صنع الله ، جل وعلا ، صنع الإتقان ، وهو ، لو تدبر الناظر ، من قَضَائِهِ في الكون قضاءَ السنة العادلة ، فـ : (تَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) ، فثم سنن تكوين نافذة تجري محكمة فلا تَتَخَلَّفُ فَهِيَ على حد الإتقان ، فذلك الصنع الإلهي الذي نُصِبَ على حد الاختصاص فلا يخلو من تَنْوِيهٍ ، فَتَدَبَّرْ : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ، وذلك مما يجري مجرى الإضافة : إضافة المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، فالصنع من هذا الوجه مصدر يدل على المفعول فهو المصنوع ، فَيَجْرِي مجرى المجاز عند من يجوِّزه في اللسان والوحي ، فذلك مجاز التعلق الاشْتِقَاقِيِّ أَنْ نَابَتْ صِيغَةٌ عن أخرى فَنَابَ المصدر عن اسم المفعول ، فذلك مصنوع الله ، جل وعلا ، أو هو مما يجري مجرى أخرى : إضافة الفعل إلى الفاعل ، فذلك من وصف الله ، جل وعلا ، فِعْلًا يُنَاطُ بالمشيئة ، فيصنع إذا شاء مَا قَدْ قَدَّرَ في العلم الأول المحيط فذلك خلق التقدير وبعده الإيجاد الذي به آثار الحكمة والقدرة تظهر ، فذلك الصنع المتقن ، وهو ما اشتق منه اسم الوصف اسم الصانع كما في الخبر المشهور : "إنَّ الله صَانِعُ كُلِّ صَانعٍ وصَنْعَتِه" ، فَثَمَّ من التوكيد القياسي بالناسخ اللفظي "إِنَّ" ، فضلا عن آخر قياسي في المعنى فَثَمَّ اسمية الجملة ، وثم إضافة تحكي الوصف حكاية الخبر فلا يطلق القول إن اسم الله ، جل وعلا ، هو الصانع فليس ذلك من أسمائه الحسنى ، وإن كان من أوصافه التي يجوز الاشتقاق منها على حد الخبر لا الإطلاق ، فالله ، جل وعلا ، يُخْبَرُ عنه أنه الصانع فَلَيْسَ ذلك من أسمائه ، فدائرة الإخبار ، كما يقول أهل الشأن ، أوسع من دائرة الوصف ، ودائرة الوصف أوسع من دائرة الاسم ، فتلك أضيق الدوائر إذ الأصل فيها التوقيف ، فالأوصاف منها ما يدرك بالعقل وإن افْتَقَرَ مع ذلك إلى النص فهو الأصل في الإلهيات ، ولكن باب الأوصاف أوسع ، فحركة النفس فيه أرحب ، وكذلك الشأن في الإخبار كما يضرب المثل بالإخبار عن الله ، جل وعلا ، أنه القديم كما اصطلح جمع من المتكلمة والمتفلسفة ، فذلك اسم مجمل يحتمل ، فَثَمَّ دلالة القدم والأولية وهي دلالة شرعية صحيحة ، وفي نص الوحي ما عنها يُغْنِي وإن صَحَّ ذكرها لا سيما في جدال صاحبها فلا يُلْزَمُ إلا باصطلاح مذهبه ، فَثَمَّ مشاحةٌ في الاصطلاح في باب التوقيف وإنما يَتَنَزَّلُ المجادل مع الخصم إقامة للحجة من جنس اصطلاحه فذلك أَلْزَمُ وَأَوْقَعُ في النفس ، وإن صح الاصطلاح إذا فَصَّلَ المجادلُ القولَ ، فإن أراد بالقدم الأولية المطلقة : أولية الذات التي تقوم بها الأسماء والأوصاف والأفعال أنواعا وآحادا ، فالأنواع قديمة والآحاد حادثة بالمشيئة ، فذلك ، كما تقدم ، أصل يطرد في فعل الرب المحكم ، جل وعلا ، ومنه الصنع آنف الذكر ، وهو ما أردف بالإتقان فذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى الاحتراز ، فالصنع إذا أطلق فإنه يحتمل الإتقان وغيره ، فكان النص على فعل الإتقان ، فهو مئنة من الكمال ، ولا يخلو ، أيضا ، أن يكون من وصف الفعل المحكم ، فهو بالقدرة حاصل وعن الحكمة صادر فاستجمع أوصاف الكمال المطلق إِنْ فِعْلَ جَلَالٍ وعدلٍ أو نظيره من الجمال والفضل ، فالصنع والإتقان كلاهما مما قَدُمَ نَوْعُهُ وحدثت آحاده في الخارج تَتْرَى فهي بالمشيئة تحدث على وجه يواطئ العلم الأول ، علم التقدير ، فآحاد المعلومات المصنوعات في الخارج تُصَدِّقُهُ ، فَثَمَّ صنع أول : صنع التقدير فهو كالخلق ، فمنه تقدير أول فهو المعلوم الثابت في الأزل فذلك علم الإحاطة بكل موجود سواء أكان وجوده بالقوة فهو غيب لَمَّا يَقَعْ أم كان وجوده بالفعل فهو شاهد يُصَدِّقُ مَا قَدْ ثَبَتَ في الغيب الأول ، فجاء تأويله في الشهادة تأويلَ الصدق فلا زيادة ولا نقص بل إتقانٌ في الخلق به المقدور قد حَدَثَ كَمَا قُدِّرَ له في الأزل ، فَثَمَّ قِدَمٌ ، قد تَقَدَّمَ ذكره ، قِدَمُ الذات القدسية وما يقوم بها من الأسماء والأوصاف والأفعال ، فهو قِدَمُ وجودٍ كامل هو الوجود الواجب بذاته الموجب لغيره لا بذاته ، وإنما بما قام بها من الأوصاف والأفعال ، فلا يكون الإيجاب بالذات فَلَوْ أَرَادَ القائل ذلك فهو يثبت قِدَمًا يغاير عن القدم الذي جاءت به النبوات ، فلا يثبت إلا قدما مطلقا بشرط الإطلاق قد عُطِّلَ من الأسماء والأوصاف فليس إلا ذاتا مجردة من كل كمال ، فإن أوجبت فاضطرارا كالعلة الفاعلة بالطبع فلا علم ولا إرادة ، فلم يصدر عنها الكون اختيارا ، فذلك معنى آخر يحتمله المصطلح : مصطلح القدم ، فَثَمَّ قِدَمٌ قَدْ جاءت به النبوات وهو القدم الكامل ، قِدَمُ الذات القدسية وما قام بها من الأسماء والأوصاف والأفعال والأحكام ، فذلك مسمى قد دل عليه اسم الله ، جل وعلا ، فهو الذات القدسية التي قامت بها الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الكاملة والأحكام العادلة فالرب الخالق ، جل وعلا ، هو الإله المعبود بحق بما أَنْزَلَ من الوحي والشرع ومنه الأخبار الصادقة التي دَلَّتْ على أسمائه وأوصافه الكاملة ، وَثَمَّ آخر قَدْ أَحْدَثَهُ مَنْ أَحْدَثَهُ من المعطلة فَتَذَرَّعُوا بِالتَّنْزِيهِ وَأَفْرَطُوا في النَّفْيِ حتى آل بهم أن يعطلوا جملة من الأوصاف ، لا سيما أوصاف الأفعال إذ تُوهِمُ عندهم الحدوث مطلقا ، وذلك ، أيضا ، اصطلاح قد أُجْمِلَ فإن الحدوث لفظ يُوهِمُ فَيُضَاهِي القدمَ ، من هذا الوجه ، فيحتمل معنى باطلا وهو حدوث الذات القدسية بعد أن لم تكن فتكون أوليتها كأولية المخلوق وهي المقيدة ، فذلك معنى باطل إذ لم يمز أولية المخلوق من أولية الخالق ، جل وعلا ، فَأَوَلِيَّتُهُ ، جل وعلا ، مطلقة فهو الأول على حد الإطلاق ، وهو ما قد حُدَّ حَدَّ القصر الخبري بِتَعْرِيفِ الجزأين في قوله تعالى : (هُوَ الْأَوَّلُ) ، فدلالة "أل" ، في هذا السياق ، دلالة عموم يستغرق وجوه المعنى فهو الأول مطلقا ، وهو الأول بالذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، وذلك معنى لا يشركه فيه غيره فكل أول سواه فلا يطلق ، وهو ما قد رَشَّحَ في "أل" دلالة تزيد فهي مئنة من عهد خاص إذ ذلك وصف الله ، جل وعلا ، فليس يطلق على سواه الاسم مُحَلًّى بأداة التعريف إذ استغرقت وجوه المعنى فلا يكون ذلك إلا للرب الأعلى ، عز وجل ، وهو ما قد رَجَّحَ دلالة العهد في واحد فلا يَشْرَكُهُ غيره في هذا الوصف الكامل ، وذلك ، أيضا ، أصل يطرد في باب الأسماء الحسنى فدخول "أل" على الاسم يُرَشِّحُ فيه دلالة العهد الخاص بالنظر في كمال المعنى وإن كان ثم اشتراك في مطلق المعنى فهو كالجنس العام الذي يستغرق فتحته أنواع وآحاد ، فجنس الأولية إذا أطلق في الذهن احتمل النوع المطلق وذلك وصف الرب المهيمن ، جل وعلا ، وتحته آحاد ، فَثَمَّ أولية الذات وأولية ما يقوم بها من الاسم والوصف والفعل والحكم فليست ، كما تقدم ، أولية مجردة لا تَثْبُتُ إلا ذاتا معطلة من الوصف والفعل فعنها صدر الكون صدور المعلول عن علته إيجابا ذاتيا بلا مشيئة ولا علم يَتَقَدَّمُ فَثَمَّ مطلق بسيط بشرط الإطلاق قد صدر عنه هذا العالم على حد الاضطرار وذلك ، كما تقدم ، من أفسد ما قِيلَ في الإلهيات ، فهو يضاهي التعطيل العام الذي يَؤُولُ بصاحبه أن يُثْبِتَ في الخارج عدما فَيَجْحَدَ وجودَ الإله ، ولو ذاتا ، فضلا عما يقترن بذلك من جحد وصفه في الشرع وحقه في العبادة أن يُفْرَدَ بالنسك والحكم الذي يستغرق سائر أحوال المكلف الاختيارية فلا تخلو من معان تكليفية ، ولو إباحة ، فاعتقادها في نفسها تكليف ، فضلا عن التوسل بها إلى ما يحب الله ، جل وعلا ، فتجري مجرى الوسيلة التي تأخذ حكم الغاية ، كما اطرد في كلام النظار في باب الذرائع وهو ما قد ذكر في كلام أهل المقاصد .

والشاهد أن الأولية جنس مطلق في الذهن فتحته أنواع ، فَثَمَّ أولية مطلقة وهي أولية الله ، جل وعلا ، فلا أول على حد الإطلاق إلا الله ، جل وعلا ، وتحتها آحاد فثم أولية الذات والاسم والوصف والفعل والحكم على حد الكمال المطلق وإن حدثت آحاد الأفعال بالمشيئة والحكمة فأنواعها قديمة أولى قِدَمَ الذات القدسية وَأَوَّلِيَّتَهَا ، وذلك قياس العقل إذ الوصف يَتْبَعُ الموصوف ، فهو فَرْعٌ عنه في الكمال أو النقص ، فوصف الكامل ، بداهة ، كامل ووصف ضده وهو الناقص ، وصفه في المقابل ، ناقص ، فالكلام على الوصف فرع على الكلام في الموصوف ، فالناظر في هذا الباب إذا باشر الإلهيات فهو يقتصر في الإثبات على المعنى المطلق في الذهن دون خوض في ماهية أو كيف فَيُثْبِتُ المعنى وَيُفَوِّضُ الكيف ، فإن تحكم وعطل فلازم كلامه أن يعطل الذات التي لا يمكنه جحدها ، فإنه إن احتج أنه يَنْفِي الوصف إمعانا في التَّنْزِيهِ ، فَيَنْفِي البصر إذ يُوهِمُ التشبيه فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَنْفِيَ وجود الذات طردا لاحترازه فإن للمخلوق ذاتا كما الخالق فَهُمَا يشتركان في هذا المعنى المطلق في الذهن ، فيلزمه ما التزم في البصر طردا لأصله إذ يُنَزِّهُ الله ، جل وعلا ، التنزيه المطلق الذي غلا فيه حتى بلغ الغاية فَعَطَّلَ التعطيل المطلق ! ، وهو ، كما تقدم ، مما تفاوت فيه المتأولة فوصف القديم مما دخله الإجمال ، من هذا الوجه ، فَثَمَّ قَدِيمُ النبواتِ الأول : وهو الذات القدسية التي قام بها الاسم والوصف والفعل والحكم على وجه يليق بالإله الكامل الذي لا يضاهيه موجود في الخارج ، وإن شاركه فَفِي مطلق المعنى الذي يحصل في الذهن ضرورة فهو كالجنس العام الذي تَنْدَرِجُ فيه أنواع وآحاد فحصول الشركة فيه لا يستلزم ما استلزم المعطلة من تماثل أو تشابه في الحقائق في الخارج ، فَثَمَّ اشتراك من وجه بالنظر في المعنى المطلق في الذهن ، وثم افتراق من آخر بالنظر في الحقائق الثابتة في الخارج ، فلا تعارض إذ الجهة قد انفكت ، فجهة الاشتراك في الأذهان تخالف عن جهة الافتراق في الأعيان ، وثم في المقابل قَدِيمُ المتكلمة إذ تَأَوَّلُوا بَعْضَ الأوصاف لا سيما الأوصاف الخبرية كالعين واليد والأوصاف الفعلية التي تناط بالمشيئة فقد أوهمتهم الحدوث وليس ذلك يصح ، وهو ، أيضا ، ما لا يطلق القول بإثباته أو نفيه ، فإن أثبت الناظر فَغَلَا في الإثبات حتى آلت به الحال أن يثبت حدوث الذات وحدوث ما يقوم بها من الأوصاف فذلك معنى باطل لا يليق بالرب الخالق ، جل وعلا ، إذ يستلزم تعطيل أوليته المطلقة ذاتا واسما ووصفا وفعلا بالنظر في نوع الأفعال ، فإن ثم غلوا آخر في النفي بذريعة التَّنْزِيهِ قَدْ أفضى بصاحبه أن يسلك جادة التعطيل ولو أطلق عليها اسم التأويل فالمسمى واحد إذ نَفَى صاحبه وصف الفعل بذريعة التَّنْزِيهِ ، فَتَأَوَّلَهُ إذ إثباته مطلقا يستلزم عنده الحدوث وهو معنى يقبح عنده في الجملة والتفصيل ، والصحيح أن ثم تفصيلا يَتَوَسَّطُ إذ يُثْبِتُ وجها وَيَنْفِي آخر لا على حَدِّ التَّعَارُضِ أو التَّنَاقُضِ إذ الجهة ، أيضا ، في هذا الموضع قد انفكت ، فجهة الإثبات تصح بالنظر في آحاد الأفعال صُنْعًا بعد آخر ، كما في الآي محل الشاهد : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ، وخلقا بعد آخر ..... إلخ ، فذلك مما يطرد في جميع الأوصاف الفعلية إن جلالا وعدلا ، أو جمالا وفضلا ، فَيُحْدِثُ ، جل وعلا ، من آحادها ما شاء كيف شاء متى شاء ، وجهة النفي للحدوث تصح ، أيضا ، ولكن بِنَظَرٍ آخر ، فَثَمَّ نظر في الذات القدسية الأولى أوليةَ الإطلاق بما قام بها من الأسماء والأوصاف ومنها الخبري ومنها المعنوي ، ومنها الذاتي الذي لا تَصِحُّ إِنَاطَتُهُ بالمشيئة كالحياة فلا يقال إن الله ، جل وعلا ، حي إذا شاء ، فلازمه أنه يموت إذا شاء وذلك ما قد امْتَنَعَ بداهة في ضرورات النقل والعقل ، فالحياة وصف ذات لا يفارق الموصوف وهي مما لا يُعَلَّلُ فحياة الله ، جل وعلا ، وصف ذات والذاتي لا يُعَلَّلُ ، كما يقول أهل النظر ، فلا يفتقر إلى سبب من خارج ، خلافا لغيرها من الحيوات فليست قديمة قِدَمَهَا ، بل كل حياة سوى حياته ، جل وعلا ، فهي حياة مقيدة إذ تفتقر إلى سبب من خارج وهو إحياء الله ، جلا وعلا ، لها بما أجرى من الأسباب التي تحفظها ، فالله ، جل وعلا ، الحي أولا حياة الكمال المطلق ، وهو المحيي لغيره بما أجرى من آحاد وصفه أنه يحيي ، فذلك من فعله الذي يُنَاطُ بِمَشِيئَتِهِ كما تَقَدَّمَ من الخلق والصنع فذلك ، كما تقدم مرارا ، أصل يطرد في باب الفعل ، فخلاصة القول فيه أنه قديم ، من وجه ، حادث من آخر ، ولا تعارض هنا ، أيضا ، إذ الجهة قد انفكت ، فجهة القدم بالنظر في الذات القدسية التي يقوم بها الفعل وبالنظر في نوع الفعل ، فالله ، جل وعلا ، هو المحيي الصانع الخالق الرازق ..... إلخ من أوصاف الأفعال وإن لم يكن ثم مخلوق مفعول في الخارج هو أَثَرُ فعله الذي يصدر عن حكمة التقدير وإرادة التكوين بالكلمة النافذة ، فـ : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فهي العلة التي عنها تصدر العلل المخلوقة فلا بد أن تَؤُولَ إلى علة أولى غير مخلوقة ، هي كلمة التكوين فهي من وصف الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، إذ هي من الكلام وهو من العلم الذي قام بذات الله ، جل وعلا ، أزلا فذلك العلم الأول المحيط ، وتأويله ما قد سُطِرَ في لوح التقدير ثم ما شاء الرب القدير الحكيم أن يُظْهِرَ مِنْ غَيْبِهِ ، فكان تأويل المعلوم في الغيب موجودا في الشهادة يُوَاطِئُهُ فلا زيادةَ ولا نَقْصَ وذلك مناط علم آخر يحصي فلا يفوته شيء ، ولا تخلو الكلمة وهي العلة الأولى التي صدرت عن المشيئة فَلَمْ يَكُنْ صدورها صدور الاضطرار ، كما قد زَعَمَتِ الفلاسفة إذ جعلوا الذات الأولى المجردة من الوصف ، جعلوها هي علة الخلق ، فهي تَفْعَلُ في الكون فِعْلَ الطبعِ لا فعل الاختيار بعلم ومشيئة ، فتضاهي النار التي تحرق بما رُكِزَ فِيهَا من قوة الإحراق فتلك قوة ضرورة لا اختيار فيها ، وهي الفاعلية بالطبع وهو ما قد تَنَزَّهَ عنه آحاد المخلوقين ولو غير عاقلين فَلَهُمْ من الإرادة حظ به يباشرون الفعل وَالتَّرْكَ ، فالله ، جل وعلا ، أولى بذلك الكمال المطلق إذ هو خالقه ، فهو المريد بالمشيئة المطلقة والحكمة البالغة ، فخالق الإرادة في المخلوقات لا بد أن يَتَّصِفَ بها ابتداء على حد الكمال المطلق فَبِهَا كان هذا الصنع المتقن : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ، فلا تخلو الكلمة آنفة الذكر ، كلمة التكوين ، لا تخلو أن تكون هي ، أيضا ، تأويلا لوصف تقدم ، فكلمة الخلق هي تأويل اسم الخالق وما دل عليه من وصف الخلق تأويلا صحيحا يخالف ، بداهة ، عن تأويل المعطلة فَطَرِيقَتُهُمْ في هذا الباب هي النَّفْيُ على تَفَاوَتُ قد تَقَدَّمَ ، وَعِلَّتُهُمْ أَبَدًا هي التَّنْزِيهُ وَنَفْيُ الشَّرِيكِ وإن أَفْضَى بِغُلَاتِهِمْ إلى التعطيل التام فقديمهم في مقابل القديم الذي جاءت به النبوات وهو القديم الكامل الذي اتصف بالكمال المطلق ذاتا واسما ووصفا وفعلا وحكما ، قديمهم في مقابل هذا القديم : مجرَّد من الوصف معطَّل من الكمال على تفاوت فَثَمَّ مَنْ تَأَوَّلَ صفاتِ الخبر والفعل ، وثم مَنْ زَادَ فَنَفَى الوصف كله دون الاسم على وجه سلك به جادة التَّنَاقُضِ الذي يخالف عن بدائه العقل الناصح إذ أثبت اسما مشتقا كاسم الخالق وَنَفَى دلالته على الوصف الذي اشتق منه وهو الخلق فجعله علما على الذات دون دلالة وصفٍ يقوم بهذه الذات فذلك ما قد نَفَاهُ تَذَرُّعًا بِنَفْيِ التَّعَدُّدِ : تَعَدُّدِ القدماءِ إذ جَوَّزَ ، ولو بِلَازِمِ قولِه ، أن يكون للوصف وجود أول قديم يُغَايِرُ عن وجود الذات القدسية فيكون ثَمَّ ذواتٌ عدة على وجه يخالف الشرعة والعقل والفطرة ، فالمعاني لا تقوم في الخارج مستقلة فلا وجود لها في الخارج إلا قائمة بموصوف بها على وجه يَلِيقُ به كمالا أو نَقْصًا ، وَثَمَّ مَنْ زَادَ فَنَفَى مطلقا حتى صار القديم عنده ذاتا مجرَّدَةً من كلِّ وصفٍ فَهِيَ علة صدور هذا الكون بلا فعل ، فقد صدر عنها اضطرارا إذ لا علم لها ولا إرادة ولا مشيئة تُرَجِّحُ فَتَجْعَلُ الجائز المحتمل حادثا بعد أن لم يكن ، فلا يحدث بالمشيئة اختيارا ولكن يحدث بالعلة اضطرارا وذلك معنى نَقْصٍ مطلق قد تَنَزَّهَ عنه ، بداهة ، الرب المتقِن ، جل وعلا ، الذي صنع الصنع المحكم : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) .

فكان التفصيل في هذه الألقاب المجملة كالقديم والحادث .... إلخ ، كان التفصيل فيها حتما لازما إذ كان الاحتمال فِيهَا وَاقِعًا ، فلا يطلق القول بِقَبُولٍ أو رَدٍّ حتى يعلم مرادُ المتكلم وذلك أصل في أي لفظ مشكِل ، فهو محل نظر إذ فيه من المعنى الصحيح ما يستوجب الإثبات والمعنى الباطل ما يستوجب النفي فلا تعارض إذ الجهة ، كما تقدم مرارا ، قد انفكت على وجه يواطئ الأصل الأول في هذا الباب الجليل : إثبات الكمال المطلق بلا تشبيه وَنَفْيِ النقص تَنْزِيهًا بلا تعطيل .
فكان الإطناب بالوصف على حد الوصل في الآي محل الشاهد : (الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ، فلا يخلو من قياس في اللسان إذ يُوَطِّئُ لِمَا بعده فليس يقصد بالحكم ، فيضاهي ، من هذا الوجه ، البدل ، بل الإجمال في الموصول أشد ، فلا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ مَعْنًى إذ يَفْتَقِرُ إلى ما بعده من صلة وذلك ، كما يقول النحاة ، عِلَّةُ بِنَائِهِ في اللفظ فَبُنِيَ لِلشَّبَهِ الافْتِقَارِيِّ فَقَدْ أَشْبَهَ الحرفَ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلى ما بعده في بَيَانِ معناه ، فكان الإطناب به مجملا على وجهٍ يُوَطِّئُ لِمَا بَعْدَهُ مِنَ البيان الذي اشتقت منه الصلة فهو مناط الفائدة ، وهو ، من وجه آخر ، مناط التعليل ، تعليل الصناعة المحكمة فَعِلَّتُهَا وصف الإتقان الذي عم فاستغرق : (كُلَّ شَيْءٍ) ، فكان الإجمال بالموصول وهو ما قد شَحَذَ الذِّهْنَ تَشْوِيقًا أن يحصل له البيان ، فكان تَالِيًا في الذكر بَعْدَ أَنْ هُيِّئَ المحل له فذلك أوقع في الإثبات من القول في غير الوحي : صنع الله المتقِن ، وإن حصل بذلك ، أيضا ، معنى يُفْهِمُ ، والمعنى وإن انصرف إلى المتقنات الكونية فَثَمَّ قرينة في السباق المتقدم ، فـ : (تَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) ، فالجبال من المخلوقات ، إلا أن المعنى يستغرق ، من وجه يَصِحُّ ، الشرائع وإن لم تكن بداهة مخلوقة خلق الكائنات ، وهي ، مع ذلك ، مما يصدق فيه أنه من الحادثات ، لا حدوث الخلق من العدم فهي من علم الله ، جل وعلا ، وإنما حدوث آحادها إذ تَنَزَّلَتْ نجوما تَتْرَى مع قِدَمِ نَوْعِهَا فهي من العلم الأول المحيط فمنه علم التكوين النافذ ومنه علم التشريع الحاكم ، فيصدق فيها أنها من المتقَنَاتِ فتدخل ، من هذا الوجه ، في عموم "كل" في قوله تعالى : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) ، وبعده كان الإطناب على حد الاستئناف بالناسخ : (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) ، فلا يخلو ، من وجه ، أن يجري مجرى التعليل إذ اسم الخبير بالدقائق مما يُوَاطِئُ الإتقان فهو مئنة من إحكام زائد فلا يكون إلا بعلم زائد : علمِ الخبير الذي أحاط بالدقائق فذلك من حُسْنِ التلائم بين أجزاء الكلام ، فَيَجْرِي ، من هذا الوجه ، مجرى الحذف إذ ثم سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة ما تقدم من الإتقان ؟ ، فجاء الجواب على حد الاستئناف : (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) ، فلا يخلو الناسخ ، من هذا الوجه ، أن يكون محل اشتراك في لفظه ، فَثَمَّ دلالة التوكيد الأولى وثم أخرى تزيد وهي دلالة التعليل ، ولا يخلو الإطناب ، من وجه آخر ، أن يكون استئنافا مطلقا يَرْفِدُ ما تَقَدَّمَ على حد القياس ، فإذ أتقن الصنع وأحكم دقائقه فَهُوَ خبير بها ، فهو الخبير بما يفعل عباده ، فالباب واحد ، إذ أفعالهم من مخلوقاته كما الجبال ، فهو خبير بدقائق المخلوقات إن جبالا جامدة أو أجسادا حية متحركة ، فَذِكْرُ الجبالِ ، من هذا الوجه ، يجري مجرى المثال فلا يخصِّص العام إذ استغرق اسم الخبير كل شيء مِمَّا دق ومما جَلَّ مِنْ بَابِ أولى ، فَمَنْ عَلِمَ الدقائق والجزئيات فهو ، بداهة ، يعلم الجلائل والكليات ، وذلك فُرْقَانٌ آخر بين النبوات وبين الْفَلْسَفَاتِ ، فَمَنْ أثبت من الفلاسفة العلمَ فقد أثبت علما مجملا بالكليات خلاف النبوات التي أثبتت العلم المفصَّل المحيط بالجزئيات والكليات من باب أولى ، فهو خبير بما تفعلون ، فلا يخلو السياق من جُمَلِ مؤكدات قياسية فمنها مؤكد اللفظ وهو الناسخ مع ما انضم إليه ، كما تقدم ، من دلالة التعليل ، وهو شاهد به يستأنس من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، وثم اسمية الجملة وهي مئنة من الثبوت والاستمرار فذلك من وصف الذات الذي لا يناط بالمشيئة ، فهو عليم خبير أزلا وأبدا فيدخل ذلك ، من وجه ، في عموم أوليته وآخريته المطلقة التي حُدَّتْ حَدَّ القصر المؤكد في قول الرب المهيمن جل وعلا : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فثم طباق إيجاب قد استغرق أجزاء القسمة في الخارج "الأول" و "الآخر" في قسمة ، و "الظاهر" و "الباطن" في أخرى ، فضلا عما تقدم من دلالة الاستغراق للمعنى وهو ما رَشَّحَ في دلالات "أل" في "الأول" و"الآخر" و"الظاهر" و"الباطن" : معنى العهد الخاص ، فلا يُحِيطُ إحاطة الزمان والمكان إلا واحد وهو الرب الخالق جل وعلا .
فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ في قوله تعالى : (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) ، تقدير : هو خبير ، فتلك اسمية تدل ، كما تقدم ، على الثبوت والاستمرار ، وثم عموم قد استغرق سائر المفعولات فتلك دلالة الموصول "ما" ولا تخلو الصلة المضارعة في "تفعلون" مِنْ دلالة أخرى تستغرق سائر أجزاء الزمان حالا واستقبالا وذلك آكد في استحضار المراقبة له ، جل وعلا ، إذ يعلم ما دَقَّ وما جَلَّ من الأحوال الباطنة والظاهرة فلا يخلو الخبر من دلالة الإنشاء أَنِ : ارْقُبُوا الله الخبير ، جل وعلا ، في السر والعلن فلا تخالفوا عن أمره ونهيه ما استطعتم ، فإن فَرَّطتم أو عصيتم فبادروا بالاستغفار ، واجتهدوا مع ذلك في تحرير القصد الباطن فهو مَبْعَثُ ما يكون في الخارج من الفعل ، ودلالته في هذا السياق تجاوز الفعل إيجابا فهي تستغرق كل ما يصدر عن المكلف اختيارا إن قصدا باطنا أو قولا وعملا ظاهرا ، فمنه الفعل ومنه التَّرْكُ ، ولا تخلو الصلة من حذف قياسي : حذفِ المفعول على تقدير : إنه خبير بما تفعلونه ، فهو الخالق المقدر لكل صانع وصنعته ، ولا يخلو الضمير ، ضمير الجمع المذكر في "تفعلون" ، لا يخلو من الدلالة المطردة المستصحبة في نصوص التشريع : دلالة التغليب بقرينة العموم في خطاب التكليف فهو يستغرق كل محل يقبل آثار الخطاب تكليفا بالتصديق والامتثال : ذكرا أو أنثى ، فردا أو جمعا .
وقد يصح ، من وجه آخر ، حمل "ما" على الوصل الحرفي لا الاسمي ، فهي وما بعدها في تأويل المصدر على تقدير : إنه خبير بفعلكم ، فيكون ثم إطناب في المبنى أن فَصَّلَ المصدر على موصول حرفي ومدخول فِعْلِيٍّ فَهُمَا جميعا في تأويل المصدر المفرد فأطنب في المبنى المفصَّل مئنة من إطناب آخر في المعنى ، وفي كلتا الحالين يثبت العموم إن في الموصول الاسمي فهو نص في الباب أو في نظيره الحرفي فتأويله مع ما دخل عليه تأويل المصدر الذي أضيف إلى الضمير على تقدير : إنه خبير بفعلكم ، فاكتسب التعريف في لفظه والتعميم في معناه .

والله أعلى وأعلم .