ من تأويل "أن" وما دخلت عليه من العامل المضارع "يَهْدِيَهُ" ، فآل التقدير أَنْ : مَنْ يُرِدِ الله هدايتَه ، فَضْلًا عما به استحضار الصورة من مادة المضارعة فِي "يَهْدِيَهُ" ، و "أن" إذ دخلت على المضارع فلا تخلو من دلالة استقبال فذلك من وصف الرب ، جل وعلا ، وصف الفعل الذي يُنَاطُ بالمشيئة فلا زَالَ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، يُحْدِثُ منه ما شاء كيف شاء متى شاء على وجه يُوَاطِئُ القدرة والحكمة ، فَيَهْدِي مَنْ شاء فضلا وَيُضِلُّ مَنْ شاء عدلا ، فالحكمة في كلتا الحالين تَثْبُتُ ، إذ يُوضَعُ في كلِّ محل ما يلائم ، فَلِكُلِّ حَالٍّ مَحَلٌّ يَقْبَلُ آثارَه ، فذلك وصف الفعل إِنْ إرادةً أو هدايةً ، فَنَوْعُهُ قديم وآحاده حادثة بالمشيئة وذلك أصل يطرد في هذا الباب ، باب الصفات الفعلية ، فَثَمَّ دلالة الحال استحضارا للصورة ، وثم دلالة الاستقبال استغراقا لما هو آتٍ فذلك وصف لَمَّا تأويله في الخارج يَظْهَرْ بِمَا يكون من تَوْفِيقِ الربِّ المسدِّد ، جل وعلا ، فكان من الشرط ما أُرْدِفَ بالجواب على حد الجزم ، فَثَمَّ من التلازم بَيْنَهُمَا طردا وعكسا ، علةً وحكمًا ، فَعِلَّةُ الشرح ما تَقَدَّمَ من إرادة الهداية ، فكان من شرح الصدر وسعته ما أطلق فاستغرق ، كما تقدم ، شرح الباطن بمادة التوحيد ، وشرح الظاهر بمادة التشريع ، فكان الشرح بالإسلام الذي أطلق فاستغرق ، أيضا ، إسلام الجنان تصديقا وإرادة ، وإسلام اللسان شهادة ، وإسلام الأركان فِعْلًا وَتَرْكًا ، فَثَمَّ مَنْطُوقٌ أَنَّ مَنْ أُرِيدَ به الخير هدايةً فَصَدْرُهُ يُشْرَحُ للإسلام شرح القبول والرِّضَى فَيَطْمَئِنُّ الجنان بمادة الإيمان وتعمر الأركان بمادة الإسلام ، والمفهوم أن مَنْ أُرِيدَ به الشر ضلالا فصدره يضيق فلا يَنْشَرِحُ للوحي ، وهو ما نَصَّ عليه الآي فأطنب بالمفهوم بعد المنطوق اسْتِغْرَاقًا لأجزاء القسمة في العقل ، فكان الإطناب بالمفهوم بعد المنطوق على حَدِّ الشرط ، أيضا ، فـ : (مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) ، فأطنب بالتكرار ، تكرار الشرط وعامل الإرادة المجزوم في سياقه ، ولا يخلو من إطناب آخر إذ المصدر في هذا الشطر قد تُصُيِّدَ من "أن" وما دخلت عليه من عامل الإضلال "يُضِلَّهُ" ، فَثَمَّ طباق إيجاب بين مادة الهدى ومادة الضلال وبهما استيفاء القسمة في هذا الباب ، وهو ، أيضا ، ما أُطْلِقَ فاستغرق ضلال العلم الباطن وضلال العمل الظاهر ، ضلال الفكرة وضلال الحركة ، وَبَعْدَهُ كان الجواب المجزوم الذي يدور مع الشرط وجودا وعدما دوران العلة والحكم ، فـ : (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) ، وذلك جعل التكوين النافذ ، ولا يخلو الجواب من طباق آخر بالنظر في الجواب الأول في قول الرب المهيمن جل وعلا : (يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) ، فكان من الطباق بين الشرح والحرج ، فاستعير من الحس ما حرج من الشجر فلا يبلغه الضوء لِمَا يحجب من كثيف الشجر ، فكذا القلب إذا حُجِبَ عن نور الإيمان فضاق وانقبض ، فَكَانَ من الحرج والضيق ما شُبِّهَ تَشْبِيهَ التمثيل إذ المشبه به صورة تَرَاكَبَتْ من صاعد إلى السماء فَنَفَسُهُ يضيق وهو ، من وجه آخر ، يُزَاوِلُ ما لا يستطاع في العادة ، ولو بالنظر في زمن التَّنَزُّلِ ، فكان الصعود إلى السماء من المحال المتعذِّر ، وإن صار بعد ذلك في الوسع والطاقة فكان وجه التشبيه الآخر في ضيق النفس ، وكان من الإعجاز في البيان ما يُوَاطِئُ كُلَّ عصر بما تَيَسَّرَ من أسبابه ، وبعده كان من الختام ما يجري مجرى التعليل فَمَا عِلَّةُ مَا تَقَدَّمَ من ضيق صدر الضال ؟! ، فذلك مما اكتسبت يَدَاهُ أَنْ أَعْرَضَ فَلَمْ يُؤْمِنْ فذلك من الرِّجس المعجَّل ، فـ : (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) ، وذلك جعل تكوين آخر ، فهو من القدر النافذ ، وهو مِمَّا حُدَّ مُضَارِعًا وبه ، كما تقدم ، استحضار الصورة فِي سِيَاقِ الذمِّ وَالتَّنْفِيرِ وذلك آكد في الزجر والوعيد ، ولا تخلو "أل" في "الرجس" مِنْ دلالة العموم المستغرق فَرِجْسُ اللعنة في الأولى ورجس العذاب في الآخرة ، كما أُثِرَ عن الزجاج رحمه الله ، وثم تضمين آخر كما يذكر بعض المعربين ، فقد ضمن فعل الجعل معنى الإلقاء لا جرم تعدى بالجار "على" ، فَيُلْقِي الرب ، جل وعلا ، عليهم الرجس عدلا ، ولا يخلو الجار "على" أن يكون مَئِنَّةً من استعلاءٍ يَسْتَغْرِقُ ، فالرجس يَعْلُوهُم وَيَحُوطُهُم وذلك ، أيضا ، آكد في الذم والتنفير ، ولا يخلو الختام بالموصول "الذين" أن يجري مجرى التعليل إذ يُنَاطُ الحكم ، حكم الرجس بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو انْتِفَاءُ الإيمان في قوله تعالى : (لَا يُؤْمِنُونَ) ، وذلك ما أُطْلِقَ فَانْصَرَفَ ، بادي الرأي ، إلى انتفاء الأصل ، وهو ما يرشحه السياق ، وإن احتمل ، من وجه آخر ، نفي الكمال الواجب فيكون من الرجس ما يُوَاطِئُ فَلَيْسَ بداهة كالرِّجْسِ الملقى على مَنِ انْتَفَى فِي حقه أصل الإيمان الجامع ، فإطلاق العامل قد احتمل فاستغرق كلا الوجهين وهو ، كما تقدم مرارا ، مما يستأنس به من يُجَوِّزُ دلالة العموم في اللفظ المشترك ، ولفظ الوصل المذكر "الذين" قد جَرَى ، أيضا ، مجرى التغليب فاستغرق النساء كما الرجال لقرينة العموم في خطاب التكليف ، فالرجس على من لم يؤمن ، فذلك المنطوق ، والمفهوم أَنَّ من آمن فلا رجس عليه يُلْقَى بل هو من أهل السداد والتوفيق وانشراح الصدر وحسن المآل وإن ابتلي في الحال تمحيصا وتطهيرا فما يجد من ضيق الصدر فهو من مكفرات الذنوب وبه رِفْعَةُ الدرجة في دار الحساب والجزاء الأوفى .

والله أعلى وأعلم .