اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: الحجاج في القرآن رؤية جديدة د.أيمن أبومصطفى

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 51816

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : دكتوراه

    التخصص : بلاغة ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل21/4/2016

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:04:15 PM

    المشاركات
    34
    العمر
    38

    الحجاج في القرآن رؤية جديدة د.أيمن أبومصطفى

    الحجاج
    في القرآن الكريم
    رؤية جديدة

    دكتور
    أيمن خميس عبد اللطيف أبومصطفى
    أستاذ مشارك النقد والبلاغة بالجامعة الإسلامية

    مقدمة
    الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ، وأمر بتدبره أولي الأفهام والألباب، وجعله معجزة باقية بقاء ما للبقاء من أسباب، والصلاة والسلام على نبي الهدى من لم يخط خطا أو يقرأ من كتاب، وعلى الآل و الأهل والأصحاب ، وبعد،
    فانطلاقا من قول الدكتورعبد الكريم الخطيب : " من أراد أن يكون له في القرآن نظر، فليس تغنيه أية دراسة يقدمها له غيره، وليس ينفعه أي نظر ينظر به أحد سواه، وإنما سبيله ـ إن أراد الخير ـ أن يتجه إلى القرآن بنفسه، وأن يعيش في ظلاله بوجوده، وأن يفتح له عقله، ويُفرغ له قلبه، فذلك هو الذي يُدني الإنسان مما في القرآن من خير، ويرزقه مما فيه من رزق "
    فقد توجهت إلى دراسة الحجاج في القرآن الكريم ، فقد حظيت نظرية الحجاج عامة باهتمام الباحثين في الآونة الأخيرة ، فطبقوها على الخطابة والرسائل والشعر ، بل طمح بعضهم لتطبيقها على القرآن الكريم ،وقد ذكرت هذه الأبحاث في ثنايا بحثي وذكرت منهجها وطريقة تناولها لبلاغة القرآن الكريم ، لكن أغلب هذه الدراسات لم يراع خصوصية الخطاب القرآني ، فأغلبها – إن لم يكن كلها- لم يفرق بين القرآن وغيره ، بل راح يطبق ما يصدق على الشعر أو المناظرات أو الجدل على النص القرآني ، منطلقا من منطلقات ينقصها التدقيق والإحكام ، ويعتريها الخلط و الخلل .
    وقد جاءت هذه الدراسة لتبدأ من الجذور طامحة إلى بيان معنى الحجاج في البيئتين :العربية والغربية ، لتبين أن الحجاج مختلف في بنائه وغاياته عن الإقناع ، فكل حجاج يُراد به الإقناع ، وليس كل إقناع يُراد به الحجاج.
    وقد جاءت لتجيب عن عدة تساؤلات :
    - ما معنى الحجاج في البيئة العربية؟
    - ما معنى الحجاج في البيئة الغربية؟
    - هل الترجمة العربية للحجاج ترجمة دقيقة؟
    - ما العوامل المؤثرة في نشأة نظرية الحجاج الغربية ؟ وما مجالاتها؟
    - هل البلاغة العربية كانت مفتقرة للإقناع؟
    - هل القرآن الكريم خطاب حجاجي؟
    - هل هناك مستويات للخطاب في القرآن الكريم؟
    - ما أثر تعدد المتلقين في الخطاب القرآني؟
    - ما الفرق بين الحجاج والإقناع في الخطاب القرآني؟
    - أين نضع خطاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم؟
    - أين نضع الخطاب الموجه لبني إسرائيل؟
    هذه تساؤلات آمل أن تقف هذه الدراسة على ما يثير تساؤلات أخرى من خلالها فتكون فاتحة لأبحاث أعمق .
    ولذا فقد جاءت الدراسة قائمة على المحاور والعناصر التالية:
    أولا:خلل المنطلقات وغموض النتائج.
    ثانيا :بداية التداخل في البيئة العربية.
    ثالثا: الغاية من الخطاب القرآني:
    وجاء تحت هذا العنوان أربعة عناصر:
    أ- بلاغة التثبيت في القرآن الكريم.
    ب- خطاب القرآن لبني إسرائيل خطاب تأثيري استمالي.
    جـ- خطاب القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم.
    ثم جاءت الخاتمة التي تلخص النتائج التي توصل إليها البحث ، ويكفي أن يفتح هذا البحث آفاق البحث أمام الدارسين ويرمي حجرا في الماء الساكن ، فالقرآن كلام الله ويتطلب منا بذل الجهد في فهمه وبيان بعض دلالاته.
    هذا وإني أجدني رغم أنفي أسير على نهج أستاذي الدكتور عيد بلبع حفظه الله ، فأجدني أسير أسلوبه وفكره ، فقد علمني :كيف أفكر؟ وكيف أقرأ وكيف أناقش ؟فجزاه الله عني خيرا.
    والله أسأل التوفيق والسداد.
    أيمن أبومصطفى




    أولا: خلل المنطلقات وغموض النتائج:
    ذهب بعض الدارسين إلى إمكانية وصف القرآن الكريم بأنه خطاب حجاجي ، حيث قال:"يمكننا اعتبار النص القرآني خطابا حجاجيا لكونه جاء ردا على خطابات تعتمد عقائد ومناهج فاسدة"
    وينبغي أن نقف عند هذه الفكرة وقفة طويلة ؛ لما تحمله من مغالطات ، إذ عدها الباحثون اللاحقون قاعدة وأساسا في دراساتهم.
    فنجد أن هذه العبارة تكررت في كثير من الأبحاث المهتمة بالحجاج في القرآن الكريم ، وقد أطرت هذه العبارة إلى أن القرآن الكريم خطاب حجاجي وهذا الأمر فيه نظر.
    فنجد الباحثة أمينة بلعلي تقول : " يصنف الخطاب القرآني ضمن الخطاب الحجاجي لكونه جاء رداً على خطابات تعتمد عقائد ومناهج فاسدة، فهو يطرح أمراً أساسياً يتمثّل في عقيدة التّوحيد، ويقدّم الحجج بمستويات مختلفة والمدعّمة لهذا الأمر ضدّ ما يعتقده المتلقون من مشركين وملحدين ومنكرين للنبوّة والمعاد ومجادلين. ولعلّ في اختلاف مستويات التّلقّي هذه ما يؤكّد الصفة الحجاجية للقرآن؛ لأنّها خاصيّة أساسية من خصائص الخطاب الإقناعي الذي يعرّفه الدّرس الحديث من الناحية الوظيفية من حيث إنّه موجّه للتّأثير على آراء وسلوك المخاطب،وذلك يجعل أيّ قول مدعّم صالحاً أو مقبولاً بمختلف الوسائل،ومن خلال مختلف الصّيغ اللّغوية إذا اعتبرنا أنّ هذه الصيغ هي أفعال كلام تمارس وظيفة الإقناع من خلال قوّتها الكلامية التي تتجلّى بدورها من خلال طرائق منطقية في البناء والرّبط والعلاقات الاستدلالية التي يمثّل الحجاج أبرز مظاهرها ".
    كما نقلت الباحثة إيمان دروني في رسالتها للماجستير "الحجاج في النص القرآني سورة الأنبياء نموذجا" - الكلام السابق دون عزوه إلى قائلة ، وكأنه أصبح مسلمة ، ثم تقول معلقة:"إن الخصوصية الجوهرية (الاستمالة – التأثير- الإقناع) التي توفر عليها القرآن جعلت منه خطابا حجاجيا بالدرجة الأولى"
    بل إن الباحثة حياة دحمان تضع في بداية بحثها ما تزعم أنه أمر بدهي ، وتبني على أساس زعمها هذا البحث كله ، حيث تقول:" إننا ننطلق من فكرة بديهية جدا وهي أن القرآن خطاب ، وكونه خطابا يقتضي أنه إقناع وتأثير، ومما يثبت أنه خطاب كثرة مخاطباته حتى جعلت هذه المخاطبات في القرآن علما من علومه "
    فالباحثة وغيرها من الباحثين يخلطون بين المصطلحات (الاستمالة – التأثير – الإقناع) ويجعلونها تحت مصطلح الحجاج.
    البدء من الجذور:
    البدء من الجذور وتحديد المصطلحات هو ما يزيل الخلط ويوضح الأمر ، ونظرا لأهمية المصطلح اهتم التراث العربي ببيان المصطلحات وتفصيلها وبيان ما بينها من فروق، فنجد كتاب التعريفات للجرجاني (ت 816ه) وكتاب الكليات للكفوي ( ت1094هـ ) وكتاب كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي (ت1158هـ) وغيرها من المؤلفات التي تدل على العناية المبكرة بدراسة المصطلحات.
    وامتد هذا الاهتمام في العصر الحديث أيضا ،فنجد الدكتور مجدي وهبة، الذي قدم في عام 1974م (معجم مصطلحات الأدب) شرح فيه المصطلحات الأدبية مترجمًا إياها إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية.
    ولذا توجه الباحث إلى البحث في جذور مصطلح الحجاج في ظل سياقه التاريخي والثقافي ، كي ينجو من الخلط بين المصطلحات وعدم الوقوف على أبعادها العميقة ي، مما يؤثر على التطبيق بعد ذلك ؛ فوراء كل مصطلح فلسفته الخاصة التي نبع منها وصاحبته في أطواره المختلفة.
    يقول ابن منظور " " حاججته أحاجُّهُ حجاجاً ومحاجًة حتى حججته أي غلبته بالحجج التي أدليت بها ... وحاجّه محاجّه وحجاجاً نازعه الحجّة... والحجّة الدليل والبرهان وقيل: الحجة ما دافع به الخصم... وهو رجل محجاج أي جدل, وحجّه يحجُّه حجَّاً: غلبه على حجًّته, وفي الحديث: فحجًّ آدم موسى أي غلبه بالحجة" . والحجة هي " مادُلًّ به على صحة الدعوى, وقيل الحجة والدليل واحد" .
    وقد ورد في أساس البلاغة "حاج خصمه فحَجّه, وفلان خصمهُ محجّوج" . ومعنى (محجوج) أي مغلوب والشخص المتكلم الغالب المُحاجج, والسامع المُحاجج المغلوب, أي أنه اقتنع بحجّه المتكلم.
    وقد جاء في المعجم الفلسفي أن الحجاج "يقوم على جمع الحجج لإثبات رأي أو إبطاله "
    وفي كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم المعاصرة عرف التهانوي الحجة بأنها "مرادفة للدليل والحجة الإلزامية هي المركبة من المقدمات المسلمة عند الخصم ، المقصود منها إلزام الخصم "
    كما ورد لفظ الحجاج في عدّة آيات من القرآن الكريم منها:
    قال تعالى: (ها أَنْتُم هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لكُمْ بهِ عِلْمٌ فلِمَ تُحًاجُّون فِيمَا ليْسَ لكُمْ بهِ عِلْمٌ) .
    وقوله تعالى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أتُحَاجُّونّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بهِ إلاَّ أن يَشَاءَ رَبّي شَيْئاً وَسِعَ رَبّي كُلُّ شَيْء عِلْماً أفَلاَ تَتَذكَّرُونَ) .
    وأيضاً قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَليْهمْ غَضَبٌ وَلهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ) .
    بالنظر إلى دلالة مادة (حجج) في القرآن الكريم يتبين أنها تعني الخصومة ومحاولة الوصول إلى الإذعان إلى رأي ما.
    فنجد في هذه التعريفات دورانا حول تعريف ابن منظور ، وهو ما يجمع عليه كل من اشتغل بالحجاج وبلاغته ، فالحجاج يكون لدفع خصم وغلبته بالحجج ،"وعليه فمعاني الحجاج معجميا تدور حول التخاصم والتنازع والتغالب واعتماد الدليل في وجه الخصم" وجاز لنا أن نسأل :
    هل كل القرآن الكريم دفع للخصوم لغلبتهم؟
    لا يمكن لأحد أن يذهب هذا المذهب ، فالقرآن خطاباته موزعة بين خطاب كافر وخطاب مؤمن ، فإن احتكمنا إلى المكي والمدني ظهر لنا أن السور المكية ست وثمانون سورة ، والمدنية ثماني وعشرون ، وبالنظر إلى هذه النسبة يتبين لنا أن القرآن الكريم جمع بين الجامع الحجاجي والجانب التعليمي (التشريعي) والجانب التأثيري (الإقناعي).
    وإذا عدنا إلى المفهوم اللغوي للحجاج في الثقافة الغربية, نجد أن كلمة Argument أخذت من الفعل اللاتيني Arguere , والتي تعني جعل الشيء واضحاً ولامعاً وظاهراً, وهي بدورها أخذت من جذر إغريقي argues ويعني أبيض لامعاً.
    ويشير المصطلح Argue في اللغة الإنجليزية الحديثة إلى وجود اختلاف بين طرفين, ومحاولة كل واحد منهما إقناع الآخر بوجهة نظرة من خلال تقديم الأسباب أو العلل التي يراها حجة مدعمة أو داحضة لفكرة أو رأي أو سلوك ما.
    فالحجة مرادفة للدليل ، وهي المركبة من المقدمات المسلم بها عند الخصم ، المقصود منها "إلزام الخصم وإسكاته"
    أما كلمة إقناع في اللغة الإنجليزية فلها مصطلح آخر غير الحجاج وهو persuasion وهي تعني الإقناع بفكرة ما بعيدا عن الجدل ، وهو يعتمد على تقديم الدلائل والحجج التي تؤدي إلى الاقتناع بفكرة ما.
    فمن خلال هذه التعريفات المختلفة يتبين قصد الخصومة والغلبة بالرأي وتعلقها بمصطلح الحجاج ، ولا يمكن أن يكون ذلك صالحا على القرآن كله .
    ولقد ذهب د.طه عبد الرحمن إلى أن كل خطاب يكون الغرض منه الحجاج فهو يرى بأن الأصل في تكوثر الكلام هو صفته الخطابية بناء على أنه لا كلام بغير خطاب, إذاً حقل الحجاج هو الخطاب, والأصل في تكوثر الخطاب هو صفته الحجاجية, بناء على أنه لا خطاب بغير حجاج إذاً الحجاج يوصف بأنه طبيعة كل خطاب, والأصل في الحجاج هو صفته المجازية, على أنه لا حجاج بغير مجاز .
    ولكن بيرلمان يذهب مذهبا يتوافق مع رؤيتنا هنا حيث يذهب إلى أن هناك خطابا حجاجيا وآخر غير حجاجي ، حيث قسم الخطابات إلى خطابات حجاجية ذات طبيعة إقناعية, كالمناظرات والمجادلات الدينية والفلسفية والسياسية والقانونية, وأخرى غير حجاجية .
    وقد فطن النقاد والبلاغيون القدامى أثناء دراستهم للقرآن الكريم إلى طابعه الحجاجي, وإلى الأساليب الحجاجية التي استخدمها في معالجته للقضايا التي يطرحها, بل إنهم وقفوا على الألفاظ الحجاجية, وأشاروا لها في مؤلفاتهم.
    فهذا السيوطي مثلا يقول:" وما من برهان ودلالة وتقسيم وتحديد, تبنى من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله قد نطق به" ويقول أيضاً:" فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجلى صورة؛ ليفهم العامة ما يقنعهم ويلزمهم الحجة, وتفهم الخواص من أثنائهما ما يُربي على ما أدركه فهم الخطباء" .
    بل إن المتأمل في مفهوم البلاغة عند البلاغيين القدامى, وما انطوت عليه بعض تعريفاتها من إشارات إلى الجانب الحجاجي, يقطع في غير شك أنَّ الغاية الرئيسية للبلاغة العربية, هي الحجاج الذي يعني الإقناع والتأثير في المتلقي.
    كما أننا نجد إشارات متناثرة للأسلوب الحجاجي, في العديد من دراسات وكتب, المؤسسين الأوائل للبلاغة العربية, حيث أشاروا إلى الطبيعة الحجاجية للسان بصفة عامة, وإلى شروط نجاح العملية الخطابية, ومن ذلك " كتابات الجاحظ في (البيان والتبيين), و(الحيوان), فقد تحدث عن الخطبة وسياقها, وتوسع في دور كل طرف من أطراف العملية التخاطبية (المتكلم/ السامع), وما يكون به النص بليغاً مؤثراً مقنعاً.
    وفي حديثه هذا ما يدل دلالة واضحة على فهمه لآليات إنشائها والفضاءات التي تقع فيها والوظائف التي تؤديها. فالقول الخُطبي عنده يكون للخصومة, والمنازعة, ومناضلة الخصوم, والاحتجاج على أرباب النحل, ومقارعة الأبطال, والخطيب مطلوب منه الإفصاح بالحجة, والبصر بها, والمعرفة بمواضع الفرصة... ولا يستثنى من ذلك عبد القاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز), فعلى الرغم من قوة عارضته الكلامية, ولهجة المحاجة والجدل, الملازمة لأصل مشروعه البلاغي, إلا أن الفكرة التي كانت مهيمنة على كتابه, والخيط الرفيع الذي كان يجمع أشتاتها هو فكرة النظم, التي ترتكز على أن بلاغة الكلام الأساسية, إنما تأتي من الهيئة لا من بناه الحجاجية" .
    والمتأمل أيضاً في كتب هؤلاء البلاغيين ومؤلفاتهم, يقف على الكثير من المصطلحات الحجاجية, التي تؤكد على البعد الحجاجي في البلاغة العربية, وهي مصطلحات يغلب عليها طابع البرهان والحجاج والإقناع, مثل الاستدلال في كتاب (مفتاح العلوم) للسكاكي, وباب الاستدراج في (كتاب المثل السائر) لابن الأثير, وباب الاستشهاد والاحتجاج في كتاب (الصناعتين) لأبي هلال العسكري, وباب القياس والتمثيل في كتاب(البرهان في وجوه البيان) لابن وهب, وكتاب (المنهاج في ترتيب الحجاج) للباجي, وكتاب (منهاج البلغاء وسراج الأدباء) لحازم القرطاجني, وكتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لأبن حزم الأندلسي, وغيرها الكثير.
    مع ملاحظة أن الغاية النفعية قد تكون مكونا وموجها للنص الحجاجي ، فقد نجد حجاجا عن باطل وزائف وهذا ما حذر منه الإسلام ، فقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم خصومة بباب حجرته فخرج إليهم قائلا : " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا " ( )
    وقد كانت الغاية النفعية غاية لنشأة المصطلح عند السوفسطائيين في القرن الخامس قبل الميلاد حيث"عمد السفسطائيون في ممارستهم للحجاج إلى بناء حججهم على فكرة النفعية المتعلقة باللذة وقد أفضت بهم هذه الفكرة إلى توجيه الحجاج بحسب مقتضى المقام ، وتعتبر فكرتا التوجيه والتوظيف من الأفكار السفسطائية التي سيكون لها دور بنائي قوي في معظم البحوث الحجاجية المعاصرة"
    فلقد كان الخطباء يقلبون الحجج في المحاكم ويحاولون – بالقول – كسب القضايا التي يدافعون عنها ، "وكانوا في الساحات العامة ، يجاهرون بالدعوة إلى مذهب أو رأي وطريقة في الحكم . وكانت السلطة الكبرى في تلك الساحة للقول المقنع القوي بحججه وقدرته على التأثير"( )
    ولذا لا يمكن أن يكون الحجاج في القرآن قائما على هذه النفعية ، فالقرآن الكريم كتاب تشريع وتعليم ودعوة.
    وقد صنف هنريش بليت الغرض الحجاجى بوصفه أحد المكونات التى تضمها المقصدية الفكرية والتى تميز البلاغة بينها وبين غيرها من المقاصد التى حددها بالمقصدية العاطفية المعتدلة والمقصدية العاطفية العنيفة وفقا لما تحدثه كل منها من أثر تداولى فيقول عن الغرض الحجاجى " الغرضُ الحِجاجى، ويتمثل فى جعل موضوع الخطاب ممكنا بالرجوع إلى العقل . ويُمكنُ أن يتحقق هذا الغرضُ بالحجة المادية ( « الحجة غير الصناعية » ) المعتمدة على الوقائع الموضوعية ( العقود والشهادات ) ، وعلى الخلفية العامة المكوَّنة من آراء المجتمع ( ما يهم الأخلاق مثلا ) ، ويتحقق هذا الغرضُ ، من جهةٍ أخرى ، بالحجة المنطقية وشبه المنطقية ( « الصناعية » ) ، التى تسيرُ من الخاص إلى العام ( الاستقراء ) أو من العامِّ إلى الخاصِّ ( الاستنباط ) . والغرضُ من ذلك هو جعل غير المحتمل محتملا ، وغير الأكيد أكيدًا . يمتدُّ مجال هذا النشاط إلى الجانب البُرهانى للخطاب ( الاحتجاج ) ، كما يمتدُّ إلى أى شكل من النصوص الاحتجاجية ( مثل العرض السياسى ) . " ( ) فتتمثل بلاغة الخطاب الحجاجى فى نجاحه فى تحقيق الغرض والتأثير المرجو منه بجعل غير المحتمل محتملا وغير الأكيد أكيدا معتمدا على جميع أنواع الحجج المادية والمنطقية وشبه المنطقية.
    ولكن أغلب الدراسات التي تناولت الحجاج في القرآن لم تراع هذه الفروق وهذه المزالق المصطلحية ، ومن هذه الدراسات:
    1- الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية .د.عبدالله صولة .
    2- تجليات الحجاج في القرآن الكريم ، سورة يوسف أنموذجا ، حياة دحمان ، رسالة ماجستير ، جامعة لحاج لخضر الجزائر ، كلية الآداب واللغات.
    3- حجاج موسى عليه السلام في النص القرآني ،دراسة تداولية ، كهينة زموش ، رسالة ماجستير ، جامعة مولود معمري ، كلية الآداب واللغات.
    4- البنية الحجاجية في القرآن الكريم ، سورة النمل أنموذجا ، د.الحواس مسعودي ، مجلة اللغة والأدب ، العدد الثاني عشر جامعة الجزائر ، أكتوبر 1997م.
    5- تداولية الخطاب القرآني الموجه إلى بني إسرائيل ،قدور عمران ، رسالة دكتوراة ، جامعة بني سويف بن جدة .
    6- حجاجية القصص القرآني قصة نوح عليه السلام أنموذجا ، د.عبد الزهرؤة إسماعيل آل سالم ، مجلة كلية الآداب الجامعة المستنصرية ، العدد مائة وسبعة.
    7- التراكيب التعليلية في القرآن الكريم دراسة حجاجية ، حازم طارش حاتم السعدي ، الجامعة المستنصرية ، كلية الآداب واللغات.
    8- بلاغة الحوار القرآني ووظيفته الحجاجية ، سورة الكهف نموذجا ، نور الدين دحماني ، كلية الآداب جامعة مسدغانم.
    9- الحجاج في النص القرآني ، سورة الأنبياء أنموذجا ، إيمان دروني ، رسالة ماجستير ، جامعة لحاج لخضر ، كلية الآداب واللغات.
    ونلاحظ أن هذه الدراسات لم تفرق بين دلالة المصطلحات ، فنراها تستخدم بعضها بمعنى بعض ، فهذا باحث يقول"فإذا كان الحجاج آلية من آليات الخطاب فهدفهما يكون واحدا وهو الإقناع"
    ويرى الحواس المسعودي "أن الحجاج هو أن الخطاب الحجاجي خطاب موجه ، وكل خطاب موجه يهدف إلى الإقناع يكون بالضرورة حجاجيا"
    فالملاحظ أن هناك خلطا بين مصطلحي الحجاج والإقناع والتأثير والاستمالة وهذا ما سبب اضطرابا في الدراسات وخللا في النتائج.









    ثانيا : البلاغة بين سياقين:
    نظرية الحجاج نظرية غربية ، نشأت في بيئة غربية لها ظروفها وسياقاتها الخاصة ، ثم تُرجمت إلى السياق العربي ، وربما لم تراع الترجمة هذا السياق ، إذ لا تحتل الظواهر البلاغية والأسلوبية المكانة الأولى في بلاغة الحجاج فى السياق الغربي قديما وحديثا ، حيث تكون اللغة حاملة للحجج والبراهين العقلية ، فالحجاج عند بيرلمان وتيتيكاه هو La nouvelle rhetorique , ويعرفانه بقولهما:" موضوع الحجاج هو درس تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات تذعن لما يطرح أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم" ." فإن الإقناع يحدث عن الكلام نفسه إذا أثبتنا حقيقة أو شبه حقيقة بواسطة حجج مقنعة مناسبة للحالة المطلوبة " .
    وقد فرّق أزوالد ديكروOswald ducrot بين معنيين للفظ الحجاج، المعنى العادي والمعنى الفنّي الاصطلاحي؛ فالنوع الأول هو طريقة عرض الحجج وتقديمها ، ويستهدف التأثير في السامع فيكون بذلك الخطاب ناجحًا فعّالا، وهذا معيار تحقق سمة الحجاجيّة ؛ ولكنه غير كافٍ؛ إذ يجب ألاّ تُهمل طبيعة السامع ، ومدى القدرة على استخدام التقنيات الحجاجيّة في الإقناع في حين يدلّ المعنى الثاني على صنف مخصوص من العلاقات المودَعة في الخطاب والمدرجة في اللسان ، وتكمن الخاصيّة الأساسية للعلاقة الحجاجية في كونها متدرجة وقابلة للقياس" ( )، ويعد الاختلاف بأنواعه الباعث الرئيس للنظرية الحجاجية ، فلا حجاج في أمور يقينية مسلم بها ، وإنما يكون الحجاج _ كما يقول بيرلمان _ " فيما هو مرجح، وممكن ، ومحتمل كما أن الأدلة التي تُقدمها المحاجة ليس من شأنها أن تكون حاسمة فاصلة فيما تثبت أو تنفي بحيث تقرر ما تقرره أو تنفي ما تنفيه على سبيل الحقيقة المؤكدة الراسخة "( ) .
    كما أن أندرسين Andersen ودوفر Dover ينظران للحجاج على أنه طريقة استخدام التحليل العقلي والدعاوى المنطقية, بغرض حل المنازعات والصراعات واتخاذ قرارات محكمة, والتأثير في وجهات النظر والسلوك .
    ويتفق ريك Rieke وسيلارز Sillars, مع هذه النظرة ، حيث يعرف هذان الباحثان الحجاج بأنه عملية عرض دعاوى تتضارب فيها الآراء مدعومة بالعلل والدعامات المناسبة بغية الحصول على الموالاة لإحدى تلك الدعاوى .
    وهذا قد يختلف عن السياق العربى ، وقد أشار د. محمد العمرى إلى الاختلاف بين الرؤية العربية والرؤية اليونانية القديمة فى العنصر المهيمن فى الخطابة الحجاجية الإقناعية " فربما كانت للمنطق الأولوية عند اليونان فكان الاهتمام بالحجة ، فى حين نجد الشعر علم العرب الذين لم يكن لهم علم أصح منه فكانت للأسلوب والعبارة الصدارة " .
    فالحجاج عند أرسطو يختلف من جهتى المخاطِب والمخاطَب ، فطرفا الخطاب فى المقام الحجاجى ـ فى الغالب ـ يجمع بينهما عداء ، فكلا الطرفين مدفوع بغايات شخصية ذاتية ، وكذلك نجد الأمر عند أفلاطون حيث يرى أن البـلاغة أداة بدون موضوع أخلاقى ، وأن الحجاج البلاغى يؤدى إلى الانقسام والطموح وتعظيم الذات على حساب الحقيقة الكلية والحكمة ، وفى العالم الواقعى ـ وفق مقولات إفلاطون ـ تكون البلاغة سلاحاً مستعملاً فى جذب المستمع لمسايرة مناقشة معينة لإرضاء مطامع المتحدث الشخصية ، وفى هذه الحالة لن يكون للمتحدث أو المستمع علاقة بالحقيقة ، فقد كان الحجاج بوصفه فناً للإقناع مهنة مفيدة ومربحة ، وهذه الأبعاد ترتبط بالسفسطة التى لا تهتم بالحقيقة ، ومن ثم فإن الأبعاد السياقية التى تحكم العلاقة بين طرفى الخطاب تتمثل فى سوء الظن ، والاتهام ، والرغبة فى إحراز الانتصار ، فليست الحقيقة هى الهدف ولكن المنفعة هى الهدف ، ومن ثم فإن العلاقة التى تحكم الطرفين هى علاقة الصراع والمخادعة ، والإقناع هنا لا يهدف إلى بيان حقيقة بقدر ما يهدف إحراز منفعة .
    وهذا الأمر يختلف عن البلاغة العربية ، وقد التفت د.حمادي صمود إلى هذه الفروق مقارنا بين البلاغة العربية والبلاغة الأرسطية فقال:" تختلف البلاغة العربية عن الخطابة الأرسطية اختلافا ظاهرا من حيث نِشأتها ، والحاجة إليها ، والتحولات التي جدت في صلبها بتغير السياق التاريخي الحاضن لها . فهي لم تنشأ ، كالخطابة ، نشأة فلسفية منطقية تحاول تصنيف الأقاويل بحسب قدرتها على قول الحقيقة ، وإنتاج المعنى الفرد الذي لا يمكن أن يقوم ما يناقضه ، والقضايا التي تترتب النتائج عن المقدمات بصفة محكمة . وكان أن جاء القول الخطبي في نظرية المعلم الأول بعد البرهاني والجدلي . وجاء بعده الشعري فاستأثر البرهاني بدائرة الحق ، ودار الجدل والخطابة والشعر على الممكن والمحتمل ، وإن كان الجدل أقربها إلى دائرة الحق ، وكان الشعر أبعدها عنها ، وتوسطت بينهما الخطابة ، فهي كما نرى ، تقع في مجال الاختلاف والخلاف ، حيث يمكن للآراء أن تتعدد وتتباين ، وحيث يدعى الإنسان إلى مقارعة الرأي بالرأي والخطاب بالخطاب . ولا تكون الغلبة إلا لمن كانت حجته أكثر إقناعا ،وأوضح في نفس السامع ، وليست الغلبة ، إن تمت نهائية ؛ لأن المجال مفتوح أمام القول ونوع الجمهور، فيصبح الظفر انكسارا . وهكذا تكون الأمور صراعا دائما وحركة دائبة لا يستقر فيها شيء على حال .
    ولا شك أن ظروفا خاصة بالمجتمع اليوناني وجهت أرسطو هذه الوجهة ، ودعته إلى صياغة نظرية الأقاويل على هذه الشاكلة.وهي ظروف تتفق الدراسات على صبغتها السياسية والمؤسساتية ، هي ظروف ما سمي بالديمقراطية ،والحرية ، والتصدي للجور ، والدفاع عن الحق . فلقد كان الخطباء يقلبون الحجج في المحاكم ويحاولون – بالقول – كسب القضايا التي يدافعون عنها ، وكانوا في الساحات العامة ، يجاهرون بالدعوة إلى مذهب أو رأي وطريقة في الحكم . وكانت السلطة الكبرى في تلك الساحة للقول المقنع القوي بحججه وقدرته على التأثير"( )
    حيث كانت الخطابة السياسية عندهم – اليونان- تنتهي بأخذ الأصوات من السامعين، وكان القضاة يصدرون أحكامهم بعد سماع الخطب من غير بيان أسباب، وكان نظام التقاضي لا يقيد القضاة بقوانين يطبقونها ، وكان هذا سببا في اعتماد الخطابة على إثارة المشاعر أكثر من اعتمادها على بيان الأسباب والعلل المنطقية ، وكان ذلك أيضا سببا من أهم الأسباب في اعتماد الخطابة على فن البلاغة وعلى أساليب البيان ، أكثر من اعتمادها على شيء آخر ، فكان الخطباء ينمقون خطبهم ويستعملون أساليب المجازات والاستعارات ؛ حتى يجتذبوا بعباراتهم الضخمة مشاعر الجمهور والقضاة في المحاكم ، كانوا إلى درجة كبيرة عرضة للتأثر الوقتي والإنفعال بمظهر الخطيب وفصاحته وذلاقة لسانه"( )
    فالبلاغة العربية لاتفرق بين اللفظ والمعنى ، ولاتقدم أحدهما على الآخر ، بل يظلان متدخلان كتداخل الماء بالنبات ، وهذا ما وقف عليه عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم ؛ ليقطع هذا الصراع الذي كان محتدما بين السابقين حول اللفظ والمعنى ، فإن الاهتمام بالعبارة(اللفظ) دون المعنى جر البلاغيين إلى الاهتمام بالزينة اللفظية ، ولو أننا عدنا إلى النص المؤسس للبلاغة العربية لوجدنا أنه كان يهتم كل الاهتمام ببنية وتكوين النص التي تجعله مقنعا، يقول د.حمادي صمود" فمؤلف كـ" البيان والتبيين " مثلا ، على ما فيه من نصاعة البدايات وفوران المادة المروية المتأتي من عطش التدوين والجمع في هذه الفترة المبكرة ، لم يستغل في الدراسات البلاغية إلا من جهة ما فيه من تعريفات بلاغية ومقاييس ووجوه في المعنى الضيق المقتصر على باب العبارة.
    أما ما سوى ذلك من القضايا ، فلم يستغل ، أو وقعت الإشارة إليه إشارة عابرة ، بينما تحدث صاحبه في مواطن عديدة عن " سياسة البلاغة " وعدها أهم من البلاغة ،وتحدث عن" ترتيب الأقسام " و" الظفر بالحجة " وما إليهما ، مبرزا أهميتهما في نجاعة الخطاب ، وتأكيد وقعه على المتلقي . ولم يكن حرصه ، في مؤلفه المذكور ، على جمع ما وقع إليه من خطب ، إلا دليلا على أهمية سياسة القول في هذا الضرب من المخاطبات."( )
    وبهذا يتضح لنا أن الغاية من الخطاب في البلاغة العربية تختلف عن الغاية من الخطاب في البلاغة الغربية ، فالأمر في البلاغة العربية قائم حول بلاغة القرآن الكريم والحديث النبوي ، وهذان النصان الشريفان جمعا بين جمال العبارة وسمو المعنى.
    ولعل البلاغة الجديدة التي ذهب إليها علماء البلاغة الغربيين تعني العودة إلى هذه العلاقة المتداخلة بين اللفظ والمعنى ؛ نظرا لتعدد النظريات والمذاهب البلاغية التي جعلت النص ممزقا ، فبعضهم فصل العلاقة بين اللفظ ومعناه ، وبعضهم ذهب إلى موت المؤلف ....إلخ.فالحجاج يمثل ثورة على هذه الآراء" فهو نظرية تسعى إلى الكشف عن بنية المعاني التي يتألف منها الخطاب؛ وهذا ناتجٌ من تأثرها بالمناهج اللسانية الحديثة التي تنظر إلى اللغة كنسق تتفاعل عناصره في إطار علائقي يرفض دراسة الكلمات في ذاتها" .
    ومن ثم كانت البلاغة الجديدة دعوة إلى العودة إلى النظر إلى اللغة في سياقها ، بحيث لاينفصل اللفظ عن المعنى ، يقول" رولان بارث "Roland Barthes" :"لا يعني أنه توجد اليوم بلاغة جديدة... فالبلاغة القديمة تقابل بالأحـــــــرى هذا الجديد الذي لم يُنجــــــز بعد: إن العالـــم مليءٌ ،وبشكل عجيب، بالبلاغة القديمة" فالبلاغة الجديدة هي"امتداد للابستمولوجية الأرسطية ، و إعادة استثمار لاجتهادات البلاغيين القدمــــاء في توسيـــع مفهـــــوم البلاغــــة وربطـــــها بعلوم مختلفة كالفلسفة ، وعلم النفس، والاجتماع ..."( )
    ثالثا: بداية التداخل في البيئة العربية:
    لاشك أن الخلل الذي حدث في المصطلحات هو السبب في وجود هذا الغموض في المجال التطبيقي ، فيبدو للباحث أن أول من تكلم في بلاغة الحجاج وترجم المصطلح "الحجاج " وجعله مرادفا "للإقناع" هو الأستاذ الدكتور محمد العمري 1985م ، في كتابه (في بلاغة الخطاب الإقناعي), الذي حاول فيه تأطير اجتهادات البلاغيين العرب بالإطار العام للنظرية الأرسطية, وإغناء ذلك باجتهادات وإضافات البلاغيين ودارسي الخطاب الإقناعي من غير العرب في القديم والحديث.
    والمتصفح لهذا الكتاب يجد أن الباحث, يركز فيه على عنصرين من عناصر الإقناع في البلاغة العربية القديمة وهما:
    • عنصر المقام الخطابي.
    • عنصر الصور الحجاجية ( القياس, المثل, الشاهد), بالإضافة إلى عنصر الأسلوب. ويجعل الباحث الحجاج في ثلاث صور هي :
    1- القياس الخطابي: وهو القياس المضمر الذي يقوم على الاحتمالات التي تكفي في معالجة الأمور, ومنه القياس العام الذي يقوم على مبادئ العقل نفسه, ويطبق في جميع المواد, والخاص الذي يستخلص من المفاهيم الخاصة, ويطبق فيها. ومن نماذج القياس الخطابي التعارض والتضاد, والمستقصي.
    2- المثل: وهو استقراء بلاغي. وحجة تقوم على المشابهة بين حالتين في مقدمتها, ويراد استنتاج نهاية احديهما بالنظر إلى نهاية مماثلة.
    3- الشاهد: وهو من الحجج الجاهزة أو غير الصناعية كما يسميها "أرسطو", ويدخل في الشاهد كل من الأمثال والأبيات الشعرية والآيات القرآنية.
    فالملاحظ أن الدكتور محمد العمري قرأ كتاب فن الخطابة لأرسطو وحاول أن يجعل تقسيم كتابه على أساس البناء الخطابي الأرسطي ، فاهتم اهتماما كبيرا بالعلاقات المنطقية ، وأغفل كثيرا الأسلوب فلم يوله اهتماما كاهتمامه بالجانب المنطقي.
    وهذه النظرة لن تختلف كثيرا عن النظرة الفلسفية للحجاج ، فلقد انطلق الدكتور طه عبد الرحمن في نظريته الحجاجية الفلسفية, في كتابه " اللسان والميزان أو التكوثر العقلي" (1998), من دعوى أن الأصل في تكوثر الخطاب هو صفته الحجاجية, بناءً على أنه لا خطاب بغير حجاج , لأن الخطاب ينبني على قصدين معرفيين هما :
    1- قصد الإدعاء: وهو الاعتقاد الصريح للخطاب لما يقول من نفسه تمامُ الاستعداد لإقامة الدليل عليه عند الضرورة, فالمدعي هو عبارة عن المخاطِب الذي ينهض بواجب الاستدلال على قوله.
    2- قصد الاعتراض: ويكون من المخاطب أو المنطوق له, فالمعترض هو عبارة عن المخاطَب الذي ينهض بواجب المطالبة بالدليل على قول المدعي.
    ومن هنا نستنتج أن الحجاج عند طه عبد الرحمن هو كل منطوق به موجه إلى الغير لإفهامه دعوى مخصوصة يحق له الاعتراض عليها . وبذلك يتضح أن حقيقة الخطاب ليست مجرد الدخول في علاقة مع الغير, وإنما هي الدخول على مقتضى الادعاء والاعتراض, بمعنى أن الذي يحدد ماهية الخطاب هي العلاقات الاستدلالية (الحجاج), وليس التخاطبية وحدها. ويؤكد طه عبد الرحمن على وجوب أخذ العلاقات الاستدلالية في تعريف الخطاب, واعتبارها في إبراز خصائصه ووظائفه, بعد أن تبين أنها هي البانية لحقيقته.
    ويصنف طه عبد الرحمن الحجاج إلى ثلاثة أصناف هي :
    1- الحجاج التجريدي: وهو الإتيان بالدليل على الدعوى على طريقة أهل البرهان, أي الاستدلال الذي ينبني على اعتبار الصورة وإلغاء المضمون والمقام, وهو من المراتب الدنيا للحجاج.
    2- الحجاج التوجيهي: وهو إقامة الدليل على الدعوى بالبناء على فعل التوجيه الذي يختص به المستدل, والتوجيه هنا هو إيصال المستدل حجته إلى غيره. ويدعم هذا النوع من الحجاج, النظرية اللسانية المعروفة باسم (نظرية أفعال الكلام), والتي ترد الأفعال إلى القصد والفعل, وهما عماد التوجيه.
    3- الحجاج التقويمي: وهو إثبات الدعوى بالاستناد إلى قدرة المستدل على أن يجرد من نفسه ذاتاً ثانية ينزلها منزلة المعترض على دعواه, أو ما يسمى في النظرية اللسانية (بالتشخيص)؛ أي إنه ينبني أصلاً على اعتبار فعل الإلقاء وفعل التلقي معا على سبيل الجمع والاستلزام.
    فالنوع الحجاجي الأول هو الاستدلال الذي يتعاطى فيه المحتج تقليد البرهان الصناعي, أما النوع الثاني فهو الاستدلال الذي يقتصر فيه المحتج على اعتبار وجهة المدعي وحدها. وأعلا هذه الأنواع هو النوع الثالث وهو الاستدلال الذي يأخذ فيه المحتج بوجهة المعترض, فضلا عن وجهته الخاصة بوصفه مدعياً.
    وبناءً على ذلك يقسم الباحث الحجج إلى ثلاثة أقسام وهي :
    1- الحجة التجريدية بوصفها بناءً استدلالياً يستقل بنفسه.
    2- الحجة التوجيهية بوصفها فعلا استدلالياً يأتي به المتكلم.
    3- الحجة التقويمية بوصفها فعلا استدلاليا يأتي به المتكلم بغرض إفادة المستمع مع نهوض المستمع بتقويم هذا الفعل.
    ويحدد الباحث لكل حجة من هذه الحجج نموذجاً مخصوصاً من النماذج التواصلية الثلاثة (الوصل, الإيصال, الاتصال). ثم يوضح المراتب المختلفة لكل حجة من هذه الحجج, وهي :
    1- المراتب المتضادة وتوجد في الألفاظ الدالة على معانٍ يمكن ترتيبها بين طرفين متباينين.
    2- المراتب الموجَّهة توجيهاً كمياً وتوجد في الألفاظ الدالة على معانٍ تقبل التدرج في اتجاه واحد.
    3- المراتب الموجَّهة توجيهاً قصدياً وقد تدخل على المراتب والجمل لا على الألفاظ وحدها.
    ولم تكن نظرة علم اللغة بعيدة عن ذلك ، إلا أنها وضعت اهتماما كبيرا للسياق ، فيرى الغزاوي 2006 م بأن الحجاج الطبيعي هو تقديم الحجج والأدلة المؤدية إلى نتيجة معينة, وهو يتمثل في إنجاز تسلسلات استنتاجية داخل الخطاب, وبعبارة أخرى يتمثل الحجاج في إنجاز متواليات من الأقوال, بعضها هو بمثابة الحجج اللغوية, وبعضها الآخر هو بمثابة النتائج التي تستنتج منها .
    فهذه هي الدراسات الأساسية المؤصلة لدراسة الحجاج في البيئة العربية ، وكما هو واضح أن هذه الدراسات برغم اختلاف وجهاتها (بلاغي ، فلسفي ، لغوي) لم تكن مختلفة اختلافا كليا في التناول ، وهذا ما سبب الخلط ، وجعل الرؤية غائمة لدى الباحثين الذين تناولوا نظرية الحجاج بعد ذلك.
    رابعا: الغاية من الخطاب القرآني:
    لكل رسالة لغوية, وعملية تواصلية بواعث ومقاصد تقوم عليها العلاقات التخاطبية؛ فلاوجود لأي تواصل عن طريق العلامات دون وجود قصديّة وراء فعل التواصل, فتتحول دلالة الخطاب من المعنى الظاهر الذي تدل عليه اللغة إلى معنى أو معان أخرى, وهذا ما يجعل معنى الخطاب يتعدد بتعدد السياقات التي ينتج فيها ولذا تذهب أمينة الدهري إلى أن "وظيفة الكلام الجوهرية هي أن يوجه لا أن يدل " ، ولعلها تقصد أن لكل خطاب غاية ، وهذه الغاية هي التي تحدد الكيفية التي يسير بها الخطاب للوصول إلى الغاية ، وهي التي تبين المعاني الثواني أو المعاني السياقية التي لا يمكن الوقوف عليها اكتفاء بالمعنى الحرفي فقط ، وقد التفت د. عيد بلبع إلى ذلك في كتابه : " مقدمة في نظرية البلاغة النبوية " حيث أشار إلى أن " وضْعَ الباحثِ نصب عينية الغايةَ من الخطاب الذى يمثل مادة التحليل الذى يقوم به يُعَدُّ أحدَ أهم المبادئ النظرية التي تؤسس لعملية تحليل دقيقة ؛ لأن مراعاة هذه الغاية يحدد للباحث عن أي شيء يبحث ؟ ومن ثم يحدد له الغاية من عملية التحليل البلاغي الأسلوبي التي يقوم بها " بل إن الخطاب هو ما يحدد الوسائل البلاغية التي تتناسب معه " فلكل خطاب بلاغته، ولكل خطاب قدرته على أن يقترح على النظرية من الإضافات والتعديلات ما يحقق لها مزيدا من التألق والحياة؛ فإن دوام الرؤية التنظيرية واستمرارها مرهون بمرونتها ومدى قدرتها على قبول مقترحات النصوص وألوان الخطاب المختلفة وصهرها فى منظومتها " ( )
    ومن ثم فإن على الباحث في القرآن الكريم مراعاة تعدد الخطابات وتعدد الغايات وتعدد السياقات ، فخطاب المؤمنين يكون مغايرا لخطاب الكافرين ، وخطاب التحدي يكون مغايرا لخطاب التثبيت والتمكين والإقناع والتأثير ، وتشترك مع كل هذه الخطابات الغاية الجمالية التي تضفي على الغايات تأثيرا وتوصيلا .
    والوقوف على هذه الغايات منفردة أمر فيه تهميش لما ليس من حقه التهميش ، فالغايات متداخلة مترابطة ، ولعل هذا هو سر من أسرار الإعجاز ،ولذا يُصدّر الخطابي رسالته (بيان إعجاز القرآن) بالحديث عن السبب الذي جعل الناس مختلفين في تحديد أوجه إعجاز القرآن، ويعلل ذلك بأن معرفة وجه إعجاز القرآن أمر متعذر، لأنه ليس مما يواجه النظر، إنما هو مما يستشعر بالقلب استشعاراً...
    يقول الخطابي: قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديماً وحديثاً، وذهبوا فيه كل مذهب في القول، وما وجدناهم بعدُ صدروا عن رأي، وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته، فأما أن يكون قد نقبت في النفوس نقبة بكونه معجزاً للخلق ممتنعاً عليهم الإتيان بمثله على حال فلا موضع لها .
    فالخطاب القرآني له جوانب تشريعية وأخرى تعليمية وأخرى حجاجية وأخرى إقناعية وأخرى تثبيتية ،وأخرى تعجيزية ، ولا ينبغي أن نخلط في التحليل البلاغي بين هذه البلاغات ، بل ينبغي أن ندرس كل خطاب لنقف على ما فيه من أثر للغاية على بنيته البلاغية.
    وقد راعى الخطاب القرآني مستويات الفهم لدى المخاطبين؛ لأنه جاء لعموم الناس على مختلف مستوياتهم العقلية والعمرية، فكان الأمر الرباني لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يراعي تلك المستويات على اختلافها في أساليبه الخطابية، فقال سبحانه: {ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}( ).وبذلك يمكننا أن نستنتج نتيجة هامة ، فالخطاب الدعوي يعتمد على الإقناع والتأثير والاستمالة ، أما الخطاب الجدلي الحجاجي فيختلف عن ذلك ، ويؤكد هذا ما ذكره الرازي( ):"ومن لطائف هذه الآية أنه قال: {ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَة ِ وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة{، فقصر الدعوة على ذكر هذين القسمين ؛ لأن الدعوة إذا كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة ، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة، أما الجدل فليس من باب الدعوة بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الإلزام والإفحام؛ فلهذا السبب لم يقل: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن، بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنبيهًا على أنه لا يحصل الدعوة وإنما الغرض منه شيء آخر، والله أعلم" ( ).
    فللحكمة في كتاب الله عز وجل عدة معان وقد ذكرها الفيرزآبادي في ستة مواضع( )، أما معناها في سياق هذه الآية: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} فللمفسرين فيها أقوال يمكن إجمالها في ثلاثة أقوال:
    الأول: " الحكمة هي معرفة الحق والعمل به، فالقلوب التي لها فهم وقصد تدعى بالحكمة، فيبين لها الحق علما وعملا فتقبله وتعمل به"( ). والمقصود بها علم الكتاب والسنة والعمل بهما.
    الثاني: مراعاة مقتضى الحال، أو دعوة كل أحد على حسب حاله وانقياده ( ).
    الثالث: الدليل الصحيح المحكم والحجة القطعية ( ).
    ويمكن الجمع بين هذه التعريفات بقولنا هي استخدام الدليل استخداما يتوافق مع ميول وثقافة وحالة المتلقي.
    ولعلنا نستطيع أن نقف على بعض الغايات خلال الخطاب القرآني فيما يلي:
    أ- بلاغة التثبيت في القرآن الكريم
    "بلاغة التثبيت" مصطلح قرآني ، يقول تعالى في سورة الفرقان 32(كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) هذا عن القرآن عامة ، ويقول في سورة هود 120 (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين).
    فالقصص القرآني خطاب موجه إلى متلقي مؤمن بالقرآن ، لذا لا ينبغي أن نجعله حجاجيا كما يذهب البعض قائلا"والقصة القرآنية كانت من أهم العوامل النفسية التي لجأ إليها القرآن في محاججة مخالفيه وإلزامهم وإفحامهم لنفي كل العقائد الباطلة التي كان يدين بها أهل الكتاب والمشركون وغيرهم، كذلك لتثبيت أصول الدين وزرع مبادئه في النفوس"
    فالقصص القرآني ليس الغرض منه الإقناع ؛لأن الإقناع يستدعي أن يكون المتلقي غير مقتنع فيحاول المتكلم إقناعه ،فالإقناع يعرف بأنه "إذعان نفسي لما نجده من أدلة، ويسمح بقدر من الرجحان يميزه عن اليقين، ويستند إلى أسباب فكرية يتميز بها عن الاعتقاد الذي قد يكون مجرد قبول أو نتيجة بواعث عملية أو شخصية"( ). فهو بذلك " عمليات فكرية و شكلية يحاول فيها أحد الطرفين التأثير على الآخر، و إخضاعه لفكرة ما "( ).
    ومن هنا يتبين لنا أن غرضها – القصة - تثبيت القلب وتسلية المتلقي ، وحينما أوضحت الآية غرضها –أي أنباء السابقين- للمؤمنين ذكرت أنها"موعظة وذكرى".
    وغاية القصة كما ذكر القرآن "موعظة وذكرى" تقتضي أن تركز القصة على الهدف من الاستشهاد بها دون الوقوف على دقائق تفصيلاتها ، فالقصة القرآنية لم تسرد حوادث القصة ووقائعها سرداً تاريخياً ولم تتطرق إلى الجزئيات فيها خوفاً من الإطالة والابتعاد عن مغزى وهدف القصة ، فهذه الجزئيات لا يضر الجهل بها ولا يفيد العلم بها . وإنما يكتفي ببيان العبرة والغرض .
    وهذا الغرض "التثبيت "بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم و"الموعظة " بالنسبة للمؤمنين ، قد يُصرح به في بعض الآحيان فيكون في بداية القصة كما في قصة أصحاب الجنة في سورة القلم : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُون فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ( ) .
    فغاية التثبيت تعني تثبيت قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلوب الأمة الإسلامية على دين الله والعمل على زيادة ثقة المؤمنين بنصرة الحق وأهله وخذلان الباطل وأعوانه وتأتي القصة القرآنية للتسرية عن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلوب المؤمنين عندما يلقون العنت والتشريد والعذاب بسبب إيمانهم فيعرض عليهم قصص الأمم السابقة ليعلموا أن المؤمنين من قبلهم لقوا من العذاب ألواناً ، فصبروا على عقيدتهم حتى أتاهم النصر في الدنيا والجزاء الأوفى في الآخرة ، قال تعالى : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد ( ) .
    وتتحقق غاية الوعظ والاعتبار بذكر الله سبحانه قصص الأمم الماضية وأخبارهم وما حاق بهم من العذاب والهلاك نتيجة لتكبرهم على الحق وتكذيبهم للرسل وعنادهم وتجبرهم في الأرض بغير الحق وأوضح الحق تبارك وتعالى قدرته في استئصال المعاندين المكذبين ليكونوا عبرة لمن سيأتي من بعدهم ، قال تعالى : وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ( ) .
    فالمؤمن يتلقى القصة مصدقا لها مقرا بثبوتها يقف عند دلالتها وغرضها فيجد في قلبه ارتياحا وفي إيمانه ثباتا ، فكأنها تلفته إلى ضرورة الإيمان الكامل والتصديق الشامل والانقياد التام ، ولذا نجد أن لكل قصة محورا ومرتكزا ربما ذكر أول القصة أو آخرها أو في الحالين أو يفهم من السياق .
    ومن أمثلة ذلك نجد قوله تعالى في سورة يوسف (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فكأن القصة كلها جاءت لتثبت هذا المعنى في ذهن المتلقي .
    وكذلك نجد قوله تعالى في سورة القصص "فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون" فقصة موسى عليه السلام كلها تدور حول هذا المحور والمرتكز.
    ونحن حينما نذهب هذا المذهب لا ننفي الإقناع في القرآن الكريم ، فالإقناع جانب من جوانب الخطاب في القرآن الكريم ، ولكننا نجده فيما لا يوجد فيه نص قاطع بالتحريم أو بالتحليل ، كالإقناع بالجود وترك البخل ، والإقناع بالجهاد ، والإقناع بالزهد في الدنيا ....إلخ.
    ويكون للتأثير العاطفي دور في الإقناع ، ففي النفس الإنسانية قوتان: قوة تفكير، وقوة وجدان. فتحتاج إلى إقناع عاطفي ( )، ويُعَدُّ التوجه إلى العاطفة مؤازرًا في أساليب الإقناع والتأثير في القرآن الكريم للتوجه إلى العقل، فإذا كان العقل لا يسهل قياده في بعض الأحيان مهما وضحت الحجة، فإن العاطفة تكون حينئذ عونًا على استمالة المخاطب.
    فالخطاب العاطفي يعمد إلى استثارة العاطفة في النفس لدفعها إلى الإقناع، فيمكن أن نزعم أن التأثير مكون من مكونات الإقناع ، وأمثلة ذلك قوله تعالى "كيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا"
    فالتركيز هنا جاء على هذه العلاقة الحميمية بين الزوجين ، فالتذكير بها يرقق القلب ويذهب الغيظ والحقد ، وكذلك نجد قوله تعالى "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه"
    ويمكن أن نقول إن لقصص القرآن جانبا تثبيتيا وجانبا إقناعيا ، فمثلا نجد القصص التي تناولت قضية البعث والنشور تقصد الإقناع لغير المؤمن والتثبيت للمؤمن ، فمن أولويات الإيمان الإيمان بالبعث والنشور.
    فقصة إبراهيم مع النمرود بحجاجها -وهنا جاز أن نقول حجاجا لأن الغرض المغالبة- تحمل بعدا إقناعيا وآخر تعليميا ؛ حيث تكون الحجة وطريقة تفنيد حجج الخصم وسيلة تعليمية للمتلقي يستفيد منها في المواقف المشابهة.
    وكذلك قصته مع الطير ، فحكايتها ليست حجاجية ولا إقناعية ولكنها تعليمية ، فعرض السؤال لايعني جهل السائل بالحال ، ولكن عرضه لدفع الشبهة و تعليم المتلقي .
    "أولم تؤمن "؟! الله يعلم بإيمانه ولكنه سؤال يراد به – والله أعلم – التقرير لدفع الشبهة ؛ كي لا يظن البعض أن إبراهيم عليه السلام أصابه الريب أو الشك.
    فقصتا إبراهيم عليه السلام مع النمرود والطير قصتان غيبيتان ، لم يرهما المتلقي ومن المحال أن أقنع بغير مرئي إلا إذا كان المتلقي قد فارق مرحلة الإقناع إلى الإيمان ومن ثم تكون القصة ذات بعد تثبيتي تعليمي.
    وكذلك قصة العزير عليه السلام "أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ....) فشأنها شأن تثبيتي تعليمي لا يتلقاها بالتسليم إلا مؤمن مصدق ، ولكن غير المؤمن قد ينكر ثبوتها أصلا.
    فهذه القصص تؤكد الحقيقة وتثبتها لدى المتلقي المؤمن أو المتلقي الذي لديه علم بتاريخ الأمم السابقة ، أما حينما يقنع الله تبارك وتعالى المنكر فإن الخطاب يتحول من التثبيت إلى الإقناع باختلاف حالة المتلقي ، ونجد مثال ذلك ما جاء في سورة يس "وضرب لنا مثلا ونسي خلقه"
    فهذا مجادل ومعاند يشكك في البعث والنشور ، فهل يأتي خطابه مشتملا على قصة تاريخية أو عناصر تأثيرية ؟
    لم يأت خطابه تثبيتيا ولا تعليميا بل جاء حجاجيا مشتملا على أدلة مرئية لا ينكرها ذو عقل .
    "قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم"
    "الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون"
    "أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم "
    بداية الخلق ......دليل أول.
    تحول الأخضر إلى يابس محروق ثم اخضراره ......دليل ثان.
    خلق السموات والأرض ......دليل ثالث.
    والحقيقة التي ينبغي التنبه لها أن مسألة الإحياء بعد الموت مسألة غيبية لا يمكن إثباتها إثباتا قاطعا ولكن يستدل بغيرها عليها ، فالقادر على أن يخلق السموات والأرض يقدر على خلقهم مرة ثانية ، والقادر على إنبات النبات وجعل الماء عذبا ومالحا ، والقادر على خلق النار – قادر على أن يعيد خلق الإنسان مرة أخرى.
    ولذا كان من صفات المؤمن بل من متممات إيمانه الإيمان باليوم الآخر والإيمان بالحساب وبالجنة والنار.
    فكل ما جاء من خطاب يخص البعث والنشور والإحياء بعد الموت عدا آيات قلائل لا يمكن أن يوصف بالحجاجية لأنه لا يحتوي على حجة دامغة ، بل هو خطاب تثبيتي تعليمي في أغلبه.
    ب - خطاب القرآن لبني إسرائيل خطاب تأثيري استمالي :
    ﻭﺭﺩ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻨﻭﻉ ﻤﻥ ﺍﻷﺴﺎﻟﻴﺏ ﻓﻲ ﻟﻐﺔ ﺍﻟﺨﻁﺎﺏ، ﻻ ﺴﻴﻤﺎ ﻓﻲ ﺴﻭﺭﺓ ﺍﻟﺒﻘﺭﺓ؛ ﺫﻟﻙ ﺃﻨﻬﺎ ﺠﺎﺀﺕ ﻟﺘﺫﻜﻴﺭ ﺒﻨﻲ ﺇﺴﺭﺍﺌﻴل ﺒﺎﻟﻨﻌﻡ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻨﻌﻤﻬﺎ ﷲ ﻋﻠﻴﻬﻡ، ﻟﻌﻠﻬﻡ ﻴﺴﺘﺠﻴﺒﻭﻥ ﺃﻭ ﻴﺅﻤﻨﻭﻥ، ﻭﻟﻐﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﺸﺭﺓ ﻤﻥ الله عز وجل ﺸﺄﻨﻬﺎ ﺃﻥ ﺘﻜﻭﻥ ﺃﻜﺜﺭ ﺘﺄﺜﻴﺭﹰﺍ ﺒﻬﻡ، ﻭﺘﺫﻜﻴﺭﹰﺍ ﻟﻬﻡ، ﻻ ﺴﻴﻤﺎ ﺃﻨﻬﺎ ﺘﺨﺎﻁﺏ ﺍﻟﻴﻬﻭﺩ ﺍﻟﻤﻌﺎﺼﺭﻴﻥ ﻟﻠﻨﺒـّﻲ صلى الله عليه وسلم ، ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺩﻴﻨﺔ ﺍﻟﻤﻨﻭﺭﺓ . ﺃﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻭﺭ ﺍﻷﺨﺭﻯ ﺍﻟﺘﻲ ﻋﻤﺩﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺄﺭﻴﺦ ﻭﺍﻟﺘﻔﺼﻴل ﻓﻲ ﺃﺤـﺩﺍﺙ ﺒﻨـﻲ ﺇﺴـﺭﺍﺌﻴل ﻜﺎﻷﻋﺭﺍﻑ ﻤﺜﻼ، ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻌﻨﻴﻑ ﻋﻠﻴﻬﻡ ﻭﺍﻟﺩﻋﻭﺓ ﺇﻟﻰ ﻗﺘﺎﻟﻬﻡ ﻭﺍﻟﻘﺼﺎﺹ ﻤﻨﻬﻡ ﻜﺎﻟﻤﺎﺌﺩﺓ ﻭﻏﻴﺭﻫﺎ، ﻓﺈﻨﻨـﺎ ﻨﺠﺩ ﺃﻥ ﺍﻷﻤﺭ ﻓﻴﻬﺎ ﻴﺄﺘﻲ ﻋﻠﻰ ﻟﺴﺎﻥ ﻤﻭﺴﻰ ﻤﺸﻔﻭﻋﺎ ﺒﺎﻟﺼﻴﻐﺔ ﺍﻟﺯﻤﻨﻴﺔ الدالة على ما مضى من الزمن (ﺇﺫ) .
    فالخطاب الموجه إلى بني إسرائيل ليس خطابا تعليميا ؛لأن الخطاب التعليمي خطاب يطلع بمهمة توصيل المعرفة واستراتيجيات التواصل و الحوار ، ومن ثم نجد أن الخطاب التشريعي يمكن إدراجه داخل إطار الخطاب التعليمي ، فآيات المواريث ، وآيات التعامل مع الغنائم وتوزيعها ، وآيات الحدود ، وآيات التعامل مع الكافرين والمعاهدين في السلم والحرب ، كل هذه الخطابات تدخل ضمن الخطاب التعليمي .
    ومن نماذج الخطاب التعليمي سورة الحجرات ؛ حيث اشتملت على الآداب التي بها ينصلح حال الفرد والمجتمع (توقير النبي – تقوى الله – التثبت من الأخبار- الإصلاح بين المؤمنين- الإخوة في الله – حرمة التجسس وتتبع عورات الناس- حرمة السخرية من الآخرين – تحري الأمور والبعد عن الظن السيء...).
    كما نجد أن الآيات التي خاطبت بني إسرائيل تخلت عن الغاية الحجاجية لأنها ليست خطابا موجها لحاضر بل هي حكاية خطاب لمتلقي لم يعد موجودا ، والغرض منها ليس إقناعيا لأن الإقناع يقتضي تغييرا في موقف ما ، وليست الغاية من الخطاب هنا تغيير موقف بل الإخبار عنه .
    ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ 40 وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ 41 وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ 42 وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ 43 أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ 44 وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ 45 الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ 46 يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ 47 وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ 48)
    ﻭﻟﻌّل ﻟﺠﻭﺀ ﻟﻐﺔ ﺍﻟﺨﻁﺎﺏ ﺇﻟﻰ ﺃﺩﺍﺓ ﺍﻟﻨﺩﺍﺀ (ﻴﺎ ) ﻭﻫﻲ ﺘﺘﺩﻓﻕ ﻤﻥ ﻨﺒّﻲ ﷲ ﻤﻭﺴﻰ ﻴﻌﺒﺭ ﻋـﻥ ،" ﺤﺎﻟﺔ ﻨﻔﺴﻴﺔ ﻭﻭﺠﺩﺍﻨﻴﺔ ﺃﻟﻤﺕ ﺒﻪ، ﻭﺒﻤﻥ ﺠﺎﺀ ﺒﻌﺩﻩ ﻤﻥ ﺍﻷﻨﺒﻴﺎﺀ ﻓﻲ ﺤﻭﺍﺭﺍﺘﻬﻡ ﻤﻊ ﺒﻨﻲ ﺇﺴـﺭﺍﺌﻴل، ﻭﻜـﺄﻥ ﺃﺴﻠﻭﺏ ﺍﻟﻨﺩﺍﺀ ﺍﻟﻤﺘﻤﺜل ﺒـ (ﻴﺎ) ﻭﺍﻟﺘﻭﺩﺩ ﻴﻀﻔﻲ ﻨﻭﻋﹰﺎ ﻤﻥ ﺍﻻﺴﺘﻌﻁﺎﻑ ﻷﻭﻟﺌﻙ ﺍﻟﻘﻭﻡ لعلهم ﻴﺴﺘﺠﻴﺒﻭﻥ أو ﻴﺅﻤﻨﻭﻥ، ﻓﻔﻲ ﺍﻤﺘﺩﺍﺩ ﺍﻟﺼﻭﺕ ﻤﺎ ﻴﻨﺒﺊ ﻋﻥ ﺤﺎﻟﺔ ﻨﻔﺴﻴﺔ ﻤﺼّﻭﺭﺓ ﻷﺤﺯﺍﻨﻪ ﻭﺁﻻﻤﻪ ﻭﺁﻤﺎﻟﻪ"
    ﻭﻏﺎﻟﺒﺎ ﻤﺎ ﺘﺘﻀﻤﻥ ﻟﻐﺔ ﺍﻟﺨﻁﺎﺏ ﻤﻥ الله تعالى ﺇﺜﺎﺭﺓ ﺍﻻﻨﺘﺒﺎﻩ ﻭﺍﻟﻤﺒﺎﻟﻐﺔ ﻭﺍﻟﺘﺄﻜﻴﺩ ﻟﺘﺤﻘﻴﻕ ﻤﻔﻬﻭﻡ ﺍﻟﻌﺒﻭﺩﻴﺔ ﺍﻟﺨﺎﻟﺼﺔ ﻓﻲ ﺒﻨﻲ ﺇﺴﺭﺍﺌﻴل، ﻓﺘﺫﻜﻴﺭﻫﻡ ﺒﺎﻟﻨﻌﻡ ﻴﺴﺘﻭﺠﺏ منهم ﺍﻟﻁﺎﻋﺔ ﻭﺍﻻﻤﺘﺜﺎل ﻷﻤﺭ ﷲ ﺘﻌﺎﻟﻰ، ﻭﺩﻋﻭﺘﻬﻡ ﻟﻺﻴﻤـﺎﻥ ﺒـﺎﻟﻨﺒّﻲ صلى الله عليه وسلم ﺃﻤﺭ ﺠﻠل ﻻ ﻴﺴﺘﻘﻴﻡ ﺇﺴﻼﻡ ﺍﻟﻤﺭﺀ دونه ﻭﻟﻌّل ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺘﻜﺭﺍﺭ ﺍﻟﻜّﻤﻲ ﻓﻲ ﻟﻐﺔ ﺍﻟﺨﻁﺎﺏ ﻴﺴﻬﻡ ﻓﻲ ﺘﺭﻜﻴﺯ ﺍﻟﻤﻌﻨـﻰ، ﻭﺘﻌﻤﻴـﻕ ﺍﻟﺩﻻﻟـﺔ ، ﻭﻴﻀﻔﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺹ ﻤﺯﻴﺩﹰﺍ من ﺍﻟﻜﺜﺎﻓﺔ و ﺍﻟﻭﻀﻭح.
    ﺠﺎﺀﺕ ﻫﺫﻩ ﺍﻷﻟﻔﺎﻅ مفعمة ﺒﺄﺴﻠﻭﺏ ﺍﻟﺘﻭﺩﺩ ﺍﻟﺫﻱ ﻴﺒﺩﻭ ﻓﻲ ﻟﻐﺔ ﺍﻟﺨﻁﺎﺏ ﺍﻟﻘﺭﺁﻨﻲ، ﻻ ﺴﻴﻤﺎ ﺃﻥ ﺨﻁﺎﺏ ﺍﻟﺩﻋﺎﺓ ﺇﻟﻰ ﷲ ﻭﺍﻟﻤﺼﻠﺤﻴﻥ ﻋﻠﻰ ﻤﺭ ﺍﻟﻌﺼﻭﺭ ﻻ ﻴﺨﺭﺝ ﻋﻥ ﻫﺫﺍ ﺍﻷﺴﻠﻭﺏ ، ﻓﻘﺩ ﺒﻌـﺜﻬﻡ ﷲ ﺇﻟﻰ ﺃﻗﻭﺍﻤﻬﻡ ﻟﻴﺨﺭﺠﻭﻫﻡ ﻤﻥ ﻋﺒﺎﺩﺓ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺇﻟﻰ ﻋﺒﺎﺩﺓ ﺭﺏ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻭﻤﻥ ﺠﻭﺭ ﺍﻷﺩﻴﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﻋـﺩل ﺍﻹﺴﻼﻡ، ﻭﻫﺫﺍ ﻟﻥ ﻴﺘﺤﻘﻕ ﺇﻻ ﺒﺎﻷﺴﻠﻭﺏ ﺍﻟﻨﺒﻭﻱ، ﺒﺨﻁﺎﺏ ﻫﺎﺩﺉ ﻭﺤﻭﺍﺭ ﻴﻔﻀﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﻨﺘﺎﺌﺞ ﺇﻴﺠﺎﺒﻴﺔ ﺘﺼﺏ ﻓﻲ ﻤﺼﻠﺤﺔ ﺍﻟﺩﻴﻥ، ﻭﻟﻌل ﻫﺫﺍ ﻤﺎ ﺩﻓﻊ ﺒﻌﺽ ﺍﻟﻴﻬﻭﺩ ﻹﻋﻼﻥ ﺇﺴﻼﻤﻬﻡ ﻭﺍﻟـﺫﻭﺩ ﻋـﻥ ﺭﺴﻭل ﷲ صلى الله عليه وسلم ﻜﻌﺒﺩ الله بن سلام رضي الله عنه.
    ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺨﻁﺎﺏ التوددي ﻴﺘﻁﻠﺏ ﺃﺼﻭﺍﺘﺎ ﻤﺭﻗﻘﺔ ﺘﺤﻤل ﻓﻲ ﻁﻴﺎﺘﻬﺎ ﻤﻌﺎﻨﻲ ﺍﻟﺭﻓﻕ ﻭﺍﻟﺘﻭﺩﺩ، ﻭﺍﻟﻘﺭﺁﻥ ﻴﺅﻜﺩ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻤﻥ ﺨﻼل ﺍﻟﺘﻜﺭﺍﺭ ﻟﺠﻤﻠﺔ ﺍﻟﻨﺩﺍﺀ ( ﻴﺎ ﺒﻨﻲ ﺇﺴﺭﺍﺌﻴل، ﻴﺎ ﺃﻫل ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ، ﻴﺎ ﺃﻴﻬﺎ ﺍﻟﺫين هادوا) .
    ﻓﻬﻲ ﺠﻤل ﺨﺎﻟﻴﺔ ﻤﻥ ﺃﺼﻭﺍﺕ ﺍﻟﺘﻔﺨﻴﻡ، ﻭﻟﻡ ﻴﻘﺘﺼﺭ ﺍﻷﻤﺭ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻙ ﺒل ﻋﻤﺩ ﻓﻲ ﺒﻌﺽ ﺍﻵﻴﺎﺕ ﺇﻟـﻰ ﺍﺴﺘﺨﺩﺍﻡ ﺃﺴﻠﻭﺏ ﺍﻟﺘﻤﻬﻴﺩ ﺍﻟﺫﻱ ﻴﻨﻘل ﺍﻟﻘﺎﺭﺉ ﺇﻟﻰ ﺠﻭ ﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺩﺓ، ﺤﻴﻨﻤﺎ ﻴﻘﻭل : (ﻭﺇﺫ ﻗﺎل ﻤﻭﺴﻰ ﻟﻘﻭﻤﻪ ﻴﺎ ﻗﻭﻡ ... ( ﻓﻔﻲ ﺼﻭﺕ ﺍﻟﻤﻴﻡ ﺍﻟﻤﺭﻗﻕ) ﻟﻘﻭﻤﻪ (ﻭ ( يا ﻗﻭﹺﻡ ) ﻨﺩﺭﻙ ﻤﻌﻨﻰ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻬﺩﻱ ﺍﻟﻤﻠﻲﺀ ﺒﺄﺴﻠﻭﺏ ﺍﻟﺸﻔﻘﺔ ﻭﺍﻟﺭﺤﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻗﻭﻤﻪ ﺃﻤﻼ ﻓﻲ ﻫﺩﺍﻴﺘﻬﻡ .
    فإستراتيجية التذكير بالنعم من استراتيجيات الحوار التي تجعله أكثر قدرة على التأثير، ولذا نجدها مكررة في القرآن الكريم ، والأمثلة كثيرة بحيث يصعب الوقوف عليها في هذا السياق.
    فنلاحظ ﻫﻨﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻐﺭﺽ ﺍﻟﺭﺌﻴﺱ ﻟﺴﻭﺭﺓ ﺍﻟﺒﻘﺭﺓ ﻫﻭ ﺘﻌﺩﺍﺩ ﺍﻟﻨﻌﻡ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻨﻌﻤﻬﺎ ﷲ ﻋﻠﻰ ﺒﻨﻲ ﺇﺴﺭﺍﺌﻴل، ﻓﻲ ﻤﺤﺎﻭﻟﺔ ﻻﺴﺘﻘﻁﺎﺏ ﺍﻟﻘﻭﻡ ﺇﻟﻰ ﺩﻴﻥ ﷲ، ﺒﺎﺘﺒﺎﻉ ﺃﻤﺭ ﺍﻟﻨﺒّﻲ ﺍﻟﻜﺭﻴﻡ ﻭﻫﻲ ﺘﻬﺩﻑ ﻜﺫﻟﻙ ﺇﻟﻰ ﺇﺒﺭﺍﺯ ﻤﻭﻗﻑ ﺒﻨﻲ ﺇﺴﺭﺍﺌﻴل ﻤﻥ ﺍﻟﺩﻋﻭﺓ ﺍﻹﺴﻼﻤﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺩﻴﻨـﺔ، ﺜـّﻡ ﺇﻋﺩﺍﺩ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﺔ ﻋﺒﺭ ﺘﺒﺼﻴﺭﻫﺎ ﺒﻁﺒﻴﻌﺔ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﺼﻨﻑ ﻤﻥ ﺍﻟﺒﺸﺭ . ﻭﻟّﻤﺎ ﻜﺎﻨﺕ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﺴﻭﺭﺓ ﺘﻬﺩﻑ ﺇﻟﻰ ﺤﹼﺙ ﺍﻟﻘﻭﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻴﻤﺎﻥ ﺒﺎلله ﻭﺍﻟﺘﺼﺩﻴﻕ ﺒﻨﺒﻭﺓ ﻤﺤﻤﺩ صلى الله عليه وسلم ، ﺃﺨﺫﺕ ﻟﻐﺔ ﺍﻟﺨﻁﺎﺏ ﻓﻴﻬﺎ ﺘﺘﺩﻓﻕ ﻟﺘﺤﻘﻴﻕ ﻫﺫﺍ ﺍﻟﻐﺭﺽ.
    يقول تعالى (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ 49 وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ 50 وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ 51 ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 52)
    فنجد هذا التناسب في الأداء مع الغاية من الخطاب ، فغاية الخطاب في سورة البقرة ترغيبية استمالية كما أسلفنا ، وقد جاء الخطاب في سورة آل عمران معتمدا على هذه الوسائل الاستمالية التأثيرية المشتملة على النداء المرقق للقلوب والمشعر بمنزلتهم عند الله إن استجابوا ، يقول تعالى:
    (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ 64 يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ 65 هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ 66 مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ 67 إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ 68 وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ 69 يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ 70 يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ 71 وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 72 وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 73 يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 74 وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 75 بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ 76 إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 77 وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 78 مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ 79 وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ 80 وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ 81 فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 82 أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ 83 )
    أما إذا تدرجت الغاية من الترغيب إلى الترهيب ، ومن الاستمالة إلى التهديد ، فسنجد اختلافا في الأداء، ﻭﻋﻤﻘﹰﺎ وهذا ما تبين خلال سورة النساء يقول تعالى :
    ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ) النساء 47 .
    ﻨﺠﺩ ﺍﻟﻠﻔﻅ ( ﻨﻁﻤﺱ ) ﻴﺤﻤل ﻤﻌﻨﻰ اﻟﺘﻬﺩﻴـﺩ ﻭﺍﻟﻭﻋﻴـﺩ ﻭﺍﻟﻘﻭﺓ ﻭﺍﻟﺭﻫﺒﺔ، ﺇﻨﻪ ﺍﻟﻁﻤﺱ ﺍﻟﺩﺍّل ﻋﻠﻰ ﺍﺴﺘﺌﺼﺎل ﺍﻟﺸﻲﺀ، ففي ﻫﺫﻩ ﺍﻟﺴﻭﺭﺓ ذكر ﻷﺴﺒﺎﺏ ﺍﻟﻌﻘﻭﺒﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺤﻠﺕ ﺒﺒﻨﻲ ﺇﺴﺭﺍﺌﻴل، ﻭﻓﻴﻬﺎ ﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﺘﻬﺩﻴﺩ ﻭﺍﻟﻭﻋﻴﺩ، فالخطاب ﻜﺎﻥ ﻟﻤﻌﺎﺼﺭي اﻠﻨﺒّﻲ صلى الله عليه وسلم ليلفتهم إلى مصيرهم إن ظلوا معاندين ، فماﺩﺍﻡ ﺃﺴﻠﻭﺏ ﺍﻟﺘﻠﻁﻑ ﻓﻲ ﺴﺭﺩ ﺍﻟﻨﻌﻡ ﻜﻤﺎ ﻅﻬﺭ ﻓﻲ ﺴﻭﺭﺓ ﺍﻟﺒﻘﺭﺓ ﻟﻡ ﻴﺄﺕ ﺒﻨﺘﻴﺠﺔ ﻤﻊ ﺃﻭﻟﺌﻙ ﻻ ﺠﺭﻡ ﺃﻥ ﻴﻌﻤﺩ ﺍﻟﻨﺹ ﺍﻟﻘﺭﺁﻨـّﻲ ﺇﻟـﻰ ﺃﺴـﻠﻭﺏ ﺍﻟﺘﺭﻫﻴﺏ ﻭﺍﻟﻭﻋﻴﺩ ﻟﺘﺤﻘﻴﻕ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻐﺎﻴﺔ.
    جـ - خطاب القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم بين التثبيت والإقناع:
    النبي صلى الله عليه وسلم بشر ، والبشرية لا تنفك عنه بالرسالة ، لذا فإن هناك جوانب تطغى فيها الطبيعة البشرية ، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فعن أم سلمة زوج النبى  أنه سمع خصومة بباب حجرته ، فخرج إليهم فقال : " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضًا أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ ، أَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ وَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَدَعْهَا " وهذه الجوانب قد تتناقض مع حكمة الله تعالى وعلمه بالغيب ، وقد تجلى ذلك أيضا في بيان بشرية موسى عليه السلام خلال رحلته مع العبد الصالح ، ومن ثم تكون غاية الخطاب إقناعية ، حيث تقنع بضرورة مخالفة طبائع النفس البشرية التي جُبلت عليها ، ولن يتبين ذلك من خلال الوقوف على نموذج واحد بل بالوقوف على أغلب النماذج إن لم يكن كلها ، وذلك لتتضح الصورة بشكل تام ، وقد رأينا ذلك جليا في حديث د.عائشة عبد الرحمن وهي تذكر توجيه أمين الخولي - رحمهما الله - في تعهده لها وقيادته لخطاها وهو يحميها من عثرة الرأي ومزالق التأويل وسطحية النظر، حيث تقول :
    " ويأخذني بضوابط منهجه الدقيق الصارم الذي لا يُجيز لنا أن نفسر كلمة من كلمات الله دون استقراء كامل لمواضع ورودها بمختلف صيغها في الكتاب المحكم ، ولا أن نتناول موضوعا قرآنيا أو ظاهرة من ظواهره الأسلوبية، دون استيعاب لنظائرها وتدبر سياقها الخاص في الآية والسورة، وسياقها العام في القرآن كله "
    فالنبي صلى الله عليه وسلم مهمته التبليغ ، وهذه المهمة تقتضي منه أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه كاملا بلا تدخل ، ولذا وجدنا التعبير "قل" متكررا في القرآن الكريم ، فلو كان الخطاب من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجدنا هذه الفروق الأسلوبية بين الطلب المباشر والطلب بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم .
    لقد اختارالله محمداً صلى الله عليه وسلم من بين آلاف الفصحاء ، ولم يكن معروفا عند العرب بقريض الشعر ولا نقده ، وبين الله تعالى له أن مهمته هي التبليغ فقال فى محكم التنزيل: ﴿...وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ( النحل: 44)، وقال: ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً﴾ (مـريم: 97)، وقـال: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران: 164) فهذه الآيات تشير إلى أن عمل الرسول ينحصر فى الإبلاغ والتبيين والهداية والتوجيه.
    ومن نماذج ذلك:
    قوله تعالى : ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ (80)
    فقد ذهب الزمخشري بأن المقصود هو إظهار رحمته ورأفته صلى الله عليه وسلم على من بعث إليه ، وبأن في ذلك حثا لأمته على التراحم؛ فترحمه واستغفاره كان للدعاء إلى التراحم والتعاطف.
    وشبيه هذا الموقف هو حكاية موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن أم مكتوم الأعمى (عبس وتولى أن جاءه الأعمى....) ففيه بيان مدى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الناس ودعوتهم إلى الله تعالى ، وفي ذلك بيان لمكانته ودعوة لأتباعه في الحرص على دعوة الناس إلى الله تعالى.
    وسنقف على الموقف وقفة لما فيه من دلالات ، يقول الله تعالى:{ عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى}عبس (1-10).
    فقد ذكر في التفسير أن النبي كان منشغلاً ببعض كبار قريش يدعوهم إلى الإسلام ، وهو حريص على هدايتهم ، وجاءه ابن أم مكتوم ، وكان كفيفاً ، وكان مسلماً يسأله عن آية أو مسألة ، ويلح عليه ، فكره رسول الله ذلك ، وعبس في وجهه رجاء إسلام ذلك الرجل ، أو أولئك الرجال ، وهذا حال يشعر كل إنسان أن الأولى بالاهتمام هو ذلك الذي لم يسلم ، وهو من عظماء القوم رجاء أن يسلم بإسلامه الناس ، أو في إسلامه إنقاذ له من النار ، أما المسلم فمسألته لا تفوت ، وليس عليه خوف من النار ، فكان موقف النبي هو الموقف الذي سيقفه أي إنسان في مثل ذلك الموقف ، إلا أن الله العليم الخبير والكريم الرحيم عاتب نبيه على ذلك الموقف عتاباً شديداً ، ونبهه إلى خطئه عليه الصلاة والسلام في عبوسه في وجه المسلم ،ونبهه إلى حكم عظيمة ودقائق جليلة غفل عنها عليه الصلاة والسلام ، فانتبه النبي لذلك ، وخضع لأمر ربه ، فكان يكرم ذلك الأعمى .( )
    فاللافت للنظر أن (عبس) اجتمعت مع (الأعمى) مما يثير تساؤلين مؤداهما:
    - عبوس يظهر في الوجه فهو لا يدرك بغير النظر ، فلم يلحظه عبد الله بن أم مكتوم ، فلم ذكر الله الموقف؟!
    - كلمة الأعمى تحمل معنى الإهانة ، ومن عادة العرب استخدام التضاد للتيمن ، فيقولون على الأعمى "المبصر" ويقولون على "اللديغ" السليم ...فما دلالة اللفظة هنا؟!
    بالنظر إلى الدلالات السابقة يتبين لنا أنه ربما يكون المقصود بيان حرص النبي صلى الله عليه وسلم على دعوة الناس ، فالنبي صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على هدايتهم حتى بلغ به الأمر ما ذكره الله تعالى بقوله:{لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين}الشعراء(3)
    أي لعلك مهلك نفسك مما تحرص وتحزن لعدم إيمان من لم يؤمن من الكفار .( )فعرض المشهد بهذه الطريقة يحتمل هذه الغاية ، ويمكن أن تكون الأساليب بعد المشهد مؤيدة للرأي إذا ذهبنا بأن الأسلوب خبري أريد به الطلب والحض ، فقوله تعالى (أما من استغنى فأنت له تصدى) أي تصد له (طلب التصدي )أي بلغ الرسالة ( وما عليك ألا يزكى) وقوله تعالى ( وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى) أي تله عنه دعه لأن حاله (وهو يخشى) فهو في غنى عن ذلك ، وهم في حاجة إلى الدعوة والبيان.
    وبدراسة هذه الجمل ضمن نظرية أفعال الكلام يمكن أن نقف على الدلالة الطلبية الإنجازية لهذه الجمل"أنت له تصدى" "أنت عنه تلهى" فعل أثر التلفظ Perlocutionary Act ، أو لازم فعل الكلام ، أو الفعل التأثرى غير المباشر ، ويعنى : الأثر غير المباشر الذى نحققه بالقول ، والمقصود به أن الكلام المنتظم فى تركيب نحوى محمل بمقاصد معينة فى سياق محدد يعمل على : أولاً : تبليغ رسالة ( فعل الكلام ) وثانياً : إنجاز فعل ( قوة فعل الكلام الإنجازية ) وثالثاً : إحداث أثر Achieved effect عند المستقبل من الإغراء والحث أو التحذير والتخويف ، وهذا هو المقصود بأثر التلفظ القسم الثالث فى تصنيف أوستن " فأن نقول شيئاً ما قد يترتب عليه أحياناً أو فى العادة حدوث بعض الآثار على إحساس المخاطب وأفكاره أو تصرفاته ، كما يستلزم ذلك لوازم ونتائج قريبة تؤثر على المتكلم ، وغيره من الأشخاص الآخرين ، وقد يقع أن نتعمد إحداث هذه الآثار والنتائج واللوازم عن قصد ونية ، ومن ثم يجوز أن نتحدث ونحن نأخذ فى اعتبارنا اجتماع كل تلك الأمور " ، ومن ثم أطلق أوستن Austin على هذه الآثار المترتبة على الفعل وقوة الفعل لازم فعل الكلام ، ففعل الكلام وفق تقسيم أوستن فعل دال إنجازى تأثيرى .
    وينبغي التنبيه إلى أن الخبر والإنشاء وفق الرؤية البلاغية أمور سياقية بالدرجة الأولى ، أي أن الخبر والإنشاء في الرؤية البلاغية مرتبطان بالسياق الذي وردا فيه ، والبلاغة يبدأ عملها عندما يكون للكلام معنى ثانٍ ، أي معنى المعنى ، ومعنى المعنى لا يكون في الغالب إلا إذا تخلى الأسلوب عن المعنى الحرفي فالخبر والإنشاء أمور نسبية ، فالاستفهام أسلوب إنشائي طلبي ، ولكنه إذا دل على التقرير فإنه هنا يصبح أسلوبا خبريا ، وقس على هذا الأمر والنهي ، ولذلك ذهب البلاغيون إلى أن الخبر قد يقع موقع الإنشاء وذكروا أغراضا لذلك لا مجال لتفصيلها ولعل إيثار الأسلوب الخبري هنا – إن جاز أن يكون كذلك- لتلطيف الخطاب في شأن الأعمى .
    ولا يمكن أن نقف على دلالة هذه الآيات من خلال المعنى الحرفي حيث " لا يكون المعنى وظيفة إلا فى حدود الكلمات المكونة له ، وتلاحقها النحوى ، ولا يهم من يتلفظ بالجملة ، وفى أية ظروف ، ولقول ماذا ، وإذا ما أخذنا فى حسابنا هوية المتكلم ومقصده ، والوضعية التى هو عليها ، نرى بأن المعنى يتعدل ويتدقق ويغتنى ، من هنا نتجاوز المعنى الحرفى إلى معنى أكثر اكتمالية يسمح بإمكانية تحديد الحقيقة "
    فالخطاب هنا للإقناع بأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة للعالمين ، وأما خطاب الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم فلإقناعه بضرورة التخلي عن الطبيعة البشرية التي لا تتناسب مع علم الله وحكمته ، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى:
    : ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ (التوبة 84)
    فالنبي صلى الله عليه وسلم رحيم القلب ، وهذه الرحمة تدفعه إلى أن يتساهل في حقه أحيانا ، فلا ينبغي أن يتساهل في حق الله تعالى ؛ ولذا جاء البيان (إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)
    وفي الآية السابقة لهذه جاء التعليل أيضا (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
    ومن ثم يمكننا أن نقف على كل أمر أو نهي موجه للنبي صلى الله عليه وسلم ، حيث يكون هذا النهي أو هذا الأمر راجعا إلى:
    - الإقناع بشيء يتنافى مع الطبيعة البشرية للنبي صلى الله عليه وسلم.
    - توجيه الخطاب الضمني لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
    - بيان عظمة وقيمة محمد صلى الله عليه وسلم .
    ومن شواهد ذلك :
    قوله تعالى : ﴿ وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ (التوبة 85).
    وقوله تعالى: ﴿ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ (التوبة 55).
    وفي سياق النهي نجد نهيا من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون من الجاهلين ، وقد يٌعتقد من المعنى الظاهر الحرفي أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع في الجهل ، وهذا ليس صوابا .
    يقول تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ (36)(الأنعام)
    وحتى يتبين لنا الأمر وجب علينا البدء من قوله تعالى(قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون) إن الأمر فيه مواساة وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم ، فالنبي صلى الله عليه وسلم حزين لتكذيب قومه له ، وهنا يبين الله تبارك وتعالى له أنهم لا يكذبونه بل ييقنون بما جاء به ولكنه جحود وكبر ومكابرة ، ثم يثبته بأخبار الرسل السابقين الذين كُذبوا وأوذوا حتى نصرهم الله ، ثم يأت الشرط المعجز الذي لا يستطيعه النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا الشرط يبين مدى حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية قومه ، ولكن الله يختصر له المسافات ويبين له حقائق الأمور ، وطبائع النفوس ، ثم يقول له (فلا تكونن من الجاهلين) أي من الجاهلين بتلك الحقائق وتلك الطبائع ، فقد رأيت تكذيب السابقين وتبين لك من خلال الأخبار السابقة أن هناك مكذبين لن يهتدوا ولو رأوا الآيات.
    ومن ثم نجد الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بتأمل الكون وتأمل قدرة الله وعظمته وحكمته وفي ذلك مخاطبة لنفسه البشرية التي قد تستبطئ النصر أو يصيبها الألم واليأس فنجد الله تعالى يقول له صلى الله عليه وسلم :
    ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) ﴾ (آل عمران)
    إضافة إلى الخطاب الضمني الموجه لأمته صلى الله عليه وسلم.
    ومن ثم يمكننا الوقوف على الأمر بالصبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالنبي صلى الله عليه وسلم بشر ، ومن طبيعة البشر التعجل ، ولذا جاء الطلب بالصبر مقنعا به ،يقول الله تعالى:
    ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾ (يونس 109)
    ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود 49)
    ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (هود 115)
    جاءت في سياق سورة هود حيث قص الله على نبيه صلى الله عليه وسلم أنباء الرسل ، فجاء ذكر قصة نوح عليه السلام وما فيها من نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين ، وقصة هود عليه السلام وما فيها من نجاة هود عليه السلام ومن آمن معه وهلاك المكذبين ، وقصة صالح عليه السلام وما فيها من نجاة صالح والمؤمنين ، وقصة إبراهيم عليه السلام وقصة لوط عليه السلام وقصة شعيب عليه السلام وقصة موسى عليه السلام ، ثم جاء بعد ذلك خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر.
    ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم 60)
    ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (56)
    ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (ن 48)
    ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (الإنسان 24)
    فكل طلب للصبر إنما هو مخاطبة لنفسه صلى الله عليه وسلم البشرية التي قد يصيبها الكلل أو تعجل النصر ، فيأتي الأمر إليه صلى الله عليه وسلم ظاهرا ، وهو أيضا طلب ضمني لأمته صلى الله عليه وسلم كي تتحلى بالصبر وتأخذ من سير الأنبياء السابقين الدروس والعبر.
    ولذا نجد أن الفعل "اصبر" جاء في سياق ذكر أحوال الأمم السابقة أو ذكر أمور غيبية جلاها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم .










    الخاتمة
    نستطيع أن نذهب إلى أن غايات الخطاب القرآني متنوعة ، وهذا التنوع يؤدي بالضرورة إلى تنوع الأساليب ، فلا يمكن أن نقطع بحجاجية الخطاب القرآني ، فليس القرآن كله حجاجا كما يزعم بعض الدارسين كما أسلفنا خلال البحث .
    فالحجاج مختلف عن الإقناع ، فالحجاج من غاياته الإقناع ، وليس الإقناع دائما يتخذ وسائل الحجاج ، فغاية الخطاب تشكل طريقة صوغه.
    فهناك خطاب تعليمي غايته توصيل التشريعات والآداب والتمكين لها في النفوس والعقول ، وهناك خطاب تثبيتي غايته تثبيت النفوس والقلوب ؛ كي تستطيع مواصلة الوظيفة التي نيطت بها.
    وهناك خطاب إقناعي يكون عند غياب التحريم الصريح أو الإباحة الواضحة ، فيكون الأسلوب مشتملا على عناصر الإقناع العقلي والعاطفي التأثيري .
    وهناك خطاب حجاجي جدلي غايته إفحام الخصم ، ويكون مشتملا على الحجج المنطقية والاستدلال العقلي ، وتكون الصورة البيانية ذات دور ثانوي خلاله.
    فالخطاب القرآني خطاب كوني يخاطب الجميع ، وهذه الخصيصة جعلته مشتملا على ما يناسب كل متلق ، وهذا التناسب أو المناسبة يكون مؤثرا في الأسلوب أو التشكيل الأسلوبي الذي يتناسب مع المتلقي.
    ولا ينبغي أن ندرس القرآن الكريم دون معرفة هذه الغايات ، وعلينا أن نراعي خصوصية هذا الخطاب ، وأن نكون حذرين من تطبيق قواعد جامدة تصدق على الخطاب الشعري أو غيره على الخطاب القرآني.
    هذا ولست أزعم الإحاطة بجوانب ما قصدت إليه ، فقد قصدت نبعا لاينضب ، ومعينا لا ينقص ، فقد جانب الصواب من ظن أنه أحاط بغايات ودلالات القرآن الكريم ، ولكني أردت أن أسهم في خدمة هذا السفر الخالد ، وأن أوضح بعض ما أخل بالانطلاق الصحيح لدراسة القرآن الكريم بلاغيا.
    وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه وأن يغفر لي ما وقعت فيه من خطإ عن قصد أو سهو ، (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


  2. #2
    غفر الله لها

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24759

    الكنية أو اللقب : بنت الإسلام

    الجنس : أنثى

    البلد
    دار الممر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 20

    التقويم : 723

    الوسام: ⁂ ۩ ۞
    تاريخ التسجيل11/6/2009

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:10:15 PM

    المشاركات
    23,151

    السيرة والإنجازات


    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

    تعقيب!

    كتب الله لكم الأجر والمثوبة على هذا الإثراء المبارك !

    والله الموفق

    "اجعل بينك وبين الله خبيئة صالحَة، لا تُخبر بها أحداً، فطُوبى لك لو اطَّلع الله على قلبك ووجد فيهِ سراً صالحاً بينهُ وبينك "
    اسأل نفسك الآن : ما العبادة التي تعملها والتي لايعلمها أحد من الناس؟
    العبادات الخفية والأعمال الصالحة السرية ، بها من كنوز الحسنات ما لا يعلمه إلا الله.
    "من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل"
    _ شيء يحبه الله فلا تفرط في ترديده " سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم "
    _ أي ( زهــرة متفـائلة ) في منتديات أخرى أو في مواقع التواصل الاجتماعي فلستُ ( أنا ) !!

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •