اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: لغز الترمذي

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 55996

    الجنس : ذكر

    البلد
    الجزيرة

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : قانوني

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل12/5/2020

    آخر نشاط:22-05-2020
    الساعة:07:10 PM

    المشاركات
    4

    لغز الترمذي

    يبدأ اللغز بعد حادثة خلق القرآن مباشرة ، و التي أقام فيها المأمون ووراءه المعتزلة محاكم تفتيش بطول البلاد و عرضها ، حيث اعتقدوا كما اعتقد من قبلهم بعض الفرق اليهودية و المسيحية المتأثرة بالفكر الاغريقي الهيليني ان القول بان كلام الله و كلمته غير مخلوقة هو اثبات لاقنوم ثان او اله ثان مع الله فيكون شركا ، فبدؤوا بمحاكمة الوجهاء و الفقهاء و القضاة و المفكرين و كل من له تأثير كبير في الشارع امام المحاكم العقائدية ، و يستنطقونهم في عقائدهم ، فاما ان يقبل بعقيدة الدولة او تقطع رقبته او يسجن او يعذب، ثم ما لبث ان انقلب الحال في عصر المتوكل الذي فهم ان الدعم الشعبي مع أهل الحديث و الفقه أكثر مما هو مع المعتزلة و الشيعة ان قلب الطاولة واعلن انتصار أهل الحديث و معهم عامة المالكية و الشافعية و بعض الحنفية و الظاهرية و كثير من الشيعة الامامية و ليس فقط الحنابلة ، و انهزمت المعتزلة و معهم الزيدية و فيهم كثير من الحنفية و أهل الرأي ، و قامت محاكم تفتيش مضادة تتتبع فلول العهد القديم ممن يقولون بان القرآن مخلوق ، يحبسون او يشردون او يطردون من وظائفهم او حتى يقتلون.

    الى ذلك الوقت كانت الصراع ايام المتوكل ما زال يتجسد في فئتين كبيرتين ، فئة اهل الحديث و الفقه و التصوف التابع له من اغلبية الشافعية و المالكية و كثير من الحنفية كل الحنابلة و الظاهرية وأغلبية المتصوفة
    و فئة المعتزلة و من شايعها من القدرية الجهمية و الشيعة الزيدية و الخوارج الاباضية و اغلبهم ينتسب للحنفية فقها .
    و كانت الفئة السنية بشقيها الفقهي و الحديثي ما زالت موحدة حتى بدات نفس الخلافات في مفهوم الكلمة تدب اليهم، فبدأ الخلاف بينهم حول اللفظ بالكلمة هل هو غير مخلوق ام لا، فانقسموا قسمين كان على جانبها الاول البخاري و الدارمي و من تبعهم، و على الجانب الاخر ابو حاتم الرازي و الذهلي و من تبعهم، وبدأت بين الفريقين حرب طاحنة من الملاحقات و المحاكم التفتيشية عبر عنها بألم و حرقة الأديب الكبير ابن قتيبة في عصره، وهنا بالضبط بدأ لغز صاحبنا الترمذي في الظهور.

    كل من تتبع حياة الترمذي يخرج بانطباع يقيني عن شح المعلومات عن حياته ليس فقط ببدايتها بل بوسطها و بنهايتها، فعلى خلاف بقية مصنفي الكتب الحديثية المشهورة ، لا نكاد نعرف شيئا ذا بال عن نشأته و لا عن أصله و لا عن طلبه العلم و لا عن تفاصيل رحلته و تواريخ التلقي و التحمل و لا عن الظروف السياسية و الاجتماعية التي احاطت به و لا عن عقيدته و لا آراءه الحديثية و الفقهية الا ما كان أغلبها من كتبه و آثاره هو ، بل حتى القليل من الشخصيات التي احتك بها لا نعلم الا النزر النادر عن تفاصيل اتصاله بها، لكن المفاجأة التي قد يلقاها الدارس لحياته هو الكلام فجأة عن شبح شبيه له اشتهر في حياته و عصره أثار ضجة و جدلا لم ينته غموضهما لليوم.

    تبدأ القصة بكتاب السنة لابي بكر الخلال أحد أبرز جامعي تراث الامام احمد ابن حنبل و الداعية الابرز له الذي كرس حياته كلها لنشر مذهبه و خاصة تعاليمه ضد خصوم عقيدته ليس فقط ضد الخصوم القدامى الصرحاء من المعتزلة ، بل بالأخص ضد المندسين في طائفة اهل الحديث و السنة و الفقه.
    فكان أن رحل الخلال الى ما وراء النهر في المنطقة التي تضم ايران و افغانستان لنشر دعايته و لما وصل لطرطوس و قرأ بها سنة بأواخر القرن الثالث بمساجدها كتاب السنة فثار عليه تلامذة رجل مشهور باسم الترمذي، فبعث الخلال عاجلا الى علماء بغداد من الحنابلة و اهل الحديث يطلب منهم مانيفستو سني ضد هؤلاء المنشقين المبتدعين وضد امامهم ، فأرسل هؤلاء بيانا طويلا ضمنوه مآخذ هذا الترمذي و الذي نستشف منها أنه :
    1-من العجم
    2- على الأقل درس ببغداد و المدينة
    3- ان فتنته تلخصت أساسا برده حديث مجاهد في قعود النبي مع الله على عرشه
    4- أنه جعل القائل بهذا ثنويا جهميا كافرا
    5- أنه شبه عرش الاله بعرش بلقيس و يوسف و ابليس
    6- أنه تأول الصفات كالمعتزلة
    7- أنه تأول أحاديث الرؤية و العرش و اسراء النبي
    8- أنه تشيع للعلويين و جعل بيعة ابي مسلم الخراساني أصح من بيعة أبي بكر
    9- أنه أرسل لكبارهم ببغداد و الكوفة كحفيد النخعي و ابراهيم الأصبهاني كتابا له ليراجعوه
    10- انه احتج بان الهاشميين و حتى ابن عبد الله ابن حنبل يوافقونه
    11- أن مع ظهور فتنته كان هناك تململ من اهل الحديث تجاهه ولم يجابهوه
    12- أنه كان مقربا عند والي المدينة صالح الهاشمي حتى دخل في شأن الطالبيين الشيعة فحبسه هذا
    13- ان من حرض على مواجهته تلميذي ابن حنبل المروذي و الترمذي
    14- أنه أصبح مطاردا ممنوعا من المساجد و الوظائف ببغداد طريدا بها وعلمه مهجور
    15- أنهم يحرضون الخلال على فعل نفس الشيء بماوراء النهر حتى لا تتكرر مأساة الانشقاق السني كما في مسألة اللفظ ما يدل أنه كان محسوبا على اهل الحديث
    16- و لاسقاط هذا الترمذي بعثوا خطوط كبار المحدثين ببغداد بأنهم لا يعرفونه بالعلم و تحصيل الحديث لا هم و لا طلبتهم

    و كان أكثر الموقعين على هذا البيان او من ذكرت فيه أقوالهم عن الترمذي الشبح من كبار محدثي العراق :

    1-ابراهيم الحربي أحد أكابر تلامذة ابن حنبل و رواة مسائله
    2-ابو اسماعيل الترمذي من كبار القائمين على هذا الترمذي و اخد المكثرين ايضا من الرواية عن احمد
    3-القنطري من مشاهير الرواة ببغداد من الذين كان عليهم مدار كثير من أحاديث الأحكام و العقائد و ان لم يشتهروا بالفقه
    4-الصاغاني أحد رؤساء المحدثين ببغداد و صاحب الدوري مع كونه من ابناء أهل الذمة
    5-ابو داوود صاحب السنن المشهور و هو أحد المتعصبين لاهل الحديث و الحنابلة
    6-المروذي وهو من أكابر المحرضين أيضا وهو من أشهر تلامذة ابن حنبل و ناشري علمه

    و خلف هؤلاء خلائق من الأشراف و القضاة و الكتاب و المحدثين و رؤساء اهل الحديث و أهل الرأي الموالين لهم و ابناء المحدثين المشهورين ابن ابي طالب و الكديمي بن سليمان و هارون ابو العباس الهاشمي و العباس العنبري و ابن الحافظ الشهير عثمان ابن ابي شيبة و ابو جعفر الدقيقي و ابن حماد المقري ابراهيم الأصبهاني و محمد بن بشر النخعي حفيد شريك النخعي و ابا قلابة المحدث الشهير و البزاز العفاني وحمدان الوراق الحافظ و عباس الدوري الراوي شبه الرسمي لابن حنبل و الأسود بن سالم البغدادي أحد مشاهير المتصوفة و بن السمح الزعفراني و الرئيس ابو جعفر بن المنادي و اهل بيته المشهورين بالحديث و القراءات و زعامة المشهد العلمي السلفي السني بالعراق
    و الحجاز .

    لوقت طويل حين كنت أدرس هذه القضية كنت مقتنعا تماما بكلام أئمة الحديث الذين تعرضوا لهذا البيان كالحاكم و ابن حبان وابن كثير و الذهبي حين كان مقتضى كلامهم ان الترمذي مجمع على جلالته باتفاق المحدثين .

    أما حين يتعرضون لهذه الواقعة فكثير منهم صرح بأن المقصود هو جهم بن صفوان ذلك أنه اشتهر في بعض الأوساط بلقب الترمذي فعلا، لكن تفاصيل الواقعة تجعله خيارا بعيدا اذ الكلام دائما من المشايخ ظاهر جدا في أنه عن شخص معاصر قريب لهم لا عن الجهم الذي مات من عقود طويلة ، و بعضهم رد أن المقصود ربما يكون الحكيم الترمذي الذي عرف فعلا بمثل هذه التأويلات مع كونه من متوسطي المحدثين ، و قد لا يبعد لكن تفاصيل حياته تبدو متأخرة عما ذكره المشايخ عن تفاصيل حياة الترمذي الشبح، فضلا أنه لم يكن من الخطر لدرجة أن يحدث انشقاقا اذ لم يكن معدودا من أهل الحديث صليبة، و أغرب بعضهم و جعله اما احمد بن الحسن الترمذي اومحمد بن اسماعيل الترمذي مع انهما لم يخالفا عقيدة الحنابلة بهذه المخالفات و لغفلة القائل ان محمد بن اسماعيل هو نفسه أبو اسماعيل اكبر المحرضين على الترمذي الشبح.

    ولادراك الذهبي وهو أحد أذكى المحدثين و اكثرهم تحقيقا و اطلاعا استحالة كافة هذه الخيارات قال ان هذا الترمذي ليس هو صاحبنا الامام الترمذي مؤلف السنن المشهور و انما هو ترمذي آخر نكرة لا يعرف من هو

    لكن ان لوحظت بعض المناطق المظلمة في سيرة الامام الترمذي صاحب السنن يصبح الشك أكثر وجاهة ، وأول هذه الشكوك قد يكون في نفس الترمذي اذ و ان ذكر المؤرخون له نسبا الا انهم يتفقون فقط على اسمه و اسم ابيه : محمد بن عيسى ، ثم يختلفون بعدها في بقية النسب و ان نسبوه لبني سليم ، لكن لا يعرف ان كان نسبه اليهم صليبة ام ولاءا، فقد يكون من العجم خاصة انه حدث عن نفسه ان أباه انتقل من مرو الى ترمذ و لم يزد على ذلك أو لم ينقل أو لم يتكلم به ، و هو ما أدى الى لغز آخر سيطر على كتب الحديث و الجرح و التعديل وهو أن حافظا و محدثا كبيرا من اوسعهم اطلاعا على كتب الحديث خاصة أصولها المتقدمة وهو الامام ابن حزم حين تكلم عن الامام الترمذي و مع أنه أقر له بأنه حافظ و امام و أقر له بالتفوق في صنعته الحديثية ، لكن حين تكلم عن حاله و احواله و عدالته و ضبطه و شهرته بالعلم صرح بصرامة انه يبقى مجهولا!!

    ما جر على ابن حزم عاصفة من النقد من المحدثين اللاحقين و اغلبهم كابن القطان اتهمه بقلة الاطلاع مع علمهم أنه ليس كذلك ، و غيرهم كالذهبي حاول تبرير هاته المعضلة بكون كتب الترمذي لم تصل للاندلس و هذا مع خطئه فكتب الترمذي أدخلها الامام الجياني في رحلته المشهورة و رواها حتى أقرب اصحاب ابن حزم الفقيه المالكي الكبير ابن عبد البر و ان كان بدوره لم يعطه القيمة المعروفة حاليا عنه ، و مع ذلك فابن حزم قد عرفه أصلا و عرف كتبه و تكلم عنه فليس كلامه عن جهل بعين الترمذي، و كان ابن حجر أذكى من الجميع اذ رد ذلك الى منهج ابن حزم أنه لا يغتر في بيان حال الشخص بكلام من أتى بعده بعقود او قرون فمن ثم لم يرض بتوثيق ابن حبان و الخليلي والادريسي و الخطابي و الدارقطني و الحاكم للترمذي بل و لا حتى شيخه ابن الفرضي الذي عظم من شان الترمذي و طالعه ابن حزم و مع ذلك لم يرفع لتوثيقهم رأسا اذ لم يعاصروه، و ابن حزم كما شرح مرات في تناوله لمفهوم العلم و بناءه على اليقين و نبذ التقليد و الظن مطلقا في عامة العلوم من الفقه و الحديث للمنطق و الفيزياء ، كان لا يقبل تجريحا و لا تعديلا في شخص الا من أقوال من عاصره و خبر أمره، و هذا ما يؤيد كلام ابن خجر و لم يفعل شيئا من رده بدعوى ان ابن حجر لم يطلع على كتاب الايصال لابن حزم و انه قلد الذهبي و الذهبي قد يكون أخطأ ، فليس الذهبي وحده من نقل هذا عن الايصال بل كذلك الحافظ ابن القطان و الحافظ ابن دحية والحافظ ابن سيد الناس و كلهم أندلسيون مغاربة أقرب للظاهرية و لهم اختصاص بتراث ابن حزم .

    ومع ان كلام ابن حجر صحيح الا أنه لم يتنبه أنه يخلق معضلة أخرى، اذ ان هذا يجعل فعلا الترمذي الذي صنف كتابا في احاديث الأحكام لم يعرف مثله كما يقول ابن العربي المالكي و ابن سيد الناس لا في عصره و لا بعده و ابتكر فيه اصطلاحات جديدة و ادخل فيه اجتهادات قوية في شتى أنواع علوم علل الفقه و الحديث مما يجعله لابتكاره و الحاجة الى هذه الأحكام يوميا محط أنظار الاوساط الحديثية المتلهفة على مثل هذه الاعمال ، و مع ذلك لا نجد في نفس وسط الترمذي بين محدثي اهل العراق من رفع له رأسا و لا من روى جامعه بكثرة كما رويت مؤلفات مغمورة قليلة النفع ككتب نعيم بن حماد و غيره بل و لا نجد كلاما فيه لا تعديلا و لا جرحا كما نجده في كثير من الرواة الذين يحملون اسمه كابن الطباع مثلا ، بل تكلموا في رواة مغمورين لا يحتاج لروايتهم و هم أنزل في الرواية صاحبنا الترمذي .

    و لهذا لا نجد للترمذي ذكرا طوال قرن من الزمان تقريبا بعد وفاته فضلا عن حياته ، في كتب السؤالات و التواريخ و كتب الجرح و التعديل التي أرشفت لاغلبية الرواة ، و أقوال كبار النقاد فيهم كسؤالات ابن ابي شيبة و ضعفاء العقيلي و علل الاحاديث و الجرح و التعديل لابن ابي حاتم و تاريخ ابي زرعة ، و لا بكتب المصطلح التعليمية ككتاب الرامهرمزي و لا حتى بكتب التواريخ و الحوليات و الطبقات و التراجم و الأدب التي جمعت أخبار المشهورين في أصناف العلوم، بل لم يترجمه الخطيب البغدادي نفسه رغم أنه روى جامعه و يروي عنه و يجله و يعظمه و رغم انه بتاريخه يكاد يتقصى اخبار كل من دخل بغداد و الترمذي بلا شك من رواياته في الجامع دخلها و درس بها ، و لكن ما تجرأ على تعظيمه و ترجمته مع ما هو معروف من الشنآن بينه و بين الحنابلة.

    و لا نجد بداية ذكر الترمذي استقلالا و تعظيما و دفاعا و تصريحا بالتوثيق و الاعتماد الا في طبقة ابن حبان ، و قد يبدو عاديا ، لكن ابن حبان - ذلك الفيلسوف الأديب المحدث - لمن عرفه قد شهد عصره ثالث انشقاق كبير سيحصل في صفوف أهل السنة و الحديث و سيتميز الى فئتين كبيرتين تختصم على مفهوم الصفات الالهية الاختيارية المتعلقة بالمشيئة ، و هل الاله حين يريد و يفعل و يتكلم فهل ذلك يكون منه بصفة أزلية ام أنه يتكلم وقتما يشاء و يترك الكلام و قتما يشاء، و كما أشرنا فقد سبقت بوادر هذه الانشقاقات بعهد ابن حنبل بعد تأثر المحدثين في مناظراتهم ببراهين المعتزلة وبدأت تتسرب اليهم أيضا مفاهيم المنطق اليوناني الأرسطي الوسطوي و خاصة براهين التركيب و الجمع و السكون و الحركة و الحدوث و الخلق، فنجدها بداية عند داود الظاهري و الحارث المحاسبي و ابن كلاب ثم تتطور نوعا ما مع البخاري و الترمذي ثم تزيد تطورا بعدها مع الطبري و تلاميذ ابن خزيمة، أستاذ ابن حبان.

    و مع الانشقاق الكبير الذي وصل لدجة المقاطعة بين ابن خزيمة و تلاميذه و التي انحاز ابن حبان فيها الى الجانب الثاني على ما يبدو رغم حبه الشديد لاستاذه الكبير و غرامه به ، قد لا نستغرب أن يكون من اوائل من يعيد صاحبنا الترمذي و كتابه الى الحظيرة المعرفية للمحدثين ، اذ عامة رواة سنن الترمذي هم من بلاد ما وراء النهر التي أصلا انتشر فيها فكر تلامذة ابن خزيمة المنشقين عنه ، بينما لا نجد لكتابه و لا راويا واحدا مشهورا من المحدثين العراقيين و خاصة من الحنابلة ، و قد تمضي بنا الشكوك بعيدا ان جزمنا انه لهذا الغرض نفسه قد يكون توسع في قاعدته المشهورة بقبول الرواية عن أي مسلم ان لم يرو فيه جرح و لا تعديل و أنه يكفي ان يروي عنه راويان مثلا، بخلاف نهج غيره بمن فيهم شيخه ابن خزيمة و ان ذكر ابن حجر خلاف ذلك ، ممن لا يقبلون مثله الرواية من راو مجهول و لا يصبح موثوقا بمجرد رواية الرواة عنه بل لا بد من شهادة معاصريه ممن خبره و عاشره كما هو نهج ابن حزم المذكور سابقا.

    و ان بحثنا في النزر اليسير المتبقي من كلام الترمذي في ثنايا كتبه نجد التالي:

    1- رغم أنه يقر بالصفات الا أنه يؤول منها ما تعلق بالأفعال الاختيارية كتأويله حديث الهرولة بالمغفرة و الرحمة
    2- و ايراده فقط لحديث يفسر الدنو في الاسراء لجبريل لا لله
    3- ايراده احاديث للرؤية تجزم ان النبي لم ير ربه
    4- ايراده فقط احاديث تجزم ان المقام المحمود هو الشفاعة لا الجلوس بالعرش
    5- تاويله حديث الرؤية يوم القيامة بأنه يتجلى لهم فقط لا أنه يعرفهم بنفسه
    6- تأويله حديث جهة وجود الله بعلم الله و قدرته و سلطانه
    7- مع ملاحظة انه كما يقول بعض المستشرقين ملأ على غير العادة كتابه باحاديث خصائص علي و تساهل كثيرا في ايرادها بخلاف عادة غيره من المحدثين

    بعض هذه التاويلات التي جعلت حنابلة كابن تيمية و ابن القيم يجعلونها من جنس تاويلات الجهمية و المعتزلة ، قد تفسر لم قربت الشقة بين المحدثين من تلامذة ابن خزيمة كابن حبان و من سايرهم كالطبري و الأشعري و الماتريدي و الحاكم و ابن فورك و الباقلاني و البيهقي ممن سيكبر على أيديهم هذا المنهج الكلابي الذي كان أقلية في اهل الحديث ليصبح أغلبية ساحقة ، و تتحول محاكم التفتيش التي قام بها الحنابلة لاوائل الكلابية و اللفظية و الاشاعرة بعدهم الى محاكم مضادة و فتن طائفية ستنفجر نهائيا مع فتنة ابن القشيري ببغداد مع وصول المد من ماوراء النهر الى معقل الحنابلة ببغداد ، حتى يقضي عليه ثم يتطور بعده الى ما هو قريب من الفكر الاعتزالي مرة أخرى ، و هذا ما قد يفسر احتفال كبار علماء هذا التيار و تعظيمهم لسنن الترمذي و شرحه كابن العربي الاشعري المتعصب حتى ان بعضهم فضله من الناحية التطبيقية العملية على البخاري و مسلم ، و يفسر و هذا هو الأهم ، لماذا لا نجد كل الاعتناء بالترمذي و تعظيمه و تفخيمه و تفخيم كتابه الا بعد قرن كامل من وفاته و بالضبط على يد موافقين له في المشرب.

    فرغم ان القائل قد يقول ان الترمذي سمع من كبار محدثي عصره قتيبة بن سعيد و بن راهويه و ابي كريب و ابي داوود و الصاغاني ما قد يعني أنه في وفاق معهم ، لكن هذا ضعيف اذ رواية هؤلاء عادة تكون بحضرة مئات الطلبة الذين يأخذون عنهم و لا يعني انه لا يأخذ منهم الا من يرضونه ، و من تأمل روايات عمرو بن عبيد و الأصم و المريسي بل و ابي نواس نفسه عن مشاهير اهل الحديث يفهم هذا.

    و قد يحتج له كذلك بان الترمذي ذكر انه بعث بكتابه لعلماء الحجاز و العراق و خراسان لكي يراجعوه ، و انه لو لم يكن على وفاق معهم ما كان ليفعل ، و هذا ايضا ضعيف فما منع البخاري ايضا من ارسال تصانيفه و مراجعتها على من سيعادونه اصلا على مسألة اللفظ ، مع أن قضية الارسال هذه تزيد من الشبهة اذ توافق ما ذكره اهل الحديث بالعراق ان الترمذي الشبح هذا ارسل لهم كتابه ليراجعوه و يعطوا رأيهم فيه، فلولا انه من صليبة اهل الحديث و من طائفتهم لما كان مرجحا ان يبعث اليهم بكتابه .

    و قد يحتج له كذلك بانه أختص اختصاصا كبيرا بالبخاري و ابي زرعة و أخذ مسائل العلل عنهما وهذا ضعيف ايضا ، اذ لا نقول ان الترمذي من جنس الجهمية و المعتزلة المحضة انما هو من جنس البخاري و ابي زرعة و الطبري و داوود و غيرهم من اهل الحديث ممن جانبوا خط الحنابلة و اهل الاثبات المحض فيهم كمسلم بن الحجاج و مسدد و عبد الله بن احمد و ابي داوود صاحب السنن و الدارمي و خشيش بن أصرم و الصاغاني و أمثالهم ممن يصرون على النقاء التام في مفاهيمهم العقدية و استبعاد اي مؤثرات يونانية فارسية خارجية ، و هذا الانشقاق و ان كان بسيطا الا ان جلف المحدثين و الحنابلة و قسوة طباعهم و سرعتهم للعنف الفكري و الجسدي لادنى مخالفة في العقائد جعله كبيرا و قد يفسر قسوة كلامهم المذكور و الذي له نظائره الاقسى في من يعد من كبار اهل السنة كابي حنيفة و مالك و الكرابيسي و البخاري نفسه، و بالمقابل فصنيع الترمذي يدل على نفس التباعد ، فقد لقي مسلم و لم يرو عنه غير حديث واحد و اباداوود و لم يرو عنه غير قول لاحمد بن حنبل ، فالظاهر أن الأمور لم تكن كما صورتها مؤلفات من بعدهم و ان أثر فتنة خلق القرآن و تشعباتها أحدثت شروخا أكبر مما هي عليه في الظاهر.

    والحاصل أنه من المجازفة القطع بان الترمذي الشبح هنا هو نفسه الترمذي صاحب السنن، لكن مع كل الغموض الذي صاحب هذا الامام مع توفر كل الدواعي لكي يعرف عنه على الأقل ما يعرف عن مشاهير الرواة الذين ماتوا و لم يخلفوا كتبا بحجم كتابه و لا قيمته ، و مع كون هذا الترمذي الشبح خلق فتنة اشتهرت بالحجاز و العراق و ماوراء النهر و كان لها أتباع ثم يختفي هذا الشبح و لا نجد له في كتب التاريخ و لا الحديث و لا الفرق و لا حتى الادب من ذكر، بل و تختفي حتى تفاصيل من اختص بفتنته كوالي المدينة صالح بن علي الهاشمي الذي لا نعرف عنه شيئا تقريبا مع انه لبث في ولايته 15 سنة و جرت على يده اكثر مظالم المتوكل ضد الشيعة الطالبيين بالحجاز مع مشاركته في اخماد بقية ثورات قبيلة الترمذي ، بني سليم التي كانت كقبائل الكوفة المشايعة للطالبيين تنهج نهج التخريب و الفوضى كلما سنحت الفرصة، و لا نجد عن هذا الوالي خبرا الا عزله من طرف المتنصر ابن المتوكل الذي انتصر للطالبيين ، مثل هذا الغموض و التجاهل التام الاشبه بالعقوبة الجماعية الذي لحق الامام الترمذي لا يمكن ان يكون الا لشيء نفر كل اهل الحديث المعروفين عنه و عن كتابه، و لعل الموضوع يتضح مع ما قد يقذفه الزمن من أصول ذلك العهد و كتبه.

    التعديل الأخير من قِبَل السكاكيني ; 22-05-2020 في 07:02 PM

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •