بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فإن من أهم وأعتى أنواع المغالطات هي تلك المغالطات التي تبرر المواقف أو تزيفها، فينخدع المتلقي بتوجيه النص، فالنص بريء من كل عوالق التفسير التي أحاطته، ومن أمثلة ذلك، وقوف بعض المذاهب على قوله تبارك وتعالى: يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا **32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا **33 وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا **

فيتشبث أهل هذا المذهب بقول الله تبارك وتعالى عن أهل البيت"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" ويتخذون ذلك سبيلا لنشر سلطانهم ونفوذهم ، فتكون هذه الآية حجة في مناظراتهم ، وقد لاحظ الباحث أن هذه مغالطة أريد بها التعتيم والتضليل وتغييم الحقائق ، وسنقف على هذه الآية من خلال دلالة كلمة "إنما".
فإنما هنا هي محور النقاش معهم ، وسنضع قضية عامة من خلال الاستقراء لأغلب الآيات ثم نطبقها على نماذج معدودة للوصول إلى نتيجة مقبولة عقلا بإذن الله تعالى:
المقدمة المنطقية:
(1) إنما تأتي في جملة تابعة لسياق ، ويكون هذا السياق مخالفا لما بعد إنما في الدلالة أو المضمون ، كأن يكون المضمون يحمل دلالات سالبة ، وإنما تشير إلى ضرورة التحلي بالمضمون الإيجابي بعدها.
(2) تكون الجملة الواقعة بعد إنما تبيينا وتعليلا لمضامين تم إثباتها قبل إنما.
ومن ذلك قوله تعالى "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" .
فالجمل الواقعة قبل إنما تحمل دلالة الصراع والاقتتال وهذه مضمون سلبي ، لا ينبغي أن يكون من سمات المؤمنين.
لذا جاءت الجملة بعد إنما لتأكيد المضمون الإيجابي الذي ينبغي أن يكون موجودا "إنما المؤمنون إخوة".
وبالوقوف على موطن الاستشهاد في حديثنا هنا نجد أن الله ذكر آدابا وقيما وأخلاقا لابد وأن يتحلى بها أهل البيت خاصة والمؤمنون عامة ، من ذلك :
• عدم الخضوع بالقول.
• القول المعروف.
• الوقر في البيوت.
• عدم التبرج.
• إقامة الصلاة.
• إيتاء الزكاة.
• طاعة الله ورسوله.
ثم يأتي سؤال ضمني :
لم كل هذه الأوامر والنواهي لنساء النبي وأهل بيته؟
فيكون الجواب"
"إنما يريد الله (أي يفرض ويقرر هذه الأوامر والنواهي السابقة) ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ......
فالآية تبين وتعلل ورود الأوامر والنواهي قبلها ، ولن تتحقق النتيجة إلا بتوافر المقدمات.
هذا والله أسأل التوفيق والسداد.
د.أيمن أبومصطفى
مدرس النقد والبلاغة بالجامعة الإسلامية