ومن قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) ، فَثَمَّ صلاة الرحمة وهي ما تَرَجَّحَ في هذا الموضع إذ السياقُ قَدْ رَجَّحَ الدلالةَ اللغوية الأعمَّ دون الدلالة الاصطلاحية الأخص ، وهو ما حُدَّ حَدَّ المضارعة في "يُصَلِّي" استحضارا للصورة ، من وجه ، ومئنة من دَيْمُومَةٍ وَاتِّصَالِ زمانٍ ، من آخر ، ولا يخلو السياق من جمل تَوْكِيدٍ قياسية ، فَثَمَّ اسمية الجملة ، ولا تخلو من دلالة تعليل على وَجْهٍ استوجب التقدير ، تَقْدِيرَ سُؤَالٍ قَدْ حُذِفَ فَدَلَّ عليه السياق اقتضاءً إذ تقدير الكلام : (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، فكان السؤال عن العلة ؟ ، ولم يكون التسبيح الذي استغرق شطري القسمة الزمانية ، فَعَمَّ الظرف كله بكرة وأصيلا ، فكان الجواب : لأنه هو من يصلي عليكم وملائكته ، فَحُذِفَ صدر الجواب لام الجر التي دخلت على المصدر الذي انسبك من "أَنَّ" وما دخلت عليه من الجملة ، على تقدير : لصلاته عليكم هو وملائكته ، فذلك ما استوجب الذكر الأعم في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) ، فكان النداء الذي خُصَّ بِهِ المؤمنون وَإِنِ اسْتَغْرَقَ غيرهم على ما تَقَدَّمَ مِرَارًا من دلالة العموم في خطابِ التكليفِ فهو يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ المحال إن بالقوة أو بالفعل ، فالمؤمن يُكَلَّفُ بالفعل والكافر يُكَلَّفُ بالقوة ، قوة النظر والاستدلال وقوة التأله والامتثال فتلك ضرورة علمية ملجئة يجدها كل أحد في نفسه وإن جَحَدَ مَا جَحَدَ استكبارا في الأرض ، فلا يخلو من أحوال بها تَنْطِقُ الفطرة وإن كَابَرَ صاحبها فَأَنْكَرَ الشرعة ، فذلك نداء قد استغرق ولا يخلو من دلالة إلهاب يُهَيِّجُ ، فإن قصر الخطاب على من آمن تعريض بغيرهم بوصف ضِدَّ وصفهم وهو الكفر ، وإن لم يَلْزَمْ من ذلك أَنَّ كُلَّ مَنْ غَفَلَ عَنِ الذكر كافر بل ثم من الغفلة ما يُذَمُّ ولكنه لا يَبْلُغُ بِصَاحِبِهِ حَدَّ الكفر الأكبر الناقل عن الملة فتكون غَفْلَتُهُ عِصْيَانًا لا كفرانا ، فهي تَقْدَحُ فِي الكمال الواجب دون الأصل الجامع .
فالكفران معنى يذم في طرائق النقل والعقل جميعا ، فهو جحد شكر المنعِم الذي تفضل بالآلاء والمنح ، فإنكارُ شُكْرِهِ مَعَ وُفُورِ نعمته وجريان آحادها سابغةً قد عَمَّتِ الباطن والظاهر ، ذلك مِمَّا اسْتُقْبِحَ ضرورة لا يماري فيها إلا جاحد أو مسفسط .
فكان الأمر أن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) ، وذلك ما عم بإطلاق العامل ، عامل الذكر "اذْكُرُوا" فاستغرق سائر الأذكار المشروعة سواء أكانت مما نَصَّ عليه الوحي بمقادير مخصوصة تجري مجرى التوقيف وذلك الأصل في العبادات ومنها الذِّكْرُ ، فَثَمَّ منه مقادير منصوصة منها الفرض كما يضرب المثل بالفاتحة أم الكتاب فهي ، كما يقول أهل الشأن ، رُكْنٌ قَوْلِيٌّ من أركان الصلاة ، فَمَثَلُهَا كَمَثَلِ التكبير الأول ، تكبير الإحرام الذي به المكلَّف في الصلاة يَدْخُلُ ، والتسليم الآخر ، وبه التحلل من الفرض والنفل ، فَيُفَارِقُ صاحبه الماهية الاصطلاحية المخصوصة وفيها كان التحريم العارض لكل ما هو من عمل الدنيا قولا أو فعلا ، فالتسليم قد نسخ هذا التحريم العارض على تَجَوُّزٍ في إطلاق النسخ في هذا الموضع ، فإن الحكم لم يُنْسَخْ بداهةً النسخ الاصطلاحي المعهود في الأصول ، فذلك رَفْعٌ مُؤَبَّدٌ والتسليم لا يَنْسَخُ ما قبله على حد التأبيد وإلا لَزِمَ من ذلك أن من صلى صلاة ثم سَلَّمَ قَدْ سَقَطَ عنه تكليف الصلاة أبدا ! ، ولا يقول ذلك عاقل يفقه ضرورات التكليف الملزِم الذي يتكرر إذا حصل شرط إيجابه من دخول الوقت فَتِلْكَ علامة الإيجاب الذي يجاوز حد المرة التي بها تحصل الماهية الاصطلاحية ، فَثَمَّ مَنْ نَفَى دلالة الأمر في أصل الوضع على التكرار ، فلا يدل إلا على طلب الإيقاع مرة ، إيقاع الماهية الاصطلاحية الأخص على وجه تُصَدِّقُ به الحقيقةَ في الخارج مُطْلَقَ التَّصْدِيقِ فَلَا يُشْتَرَطُ تكرارها فذلك ما لا يكون إلا بدليل من خارجها فالأصل عدمه فَتُسْتَصْحَبُ بَرَاءَةُ الذمة حتى يَرِدَ الدليل الناقل عنها وهو ما به اشتغال الذمة بالتكليف أخرى بعد أخرى ، فكان الدليل في موضع آخر من التنزيل ، في قوله تعالى : (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) ، كان النَّاقِلَ الذي رفع الإجزاء بصلاة واحدة بها حصول الماهية الاصطلاحية في الخارج ، كان النَّاقِلَ الذي رَفَعَ الإجزاء بها فَقَدْ تَكَرَّرَ إيجابها بحصول شرطها من الوقت الذي يَتَكَرَّرُ فحصل الإيجاب ، من هذا الوجه ، فتلك قرينة من خارج ماهية الصلاة ، فالشرط يمتاز من الحقيقة أنه يكون من خارجها فيستصحب حَالَ أَدَائِهَا ، فهو لازم في ثبوتها وإن لم يكن جزءا منها كما الركن فهو جزء من الماهية والحد ، فحصل الإيجاب ، إيجاب التكرار ، حصل بالقرينة نصا في باب الأصل فيه التوقيف ، فلا عبادة إلا بدليل ، كما يقول أهل الشأن ، وإلا استصحب العدم الأصلي في التكليف الشرعي ، فالأصل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ حتى يرد ما يشغلها ، والدليل على عدم التكليف بالزيادة ، الدليل : عدم الدليل وهو ما يُسْتَصْحَبُ حَتَّى يَرِدَ الدليل الناقل فإن وَرَدَ فَثَمَّ علم زائد يوجب الانتقال إليه من الأصل المستصحَب بادي الرأي ، فكان العلم الزائد بما تَقَدَّمَ من الكتاب الموقوت في القرآن المنقول بالتواتر : (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) ، وهو ما أُجْمِلَ فَلَا يَنْفَكُّ يَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ به زوال الإجمال ، فكان بَيَانُ الشرع المنقول آحادا إذ أبان عن مواقيت الصلاة المكتوبة ، وأبان عن مواقيت أخرى كالعيدين والكسوف والخسوف ، فمنه ما يشرع بتكرارٍ يَنْتَظِمُ كما المكتوبات ، ومنها ما يُشْرَعُ لطارئٍ يَفْجَأُ كما الكسوف والخسوف .
والشاهد أَنَّ الذِّكْرَ قَدْ أُطْلِقَ عَامِلُهُ في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ) ، فمنه ما نَصَّ عليه الوحي سواء أكان فرضا كالفاتحة ، أو واجبا كالتكبير سوى الإحرام والتسبيح المخصوص في الركوع والسجود ، أو مندوبا كسائر الأذكار ومنها ما نَصَّ عليه الوحي في مواضع من العبادات كما شُرِعَ مِنَ الأدعية بعد الْفَرَاغِ مِنَ التَّشَهُّدِ أو أخرى في الركوع والسجود والقيام ، أو أخرى من العادات كأذكار النوم والأكل والمباضعة ...... إلخ ، وهو ما يستغرق سائر الأحوال سواء أكان وَجْهُ العبادةِ فِيهَا نَصًّا أم روحا ، روح تَشْرِيعٍ جامعة بها امتازت الملة الخاتمة .
فكان مِنَ الأمر مَا أُطْلِقَ في قوله تعالى : (اذْكُرُوا اللَّهَ ) ، وهو ، من وجه آخر ، مِمَّا قُيِّدَ فلا يشرع على حد الإطلاق في كل موضع بل ثم من الهيئات المخصوصة المحدثة ما افتقر إلى أدلة محكمة ، فكان التحكم زيادة بلا دليل يشهد في موضع توقيف ، فلا بد لهذه الزيادة من دليل وإلا كانت تحكما بالهوى والذوق كما في سائر المحدثات في القول والعمل ، فكان من الأمر ما أُطْلِقَ فلا يخلو من القيد في مَوَاضِعِ التوقيف فلا بد من دليل وإلا كانت الزيادة المحدثة ولا تحصل إلا وقد ارْتَفَعَ نَظِيرُهَا من الذكر المشروع إذ بِقَدْرِ مَا يُحْدِثُ الناس من البدع يكون ارْتِفَاعُ نظائرها من السنن ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما يجاوز الذكر إلى سائر أحكام الشرع ، فما عُطِّلَ شَرْعٌ مُنْزَلٌ إلا وَاسْتُبْدِلَ بِهِ مَا يُضَاهِيهِ مِنَ الوضع المحدَث ، وهو ما قد يَبْلُغُ بصاحبه في مواضع أن يمرق من الدين الجامع إذ قَارَفَ ناقضا من نواقضه أَنْ عَطَّلَ مناط الشرع واستبدل به مناط الوضع فيدخل ، من هذا الوجه ، في عموم الجواب في قول رب الأرباب جل وعلا : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، وهو ما يحمل على الجنس الأكبر فذلك ، أيضا ، أصل يستصحب في باب الأسماء والأحكام ، فإذا أُطْلِقَ اللقب اسْتُصْحِبَ منه الجنس الأكبر حتى يَرِدَ الدليل الناقل إلى نظيره من الجنس الأصغر الذي لا يَنْقُضُ الأصلَ الجامع وإن قَدَحَ في الكمال الواجب .
فكان من قيد التوقيف في باب الأذكار ما قَيَّدَ العموم آنف الذكر : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) ، وهو تكليف قد عم ، من وجوه ، إن بالنظر في إطلاق العامل "اذْكُرُوا" وهو ما يستغرق ذكر الجنان تصديقا ، وذكر اللسان شهادة توحيد أول فهي الدليل على ما حصل في الجنان من صورة التصديق والانقياد وما تَسْتَجْلِبُهُ من الإرادة الجازمة ، فكلمة التوحيد به شاهدة وهي أصلُ كُلِّ ذكرٍ ، بل هي أصل الدين الجامع فلا يَنْفَعُ ذكر ولا يجزئ قول ولا فعل إلا بها صحيحةً سالمة من النَّاقِضِ الباطن أو الظاهر ، ولا يخلو الذكر أن يستغرق بالدلالة الأعم ، أن يستغرق العمل فهو ذكر الجوارح إذ تُصَدِّقُ بالفعل أو التَّرْكِ ، فَفِعْلُهَا تأويل الأمر الموجِب وتصديقه ، وَتَرْكُهَا تأويل النهي المحرِّم وتصديقه ، فاستغرق الأمر بالذكر في الآية : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) ، استغرق الدين كله إذ يدخل فيه كل تكليف يُلْزِمُ على وجه قد استغرق كل محل ، بطن أو ظهر ، فحصل من القسمة ما استغرق الحقيقة الإيمانية المجزئة ، فمحالها الجنان اعتقادا واللسان شهادة والأركان فعلا وَتَرْكًا ، وكان من العموم آخر يستصحب ، أيضا ، فهو الأصل حتى يرد الدليل الناقل ، فذلك عموم التغليب في خطاب الوحي ، فيستغرق ما جَاوَزَ دلالة المذكر مفردا أو جمعا كما في هذا الموضع ، واو الجمع المذكر التي أُسْنِدَ إليها العامل في "اذْكُرُوا" ، فهو يستغرق كل محل يقبل آثار التكليف ذكرا أو أنثى فاذكروا واذكرن الله ذكرا كثيرا ، فكان من التوكيد بالمصدر "ذِكْرًا "ما زَادَ في المعنى ، من وجه ، وَوَطَّأَ ، من آخر ، لِمَا بعده من الوصف ، وصف "كَثِيرًا" وهو مما نُكِّرَ وذلك ما يَزِيدُ في دلالته إذ النكرة مئنة من الشيوع وهو معنى يلائم وصف الكثرة فَيَزِيدُهُ تَقْرِيرًا ، فكان الأمر بالذكر عامة ، وبعده التسبيح خاصة في قوله تعالى : (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، وهو ما جَاوَزَ التسبيح الواجب الذي يكون من الراكع والساجد ، فَثَمَّ ما زَادَ من النَّفْلِ ، وهو ما زاد عن الواحدة في الركوع والسجود وما يكون خَارِجَهَا من صُوَرِ نَفْلٍ مُقَيَّدٍ كالتسبيح عقيب المكتوبات ، أو أخرى مطلقة تُشْرَعُ في كلِّ وقتٍ ، وهو ما زَادَهُ الظرف عموما إذ استغرق شطري القسمة ، بكرة وأصيلا ، فَيُضَاهِي ، من وجه ، دلالة التسبيح في موضع آخر من التنزيل ، فـ : (سُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) ، فكان من الخبر تَنْزِيهًا لا على حد التخصيص ، فالرب ، جل وعلا ، يُنَزَّهُ بَدَاهَةً في كل وقت فلا يكون ذلك في الصباح والمساء فقط ، وإنما ذكرهما ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الغالب فلا مفهوم له ، ولا يخلو الخبر من دلالة إنشاء تُلَازِمُهُ أَنْ سَبِّحُوا الله ، جل وعلا ، حين تمسون وحين تصبحون ، فضلا أن يحمل التسبيح في الآية على تسبيح مخصوص وهو الصلاة فذلك مما به يستأنس من يستدل في باب المواقيت فلئن ثَبَتَتْ بالسنة المفصَّلة إلا أن ثم مواضع في التَّنْزِيلِ تشهد لها ، ولو إجمالا آخر لا يَنْفَكُّ يَطْلُبُ بَيَانَ السنة ، كما في هذا الموضع الذي يشهد لسبحة الصباح وهي الفجر ، وسبحة المساء وهي المغرب فلا زَالَ الإجمال يَطْلُبُ يَبَانًا من خارج ، فكان بَيَانُ السنة الذي زاد فَنَسَخَ ما تقدمه من إجزاء صلاتين : واحدة في الصباح وأخرى في المساء ، فكان ذلك مبدأ الأمر ثم نسخ أن أُقِرَّتِ الصلاتان : صبحا ومساء ، وزيد ما سواهما ، فَنُسِخَ الإجزاء بهما ، وَفُرِضَتِ الصلوات خمسا ، ثم زِيدَ في أعداد الركعات حتى استقرت بها الحال على المحكم المؤبد من المكتوبات المعهودات عهد الضرورة العلمية القصوى فهي رُكْنُ الدين الثاني ، فذلك ما يَزِيدُ في التسبيح دلالة الصلاة ، فيكون ، من وجه ، جُزْءًا قَدْ دَلَّ على كُلٍّ ، فَدَلَّ التسبيح على ماهية أعم تستغرقه وتستغرق ما سواه من الأقوال والأعمال المخصوصة في الصلاة الاصطلاحية المعهودة ، فهي مَا يجاوز صلاة اللسان التي أَطْنَبَ بِهَا في سياق التعليل آنف الذكر ، فَسَبِّحُوهُ إِذْ يُصَلِّي عليكم وملائكته ، وإن كان تسبيحه ابتداء بلا سَابِقِ عَطِيَّةٍ ، وإن كان ذلك من آكد الفروض النقلية والعقلية فاتصافه بالكمال المطلق أولا وآخرا يوجب تسبيحه وَتَنْزِيهَهُ من كل نقص ، فَذَكَرَ صلاته وملائكته سَبَبًا من جملة أسباب تُوجِبُ الثَّنَاءَ عليه ثَنَاءَ الإطلاق المستغرق لكل المحامد ، فكان الذكر الأعم وبعده التسبيح الأخص ، وبعدها التعليل على الوجه آنف الذكر في قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) ، وَهُوَ مما حُدَّ حَدَّ القصر بِتَعْرِيفِ الجزأين "هو" و "الذي" مئنة من الحصر والتوكيد ، فضلا عن المضارعة في "يُصَلِّي" استحضارا للصورة ومئنة من استمرار وديمومة ، ولا تخلو ظرفية "على" في "عَلَيْكُمْ" ، لا تخلو من معنى استعلاءٍ يَزِيدُ في المعنى فقد علا فاستغرق الجمع المخاطب ، وذلك مما به تَوْكِيدُ المنة ، فضلا عن الإطناب فَلَيْسَ وحده من يصلي بل الملائكة تصلي على من آمن ، فتلك صلاة ثناء ورحمة وبها الخروج من الظلمة ، فكان التعليل القياسي باللام في "لِيُخْرِجَكُمْ" في قوله تعالى : (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) ، وكان من طباق الإيجاب بين المادتين : ظلمة ونورا ما به زيادة تَقْرِيرٍ وَتَوْكِيدٍ إذ بضدها تَتَمَايَزُ الأشياء ، ولا يخلو الضد في هذا الموضع أن يكون من الجنس الدائر فليس واحدا وإن كان النور واحدا فالظلمات كثيرة ، كما الصراط والسبل في آي الأنعام : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) ، فذلك الإخراج وهو من وصف الفعل إذ تعدى بالهمز فلا يخلو كسائر الأوصاف الفعلية أن يَثْبُتَ أَوَّلًا بالنظر في نوعه ، وأن يَحْدُثَ من آحاده بالمشيئة ما يُوَاطِئُ العلم الأول ، فهو تأويل ما تَقَدَّمَ في الأزل ، فَيُخْرِجُ ، جل وعلا ، من الظلمات مَنْ شَاءَ فضلا ، ويذر من شاء عدلا ، فلا يظلم ربك أحدا ، فكان الإخراج من الظلمات وهي كثيرة إن في العلم أو في العمل ، إن في الاعتقاد أو في القول أو في الفعل ، إن في الشرع والحكم أو في السياسة والحرب أو في الأخلاق والزهد ، فكان الإخراج منها إلى واحد فهو صراط الوحي النازل وهو النور الذي به يشرق القلب بأجناس العلم والإرادة وما يستوجبانه من قول وعمل في الخارج على وجه به تحصل الحقيقة الإيمانية المجزئة ، وهو مناط الرحمة الخاصة التي صدرت بالكينونة الماضية في قوله تعالى : (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) ، فهي حكاية ما تَقَدَّمَ في العلم الأول ولا تخلو من زيادة تَقْرِيرٍ وَتَوْكِيدٍ فالأمر قد ثبت والفضل قد وجب بإيجاب الله ، جل وعلا ، على نفسه بما وعد به صدقا لا يَتَخَلَّفُ ، فضلا عن تقديم الظرف "بالمؤمنين" على مُتَعَلَّقِهِ "رحيما" في قوله تعالى : (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) ، فتلك ، أيضا ، حكاية حصر وتوكيد بِتَقْدِيمِ ما حقه التأخير ، ولا يخلو التنكير من دلالة التعظيم ، فتلك رحمة عظمى من الرب الأعلى ، عز وجل ، وهي مما حد فَعِيلًا من فاعل فذلك مثال مبالغة في القياس وهو ما زاد المعنى ، أيضا ، تقريرا وتوكيدا إذ زيادة مَبْنَاهُ مئنة من أخرى تضاهيها في مِعْنَاهُ ، وذلك ، كما يقول بعض المحققين ، مما اسْتُدِلَّ به أن رحمة الرحيم بمن آمن لا تقتصر على اليوم الآخر كما ذكر جمهرة من أهل التفسير ، بل رحمة الرحيم تكون في الآخرة وتكون في الأولى فما تقدم من رحمة الصلاة على المؤمنين وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، ما تقدم منها فهو يكون في الدنيا فَدَلَّ على استغراقها للدارين مَعًا : الأولى والآخرة .

والله أعلى وأعلم .