يقول اللغويون في تعريف السماء، ما علاك فهو سماء، ومنها اشتق الاسم ، فهو كما عند البصريين مأخوذ من سما يسمو إذا علاء وارتفع، والسماء بعظيم بنيانها مرتفعة شدية الارتفاع عظيمة الخلق، لذلك نجد القرآن الكريم يلفت أنظار العباد إلى عظيم خلقها ، كما قال تعالى ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت ..) وعظمة المخلوق دليل على عظمة الخالق، قال تعالى ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) كما يقسم القرآن الكريم بمظاهر خلقها مثلا " والسماء والطارق .." و" السماء ذات البروج " الخ..
إن هذه المعاني السابقة فيها من التعظيم والتهويل للخلق هذا الكائن، والشاعر بفطرته حساس يقترب من الكائنات ويعيش في فلكها ويلتقط صور تترجم شعوره نحوها ، ما يجعله يجمع بين الصورة الفنية والدلالية التي يرغب في توصيلها للمتلقي، ولعل الصورة الشعرية من أبرز وسائل الشاعر في تقديم المشاهد تقديما فنيا، ومن أكبر المشاهد المشكلة لوعي الشاعر المظاهر الطبيعية ، فتفاعل الشعراء مع الطبيعة من حولهم ووصفوها تارة على سبيل الاعجاب والاستمتاع، وتارة على سبيل الاستعبار والاستذكار، ومن لعل من هذه المشاهد صورة السماء بوصفها مشهدا طبيعا صامتا يتضمن مجموعة من العناصر التي تسهم في تشكيله كالنجوم والكواكب، وبمتزج ذلك مع صورة الليل إضاء وظلاما، وذلك على نحو ما نجده في الشواهد الآتية:
فمنه تشبيه امتزاج ضوء نجومها بضوء الصباح بالرياض كقول عبد الله بن المعتزّ:
كأنّ سماءنا، لمّا تجلّت ... خلال نجومها عند الصّباح،
رياض بنفسج خضل، نداه ... تفتّح بينه نور الأقاح.
وقد تشبه بالبساط الذي يبث وينشر عليه بجامع البسط والنشر، كما قال الآخر:
كأنّ سماءنا، والشّهب فيها، ... وأصغرها لأكبرها مزاحم،
بساط زمرّد نثرت عليه ... دنانير تخالطها دراهم.
ونحوه قول الآخر:
كأنّ سماء الأرض نطع زمرّد، ... وقد فرشت فيه الدّنانير للصّرف.
فهنا صورتين مركبة صورة السماء المتسعة التي تشبه الزمرد في لونها وصورة النجوم الصغيرة التي تشبه الدنانير المبثوثة على هذا البساط ومن ذلك
قول التّنوخىّ يصف ليلة:
كأنما نجومها، ... نصب عيون الرّمّق،
دراهم قد نثرت ... على بساط أزرق.
وقال أبو طالب الرّقّىّ:
وكأنّ أجرام السماء، لوامعا، ... درر نثرن على بساط أزرق.
وقد تشبه بالبحر بينما تشبه النجوم بالدر بجامع الصغر واللمعان كما قال الآخر:
ورأيت السّماء كالبحر إلّا ... أنّ مرسوبه من الدّرّطافى.
فيه ما يملأ العيون كبير ... وصغير ما بين ذلك خافى.
وقد يصور الشاعر بدء توهج النجوم ولمعانها وتحول ألوانها في سرعة ، قتشبه في ذلك حركة الجمر التي تزيد وتنقص بحسب تدفق الهواء عليها، مثل
قول ظافر الحدّاد:
كأنّ نجوم الليل، لما تبلجت، ... توقّد جمر فى خلال رماد.
حكى، فوق ممتدّ المجرّة شكلها، ... فواقع تطفو فوق لجّة وادى.
وقد يختار الشاعر لصورة بعد نجومها معنى حسيا يجمع بين الصغر والكثرة ، كقول شاعرآخر:
كأنّ النّجوم، نجوم السما، ... وقد لحن للعين من فرط بعد،
مسامير من فضّة سمّرت ... على وجه لوح من اللّازورد.
وقد يستثير الشاعر في رسم صورة السماء ونجومها بمعنى متداولا اجتماعيا كما قال محمد بن عاصم:
ترى صفحة الخضراء، والنّجم فوقها، ... ككفّ سدوسىّ بدا فيه درهم.
ترى، وعلى الآفاق أثواب ظلمة، ... وأزرارها منها شمال ومرزم
ففي هذه الابيات صور فنية تفنن الشعراء في تقديمها تقديما فنيا، معتمدين في ذلك على أدوات التصوير الفني البلاغي المتمثلة في التشبيه بدرجة كبيرة، تجعل صورة السماء مقبولة في نفسوس المتلقين ، حيث تعطينا جانبا من المقدرة الفنية التي يتمتع بها الشعراء في رسم صورهم وما يفكرون فيه تجاه الطبيعة والسماء بوصفها مشهدا طبيعا ما ثلا أمام الإنسان يتفاعل معه تفاعلا مستمرا في حياته .
الإحالة:
القرآن الكريم.
الصورة الفنية جابر عصفور
نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري