مما تقرر ضرورة في حد الأسماء الدينية المجزئة ، ما يكون من حكاية الأعمال الدينية : المالية والبدنية ، فتلك ما به يستكمل الناظر حد الإيمان ، فهو علوم وأعمال ، أخبار وأحكام ، اعتقادات وشرائع كما أثر عن الأشج العادل ، رحمه الله ، فـ : "إِنَّ لِلْإِسْلَامِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنْ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ الْإِيمَانَ" ، فثم توكيد قياسي بالناسخ اللفظي "إِنَّ" ، وهو ما دخل على اسمية بها حكاية الحد الإسلامي الجامع ، وفي رواية : "إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ" ، فهو الحد الإيماني الجامع ، فالاسمية تحكي الإثبات فهي مئنة من الديمومة والاستمرار ، وذلك حد محكم قد اسْتَغْرَقَ فَأَدْخَلَ الشرائع والحدود في الحد الديني الجامع ، حد الإسلام أو حد الإيمان ، وهو إذ أُفْرِدَ بالذكر فقد استغرق المعنى الديني كله ، ما بطن من الْأَرْكَانِ العلمية وما ظهر من الْأَرْكَانِ العملية ، وذلك مَا يجري مجرى الدلالة الاقترانية الافتراقية ، فإن اسم الإسلام إذ انفرد في سياق ديني يحكي حد التكليف المجزئ ، فذلك ما يَسْتَغْرِقُ الأركان والواجبات جميعا ، ما بطن وما ظهر ، فهو يحكي الكمال الواجب ، كمال الإيمان ، كما الإيمان إذا انْفَرَدَ فِي الذكر فهو يحكي الإسلام ضِمْنًا ، فذلك اسم يجاوز الاسم المنكر ، اسم إسلام أو إيمان ، فهو حال التنكير يدل على أدنى ما يصدق فيه الاسم من ماهية ، فذلك مطلق أول يجزئ في ثبوت الحكم ، ولا يحكي ، من وجه آخر ، القسطَ الواجب فذلك قدر زائد يَبْلُغُهُ المكلَّف بما يمتثل من التكليف الباطن والظاهر وهو قَدْرٌ يجاوز الأركان فهي أصول البنيان وقواعده ، فلا يكمل إلا بِلَبِنَاتٍ تُشَيِّدُهُ فَتِلْكَ أحكامه وشرائعه التي بها زيادة في الماهية الدينية المنكَّرَةِ ، ماهية إسلام أو إيمان أو بِرٍّ أو تَقْوَى ...... إلخ ، فهي تَبْدَأُ أولى بها يثبت الحكم ولا يثبت الكمال ، فيحصل من ماهية الحقيقة مطلقٌ أول ، وهو أدنى ما يصدق فيه الحد والعنوان ، إن في المدح أو في الذم ، فأول الاسم الديني المجزئ ما يصدق في أدنى قدر من المسمى أو الحقيقة في الخارج ، فَيَبْدَأُ الإيمانُ صورة من العرفان المجرد وبعده العلم المصدِّق الذي يجاوز حد الصورة ، فيحصل له من القبول في الجنان ما يجاوز حد العرض ، فصورة المعلوم تَعْرِضُ لمن آمن ومن كفر ، مَنْ قَبِلَ ومن رَدَّ ، فَثَمَّ علم يُصَدِّقُ المعروضَ ، فَيَتَحَمَّلُهُ تَحَمُّلَ الرضى والطمأنينة بالذكر المنزل ، وذلك فعل يجاوز حد العرفان المجرد ، فلا يطمئن الجنان إلا وقد تدبر وَقَبِلَ فَاطْمَئَنَّ وَسَكَنَ ، فذلك معنى الإيمان ، فهو ما يجاوز حد العرفان والعلم المجرد ، فَثَمَّ أمن وطمأنينة بما حصل في الجنان من صورة المعلوم المعروض الذي أُلْقِيَ في الجنان أولا إلقاءَ الحجة التي لا مدح ولا ذم ، لا ثواب ولا عقاب ، قبل ثبوتها ، فتلك حجة أولى تحصل بالعرض الأول فيكون من العرفان ما به تصور المعنى والحد ، مع دليل النقل والعقل ، فدليل الوحي المنزل ودليل العقل المسدد ، وَتِلْكَ خاصة الرسالة إذ استجمعت الأدلة المحكمة إن في نَقْلِ المباني أو فِي عَقْلِ المعاني ، فإذا أقيمت الحجة الرسالية انقسمت القلوب فهي على أنحاء ، فَقَلْبٌ يعرف ولا يقبل إذ المحل ، بادي الرأي ، يَقْبَلُ بما رُكِزَ فيه من فطرة التوحيد الضرورية ، فَهِيَ تَفْجَأُ القلب وَتَضَّطرُهُ أَنْ يَخْضَعَ وَيَنْقَادَ ، فيكون من بعث الرسالة ما يُصَدِّقُ هذا العلم الضروري ، ويكون منه ما يُبِينُ عن مجمَله ، ويكون منه ما يُقَوِّمُ مُعْوَجَّهُ ، فهو يَنْسَخُ ما يحصل في الجنان من المعلوم الباطل ، فكان من المحل ما قد تَهَيَّأَ أَنْ يَقْبَلَ مادة الوحي المنزَّل ، فيطمئنَّ بها مَنْ سَلَكَ جادة الفطرة الأولى فخلا الجنان من المانع الذي يصده عن الحق ، فلا هوى ولا حظ نفس في جاه أو رياسة أو رياشة أو لذة ..... إلخ من موانع القبول ، فإذا كانت تلك الحالَ الباطنة ، فَتَجَرَّدَ المحل من الموانع ، وقامت به الدوافع والبواعث طلبا للحق الذي به يسكن الجنان فلا ينفك يفتقر إلى البيان : بَيَانِ ما قد أُجْمِلَ فيه من مادة الحق فلا يُبِينُ عنها إلا الوحي بما جاء به من خبر صادق وحكم عادل ، فتلك الفطرة الناصحة ، فطرة الصدق والعدل ، التوحيد العلمي والتشريع العملي ، وهو المعنى الذي يحصل في القلب أولا ، فلا يَحُولُ دونه إلا مانع ، وذلك قياس العقل المحكم في أي مجموع مركَّب به التَّعْلِيلُ يُسْتَكْمَلُ ، فلا بد من محل هو المحكوم ، ولا بد من حاكم ، ولا بد من حكم ، والحكم لا يَثْبُتُ إلا إذا استوفى الشرائط فكان المحل القابل ، وكان الشرط المواطِئ ، فهو يواطئ الحكم بما رُكِزَ في المحل من قوى تُلَائِمُ ، كما العقل فهو شرط التكليف ، وهو قوة نظر وتدبر تقبل آثار الوحي المنزل إذ جاء يواطئ الفطرة العقلية ، فطرة الضرورة العلمية فهي مقدمات بين يدي الحكم ، فلا نظر يصح إلا وثم ضرورة في العلم بَيْنَ يديه تمهد ، فيكون من شرط العقل ما يَفْقَهُ خطاب التَّنْزِيلِ ، إن خطاب المعنى الأول الذي به قيام الحجة ، وهو أول ما يحصل في الجنان ، فيدرك السمعُ الصوتَ وما جُمِعَ من حروفه وألفاظه وَجُمَلِهِ التي تواطئ قانون اللسان الضروري ، فذلك أول ما يحصل في الذهن ، فيستكمل الجنان صورة المعلوم بما أدرك السمع من منطوق ، وما حصل في الجنان من مفهوم ، مفهوم الضرورة الأولى التي لا عذر لمن فَاتَتْهُ ، فهي مما يُسِّرَ للذكر والتدبر ، كما في قول ابن عباس رضي الله عنهما : "التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: وَجْهٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا. وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ. وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ. وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ" ، فكان التدبر على درجات تلائم كل مخاطَب فلكلٍّ منه حظ يلائم ، وثم قدر أول جامع ، فَفِيهِ العقول جميعا تَشْتَرِكُ بما رُكِزَ فِيهَا من قانون المنطق ، فحكاية اللسان تجاوز حد الأصوات والألفاظ ، فَثَمَّ معان باطنة ، فذلك منطق الجنان الذي يُصَدِّقُ منطق اللسان ، فصورة اللفظ المسموعة تجاوز الأذن إلى الجنان ، فَتُوَاطِئُ معجم الدلالات الضرورية التي يستوي فيها الجمعُ المخاطب ، فذلك المعنى الأول الجامع ، وصورة الكلمة المكتوبة تجاوز العين إلى الجنان فَتُوَاطِئُ ، أيضا ، معجم الدلالات الضرورية ، فاللفظة المنطوقة والكلمة المكتوبة ، كل أولئك شطر من قسمةٍ ، قسمة الكلام في الاصطلاح ، فهو اللفظ والمعنى ، واللفظ منه ما يُنْطَقُ وَيُسْمَعُ ومنه ما يُكْتَبُ وَيُقْرَأُ ، فهو جنس تحته أنواع : المسموع والمبصَر ، ولا بد له في الجنان من مرجع أول ، فهو معجم الدلالات الضرورية وبها درك المعاني الأولية آنفة الذكر ، فهي العلم الضروري الذي به قيام الحجة ، وذلك ركز العقل الذي يترجم عن السمع والبصر ، فيستكمل ما به حد الكلام المفهم يَثْبُتُ ، فَثَمَّ صورة لفظ يُسْمَعُ ، وَخَطٍّ يُبْصَرُ ، والعقل يزيدهما في الدلالة بما ركز فيه من معجمٍ يُبِينُ عن المعاني ، فيكون من حد الكلام الصحيح المجزئ في قيام الحجة في العلم والعمل ، يكون منه لفظ يُسْمَعُ أو خط يُبْصَرُ ، فذلك شطر يدركه الحس الظاهر ، ويكون من الحس الباطن عقل يَرُدُّ المسموع والمبصَر إلى معنى أول قد ثبت ضرورة في المعجم ، فذلك الحد الجامع الذي يُبِينُ عن مراد المتكلم ، سواء أكان وحيا أم وضعا ، فهو حَدٌّ قد أجمع عليه كل من تكلم إلا من جحد أو سفسط ، فَبَدَّلَ من الضرورة العلمية ما لا يستقيم بَيَانٌ إلا به ، ولو بَيَانَ المعاني الأولى التي أجمع عليها العقلاء ، ولو غَيْرَ فقهاء ، فذلك حد الضرورة في الكلام ، فاستوى فيه الخلق ، فمناطه مطلق الفهم الأول ، لا ما بعده من المعنى الثانوي الذي يدق ، فهو مما يستوجب نظرا يزيد ، فيكون من التدبر ما يجاوز حد الضرورة ، فذلك نظر يزيد ، وهو مما يَتَفَاوَتُ فيه الخلق ، كما الاسم الديني محل الشاهد ، اسم الإيمان أو الإسلام ...... إلخ ، فَثَمَّ مطلق أول فهو مبدأ الحقيقة في التصور ، فيكون من العلم أو العرفان ما يجرده كل عقل بما رُكِزَ فيه من ضرورة الفهم ، فتلك قُوَّةٌ قد رُكِزَتْ في المحل وهي ، كما تقدم ، شرط التكليف الأول ، فثم المحل المحكوم وهو الجنان ، وثم الحاكم وهو القرآن ، قرآن الشريعة المنزل ، وثم الحكم بما جاءت به النبوة من الخبر والإنشاء ، فتلك كلمة ربك ، جل وعلا ، صدقا وعدلا ، فاستغرقت جميع المحال ، فالصدق محله الباطنُ إذ يواطئ قوة التصور ، والعدل محله الظاهرُ إذ يواطئ قوة الحكم ، ولا تخلو الحال من عموم يجاوز ، فإن الصدق يجاوز محل الباطن وإن كان المبدأ ، فَثَمَّ تصديق اللسان إذ يَنْطِقُ ويصمت ، وثم تصديق الأركان إذ تَفْعَلُ وَتَتْرُكُ ، ومنه الصوم وهو الذي جَمَعَ الفعل الباطن نِيَّةً وإرادةً مخصوصة ، والظاهر تَرْكًا لجمل من المفطرات قد نص عليها الوحي فمحلها التوقيف .
وكذا العدل ، وإن كان مبدؤه الحكم الظاهر ، فَثَمَّ آخر باطن ، فصورة التوحيد العلمية معدنُ العدل في سائر الأحكام الدينية والسياسية ، إذ تُفْرِدُ أعظم موجود بأشرف تكليف في الوجود ، تكليف العبودية ، ركز الفطرة الضرورية ، فالجنان والأركان لا محالة تَتَأَلَّهُ بما جُبِلَتْ عليه في الخلق وإن جَحَدَ بَعْضٌ وسفسط آخرُ فَحَادَ عن جادة الضرورة العلمية الملجِئة التي لا تَفْتَقِرُ إلى نظر أو استدلال ، فكان من العدل أن أُعْطِيَ كلُّ ذي حق حقه ، فَأُعْطِيَ الحق ، جل وعلا ، حقه من التوحيد في أعمال التكليف ما بَطَنَ وما ظهر ، إذ هو مَنْ خَلَقَ المحال على سنن محكم وأجرى لها من الأسباب ما يُصْلِحُ وَيَحْفَظُ ، فَقِيَاسُ العدلِ أنْ يُوَحَّدَ في أعمال التشريع بما أجرى من أسباب التكوين ، وتلك المتلازمة الدينية العظمى التي عليها مدار السعادة والنجاة ، فَمَنْ خَلَقَ وَرَزَقَ وَدَبَّرَ فَانْفَرَدَ بوصفِ الربِّ وأعمال الربوبية ، فوحده مَنْ يُشَرِّعُ ويحكم فَانْفَرَدَ بوصف الإله وأعمال الألوهية ، فكان من شطري التوحيد العلمي والعملي ما استوفى الحد الديني المجزئ إيمانا أو إسلاما أو تقوى أو بِرًّا .... إلخ من الأسماء الدينية ، فلا يحول دونها إلا مانع ، فَثَمَّ من أدرك الحقائق إدراكَ العلم المجرد فحصل له من العرفان ما به قيام الحجة السماوية ، ولم يكن ثم من قبول المحل ما يجزئ في حصول حقيقة دينية تَنْفَعُ ، ولو مطلق إيمان أو إسلام أول ، فهو ما يجاوز ، كما تقدم مرارا ، العرفان المجرد الذي يحصل لكل أحد ، من أسلم ومن أشرك ، من آمن ومن كفر ، فَثَمَّ قدر آخر من القبول به يطمئن القلب بما بَلَغَهُ من الذكر ، فيكون معنى يزيد من الإذعان والإقرار والاستسلام والتصديق ، وتلك مادة بها الولاء والبراء يَلْزَمُ ، فمن صَدَّقَ بقول فهو إليه يميل ، وعنه يُنَافِحُ ، ولأهله يحب ويوافق ، وكل أولئك مما يزيد على العلم المجرد ، فَثَمَّ مُرَجِّحٌ من خارجِ القولِ بما يكون من التصديق والإرادة ، فهي ترجح القبول في حق المؤمن المحب ، وَتُرَجِّحُ الرَّدَّ في حق الكافر المبغِض ، أيا كان القول ، حقا أو باطلا ، فذلك قانون قد أجمع عليه سائر الخلق ، فمن قبل قولا ، حقا أو باطلا ، فهو يميل إليه ميلا يزيد فيجاوز حد الصورة المجردة في الجنان ، بل ثم من الإرادة قدر زائد يوجب التصديق والإقرار المواطئ ، وما بعده من استسلام باطن وآخر في الظاهر يُصَدِّقُهُ ، فذلك تلازم ثان في قسمة التكليف ، فكما التلازم بين ربوبية التكوين وألوهية التشريع في حد التوحيد ، فَثَمَّ أخرى في التكليف فاستسلام الباطن ذريعة إلى آخر يلازمه في الخارج ، وهو استسلام الظاهر بما يجري على اللسان من شهادة القول وما تَتَأَوَّلُ الأركان من شهادة العمل ، فيشهد الظاهر قولا وعملا بما حصل في الجنان اعتقادا وعلما ، فتلك المتلازمة الدينية المجزئة في حصول الأسماء الشرعية النافعة ، وتلك القسمة العقلية في حد الأسماء الجامعة كاسم الإسلام ، محل الشاهد في قول عمر بن عبد العزيز : "إِنَّ لِلْإِسْلَامِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنْ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ الْإِيمَانَ" ، فهو مجموع يأتلف من تصديق الباطن علما ، وتصديق الظاهر قولا وعملا ، فيحصل من الحقيقة الدينية ما يواطئ نظيرتها في اسم الإيمان والتقوى والبر ، فكلها أسماء تدل على حقائق ذات أجزاء وشعب ، منها ما بطن ومنها ما ظهر ، لا جرم كان من قول عمر حكاية الشرائع والحدود فهي قدر زائد على التصورات والعلوم ، وبها استكمال الحقيقة الدينية المجزئة فلا يكمل المعنى إلا بها ، وإن حصل مطلق أول فهو يجزئ في الخروج من عهدة الأضداد من أسماء الشرك والكفر والفجور ، ولا يجزئ في حصول الكمال الواجب الذي به تَبْرَأُ الذمة فلا يلحقها ذم النقض ، ولا آخر في النقص ، فَثَمَّ اسم ديني قد سَلِمَ من الناقض ، ناقض الأصل الجامع ، وثم آخر قد سلم من الناقض ، ناقض الكمال الواجب بما استكمل من الشرائع والحدود في الخارج ، وذلك ما حَدَّهُ عمر بن عبد العزيز حَدَّ الشرط ، فـ : "مَنْ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ" ، فالجواب معه يدور إن في العدم أو في الوجود ، وبعده كان الإطناب بالمفهوم : "وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ الْإِيمَانَ" ، وإن أغنى عنه المنطوق أولا ، فَنَصَّ على المفهوم إطنابا بِهِ زِيَادَةٌ في المبنى تحكي أخرى تضاهيها في المعنى ، ولا يخلو العنوان : عنوان الشرائع والحدود التي نكرت فأفادت النوعية وبها تثبت الماهية المطلقة ، لا يخلو من دلالة عموم إذ أطلق ، وإن انصرف بادي الرأي إلى الشرائع والحدود الظاهرة فهو يستغرق نظائرها في الباطن ، كما اسم الإسلام في هذا السياق الجامع فهو يستغرق ما دونه من أسماء المدح الدينية من إيمان وتقوى وبر .... إلخ ، فإذا افترقت اقترنت فدل كل منها على البقية ، فهو نائب عنها في حكاية الاسم الديني الجامع ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن عنوان الدين هو المراد ، فَحَكَى فردا من أفراده في السياق حكاية المثال فلا يخصص العام ، فالذهن يجرد حقيقة أعم حقيقة الدين التي تستغرق الإيمان الباطن والإسلام الظاهر ، بِرَّ الفعل وَتَقْوَى الكف ، فتأويل السياق على هذا الوجه : إن للدين شرائع وحدودا ، ولا تخلو اللام في "لِلْإِسْلَامِ" من دلالة الاختصاص ، اختصاص الحقيقة بأجزاء منها في الخارج ، وهي الحدود والشرائع ، إذ تدخل ، كما تقدم ، في حد الماهية الدينية المجزئة ، بل ثم منها ما لا يثبت أصلُ الحقيقة الأول إلا بِثُبُوتِهِ ، فمن الشرائع والحدود ما هو حتم لازم للخروج من عهدة النقض ، الشرك أو الكفر ..... إلخ ، فلا يحصل الأصل الأول إلا باستيفائه وانتفاء المعارِض أو المانع ، ومنها ما هو حتم لازم للخروج من عهدة النقص ، فلا يحصل الكمال الواجب إلا باستيفائها في الخارج .

والله أعلى وأعلم .