ومن قوله تعالى : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) ، فذلك من الدعاء الذي سوغ الابتداء بالنكرة "ويل" ، فَحَدُّهُ حَدُّ الخبر ودلالته دلالة الإنشاء ، على تقدير : اللهم اجعل الويل حظهم في الآخرة ، وذلك ما استوجب في القياس الصريح إنشاء النهي عن التكذيب فهو مناط الحكم باستحقاق الويل فلا تخلو دلالة اللام في "للمكذبين" ، لا تخلو من دلالة الاختصاص والاستحقاق ، وذلك آكد في النكاية ، فكان النهي عن التكذيب لئلا يَنَالَ صاحبَه الويلُ ، وهو ما يَسْتَلْزِمُ أمرا بضده من التصديق ، وهو ما يجاوز العرفان المحض ، كما أن التكذيب لا يَسْتَلْزِمُ الجهل ، بل قد يكون ثم من العلم ما به قِيَامُ الحجة الرسالية ، ولا يكون ثم تصديق يَسْتَوْجِبُ الرضى والقبول وما بعدهما من الإرادات والمقالات والحركات الاختيارية ما بطن منها حبا وبغضا وما ظهر فِعْلًا وَتَرْكًا ، فقد يحصل العلم ويكون مجردا فهو صورة عِرْفَانٍ ساذج فَتَحْصُلُ ولا يحصل مَعَهَا التصديق بل يحصل ضده من التكذيب فَثَمَّ مَوَانِعُ تَحُولُ دون قبول الحق وأعظمها شؤما الكبر فهو مادة كل خذلان وكفران إذ يفسد التصور ويحمل صاحبه على التأول رضى بما يصنع ، فَيَجْتَهِدُ في تَلَمُّسِ الحجج ، ولو واهية ، فليست إلا شبهات مُتَهَافِتَةٍ لِيُسَوِّغَ ما هو عليه من تكذيب وَرَدٍّ للحق ، فالكبر باعث الحسد والبغض لصاحب الحق ، فَيَرُدُّهُ المكذِّب وإن استبانت أدلته فَثَمَّ علم يجزئ في حصول الحجة الرسالية ، وَلَيْسَ ثَمَّ ما يجاوز من التصديق ، فهو ، كما تقدم مرارا ، قدر يزيد على العلم المحض فَثَمَّ القبول والرضى والإذعان والانقياد ، فكل أولئك مما يَنْفِي مادة الكبرِ وَمَا يستجلبه من التكذيب وَالرَّدِّ ، فَثَمَّ اطرادٌ وَانْعِكَاسٌ ، فإن الويل والهلكة للمكذبين وذلك المنصوص ، وضده المفهوم أن النجاة لِلْمُصَدِّقِينَ ، والأول يستوجب إنشاء النهي ، والثاني على ضده يستوجب إنشاء الأمر ، فلا تُكَذِّبْ فَتَهْلَكَ وَصَدِّقْ تَنْجُ ، فكان من الويل ما نُكِّرَ تَعْظِيمًا ، ولا يخلو ، كما تقدم ، من الدلالة الإنشائية أن لا تُكَذِّبُوا ، وهو ما أُطْلِقَ فَاسْتَغْرَقَ وجوه المعنى فذلك ما يَنْصَرِفُ ابتداء إلى التكذيب الأكبر الناقض لأصل الدين ، ومكية الآي بذا تشهد ، فَالْغَالِبُ عَلَى المخاطَبِ وصفُ الكفر ، وإن احتمل ما دونه لا سيما والويل في مواضع قد انصرف إلى كبائر لا تنقض أصل الدين الجامع ، كما في قوله تعالى : (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) ، فأنيط الحكم باسم الصلاة وهو اسم إيمان ، وذلك ، على تفصيل مشهور في باب الأسماء والأحكام ، ذلك شاهد يُرَجِّحُ الويل الأصغر فلا يصلي إلا المؤمن ، وإن كان مُتَوَعَّدًا من وجه آخر إذ فَرَّطَ في بعض الصلوات ، فكان من الوعيد ما يحتمل فلا يقطع بِنَفَاذِهِ إذ هو من الوعيد الأصغر على ما يقدح في كمال الدين الواجب دون أصله الجامع ، فلا يُقْطَعُ بِنَفَاذِهِ كالوعيد الأكبر على ما يقدح في أصل الملة ، فصاحب الكبيرة من المصلين المؤمنين إذا لم تكن كبيرته في نفسها قادحة في أصل الدين ، صاحب الكبيرة إذا كان ذلك وصفه فهو تحت المشيئة فلا يكون وعيده إذا نَفَذَ ، لا يكون ويلا أكبر مؤبدا ، بل هو من الجنس الأصغر المؤقت فَعِنْوَانُ الصلاة الذي اشتق منه اسم المصلي ، هَذَا الْعِنْوَانُ مِمَّا رَجَّحَ ، من وجه ، الويل الأصغر ، وإن كان الأصل في الاسم والحكم وما يَتَفَرَّعُ عنه من الوعيد والجزاء ، وإن كان الأصل فيه حَالَ أُطْلِقَ أَنْ يَنْصَرِفَ إلى الجنس الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، إلا أن تَرِدَ قَرِينَةٌ كما في هذا الموضع إذ أُنِيطَ الوعيد باسم إيمان ، ولو ناقصا ، فَلَمْ يُقَارِفْ صاحبه ناقضا ، وإن قارف من الكبيرة ما يقدح في الكمال الواجب كأن يُفَرِّطَ في صلاة أو اثنتين فلا يكون سهوه السهو المطلق الذي لا عذر لصاحبه فقد استمرأ الترك فلا تخلو حاله من استخفاف وَتَنَقُّصٍ فذلك مما يُرَجِّحُ الوعيد المؤبد ويلا لا ينقطع ، على قول من جعل تَرْكَ الصلاة التَّرْكَ المطلق ناقضا من نواقض الإيمان ، فعنوان الصلاة ، ولو في الجملة ، مانع من إطلاق لقب الكفر الأكبر ، وذلك ما يرجح في الوعيد أنه المؤقت ، خلاف ما ورد في الآي محل الشاهد : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ، فقد أنيط الوعيد بعنوان التكذيب المطلق ، فأطلق الاسم ، اسم المكذب ، وهو اسم فاعل يجري مجرى المضارع ، لا سيما وقد دخلت عليه "أل" فدخولها على الاسم المشتق قرينة تأويل صحيح أن يؤول معناها إلى الموصول ، فتقديرها : الذين يكذبون ، فمناط التعليل هو عنوان التكذيب الذي اشتقت منه الصلة "يُكَذِّبُونَ" ، ولا يخلو التأويل بالمضارع أن يُوَاطِئَ قَانُونَ النحو فاسم الفاعل فَرْعٌ عن المضارع في العمل ، ولا يخلو من آخر أن تستحضر به الصورة في مقام الذم والتنفير ، ولا يخلو من ثالث أن يستغرق أجزاء القسمة الزمانية فَيَعُمَّ بمادته الظرفَ المستقبلَ إذ ذلك وعيد محكم لا ينسخ ، لا سيما وثم تكليف عنه ينشأ ، ألا تكذبوا فتكونوا من أهل الويل ، فذلك بداهة محكمٌ لا يُتَصَوَّرُ نَسْخُهُ فَلَنْ يكون التكذيب أبدا من المباح أو الواجب ، فذلك خبر محكم والأخبار لا يدخلها النسخ ، وبل وتأويله بالإنشاء ، وهو ما يحتمل النسخ بادي الرأي ، هذا التأويل لا يُجَوِّزُ النسخ في هذا الموضع بِعَيْنِهِ إذ لا يُتَصَوَّرُ أن يكون التكذيب مناط مدح إلا أن يُقَيَّدَ بتكذيب الباطل ، وليس ذلك محل الشاهد ، فمحله التكذيب بالحق ولازمه الضروري في العقل : التصديق بالباطل ، كما الإيمان بالباطل يستلزم الكفران بالحق ، كما في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) .
فتأويل الخبر أن : لا تكذبوا ، هذا التأويل بإنشاء يَنْهَى ، هذا التأويل من المحكم غير المنسوخ ، فَالسِّيَاقُ قَدْ رَجَّحَ النهي الجازم مئنة من التحريم لا سيما وقد أبان اللحاق عن ماهية التكذيب في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) ، ولو على حد التمثيل الذي لا يخصص العام الذي استفيد من إطلاق المادة إذ استغرقت سائر أجناس التكذيب المذموم فخرج بداهة التكذيب المحمود ، التكذيب بالباطل ، فمناط الذم : التكذيب بالحق ، وهو ما ينصرف ، بادي الرأي ، إلى التكذيب بالخبر ، فإن المخالفة عن الواجب فيه أن يكذب ، كما أن المخالفة عن الواجب في الإنشاء أن يُعْصَى ، إِنْ بِتَرْكِ المأمور أو فِعْلِ المحظور ، فلا يخلو السياق من هذا الوجه أن يجري مجرى المثال لعام وهو جنس ما ينقض أصل الدين فلا ينقضه التكذيب وحده ، بل ثم من نواقض القول والعمل ما يزيد ، ولو لم يكن ثم تكذيب ، فذكر التكذيب من هذا الوجه يجري مَجْرَى المثال لعام وهو المروق والكفران فَوَيْلٌ للمارقين أو الكافرين ومنهم المكذبون ، ومنهم المقارفون لنواقض الإيمان ، بل ثم من ذكر المثال ما يُبِينُ عن جنس التكذيب فلا يخصصه ، أيضا ، فقد أطنب على حد الوصل في قَوْلِ الرب جل وعلا : (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) ، فلا يخلو أن يجري مجرى الجواب عن سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فمن أولئك المكذبون ؟! ، فكان الجواب الذي حذف منه المسند إليه ، وهو المبتدأ على تقدير : هم الذين يكذبون بيوم الدين ، فلا يخلو السياق من قصر يَجْرِي مجرى المبالغة فَقَصَرَ بتعريف الجزأين "هم" و "الذين يكذبون" ، فلا يكون التكذيب بِيَوْمِ الدين وحده ، وإنما ذكر مثالا ، وكان من المبالغة بالقصر ما يزيد في تَقْرِيرِ المعنى وَتَوْكِيدِه ، فكأن التكذيب قد اخْتُزِلَ في هذا الموضع ، ولا يخلو أن يجري مجرى اللازم فلا يخلو كل تكذيب بالوحي ، إن بالخبر أو بالأمر والنهي ، لا يخلو صاحبه أن يذهل ويغيب عن يوم الجزاء والحساب ، يوم الدين ، فلو استحضره ما كَذَّبَ وَعَصَى ، وإن العصيان الأصغر الذي لا يَنْقُضُ أصل الدين ، فلا يطلق عليه التكذيب في هذه الحال إلا ذهولا أو نسيانا أو غلبة شهوة تفسد الإرادة فتحمل صاحبها أن يقارف الفعلة ، فهو ، من هذا الوجه ، غائب عن معنى التصديق والإيمان لا أنه كافر مارق إلا إن كان الفعل في نفسه مُكَفِّرًا فهو من نَوَاقِضِ الإيمان على حد الإطلاق ، فالتعيين في هذا الباب مما تعظم به البلوى فلا يطيقه إلا من رَسَخَ رسوخَ الإرادة فَتَجَرَّدَ من الهوى ورسوخَ العلم فقد أحاط بالأمر وما احتف به من قَرَائِنَ ، فالتعيين في هذا الباب يزيد على الإطلاق الذي يجري مجرى الأصل أو الجنس العام فعنوانه : من قَارَفَ كَذَا من النَّوَاقِضِ فهو مارق ، فذلك ما يجري مجرى العموم إذ حُدَّ حَدَّ الشرط غير المعين ، فهو مناط يحقق في آحاد بعينهم إذا حصل فيهم المعنى ، من وجه ، واستفوا جملة شرائط وانتفت في حقهم جملة موانع ، وذلك أصل يستصحب في كل حكم إن في هذا الباب الجليل : باب الأسماء والأحكام ، أو في سائر أبواب الديانة ، بل وسائر الأحكام العقلية والتجريبية فالدواء على سبيل المثال ، لا بد له من محل يقبل ، ولا بد من شَرْطٍ يُسْتَوْفَى كاشتراط الصيام في تَعَاطِي بعض الأدوية ، فلا بد من شرط يُسْتَوْفَى وإلا لم يُؤَثِّرِ الدواء التَّأْثِيرَ النافع ، بل قد يضر ، واضرب له المثل المشهور في اشتراط الصيام قبل تَعَاطِي المخدر الذي يُغَيِّبُ الوعي كله قبل الخضوع للجراحات وما يصاحبها من آلام القطع والشق فلا يطيقها الحي حال الصحو ، فاشترط الصوم قَبْلَهُ بِسِتِّ ساعاتٍ أو أكثر ، فهو يَسْتَفْرِغُ المعدة من الطعام فلا يكون ثم ارتجاع يضر الرئة فقد يفضي إلى اختناق أو عدوى تضر ، فكان من اشتراط الصوم ما يَلْزَمُ لِيُؤْتِيَ المخدر أكله النافع فهو يُغَيِّبُ العقل ضرورة تقدر بقدرها وإلا فالأصل حظره ، فَيَغِيبُ العقل ولا يحضر الألم الذي لا يطيقه أغلب الخلق ، فلا عبرة في هذا الموضع بالنادر الذي لا حكم له فلا يحتج محتج أن فلانا يطيق ألم الجرح والقطع وهو حاضر الوعي ! فذلك الاستثناء الذي لا يقاس عليه لا سيما بعد ذيوع هذا الإجراء فَلَئِنْ كان الناس في القديم يخضعون للجراحة بلا مخدر فكانوا يَعُضُّونَ على غليون أو نحوه ليتحملوا الألم فلا يصرخوا ، حتى اشتهر في المثل أن يقال : فلان انكسر غليونه إذا مات ولم يحتمل الألم أو كانت الإصابة فادحة ، فكنى عنها بانكسار الغليون الذي يعض عليه فلئن كان ذلك في القديم فهو مما هجر فلا يطيقه أغلب الناس اليوم ولم يكونوا يطيقونه آنذاك إلا مشقة غالبة تجلب التيسير فهي تجاوز حد المشقة المعتادة ، فالتيسير يُسْتَجْلَبُ إن وُجِدَ سببه من المشقة الغالبة ، فكان السبب المحدث في استعمال المخدر فهو يغيب العقل ضرورة تقدر بقدرها ، وهو ما يستوجب شروطا يجب استحضارها ، كالصوم آنف الذكر ، فهو في هذه الحال مثال لحكم في العادة والتجريب لا بد له من استيفاء شرط وهو الصوم ، فلا يقتصر هذا الأصل على أحكام الشرع والعقل ، بل يعم أحكام العادة والتجريب .

وَكَذَا الشأن في انْتِفَاءِ المانع ، فَثَمَّ من التداخل في الدواء ما يُبْطِلُ بِهِ دواءٌ أَثَرَ آخر ، فاشترط في العلاج بالثاني ألا يشاركه الأول أو أن يُؤَخَّرَ عنه أو يُقَدَّمَ ، كما في علاجات محدَثة تُخَفِّفُ حموضة المعدة فلا يألم صاحبها لا سيما إن كان ذا قرحة ، فلا يَتَعَاطَاهَا المريض الذي يَتَدَاوَى بِبَعْضِ أدوية الكبد الملتهِب ، فلا بد أن يَتَقَدَّمَ عنه أو يَتَأَخَّرَ بِزَمَنٍ قَدَّرَهُ أهل الشأن بأربع ساعات ، فَثَمَّ مانع يحول دون التداوي من الالتهاب ، وهو ما يكون من تداخل الدواء فلا بد من انتفائه فلا يَتَعَاطَى المريض دواء الحموضة ، وهو المانع ، لا يَتَعَاطَاهُ مع دواءِ الالتهاب فَاشْتُرِطَ في هذه الحال انْتِفَاءُ المانع ، وعلى هذا فَقِسْ فِي جميع أحكام الشرع والعقل والتجريب والعادة فذلك من أعظم ما يَنْتَفِعُ به الناظر في إطلاق الأحكام ، فإطلاقها إطلاق الأصل العام : بَابٌ ، وإطلاقها على حد التعيين : آخر ، وهو ما يجري في الباب محل الشاهد : باب الأسماء والأحكام ، فلا يخلو عاص من تكذيب ، ولكن ذلك مما يَتَفَاوَتُ ، فَقَدْ يَكُونُ ثَمَّ من التكذيب ما يَنْقُضُ أصل الدين فهو تكذيب الرَّدِّ والجحود ولا يَلْزَمُ فِيهِ أَنْ يَنْتَفِيَ العلمُ والعرفانُ بل قد يكون عَالِمًا ولكنه يكذب ويجحد فَيَأْبَى وَيَمْتَنِعُ لا لعذر أو شبهة وإنما استكبارا وأنفة ، فامتناعه تكذيبا باب ، وامتناعه عصيانا آخر ، ما لم يكن العصيان بالفعل أو التَّرْكِ في نَفْسِهِ نَاقِضًا من نَوَاقِضِ الأصل الجامع ، فَقَدْ يكون الفعل أو التَّرْكُ لعارضِ شهوةٍ ، فيصدق في حق الفاعل آنذاك أنه مكذب لا أنه جاحد للأصل فيخرج من الدين ، وإنما يجري في حقه ما يجري في حق الزاني إذ انتفى عنه الإيمان كما في قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُو مُؤْمِنٌ" ، فليس بمارق بداهة إلا إذا استباح الكبيرة أو اقْتَرَنَ بالفعل ما يدل على الاستخفاف والتهكم بأحكام الشرع المنزل ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، نَاقِضٌ بِنَفْسِهِ ، فَيُحْمَلُ انْتِفَاءُ الإيمان في هذا الموضع وهو ما يضاهي التكذيب ، يحمل أنه غياب القوة الإيمانية الزاجرة عن الفعل لا غياب الأصل الجامع ، فهو كصحيح العين فَقُوَّةُ الإبصارِ في العين كامنة ، وَلَكِنَّ ثَمَّ غشاوة كَأَنْ تُوضَعَ على العين خِرْقَةٌ فَيَصْدُق في صاحبها في هذه الحال أنه أعمى لا أنه لا يَبُصِرُ مطلقا فقوة الإبصار في العين ثابتة ، ولكن ثم مَانِعًا من غشاوة أو خرقة فإذا زالت أبصرت العين بما رُكِزَ فِيهَا من قوة الإبصار خلاف من تَلِفَتْ عَيْنُهُ فَهُوَ أعمى بالقوة والفعل فَاسْتَوَتْ عنده الحال أَنْ تُوضَعَ على عينه غشاوة أو لا تُوضَعَ ، فذلك مثل المكذِّب التكذيبَ الأكبر الناقل عن أصل الدين ، فإن أصل الإيمان قد زال من القلب ، لا أن يكون ثَمَّ عارض شبهة أو شهوة تحمله على المخالفة في باب لا تَنْقُضُ المخالفة فيه أصل الدين الجامع وإن نَقَضَتِ الكمال الواجب ، كما في الخبر أَنْ : "مَا ءَامَنَ بِي مَنْ باتَ شَبْعانَ وَجارُهُ جائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ" ، فالنفي فِي هَذَا السياقِ يُخَالِفُ عن الأصل المقرَّر في اللسان ، وهو أَنَّ تَسَلُّطَ النَّفْيِ على المصدر الكامن في العامل "آمَنَ" مئنة من عموم يستغرق وجوه المعنى فَيُحْمَلُ على انْتِفَاءِ الإيمانِ كله ، فَثَمَّ من القرينة ما يصرفه إلى انْتِفَاءِ الكمال الواجب دون الأصل الجامع ، فَلَيْسَ الشبع مع جوع الجار ، ليس من نواقض الإيمان ، وإن كان من موارد العصيان الذي يقدح في الكمال الواجب إذا كان ثم عِلْمٌ فلا عذر ، فحسن التَّقْيِيدُ بالحال : "وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ" ، فَهُوَ يَجْرِي مَجْرَى الاحتراز ، وكان ثَمَّ غنى فلا فقر ، فامتنع عن الفعل مع وجود الباعث وانتفاء المانع فذلك أبدا شرط يُسْتَصْحَبُ فِي كلِّ حكمٍ يُوجِبُ أو يُحَرِّمُ ، وفي كل وعيد ووعد ، فَثَمَّ من الْقَرَائِنِ ما يحتف بالسياق فيصرفه عن وجه إلى آخر ، فالتأويل المحمود أن يكون من القرينة ما يُعْتَبَرُ ، فَهِيَ تَصْرِفُ اللفظَ عَنْ معنى ظاهرٍ يَتَبَادَرُ كَانْتِفَاءِ أصل المعنى حَالَ تَسَلَّطَ النَّفْيُ على عامله ، إلى آخر مرجوح وهو انتفاء كماله ، فذلك ما يَسْتَلْزِمُ تفصيل المادة ، مادة التكذيب ، وإن انصرفت بادي الرأي إلى التكذيب الأكبر الناقض للأصل ، فذلك الظاهر الذي حُمِلَ عليه السياق في هذا الموضع إذ قرينة اللحاق بِذَا تشهد ، فكان من الاستئناف على حد الْبَيَانِ : (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) ، فهو ، كما تَقَدَّمَ ، جوابٌ عن سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فمن أولئك المكذبون ؟ ، فكان الجواب على حد الاستئناف والحذفِ للمبتدإِ إذ قَدْ دَلَّ عليه الاستفهام المقدَّر ، فمن أولئك المكذبون ؟! ، فالجواب إما أن يجري مجرى الإظهار فَيُقَدَّرَ المبتدأُ المقدَّمُ في الجواب من جنس المبتدأ المؤخر في السؤال وهو المكذبون ، على تقدير : المكذبون هم الذين يكذبون بِيَوْمِ الدين ، وهو ما يخالف عن معيار المناطقة في الحد إذ اشترطوا في الحد ألا يكون ثم لفظ من جنس المعرَّف فيكون ثم دور ، فلا يعرف التكذيب بالتكذيب ، وفي ذلك ما لا يخفى من التكلف في البيان على وجه قد يُفْضِي في أحيان إلى زيادة المعرَّف إجمالا وإبهاما والأصل في التعريف أن يَزِيدَهُ بَيَانًا وَإِفْهَامًا ، فالعبرة بحصول المعنى في الذهن ، كما في هذا الموضع ، فالمكذِّب هو من يُكَذِّبُ ! ، فالمعنى قد حصل في الذهن بالمثال المذكور وهو التكذيب بِيَوْمِ الدين ، فإما أن يقدر المسند إليه من جنس ما تَقَدَّمَ في السؤال المقدر ، فمن أولئك المكذبون ؟ ، فكان الجواب : المكذبون هم الذين يكذبون بِيَوْمِ الدين ، فيكون الإظهار في موضع الإضمار زيادة في تقرير المعنى وتسجيل الجناية ، وقد يقدر المسند إليه على حد الإضمار كناية عما تقدم فيكون تقدير الكلام المؤوَّل : هم الذين يكذبون بيوم الدين .

فكان من الويل ما أُطْلِقَ وأنيط باسم التكذيب ، وثم تقييد بالظرف "يومئذ" ، فلا يخلو من دلالة الإيجاز بالتنوين ، تنوين العوض عن الجملة ، على تقدير : ويل للمكذبين يوم إذ يقوم الناس لرب العالمين قيامة الحساب والجزاء ، فمتعلق الظرف ، كما يقول بعض المحققين هو ما تقدم من قول رب العالمين جل وعلا : (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر في هذا الموضع ، ثم كان مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْدِيرِ السؤال : فمن أولئك المكذبون ؟ ، فثم الجواب : هم الذين يكذبون بِيَوْمِ الدين ، فثم القصر بتعريف الجزأين ، وثم التغليب في لفظ الضمير المحذوف "هم" ولفظ الموصول المذكور "الذين" ، فهو يستغرق كل محل يقبل آثار التكليف المنزل سواء أكان ذكرا أم أنثى ، وثم التعليل إذ أنيط حكم الويل بالمعنى الذي اشتق منه اسم المكذِّب حال الإجمال في الآية الأولى ، والمعنى الذي اشتقت منه الصلة حال البيان في الآية الثانية : (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) ، فأنيط الحكم بمعنى التكذيب إما مطلقا في الآية الأولى وإما مقيدا بيوم الدين في الآية الثانية ، واسم المكذب في الشطر الأول ، وهو اسم الفاعل من الرباعي مضعَّف العين "كذَّب" ، هذا الاسم إذ دخلت عليه "أل" فذلك ما يرجح فيها معنى الصلة ، وإن احتملت بيان الجنس واستغراق آحاده ، فاجتمعت فيها هذه الوجوه جميعا ، وذلك مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فإذ دخلت "أل" على الاسم المشتق فذلك ما رشح فيه دلالة الصلة على تقدير : ويل للذين يكذبون ، فَأَطْلَقَ ثم استفهم ثم قَيَّدَ فأبان بالمثال في الآي التالي : (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) ، وتأويل "أل" في "المكذبين" بالوصل مما يَرْجُحُ ، من وجه آخر ، أن تَجْرِيَ الثانية "الذين يكذبون" مَجْرَى البدل أو عطفِ الْبَيَانِ ، على تقدير : ويل للذين يكذبون بيوم الدين ، فالموصول في هذه الحال بدل من الاسم المظهر اسم "المكذبين" ، فَوَطَّأَ بالمبدل منه مطلقا إذ لم يبن عن جهة التكذيب وإن أبان عن الجنس المذموم الذي أنيط به الوعيد بالويل ، فَوَطَّأَ بالمبدل منه بين يدي البدل الذي قُيِّدَ مثالا يُبِينُ عن العموم ، عموم العلة وهي التكذيب ، فَمَثَّلَ لَهَا بالتكذيب بِيَوْمِ الدينِ ، ولا يخلو السياق ، من وجه ثالث ، أن يجري مجرى الاختصاص ، فهو من المنصوب على تقدير : أخص الذين يكذبون بِيَوْمِ الدين ، أو : أَذُمُّ الذين يكذبون بِيَوْمِ الدين فيجري مجرى النصب على الذم فالسياق قد رَجَّحَ هذا الوجه ، ولا تخلو المضارعة ، كما تقدم مرارا ، من دلالة الاستحضار ، استحضار الصورة وذلك آكد في التَّنْفِيرِ فضلا عن اتصال الظرف فذلك وعيد محكم لا ينسخ ، فكان التكذيب بيوم الدين ، كما تقدم ، المثال المبيِّن ، وإلا فالجنس العام المستغرِق هو التكذيب بالوحي الذي أخبر بَيَوْمِ الدين ، يوم الجزاء والحساب فتلك دلالته في هذا السياق ، وبعده كان قصر آخر بأقوى الأساليب : النفي والاستثناء في قوله تعالى : (وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) ، وهو ما يجري مجرى الحقيقة إذ يبين عن أسباب التكذيب من العدوان في العلم ، كما يقرر بعض المحققين ، فيكون العدوان في العلم تقليدا أو اتباعا لشبهة ، ولازمه ، من وجه ، وقسيمه من آخر ، إذ يَرْفِدُ مادة التكذيب ، لازمه وقسيمه هو الإثم العملي انسياقا وراء شهوة ، فالأول يفسد التصور والثاني يفسد الحكم ، والأول يقدح في العلم والثاني يقدح في الإرادة ، ولا يخلوان ، كما تقدم ، من تلازم فلا ينفك فساد العلم شبهة أن يقترن بآخر في العمل شهوة ، فأطنب على حد التتابع بلا عاطف لشبه كمال التلازم فالمعتدي هو الأثيم .

ومن ثم كان الإطناب بالوصف الذي حُدَّ حَدَّ الشرط في قوله تعالى : (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) ، فالشرط وجوابه ، كما يقول أهل الشأن ، في محل جر نَعْتًا للمجرور وهو "كُلُّ مُعْتَدٍ" ، فكان النعت الأول بالمفرد "أثيم" ثم كان الإطناب بالثاني وهو الجملة : (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) ، وذلك جار على القياس في اللسان إذا تَعَدَّدَتِ النعوت واختلفت الحدود : مفردًا وجملةً ، فالأصل أن يُقَدَّمَ المفرد ، كما في هذا الموضع ، وقد يعرب حالا إذ النكرة "كل معتد" قد أضيفت فاكتسبت نوع تخصيص جَوَّزَ مجيء الحال منها ، والقول بالنعت آكد في الذم فهو حال تدوم فليست تطرأ كما لو أُعْرِبَتْ حالا قياسية ، والحال الدائمة آكد في تسجيل الجناية ، فضلا عن حذف الفاعل في "تُتْلَى" مئنة من العموم فأيا كان التَّالِي فالسامع مكذِّب ينعت الوحي المنزَّل أنه أساطير الأولين ، ولا تخلو الإضافة في "آياتنا" من دلالة التعظيم ، تعطيم صاحب الآي ، جل وعلا ، وتعظيم الآيات فإضافتها إلى عظيم مئنة من تعظيم فضلا أن المضاف يأخذ حكم المضاف إليه في اللفظ والمعنى ، وتعظيم الجناية إذ تعظم في حق العظيم فالتكذيب بِقَوْلِ العظيم جرم عظيم إذ الجناية بقدر المجني في حقه ، ولا أعظم من الله ، جل وعلا ، فَتَعَدَّدَتْ وجوه التعظيم ولكلٍّ مُتَعَلَّقٌ على وجه جَوَّزَ الجمع بَيْنَهَا فلا تعارض إذ انفكت الجهة وذلك ، كما تقدم مرارا ، شاهد يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فضلا عن عموم يستغرق الآي جَمِيعًا : آي التكوين النافذ وآي التشريع الحاكم فهو يكذب الأولى إذ لا يَعْتَبِرُ ، ويكذب الثانية إذ لا يَمْتَثِلُ ، وبعده كان الزجر : (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، وهو من القرآن المكي باستقراء آيه وذلك أليق بخطاب من يُكَذِّبُ فَتِلْكَ الحال الغالبة في مكة قبل الفتح ، ولا يخلو من دلالة السببية لو قُدِّرَتِ الباء ، فآل الكلام إلى : كلا بل ران الكفرُ عَلَى قلوبهم بِمَا كانوا يكسبون ، والران هو الصدأ ، ولا يخلو من استعارة محسوس لِبَيَانِ معقولٍ فَبِهِ تَقْرِيبُ صُورَتِهِ في الذهن ، فَمَا كان هذا القول إِلَّا لِرَانٍ قد عَلَا القلب وغطاه بما كانوا يكسبون ، فأثبت الكسب لهم فعلا ، فتلك دلالة الباء المقدَّرَةِ ، فضلا عن الإطناب بالكينونة الماضية فذلك مئنة من ديمومة الاتصاف وهو ، أيضا ، آكد في تسجيل الجناية وأظهر في البيان من القول في غير القرآن : بما كسبوا ، فأثبت لهم الكسب فِعْلًا وهو ، من وجه آخر ، مما يُسْنَدُ إلى الله ، جل وعلا ، خَلْقًا ، فَهُوَ مَنْ خَلَقَ الران على قلوبهم بما خلق في جوارحهم من أفعال اكتسبوها بإرادة اختيار فهي مناط تكليف يصح ، وهي ، مع ذلك ، مما لا يخرج عن خلق الرب ، جل وعلا ، خلق الحكمة إذ جعل الران على قلوب قد استحقت ، وخلق في جَوَارِحَ من الأفعال والتروك ما يلائمها ، فَالْحَسَنُ للحسنِ فضلا ، والقبيح للقبيح عدلا ، والإيمان للمحل الكامل والرَّانُ على المحل الناقص ، وذلك ، كما تَقَدَّم مِرَارًا ، هو قانون الحكمة البالغة أن يُوضَعَ الشيء في موضعه .

والله أعلى وأعلم .