من آكد أسباب الظلم والحيف عن جادة الحق ما يكون من حال الجنان إذا علقت به الشبهة فَصَدَرَ عنها الحكم ابتداء فلا يكون نظر صاحبها بعد ذلك إلا تَلْفِيقًا يَتَكَلَّفُ الأدلة والمقاييس فيصحح الضعيف وَيُرَجِّحُ المرجوح ، وذلك ما يعظم شؤمه بما يكون من بَثِّ الدعوى في الناس فذلك ما يَتَطَايَرُ فَتَتَنَاقَلُهُ الرُّكْبَانُ ، فحاله كحال العدوى والوباء ، بل شؤمه ، لو تدبر الناظر ، أعظم ، فهو يفسد في المكلَّف المحل الأشرف : محل الجنان الذي يعتقد ويريد فما بعده من القول والعمل فهو التابع ، فذلك الأثر الناتج مما تقدم من سبب يُؤَثِّرُ ، فالباطن هو باعث القول والعمل في الخارج ، فإذا فسد الباطن بالشبهة فسد الظاهر فَقَارَفَ الجناية العظمى نُطْقًا بِالْفُحْشِ وعملا بِالفُجْرِ ، فكان من شؤم العامل الممرِض أن سرت الجناية من الباطن إلى الظاهر ، وذلك ما يجاوز صاحب المحدثة فهو أول ممرض ، فإذا وَرَدَ على المصح الذي عوفي من الفتنة أضر به بما يعلق في وجدانه من الشبهة ، لا جرم كان النهي عن مجالسة أهل المحدثات العلمية والعملية ، فالعدوى تسري في الجمع كَمَا الجناية تسري في الجرح فذلك مثال يطرد في المحسوس والمعقول جَمِيعًا ، وهو في الأديان أَدْهَى وَأَمَرُّ ، وإن كان في الأبدان يَضُرُّ ويضعف ، فكان من النهي ما قد عَمَّ وإن انصرف ، بادي الرأي ، إلى مَوَاضِعِ الحس من أمراض البدن ، فـ : "لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ" ، فذلك نهي يفيد التحريم ، ولا يخلو من دلالة الإرشاد والتحذير ، وهو ، من وجه آخر ، مما يفيد العموم بما اطرد في مباحث المعاني إذ تَسَلَّطَ النهي على المصدر الكامن في الفعل "يورِدنَّ" فأفاد العموم من هذا الوجه ، فَثَمَّ نهي عن الورود وهو ما زِيدَ في حَدِّهِ بِالتَّوْكِيدِ لَفْظًا بالنون المثقلة في "يورِدنَّ" ، فهي نص في الباب ، وذلك سببُ بِنَاءٍ عارض للمضارع ، كَمَا اطَّرَدَ فِي تَقْرِيرَاتِ النحاة ، وهو ما استغرق ، من وجه آخر ، فالورود على أنحاء فمنه ما يكون بالمواجهة ومنه ما يكون بالمباشرة والمصافحة ..... إلخ ، ومنه ، لو تدبر الناظر ، ما يكون بالمشافهة أو المشاهدة فيكون من مرض الشبهة ما يعلق بالجنان إذا جالس المصح ممرضا في دينه بمحدثة تَتَعَدَّى فهي العدوى التي يَفِرُّ منها العاقل ، فلا يجالس صاحبها ولو سماعا مجردا فلا يأمن أن يَنْقَلِبَ استماعا يُنْصِتُ صاحبه وَيَتَكَلَّفَ من حضور الجنان ما به العدوى تَعْلَقُ ، وهو ما اطَّرَدَ ذكره في المأثور ، كما حكى مَنْ حكى واقعة محمد بن السائب وهو ممن قال بالإرجاء ، وعمران بن حطان وهو ممن قال بالخروج ، فكانا على جادة محكمة من السنة ، فَجَالَسَا ممرضا في مقالِه فكان من سريان العدوى ما أَضَرَّ الصحيح الذي لم يَتَّقِ ويحترز ، فَخَالَطَ ذا العدوى الممرِض ، فَمَا أَسْرَعَ ما انْتَقَلِتْ إليه ، فالنهي عن مخالطة ذي العلة في الدين أو البدن يجري مجرى سد الذريعة ، فلا يَتَجَشَّمَنُّ أحد ما لا يطيق ، فإذا لم يكن ذا علم ودربة ، فَيُطِيقَ مدافعة العدوى ، فلا يَتَكَلَّفَنَّ ما يشق ، فإذا آنس من نفسه قوة وعلما فَلْيَجْتَهِدْ أن يدافع بل ذلك تكليف في الناس يعم ، ولو فرض كفاية به تَرْتَفِعُ الجائحة فلكلٍّ من ذلك حظ يطيق فلا ينكل فَيَأْثَمَ ولا يجازف فَيَخُوضَ فيما لا يفقه فيكون من الدعوى المجازِفة التي يَتَبَجَّحُ صاحبها فَيَتَصَدَّرُ وليس بأهل ، فما أسرع ما تصيبه العدوى ، فيصير هو الممرِض الذي يعتزل فلا يقربنَّه أحد ، فذلك من سد الذرائع إلى مرض الأديان بالمحدثات ومرض الأبدان بالمهلكات ، وكلاهما مما يعظم فواته فَهُمَا مَقْصِدَا الشرع ابتداء ، فحفظ الأديان وبعده حفظ الأبدان ، فالمعنى وما يقوم به من المبنى ، فلا يجازف في هذا الباب فلا يَتَحَوَّطُ إلا من جهل أو جحد فكابر ، فظن في نفسه قوة ومنعة ، فلم يسلم من العدوى ، فَيَصِيرَ من أهلها فهو يَتَحَمَّلُ مادتها وَيَبُثُّهَا في الناس فَيَكُونُ من جندها ، فَمَنْ مرض جنانه بالشبهة فَهُوَ يَنْصُرُهَا ما استطاع بالقولة والفعلة ، وهو يجتهد في الورود على مَنْ صَحَّ وسلم منها ، فيخالف ، بداهة ، عن النهي آنف الذكر أَنْ : "لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ" ، وهو ما زِيدَ في تقريره بطباق الإيجاب بين الضدين : "الممرِض" و "المصِح" ، وبضدها تتمايز الأشياء ، فكان من طباق المرض والصحة ما يوجب اعْتِزَالَ العدوى ، عدوى الحس كما السياق يدل ، وعدوى المعنى فهي على النفس أشد لو اعتبر الناظر ، فحال صاحبها من ضد إلى آخر ، فيصير لأهل المحدثة خِلًّا وخدنا ، كما أُثِرَ عن بعض السلف وهو يقص من حال المحب ما اطرد ضرورة ، فـ : "إنما يماشي الرجل ويصاحب من يحبه ومن هو مثله" ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، من القصر المؤكِّدِ ، ولا يخلو من تَقْرِيرِ ضرورة ، فذلك مما تواتر في الحس والمعنى إذ كل على طريقة من يُشَاكِلُ ، فَحَسُنَ من هذا الوجه أن يُحَدَّ حَدَّ القصر الأضعف وأداته "إنما" ، فلا يَفْتَقِرُ إلى زيادة تَوْكِيدٍ ، فهو يحكي متلازمة تطرد وبها الحكمة تقضي إذ توجب الاقتران بين المتماثلين فَبَيْنَهُمَا من الاتفاق في الوصف ما يوجب آخر في الحكم ، فيكون من تكلف الفعل على حد التشارك ، فتلك دلالة العامل "يماشي" و "يصاحب" ، فلا يخلو من زيادة الألف ، ألف المفاعلة ، وهي مما يزيد في المعنى ، فيحكي المشاركة فلا تكون المفاعلة إلا بين اثنين ، فتلك زيادة المعنى فضلا عن أخرى في العمل ، إذ يَتَعَدَّى بها اللازم في مواضع ، كما في العامل "يماشي" ، فالعامل "يمشي" قَبْلَ زيادةِ الألف ، لا يَتَعَدَّى إلا بواسطة ، كقول القائل : مشى فلان إلى فلان ، أو مشى معه ، فَتَعَدَّى بعامل الجر "إلى" أو الظرف "مع" ، فإذا زِيدَتْ فيه الألف تَعَدَّى إلى غيره بلا واسطة كما في الأثر محل الشاهد إذ تَعَدَّى إلى المفعول "مَنْ يُحِبُّ" ، تَعَدَّى إليه بلا واسطة ، وقد يكون العامل ، بادي الرأي ، مما يَتَعَدَّى كما في العامل "يصاحب" ، فالعامل "يصحب" يَتَعَدَّى بنفسه كقول القائل : صحب فلانٌ فلانا ، فزيادة الألف في هذا الموضع زيادة في المعنى لا العمل .
فَثَمَّ مِنَ الأفعال : المشي والصحبة ما يجري ، لو تدبر الناظر ، مجرى الخاص الذي ضُرِبَ مثالا لعام ، وهو التآلف والمشاكلة على تقدير : إنما يتآلف المتماثلان وَيَتَشَاكَلَانِ ، فما التآلف الباطن والتَّشَاكُلُ الظاهر الذي يَسْتَغْرِقُ القولةَ والفعلةَ وَسَائِرَ الهيئة ، فَمَا كُلُّ أولئك من أحكام الباطن والظاهر إلا حكاية التَّمَاثُلِ في الوصف أو ما دونه من التَّشَابُهِ فَهُمَا العلة والسبب وما يكون من الألفة والخلطة هو الحكم والأثر ، وذلك ما يَتَفَاوَتُ ، فهو من أدنى وجوه المشابهة إلى أعلاها من المماثلة ، فَكُلَّمَا زاد الشبه زَادَتِ الألفة والمخالطة ، فكان المماشاة والمصاحبة ، فلا تَزَالَ في زيادة فهي من جلسة بالأبدان تحصل وقولة بالجنان تَعْلَقُ إلى أعلى مراتب المحبة والخلة ، فَتَسْرِي المقالة في الأديان سَرَيَانَ العدوى في الأبدان ، ويكون من الوصف الجامع ما يوجب لهما : الأصل والفرع ، ما يوجب لهما التماثل في الحكم ، مماشاة ومصاحبة فذلك الحكم الظاهر فلا يثبت في الخارج إلا وَثَمَّ آخر في الباطن قد تَقَدَّمَ ، وهو ما دلت عليه الصلة وما عطف عليها "من يحبه ومن هو مثله" ، فالمحبة وهي من حركات الباطن علة ما يكون من الظاهر فلا يَتَمَاشَى الاثنان ولا تَتَصَاحَبُ الأبدان في الحس إلا وثم من العلة ما يَتَقَدَّمُ ، وهو ما يحصل في الجنان من المعنى ، معنى المحبة ، وذلك سنن محكم يطرد إن في عدوى الأبدان أو نظائرها في الأديان ، فالمحبة الباطنة باعث الألفة والاجتماع في الظاهر ، كما البغض باعث النفرة والافتراق ، فذلك مما اطرد وانعكس ، فلا يخلو المنطوق من مفهوم يلازم ، فدلالته ، أيضا ، مما يصاحب ، فإذ كانت المحبة سببا في الاجتماع ، إن في الحق أو في الباطل ، فذلك سنن آخر يطرد ، إذ أطلق القائل في الأثر فَلَمْ يُقَيِّدِ الحكم بمدح أو ذم ، وإن حكاه بعض من صَنَّفَ في الأصول حكايةَ الذم فَرَوَاهُ في أبواب تحذر من مجالسة أصحاب الأهواء ، فالحكم يجاوز ما استدل له من معنى يذم ، فهو يستغرق المحبة إن صحيحة أو باطلة فهي باعث ما يكون في الخارج من المماشاة والمصاحبة ، وكذا البغض وهو المفهوم آنف الذكر ، فَسَوَاءً أكان ذلك بحق أو بِبَاطِلٍ ، فَبُغْضَةُ الجنان تُوجِبُ نُفْرَةَ الأبدان فلا تجتمع ، وإن اجتمعت في الحس فَثَمَّ من التباعد ولو أشاح كلٌّ بِوَجْهِهِ فما اجتمع مع بَغِيضِهِ إلا ضرورة ، وما أطاق ذلك إلا على كَرْهٍ أو خوف ، وَإِنْ تَكَلَّفَ الرِّضَى فلا تَزَالُ حاله في الخارج تفضح ، ولو فَلْتَةَ لسانٍ أو لحظة عين .
وهما أي : المحبة والبغض وما يصدر عنهما من الرجاء والخوف ، هما ، لو تدبر الناظر ، باعث كل حركة كل في الكون بَطَنَتْ فِي الجنان عِلْمًا وَتَصَوُّرًا أو ظَهَرَتْ في الأركان عَمَلًا وَتَكَلُّفًا يَزِيدُ كما في المماشاة والمصاحبة آنفة الذكر ، ومثله ما يكون في مواضع الحس ، كما العدوى فهي ما يَتَكَّلف المصح منه الفرار ، فَيَتَحَرَّى ويحتاط بسد الذارئع فلا يجالس الممرض ولا يخالط ، فإذا سمع به لم يدخل عليه فهو يعتزل ويجانب ، فما كان باعثه في الفعلة إلا ما حصل في الجنان من فكرة تجاوز حد العرفان المجرد فَثَمَّ من التصديق ما قد رَجَّحَ فحصل به من مادة الخوف باعثٌ ثان للإرادة ، فانعقدت على سبيل الجزم ألا يقارب الممرض أو مظانه ، فكان من الاقتصاد في المماشاة والمصاحبة في الخارج تأويلٌ لما تقدم في الجنان من علم وحكم وإرادة ، فَعَلِمَ العلمَ المصدِّق بما يكون من ضرر العدوى ، فحصل له من الخوف حكم أول ، وهو ما بِهِ انْبَعَثَتْ فِي الجنان إرادةُ التَّرْكِ والمجانبة لأسباب العدوى فكان من الاقتصاد في الخلطة تأويلٌ لما تقدم من الفكرة .

وذلك ، لو تدبر الناظر ، سنن محكم يستغرق كل حركة في الكون ، فباعثها في الباطن الحب والبغض فهما أصل كل حركة في الوجود ، إن في المعنى أو في الحس ، ومادتهما ما يَتَقَدَّمُ من العلم والتصديق ، فإذا لم يَعْلَمْ جَزْمًا ويصدق حَزْمًا لم يتحمل الأمر جدا ، فالتصديق ، كما تقدم مرارا ، معنى يجاوز العرفان المجرد فهو ما يحصل لكل من يسمع ، صَدَّقَ أو كَذَّبَ ، جد أو هزل ، فالتصديق قدر يَزِيدُ وهو باعث لما بعده من الإرادة والحكم وما يكون من تأويل القول والفعل ، فلا حركة في الوجود إلا وثم حب وبغض يَتَقَدَّمُهَا ، وعلم وتصديق يَتَصَدَّرُهَا ، فذلك مما قد حُدَّ بِهِ التَّعَبُّدُ ، وهو مناط أعم وأشرف ، فذلك الاسم الجامع لما يحب الإله الخالق ، جل وعلا ، من القول والعمل ، ما بطن وما ظهر ، فتلك آحاده في الخارج ، وَحَدُّهُ ، من وجه آخر ، بالنظر في باعث الإرادة والحركة ، حَدُّهُ كمالٌ استوفى شطري القسمة : المحبة والخوف ، فهما ، كما تقدم مرارا ، أصل كل حركة في الوجود ، ومنها المماشاة والمصاحبة محل الشاهد ، فذلك العموم الذي استغرق كل أحد ، فذكر الرجل في الخبر : "إنما يماشي الرجل ويصاحب من يحبه ومن هو مثله" ، ذكره يجري مجرى التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف ، وإن لم يكن ذلك ، بداهة ، من قول الشرع ، فهو حكاية لمعناه تصح كما في قول صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ" ، فَثَمَّ من حكاية المفرد المذكر "المرءُ" ما جاوز حده في دلالة المعجم الأولى ، فذلك قانون يطرد في الأنثى والذكر ، في الفرد والجمع ، فكلٌّ على طريقة خليله ، ومعنى الخلة في الخبر كمعنى المحبة في الأثر : "إنما يماشي الرجل ويصاحب من يحبه ومن هو مثله" ، فهما علة ما يكون من المماشاة والمصاحبة ، وثم في الخبر ، لو تدبر الناظر ، معنى آخر يزيد إذ لأصل المسألة يُشِيرُ ، وهو أصل الدين الذي يجاوز ما قد يَتَبَادَرُ من دين الفكرة والشرعة ، فَثَمَّ آخر في الخصلة ، فالأخلاق والطباع على أنحاء تَتَغَايَرُ ، وكلٌّ لمثله أو شبهه يشاكل ، وذلك ، كما تقدم ، قانون يَطَّرِدُ إن في الحس أو في المعنى ، وبه تكون العدوى إن في الأديان أو في الأبدان ، فالخلطة بين الأخلاء ومنها ما يكون من المماشاة والمصاحبة ، كل أولئك مما به العدوى تَنْتَشِرُ في الخارج ، فقانون الفكرة أصل لكل حركة ، فكانت المحبة والمماثلة في الأثر آنف الذكر : "إنما يماشي الرجل ويصاحب من يحبه ومن هو مثله" ، باعثَ الحركة في الخارج ، فذلك المنطوق الذي لم يخل من مفهوم يلازمه ، فإنما يباعد الرجل ويجافي عمن يبغض فلا يماثله في المشرب والمصدر ليصاحبه في المجلس والمنزل ، ولا يخلوان جميعا وقد خَرَجَا مخرج الخبر ، لا يخلوان من دلالة إنشاء يأمر وينهى ، فالوحي يحكي من حال الأخلاء يوم الفصل : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) ، فثم عداوة إذ اجتمعوا على فجور أو ظلم أو دنيا لم يحسنوا الاتجار بها أن تكون زَادًا لآخرة ، فاستثني المتقون ، وكان من دلالة الاشتقاق ما أفاد ضد العداوة من الألفة إذ كان الجامع هو التقوى .
والوحي في موضع آخر يَنْهَى عن مصاحبة الظالمين فشؤم ذلك مما يُعَجَّلُ في الأولى بما يكون من جوائح هي في حَقِّ مَنْ خالف عَنْ جادة العدل عاجل العقابِ بما يكون من فُجْأَةِ الأخذِ ، ولا يخلو من آخر أعظم في دار المحشر والمنشر ، فكان من النهي عن مصاحبة الظالمين أَنْ : (لَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ، فَثَمَّ من النهي عن الرُّكُونِ وهو مئنة الرضى والسرور ، وذلك آكد في تسجيل الجناية ، فكان من القيد ما تَعَدَّى به الشؤم ، فالركون إلى الظالم سبب في مس العذاب الحارق ، فمعنى الظلم الذي اشتقت منه الصلة "ظلموا" وهي عنوان العلة كما قَرَّرَ أهل المعنى ، فمعنى الظلم هو مناط القيد ، فَالرُّكُونُ ابتداء يجري مجرى الجنس العام الذي لا يمدح ولا يُذَمُّ لذاته حتى يُنْظَرَ في نوعه في الخارج ، فَثَمَّ من الأنواع في الخارج ما يندرج في الجنس الأعلى الذي يجرده الذهن ، فإذا قُيِّدَ بالعدل فهو مناط مدح ، وإذا قُيِّدَ بضده من الظلم فهو مناط ذم ، كما في هذا الموضع ، فلا يخلو ، أيضا ، من اطراد في الدلالة يدور به الحكم مع العلة وجودا وعدما ، فكان مِنْ قَيْدِ الظلم ما أُنِيطَ به النهي الذي استغرق من وجوه ، فَعَمَّ إذ تسلط على المصدر الكامن في الفعل "تَرْكَنُوا" ، وَعَمَّ إذ استغرق الجمع على وجه قد جاوز دلالة الواو في "تَرْكَنُوا" وهي نص في الجمع المذكَّر فَقَرِينَةُ التغليب ، كما تقدم مرارا ، مما به دخل كل مكلَّفٍ ، وكذا يقال في جنس الرُّكُونِ ، فهو كالمثال لعموم يستغرق سائر وجوه الخلطة كالمماشاة والمصاحبة في الأثر آنف الذكر ، فَأُنِيطَ النهي بعنوان الظلم الذي أطلق فاستغرق ، أيضا ، جميع أجناس الظلم : الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع والأصغر الناقض لكماله الواجب ، فكلٌّ سبب في مس النار ، وإن تفاوت المس والقرار ، فكان من الفاء في "فَتَمَسَّكُمُ" نَصٌّ في الباب ، باب السَّبَبِيَّةِ ، إذ تَقَدَّمَهَا إنشاء بالنهي ، وتلاها المضارع المنصوب بالفتح ، وكان من عنوان النار ما قد حُدَّ حَدَّ العموم ، أيضا ، فهو يواطئ العموم في عنوان الظلم ، إذ لكلِّ ظلمٍ من دركات النار ما يلائم ، فَثَمَّ منها ما يؤبد وثم آخر يؤقت ، فلكلِّ جنايةٍ من العقاب ما يُوَاطِئُ ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، قياس العدل والحكمة ، وهي ما يوجب المبادرة بالامتثال ، ألا يَرْكَنَ العاقل المستبصر فضلا عن المؤمن المسترشد ، ألا يركن إلى ظالم فلا يماشيه ولا يصاحبه ، وإن جمعهما مجلس فهو يبغض ويكره فيعتذر ولو بجنانه فذلك أضعف إيمانه معذرةً بها يسلم من شؤم الظالم الذي يَعُمُّ الأولى والآخرة ، فالعدوى في الأديان أعظم ، والتحري في مباعدتها آكد وأولى ، فلا يَرْكَنُ إلى ممرض في المعنى بما يكون من الظلم والجفاء ، ولا يرد على ممرض في الحس بما يكون من الوباء ، فالمعنى في كِلْتَا الحالين يطرد ، وهو مما ينعكس إن في المعنى أو في الحس ، فالمنطوق في الآية أن : (لَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ، لا يخلو من منطوق يلازم ، فاركنوا إلى الذين تحروا العدل وأشرف أجناسه التوحيد فهو أصل كل حكومة عادلة في الخارج ، فَارْكَنُوا إلى أهله تَسْلَمُوا من الوعيد في الآية فلا تَمَسَّكُمً النار ، فذلك مقصد الشرع الأول أن يُحْفَظَ الدين مما يَنْقُضُ أو يَقْدَحُ ، وكذا في العدوى فلا تَرْكَنُوا إلى ذي عدوى فيصيبكم من الداء ما يؤلم ، واجتهدوا في ضده ألا تجالسوا إلا مُصِحًّا فَيَسْلَمَ لكم البدن مما يمرض ويضعف وذلك المقصد الثاني من مقاصد الشرع المحكم .
فيكون من الاعتبار : اعتبار النظائر ، فذلك من قانون القياس المحكم ، فيعم الحس والمعنى ، كما في الأثر الذي يحكي جنسا آخر من المشاكلة : "اعتبروا الناس بأخدانهم : المسلم يتبع المسلم والفاجر يتبع الفاجر" ، فلا يخلو الأمر من مناصحة وإرشاد ، وهو ما قَدْ أُجْمِلَ ثم كان بَيَانُهُ عَلَى حَدِّ المقابلة وبها استيفاء القسمة وحصول العبرة ، وثم من أطنب في ضرب المثل بين أجناس وقبائل كما في قول مالك بن دينار رحمه الله : "الناس أجناس كأجناس الطير : الحمام مع الحمام والغراب مع الغراب والبط مع البط والصعو مع الصعو وكل إنسان مع شكله" ، فكل أولئك من المثال الذي يدل على عموم يطرد ، فحكى حال البشر فهم على أجناس ، ثم ثنى بجنس الطير مجملا ، ثم ذكر منه المثال الذي يبين من الحمام والبط والصعو ، فذلك من قبيل الإطناب الخاص بعد العام إذ به يستبين الجنس ، ثم انتقل إلى قبيل الإنس ، فـ : "كل إنسان مع شكله" ، فذلك ما يجري مجرى التذييل بالقانون العام بعد جُمَلٍ من المثال الخاص ، ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة الإنشاء أَنْ تَخَيَّرْ مَنْ تصاحب فهو شكل لك يبين عن حالك ، فصاحب الأخيار تكن منهم ولا تصاحب الأشرار يُصِبْكَ شؤمهم ولو مجالسة ، وهو ، كما تقدم ، ما يجاوز إلى الحس فجالس المصح وجانب الممرض ، فذلك من تحمل الأسباب الجالبة للعافية إن في الدين أو في الدنيا .
وكذا قال من قال من السلف ، فـ : "اعتبروا الأرض بأسمائها واعتبروا الصاحب بالصاحب" ، وذلك ما فسَّرَه بعض المحققين بِأَثَرٍ لا يخلو إسناده من نظر وإن كان له من الشواهد ما يعتبر ، فكان من مسير صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين جبلين فسأل عن اسمهما فقيل : فاضح وفاجر فَعَدَلَ عنهما إذ اعتبر باسمهما وهو مما يكره ، فهو دليل على شؤم في البقعة ، فكان من الاعتبار بالنظائر ، وهو ما يوجب التحري في اختيار الصاحب ، فذكر الأرض اعتبارا في الحس ، وثنى بآخر في المعنى وهو اعتبار الصاحب إذ يحكي حال صاحبه ، إسلاما أو كفرا ، ورعا أو فجورا ...... إلخ ، فذلك عموم من جنس آخر في الحس فمن جالس صاحب عدوى فيوشك أن يصير مثله ، فوجب الاحتياط بسد الذرائع مع تحرير التَّوَكُّلِ أصلا يصدر عنه في كل حال ، فيجتهد ما استطاع ألا يَرِدَ على صاحب بدعة تعدي في الأديان أو علة تعدي في الأبدان ، ويجرد التَّوَكُّلَ ما استطاع مع ملازمة الذكر والاستغفار فهو ما تعظم بَرَكَتُهُ أَنْ يَسْلَمَ من أمراض القلب والبدن ، وسؤال الملك ، جل وعلا ، أن يَرْفَعَ البلاء والوباء ، وهو ما يجب له قسط من التقوى والورع لا مقابلة البلاء باللعب فيكون ذريعة إلى استجلاب مزيد من السخط والغضب ، وكلٌّ يأرز إلى مرجع في التصور والحكم ولكلٍّ من البواعث في السراء والضراء ما يحكي حاله الباطنة والظاهرة ، وهو ، أيضا ، مما به المشاكلة والمماثلة تَسْتَبِينُ فَكُلٌّ على جادة مثله يَسِيرُ .

والله أعلى وأعلم .