اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: الحلم والأناة

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:02-12-2019
    الساعة:06:58 AM

    المشاركات
    4,890
    العمر
    41

    الحلم والأناة

    مما اطرد في طبائع البشر أن الأخلاق منها ما يكتسب بكثرة الممارسة ، فالصادق يكثر في كلامه الصدق فيكتب صديقا إذ يُصَدِّقُ وَيَمْتَثِلُ ، ويباشر الفعل مَرَّةً بعد أخرى حتى يصير له سجية ، فإنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم ، كما في الأثر ، فهو يهذب الطبائع بما يكون من الصنائع ، فصنائع المعروف تَثْقُلُ فلا يُطِيقُهَا كل أحد ، إلا من جُبِلَ عليها جَبْلًا ، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأشج عبد القيس رضي الله عنه : "يَا أَشَجُّ، إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ" ، فَنَادَاهُ نِدَاءَ التعظيم ، من وجه ، ونداء التنبيه من آخر ، فكان من التوكيد القياسي بالناسخ "إن" ، فضلا عن تقديم الظرف "فيك" فذلك آكد في الثناء على الأشج فمحله هو مناط الثناء ، وثم توكيد آخر في رواية : "إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ" ، ثم آخر بلام ابتداء مؤخرة فهي المزحلقة في "لَخِصْلَتَيْنِ" ، وثم إجمال وبعده البيان ، فذكر الخصلتين وهما مما نُكِّرَ لفظه فلا يخلو من إجمال أول ، أبان عنه الوصف "يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ" ، إذ الجملة بعد النكرة نعت ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، فيحبهما الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك مئنة من المحبة الشرعية فهي محبة المرسِل تَبَارَكَ وَتَعَالَى والمرسَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك من العطف الذي استغرق المرجع والمرد الذي إليه تُرَدُّ الْمُنَازَعَاتُ ، فهو الوحي كِتَابًا من عند الله وسنة من عند نَبِيِّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وبعد الإجمال كان البيان فَقَدْ تَشَوَّفَتِ النفس أن تدرك الخصلتين فهما مناط ثَنَاءٍ من المرجعين : الكتاب والسنة ، فكلاهما وحي منزل ، وإن تفاوتا في الرتبة ، فالأول كلام الله ، جل وعلا ، لفظا ومعنى ، وهو المتواتر الذي يفيد العلم الضروري يقينا جازما ، والثاني كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لفظا وإن كان معناه وَحْيًا ، ولو تقريرا ، فكان الإجمال ثم الإطناب بالبيان ، فَثَمَّ جواب لسؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما هاتان الخصلتان ؟ ، فكان الجواب : الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ ، فَثَمَّ حذف للمسند إليه وهو المبتدأ ، فهما الحلم والأناة ، أو : الخصلتان هما الحلم والأناة ، وذلك خبر يُثْنِي ثَنَاءَ الخيرِ ، وهو مئنة من الحث والحض ، أن احلموا وتأنوا ، سواء أكان ذلك جبلة فذلك فضل من الله ، جل وعلا ، وَمِنَّةٌ ، أم كان تكلفا فهو التَّؤَدُّبُ والتَّخَلُّقُ بما يحمد من الأوصاف وَيُكْتَسَبُ كَسْبَ الاختيار ، فكذلك الشأن في الصدق فهو مما يمرن عليه صاحبه ويدرج ، فيصدق الرجل مرة بعد أخرى وَيَتَحَرَّى الصدق ما استطاع حتى يصير له سجية ، فالأصل العام : إنما الخلق بالتخلق ، وتحته آحاد منها المنصوص ، كما في حديث الأشج ، رضي الله عنه ، وقد فطن فسأل : "أَنَا تَخَلَّقْتُهُمَا، أَوْ جَبَلَنِي اللهُ عَلَيْهِمَا ؟" ، فَثَمَّ إيجاز بالحذف ، فَقُدِّرَ الاستفهام صدر الكلام ، فَالتَّأْوِيلُ المتبادَرُ : هل أنا تخلقتهما ، أي اجتهدت في اكتسابهما ، فَتَعَدَّى العامل "تَخَلَّقَ" بنفسه ، وهو مئنة من التكلف بما كان من زيادة المبنى تضعيفا ، ولا يخلو تَعَدِّيهِ بِنَفْسِهِ أن يجري مجرى الحذف والإيصال ، فإن التخلق ابتداء مِمَّا يَتَعَدَّى بالباء فلو جَرَى الكلام على الأصل المطرد لقيل : أنا تَخَلَّقْتُ بِهِمَا ، لا تَخَلَّقْتُهُمَا ، فحذفت الباء إيجازا وكان الوصل ، كما في قول جرير :
    تمرون الديار ولم تعوجوا ******* كلامكم علي إِذًا حرام .

    فالقياس : تمرون بالديار .
    فَقُدِّرَ الاستفهام بأداة "هل" ، وذلك ما رجحه العطف بالأداة "أو" ، فلا تُقَدَّرُ الهمزة وإن كانت الأصل فذلك ما يصح بل ويجب إذا كان العطف بالأداة "أم" ، فكان من العطف ما اسْتَغْرَقَ شَطْرَيِ القسمة في هذا الباب ، فإن الأخلاق إما أن تكون طَبْعًا وإما أن تكون كَسْبًا ، وهو ما ورد في سياق آخر بلفظ : "جبلا جبلت عليه أو خلقا معي ؟" ، فلا يخلو ، أيضا ، من تقدير استفهام بالأداة "هل" ، فهل جَبْلًا جُبِلْتُ عليه ، فَقَدَّمَ المصدر المنصوب وَأَخَّرَ العامل الناصب وهو عامل الجبل الذي حُدَّ حَدَّ الماضوية المبنية لما لم يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، فَحُذِفَ الفاعل للعلم به ، بداهة ، وهو الله ، جل وعلا ، فهو الجابل للأبدان والأديان ، فذلك ما يجري ، كما تقدم مرارا ، مجرى الوصف الفعلي ، فباب الإطلاق فيه أوسع من باب الاسم ، فَكُلُّ اسم يحكي وصفا قد اشتق منه فاجتمعت فيه الدلالتان : العلمية على مسمى ، والوصفية لما يقوم به من معنى ، وهو ما اقْتَصَر على الرب الأعلى ، إذ أسماؤه محل الثناء بما اشتقت منه ، فليست أعلاما مجردة تدل على الذات دون ما تَحَمَّلَتْهُ مِنْ وَصْفٍ ، وليس عكسه يصح ، فباب الوصف أوسع ، ومنه وصف الْجَبْلِ ، فالله ، جل وعلا ، يجبل الْخَلْقَ على ما شاء من الأجرام وما يقوم بها من الأحوال ، فَجَبَلَ الأسباب أَنْ تُفْضِي إلى النَّتَائِجِ إذا اسْتُوفِيَتِ الشروط وَانْتَفَتِ الموانع ، وَجَبَلَ الأعيان كل على سَنَنٍ يطرد ، فَجَبَلَ الأجساد البشرية على ماهيات مخصوصة ، تَتَشَابَهُ في الأصل وإن استقل كل جسد بأوصاف تخصه ، فكان من اتحاد الأصل ما يدل على وحدانية الجابل ، وكان من اختلافها في خصائص ما يدل على حكمته وقدرته أَنْ يَبْرَأَ وَيُصَوِّرَ ، وَجَبَلَ النفوس على أخلاق فهي أديان يَنْتَحِلُهَا صاحبها ، فَثَمَّ من جُبِلَ على خلال الخير وتلك المنحة ، وثم من جُبِلَ على خلال الشر وتلك المحنة ، ولا يخلو كلاهما من ابتلاء ، فمن منح الخير فَثَمَّ تكليف أن يخرج به من القوة إلى الفعل ، ومن التصور إلى الحكم فتظهر آثاره في الخارج ، فيكثر الخير وإذا كَثُرَ قَلَّ ضده فتلك طبائع الأشياء إذ تَتَدَافَعُ ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بالشر فَثَمَّ تكليف أن يُدَافِعَهُ وَيَنْتَحِلَ ضده من الخير ، فيكون التكليف بِالتَّرْكِ فهو تطهير للمحل وتخلية قبل التحلية بخلال الخير ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، قياس العقل ، فَقَبْلَ التحليةِ تخليةٌ ، فكان من الجبل ما استغرق الأبدان والأخلاق ، الخير والشر ، فَثَمَّ من الأبدان ما جُبِلَ على القوة والصحة وذلك الأصل الغالب ، وَثَمَّ من الأديان ما جُبِلَ على الضعف والمرض وذلك الاستثناء النادر ، فذلك وصف الربوبية التامة ، إذ ثم قدرة عامة قد استغرقت سائر أجزاء القسمة ، وثم حكمة في تَدَافُعِهَا ، وثم من النفوس ما جُبِلَ على خلال الخير كما الأشج ، رضي الله عنه ، فَجُبِلَ على الحلم والأناة ، فَوَاجِبُ وقته أن تعمر هذه الخلال لسانَه وأركانَه بالصدق والعدل ، وَثَمَّ منها ما جُبِلَ على خلال الشر ، فَوَاجِبُ وقته أن يدافعها وأن يجتهد في تَهْذِيبِهَا وَتَطْوِيعِهَا أَنْ تَسْلُكَ جادة الرسالة ، فـ : "إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحُلُمَ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطِهِ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ" ، فثم مثال لعام ، فالخلق بالتخلق ، كما تقدم ، منه العلم والحلم ، فكان من الْقَصْرِ مَا أَفَادَ التَّوْكِيدَ والحصر ، وكان من المثال ما أَفَادَ التكلف ، فالتضعيف في "التَّعَلُّمِ" و "التَّحَلُّمِ" زيادة في الدلالة ، ولا تخلو الباء من دلالة السَّبَبِيَّةِ ، فالعلم يحصل بِسَبَبِ التَّعَلُّمِ ، والحلم يحصل بسبب التَّحَلُّمِ ، ولا تخلو الباء ، مع ذلك ، من دلالة المصاحبة ، فالعلم نتيجةٌ تُصَاحِبُ التَّعَلُّمَ فهو المقدمةُ التي بها تستجلب النتيجة استجلاب المعلولِ بِعِلَّتِهِ ، فهو يدور معها وجودا وعدما وَبَيْنَهُمَا من الاقتران ما يضاهي المصاحبة ، فَاجْتَمَعَتْ في الباء الدلالتان : السببية والاستصحاب على حد التلازم ، وهو ، كَمَا تَقَدَّمَ مِرَارًا ، مما يستأنس به من يُجَوِّزُ دلالة العموم في اللفظ المشترك إذ اجتمع فِي الْمَبْنَى الواحدِ أَكْثَرُ مِنْ معنى فاجتمع في الباء : السببية والمصاحبة ، على حد التلازم ، فَلَازِمُ السببية الاقتران والمصاحبة ، إذ السبب يقارن المسبَّب وإن تقدمه في الوجود فهو الجالب له ، فَبَيْنَهُمَا من الاقتران والمصاحبة ما قد دَلَّ عليه العقل ضرورة ، وإن دل ، من وجه آخر ، على تَفَاوُتِهِمَا في الوجود والرتبة ، خلافا لمن زعم أن العلة تقارن المعلول في الوجود ، فجعل التفاوت بينهما في الرتبة لا في الوجود ، فالعلة تَتَقَدَّمُ المعلول فهي مِمَّا يمهد به بين يديه ، فالأكل ، على سبيل المثال ، سبب في حصول الشبع إذا استوفيت الشروط وانتفت الموانع كعلة في الحس تحول دون الشبع ، كما يضرب أهل الشأن المثل بالفراغ والملل فَهُمَا ما يصرفان صاحبه في أحيان أن يَشْغَلَهُ بالطعام والشراب ! عوضا من حَرَكَةٍ تَنْفَعُ في علم أو عمل فيكون الاشتغال بما يضر من فضول الطعام والشراب وهما مما منه الداء يَتَرَكَّبُ ، فذلك مما ينشأ عليه الناشئ فلكلٍّ وَجْهُهُ في ملءِ الفراغ وطرد الملل ، فَثَمَّ من يملؤه بالنوم فِرَارًا يضاهي ، في أحيان ، ما يصنع المخدر في العقل إذ يغيبه ويزيله لا على وجه يشرع بل ذلك من الجنس المحرم إلا لضرورة تلجئ ، فكذلك الإفراط في النوم فهو مما يجري ، من وجه ، مجرى الجنس المكروه إذ يُفْرِطُ صاحبه في المباح ، وقد يُفْضِي به إلى المحرم فالمكروه ذريعته ، فيكون من النوم ما يذهل به العقل فلا يفطن لتكليف الشرع فلا يسقط الإعلام به حال الغيبة ، غيبة العقل فالمحل ثابت والتكليف إليه يتوجه ، وإنما سقط لعارض يمنع وهو النوم فخوطب به خطاب الإعلام ، فإذا استيقظ كان خطاب الإلزام ، فمن أَفْرَطَ في النوم فمآله أن يُفَرِّطَ في التكليف الملزِم مع عدم سقوط الخطاب المعلِم ، فيكون من تفريطه إذ يخلد إلى النوم بلا حاجة ، ولا يكون من ذهاب نفسه ما يجري مجرى الغلبة فلا يطيق دفعه كمن جهد جهدا يزيد على العادة ، والأصل فيه الخبر المأثور وفيه : "«أَلَا رَجُلٌ صَالِحٌ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ؛ لَا نَرْقُدُ عَنِ الصَّلَاةِ» . فَقَالَ بِلَالٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَاسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْفَجْرَ فَلَمْ يَفْزَعُوا إِلَّا بَحْرِ الشَّمْسِ فِي وُجُوهِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا بِلَالُ، أَيْنَ مَا قُلْتَ؟» فَقَالَ بِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ بِنَفْسِيَ الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، ثُمَّ اقْتَادُوا شَيْئًا، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ" ، فَقَضَى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مَا فَاتَهُ مِنَ الْفَرْضِ ، وَقَضَى معه أصحابه ، ولم يكن ذلك ، بداهة ، سنة تَطَّرِدُ في جميع أحوالهم أو غالبها ، فَلَيْسَ مَنْ يَفُوتُهُ فَرْضٌ لخطأ أو نسيان أو زوال تكليف بسبب يشرع بالنظر في أصله كالنوم ، ليس ، بداهة ، كَمَنْ تَفُوتُهُ فرائض كثيرة ، ولو بأمور أصلها مباح كالنوم فلا ينفك إذا أفرط فيه صاحبه أن ينقلب مكروها لا يلبث أن يصير ذريعة إلى المحرم بما يكون من فوات فرائض كثيرة لا يحترز صاحبها بل لا يكترث فهو يكثر من النوم ولا يتحرى سبب اليقظة ليمتثل تكليف الشرعة .
    والشاهد في باب السببية ، ما تقدم من الاقتران لا على حد التساوي التام بل العلة تسبق المعلول كما تقدم من مثال المطعوم والمشروب فالأكل سبب في حصول الشبع إذا اسْتُوفِيَتِ الشروط وَانْتَفَتِ الموانع ، ومنها المحسوس كما تقدم من الْفَرَاغِ الذي لا يُبَاشِرُ صاحبه ما يَنْفَعُ فَهُوَ يَتَلَهَّى بما يطعم ويشرب ، أو ما يكون من نقص في أمور ، كقلة الشرب ، فلا يشرب من الماء ما يملأ الجوف فيكون من الفراغ ما به يُسَارِعُ الجوع طَلَبًا لِشَغْلِهِ ، أو نَقْصٍ يضاهيه فِي بَعْضِ ما يُشْبِعُ من مطعوم فهو يشعر صاحبه بالامتلاء كالألياف وما شابه ، أو غفلة وإهمال لوجبة البكور وهي ما اصطلح أنه الفطور فمن يهملها فالجوع إليه يسارع ، أو تَعَاطٍ لبعض ما لا ينفع من المطعوم التافه وإن أحدث لذة وأعطى الجسد بعض ما يحتاج من السكر فلا ينفك يقل في الدم الجاري فَيُسَارِعُ صاحبه أن يَأْكُلَ مَرَّةً بَعْدَ أخرى لِيَسُدَّ الحاجة التي تَطْرَأُ ، وكذلك الشأن في قِلَّةِ النوم فهي مما به يسارع الجوع إذ تَتَخَلَّفُ بعض المركبات التي تُؤَثِّرُ في حدوث الشبع حال نقص النوم أو اضطرابه ، ومثله ما يكون من حال المرأة قبل الحيض فيكون اعتلال المزاج والإفراط في الطعام والشراب ، وكذلك ما يكون من عدوى في البطن فالطفيل يَغْتَذِي على ما يطعم الطاعم فيسارع إليه الجوع إذ ثم مَنْ يُشَاطِرُهُ غذائه بلا كلفة ، وتلك حال تجاوز الحس إلى المعنى كما يضرب المثل بحال المستبد أو الظالم في ولاية خاصة أو عامة فهو كائن يَتَطَفَّلُ على غيره بما يستلب من حقه كرها فيستعمل الولاية استعمال الطفيل فيحوز من حقوق الخاصة أو العامة ما ليس من حقه ، فيحصل له الجاه والغنى بلا كلفة كما يحصل الغذاء للطفيل بلا كلفة ، فالجنس واحد وإن تفاوتت آحاده في الحس أو المعنى .

    فثم موانع تحول دون الشبع وهو المعلول ، وإن كان الأكل وهو العلة ، فمنها المحسوس ، كما تقدم ، ومنها المعقول كمحق الْبَرَكَةِ في الأكل المحرم سواء أكانت حرمته لِذَاتِهِ فهو نجس كالخنزير أو الكلب وسائر ما يُنْهَى عنه من الأعيان النجسة أو الخبيثة التي تضر أم كانت حرمته من خارج كالمغصوب والمأخوذ كرها ولو بسيف الحياء ، وكذلك الشأن فِيمَا لَمْ يُسَمِّ صاحبه عليه حالَ الذبح أو الأكل فلا تنفك بَرَكَتُهُ تمحق فَيَطْعَمُ منه الطاعم ولا يشبع .
    فكان من الاقتران بَيْنَ العلة والمعلول ما زَادَ الباء في الخبر آنف الذكر : "إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحُلُمَ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطِهِ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ" ، ما زَادَهَا معنى المصاحبة فَضْلًا عن التعليل ، فَذَكَرَ التَّعَلُّمَ وَالتَّحَلُّمَ ، وذكرهما ، من وجه ، يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، وهو معنى التخلق تكلفا لاكتساب خُلُقِ بِعَيْنِهِ ، فَيُقَالُ من باب الطرد للعام في سائر الأخلاق والأحوال ، يقال : وإنما الصبر بالتصبر والعفة بالتعفف ...... إلخ ، ولا يخلو السياق من تكرار للقصر وأداته "إِنَّمَا" وذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى الإطناب في اللفظ فَيُفِيدُ التوكيد للمعنى إذ زيادة المبنى ، كما تقدم مرارا ، مئنة من أخرى تضاهيها في المعنى ، ولا يخلو القصر وقد حُدَّ بأضعف الأساليب ، لا يخلو أن يجري مجرى البدائه التي لا تحتاج إلى نظر يزيد فيحصل التنويه بأدنى قدر من التوكيد .
    وبعده كان مِنَ التَّحْرِي ما يجري مجرى التَّكَلُّفِ فهو مئنة من إرادة جازمة يَحْرِصُ صاحبها على بُلُوغِ المرادِ ، وهو مَا حُدَّ حَدَّ الشرطِ مَئِنَّةً من كمال التلازم بَيْنَ شَطْرَيْهِ ، ولا يخلو من دلالة عموم تجاوز وضع اللسان إذ اسم الشرط مما ذُكِّرَ لَفْظُهُ وَأُفْرِدَ ، وَزِيدَ في معناه ما يستغرق جميع أفراد العام لِقَرِيَنةِ العموم في خطاب التكليف فتلك ، كما تقدم مرارا ، دلالة التغليب ، وثم مقابلة بين الشطرين ، شطري القسمة في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطِهِ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ" ، فَبِهِمَا اكتمال الصورة المعقولة في الذهن ، فثم مقابلة بين الشطرين ، وثم طباق بين الألفاظ ، فثم تكلف في التحري يطابقه آخر في التوقي ، فالأول طلب والثاني دفع ، وبهما اكتمال الحركة الإرادية في الجنان على حد التلازم فَيَتَوَقَّى الشر ابْتِدَاءً أو يدفعه إن حصل ، إذ درء المفاسد يقدم على جلب المصالح ، فلا يخلو من تطهير للمحل وتخلية ، ولا بد له ، بعد ذلك ، من تزيين وتحلية بالضد ، فلا يكون المحل أبدا شاغرا فإن شغر من الباطل فلازم ذلك أن يُشْغَلَ بضده من الخير فيكون تحري الخير لازما من لوازم تَوَقِّي الشر ، إذ نَفْيُ الشيء يستلزم إثبات ضده ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، وكذلك الشأن في تحري الحق ، فإن لم يَتَحَرَّهُ صاحبُه شَغَرَ المحل فاشتغل لزوما بضده من الشر ، فاطرد الحكم وانعكس على وجه يواطئ الدلالة العقلية الصريحة التي يَرْفِدُهَا الطباق آنف الذكر بين الأضداد ، فالتحري والتوقي ، والخير والشر ، فمن يتحرى الخير يعطه ، وذلك ما قد عَمَّ ، فدلالة "أل" في "الخير" مئنة من عموم يستغرق سائر أجناس الخير وأنواعه وآحاده في الخارج ، فَثَمَّ الخير الباطن من العلم النافع وما يحصل به من تصورات وإرادات نافعة إن إرادة الفعل للخير أو إرادة التَّرْكِ للشر ، وما يكون من حركات الجنان حبا للمشروع وبغضا للمحظور ، ورجاء وتوكلا واستعانة واستغاثة وإنابة ..... إلخ ، وهو ما تظهر آثاره في الخارج من الخير في القول شهادة وذكرا ، والعمل فعلا وَتَرْكًا ، ما خَصَّ الفرد وما عَمَّ الجماعة ، فكل أولئك مما يدخل في عموم "أل" في "الخير" فهي البيانية الاستغراقية التي تُبِينُ عن ماهية المدخول ، من وجه ، وتستغرق آحاده من آخر ، وهي ، لو تدبر الناظر ، دلالة تعم حتى تستغرق الدين كله ، وكذلك يقال في الشطر الثاني ، فَمَنْ يَتَوَقَّ الشر يُوقَهُ ، فدلالة "أل" في "الشر" مئنة من العموم الذي يستغرق ما بَطَنَ مِنْ شَرِّ التصور شركا وكفرا وتعطيلا وتأويلا وتكييفا وتمثيلا في الإلهيات ..... إلخ ، وما بطن من شر الإرادات وسائر الحركات المحظورة من ولاءٍ للكفرة والفجرة وَبَرَاءٍ من الكرام البررة ...... إلخ ، وذلك ، أيضا ، مما تظهر آثاره في الخارج ، في القول والعمل ، فيكون من شر القول كفرا وشركا وسبا وفحشا ..... إلخ ، ويكون من شر العمل إن فعلا لمحظور أو تركا لمأمور على وجه يقدح تارة في الكمال الواجب وأخرى في الأصل الجامع كما يضرب المثل مِرَارًا بِتَرْكِ الصلاة التَّرْكَ المطلقَ وَتَرْكِ التحاكم إلى الوحي المنزَّلِ تعطيلا لمناطه التعطيلَ العامَّ وإن آمن أنه وحي فلا ينفعه ذلك إلا أن يُصَدِّقَ القولَ بالفعل فيحكم به في كل ما يَنْزِلُ به من نَوَازِلَ خاصة أو عامة ، فيكون الحكم الناجز في مواضع التَّنَازُعِ ، فذلك شرط الإيمان المجزئ ، فـ : (لَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .

    ولا يخلو عامل التوقي أن يجري مجرى الاستعارة : استعارة المحسوس للمعقول فَوَاقِي الحس قد استعير لنظيره في المعنى وبه تقريب الحد في الذهن ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن الجنس ابتداء واحد فهو يتناول كلا الوجهين تناولا واحدا بأصل الوضع الأول ، فلا استعارة ، وإنما يجري الأمر مجرى العام ذي الآحاد في الخارج ، ودلالته عليها دلالة واحدة لا يرجح فيها ابتداء وجه على آخر فيكون الأول ظاهرا راجحا ، والثاني مؤولا مرجوحا بل يستغرقهما جميعا استغراقا واحدا ، فَتَارَةً تكون الدلالة محسوسة وأخرى تكون معقولة والسياق هو القرينة التي تُعَيِّنُ مراد المتكلِّم .



    وَالْقِيَاسُ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، أن الْخُلُقَ بِالتَّخَلُّقِ ، فالصدق ، وهو مثال آخر ، الصدقُ يكون بِالتَّصَدُّقِ الذي يَسْتَغْرِقُ سَائِرَ الجوارح ، فَثَمَّ تَصَدُّقُ اللسانِ بالكلم الطيب شهادةً وَذِكْرًا ، وَثَمَّ تَصَدُّقُ الجنان بالإرادةِ وَالتَّوَكُّلِ ، وَثَمَّ تَصَدُّقُ الأركانِ بِصَنَائِعِ المعروفِ ، والسعيِ فِي إغاثة الملهوف وقضاء حوائج الخلائق بما شَرَعَ الرَّبُّ الخالق ، جل وعلا ، مع التجرد فلا يطلب الجزاء ولا الشكور ، فـ : (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) ، فَذَلِكَ ، لو تدبر الناظر ، من القصر الذي يفيد التوكيد والحصر ، ولا يخلو ذكر الإطعام أن يجري مجرى المثال لعام وهو فعل الخيرات جميعا ، وقد حُدَّ حَدَّ المضارعة استحضارا للصورة ، من وجه ، واستقبالا به اتصال الظرف ، ظرفِ التكليف فذلك مما أحكم فلا ناسخ له ، إن زمنَ الرسالة فهو مما خَلُصَ فِيهِ وجه الحسن فلا يُتَصَوَّرُ فيه النسخ ، أو بعدها فهو محكم كسائر الأحكام ، وإن احتملت النسخ زمنَ الرسالة فقد انْقَطَعَ الوحي وَأُحْكِمَ الشرعُ فلا ناسخ إذ لا يكون نسخ إلا بدليل مُنَزَّلٍ ، من الآي أو الخبر ، ولا يكون نسخ إلا بدليل مخصوص يدل على الوقوع فلا يثبت بالاحتمال وكل أولئك مما انقطع بقبض صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
    فَذَكَرَ الإطعام خاصا لا يخلو من دلالة عموم بالنظر في اسْتِغْرَاقِ معنى الإحسان فهو يَعُمُّ الإطعام وغيره ، فلا نَفْعَلُهَا رَجَاءَ الجزاء والشكور من الخلق ، وإن حُمِدَ ذلك إن لم يكن الأصل فهو من عاجل البشرى مَئِنَّةً من محبة ذي العزة ، جل وعلا ، وتلك غاية العاقل ، لَوْ فَقِهَ ، فإن رِضَى الخالق ، جل وعلا ، هو الوسيلة إلى ثوابه ، فَتَعْظُمُ المنة بما تَوَاتَرَ من أجناس النعمة ، فنعمة النفوس أن يُحِبَّهَا الله ، جل وعلا ، ويقربها ، ويرفع درجتها ، ويرفع ذكرها في الأولى والآخرة بأوصاف الثناء وخلال الخير التي امتن بها طبعا أو كسبا ، فَثَمَّ مَنْ مُنِحَ ابتداء ، فأحسن القول والعمل واجتهد في الكسب لصنائع الخير ، وثم من امتحن بخلال تسوء ، فهو يجاهد أن تَزُولَ ، فَأَجْرُهُ قد يرجح من هذا الوجه ، إذ من جاهد ودافع فَقَدْ عالج ما لم يعالج المعافى ، فالعافية نعمة ، والابتلاء محنة يمتن فيها الرَّبُّ ، جل وعلا ، بجملةِ أَلْطَافٍ ، فيكون من الصبر والمعونة ما به يخف الحمل ويهون الخطب ، فلا يريد صانع المعروف الجزاءَ المعجَّل ولا الشكور المزوَّر الذي تجتهد النفوس في حده ، فَوَجْهُ الله ، جل وعلا ، هو الغاية العظمى وما دونه فهو البشرى ، كما تقدم ، فكان من الإضافة إلى اسم الله ، جل وعلا ، في "لِوَجْهِ اللَّهِ" ما يحتمل ، فالسياق قد يُرَجِّحُ إضافةَ المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، فهو ثوابه ، وثوابه مخلوق ، فذلك ما يصح في المعنى على وجه لا يَسْتَلْزِمُ ما الْتَزَمَ النفاة والمعطلة أَنْ تَأَوَّلُوا وصفَ الوجهِ ، وهو من وصف الذات الخبري ، أن تَأَوَّلُوهُ بِالثَّوَابِ فذلك التعطيل ، فلا يَلْزَمُ مِنْ حَدِّهِ بالثواب في هذا الموضع لقرينة السياق ، لا يَلْزَمُ منه نَفْيُ الوجهِ ، وصفَ ذاتٍ خبري ، بل مِنْ أعظم الثواب رؤية الله ، جل وعلا ، والنظر إلى وجه الكريم ، بل هو أعظم الثواب ، لو فَقِهَ أولو الألباب ، فتلك لذة عظمى لا تعدلها لذة إذ لذة العلم هي أشرف اللذات ، والمعلوم في هذه الحال هو أشرف معلوم فالعلم أشرف أجناس اللذة ، والرؤية أعظم آحادها ، فاجتمع لها من الشرف ما اجتمع ، فالوجهان ثَابِتَانِ ، فوجه الله ، جل وعلا ، وَصْفُهُ وَصْفَ الذات الخبري ، من وجه ، وهو ثوابه ، من آخر ، والسياق يَتَصَرَّفُ فيهما بِمَا يواطئ مُرَادَ المتكلمِ ، فالسياق ، كما تقدم مرارا ، أصل في دَرَكِ مراد المتكلم ، وثم من التعليل القياسي ما زَادَ فِي الْبَيَانِ ، فاللام في "لِوَجْهِ اللَّهِ" لام جر في اللفظ ، تعليل في المعنى ، وبعده كان الاستئناف بالنفي على وجه يجري مجرى التلازم في قوله تعالى : (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) ، فإن من ابتغى وجه الله ، جل وعلا ، فلا يطلب الجزاء ولا الشكور من غيره ، وهو ، أيضا ، مما يجري مجرى الاحتراز ، فصاحبه يريد وجه الله ، جل وعلا ، وذلك مِمَّا قد يَتَطَرَّقُ إليه الاحتمال فهو يريد معه حظا آخر من حظوظ الدنيا فجاء النفي ختام الآية يَرْفَعُ هذا الاحتمال فجرى مجرى الاحتراز الذي به خلوص القصد والنية ، ولا يخلو من عموم بالنظر في الدلالة القياسية : دلالة النكرة "جزاء" و "شكورا" فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ، ولا يخلو السياق ، أيضا ، من إطناب بِتِكْرَارِ المبنى ، مبنى الأداة النافية "لا" ، فذلك مئنة من آخر يضاهيه في المعنى ، فالتكرار مِنْ طَرَائِقِ التَّقْرِيرِ والتوكيد في اللسان ، وهو مما اطرد في خطاب الوحي المحكم ، بل واستعمله من استعمله من الساسة والخطباء ليجمعوا الناس على كلمة سواء ، صحيحة أو باطلة ! ، فكان من التوكيد ما اشتهر في هذا الباب ، فالخطيب يؤكد إذ يكرر ، فلا يزال يُلِحُّ بِمَا يَقُولُ حتى يحصل في الذهن وإن لم يكن له في الخارج وجود يصدق ، فحصل في ذهن المخاطب فردا أو جمعا ، فلا يمتاز باطله من حقه إلا أن يكون ثَمَّ مرجع من الوحي فهو المحكم الذي إليه يُرَدُّ مَا تَشَابَهَ من كلام الساسة والخطباء ، وإن أَجَادُوا النطق وَزَيَّنُوهُ بزخرف القول يَغُرُّ ، فلا يُبْطِلُ شبهته ويدحض حجته إلا الوحي فَابْتِدَاؤُهُ وَتِكْرَارُهُ وَتَوْكِيدُهُ وسائر بَيَانِهِ ، كل أولئك هو الحق المحكم الذي يقضي فيما تشابه من غيره .

    فالجبل ، كما تقدم ، جنس يستغرق ، والله ، جل وعلا ، هو الجابل ، فحذف الفاعل في سؤال الأشج : "جَبْلًا جُبِلْتُ عَلَيْهِ، أَوْ خُلِقَا مَعِي؟" ، حُذِفَ للعلم به ، بداهة ، وسؤاله قد استغرق شطري القسمة : جبلا أو خلقا ، طبعا أو كسبا ؟ ، فكان جواب النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : لا بل جبلا جبلت عليه ، فَعَيَّنَ شطرًا دون آخر ، فإثباته يَنْفِي ضده كما اطرد في بدائه النظر ، ولم يطنب بذكر الجابل ، فكان الجواب من جنس السؤال ، وهو ما قد أبان عنه في سياق آخر ، فأظهر اسم الرب الخالق ، جل وعلا ، فـ : "بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا" ، فكان من الإضراب انتقالا من السؤال إلى الجواب ، ولا يخلو من توكيد قياسي قد اطرد ، فاسمية الجملة مئنة من الديمومة والثبوت ، والإطناب في الخبر إذ حُدَّ جملةً ولا تخلو ماضويته في "جَبَلَكَ" من تقرير للمعنى ، فأجاب الأشج بقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فثم تأول للأمر أن : (اشْكُرُوا لِي) ، و : (اشْكُرُوا لِلَّهِ) ، و : (اشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ) ، و : (اشْكُرُوا لَهُ) ، فحمد الله ، جل وعلا ، وأطنب بالوصف على حد الوصل "الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ" وهو ما يُبِينُ عن العلة ، وإن استحق رب العزة ، جل وعلا ، الحمد ، أبدا ، فهو المحمود في كل حال إن أعطى فهو الفضل ، وإن منع فهو العدل ، فَحُمِدَ بالقدرة والحكمة والكرم وَسَائِرِ الأوصاف الكاملة التي جاءت بها الشرعة الخاتمة في باب الأصل فيه التوقيف على وجهٍ يُوَاطِئُ قِيَاسَ العقل الصريح ، فأطنب بالوصل مَئِنَّةً من التعليل فمناط الحمد ما امتن به ، جل وعلا ، من الجبل على أخلاق تحمد ، يحبها الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهي تُوَاطِئُ صحيحَ الشرعة فلا تخالف عن صريح الفطرة ، ولا يخلو ذلك ، بداهة ، من تنويه بهذه الخلائق المحمودة ، وهو ما يستوجب في الدلالة الحض على امتثالها ، فلا تخلو الدلالة الخبرية من أخرى إنشائية تأمر على حد الإيجاب ، فذلك الأصل ، والإرشاد والنصح ، فذلك آخر يَزِيدُ في الدلالة ، فتأويل الكلام : تخلقوا بالحلم والأناة تَنَالُوا محبة الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذلك مما تحسن به العاقبة في الأولى والآخرة .
    ومحبة الله ، جل وعلا ، من كمال الإخلاص ، ومحبة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كمال المتابعة فاستغرق السياق إذ أطنب ، استغرق شطري الشهادة وشطرى العبادة إخلاصا في القصد والنية ومتابعة في الوصف والماهية .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 13-11-2019 في 08:14 PM

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •