اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: من آيات الحمد

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:02-12-2019
    الساعة:06:58 AM

    المشاركات
    4,890
    العمر
    41

    من آيات الحمد

    ومن مواضع الحمد الجامعة في الرسالة الخاتمة ما كان من الحمد التام المستغرق قي آي القصص المنزل ، فـ : (هُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ) ، فذلك حمد لا يقبل الشركة إلا إن توجه النظر إلى أصل المعنى ، الحمد المطلق الذي يجرده الذهن ، فهو مما يقبل الشركة فيحمد فلان على جميل صنعه وكريم أصله ، وفي حديث الإفك : "قُومِي إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلتُ: لا واللَّهِ، لا أقُومُ إلَيْهِ، ولَا أحْمَدُ إلَّا اللَّهَ" ، فَجَازَ حَمْدُ المخلوق ، فقد أرادت أمها أن تحمد رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقرينة ما أجابت : "لا أقُومُ إلَيْهِ، ولَا أحْمَدُ إلَّا اللَّهَ" ، فدل ذلك أن الحمد في غير هذا الموضع يجوز لغير الرب المهيمن ، جل وعلا ، فقد سكت النبي المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في موضع البيان ، والسكوت في موضع البيان بَيَانٌ ، كما يقول أهل الشأن ، فَلَوْ كَانَ فِي اللَّفْظِ ما يُوهِمُ شركةً في الوصف تحظر ما وسعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يسكت ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فدل ذلك على جواز وصف المخلوق أنه محمود ، فيتصف بالحمد على الوجه الذي يليق به ، فالحمد ، من هذا الوجه ، جنس عام يستغرق فالذهن يجرده فَهُوَ كسائر المطلقات الذهنية التي لا يَمْنَعُ تصورها وقوعَ الشركة فيها ولا يَلْزَمُ من الشَّرِكَةِ فِيهَا حالَ إطلاقها في الذهن ، لا يلزم منها الشركة في الحقائق في الخارج ، بل لكلٍّ من المحامد الذاتية والوصفية ما يليق به ، فيحمد الخالق ، جل وعلا ، ويحمد المخلوق ، كما يوصف الخالق ، جل وعلا ، أنه حليم ، ويوصف المخلوق أنه كذلك وهو ما اصطلح في الدلالات أنه الاشتراك المعنوي في الجنس المطلق في الذهن ، أو هو مما يجري مجرى التكافؤ فَثَمَّ تَرَادُفٌ بالنظر في المعنى المطلق في الذهن ، وثم تغاير بالنظر في الحقيقة المقيدة في الخارج ، فلا تَعَارُضَ إذ الجهة قد انفكت ، فجهة التَّرَادُفِ في أصل المعنى تخالف عن جهة التغاير في الحقيقة المقيدة في الخارج ، وذلك أصل يطرد في هذا الباب : باب الاشتراك في أسماء الثناء وأوصافه ، فَثَمَّ اشتراك يجوز بالنظر في المطلق المعنوي الذي يجرده الذهن ، وإلا فالنظر في محامد الخالق ، جل وعلا ، في الخارج ، يصرف "أل" في "الحمد" إلى عهد خاص فهو الحمد المستغرق لمعاني الكمال المطلق على جهة الانفراد فلا يضاهيه في الكمال سواه ، فتلك درجة لا تحصل فيها الشركة ، فهي عنوان توحيد أول ، توحيد الكمال الذاتي والاسمي والوصفي والفعلي والحكمي ، وكل أولئك مما يستغرقه لقب التوحيد الخبري العلمي الذي به يَصِحُّ التصور ، فيكون من الحكم ما يُلَازِمُهُ تَلَازُمَ العلة والمعلول ، فإن الحكم وهو توحيد الإرادة والطلب ، توحيد العمل ، هذا الحكم هو المسبَّب الذي يَتَوَسَّلُ إليه المكلف بِمَا يُحَرِّرُ من مقام التوحيد الأول ، توحيد العلم ، فإذا صح العلم وهو المبدأ صَحَّ العمل ، فحصل العنوان الديني الأعم الذي استغرق الاعتقاد والقول والعمل ، وتلك قسائم وأقسام ، فهي قَسَائِمُ تَتَسَاوَى فكلها حتم لازم في حصول الحقيقة الإيمانية المجزئة في ثبوت اسم ديني يَنْفَعُ ، ولو مطلقَ اسمٍ لم يَبْلُغْ حَدَّ الكمال الواجب ، وجميعها ، من وجه آخر ، الاعتقاد والقول والعمل ، جَمِيعُهَا أقسام تَنْدَرِجُ في عنوان ديني أعم ، عنوان الإيمان الذي يستغرق التوحيد ويزيد ، فالإيمان بالله ، جل وعلا ، يستغرق أجناس التوحيد كلها ، توحيد الخبر وتوحيد الطلب ، ويستغرق الإسلام إذ الإيمان أعم في الدلالة فهو إسلام أول وما زاد من أعمال الإيمان التي تبلغ به حد الكمال الواجب ، فالإيمان ، كما يذكر أهل الشأن ، أعم في دلالته التي تجاوز دلالة الإسلام وَتَزِيدُ وهو ، من وجه آخر ، أخص في أهله ، فكل مؤمن فقد أَتَى بالإسلام وزاد ولا عكس فقد يحصل له إسلام أول ولا يكون ثم إيمان يَشْفَعُ وهو الإيمان الواجب المجزئ في وعد النجاة ابتداء ، فهو يستغرق الإيمان بالله ، جل وعلا ، على الوجه آنف الذكر ، ويستغرق ما يزيد من الإيمان بالملائكة وهي من خَلْقِ اللهِ ، جل وعلا ، وآيِه الغيبي على كماله الذاتي والوصفي وعلى كمال ربوبيته لهذا الكون بما يكون من تصريف الْمَلَكِ وتدبيره الأمر بإذن الخالق المدبر ، جل وعلا ، فتدبير الْمَلَكِ تأويل التدبير الأول ، تدبير الرب المهيمن ، جل وعلا ، فاستقامت الدنيا بما يكون من تدبير الملك الذي لا يستقل بالأمر فلا يصدر إلا عن أمر الرب الخالق ، جل وعلا ، فهو المدبر الأول الذي استقل بالوصف فلا يفتقر إلى سبب من خارج وليس ثم مُدَبِّرٌ فَوْقَهُ إذ التَّسَلْسُلُ في المؤثرين يمتنع فلا بد أن يَرْجِعَ التدبير كله إلى واحد فهو من يُدَبِّرُ ولا يُدَبَّرُ وكل ما سواه فهو يفتقر إلى تدبيره ، فهو المرجع الذي يجاوز من خارج إن في الشرع أو في الكون ، فَأَمَرَ بالعدل والإحسان ، وخَلَقَ بالعدل إذ أعطى كل شيء خلقه ، ورزق بالعدل فَأَنْزَلَ من الرِّزْقِ بقدر على وجه به الكفاية فلا بَغْيَ ولا طغيان ، فـ : (لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) ، وما كان من طغيان البشر فهو من تقدير الكون المحكم أن يستبين الضد بضده ، ولا يخلو الطغيان المحدث في الأرض ، إن في العلم أو في العمل ، إن في الشرع أو في الحكم ، إن في السياسة أو في الحرب ، إن في العمران آيا ومصانع أو الأموال ضيعا ومزارع ، لا يخلو من فساد التصور إذ يظن صاحبه أنه بالأسباب قد استغنى وهي ، لو تدبر الناظر ، شاهدُ فَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ وهو مَا يُبْطِلُ دعواه الفاسدة ، دعوى القوة والملك ، فلا تكون هذه القوة إلا بأسباب من خارج ، ولا يكون الملك إلا بأخرى من خارج ، وتلك أسباب يجريها من خلقها إذ يؤتي من شاء الملك وَيَنْزِعُهُ ممن شاء ، فهو من يجري الأسباب على سنن محكم ، فكان من كمال حمده أن خلق هذه الأسباب بِالْقُدْرَةِ وَأَجْرَاهَا بالحكمة ، فَهَيَّأَ المحال أَنْ تَقْبَلَ آثار الأسباب ، فكل أولئك من الإيمان بِالْمَلَكِ ، وبعده الإيمان بالكتب وَفِيهَا من تدبير الجنان والأركان بالتصديق والامتثال ، فيها من ذلك مَا بِهِ تَأْوِيلُ الصدقِ والعدلِ ، فَصِدْقٌ في أخبار الكتب وَعَدْلٌ في أحكامها ، وبعدها الإيمان بالرسل ، عليهم السلام ، وهم من تحمل هذه الرسالات فَبَلَّغَهَا وَبَيَّنَهَا ، وبعدها الإيمان باليوم الآخر : يوم الدين الذي انفرد ، جل وعلا ، بِمُلْكِهِ وَمَلْكِهِ ، وبعدها الإيمان بالقدر خيره وشره ، ومنه قدر التكوين النافذ ، وَبِهِ من إحكام الخلق ما دل على وحدانية الرب ، جل وعلا ، وأحديته فهو واحدٌ فِي الذات أحد في الصفات لا يَشْرَكُهُ غَيْرُهُ فِيهَا إذ انفرد بالكمال المطلق الذي استغرق الوصف والقدر ، فلا يحصي المثني عليه ، لا يحصي الثناء إن في درك الأوصاف أو دَرَكِ قدرها في الخارج ، فالحقائق الخارجية لا تطيق العقول لها دَرَكًا ، وإن أدركت الحقائق الذهنية التي يجردها العقل ، فاستأثر الرَّبُّ ، جل وعلا ، بجمل من الأوصاف لم يطلع عليها أحدا من خلقه ، فهي ، من هذا الوجه ، مما يدخل في حد الغيب في قوله تعالى : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) .

    فَجَاءَ ذكر الظرف الزماني على حد الطباق إيجابا بَيْنَ الأولى والآخرة ، فـ : (هُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ، فذلك مما يجري مجرى القصر بتعريف الجزأين : "هو" و "الله" ، وهو ما يحمل على الحقيقة إذ لا معبود بِحَقٍّ إلا الله ، جَلَّ وَعَلَا ، ولا يخلو السياق من توكيد قياسي باسمية الجملة ، فهي مَئِنَّةٌ من الديمومة والاستمرار ، ومرجع الضمير المفرد "هُوَ" صدرَ الآية ، هو اسم الربوبية الذي تقدم ذكره في الآي المتقدم : (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) ، فَثَمَّ اسمية أخرى صدرت باسم الربوبية في "رَبُّكَ" ، وهو ما أضيف إلى الضمير المخاطب المفرد بالنظر في التَّنَزُّلِ الأول ، تَنَزُّلِ المواجهة ، فكان الخطاب الأول الذي توجه إلى صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فمرجع الضمير المخاطب المفرد إلى واحد معين ، وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو أول مخاطب بالوحي ، ولا يخلو الضمير من دلالة الجمع إن بالنظر في عموم الخطاب فَكُلٌّ يحمل الخطاب على نفسه ، فهو يَنْظُرُ في خطاب الوحي أنه تكليف ناجز ، وذلك ما استغرق كل مخاطب صَحَّ تكليفه ، فَاسْتَغْرَقَ سائر المحال التي تقبل آثار التكليف الآمر بالتصديق والامتثال ، وبه يستأنس من يعم بخطاب الوحي كُلَّ أحدٍ ، آمن أو كفر ، فلا يخلو الضمير من دلالة الجمع إن بحمل الخطاب على كل أحد ، وذلك ما لا مجاز فيه إذ يتوجه الخطاب حقيقة إلى كُلِّ أحدٍ صَحَّ تكليفه فمحله يقبل آثاره ، وثم وجه آخر إذ الضمير المفرد لا يخلو من دلالة الجمع بالنظر في دلالة مجازية تَوَاتَرَتْ في كلام الْبَيَانِيِّينَ ، فَهُوَ خَاصٌّ يُرَادُ به عام ، فمبناه مبنى المفرد ، ومعناه معنى الجمع ، فهو في تأويل : وربكم يخلق ما يشاء ويختار ، فتلك ربوبية استغرقت كل مخاطب ، فلا يخلو الجمع الْمُتَأَوَّلُ من دلالة أخرى أعم ، إذ يستغرق الإناث كما الذكور ، فدلالة الجمع المذكر في الضمير دلالة عموم أعم يستغرق كل محل يصح تكليفه ، وكلا الوجهين يرجع إلى معنى واحد يستحضر في كل أدلة الوحي ، وهو العموم في خطاب التكليف فالأصل فيه الاستغراق ، وتلك خاصة الرسالة الخاتمة ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، فهي رسالة العالمين جميعا ، ودلالة "أل" في "العالمين" على أصل المعنى إذ الجمع يقتصر على العقلاء وهم من خوطب بالتكليف ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما به الحمد العام المستغرق يثبت ، فتلك رحمة الوحي الجامعة ، وهي من مِنَحِ الرب الذي عمت ربوبيته العالمين جميعا ، بل وعمت سائر الخلق ، ما عقل وما لم يَعْقِلْ ، فلا يخلو اللفظ ، من هذا الوجه ، أن يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فهو حال الجمع نص في العاقل ، وحال الإفراد نص فيما يعقل وما لا يعقل ، فدلالة المفرد في هذا الموضع أوسع من دلالة الجمع ، وذلك من لطائف اللسان ، إذ اللفظ إذا زِيدَ في حده علامةَ جمعٍ فذلك مئنة من تكثير للآحاد في الخارج ، فخرج هذا الموضع عن ذلك الأصل ، فإن اللفظ لَمَّا زِيدَ في حَدِّهِ نقصت دلالته فاقتصرت على نَوْعٍ بِعَيْنِهِ وهو العاقل ، فإذا رد إلى الأصل الأول في المعجم ، وهو المفرد ، فدلالته تَزِيدُ فهي تستغرق كل كائن ، سواء أكان عينا أم حالا ، عاقلا أم غير عاقل ، فكان من الإسناد ما يجري مجرى التلازم ، تلازم التَّعْلِيلِ ، فإن الربوبية العامة المستغرقة هي عِلَّةُ الحمد العام المستغرق ، وإن كان الرب ، جل وعلا ، مستحقا للحمد والثناء مطلقا ولو قبل الخلق والرَّزْقِ والتدبير ، فهو الموصوف بالكمال المطلق أولا وآخرا ، فلا عدم قَدْ تَقَدَّمَ ، ولا فناء يلحق ، ولا طارئ يعرض من آفة نقص أو مرض ..... إلخ ، فكان من الربوبية ما عم بالنظر في عموم التكليف الذي يجاوز المخاطب الأول ، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتلك ربوبية تَعُمُّ وإن خوطب بها الرسول البشري ، فذلك في حقه خطابُ تكليف كخطابِ غَيْرِهِ ، وهو ، من وجه آخر ، خطاب تكليف يَعُمُّ ، قَدْ بَلَّغَهُ النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَبَيَّنَهُ ، فذلك معنى يعم كل مخاطب على تأويل : وربكم يخلق ما يشاء ويختار ، فذلك عموم آخر يجري مجرى البيان بالمثال : مثال الخلق فهو من أوصاف الرب ، جل وعلا ، فمن ربوبيته العامة المستغرِقة : ربوبية الخلق الذي عم فَتِلْكَ دلالة الوصل : دلالة "ما" في قوله تعالى : (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) ، وهي ما حُدَّ لغير العاقل بالنظر في دلالة المعجم الأولى ، ودلالتها ، لو تدبر الناظر ، تجاوز غَيْرَ العاقل فهي تستغرق كلَّ كائن ، عقل أو لَمْ يَعْقِلْ ، لِقَرِينَةِ الربوبية العامة المستغرقة كما تَقَدَّمَ من صدرِ التنزيل المحكم أَنِ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فَثَمَّ عموم في معنى الخلق فهو يستغرق كل مخلوق ، وذلك مَا أُنِيطَ بالمشيئة الكونية المستغرقة ، فَعَامِلُهَا في قوله تعالى : (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) قَدْ أُطْلِقَ فَاسْتَغْرَقَ ، ولا تخلو المضارعة فيه من استحضار للصورة وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فضلا عن عموم يستغرق الحال والاستقبال ، فذلك من وصف الفعل بل هو الأصل فإن فعل الخلق والرزق والتدبير ..... إلخ كل أولئك مما قَدُمَ نوعه فَقَامَ بذات القدس أزلا قِيَامَ الوصف بالموصوف على الوجه اللائق بذات المعبود ، جل وعلا ، وآحاده ، مع ذلك ، تحدث ، فهي مما أنيط بمشيئة الخالق الرازق المدبر ، فَتَجْرِي على سنن القدرة النافذة والحكمة البالغة وبها تأويل ما تَقَدَّمَ من العلم الأول المحيط ، وما سُطِرَ مِنْهُ فِي لَوْحِ التَّقْدِيرِ ، فكان من ذكر الخلق في هذا السياق ما يجري ، أيضا ، مجرى المثال لعام ، فربك يخلق ما يشاء ، ويرزق ما يشاء ويدبر ما يشاء ...... إلخ من أفعال التكوين النافذة وهي مئنة من ربوبية كاملة قد عمت فاستغرق الجلال والجمال جميعا ، فكان من الخلق بالقدرة وهي آية جلال ، والاختيار بالحكمة وهي آية جمال ، كان منهما ما به الثناء التام على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فهو ، من هذا الوجه ، يدخل في حد الحمد صدر الوحي أَنِ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .

    وبعد الإثبات في قوله تعالى : (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) ، وَهُوَ ما لم يحد حَدَّ القصر ، فاحتمل الشركة من وجه أنه ، جل وعلا ، يختار ، وغيره يختار مثله ، اختيار التدبير المطلق ، وذلك ، بداهة ، ما لا يكون إلا من الرب المهيمن ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَثَمَّ اختيار لِغَيْرِهِ يثبت ولكنه ، من وجه آخر ، مما قُيِّدَ فلا اختيار لمخلوق يخرج عن اختيار الخالق ، جل وعلا ، فـ : (مَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) ، فَكُلُّ إرادةٍ فَهِيَ لإرادة الخالق ، جل وعلا ، تَابِعَةٌ ، فليس ثم إرادة غيرها تَنْفُذُ على حد الإطلاق فلا تَفْتَقِرُ إلى سبب من خارجها ، فكل إرادة سوى إرادته ، جل وعلا ، فلا تخرج عن قانون يَنْتَظِمُ سائر الأحكام ، فلا بد من استيفاء شروط وانتفاء موانع ، ولا بد من باعث أول ، وهو السبب أو العلة ، وكل أولئك مئنة من النقص والفقر ، وذلك ، بداهة ، ما تَنَزَّهَ عنه الرب ، جل وعلا ، فهو يخلق بإرادة نافذة تصدر عن علم أول يُحْكِمُ ، فهو العلم الأول المؤثر في إيجاد المقدورات في الخارج على وجه يُصَدِّقُ ما قد ثَبَتَ في الأزل وَسُطِرَ في لوح القدر ، فذلك علم أول يقوم بالذات ، وثان يصدقه في لوح التقدير فَفِيهِ قَدْ سُطِرَ عَلَى حَدِّ التفصيل الذي استغرق التكوين والتشريع جميعا ، فثم تأويل له في الخارج يُصَدِّقُ بما يكون من كلم التكوين الذي يخلق ويدبر بما يَتَحَمَّلُ الملَك المرسَل بالقدر ، وما يكون من كلم التشريع الذي يأمر وَيَنْهَى بما يَتَحَمَّلُ الملَك المرسَل بالشرع ، فذلك مناط عموم آخر قد استغرق التشريع والتكوين جميعا ، وهو ما يكون تأويله في الشهادة تصديقا لخبره في الغيب فلا زيادة ولا نقص ، وإنما الشهادة تأويل محكم لما تقدم في الغيب الأول ، وهو ما يُحْصَى في كتاب يَنْطِقُ بالحق فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، فَثَمَّ اختيار للمخلوق ، ولكنه ، بداهة ، لا يضاهي اختيار الخالق ، جل وعلا ، وإن كان ثم اشتراك بالنظر في أصل المعنى الذي يجرده الذهن ، فهو الجنس العام الذي تندرج فيه آحاد ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، أصل جليل في الإلهيات ، فَثَمَّ معنى مطلق في الذهن ، وثم آحاد في الخارج تقيد ، فكلٌّ يُقَيَّدُ بالموصوف الذي يقوم به قِيَامَ المعنى بالذات ، أو الوصف بالموصوف وذلك ما يستغرق سائر الأوصاف التي جاء بها الوحي ، سواء أكانت مما يدرك بالعقل من المعاني أم لا يدرك فهو من الأوصاف الخبرية ، ذاتية أو فعلية ، فلا يدل عليها العقل لا أنها تخالف عن بدائه العلم الضروري الصحيح أو تعارض الدليل العقلي الصريح ، وإنما العقل ، بادي الرأي ، يُجَوِّزُهَا فلا يُثْبِتُهَا ولا يَنْفِيهَا ، فهي من الكمال المطلق الذي يخالف عن كمال المخلوق المقيَّد وإن حصل الاشتراك ، كما تقدم ، في أصل المعنى ، فذلك وجه اشتراك به الإثبات ، وهو ، مع ذلك ، ما يفتقر إلى آخر به الافتراق في الخارج ، فلكلٍّ من الوصف ما يلائم ، وشتان وصف المخلوق ووصف الخالق ، جل وعلا ، فالأول وإن حصل فيه معنى الكمال إلا أنه مقيد لا يخلو من النقص ولو في أصل الوجود فكان عدما وفي المآل فهو فَانٍ وفي الحال فلا يخلو من عارض الآفة والمرض والجهل والذهول والنسيان والعجز والكسل ...... إلخ ، وذلك ، بداهة ، ما تَنَزَّهَ عنه الرب الخالق ، جل وعلا ، فلا بد من قدر فارق في الخارج به يكون التَّنْزِيهُ ، وبه اكتمال القسمة في النقل والعقل ، فالإثبات والنفي يجتمعان لا على حد التعارض أو التناقض ، إذ لم يجتمعا في محل واحد من وجه واحد في زَمَنٍ واحد ، فانفكت الجهة إذ الإثبات يكون في أصل المعنى المجرد في الذهن ، والنفي يكون للتماثل أو التشابه في الحقائق في الخارج ، وذلك ، كما تقدم ، أَصْلٌ جليل يَسْتَغْرِقُ سَائِرَ المعاني ومنها الاختيار ، محل الشاهد ، فكان الإثبات في حق الخالق ، جل وعلا ، فـ : (رَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) وذلك شطر ، وكان النفي في حق المخلوق ، فـ : (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) ، وذلك آخر يجري مجرى الاحتراز إذ لم يحد السياق حَدَّ القصر فاحتمل الشركة وهي مِمَّا يَنْتَفِي بالنظر في معنى الاختيار المطلق وإلا فالمخلوق له اختيار وإرادة ولكنه مما يُقَيَّدُ فلا يطلق كما وَصْفُ الرَّبِّ الخالق المهيمن ، جل وعلا ، فحصل الافتراق ، من هذا الوجه ، وهو ما توجه إليه النفي في قوله تعالى : (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) ، فحسن الإطناب بهذا الشطر على حد الاحتراز فهو يَنْفِي الاحتمال ، فَيَنْفِي احتمال الشركة في الاختيار المطلق الكامل فَلَيْسَ ذلك إلا للرب الخالق ، جل وعلا ، فالنفي ، من هذا الوجه ، قد اقْتَصَرَ على عهد خاص وهي خيرة الإطلاق وإلا فَثَمَّ دونها مِمَّا يثبت للمخلوق بل لا يصح تكليفه إلا بِثُبُوتِهَا ، فلا تكليف بأفعال الضرورة والاضطرار ، وإنما التكليف اختيار إن في العلم أو في العمل ، إن في الفعل أو في الترك ، وإن لم يخرج عن مشيئة الرب ، جل وعلا ، واختياره الأول في علم التقدير ، واختياره الثاني بكلم التكوين ، فثم عهد خاص في "الخيرة" في قوله تعالى : (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) ، فهي المطلقة فلا تكون إلا لواحد وهو الرب الخالق المدبر ، جل وعلا ، فذلك شطر ثان يَنْفِي على حَدِّ المقابلة التي استغرقت شطري القسمة أو هي مما يجري مجرى الطباق ، طباق السلب ، فأثبت الخيرة من وجه ، ونفاها من آخر ، على وجه لا تعارض فيه ولا تناقض ، إذ الجهة ، كما تقدم ، قد انفكت ، ولا يخلو النفي من إطناب بالكينونة الماضية في قوله تعالى : (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) ، فذلك آكد في إثبات المعنى وتقريره من القول في غير التنزيل : ما لهم الخيرة ، وبعده كان الاستئناف على حد التَّنْزِيهِ الذي يَنْفِي الشركة تمثيلا أو تشبيها في الخيرة ، فـ : (سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، وذلك ما حُدَّ حَدَّ المصدر وهو آكد في تقرير المعنى ، ولا يخلو من دلالة استعارة تجري مجرى المجاز اشتقاقا ، عند من يُثْبِتُهُ في اللسان والوحي ، فهو مصدر استعير للأمر أن : سَبِّحُوا الله ، جل وعلا ، فكان من المصدر ما أطلق فاستغرق التسبيح للذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، فلا مثل له ولا ند فيها ، وإن كان ثم اشتراك في أصل المعنى المطلق في الذهن ، فالتسبيح في هذا الباب تَنْزِيهٌ يَنْفِي التماثل أو التشابه في الحقائق في الخارج ، ولا ينفي ، من وجه آخر ، الاشتراك في أصل المعنى المطلق في الذهن ، فهو حتم لازم في إثبات الدلالات الضرورية في الكلام وإلا صار لعبا إذ يَؤُولُ إلى لَفْظٍ وصوت بلا معنى ! .
    فكان من التسبيح ما حُدَّ حَدَّ المصدر في قوله تعالى : (سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، ومن ينكر المجاز في مقابل من أَثْبَتَهُ في هذا الموضع مجاز التعلق الاشتقاقي ، من ينكره فهو يجري ذلك مجرى ما اشتهر من لسان العرب أن ناب لفظ عن آخر ، بل نيابة المصدر آكد في الدلالة بما دل عليه من مادة التسبيح مجردة من كل قيد ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما استغرق التسبيح في باب الاسم والوصف والشرك فيهما يكون بالتكييف والتشبيه والتمثيل ، ويكون ، أيضا ، بالتعطيل فهو تشبيه لله ، جل وعلا ، بالمحل الناقص بل والغلو فيه تشبيه له بالعدم ، فاستغرق التسبيح ما تقدم من الإلهيات ، وإطلاق العامل "يشركون" ختامَ الآية يستغرق سائر أجناس الشرك ، فالله ، جل وعلا ، يسبح عنها جميعا سواء أكانت في الاسم والوصف ، أم في الربوبية فلا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا هو ، أم في الألوهية فلا حاكم ولا شارع إلا هو ، فمن أشرك غيره معه فِيمَا تَقَدَّمَ فما نَزَّهَ الله ، جل وعلا ، عن النقص إذ جَفَا في حقه فَشَبَّهَهُ بالمخلوق المحدث ، أو غلا في حق المخلوق فَشَبَّهَهُ بالخالق ، تبارك وتعالى ، وكلاهما : الغلو والجفاء ، كلاهما ما به الشرك يَطْرَأُ ، واضرب له المثل أبدا بما قد عمت به البلوى في المتأخرين إذ عُطِّلَ الشرع المنزَّل واستبدل به الشرع المحدث أو المؤول ، فكان الجفاء في حق الإله الشارع ، جل وعلا ، أَنْ عُطِّلَ حكمُه وحقه الاعتبار بل والتقديم على حد الانفراد توحيدًا في الطلب ، وكان الغلو في حق المخلوق أن اعْتُبِرَ حكمه المحدث وَحَقُّهُ ، في المقابل ، الإهمال ، فاستبدل وهو الأدنى بما هو خير من وحي الأمر والنهي ، فذلك الشرك في باب الحكم الذي يدخل في حد التَّنْزِيلِ ختام الآية أَنْ : (سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ا) ، فَثَمَّ عموم في الموصول "ما" ، وهو ما يَسْتَغْرِقُ سائر المشرَكَاتِ وسائر أجناس الشرك التي تَقْدَحُ في أنواع التوحيد جميعا ، وإطلاق العامل "يشركون" يَسْتَغْرِقُهَا كُلَّهَا ، ولا تخلو المضارعة مما تَقَرَّرَ ضرورة من دلالة الاستحضار للصورة إمعانا في التنفير فهي صورة التشريك الذي يُذَمُّ نَقْلًا وعقلا وفطرة وحسا ، ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة التغليب الذي يستغرق كل محل قَامَ به وصف الشرك ، فثم تَنْزِيهٌ عما أَشْرَكَ كُلُّ أحدٍ ، ذكرا أو أنثى ، فَرْدًا أو جمعا .

    وبعده كان التكرار في الإسناد ، فأطنب ثَانِيًا بعنوان الربوبية الجامع في قوله تعالى : (وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) ، وإن خص لفظه بالإسناد إلى ضمير المخاطب فلا يخلو ، كما تقدم ، من دلالة أعم تستغرق كلَّ أحدٍ خوطب بالتكليف بِمَا تَقَرَّرَ فِي العلم الأول المحيط ، فكان من تقدير المحال وما يقوم بها من أحوال اضطرارية واختيارية ، والأخيرة هي مناط التكليف الْمُلْزِمِ فلا يكون إلا بِالْمَقْدُورِ الممكن فهو يحتمل الوجود أو العدم ، فخطاب التكليف بالإيمان خطاب جائز في حق كل أحد فهو محل يقبل آثاره ، والإرادة والخيرة المخلوقة هي ، كما تقدم ، سَبَبٌ بِهِ يُرَجِّحُ المكلَّف وذلك مناط التكليف وهو ، مع ذلك ، لا يخرج عن اختيار الرب المهيمن ، جل وعلا ، فهو يختار أولا بقدره النافذ ، والمكلف يختار ثانيا بِمَا رُكِزَ فيه من قوة العلم والعمل ، فَيَتَصَوَّرُ أولا ويحكم ثانيا ، فحكمه الترجيح قبولا أو ردا بما حصل في نفسه ابتداء من صورة العلم ، فالعمل تال لَهَا ، كَمَا أَنَّ الحكم فَرْعٌ عَنِ التَّصَوُّرِ ، كما يقول النُّظَّارُ ، فحكم المكلف هو الترجيح ، ولا يخرج ، مع ذلك ، عن علم الخالق ، جل وعلا ، فهو الأول المحيط بما يكون من المقادير ومنها اختيار الْعِبَادِ ما بَطَنَ منه وما ظَهَرَ ، وهو العلم الذي يُؤَثِّرُ في اختيار العبد بما تَقَدَّمَ من الخلق : خلق التقدير المحكم الذي به عُلِمَتِ المقاديرُ أزلا ثم كان تَأْوِيلُهَا فِي الخارج إيجادا لا يُغَادِرُ التَّقْدِيرَ الأول ، فذلك إحكام الخلق على وجه لا جَبْرَ فِيهِ ولا قهر ، بل كان مِنْ خَلْقِ المحال ، وخلق القوى المؤثرة فكان الإيجاد والإعداد أن تَقْبَلَ آثار الأسباب ، وخلق الأسباب الحالَّةِ ، وخلق الإرادات في النفوس مع صحة الآلات ، آلات التكليف فعلا أو تَرْكًا ، وخلق الفعل أو التَّرْكِ على وجه يُصَدِّقُ ما تَقَدَّمَ من العلم ، فكل أولئك المجموع المركب الذي به تأويل التقدير الأول ، تقدير العلم المؤثر ، فهو علم يحيط إحاطة التقدير والإيجاد ، وإحاطة الكتابة والإحصاء ، فليس علما يحصي ولا يؤثر ، بل به تقدير الخلق الأول ، وهو ، مع ذلك ، لم يلجئ المكلف فلا يصح الاحتجاج به على المعاصي والآثام ، فَيُقَالُ إِنَّهَا من تقدير الله ، جل وعلا ، وذلك الحق الذي يُرَادُ به باطل ! ، فهي من تقديره وخلقه ولكنها مما يسخط ويكره إذ خالف عن شرعه وحكمه ، فانفكت الجهة ، وحصل من الاختيار والمشيئة المخلوقة ما هو شرط في التكليف فلا جبر ، وحصل من العلم والخلق ما يَنْفِي شبهة القدر ، فَمَنْ نَفَاهُ فهو المشبه الذي يقيس فعل الخالق ، جل وعلا ، على فعل المخلوق ، وهو ، مع ذلك ، يحتج بما حجب من الغيوب ، فمن أعلمه أنه يَعْصِي فلا يَتُوبُ ؟! ، وإذا كان ثم تَنْزِيهٌ فقد غلا صاحبه في النفي فَنَفَى الشر والكفر عن الله ، جل وعلا ، مطلقا ، وذلك محل إجمال بالنظر في الجهة ، فهي مما انفك فلا يَتَّحِدُ ، فجهة الفعل باطلة فلا يفعل الله ، جل وعلا ، شرا ، ولا يَرْضَى كفرا ، فـ : (لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) ، فذلك من وصف النفي الذي تسلط على المصدر الكامن في الفعل فأفاد العموم المستغرق لوجوه المعنى ، معنى الرضى ، فلا يرضى لعباده الكفر ، فَلَيْسَ الكفر إليه ، من هذه الجهة ، جهة الرضى أو الفعل ، فلا يفعل الشر إذ وصفه خير مطلق وإن كان ثم شر فهو في المخلوق المحدَث ، من وجه ، وهو ، من آخر ، إضافي فلا يطلق القول إنه شر محض بل به يكون مِنَ الخير ما هو أعظم ، فمآله الخير وهو تَأْوِيلٌ آخر صحيح لمعنى الحكمة ، وهو معنى كمال مطلق قد ثَبَتَ لله ، جل وعلا ، وبه يوضع الشيء في المحل الذي يلائم ، فوضع الخير في المحل الكامل فهو ما يقبل آثاره ، ووضع الشر في المحل الناقص وهو ما يقبل آثاره ، وكان من قضاء الحكمة أن يُحْتَمَلَ الشر العارض لخير آخر أعظم فهو مآل الخلق ، خلق الشر ، فكان خلق الشر لوجوه من الحكمة تَتَرْى فَبِهِ يَمْتَازُ ضدُّه من الخير ، ولا يكون الخير في أحيان كثيرة إلا وَثَمَّ شَرٌّ يَتَقَدَّمُهُ بما يكون من الغلبة والمدافعة وما يصاحبها من جهد ونصب ، إن جدالا أو جلادا ، فلا يخلوان من الْكَبَدِ ، فيدخلان ، من هذا الوجه ، في عموم السنة الرَّبَّانِيِّةِ ، سُنَّةِ : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) ، وكل أولئك مما يدل على الكمال المطلق في الخلق والتدبير على وجه به استحق الرب ، جل وعلا ، التَّنْزِيهَ فلا يوصف بظلم ولا نقص ، فَعَمَّ تَسْبِيحُهُ كُلَّ ما يشرك الخلق مما حدث من آلهة الباطل محسوسة كانت أو معقولة .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:02-12-2019
    الساعة:06:58 AM

    المشاركات
    4,890
    العمر
    41

    والتسبيح ، من وجه آخر ، دعاء ثناء يُنَزِّهُ الله ، جل وعلا ، فدلالته دلالة التخلية والسلب ، وقسيمه في الجنس الأعم : جنس الثناء المطلق سلبا وإيجابا : قسيمه هو الحمد ، فهو دعاء ثَنَاءٍ يثبت لله ، جل وعلا ، محامد الأوصاف الجميلة التي بلغت حد الكمال المطلق ، فالحمد اسم قد استغرق أجناس الجمال ، كما المجد اسم قد استغرق أجناس الجلال ، وبهما جميعا تكون التحلية والإيجاب بما يكون بالإثبات بعد النفي ، فالنفي يخلي المحل من وصف النقص ، فدلالته دلالة السلب إذ يجرد المحل ويسلبه من الوصف ، فإذا سلبت أوصاف النقص من المحل تَهَيَّأَ أن يقبل أضدادها من الكمالات ، فكانت التحلية بعد التخلية ، والتحلية ، من وجه آخر ، جنس عام تندرج تحته أنواع وَهِيَ بِالنَّظَرِ فِيمَا تَحْتَهَا أجناس وإن تالية فجميعها يندرج في جنس أعم ، فَثَمَّ جنس التحلية ، وتحته التحلية المقيدة : التحلية بوصف الذات تارة وأصله وصف الحياة فهو ، لو تدبر الناظر ، أصل صفات الذات ، بل وأصل جميع الصفات ، فلا يُتَصَوَّرُ كمالٌ بلا حياة ، فالميت لا يوصف بالكمال ، فضلا عما الْتَزَمَ الباطنية من وصفه بالمحال إذ رفعوا النقيضين ، فنفوا الإثبات وَنَفَوا النفي والتزموا ما لا يعقل ، فغاية الذهن أن يفرضه جدلا ، ومنهم من قال إن الله ، جل وعلا ، لا يوصف بأي وصف لا كمال ولا نقص ، فليس بِمَيِّتٍ وليس بحي ، وليس بعالم وليس بجاهل .... إلخ ، فأمعنوا في النفي فالمحل الإلهي عندهم لا يقبل ابتداء الوصف لا كمالا ولا نقصا ، ولازم ذلك أن المحل الذي يقبل الوصف ، ولو وصف نقص ، خير منه ! ، فالمحل الذي يقبل الموت والحياة ، ولو مَيِّتًا ، خير من آخر لا يقبل النسبة ابتداء ، فلا يقبل موتا ولا حياة ، فَارْتَفَعَ النقيضان وهو ما يَلْزَمٌ أصحاب هذا القول في تقابل الوجود والعدم ، ولو وجودا مطلقا بشرط الإطلاق قد جُرِّدَ من كل وصف ، فإما أن يَثْبُتَ له الوجود أو يَنْتَفِيَ عنه فيكون معدوما ، فلا يمكن ارتفاع النقيضين في هذا الموضع ، وإن كان ذلك ، أيضا ، مما لا حقيقة له في الخارج ، فهو مما يجرده الذهن إذ يَجُوزُ أن يَتَصَوَّرَ ذاتا مجردة من كل وصف ، ويتصور الأوصاف ثم يتصور الذات وقد قامت بها هذه الأوصاف ثم يكون تأويل ذلك في الخارج ذاتا لها حقيقة موصوفة بمعان تَقُومُ بِهَا على وجه يَلِيقُ ، فذلك ترتيب التصور ، فالذات لا توجد مطلقة في الخارج ، كما أن الوصف لا يوجد مطلقا في الخارج ، وإن وُجِدَا في الذهن مطلقين حال التجريد فهو عمل عقلي باطن لا وجود له في الخارج ، فليس في الخارج إلا الحقيقة المقيدة : ذاتا بها تقوم الصفات الثبوتية ، فالنفي عدم والعدم ليس بشيء ليثبت ثبوت الوصف الوجودي فَالنَّفْيُ شغور فلا بد له من شاغل بما يكون من وصف الإثبات الوجودي ، وإنما يُوَطَّئُ المحل بعد النفي أن يقبل آثار ضده من الإثبات ، لا جرم لم يكن التسبيح في هذا الباب هو الغاية ، فإنه تجريد للمحل من وصف النقص ، فذلك عدم لا يحصل به ثَنَاءٌ حتى يشفع بإثبات لكمال ضده من وصف الثناء الثبوتي ، فَلَئِنْ كان التسبيح ثَنَاءً فَهُوَ ثَنَاءٌ يَنْفِي فيسلب الذات ما تَنَزَّهَتْ عَنْهُ مِنَ النَّقْصِ والآفة ، ولكن ذلك لم يخرجها بَعْدُ عَنْ حَدِّ الصورةِ الذهنيةِ المجردة ليصير لها حقيقة في الخارج ، فذلك ما لا يكون إلا بالوصف الثبوتي حمدا به الجمال يثبت ومجدا به الجلال يثبت ، فيكون منهما الكمال فهو الجمال والجلال ، فإذا خُلِّيَ المحل من وصف النقص تسبيحا لم يحصل مراد الوحي في الإلهيات أن يُبِينَ عن وصف رب الأرض والسماوات ، جل وعلا ، فلا يكون ذلك بِنَفْيٍ مجرد إذ ذلك لا يُرَادُ لذاته ، بل الاقتصار عليه مئنة تعطيل يتفاوت ، كما تواتر في المقالات المحدثة فمنها ما نَفَى النَّفْيَ العام المستغرق الذي بلغ بصاحبه حد السفسطة إذ نَفَى النقيضين وذلك مما يمتنع ولو في الوجود وهو أدنى ما يثبت في الخارج ، فمآل ما يقول أولئك أنه ، جل وعلا ، لا يوصف لا بعلم ولا جهل ...... إلخ من النقائض المرفوعة فيجرد المحل من كل وصف فلا يقبل آثاره ابتداء وذلك من قَوَادِحِ العلم الضروري فالنقيضان ، كما حدهما أهل الشأن ، النَّقِيضَانِ لا يجتمعان ولا يَرْتَفِعَانِ ، فكان من فُحْشِ المقال أن اعتذروا ، كما يقول بعض المحققين ، بشبهة العدم والملكة ، فقد شبهوا الله ، جل وعلا ، بمحل لا يقبل أي وصف ! ، فلا يقبل كمالا ولا نقصا ، فمن يقبلهما ولو كان ناقصا هو خير ممن لا يقبلهما ابتداء ، فذلك نَفْيٌ قد اطرد في المقال الباطن ، وهو من أعظم الباطل في هذا الباب ، وذلك ما لا يُسَلَّمُ لصاحبه في الوجود والعدم فَلَوْ طُرِدَ القول فهو يَنْفِي أقل ما تثبت به حقيقة في الخارج وهو مطلق الوجود فليس بموجود وليس بمعدوم ، فالمعدوم خير ممن تلك حاله إذ من ليس بموجود وليس بمعدم ! هو ، لو تدبر الناظر ، ممتنع لذاته فلا يتصور العقل له حقيقة جائزة ، وإنما قد يفرضه فرضا به يجادل فهو يَتَنَزَّلُ في الْحِجَاجِ أَنْ يُسَلِّمَ بالمحال لا أكثر .
    ويضاهيهم في هذا الباب من أثبت مطلقا بشرط الإطلاق من كل وصف ، فذلك العدم الذي يفرط صاحبه في التنزيه فيصف الله ، جل وعلا ، بالسلوب ولا يثبت ، فهو يشبهه ، من هذا الوجه ، بالمعدوم فوحده من ليس له أي وصف فهو مطلق بشرط الإطلاق فلا وجود له ، أيضا ، إلا في الذهن الذي يجتهد في تجريد الحقائق وليس ثم في الخارج ، كما تقدم ، إلا حقائق مقيدة فَثَمَّ ذات تقوم بها أوصاف الثبوت تحلية فذلك الحمد ، وهو ما تَتَقَدَّمُهُ أوصاف النفي تخلية وذلك التسبيح والتنزيه فلا يلزم منه التعطيل بالغلو في التجريد إذ يَلْتَزِمُ لوازمه في الخارج وليس يصح إلا في الذهن ، فلا وجود له في الخارج .
    ودونهم من أطلق النفي في هذا الباب ، فَنَفَى الأسماء والصفات جميعا ، وَقَوْلُهُ يُشْبِهُ ، من وجه ، قول من أَثْبَتَ مطلقا في الخارج بشرطِ الإطلاق من كل وصف .
    وثم من اضطرب فَفَرَّقَ بَيْنَ المتلازمين ، فأثبت الاسم ونفى الوصف وكلاهما مما ثبت بضرورة الوحي واللسان ، فجرد الأسماء من معانيها التي اشتقت منها اشتقاق التكافؤ بين اللفظ والمعنى بما استقر في دلالة المعجم فصار من ضروري العلم الذي لا ينكره إلا جاحد أو مسفسط فمن ذا ينكر أن اسم الخالق قد اشتق من وصف الخلق ولا يلزم من هذا الاشتقاق حدوث فإنه مما ثبت أولا فلم يكن عدما ثم كان بل الله ، جل وعلا ، خالق أبدا في الأزل ، وإن لم يكن ثم مخلوق ، فكان ولا شيء معه ، إذ له أولية مطلقة لا يضاهيها غيرها ، فهو الأول فليس قبله شيء ، وذلك ما استغرق سائر أوصافه الذاتية والفعلية ، الخبرية والمعنوية ، الثبوتية حمدا وذلك ، كما تقدم ، ما يكون تاليا فهو التحلية بوصف الكمال الذي يجري الحمد فيه مجرى المثال لعام يستغرق وجوه الكمال المطلق فهو ، من هذا الوجه ، جنس بالنظر فيما تحته ، ونوع لما علاه ، فالكمال الثُّبُوتِيُّ قسيم النَّفْيِ التَّنْزِيهِيِّ ، وكلاهما يندرج في عام لا أعم منه وهو الوصف الإلهي فمنه التنزيهي نفيا وهو ما يراد لغيره ، فلا يراد لذاته إذ سَلْبُ النَّقْصِ ليس بكمال يحمد حتى يشفع بلازمه من إثبات ضده من الكمال المطلق ، فلا يكون الثناء المجزئ أنه لا يجهل حتى يشفع بكمال ضده أنه يَعْلَمُ العلمَ الكامل الذي استغرق الدقائق والجلائل ، فهو ، جل وعلا ، العليم العلم المحيط الذي استغرق كل معلوم ولو فرضا من المحال ، كما قد ضُرِبَ المثل مرارا بقوله تعالى : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) ، والتنزيهي ، من وجه ، تحته آحاد منها التسبيح محل الشاهد في قوله تعالى : (سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فَلَئِنْ قُيِّدَ التسبيح في هذا الموضع عما يشرك القوم ، فذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، فقد تَنَزَّهَ عما يشركون ، وَتَنَزَّهَ عن كلِّ نَقْصٍ إن في الذات أو في الاسم أو في الوصف أو في الفعل أو في الحكم ، فسبحانه وتعالى مطلقا وإن قُيِّدَ في هذا الموضع بما أشرك القوم ، فذلك مما ورد مقيدا في هذا الموضع ، وورد مطلقا في آخر ، كما في قوله تعالى : (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) ، فأطلق الوصف تَنْزِيهًا له ، جل وعلا ، عن كل نَقْصٍ ، فالوصف الإلهي ، كما تقدم ، منه التَّنْزِيهِيُّ الذي لا يُرَادُ لذاته ، فكان ذكر التسبيح في هذا السياق : (سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، كان مثالا لعام يستغرقه ويجاوزه إلى بقية الآحاد التي تندرج فيه فلا يخصص ذكر المثال العام وإنما به يكون الْبَيَانُ لما أجمل من دلالته إذ بالمثال يَتَّضِحُ المقال وتستبين الحال ، فالوصف الإلهي منه التنزيهي ، ومنه الثبوتي ، فَبَعْدَ التخلية من وصف النقص وذلك ما يكون بِالتَّنْزِيهِ ، فالمحل قد برئ من النقص ولا يكون الثناء التام إلا أن يُحَلَّى بوصف الكمال المطلق ، فالنفي في هذا الباب لا يُرَادُ لذاته وإنما يُرَادُ لِلَازِمِهِ وهو إثبات ضده ، بل لأحسن لوازمه وهو إثبات كمال ضده ، فلا يكون الثَّنَاءُ التام بِنَفْيِ الجهل ، حتى يشفع بلازمه من إثبات العلم ، بأحسن لوازمه بإثبات العلم الكامل ، علم الإحاطة الشامل الذي استغرق كل معلوم ، وهو ما ثبت في الأزل وسطر في لوح القدر ، ثم كان تأويله في الشهادة ، وكان إحصاؤه في صحف الملك الذي يكتب الكتاب الذي ينطق ، فـ : (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، فهو يستنسخ ما يكون في الشهادة من أحوال وأقوال وأعمال هي تأويل ما كان في العلم الأول وما سطر في لوح التقدير فهو المحل الثاني ، فالوصف الثبوتي هو محل الثناء التام وإنما كان الوصف التنزيهي مما به يُهَيَّئُ المحل بسلب أوصاف النقص ، فتلك التخلية التي تشفع بالتحلية وهي المراد ، فلا يُرَادُ النَّفْيُ لذاته ، كما كان من المعطلة عَلَى تَفَاوُتٍ فِي صَنِيعِهم ، فكلٌّ قَدْ غَلَا فِي النَّفْيِ وإن تفاوتوا في القدر ، فاسم التعطيل العام يجمعهم وإن تَفَاوَتُوا في دركاته ، فهو كالجنس العام الذي تندرج فيه آحاد ، وكذلك الشأن في الغلاة من الممثِّلَةِ والمشبِّهَةِ والمكيِّفَةِ فهم يندرجون في عنوان عام تحته آحاد تَتَفَاوَتُ في الْجُرْمِ ، فيجمعهم الجنس العام المستغرق وهم فيه آحاد تَتَفَاوَتُ ، فذلك ما يطرد إن في عنوان التعطيل الأعم ، أو نظيره من التمثيل الأعم ، وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، قد قارف جناية الآخر ، فمن غلا ابتداء في التمثيل فإنه إما أن يسلم بما قارف من القياس الفاسد تمثيلا به يقيس جزئيا على مثله ، أو قياس شمول يستدل فيه بالكلي على الجزئي فذلك منشأ شبهة إذ لا يخلو ، أيضا ، من الفارق ، فهو يستدل بكلي إن صح فَفِي حَقِّ الخلق فَيُدْخِلُ الخالق ، جل وعلا ، فِيهِ مع القدر الفارق فضلا عن الجهل التام بحقيقة الذات الإلهية وما قام بها من الأوصاف ، فالعقل في هذا الباب لا يجاوز حد العلم بالمعاني المطلقة دون خوض في الماهيات والحقائق المقيدة في الخارج ، فهو يثبت العلم بالمعنى المطلق في الذهن ، وَيَنْفِي علما آخر بالماهية المقيدة في الخارج فلا تعارض إذ الجهة قد انفكت فجهة الإثبات تُغَايِرُ عن جهة النَّفْيِ وإنما يكون التَّعَارُضُ أو التَّنَاقُضُ إذا اتحدت الجهة ، فمن غلا في التمثيل فلا يخلو أن يسلم بما قَارَفَ من القياس الفاسد ، أو يَنْفِيَ لازم قياسه الفاسد وذلك حق ولكنه قد يجاوز فِرَارًا من لازم فاسد لا يَلْزَمُ فهو يُبَالِغُ في النفي تَنْزِيهًا يجاوز به حد العدل فَيَقَعُ في ضده من التعطيل ، وكذلك من غلا في التعطيل فلا يخلو صنيعه ابتداء من غلو في التمثيل إذ يشبه الله ، جل وعلا ، بالمعدومات ، فكل معطِّلٍ ممثِّل إذ يشبه الله ، جل وعلا ، بالمعدومات ، وكل ممثِّلٍ معطل ، فهو يعطل الله ، جل وعلا ، من انْفِرَادِهِ بكمال الوصف المطلق الذي لا يشركه فيه خلق محدث ، فإذا مَثَّلَ المشبِّه في هذا الباب فهو يُثْبِتُ شَرِكَةً تَنْفِي انفراد الله ، جل وعلا ، بكمال الوصف في الخارج ، فالاشتراك إنما يكون في المعنى المطلق الذي يجرده الذهن تجريد الجنس العام الذي تندرج تحته آحاد لكل منها من الوصف ما يَلِيقُ بها ، فوصف المخلوق يليق به نقصا ، ولو وجودا بعد عدم فذلك في نفسه نقص فضلا عما يعتريه من العوارض والآفات ، ووصف الخالق ، جل وعلا ، في المقابل ، هو مما يليق به كمالا مطلقا ، ولا يكون ذلك إلا بعد التَّنْزِيهِ من كل نقص فالمحل يُخَلَّى منه فيصير أهلا أن يُحَلَّى بكمال ضده ، فلا يكون الإثبات بلا تمثيل إلا بعد التنزيه بلا تعطيل ، ومنه التسبيح آنف الذكر فَبِهِ خُلِّيَ المحل من وصف النقص ، فـ : (سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، وبعده كان الإثبات بواحد من آحاد الكمال الثبوتي وهو العلم الذي استغرق ، فـ : (رَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) ، فثم طباق إيجاب قد استغرق بين الْكَنِّ والإعلانِ ، وثم من المضارعة في العامل "يَعْلَمُ" ، ما به استحضار الصورة ، من وجه ، فضلا عن الإطناب في الإسناد جملةً عاملها المضارع الذي استكن فِيهِ الفاعل جوازا ، وتقديره "هو" ، فَهُوَ رابط الجملة بالمبتدأ "رَبُّكَ" وَبِهِ تكرار الإسناد فاعلَ لفظٍ قد استتر وفاعل معنى قد ظهر وهو المبتدأ صدر الآية ، فَثَمَّ من زيادة مَبْنَاهَا ، مبنى الجملة التي وردت خَبَرًا للمبتدأ ، ثَمَّ من زيادة مَبْنَاهَا زيادةُ معنى تضاهيها ، فالزيادة في المبنى هي ، كما تقدم مرارا من تقريرات البلاغيين ، مئنة من أخرى تضاهيها في المعنى ، ولا تخلو من دلالة حال واستقبال تستغرق أجزاء القسمة الزمانية ، ولا تخلو من دلالة أعم ، فهي ، من هذا الوجه ، مثال لعام يستغرقها ويستغرق ما سواها من الماضي ، فذلك مما يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، وهو مما يجريه بعضٌ مجرى المجاز عند من يجوزه في اللسان والشرع ، إذ ذكر خاصا وأراد عاما يستغرقه ويجاوزه إلى غيره من آحاد العام فذكره من هذا الوجه يجري مجرى المثال المبيِّن فلا يخصص العام الذي اندرج تحته ، ومن ينكر المجاز فثم قرينة في مواضع أخرى قد حُدَّ فِيهَا العلم حَدَّ الماضي كما في قول الرب جل وعلا : (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) ، فكان من استقراء النصوص وجمع طرق الباب ألفاظا ما به اكتملت صورة الاستدلال في الذهن فاستغرق العلم سائر أجزاء الظرف ماضيا وحالا واستقبالا على وجه به اكتمل الثناء على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فكل أولئك مما دل عليه المضارع "يَعْلَمُ" ، وهو ، أيضا ، مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، ولا يخلو المضارع في باب العلم أن يجري مجرى الوصف الفعلي الذي يناط بالمشيئة وإن كان العلم بالنظر في معناه المطلق في الذهن مما يجري مجرى الوصف الذاتي ، وهو من الجنس المعنوي الذي يدل عليه العقل وإن كان فيه كسائر مسائل الباب ، وإن كان فيه لِلنَّقْلِ تَبَعًا فلا يستقل إثباتا ولا نفيا .
    وبعده كان الإطناب ، كما تقدم ، بطباق الإيجاب الذي استغرق شطري القسمة ، ولا تخلو ، أيضا ، أن تجري مجرى المثال ، فالرب ، جل وعلا ، يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ويعلم كل شيء فذلك عموم لا أعم منه ، فذكر ما استكن في صدورهم وما أُعْلِنَ من حالهم ومقالهم وفعالهم ، فكل أولئك مما يدخل في عموم الإعلان في قوله تعالى : (وَمَا يُعْلِنُونَ) ، وهو ما أطلق عامله فاستغرق كل ما يعلن ، فكانت التحلية بالعلم خاصة بعد التخلية بالتسبيح ، وذلك خاص أُتْبِعَ بالعام وهو جنس الحمد في قوله تعالى : (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ) ، فاستغرق بدلالة "أل" جميع المحامد الجمالية ومنها العلم ، فذلك شطر يجري ذكره ، من وجه ، يجري ، أيضا ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، وهو جنس الكمال المطلق فمنه المحامد الجمالية التي قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهَا بالعلم مثالا لا يخصص عمومها ثم كان عموم المحامد الجمالية ، وهو ، أيضا ، مثال لعام يستغرقه ويستغرق الأمجاد الجلالية ، فالرب ، جل وعلا ، حميد بوصف الجمال مجيد بوصف الجلال ، وبهما جميعا يكون الثناء بالكمال المطلق المستغرق ، فأطنب بالحمد الذي استغرق بدلالة "أل" بل وجاوزها إلى جنس آخر من الوصف الثبوتي وهو الوصف الجلالي ، فذكر الجمالي ، كما تقدم ، يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه وإنما أبان عن معناه كما أن ذكر العلم وهو خاص يندرج في عموم الوصف الجمالي ، كما أن ذكر العلم من هذا الوجه لا يخصص عموم الحمد .
    فالآية قد سلكت جَادَّةَ العقل الصريح فكان التَّنْزِيهُ بالتسبيح تخليةً للمحل ، وبعده الإثبات بالعلم خاصا ثم الحمد عاما وكلاهما منصوص ، ثم الكمال أَعَمَّ بدلالة المعقول إذ دَلَّ المذكور من حمد الجمال على المحذوف من مجد الجلال وبهما جميعا كان الثناء المطلق على الرب المهيمن ، جل وعلا ، فسلك السياق جادة العقل الصريح ، وهو ما أطنب به إثباتا على حد القصر بتعريف الجزأين في قوله تعالى : (وَهُوَ اللَّهُ) ، وأردف بلازمه من النفي والإثبات ، فذلك خبر ثان ، فـ : (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ، فلا إله تخليةً إلا هو تحليةً بوصف الكمال المطلق ، وبعده كان الإطناب بالحمد خبر ثالثا ، فـ : (لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ) ، وهو ما عم بدلالته فهو مذكور قد دل على قسيمه من الجلال ، وهو عام قد استغرق محامد الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، محامد الكون خَلْقًا والشرع أَمْرًا وَنَهْيًا ، ولم يخل من دلالة توكيد إذ قُدِّمَ الظرف "له" وحقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد ، وزد عليه الإطناب بظرفي القسمة الزمانية فَلَهُ الحمد في : (فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ) ، وبعده كان إطناب بخاص آخر وهو الحكم بعد عموم الحمد ، فـ : (لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ، ولا يخلو الإطناب به ، لو تدبر الناظر ، أن يجري مجرى الإطناب باللازم ، فالحكم من لوازم العلم ، فلا يحكم إلا من يعلم العلم المحيط المستغرق وبه بطلت حكومة كلِّ وَضْعٍ محدث ، فكان من التوكيد ، أيضا ، بتقديم ما حقه التأخير في "له الحكم" ، كان منه ما يزيد في الدلالة ، فضلا عن دلالة اللام في "له" فهي مئنة من الاختصاص والاستحقاق فليس ذلك إلا له ، جل وعلا ، وحده ، وزد عليه دلالة العموم المستغرق في "الحكم" ، فذلك ما استغرق حكم التكوين خلقا ورزقا وتدبيرا ، وحكم التشريع أمرا ونهيا ، فذلك من أخص أوصافه فمن نازعه فيهما فقد فارق الملة إن بالقدح في توحيد الربوبية إذ أشرك معه غيره في حكمه الكوني ، أو بالقدح في توحيد الألوهية إذ أشرك معه غيره في حكمه الشرعي ، فَلَهُ ، جل وعلا ، كلا الجنسين من الحمد : تَكْوِينًا وَتَشْرِيعًا ، وله كلا الجنسين من الحمد في كِلْتَا الدارين : الأولى والآخرة ، وإليه وحده ترجعون في الآخرة ، فكان من الحصر والتوكيد ما دل عليه ، أيضا ، تقديم الظرف "إليه" في قوله تعالى : (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) وحقه التأخير ، فانتهاء الغاية غاية الرجوع إليه ، جل وعلا ، وحده ، وهو ما حُدَّ ، أيضا ، حَدَّ الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير في قوله تعالى : (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) ، فَإِلَيْهِ المنتهى في الآخرة ولا تخلو من حكم كما الدنيا ولكنه حكم الحساب والجزاء فلا تكليف بأمر ولا نهي ، ولا تخلو المضارعة في "تُرْجَعُونَ" أن تكون على بابها مئ4نة من استقبال فلما يأت بعد تأويلها وإن صح حملها على الحال استحضارا للصورة فَبِهِ تَقْرِيرٌ آخر للمعنى وَتَوْكِيدٌ له .

    فخالف من خالف في هذا الباب ، باب الاسم والوصف ، إذ نَفَى على تفاوت ، فَثَمَّ من غلا فَرَفَعَ النقيضين ، وثم من غلا فَنَفَى الاسم والوصف ، وثم من غلا وتناقض إذ فَرَّقَ بين المتلازمين فأثبت الاسم وَنَفَى الوصف الذي اشتق منه فَصَيَّرَ الأسماء المشتقة أعلاما جامدة تدل على المسمَّى في الخارج دلالة الْعَلَمِيَّةِ دون الوصفية ، والصحيح أنها تدل دلالة الْعَلَمِيَّةِ والوصفية جميعا ، فاسم الخالق يدل على الذات القدسية ، ويدل على ما قام بها من وصف الخلق ويدل على لوازمه فلا يخلق إلا الحي ولا يكون خلق إلا بقدرة وعلم وحكمة ........ إلخ ، وذلك أصل يطرد في جميع الأسماء الحسنى ، وثم من نَفَىَ بعضا وأثبت بعضا سواء أصرح بالنفي أم تأول ، كما اشتهر من بعض المتكلمة إذ تأولوا صفات الأفعال تَنْزِيهًا للذات القدسية أن تحل بها الحوادث ، فلم يَمِيزُوا النوع القديم وما يكون من آحاد محدثة هي التأويل الصحيح للوصف فَتُنَاطُ بالمشيئة النافذة إذ يحدث الله ، جل وعلا ، منها ما شاء كيف شاء متى شاء ، على وجه يُصَدِّقُ القدرة وَيُوَاطِئُ الحكمة ، وذلك أصل في أوصاف الأفعال ، فهي مما قَدُمَ نَوْعُهُ وحدثت آحاده ، وثم من تَأَوَّلَ بَعْضَ صفاتِ الأخبار إذ قاسوها على صفات المخلوق الحادث ، فلم يدركوا منها إلا ما أدركوا من الوصف المحدث في الخارج على ما يَعْتَرِيهِ من نَقْصٍ ، وما يكون من افتقار الذات له ، فهي تفتقر إلى اليد ، فإذا قطعت لم تُحْسِنْ تَأْخُذُ وتعطي ، فقاسوا الصورة الإلهية الكاملة على هذه الصورة الناقصة ، وذلك ، من وجه ، قياس كامل على ناقص ، وقياس أول مطلق على محدَث ، فهو قياس مع الفارق ، وهو ما قد فَسَدَ اعتباره ، كما قَرَّرَ أهل الشأن في قَوَادِحِ القياس ، ولا يخلو من فساد آخر إذ قِيسَ فيه الغائب على الشاهد ، ولا يخلو أن يكون قياس تمثيل يُقَاسُ فيه جزئي على مثله مع القدر الفارق بَدَاهَةً ، فَثَمَّ كلي مطلق وهو وصف اليد ، على سبيل المثال ، فإذا قُيِّدَ في الخارج بذات يقوم بها هذا الوصف فذلك الجزئي ، فَيَدُ الخالقِ ، جل وعلا ، جزئي غائب ، ويد المخلوق جزئي شاهد ، فإذا قيس الأول على الآخر فذلك قياس تمثيل به يكون التشبيه الباطل الذي يبطله القياس الناصح ، إذ الذات القدسية لا مثل لها ولا شبيه ، فهي ذات الخالق الواحد فلا يشركها في هذا الوصف الأخص أحد إذ ليس ثم خالق إلا الله ، جل وعلا ، وذلك ما قد دل عليه النقل والعقل والفطرة والحس على وجه تَوَاتَرَتْ أدلته ولو عند الجاحدين بوجوده ابتداء فإنهم لا ينفكون إن تجردوا في النظر ، أن يستدلوا بهذا العالم المخلوق المحدَث المحكَم على خالقه المحدِث المحكِم ، فإن إحكام سَنَنِهِ واطراد أمره لا يكون ، بداهة ، خبط عشواء ، وإلا احتج به السمنية في مناظرتهم المشهورة مع أبي حنيفة ، فإنه قد أَلْزَمَهُمْ بمثاله المشهور ، فالسفينة التي توضع فيها البضائع وتسير وحدها بلا رائد وتبلغ الشاطئ وتفرغ ما تحمل ثم تستدير وترجع لتكرر ذلك في كل مرة دون أن يكون ثم أحد يسوسها ، هذه السفينة مما لا وجود له ، بداهة ، في الخارج ، فهو من المحالات التي تخالف عن بدائه العقل والحس ، فضلا عن بدائه الوحي إذ احتج على خصوم النبوات بهذه الحجة البالغة على حد الإلزام باستقراء وجوه القسمة سبرا وتقسيما في قوله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) ، فذانك وجهان حُدَّا حَدَّ الاستفهام إنكارا وإبطالا ، فَلَمْ يُخْلَقُوا من غير شيء ، فَلَيْسَ ثَمَّ إحكام لخلقةٍ كهذه تشهد على خالقها ما لا تشهد بقية الآيات الكونية ، ليس ثم إحكام لخلقة كهذه بلا محكِم فيكون خَلْقُهَا خبطَ عشواء ! ، وليسوا بداهة الخالقين فذلك ما لم يَدَّعِهِ عاقل ، ومن اجترأ فَرَامَ الخلق من العدم ، ولو أصل الحياة البسيطة مع توافر المادة التي خلقت منها الكائنات الأولية ، وتوافر العلم بسننها في الانقسام والاغتذاء والإخراج ..... إلخ ، وتوافر أدوات البحث المحدَثة ، فمن رام ذلك فمكث عشرين سنة أو يزيد كما وقع لأحدهم في الواقع المعاصر ، فَإِنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بالفشل فلم يخلق خلية واحدة ، فذلك ما يدخل في حد المثل المضروب إعجازا أَنْ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) ، فذكر الذباب ، من هذا الوجه ، يجري مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، فهو ما استغرق آحادا فوقه من الكائنات الأعلى وآحادا تحته من الكائنات الأدنى ، فكان من ضرب المثل ما حُدَّ حَدَّ الإسناد لما لم يسم فاعله ، فالضارب هو الخالق ، جل وعلا ، فَحُذِفَ للعلم به ، بداهة ، إذ لا يَتَحَدَّى في مقام الربوبية إلا الخالق للبرية ، فَوَحْدَهُ ، تبارك وتعالى ، من انفرد بهذا الخلق ، الخلق المطلق من العدم ، خلق الإيجاد والإعداد والإمداد بالأسباب ، خلق الإيجاد والتصوير والبدع ، فكان من نداء العامة الذي استغرق آحاد المدخول في "الناس" ، وكان من نداء البعيد ما تَوَاتَرَ في التَّنْزِيلِ ، فلا يخلو من جُمَلَ معانٍ تصح على وجه به استأنس من جَوَّزَ العموم في دلالة المشترك ، فهي مئنة من تعظيم المنادي ، جل وعلا ، ومئنة من علوه ، علو الذات والوصف والشأن والقهر ، فلا يخلو العلو ، من وجه ، وإن كان وصف ذاتٍ يَثْبُتُ لله ، جل وعلا ، ضرورة فالعلو وصف كمال مطلق ، ومن علا خير ممن سفل ، فلا ينكر ذلك إلا جاحد أو مسفسط ، فَثَمَّ نقل وعقل وفطرة وحس هي مما يُسْتَدَلُّ به أبدا في هذا الباب الخبري ، باب التوحيد العلمي ، توحيد الذات والاسم والوصف والفعل ، فَكُلُّ أولئك مما لا يدرك إلا بِتَوْقِيفِ الوحي فهو من الغيب الذي لا يستقل العقل بإثبات له أو نَفْيٍ ، وإن دل عليه دلالة الجملة ، فإنه يدل ضرورة أخرى أن الوجود خير من العدم ، وأن الكمال خير من النقص ، فيثبت للخالق وصف الوجود والكمال وإن مجملا يَفْتَقِرُ إلى بيان أخص ، فذلك مما لا يُنَالُ إلا من مشكاة الوحي فَمِنْهَا يَنْزِلُ ما يصدق الفطرة الأولى ، من وجه ، وَيُقَوِّمُ ما اعوج منها من آخر وتلك وظيفة النبوات الأولى فقد نَزَلَتْ تَرُدُّ الناس إلى جادة التوحيد في الخبر والطلب ، في العلم والعمل ، وَتُفَصِّلُ ما أُجْمِلَ مِنْهَا ، وذلك محل الشاهد ، فلا ينفك المعنى الضروري الثابت في النفس بما تقدم من أدلة النقل والعقل والفطرة والحس ، لا ينفك يفتقر إِلَى بَيَانٍ وتفصيل لا يُنَالُ إلا من مشكاة التنزيل فلا يستقل العقل بِدَرَكِهِ وإن دل عليه بما رُكِزَ فيه من ضرورة التوحيد ، فالوصف الثابت منه المعنوي الذي يدل عليه العقل ضرورة كالعلو محل الشاهد آنف الذكر ، ومنه الخبري الذي لا ينال ، أيضا ، إلا من مشكاة الوحي ، فذلك قدر مشترك بين النوعين : وصف المعنى الذي يدل عليه العقل ضرورة وهو مع ذلك لا يستقل بإثباته بل هو ، أبدا ، تَبَعٌ للوحي ، ووصف الخبر فدلالة الوحي فيه آكد إذ العقل لا يدل عليه دلالة إثباتٍ أو نَفْيٍ ، فَهُوَ يَتَوَقَّفُ ، من كل وجه ، حتى يَرِدَ الدليل المرجح من خارج ، وذلك دليل الوحي النازل ، فيجري الباب مجرى الجائز محتمل الطرفين : المحال والواجب فَبَيْنَهُمَا الممكِن ، وتلك قسمة أهل المنطق ، والممكن لا يَنْفَكُّ مِنْ تَرْجِيحٍ من خارجه يُصَيِّرُهُ تارة من المحال فيكون من المحال لا لذاته بل لغيره فهو ابتداء مما جاز وقوعه وإنما امتنع لقرينة من خارجه لا لمعنى في ذاته يحيله كما المحال لذاته ، والمثل يُضْرَبُ ، كما تقدم مرارا ، بإيمان أبي جهل ، فهو ابتداء من الجائز الذي يحتمل فهو من المقدور الذي قد يقع وقد لا يقع ، وإلا ما صح التكليف به فلو كان محالا لذاته لكان لأبي جهل الحجة أن يَتَذَرَّعَ بالقدر الذي ألجأه أن يكفر فكيف يُكَلَّفُ وليس ثم اختيار فقد كَفَرَ كُفْرَ الاضطرار ! ، وما يميزه من أبي بكر ؟! ، إن كان كُلٌّ إلى وصفه قد اضطر ، وإنما يكون المدح بتكليف الاختيار لا بالضرورة والإلجاء ، فكان إيمان أبي جهل من الجائز ابتداء فَلَمَّا تعلق بالعلم الأول المحيط الذي قَدَّرَ أبا جهل كافرا ، فهيأ محله أن يقبل آثار الكفر ، وخلق فيه الإرادة وبها يختار وهو مع ذلك لا يخرج الإرادة الربانية المطلقة ، فاختار ولم يجاوز العلم الأول المحيط فهو الذي به الخلق والتقدير لا على حد الإلجاء وإنما يُسِّرَ كُلٌّ لِمَا له قد خُلِقَ ، فكان من تعلق هذا الجائز الذي به التكليف قد ثَبَتَ ، كان من تعلق تكليف أبي جهل أن يؤمن ، كان من تَعَلُّقِهِ بالعلم الأول المحيط وما سطر في لوح التقدير أنه لا يؤمن أبدا ، كان من ذلك ما جعل إيمانه من المحال ، وهو ما يفتقر إلى القيد ، فَلَوْ أُطْلِقَ الوصفُ أنه محال لَتَوَهَّمَ الناظر أنه من المحال لذاته وذلك عدم لا تكليف به فهو مما يفرضه الذهن فليس من المقدورات التي يَتَصَوَّرُهَا تصور الجواز ، بادي الرأي ، فهو مما يحتمل الوجهين : المحال فيكون من المحال لغيره إن وَرَدَ دليل النفي من خارج كإيمان أبي جهل ، فيحتمل المحال لغيره ، ويحتمل الواجب فيكون ، أيضا ، من الواجب لغيره إن وَرَدَ دليل الإثبات من خارج كإيمان أبي بكر ، فالجائز يفتقر أبدا إلى مرجح من خارج ، وذلك ما يَطَّرِدُ ، أيضا ، في باب الاسم والوصف كُلِّهِ فَلَئِنْ جاز في العقل ابتداء فكان من الكمال المطلق فذلك من النوع المعنوي الذي يشاطر نظيره الخبري ، يشاطره قسمة الباب ، فَلَئِنْ جاز مَعْنًى كوصف العلم فلا بد له من مرجح من خارج وهو الوحي النازل ، وكذلك ، لو تدبر الناظر ، تكون الحال في كل خصومة إن في العلم أو في العمل ، فالعقول إذ تَفَاوَتَتْ والأهواء والأذواق إذ تَغَايَرَتْ وَتَدَافَعَتْ فلا بد لها من مرجع من خارج يجاوزها فهو يَقْضِي فِيمَا فيه قد تَنَازَعَتْ ، فكان من نداء الناس في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ) ، كان منه ما استدعى الذهن الغافل ، فضلا عما تَقَدَّمَ من إثباتِ علو الخالق ، جل وعلا ، فحصل الاشتراك من هذا الوجه ، أيضا ، وجاز الجمع فذلك مما يستأنس به من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، فَقُدِّمَ المثل مجملا ولا يخلو من تشويق ، وبعده كان الأمر والتكليف : (فَاسْتَمِعُوا لَهُ) ، فلا تخلو الفاء من السببية وإن لم تكن نصا فيها فَضَرْبُ المثلِ سبب في الاستماع له تدبرا يجاوز حد السمع المطلق ، فكان من زيادة المبنى طلبا في الألف والسين والتاء ما يدل على أخرى في المعنى ، كما في حد الاستماع في قول تعالى : (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، ولا تخلو الفاء من دلالة فور وتعقيب وذلك آكد في المسارعة في الاستماع ، فهو من جملة الخيرات التي مُدِحَ بِهَا مَنْ مُدِحَ من الأنبياء والصالحين إذ : (كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) ، فتلك خيرات الباطن والظاهر ، الاعتقاد والقول والعمل ، النظر والاستماع والتلاوة ، فكان من الأمر أن : (اسْتَمِعُوا لَهُ) ، وبعده كان الاستئناف بالمثل : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا) ، فذلك ما قد أُكِّدَ بالناسخ ولا يخلو النفي فيه من دلالة تأبيد لقرينة التحدي ، فضلا عن الشرط إلهابا وتهييجا في قوله تعالى : (وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) ، فلا يخلو من تحد يُعْجِزُ ، فضلا عن دلالة الاجتماع فَفِيهَا من الزيادة ما يدل على القصد فقد استفرغوا الجهد وهم مع ذلك يعجزون ، وذلك ما به استحق الله ، جل وعلا ، التسبيح والحمد بالعلم ثم الثناء بالوصف الأعم الذي استغرق الأولى والآخرة في الآي محل الشاهد ، فـ : (لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ) ، إذ لا يكون خلق محكم لما دق وجل من الكائنات لا يكون إلا بالعلم والقدرة والحكمة وسائر ما يدخل في حد الحمد جمالا ويجاوزه إلى المجد جلالا ، فلا يكون الخلق إن تقديرا أو إيجادا أو تصويرا ، خلقَ المحلِّ أو إعداده أو إمداده ، لا يكون ذلك إلا ممن اتصف بالكمال المطلق جمالا به الحمد وجلالا به المجد إن في الأولى أو في الآخرة .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •