مما تقرر في أصول اللسان العربي أن الخدعة مطلقا لا تُذَمُّ ، بل هي من الجنس المطلق الذي تَنْدَرِجُ تحته آحاد ، فمنه ما يُحْمَدُ ومنه ما يُذَمُّ ، فَحُمِدَ ما يكون مكرا فلا خيانة فيه ، فالخيانة ، كما قرر أهل الشأن ، مَئِنَّةٌ مِنْ ذَمٍّ مطلق فَلَيْسَتْ مِمَّا خَلُصَ للمدح كالأمانة والصدق ...... إلخ من الأجناس المحمودة مطلقا ، وليست ، في المقابل ، مما احتمل فكان كالمكر الذي يجري مجرى الجنس العام آنف الذكر ، فهو مما يحتمل المدح تارة والذم أخرى ، لا جَرَمَ كان مِمَّا يجوز إطلاقه في حق الله ، جل وعلا ، مقيدا بالخيرية المطلقة ، كما في قول رب البرية جل وعلا : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، فكان من المقابلة بالنظر في الشطرين : مكر المخلوق الذي حُدَّ حَدَّ الجملة المضارعة "يمكرون" فذلك شطر ، ومكر الخالق ، جل وعلا ، وهو ، أيضا ، مِمَّا حُدَّ حَدَّ المضارعة "يمكر الله" ، وَثَمَّ ، من وجه آخر ، طباقُ إيجابٍ بَيْنَ ضَمِيرِ الجمعِ فِي حَدٍّ وهو ضمير الجمع المذكر فِي "يمكرون" ولا يخلو من دلالة التغليب كَغَالِبِ نُصُوصِ التَّشْرِيعِ التي عم التكليف بِهَا وَاسْتَغْرَقَ كُلَّ محلٍّ يصح تكليفه بالتصديق والامتثال ، فَثَمَّ طباق إيجاب بَيْنَ هذا الضمير : ضمير الجمع المذكر فِي "يمكرون" واسم الله ، جل وعلا ، في آخر ، كَانَ مِنَ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الشطرين والطباق بَيْنَ اللفظين ما يُبِينُ عن القدر الفارق ، فَشَتَّانَ مَكْرُ المخلوقِ ومكر الخالقِ ، جل وعلا ، وهو ما زِيدَ فيه احْتِرَازًا ، فكان الإطناب أَنِ : (اللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، فهو يجري مجرى التنزيه لله ، جل وعلا ، عن الجنس الأدنى من المكر ، مكر الخيانة والغدر ، فَهُوَ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، خير الماكرين ، وتلك أفضلية مطلقة فدلالتها حقيقية ، فلا مكر خير من مكر الله ، جل وعلا ، ولو كان مكر خير فَكَمْ مَكَرَ الأخيارُ نصرةً للحق ، فما ذلك إلا مثال أصغر فَثَمَّ الوصف الإلهي الأكبر ، وصف المكر الخيِّرِ الذي يُسْتَدْرَجُ به أهل الكفر والفجور وَيُبْتَلَى به أهل الإيمان والتقوى زَمَانًا قد يَقْصُرُ وَقَدْ يَطُولُ ، فيكون من غرور الفسَّاقِ أَنْ مُدَّ لهم في الأمر مَدًّا فأسرفوا في أهل الحق قتلا وأسرا ، ولا يكون ذلك ، من وجه آخر ، إلا غَفْلَةً تَسْتَوْجِبُ العقابَ وَحَظَّ نَفْسٍ ولو خفي فهو مما يستوجب التأديب أن يُسَلَّطَ الظالم فيكون من تمحيص ما في القلوب ما بِهِ يَمْتَازُ المخلِص من المغرِض ، طالب الديانة من طالب الرياسة ، فيكون المكر الإلهي الأعظم : استدراجا للفاسد وتأديبا للصالح ، والعاقبة للتقوى وأهلها ، فذلك وعد النصر الآجل ولو كان ثم ابتلاء عاجل وإنما الناجي من استمسك بالوحي ولجأ إلى جناب الحق فدعا دعاء الْمُفْتَقِرِ البارئِ من حوله وقوته ، أَنِ : "اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ" ، فذلك ، أيضا ، من وصف الفعل فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ المكر فهو مِمَّا قَدُمَ نَوْعُهُ وَحَدَثَتْ آحاده ولا تَزَالُ على وجه به تظهر آثار الجلال تارة والجمال أخرى وكلاهما ثالثة ، فَيَكُونُ الثناء المطلق على الرب المهيمن ، جل وعلا ، بالمعنى الكامل الذي يستغرق سائر المحامد والمدائح ، لا جَرَمَ كان التَّوَسُّلُ صدر الدعاء بالاسم الأعظم "الله" الذي استغرق سائر الأوصاف الكاملة ، فَكَانَ النداء الذي حُذِفَ فقد نابت عنه الميم التي ألحقت بختامه في لفظ "اللهم" فَقُدِّرَ بِنِدَاءِ الْبَعِيدِ تَعْظِيمًا فَلَهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، عُلُوُّ الذات والمعنى ، عُلُوُّ الشأن والقهر ، فكان مِنْ تَقْلِيبِ القلوب ما يجري مجرى التعدي بالتضعيف ، تضعيف العامل "قلَّب" ، فَضُعِّفَتْ عَيْنُهُ فَتَعَدَّى إلى القلوب ، وكان ثَمَّ من الجناس اشتقاقا بَيْنَ "مقلِّب" و "القلوب" ما زاد المعنى بَيَانًا ، فَمَهَّدَ بين يدي الدعاء ، مهد بوصف التقليب وهو وصف جلال إذ يَدُلُّ على قدرةٍ نَافِذَةٍ فَمَنْ شاء قَلَّبَ قَلْبَهُ إلى الإيمان فضلا ومن شاء قَلَّبَهُ إلى ضده عدلا ، ولا يخلو التقليب من وصف الجمال حكمةً بِهَا يكون تمحيص ما في القلوب بِإِبْرَازِهَا حَالَ الْفِتَنِ التي تُبِينُ عن معادنِ النفوس ، فكان التمهيد بوصف التقليب فَنَادَى الداعي نِدَاءَ البعيد مئنة من التعظيم فَثَمَّ تَوَسُّلٌ أعم في كل نداء لله ، جل وعلا ، فهو ، كما تقدم ، نِدَاءُ مَنْ علا ذاتا ووصفا وشأنا ، وثم آخر أخص بما يُوَاطِئُ السياق ، فكان التوسل باسم مُقَيَّدٍ اسم المقلِّب للقلوب ، فدلالته دلالة العامل المضارع الذي يتعدى وَيَتَجَدَّدُ ، فتأويله : يَا مَنْ يُقَلِّبُ القلوبَ ، فَثَمَّ استعارة ، من وجه ، إذ الْقَلْبُ قُلَّبٌ كالمرجل الذي يَغْلِي فالماء فيه يَضَّطرِبُ وَيَتَقَلَّبُ فَهُوَ عَلَى أَحْوَالٍ تَتَغَايَرُ فلا يَثْبُتُ على حال فكذلك الْقَلْبُ إذ تَتَنَازَعُهُ الشَّوَاغِلُ وَتَنْصَرِفُ به الصوارف فمن حال إلى أخرى ، ومن إقبال إلى إدبار ، ومن حركة إلى فَتْرَةٍ ، فاستعير غليان الماء في المرجل فهو قُلَّبٌ لا يثبت على حال ، استعير الغليان لِمَا يَمُوجُ به القلب من الأفكار والأحوال والإرادات ، فَثَمَّ لَمَّاتٌ تَتْرَى مِنْهَا لَمَّاتُ مَلَكٍ يُبَشِّرُ ، ونظائرها من شيطان يُحْزِنُ وَيَعِدُ الْفَقْرَ ، فلا زالت اللمات تَتَنَازَعُ القلب وهو لِمَنْ غَلَبَ ، فَوَارِدُ الخيرِ علما وإرادة وعملا ، فَثَمَّ من المحكمات ما يَثْبُتُ بِهِ الجنان فلا تَسْتَفِزُّهُ الصَّوَارِفُ ، وَوَارِدُ الشرِّ يُقَابِلُهُ فَثَمَّ من المشتبهات ما يُفْسِدُ قُوَّةَ التَّصَوُّرِ العلمي ، وَثَمَّ من الشهوات ما يُفْسِدُ قوة الحكم الإرادي ، فَتِلْكَ لَمَّاتُ الشرِّ وَبِهَا يضطرب القلب إلا أن يُثَبِّتَهُ الربُّ ، جل وعلا ، فهو الْمُقَلِّبُ عدلا الْمُثَبِّتُ فضلا ، فَمَنْ سَدَّدَهُ فَهُوَ المسدَّدُ وَمَنْ خَذَلَهُ فَهُوَ المخذول ، وَفِعْلُهُ ، جل وعلا ، في الخلق أبدا بَيْنَ الفضل والعدل فلا ظُلْمَ ، فذلك الْقَلْبُ الْقُلَّبُ الذي لا يكاد يَثْبُتُ عَلَى حالٍ فَثَبَاتُهُ ، لَوْ تَدَبَّرَ الناظرُ ، موته إذ النَّفْسُ لا بد أن تَتَحَرَّكَ بِتَصَوُّرٍ وَإِرَادَةٍ ، فصورةُ علمٍ هي المبدأ ، والعملُ هو الْمَظْهَرُ ، على ما اطرد مرارا من التلازم الضروري بَيْنَ قوة العلم تَصَوُّرًا وقوة العمل حُكْمًا ، فالحكم فرع عن التصور ، فلا يكون ثَمَّ حياة إلا وَثَمَّ حس وحركة بالإرادة وهي ما تحدث آحاده شيئا فشيئا فَكُلَّمَا حَدَثَ للجنانِ فكرةٌ فَثَمَّ إرادةُ حُبٍّ أو بُغْضٍ ، فقد تكون الفكرة خَيْرًا في نفس الأمر ويكون المحل صحيحا لم يمرض بشبهة أو شهوة ، فهو يَقْبَلُهَا وذلك باعث الحب والرِّضَى فَرَضِيَهَا رَائِدًا له فِي الإرادة والعمل فَهُمَا تَأْوِيلُ ما يَقَرُّ فِي الجنان مِنَ العلم ، فَيُحِبُّ القلبُ الناصح فكرةَ الخير الناصع لا سيما إن كان مَرْجِعُهَا هو الوحي النَّازِلُ فَهُوَ يُوَاطِئُ فطرة التكوين الأولى ، توحيدَ اعتقادٍ وَتَشْرِيعَ امتثالٍ للأمر والنهي الذي نَزَلَ به الوحي ، وهو ، في المقابل ، يُبْغِضُ ضدها من فكرة الشر الطارئ ، فَيُنَاجِزُهَا في الباطن وفي الظاهر ، فَتِلْكَ مدافعة القبيلين وبها يستخرج رب المشرقين والمغربين ، جل وعلا ، من آيات العبودية ما به يَرْضَى ولكماله المطلق يُظْهِرُ إِنْ فِي جلالِ القدرة أن يَنْصُرَ الصالح أو في جمال الحكمة أن يمكر بالفاسد ، فذلك ، كما تقدم ، مكر الخير المطلق الذي أُرْدِفَتْ بِهِ المقابلة بَيْنَ الشطرين في قوله تعالى : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، فكان من الإطناب ما به تَطْمَئِنُّ نُفُوسُ المؤمنين ، فـ : (اللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، فَثَمَّ اسم آخر من أسماء الثناء قَدْ قُيِّدَ إذ احتمل وجهين فوجب القيد احترازا إذ يقصر إطلاق الاسم على المعنى المحمود الذي يليق بذات المعبود ، جل وعلا ، فكان قيد الخيرية الكاملة التي استغرقت سائر وجوه المعنى ، فذلك مدلول الإطلاق : إطلاقِ عَامِلِهَا عامل "خَيْرُ" ، فهو خير الماكرين مطلقا فلا يشوب مَكْرَهُ شَرٌّ ، خلاف مكر البشر فهو مما يَتَنَازَعُهُ الوجهان : مكر الخير المحمود ومكر الشر المذموم فاحتمل ولو بالنظر في قبول المحل المجرَّد قَبْلَ أن تَرِدَ عليه البواعث وَتَنْشَأَ فِيهِ الدوافع ، فهو يحتمل كلاهما : مكر الخير وذلك الفضل ، ومكر الشر وذلك العدل ، فمن سُدِّدَ فَهُوَ إلى الخير صَائِرٌ ، ومن خُذِلَ فَهُوَ إلى الشر حَائِدٌ إِذْ خَرَجَ عن فطرة الدين الأولى ، فطرة التوحيد وهو معدن كل خير كما الشرك معدن كل شر ، فَالْقَلْبُ بَيْنَهُمَا يَتَقَلَّبُ إلا من عصم الرب ، جل وعلا ، فهو يَمُدُّهُ بِلَمَّاتٍ مَلَكِيَّةٍ لم تَزَلْ تُثَبِّتُ مَنْ آمن فهي كالملَكِ الذي تَنَزَّلَ يوم بدر آحَادًا تَتْرَى هي كالمدد الذي يَتَلَاحَقُ كالموج ، فأوحى إليه الرب ، جل وعلا ، أَنْ : (ثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) ، فذلك مِنْ تَثْبِيتِ الجنان بما يكون من لَمَّاتِ الخير وهو الفضل ، وفي مقابله إلقاء الرعب في قلب الكافر وهو العدل ، فذلك خذلان ثان بَعْدَ أَوَّل هو الأعظم وهو الكفر والجحود ، فَذَلِكَ مَنْشَأُ ما يجد الكافر من الخوف والضنك وإن كان ظاهره الأمن والسعة ، فَمَا اسْتَكْثَرَ مِنَ الجند إلا وَثَمَّ خوف ، وما تَكَلَّفَ من الضحك وَالْبِشْرِ إلا وَثَمَّ حزن ، فلا تخطئ العين الناصحة خوفه وحزنه وإن رَامَ التَّجَلُّدَ للشامت فهو أبدا مفضوح شَائِهٌ قد استبان قُبْحُ باطنه في قُبْحِ المنطق والصورة ، وَقُبْحِ الفعل والسيرة فلا يذكر إلا بالسب والانتقاص وإن تكلف ما تكلف من آي الجلال والهيبة ، فلا يَزِيدُهُ الرب ، جل وعلا ، إلا تحقيرا وذهابَ حشمةٍ ، فحظه من الألسن المذمة واللعنة من الكامل ومن الناقص ! ، فَثَمَّ إجماع على الحط من شأنه فهو في دَرَكَةٍ سفلى : عاجلَ عقوبةٍ من الرب الأعلى ، عز وجل ، وَمَوْعِدُهُ أخرى في الآخرة هي الأدهى والأمر ، وذلك قانون حكمة بالغة ، فقد عُوجِلَ بِضِدِّ مَا أَرَادَ فَسَعَى في الأرض بالفساد والشر رَجَاءَ أن يكونَ له الأمر ، فإن حصل له حِينًا فحصول الجبر والإكراه مع ما اقتضته الحكمة من العقاب الناجز لمن زَهَدَ في الحق ، ولو مجملا ، وَأَقْبَلَ على الباطل إِقْبَالَ المغرورِ بالزخرف والوسواس ووعد الدنيا وإن بذل الدين له عِدْلًا ، فَبِئْسَتِ الصفقة فَقَدْ وَجَبَ العقابُ بالسنين وَنَقْصٍ من الثمرات والأنفس في حكم الطواغيت المتجبرين ، فلا يكون في سلطانهم إلا النقص والشر ، فلا دِينًا يَسْلَمُ ولا بَدَنَ يَنْعَمُ ، فشؤمهم قد استغرق ، والمكر بهم قد استوجب أن يُمَدَّ لهم من الْمُلْكِ مَدًّا ، والعقابُ لِمَنْ زَهَدَ فِي الحق والعدل قد وَجَبَ فكان من إلقاء المقاليد لهم أَنْ ظَنُّوا القدرة على الأرض بعد استيفاء الزينة ، فَأَتَى أَمْرُ الجلالِ ، فَقَدْ : (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا) ، فذلك أمر عظيم حَسُنَتْ معه الإضافة إلى ضمير الجمع في "أمرنا" فَقَدِ استجمع الجلال في الأخذ وَقَبْلَهُ الجمال في المكر ، مكر الاستدراج أن زُخْرِفَتْ لَهُمُ الأرضَ وَازَّيَنَتْ ، فكل أولئك ، لو تدبر الناظر ، مما يدخل في حد الخيرية في قول رب البرية جل وعلا : (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، فذلك مما حُدَّ حَدَّ القصرِ بِتَعْرِيفِ الجزأين ، وهو ما يُحْمَلُ على الحقيقة ، فلا خير من مكر الله ، جل وعلا ، فكان القيد بالخيرية احترازا به حُرِّرَتْ مادة الثَّنَاءِ وَخَلُصَتْ ، فَانْتَفَى احتمال النقص والذم ، وَلَوْ مَرْجُوحًا ، فكانت المقابلة بين المكرين فهما يندرجان في جنس مطلق يجرده الذهن ، فأنواعه في الخارج تَتَبَايَنُ ، فَثَمَّ مكر الخير وثم آخر في الشر ، فكان الاستدراك حَسْمًا لِمَادَّةِ الشبهةِ أَنْ يُنْسَبَ إلى الله ، جل وعلا ، ما لا يَلِيقُ بِذَاتِهِ القدسية ، فهو خير الماكرين ، فيمكر بِمَنْ فَجَرَ وَبَغَى ، ويمكر لمن آمن ولو ابْتِلَاهُ ، فَتَارَةً يُمَحِّصُ ، وأخرى يُعَاقِبُ وَيُؤَدِّبُ فما يكون ظهور الفاجر على التَّقِيِّ إلا وقد خالف التَّقِيُّ عن جادة التقوى فكان له مع حكم الوحي حظ ، ظَهَرَ أو خَفِيَ ، فَلَهُ هوى وذوق وهما ذريعة التأويل المذموم أن يجتهد صاحب الحظ فَيُخَرِّجَ رَغَائِبَهُ الناقصة في جاه أو رياسة على ما أُحْكِمَ مِنْ نصوص الديانة ، فذلك ما استوجب التأديب ، فلا يخلو من حكمة في العقاب فقد نَزَلَ بمن حاد عن الحق ، وكان ، من وجه آخر ، مكرا بالفاجر الذي اغْتَرَّ بِعَارِضِ ظهورٍ ومكنة فَظَنَّ أَنَّهُ على الجادة الْمُثْلَى ! ، ولو تَسْكِينًا لألم يُبَرِّحُهُ فَهُوَ مِنْ عَاجِلِ عُقُوبَتِهِ ، فَثَمَّ ضنك وحزن فلا يَزَالُ يَتَلَمَّسُ له الدواء إِنْ فِي شَهْوَةٍ تُسْكِرُ أو شبهة تُسَكِّنُ فَثَمَّ مَنْ يَجْتَهِدُ فِي تَلْفِيقِ الأدلة ولو تَكَلُّفًا لا يخفى فهو يَرُومُ به تسكين الضرورة النقلية والعقلية والفطرية والحسية التي تشهد بِبُطْلَانِ ما هو عليه من العقد أو الشرع أو السياسة أو الحرب ، فَلَا يُنْكِرُ هذه الضرورة الملجئة إلا جاحد أو مسفسط فهو يَتَحَايَلُ بِمَا لَفَّقَ من الأدلة ، وليس بعدها إلا الفكرة فَبَعْدَ السُّكْرِ صَحْوٌ وبعد الشبهة قَارِعُ الحقِ ، وتلك ، كما تقدم ، العقوبة الناجزة أن أعرض عن الحق مع اسْتِبَانَتِهِ حكما ودليلا ، لفظا ومعنى .
فَالْقَلْبُ الْقُلَّبُ على أحوال ، فَقَدْ تكون الفكرة خَيْرًا فِي نفس الأمر ويكون المحل صحيحا يقبل آثارها فهو يحب الحق ويحب أهله ، وذلك باعث الإرادة الشريفة ، فآثارها تظهر في القول والعمل ، في الفعل وَالتَّرْكِ ، ولازم ذلك ، لو تدبر الناظر ، أن يُبْغِضَ الباطل وأهله ، وذلك باعث إرادة أخرى ، إرادة التَّرْكِ للباطل فذلك الكف ، وإرادة مُنَاجَزَتِهِ بالحجة والبرهان تارة والسيف والسنان أخرى فذلك الفعل ، وقد تكون الفكرة شَرًّا فِي نَفْسِ الأمر ويكون المحل فاسدا فهو يَقْبَلُهَا إما شبهة تُزَيِّنُ الباطل ، أو شهوة فَثَمَّ حظ نفس طارئ بَاعِثُهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، الهوى والذوق ، فكانت الحكمة في كل حَالٍ ، أن يقبل المحل ما يُوَاطِئُ وصفه ، فأحوال الخير في محال الطهر ، وأحوال الشر في محل الخبث ، وذلك ما استوجب الثناء المطلق على الرب المحكِم الذي أعطى كل شيء قدره ، فأحكامه في الواردات العلمية والحركات الإرادية في الباطن وما يصدر عنها من الأدلة القولية والعملية في الظاهر ، أحكامه تَطَّرِدُ وَتَنْعَكِسُ على وجه يُوَاطِئُ قانون الحكمة ، فَلِكُلِّ محلٍ ما يلائم من الأحوال ، فَمَنْ قَبِلَ الخير رَدَّ الشر إذ المحل لا يَتَّسِعُ لِنَقِيضَيْنِ ، لا جرم لم تكن التحلية قَبْلَ التخلية ، فَقَبْلَ تحلية المحل بِوَارِدِ الحق لا بد من تَخْلِيَتِهِ من وَارِدِ الباطلِ ، وذلك الفضل أَنْ يُسَدَّدَ العبدُ فَيُطَهِّرَ المحلَ مِنْ وَارِدِ الشرِّ وَيُطَيِّبَهُ بِوَارِدِ الخيرِ ، وَمَنْ قَبِلَ الشر فِي المقابل رَدَّ الخير ، وذلك العدل ، فاختار ، جل وعلا ، لأهل التقوى حالا واختار لأهل الفجور أخرى ، ولا يظلم ربك أحدا ، فكان من المكر الخيِّرِ ما انْفَرَدَ به الرب المهيمن ، جل وعلا ، فذلك من وصف الفعل الذي قَدُمَ نَوْعُهُ وَحَدَثَتْ آحاده ، وهو ، من وجه آخر ، من الاسم المقيد بالإضافة في "خير الماكرين" ، وبه كان الاحتراز فَلَيْسَ ذلك من الاسم الأحسن وإن كان من الوصف الحسن ، فالاسم الأحسن لا بد فيه من تَجَرُّدِ المادة من النَّقْصِ ولو احتمالا ، فلو احتملت المادة نَقْصًا بالنظر في انقسامها في الخارج وَجَبَ التَّقْيِيدُ احترازا ، كما في المكر والنسيان ونحوه من أوصاف الله ، جل وعلا ، فالمكر والنسيان مطلقا يحتملان النقص حال التجريد الذهني ، وأما مكر الله ، جل وعلا ، بأهل الغواية ومكره لأهل الهداية ونسيانه مَنْ ظَلَمَ نسيان الإهمال وَالتَّرْكِ ، مكره ونسيانه في هذه الحال كمال ، فَوَجَبَ التَّقْيِيدُ احترازا ، فذلك من وصف الفعل ، ومثله ما يكون من تقليب القلوب ، وهو ، لو تدبر الناظر ، من المكر الذي يستخرج به الرب ، جل وعلا ، ما بطن في الجنان من دخائل الشر ، فَيَكُونُ من التمحيص بالتقليب ما خَشِيَهُ أهل الإيمان وَأَمِنَهُ أهلُ النفاق ، فكان من النداء في الدعاء آنف الذكر : "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ" ، فذلك ، أيضا ، من الاسم المقيد فهو من الوصف الحسن لا الاسم الأحسن ، فَمَهَّدَ بِهِ تَوَسُّلًا بَيْنَ يَدَيِ الدعاءِ أَنْ : "ثَبِّتْ قَلْبِيَ عَلَى دِينِكَ" ، فَثَمَّ طباق إيجاب بين المادتين ، التَّقْلِيبِ وَالتَّثْبِيتِ ، وبه البيان باللازم ، فإن السياق ، لو جَرَى على الأصل لَقِيلَ : يا مقلب القلوب لا تقلب قَلْبِي فَتَصْرِفَهُ عن دينك ، فأطنب بلازم ذلك وهو الدعاء بالثبات على الدين ، فكان من فعل الدعاء ما يجري ، أيضا ، مجرى التضعيف "ثَبِّتْ" زيادة في المبنى تدل على أخرى في المعنى ، فالتثبيت من وصف الرب القدير الحكيم ، جل وعلا ، فَيُثَبِّتُ مَنْ شاء فضلا وَيُزِيغُ من شاء عدلا ، فكان من حسن التلاؤم بين الشطرين ، فَفِعْلُ التقليب قد تعدى بالتَّضْعِيفِ ، وكذا فعل التَّثْبِيتِ قَدْ تَعَدَّى ، أيضا ، بالتضعيف ، وكلاهما مِنْ وَصْفِ الفعل الذي قَدُمَ نَوْعُهُ وَحَدَثَتْ آحاده شَيْئًا فَشَيْئًا ، فلا يَزَالُ الله ، جل وعلا ، يُقَلِّبُ القلوبَ على أَحْوَالٍ تَتْرَى ، فَلَهُ في كل محلٍّ حال ، فتلك آية الحياة ، فالجنان لا يَحْيَى إلا بالفكرة والإرادة ، فَصَاحِبُهَا الحي الحساس المتحرك بالإرادة ، فكان من الثناء بوصف التقليب ، ثم الدعاء طلبا للتثبيت ، وَخَصَّ القلبَ فهو موضع الفكرة وباعث كل حركة فهو الأصل والأركان عَنْهُ فَرْعٌ فَهُوَ الملِك الحاكم وهم الجند التابع فصلاحهم من صلاحه وفسادهم من فساده فألحقوا به قِيَاسَ التابعِ على المتبوع .
فَثَبِّتْ قلبي على دينك ، وهو ما عم فاستغرق بدلالة الإضافة إلى الضمير ، ضمير المخاطَب في "دِينِكَ" ، فاستغرق دين الفكرة ودين الحركة ، دين السلم ودين الحرب ، دين العلم ودين العمل ، دين السياسة والتجارة والعمارة وسائر الحركات الاختيارية فلا يكون الثَّبَاتُ على الدين إلا بإخلاصها جَمِيعًا لله رب العالمين ، جل وعلا ، فذلك تأويل الآي المحكم في آي الأنعام المنزل : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .
فكان من سؤال أم سلمة ، رضي الله عنها ، إذ يُكْثِرُ منه صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأجاب : "إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ مَا شَاءَ أَقَامَ، وَمَا شَاءَ أَزَاغَ" ، فَثَمَّ من التوكيد القياسي بالناسخ "إِنَّ" واسمية الجملة ما بِهِ زِيَادَةُ التَّقْرِيرِ وَالتَّوْكِيدِ ، وهو من الخبر الذي لا يُنَالُ إِلَّا من مشكاة الوحي فلا اجتهاد فِيهِ ولا استنباط ، فكان من وصف الذات الخبري ، وصف الإصبع ما يَجْرِي مَجْرَى البابِ ، باب الأسماء والصفات ، وهو باب التوقيف فلا يَثْبُتُ إلا بِنَصِّ الذكرِ الحكيم ، والأصل فيه : إثبات المعنى المطلق في الذهن وتفويض الكيف والماهية في الخارج فَهُوَ مما استأثر بعلمه رب الْبَرِيَّةِ جل وعلا .

فما شاء أقام فضلا فذلك ، أيضا ، من التعدي بالهمز في "أَقَامَ" ، وهو ما أُطْلِقَ فَاسْتَغْرَقَ ، كما تقدم ، سائر وجوه المعنى : إقامة علم وإقامة عمل ، إقامة باطن وإقامة ظاهر ، إقامة خاص من حال الفرد وعام من حال الجمع ، فالقلب يَقُومُ وهو يُقَامُ بما يمده به الرب الخالق ، جل وعلا ، من أسباب القيام والهدى فضلا ، فذلك شطر ، وثم آخر به استيفاء القسمة العقلية .
ومَا شَاءَ أزاغ عدلا ، وهو ، أيضا ، مما يتعدى بالهمز في "أَزَاغَ" فالقلب يَزِيغُ وهو يُزَاغُ بما أمده به الرب ، جل وعلا ، من أسباب الزيغ والضلال عدلا ، وهو ما استغرق ، أيضا ، سائر وجوه المعنى زَيْغًا في العقد وآخر في الشرع ، زَيْغًا في العلم وآخر في العمل ، زَيْغًا في العقد والشرع والسياسة والحرب والتجارة والزهد وسائر وجوه الاختيار ما بَطَنَ منه حركةَ جنانٍ وما ظهر حَرَكَةَ أركانٍ .
فكانت المقابلة بَيْنَ الشطرين وطباق الإيجاب بين الألفاظ "أقام" و "أزاغ" وكل أولئك آكد في تقرير المعنى وتوكيده إذ بِضِدِّهَا تَتَمَايَزُ الأشياء .

والله أعلى وأعلم .