ومن قوله تعالى : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) ، فكان من الشرط والجزاء ما اقترن على حد التلازم طردا وعكسا ، فَثَمَّ طرد قد ذُكِرَ ، وثم عكس قد حُذِفَ فهو مما استفيد بالمعنى المفهوم إذ قد دل عليه المبنى المنطوق ، فالمفهوم أن من كان يريد الآخرة وسعى لها سعيها فسوف يوف عمله فيها ولا يبخس ، وهو ما قد نص عليه الوحي في موضع آخر ، أيضا ، فـ : (مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) ، وثم دورانُ الوجودِ والعدمِ فلا يخلو التلازم من أخرى في التعليل ، إذ الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما ، فالجزاء فرع على الشرط ، وهو ما يَجْرِي مجرى التعليل في الحكم ، والتقدمة بين يدي النَّتِيجَةِ ، والسبب بَيْنَ يدي المسبَّب فهو له يُوَطِّئُ ويمهد ، فَتَوْفِيَتُهُمْ جزاءَهم في الدنيا فرع أَنِ انصرفت إرادتهم إليها وحدها ، فكان من التَّوْفِيَةِ في الجواب الذي جُزِمَ عامله ولم يخل من دلالة التعظيم إذ أسند إلى ضمير الجمع في "نُوَفِّ" ، فذلك حكم العدل وَمَنْ أَوْلَى به من الرب ، جل وعلا ، فَيُوَفِّي كلَّ عاملٍ ما عمل ، وكل قاصد ما قصد ، فلا يظلم مَنْ بَذَلَ السبب ، وإن تفاوتت العزائم والمراتب ، وهو ما حده أبو الطيب في أَبْيَاتِهِ المشهورة إذ يمدح سيف الدولة :

عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ ****** وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ .
وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها ******* وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ .

فَمَدَحَهُ على ما خاض من غمارِ الحرب ولو طلب بها المجد في هذه الدار فلم يجاوزها إلى أخرى ، فكان من التوفية أن خَلَّدَ الله ، جل وعلا ، ذكره بمدائح أبي الطيب التي سارت بها الركبان ، فكان من مديحة أبي الطيب ما يدخل ، لو تدبر الناظر ، في عموم المعنى الذي أبانت عنه الآية : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) ، بل أبو الطيب نفسه آكدُ في الدخول ، دخولِ هذا العموم فذكره أشهر بما أُثِرَ من أَبْيَاتٍ صارت مضرب المثل في شعر الحكمة ، فكان من طلب المجد والرياسة ما خاض به الرجل غمار الحرب والسياسة ، فَوُفِّيَ أجرَ ما عمل ، وكان من خلود ذكره ما صَيَّرَهُ ضرورة في أي معلوم في الأدب والنظم ، فلا ينكره إلا جاحد أو جاهل بآداب العرب .
فكان من توفية الله ، جل وعلا ، توفية العدلِ الناجز في هذه الدار لمن أرادها ولم يجاوزها إلى ما بعدها فيكون من الأجر سعةً في العيش وَبَرَكَةً في العمر والرزق ، فقد يَتَصَدَّقُ ويتجرد ولكنه لا يسلك جادة الوحي المنزل ، ففاته من التوحيد شطر رئيس لا يصح توحيد إلا به ، فهو توحيد الرسالة تصديقا وامتثال ، فتوحيد القصد إخلاصا لا يجزئ حتى يكون من الاتباع ما لدعوى المحبة يُصَدِّقُ كما في آي آل عمران : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فذلك شرط يجري مجرى الإلهاب والتهييج ، فكان من الشرط ما زِيدَ في حدِّه الكينونة الماضية "كُنْتُمْ" التي تَوَجَّه الخطاب بها إلى الجمع ، فتلك دلالة التاء في صيغة الجمع إذ زِيدَتْ فيه الميم ، وهي علامة لا تستقل بالنطق ، ولا محل لها من الإعراب المفرد فليست بكلمة ، ولو ضميرا حُدَّ حَدَّ الحرف المفرد ، حرف المعجم ، كما الحال في تاء الفاعل ، فهي اسم وإن حُدَّ حَدَّ الحرف المفرد ، حرف التاء ، فصورتها وصورة الحرف في المعجم واحدة ، فيجري ذلك مجرى الجنس العام المطلق ، فتحته أنواع منها : تاء الفاعل ، وهي اسم له من الإعراب محل ، ومنها تاء التأنيث وهي حرف لا محل له من الإعراب فَلَهُ وظيفة دلالية وإن لم يكن له أخرى نحوية ، ومنها تاء المعجم ولا محل لها من الإعراب ، بَدَاهَةً ، وإن كان لها في مواضع وظيفة في الدلالة ، كما في تاء الخطاب التي يصدر بها المضارع في نحو قولك : تَقْرَأُ الكتاب ، فَالتَّاءُ مَئِنَّةٌ من خطاب المذكر المفرد ، فهي دليل الضمير الذي استكن إيجابا ، وتقديره "أنت" ، وكذا تاء المعجم ذات الدلالة التَّأْنِيثِيَّةِ في نحو قولك : تَقْرَأُ هند الكتاب ، فَلَهَا دلالة معنوية وليس لها وظيفة نحوية ، فَثَمَّ تاء فاعل قد صِيغَتْ صيغةَ المجموع المخاطب في "كنتم" ، فإليه تَوَجَّهَ الخطاب : خطاب التهييج والإلهاب آنف الذكر ، ولا يخلو من عموم يجاوز الجمع المخاطب إبان التَّنْزِيلِ ، فَثَمَّ عموم يجاوز بما تَقَدَّم مرارا من قَرِينَةِ العموم في خطاب التكليف فهو يستغرق الجمع المذكر ونظيره المؤنث ، مَنْ حضر وَمَنْ غاب ، مَنْ وُجِدَ زمنَ الرسالة ومن عُدِمَ فَلَمَّا يوجد بعد ، فكان من الشرط ما قد عَمَّ ، وكان من الجناس اشتقاقا بَيْنَ العاملين : "تحبون" و "يحببكم" ، فَهُوَ يحكي المشاكلة والمواطئة في المعنى المجرد في الذهن ، ولا يلزم من ذلك التماثل أو التشابه في الحقيقة والماهية في الخارج ، بل لكلِّ فاعلٍ يقوم به معنى الحب ، لكلِّ فاعلٍ من الوصف قدر يُوَاطِئُ مَاهِيَّتَهُ في الخارج ، فمحبة الله ، جل وعلا ، أن يحب العبدَ ، هي الشأن ، كلُّ الشأن ، كما في الأثر ، وهي من وصف فِعْلِهِ الذي يقوم بذاته قِيَامَ الفعلِ بالفاعل ، فالوصف منه : وصف الذات ومنه وصف الفعل ، كما المحبة ، فهي مما يُنَاطُ بالمشيئة ، ولا يخلو أن يَقَعَ على سبب ، كما في الآية ، فإن اتباع النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبب في حصول المحبة ، فالمحبة لازم والاتباع ملزوم ، والاتباع علة والمحبة معلول ، فَثَمَّ تلازم يجري مجرى الدوران وجودا وعدما ، كما التلازم بين المقدمة والنتيجة ، السبب والمسبَّب ، فذلك من قياس العقل المحقق ، فكان من جنس المحبة الربانية ما يقوم بالذات القدسية قِيَامَ النَّوْعِ الذي قَدُمَ فهو يلازم الذات القدسية من الأزل ، وهو ما اصطلح عليه أهل النظر أنه الوصف بالقوة وإن لم يَقَعْ بالفعل آحادا في الخارج ، فهي تأويل النَّوْعِ الذي قَدُمَ ، فَثَمَّ آحاد تحدث وهي ما يكون بالحكمة والمشيئة ، فَتَقَعُ الآحاد إذا وُجِدَتْ أسبابها ، وذلك الدوران وجودا ، ولا تَقَعُ إذا لم تَقَعْ أسبابها ، وذلك الدوران عدما ، فإذا وُجِدَ سبب المحبة وُجِدَتْ ، وإذا انْتَفَى انْتَفَتْ ، وذلك التلازم آنف الذكر وهو مئنة من الحكمة البالغة ، ولله ، جل وعلا ، منها المثل الأعلى ، فهو يحب مَنِ اتَّبَعَ رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ هو الْمُبَلِّغُ لِمَبَانِيهِ المبيِّن لمعانيه ، فاتباعه : اتباعُ الوحي الذي أَنْزَلَهُ الرب الشارع ، جل وعلا ، وذلك ما استغرق إذ أطلق العامل ، عامل الاتباع ، فاستغرق الاتباع في باب الأخبار وتأويلُه التصديق ، والاتباع في باب الأحكام وتأويلُه الامتثال ، فَتَصْدِيقٌ وامتثال بهما شاهد الصدق على دعوى القول ، دعوى المحبة وهي ، أيضا ، من أعمال الإيمان الباطنة ، ولو تدبر الناظر في السياق ، لوجدها حكاية للجنس الأعم ، جنس الإيمان فالمحبة من أفراده ، فذكرها في هذا السياق لا يخصصه ، وإنما ذكرت أَنْ كانت من أظهر أدلة الإيمان الذي يكافئ ما تَقَدَّمَ من التصديق والامتثال ، وهو ما يجاوز الحركة الباطنة والدعوى الناطقة ، فَثَمَّ من العمل فِعْلًا وَكَفًّا ما يُصَدِّقُ دعوى الباطن اعتقادا ، ودعوى اللسان قولا ، فَثَمَّ شطر ثالث يقاسمهما حقيقة الدين النافع ، وهو ما يجزئ في حصول اسم ديني صحيح ، سواء أكان مطلقا أول أَمِ المطلق الكامل ، وهو القدر الواجب ، فَثَمَّ شطر ثالث وهو العمل فهو شاهد التصديق امتثالا للأحكام ، فِعْلًا وَتَرْكًا ، فالعمل يقاسم الاعتقاد والقول ، من وجه ، وَيُصَدِّقُهُمَا من آخر ، فهو آية الصدق ، صدق المحبة ، فأطلق الاتباع وهو سبب المحبة ، فَمَعَهُ تدور وجودا وعدما ، وهو ما اسْتَغْرَقَ ، من وجه آخر ، اتباعَ ما قد جاء به آيا متواترا أو أخبارا منها قليل قد تواتر وكثير قد نُقِلَ نَقْلَ الآحاد .
فكان الأمر بالاتباع الذي أطلق فاستغرق من وجوه ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، ما يضاهي اسم الدين كله ، فالاتباع من أعماله ، وهو من لوازمه ، من وجه ، فمن عَبَدَ فَهُوَ يَتَّبِعُ ، ومن أسبابه من آخر ، فالاتباع التام سبب في حصول اسم الدين المجزئ ، وهو مما يَتَفَاوَتُ ، فَثَمَّ اتباعٌ أول يجري مجرى مطلقٍ به ثبوت الاسم دون كماله الواجب ، ولا يَزَالُ صاحبه يسلك جادة الاتباع تصديقا وامتثالا ، فكلما ارتقى درجة حصل له من زيادة الدين ما يجتمع كما القطرات فاجتماعها يُفْضِي إلى سيولٍ جَارِفَاتٍ ، فكذا الإيمان فهو قطرة إلى أخرى ، فَتَصْدِيقٌ بخبر ثم آخر ، وامتثال لحكم ثم آخر ، وهو ما يجاوز ما قد يَتَبَادَرُ من الأعمال الدينية المحضة ، فَثَمَّ من دائرة التكليف ما اتَّسَعَ فاستغرق المباحات وهي جمهور الأفعال الاختيارية فَهُدِيَ المسدَّد أن يَزِيدَ فيها من القصد والنية ما يُكْسِبُهَا وصفَ الدينية ، فذلك عمل باطن يخفى ولا يكون ، أيضا ، إلا وثم محبة ، فصاحبها يَرُومُ رضى من يحب وَإِنْ في أعمال الجبلة ، ولا يخلو ذلك من عموم آخر هو ، لو تدبر الناظر ، مناط الخصومة بين النبوات وسائر الحكومات الأرضية المحدثة ، فالنبوات قد جاءت تستغرق ما نَازَعَتْ فيه الطواغيت من حكومات السياسة والحرب وما يكون من المضاربات والصفق ، وما يكون من تأويل التاريخ الذي لا يَنْفَكُّ عن باعث أول فهو عقد يَسْتَبْطِنُهُ العقل ، فَعَنْهُ يصدر الحكم وَالنَّقْدُ ، فَنَقْدُ المرويات التاريخية ، إِنْ نَقْدَ النَّقْلِ أو تأويل العقل الذي يُفَسِّرُ البواعث وَيُقَوِّمُ النتائج ، كل أولئك مما يختلف تَبَعًا لاختلاف المراجع ، فَثَمَّ مرجع الوحي المجاوز الذي يحكم في البواعث والنتائج من خارج ، فهو الحكم العدل الذي سَلِمَ من آفات الأرض ، فلا يفتقر إلى الأسباب كما المرجع الأرضي فإن باعثه لا يجاوز حاجة المخلوق إذ يفتقر إلى سبب به حفظ الذات والنوع ...... إلخ ، فالمخلوق يحتال لذلك أن يُبَرِّرَ فَيُخَرِّجَ ما يصنع على سنن الشرع أو العدل أو الأخلاق ، فيكسو صنائعه اللحاء ، لحاء الوحي والعدل والحكمة وإن كانت عَنْهَا تجافي ، بل هي على ضِدِّهَا ، فإذا رُدَّ الأمر إلى الخلق فالظلم والجهل فيهم آفة ، فإذا صار لهم الأمر فهم من يضع القانون والشرع ، وهم من يكتب الدرس ، درس التاريخ ، فَيَتَصَرَّفُ فيه بالإضافة والحذف ، والتأويل تارة والتَّبْرِيرِ أخرى على وجه لا يخلو من التَّكَلُّفِ ، وإن كان التأويل والتَّبْرِيرُ ، أيضا ، جنسا عاما فلا يذم كله ، وإنما منه ما يذم من التأويل البعيد أو الباطن وَالتَّبْرِيرِ الْمُتَكَلَّفِ لِمَا يُقَارَفُ من جرائم ، ومنه ما يمدح فَثَمَّ مِنَ التأويل السائغ ما به المخالف يُعْذَرُ ، بل قد يمدح ، ولو من وجه ، أَنْ يَنَالَ أجرَ المجتهد إذا أخطأ ، ولو كان ذلك بالنظر في المجموع إذا كان ثَمَّ فِئَتَانِ تَتَنَاجَزَانِ فيكون من الْبَغْيِ إن بالقول أو بالفعل ، يكون منه ما يَحْتَمِلُ ، فَيَحْتَمِلُ تارة تأويلا يَرْفَعُ قسطا من المذمة دون آخر ، فلا يرفع الوعيد ، وإن جنسا مطلقا ، كما قيل في حق البغاة من الخوارج ، ويحتمل آخر يَرْفَعُ المذمة ، ولو في الجملة ، فالنظر في هذه الحال نظر المجموع لا الجميع ، فيجري مجرى الغالب فَلَهُ الحكم وما كان من الاستثناء فهو نادر فلا حكم له يَعُمُّ ، وإنما يجري مجرى الضرورة التي تُقَدَّرُ بالقدر ، فَيُسْتَثْنَى النادر من العموم إذا كان ثَمَّ دليل استثناء معين ، ولا يقاس عليه غيره إذ يخالف عن الجادة والأصل ، فهو ناقل عنه وهو صاحب دعوى لا يجزئ في إثباتها الاحتمال المحض فلا بد من قدر زائد يُرَجِّحُ الإثبات أو النفي ، فذلك دليل من خارج الدعوى ، فذلك من زيادة العلم التي تجزئ في الانتقال عن الأصل المحكم ، فلا انتقال عنه بمحض الرأي المشبَّه الذي يَتَحَكَّمُ في الاستدلال فَيُجَوِّزُ ويجعل الجواز والاحتمال دليلا في نفسه ، وإن افتقر ، عند التدبر والنظر ، إلى دليل من خارجه ، فَهُوَ دعوى يُحْتَجُّ لها ولا يُحْتَجُّ بها ، فَثَمَّ من التأويل ، كما تقدم ، ما يجزئ في رفع المذمة بل ويستجلب ضدها من المدح ، ولو لم يخل من نقص ، فهو مدح المجتهد إذا لم يصب مع ما تَحَرَّى من حُسْنِ القصدِ وإحكام النظر ما استطاع أن يجمع من الأدلة ما ورد في الباب ، وأن ينظر فيها نظر التجرد ، وإن لم يسلم من حظ نفس يطرأ ، ولو دَقِيقًا يَخْفَى ، لا سيما في مواضع الخصومات المستحكمة ، كما الحال في نَوَازِلِ السياسة والحرب ، فلا تخلو من هَنَّاتٍ تجري في حق الأفاضل مجرى المتشابه النادر أو القليل فلا يُرَدُّ لأجله المحكم الغالب من أحوالهم ، كما المثل يضرب في تَأْوِيلِ ما كان من الفتنة يومَ الجمل والبغي يَوْمَ صفين ، فَثَمَّ من التأويل ما يُعْتَبَرُ إِذِ احتف به من القرائن ما يُعْتَبَرُ ، وذلك أصل في التأويل يطرد ، فالتأويل المعتبر ما كانت قِرِينَتُهُ معتبرة وإن خالف عن الظاهر الراجح بادي الرأي ، وَضِدُّهُ مَا أُهْمِلَ من التأويل وَرُدَّ فَقَرِينَتُهُ بعيدة مهجورة أو باطلة مرذولة .
فَيُعْتَبَرُ التأويل إذا كانت القرينة مُعْتَبَرَةً ، وإذا كان مِنَ العذر ما يحسن ، فَثَمَّ من محكم الحال ما اطرد فلا يقدح فِيهِ مُتَشَابِهٌ قَدْ عَرَضَ في حالٍ لا تخلو من احتمال يَخْفَى فِيهِ الحق على بَعْضٍ ، وإن ظهر لآخرَ ، فكان من التفاوت ما به الخلاف يَنْشَأُ إذ لو كان الحق ظاهرا محكما ما اختلف طالبوه ، وإنما الخلاف يقع إذا كان ثم اشتباه ، وهو ما يَتَفَاوَتُ ، فَمِنْهُ ما قد ضَعُف َفلا يعتبر فلا يخلو مَنْ تَلَمَّسَهُ أن يكون ذا حظ وهوى ، ومنه ما اعتبر فَلَهُ حَظٌّ من النظر وَافِرٌ ، فالخلاف قد اعْتُبِرَ لا سيما إن كان بَيْنَ الأفاضل ، وكان كلٌّ أهلا أَنْ يَنْظُرَ ، فيكون الخلاف الذي قد يُفْضِي إلى البغي إن بالقول أو بالعمل ، وليس ذلك كخلاف أهل الأهواء فلا حظ له من النظر ابتداء، وإنما قَوِيَ الخلاف السائغ إذ تَقَارَبَتِ الأدلة وإن لم تَتَعَادَلْ فلا تخلو من تَرَاجُحٍ إذ لا تَتَكَافَأُ الأدلة من كل وجه ، فذلك ، كما يقول بعض أهل الشأن ، ذلك لو صَحَّ فهو في نظر الناظر لا في نفس الأمر الكائن ، فلا بد من وجهِ تَرْجِيحٍ ، ولو دَقَّ ، إن نقلا أو عقلا ، فالحق في مسائل الخلاف واحد أبدا ، قَوِيَ الخلاف أو ضَعُفَ ، وإنما الشأن في التأويل أن يَرْفَعَ المذمة عن المخالف إذا تَحَرَّى الصدقَ والعدل بل ذلك ما يجعله من أهل الوعد وإن بالأجر الواحد فلا تخلو حاله مِنْ نَقْصٍ ، فَفَوَاتُ الدليلِ أو وجه الاستدلال لا يخلو من نَقْصٍ في الاجتهاد ، فقد رَجَحَهُ من أصاب الدليل وعلم من وجه الاستدلال ما به صحيح التأويل ، فلا يخلو أن يكون اجتهاده أَوْفَرَ ، فالنقص قد نال المجتهد المخطئ بالنظر فيما زاد المجتهد المصيب ، فَإِنَّ كُلَّ ما زاد في الدرجة فما تحتها فهو نَقْصٌ عنها وإن لم يبلغ بصاحبه دَرَكَةَ الذمِّ ، كما قِيلَ في تخريج قول مأثور عن بعض أعلام الفقه والدين أن الإيمان يزيد ولا ينقص ، فإن القول بالزيادة يَسْتَلْزِمُ ضرورة في النظر المحكم ، أن يكون ثم نقص ولو بالنظر فِيمَنْ فَاتَتْهُ هذه الزيادة ، فمن زاد في الدرجة فدونه من لم يَزِدْ فَقَدْ نقص عنه من هذا الوجه ، سواء أكان تاركا لبعض الواجب فَنَقْصُهُ يُذَمُّ الذَّمَّ الحَالَّ الناجزَ ،أم كان تَارِكًا لِمَا دون ذلك فَنَقْصُهُ لا يذم في الحال الناجزة وإن احتمل الذم بالنظر في أخرى آجلة أَنْ يَكُونَ مِنْ تَرْكِ ما ليس بواجب من أقوال البر وأفعاله ، أن يَكُونَ مِنْ تَرْكِهِ ما يُوقِعُ صاحبه في حمى الذم أن يكسل عن الواجب فما نُدِبَ فهو له سياج وَاقٍ ، فإذا نَفَذَ العدو إلى السياج وخرقه فَيُوشِكُ أن يقتحمَ الدار .
والشاهد أن من الوحي منهاجا قد عم فاستغرق إن في السياسة أو في الحرب ، إن في التاريخ أو في الحاضر أو في المستقبل ، فاستغرق ظرف التكليف كله ، بل وجاوزه إلى ما بَعْدَهُ من الدور ، بَرْزَخًا فهو المنزل الأول وحشرا فهو المنزل الآخر ، فتلك خاصة الوحي في تأويل الأحوال والوقائع فهو ، كما يقول بعض المحققين ، يَعُمُّ الإنسان جسدا وروحا ، فَيُبَاشِرُ منه قوى الاختيار بما رُكِزَ فيه من إرادة بها امتاز من الجنس الذي لا ينطق إذ لا يَعْقِلُ ، فما النطق إلا حكاية العقل ، وبه أُنِيطَ التكليف بالوحي المنزل ، وبه كان التفضيل عن الحيوان الأعجم ، خلافا لمن انحط في تأويله لوقائع الخلق فَجَعَلَ باعثها حاجة الحس أو لذة الجسد ، وتلك أحوال ناقصة يشاطر الحيوان فيها الإنسان ، فَبِمَ امتاز الإنسان لِيَنَالَ رُتْبَةَ التكليف الأعلى ؟! ، إلا أن يكون الأمر ، كما زعم أولئك ، صدفةً جاءت بالإنسان عَبَثًا ، فذلك الجفاء والتفريط في هذا الخلق المكرم ، جنس الإنسان المكلف ، وفي مقابله الغلو والإفراط الذي وضع الإنسان موضعَ الإله فهو الذي يحكم ويكتب ، وإذا لم يكن ثم رائد من خارجه يُرْشِدُ فهو لا محالة يخطئ ، بل يَبْغِي وَيَطْغَى ، فلا ينفك يُحْدِثُ من الحكومات ما به يَنْتَصِرُ لنفسه من خصومه ، وَيَتَأَوَّلُ لِمَا يُقَارِفُ من جناية الظلم والبغي ، وإن ضَيَّعَ الحدود والأحكام واستباح الدماء والأموال وسائر الحرمات ، فَيَنْتَصِرُ من خصمه ظلما وعدوانا إذ ليس ثم حكم من خارج يفصل في الخصومة ، فقد تحكم الخصم فَحَكَمَ على خصمه ، وليس له من سبب إلا الملك والقوة وهما ذرائع الطغيان إن لم يكن ثم رائد من الرحمن ، جل وعلا ، وَحْيًا يَسْلَمُ من الأهواء والحظوظ المحدثة ، فيحكم حكومة العدل السالمة من التهمة ، بما وجب لها من العصمة ، وإلا فلكلٍّ عقل وهوى وحظ وذوق وحاجة يطلب سَدَّهَا وشهوة يَرُومُ قضاءها ، ولو ظلم وبغى ، ولكلٍّ من التأويل ما يَتَكَلَّفُ ، فلا يكاد يُعْدَمُ حِيلَةً بها يَتَصَيَّدُ الأدلة ، وإنْ ضعيفةً ، وَيُلَفِّقُ وجوه الأدلة ، وإن بعيدةً ، فلا يَفْصِلُ في هذه الخصومة في الأرض إلا اتباع الحكومة النازلة من السماء .
فذلك ما قد كان فِيهِ الخلاف بَيْنَ النبوات وَسَائِرِ خصومها ، فكان من الأمر بالاتباع في الآية : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، كان منه مَا بِهِ يمتحنُ المدَّعي أصدق فَاتَّبَعَ وَتَجَرَّدَ من حظوظه فَنَزَلَ على حكومة الوحي ، أم كذب فَجَحَدَهَا صراحة أو راح يَتَأَوَّلُ من متشابهها ما يَرَدُّ به محكمها لِيُوَاطِئَ حَظَّ نَفْسِه في البغي والعدوان ، فلا تكون المحبة الربانية ، وهي مُنْتَهَى السؤلِ ، لا تكون إلا وثم دليل يشهد بصدق الدعوى وهو الاتباع الذي أطلق في الآية فَعَمَّ ، كما تقدم ، جميع الحكومات على وجه به الخصومة قد ثَبَتَتْ بَيْنَ النبوات وسائر المقالات ، فكان من دليل المحبة ، ذلك الوصف الذي كانت فيه الشركة ، شَرِكَةُ الجنسِ المطلق الذي يجرده الذهن ، فذلك عام تَنْدَرِجُ تحته أَنْوَاعٌ فمنه محبة الخالق ، جل وعلا ، فذلك وصف الفعل الذي قَدُمَ نوعه وحدثت آحاده فيكون من السبب ما به يكون الفعل في الخارج على وجه به الثناء والحمد لرب السماء والأرض ، جل وعلا ، إن جمال حكمة أَنْ كَانَ الفعل إذا وجد السبب ، فثم تلازم يواطئ السنن المحكم ، إن في الكون أو في الشرع ، فيدور الحكم معه إن في الوجود أو العدم ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى في أحكامه وأفعاله ، فيكون الحمد إن جمال حكمة ورحمة أو جلال قُدْرَةٍ وَمَشِيئَةٍ ، فوصف الفعل يُنَاطُ بِهَا ، فكان من سبب المحبة الربانية مَحَبَّةُ العبد له ، جل وعلا ، فَثَمَّ اشْتِرَاكٌ في المعنى المطلق وهو ما لأجله كان الجناس في الاشتقاق بين العاملين "تحبون" و "يحببكم" ، ولا يخلو من طِبَاقٍ بالنظر في الفاعل : المخلوق والخالق ، جل وعلا ، فكلاهما يحب ، وشتان في الماهية والوصف والقدر ، وذلك في باب الإلهيات أَصْلٌ ، فَثَمَّ اتفاق من وجهٍ وهو القدر المشترك الذي يجرده الذهن ، وثم اختلاف من آخر وهو الحقيقة والماهية في الخارج .
وآية المحبة ، وهي من أوثق الْعُرَى الدينية المحكمة ، آيَتُهَا ما قَدْ حُدَّ حَدَّ الجزاء : (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، فدخلت الفاء تَسْتَصْلِحُ المبنى من وجه ، فهي فَاءُ الرَّبْطِ إِذْ حُدَّ الجزاءُ حَدَّ الإنشاء أَمْرًا وتلك من مواضع وَجَبَ فيها اقتران الجزاء بالفاء ، فدخلت تَسْتَصْلِحُ المبنى من وجه ، وَتَزِيدُ في المعنى من آخر فلا تخلو من دلالة التعليل ، ولا تخلو من الفور والتعقيب وذلك آكد في المسارعة بالامتثال ، فَثَمَّ من الأمر ما قد أُطْلِقَ ، كما تقدم ، وهو مئنة من الإيجاب ضرورة ، بل ذلك شطر التوحيد الثاني : توحيد المرسَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أَنْ يُصَدَّقَ خَبَرُهُ وَيُمْتَثَلَ أمرُه فِعْلًا ونهيه تَرْكًا ، فذلك ما به استكمال التوحيد ، فمحبة الله ، جل وعلا ، في الشطر الأول : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ) ، تلك المحبة كناية عن توحيد المرسٍل ، جل وعلا ، فالمحبة من لوازمه ، وهي ، لو تدبر الناظر ، من بواعثه ، وهي ، أيضا ، من أعماله بل من أوثق عراه ، كما تقدم ، فذلك شطر التوحيد الأول ، وبعده كان الثاني في الجواب : (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، فهو توحيد المرسَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك شطر الشهادة الثاني ، فَتِلْكَ عِبَارَةٌ جامعة للدين كُلِّهِ ، قَصْدًا وَاتِّبَاعًا قَدِ اسْتَغْرَقَ الباطن والظاهر جميعا ، فلا يخلو الاتباع أَنْ يَسْتَغْرِقَ الباطنَ أعمالَ جنانٍ ، والظاهر أقوالَ لسانٍ وحركاتِ أركانٍ ، وهو سبب في حصول الغاية ، غاية المحبة الربانية ، وذلك ما قد حُدَّ جزما في جواب الطلب على وجه لا يخلو ، أيضا ، من دلالة التلازم على حد التعليل المواطئ لصريح العقل ، فاتباع المرسَل سبب في رضى المرسِل ، فلا يخلو من مسارعة في الوعد والبشرى لا سيما على قول من أجراه مجرى الإيجاز حذفا ، فَثَمَّ شرط قد حُذِفَ قياسا على تقدير : إن تَتَّبِعُونِي يحببكم الله ، وهو ما يفيد بالمفهوم عكسه ، فإن لم تَتَّبِعُونِي فخالفتم عن رسالتي تكذيبا أو تعطيلا فلا يحببكم الله ، جل وعلا ، بل يُبْغِضُكُمْ ، وذلك مناط ذم يستلزم النهي والكف ، فَثَمَّ اطراد وانعكاس إن في المنطوق أو في المفهوم ، فالاتباع سبب المحبة الموجبة للنجاة وذلك ما استوجب الأمر به ، والمخالفة سبب في البغض الموجب للهلاك وذلك ما استوجب النهي عنها ، وذلك ما به تحرير القصد ، فغايته محبة الرب ، جل وعلا ، ورضاه ، فيجتهد صاحبه في تحرير القصد وتحري الاتباع ، فلا يجزئ قَصْدٌ ناصح وليس ثم اتباع ، ولا يجزئ اتباع والقصد قد فَسَدَ ، فضلا عن حال ثالثة هي السفلى ، فيكون من فساد قوله أو عمله ما به أَرَادَ الأولى فَلَمْ يخلص لا في القصد ولا في الاتباع ! .
فلا يجاوز العامل في الآية : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) ، لا يجاوز بإرادته هذه الدار فَثَمَّ من تأويل العدل في التَّوْفِيَةِ ، تَوْفِيَتِهِ أجرَه ، ما يجد أَثَرَهُ المعجَّل فَيَبْلُغُ باجتهاده من الجاه والرياسة والرياشة ، فَيُوَفَّى أجره في هذه الدار إذ لم يجاوزها في القصد ولم يَتَجَرَّدْ في الاتباع ، فلا يَسْلَمُ لعاملٍ عَمَلٌ إلا أن يَسْتَوْفِيَ قسمة التوحيد فَعَلَيْهَا مدار الدين والنبوة ، فتوحيد القصد إخلاصا وتوحيد النبوة اتباعا ، كما التوحيد تصديق وامتثال ، فتوحيد الجنان بمادة العلم الصادق ، وتوحيد الأركان بمادة العمل الصالح ، وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، تصديق للدعوى ، كما الصدقة فهي من اسمها تُصَدِّقُ الدعوى بشاهد البذل والعطاء ، وذلك معنى يستغرق كل عمل ، فيجاوز الصدقة ، فذكرها من هذا الوجه يجري ، كما تقدم ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فكان من العدل معنى يعظم في توفية الأجر ولو معجلا في دار تفنى فمآله الهباء فلا يبقى ، فَثَمَّ ، مع خسة معدنه واضمحلال مادته ، ثم عدل في تَوْفِيَةِ صاحبِه أجر ما بذل واستفرغ ، فاجتهد أن يَبْلُغَ درجة وإن كانت عند التحقيق دركة فَأُعْطِيَ ما سعى في تحصيله ، وكان من التَّوْفِيَةِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، معنى يَعْظُمُ فهو تأويل العدل الذي أَمَرَ به رَبُّ السماءِ والأرضِ ، جل وعلا ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) ، ولا يأمر به ، وهو الكمال المطلق ، إلا وقد اتصف به أولا في الأزل فهو من مدلول اسمه الأول ، فَتَقَدَّمَ بالذات القدسية وما قام بها من الأسماء الحسنى والصفات العلى ، ومنها وصف العدل في الحكومة ، فَيَثْبُتُ له من باب أولى ، إذ هو الكمال المطلق وهو به ، ضرورة ، أحق ، فَأَمَرَ به الخلق إذ اتصف به أولا فما كان من عدلٍ في أحكامهم إلا ومعدنه الخالص ما كان من حكومة الوحي النازل ، فهي حكومة العدل المطلق الذي تجرد من الأهواء والأذواق وسائر البواعث الأرضية التي تحكي نَقْصَ الجبلة والخلقة فذلك ما قد سَلِمَ منه ، بداهة ، رب العزة ، جل وعلا ، فكان من العدل ما أمر به الرب ، جل وعلا ، وهو به أولى ، فَيُوَفِّي من عمل أجرَه ، ولو في هذه الدار فلا يجاوزها ، إذ لم يُرِدْ ما وراءها فكان من الحكمة والعدل أَنْ يُعْطَى ما طلب ولأجله عمل واجتهد ، فَلَوْ أراد ما بعدها ما ظُلِمَ أجره ، فذلك ما قد تَنَزَّهَ عنه ربه ، جل وعلا ، فهو العدل الذي لا يظلم ، فالظلم مِمَّا قد حَرَّمَ على نفسه إذ هو من النقص المطلق ، فـ : "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا" ، فلا يظلم إلا جاهل لا يدرك العواقب ولا يحسن يضع الشيء في الموضع الذي يلائم فيكون من العدل والإصلاح ما يحكي علما وحكمة ، فَثَمَّ جهل وسفه في فعل الظالم إذ يضع الشيء في موضع لا يليق وذلك ، بداهة ، مع قد تَنَزَّهَ عنه رب العبيد ، جل وعلا ، ولا يظلمُ إلا الفقيرُ ذو الحاجة ، فهو يغصب المظلوم حقَّه إذ يَفْتَقِرُ إلى ما بِيَدِهِ ، ولو كانت صورته في الخارج صورةَ الظاهر الغني الكامل ، فلا يَنْفَكُّ ظلمه لمن دونه أَنْ يُنَازِعَهُ مَا بِيَدِهِ ، ولو قَلَّ ، فتلك ، من وجه آخر ، خسة في الطبع بها تأويل القول والعمل إِنْ غَلَبَتْ عليه جبلة البدن ، فهي التُّرَابُ فلا يملؤها إلا هو ، كما في خبر المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ ذَهَبٍ الْتَمَسَ مَعَهُ وَادِيًا آخَرَ وَلَنْ يَمْلَأَ فَمَهُ إِلَّا التُّرَابُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ" ، فالظالم فقير وإن حاز الأرض فَوَدَّ لو أن له منها اثنتان ، ولو حصلت كلتاهما لتمنى الثالثة وَنَازَعَ غيره فيها فلا يحسم هذا الفقر الذاتي ويسلك به جادة تحمد إلا أن يَقِفَ صاحبه على حدود الشرع المنزل ، فيحصل له من الغنى ما به تأويل البركة ، فإن حصلت في درهم كان منه ما يرجح مائة ألف ، فلا يُرَدُّ الظالم إلى خير وغنى فهو أبدا في فاقة وحاجة ، وَإِنْ بَلَغَ مَا بَلَغَ من كفاية الحس ، فَثَمَّ فقر وذل يحكيه الوجه ، إذ قد سُلِبَ مادة الْبَرَكَةِ وهي ما يزيد المال ولا ينقصه ، فـ : "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ" .
فمن لم يرد بالقول والعمل ، وإن كان ظاهره الصحة والصلاح ، من لم يرد به الدار الآخرة ، وهي دار الجزاء الأوفى لم يكن له من توفية الأجر إلا ما يشهد في الأولى من ذكرٍ حسن وسعة في العيش وَبَرَكَةٍ في الأهل والولد ، فَفَاتَهُ توحيد القصد ، وإن أحسن الاتباع فسلك جادة الوحي فلم يكن ثم من الشرط الأول ما به القول والعمل يُصَحَّحُ ، ومن عكس فكان قصده صحيحا فاستوفى من التوحيد شطر المتابعة ، ولم يكن العمل على جادة الوحي فهو محدثة لا يؤجر عليها ، وإن أجر بالقصد فذلك تأويل آخر لا يصحح العمل الفاسد ، وإنما النية قد تَشْفَعُ في مواضع ، إن كان ثم من التأويل ما هو سائغ ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، في أصل الدين فهو من المعلوم الضرروي الذي لا عذر فيه يشفع بجهل أو تأويل .... إلخ .
فكان من العدل ما قد أمر به الرب ، جل وعلا ، وهو الكمال المطلق فهو به أولى فلا يظلم أحدا ، وذلك منطوق يلازمه مفهوم أنه يعدل في الحكومة والجزاء ، ويأمر بذلك في الحكومات ، وذلك ما قد نص عليه الوحي ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) ، و : (إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) ، وهو ما أطلق فاستغرق ، أيضا ، سائر الحكومات ، إن في الدين أو في الدنيا ، إن في السلم أو في الحرب ، فالتوفية للأجر من تمام العدل في الحكومة والجزاء ، فكان من العدل وهو الكمال المطلق ما به اتصف الرب المهيمن ، جل وعلا ، على حد القياس المحكَم ، قياس الأولى الذي يطرد في هذا الباب الجليل وإن كان الأصل فيه التوقيف ، فإن باب الاسم والوصف أو ما اصْطَلَحَ أهل النظر أنه الإلهيات ، ذلك باب غيب لا يُنَالُ إلا من مشكاة الوحي ، وإن دلت عليه الفطرة فدلالة الإجمال أن ثَمَّ رَبًّا أول قد اتصف بكل كمال مطلق وَانْتَفَى عنه النقص من كل وجه ، ولازم ذلك في العقل أن يُعْبَدَ وحدَه ، فلا يُقْضَى إلا بحكومته ، فهي حكومة العدل المطلق ، إذ من الأهواء والحظوظ قد تجرد ، فذلك ما استقر في النفوس فطرةً أولى لا تَنْفَكُّ تَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ ثَانٍ ، وهو ما قد جاءت به النبوات في هذا الباب من أبواب الغيب فلا يُتَلَقَّى تَفْصِيلُهُ إلا من مشكاة الوحي الذي جاء يُخْبِرُ بأوصاف الرب ، جل وعلا ، ومنها أوصاف الفعل ، ومنها التَّوْفِيَةُ محل الشاهد ، وهي مظنة العدل الناجز ، وذلك معنى يحمد وإن في حق الجاحدِ المنكر الذي لا يجاوز قصده هذه الدار ، فلا يرجو دارا بعدها ، وهو ، كما تقدم ، ما امتاز به الوحي في إخباره وتأويله لتاريخ الكون من مبدإ الخلق ، فالوحي قد حكى القصة صدقا واستكمل أجزاءها عدلا ، فأخبر عن الغيب الأول الذي لم يشهد الخلق أمره ، فـ : (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) ، وأبان عن سنن الحكمة في تاريخ الخلق ، فهو تاريخ النبوات وما كان من مناجزة الخصم ومصابرته ، فَاسْتُخْرِجَ به من العبوديات وَأُجْرِيَ به من السَّنَنِ ما به صلاح الأرض ، فلا تصلح إلا أن تُمْتَثَلَ حكومة الوحي ، وذلك ما به صلاح الدارين : الأولى والآخرة ، وأما مَا سوى ذلك مِنْ قَصْدٍ يَقْصُرُ ناظره فلا يجاوز دارَ الشهادة والحس ، فالعدل أن يُوَفَّى القسط ، فَيُوَفَّى نَاجِزًا في الأولى أجرَ ما قد عمل ، وهو معنى يَعْظُمُ فَحَسُنَ ، من هذا الوجه ، أن يسند إلى ضمير الجمع مئنة من التَّعْظِيمِ ، فذلك ضمير الجمع "نحن" وهو الضمير المقدر إذا استكن إيجابا في عامله "نوف" ، والنون مطلع العامل مئنة من الجمع وهو ما قد دل على حَدِّ الضمير المقدر فهو ضمير الجمع كما تَقَدَّمَ .

وثم من القيد بالحال : (وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) ، ما يجري مجرى الاحتراز ، إذ لا يبخس العامل عمله ، بل يُوَفَّى أجره كله ، وإن جَحَدَ الوحي وَكَذَّبَ بالبعث فلم يجاوز قصده دار الشهادة والحس .

والله أعلى وأعلم .