البلاغة واختلاف روايات الحديث النبوي د.أيمن أبومصطفى

الوقوف على البلاغة النبوية من خلال تعدد الروايات يثير عدة إشكالات:
- تعدد الرواية يجعل الباحث في حيرة بين ما هو من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وماهو من فعل الرواة.
- هل أثرت الرواية بالمعنى على الخصائص الأسلوبية للبيان النبوي؟
الكتب التي تناولت اختلاف روايات الحديث النبوي:
في مجال المقارنات الأسلوبية بين الروايات لم أجد – فيما أعلم- إلا هذه الدراسات:
1- مقدمة في نظرية بلاغة الحديث النبوي الشريف السياق وتوجيه دلالة النص للدكتور عـيد بلبــع، بلنسية للنشر والتوزيع بشبين الكوم2007م، وقد عُنيت الدراسة بأسلوبي (الأمر والنهي) فى الحديث النبوي الشريف فى ضوء نظريات السياق ؛ حيث تعرضت لروايات الحديث الواحد من خلال تناول سياقات الأمر والنهي .
2- الاختلاف فى روايات الحديث الشريف دراسة أسلوبية فى أحاديث اللؤلؤ والمرجان : جمال وحيد ضبش، رسالة دكتوراة بإشراف د. عيد بلبع ، ود.أسامة موسى السيد ،مخطوطة بمكتبة كلية الآداب جامعة المنوفية ، مصر ، 2007م.
3- البلاغة النبوية فى ضوء تعدد الروايات الحديثية :د.يوسف بن عبد الله بن محمد العليوي، مكتبة كنوز إشبيليا ،الرياض 2015م، ولم يضف ذلك الكتاب شيئا بل جاء بنفس منهج المقارنة الذي انتهجه د.عيد بلبع ، وقد كان مقلا فى الشواهد ، فالكتاب كله 96 ست وتسعون صفحة. كما أنه جعل اللفظ الجدير بالدراسة ما اتفقت عليه الروايات ، ودعا إلى ترك دراسة اللفظ غير المتواتر ، ونفى نسبته للنبي ( ).
4- الرواية بالمعنى في الحديث النبوي وأثرها في الفقه الإسلامي للدكتور عبد المجيد بيرم ، وبرغم اتجاه الدراسة نحو الفقه إلا أن الباحث قد تناول في الفصل الأول حكم الرواية بالمعنى في الحديث النبوي وتناول في آخره أثر الرواية بالمعنى في الأسلوب النبوي وبلاغته.
5- التفضيل في أحاديث صحيح البخاري دراسة أسلوبية مقارنة، د.أيمن أبومصطفى، رسالة دكتوراه بإشراف أ.د عيد بلبع جامعة المنوفية مصر 2016م.
اختلاف الروايات أمر وقف عنده الفقهاء والمحدثون، واختلاف الروايات أمر واقع ، وهناك مظاهر وأسباب لهذا الاختلاف نجملها فيما يلي:
- تعدد السياقات : حيث يكون الموقف قد تعدد وتكرر .وهنا نجد اختلافا في الرواة .
- اختلاف اللفظ في الموقف الواحد لتكرار النبي صلى الله عليه وسلم الحديث في موقف واحد مع اختلاف بعض الألفاظ فيأخذ كل راو رواية ويرويها.
- اختلاف بسبب الرواة لثبات أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من طريق واحد، كحديث الأعمال بالنيات، وخطبة الوداع، ويكون الاختلاف حينئذ بسبب الرواة. يقول الخطابي في غريب الحديث :" وقد يتكلم صلى الله عليه في بعض النوازل وبحضرته أخلاطٌ من الناس ، قبائلُهُم شَتَّى ، ولُغاتهم مختلفة ، ومراتِبُهُم في الحفظ والإتقان غير متساوية ، وليس كُلُّهم يَتَيَسَّر لضَبْط اللفظ وحَصْره ، أو يتَعَمَّد لِحِفظه ووعْيه , وإنما يَستدرِك المُرادَ بالفَحوى ، ويتعلّق منه بالمعنى ، ثُمَّ يُؤدِّيه بلُغَتِه ، ويعبِّر عنه بلسانِ قبيلته ، فيجتمع في الحديث الواحد إذا انْشَعَبت طُرقُه عِدَّةُ ألفاظٍ مختلفة مُوجِبُها شيءٌ واحد" غريب الحديث للخطابي:جـ1،صـ 68-69.
نتائج البحث حول الاختلاف وأثره البلاغي:
1- الاختلاف في الأساس لم يكن متعمداً بل جاء لأسباب خارجة عن قدرة الرواة أولها شفاهية هذا النص وعدم تدوينه وما ينتج عن ذلك من سهو وخطأ ونسيان خلال السماع والحفظ .
2- جاءت الأساليب البديلة لما وقعوا فيه من خطأ على نفس الطريقة الأسلوبية التي سمعوها من الرسول () ، بدليل اتفاق هذه الأساليب في جميع الروايات على هيكل أسلوبي واحد وطريقة واحدة فإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على تمسكه بالأصل الذي أخذوا عنه وهو الرسول () .
3- أثبتت الدراسة بالدليل المادي المحسوس من خلال مقارنة روايات الحديث الواحد صدق الحديث النبوي وأصالته عن رسول الله () ، وأن ما يقوله البعض من افتراءات على الحديث وأنه كلام الصحابة أو على أقل تقدير هو معاني الرسول () رواها الصحابة () عنه بألفاظهم هم هو كلام ليس عليه دليل ، وأثبتت الدراسة نقيضه تماماً ، وذلك من خلال مجيء الحديث بأكثر من رواية يصل الحال في بعض الأحيان إلى العشرات من الروايات ، وبمقارنة هذه الروايات يتضح أن البناء الأسلوبي فيها جميعاً بناء واحد وطريقة أسلوبية واحدة ، فكيف ثبتت هذه الطريقة وهذا البناء بين هؤلاء الرواة على بعد ما بينهم من زمان ومكان إن لم يكن المصدر الأول الذي أخذوا عنه واحداً وهو الرسول ()، هذا من الناحية الأسلوبية وأنها جاءت من أكثر من طريقة ، هذه الطرق في حد ذاتها تحقق تواتراً ينفى احتمال كذب أحد الرواة على الرسول () إن كان الحديث أحادى المصدر .
4- أثبتت الدراسة أن رواة الحديث النبوي كانوا أسلوبين بكل ما تعنيه الكلمة في العصر الحديث رغم أميتهم وعد إطلاعهم على شىء من علوم العصر ، يظهر ذلك من الأساليب البديلة التي يأتون بها في حالة عدم تذكرهم لفظ الرسول () ، وارتباطهم في هذه الأساليب بنفس الطريقة الأسلوبية لما سمعوا وتبقى اختلافاتهم حول المفردات .ومن ثم فقد كانوا على دراية بالمعنى وحذق باللغة وأنهم لم يكونوا مجرد نقلة وحفاظ ومكررين فقط ، يثبت لهم ذلك أن مقارنة الروايات تظهر عدم تغير المعنى في هذه الروايات رغم هذه الاختلافات التي تأتى عن غير عمد منهم ، وبرصد هذه الاختلافات مع كل شاهد أيا كان شكلها : استبدال مفردات – تقديم – تأخير – زيادة – نقص – اجتزاء ، كل هذه الأشكال لا تمس المعنى الرئيسي الذي يقوم به الحديث ، بل تأتى في مستوى الدلالة الإضافية أو الإيحائية التي تخدم المعنى وتقوية وتؤصله .
5- حدوث ظاهرة الروايات في الخطاب النبوي ليس للرواة أي مسئولية في حدوثها - بالرغم من أنهم هم أصحابها - ، ولكن الحقيقة أنها إفراز طبيعي من إفرازات العصر الذي قام على المشافهة ولم يكن هناك تدوين عام ، فحفظت لنا الروايات حديث رسول الله () بجهد هؤلاء الرواة في حفظهم وتمسكهم ، فالحقيقة التي يجب أن تقال صريحة هي إعطاء هؤلاء الرواة حقهم من التقدير والتكريم فقد حفظوا لنا سنة رسول الله () المصدر الثاني في التشريع الإسلامي ، وليس الهجوم عليهم لمجرد وجود اختلافات بين رواياتهم لا ذنب لهم فيها ولا تعمد ولا قصد بل حدثت رغماً عنهم
- ثبات هذا التركيب يعكس اختلاف المعنى في حالة حذفه ، ويكشف من ناحية أخرى عن الفارق الدلالي بين الجمل والتراكيب في النص الواحد ، ومن ناحية ثالثة يكشف دقة نظر الرواة ونظرهم الثاقب ومعايشتهم للنصوص وتفهمهم المعاني في هذه النصوص . إن ثبات هذا التركيب في كل الروايات يثبت أن هؤلاء الرواة كانوا على درجة عالية في فهمهم النصوص وتحليلها ومعرفة دلالات كل جملة والغرض منها وأثرها وأهميتها المتوقعة عند المتلقي ، وكان كل واحد منهم بمثابة . " محلل الخطاب الذي يعتبر الكلمات والعبارات والجمل التي تظهر في المدونة النصية لخطاب ما دليلاً على محاولة المنتج توصيل رسالة إلى المتلقي مما يجعله يعني على الخصوص يبحث كيفية وصول متلق ما إلى فهم الرسالة المقصودة من قبل المنتج في مناسبة معينة ، وكيف أن متطلبات المتلقي المفترض تؤثر في تنظيم خطاب المنتج ،وتتخذ هذه المقاربة الوظيفية التواصيلية مجالاً أولياً للبحث ، وبالتالي تسعى إلى وصف الشكل اللغوي ليس كموضوع ساكن ، وإنما كوسيلة منظمة دينامية للتعبير عن الدلالة المقصودة ."
المنهج المقترح لدراسة الروايات المختلفة:
استعمال الأسلوب وسيلة لتمييز أسلوب الرسول () من الأساليب الأخرى التي قد تكون من أثر الرواة ، وذلك عن طريق تحديد الهياكل الأسلوبية التي ثبتت في جميع الروايات ، فهذا الثبات دليل عملي واقعي على صحة إرجاع هذا الهيكل إلى رسول الله () ، ومن الناحية المعنوية " نجد أن الروايات لا تنتفي عنها الدقة على الرغم من تعددها والاختلاف بين بعض صياغاتها ، فالمعيار الذي نحتكم إليه هو الظاهرة الأسلوبية البلاغية الأكثر فاعلية في إنتاج الدلالة " . (1) والتي تحقق بها الهيكل الثابت في جميع (2) الراويات .