اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: بلاغة الخطاب التعليمي في القرآن الكريم د.أيمن أبوم

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 51816

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : دكتوراه

    التخصص : بلاغة ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل21/4/2016

    آخر نشاط:10-09-2020
    الساعة:07:30 PM

    المشاركات
    37
    العمر
    38

    بلاغة الخطاب التعليمي في القرآن الكريم د.أيمن أبوم

    بلاغة الخطاب التعليمي في القرآن الكريم د.أيمن أبومصطفى
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه وبعد،
    ارتبطت البلاغة بالقرآن الكريم لكونها الأداة لكشف إعجازه، فمحاولة فهم القرآن فهما صحيحا وإدراك مراميه كانت سببا لدى كثير من العلماء في بداية تأسيس علم البلاغة لتأليف كتبهم في هذا المجال كأبي عبيدة معمر بن المثنى (210ه) في كتابه مجاز القرآن، وابن قتيبه (276ه) في كتابه تأويل مشكل القرآن وقد حاول العلماء أن يربطوا بين البلاغة والإعجاز ،فقد نظر وبحث المفسرون والبلاغيون حول لغة القرآن ، محاولين أن يقفوا على مطارح الجمال في النص القرآني، فالقرآن الكريم نزل بلغة العرب "إنا أنزلناه قرآنا عربيا" ولذا فقد بحث المفسرون والبلاغيون في القرآن متخذين اللغة العربية منارا وهاديا ، وهذا الكشف عن هذا الجمال لاينفصل عن لغة العرب وأعرافها في التعبير ، فالقرآن جاء موافقا لسنن العرب في التعبير ، وقد أشار إلى ذلك الباقلاني حيث أكد على أن " الذي ينقسم عليه الخطاب من البسط والاقتصار والجمع والتفريق والاستعارة والتصريح والتحقيق ونحو ذلك من الوجوه التي توجد في كلامهم موجود في القرآن "
    وإلى مثل هذا ذهب القاضي عبد الجبار في تعليله للبدء بالأحرف المقطعة ، حيث ذهب إلى أن الله افتتح بعض السور بالحروف المقطعة ليبين أن " كتابه المنزل مركب من هذه الحروف وأنه ليس بخارج عن هذا الجنس المعقول " .وكأن أبا عبيدة في ( مجاز القرآن )ما جاء إلا ليقرر حقيقة مفادها " إنما كلم الله العرب على قدر كلامهم "
    فلعلوم البلاغة في خدمة القرآن الكريم دور واضح في إظهار مايتمتع به القرآن الكريم من خصائص بلاغية فائقة سواء أكان في مجال اللفظ أو التركيب أوالصورة البيانية.
    وقد ربط العلماء بين البلاغة والإعجاز ، فالبلاغة ما هي –عند بعضهم- إلا سبيلا لبيان مناط الإعجاز، يقول يحيى بن حمزة العلوي في كتابه ذي العنوان الدال على دور البلاغة عنده ( الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز) " فإن العلوم الأدبية وإن عظم في الشرف شأنها، وعلا في أوج الشمس قدرها ومكانها ، خلا أن علم البيان هو أمير جنودها، وواسطة عقودها، فلكها المحيط الدائر ، وقمرها السامر الزاهر، وهو أبو عذرتها، وإنسان مقلتها، وشعلة مصباحها، وياقوتة وشاحها، ولولاه لم تر لسانا يحوك الوشي من حلل الكلام، وينفث السحر مفتر الأكمام ، وكيف لا وهو المطلع على أسرار الإعجاز "[10] .
    بل إنه يعرف علم البلاغة بأنه " العلم الذي يمكن معه الوقوف على معرفة أحوال الإعجاز "[11]
    ويقول محمد بن علي الجرجاني (ت 729هـ ) : " فإن علم البلاغة علم شريف عظيم الشأن ، لكونها كمال الإنسان وأصل البيان ، لأن أحكام الشرع تتوقف على صدق السنة والقرآن ، وصدق القرآن يتوقف على أنه منزل من عند الرحمن، وذلك يتوقف على غير مقدور للبشر للبلاغة والبيان، وإلا لوجد مثله قبل التحدي أو بعده في بعض الأزمان، ولو صرفهم الله عن المعارضة لتعجبوا من العجز بعد قدرتهم على الإتيان "[12]
    ويبدو أن هذا المفهوم لدور البلاغة كان مستقرا حتى إن ابن خلدون ( ت 808هـ ) يذكر في معرض تأريخه للعلوم العربية أن " ثمرة هذا الفن إنما هي في فهم الإعجاز من القرآن "[13].
    وقد استمر هذا المفهوم لدور البلاغة عند البلاغيين المحدثين فيذكر المراغي أن البلاغة " بها نعرف وجه إعجاز القرآن، وندرك ما فيه من خصائص البيان، ونفهم براعة أسلوبه، وانسجام تأليفه، وسهولة نظمه وسلامته وعذوبته وجزالته "[14] .
    لم يخل تماما كلام البلاغيين من اعتبار الدور البلاغي في عملية فهم القرآن فقد ذكر السكاكي (ت 626هـ ) بعد تعريفه لعلمي المعاني والبيان " أن الواقف على تمام مراد الحكيم ـ تعالى وتقدس ـ من كلامه ، مفتقر إلى هذين العلمين كل الافتقار ، فالويل كل الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل "[15]
    يتضح مما سبق أن للبلاغة دورا في استنباط معاني القرآن الكريم، ومن ثم أرجع البلاغيون والمفسرون إعجاز القرآن إلى لغته وبلاغته ،فقضية إعجاز القرآن عندهم يتوقف إثبات صدق النبوة فيهاعلى إثبات إعجاز القرآن، ولهذا خاطب القرآن الشاكين في صحة الرسالة بأن تحداهم بالإتيان بمثل القرآن
    فإثبات إعجاز القرآن متصل بإثبات الدين كله، وقد كان من الواضح أن مناط الإعجاز يكمن في تلك البلاغة القرآنية التي فاقت كل بلاغة، وعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثلها ، ومن ثم فقد سعى المفسرون والبلاغيون إلى تقديم (دلائل الإعجاز) من خلال إبراز مميزات البلاغة القرآنية وخصائصها، وكشف (أسرار البلاغة) القرآنية التي ميزتها عن بلاغة البشر .
    وكان هذان الهدفان عنوني كتابين من أهم كتب البلاغة في العربية "دلائل الإعجاز"و"أسرار البلاغة "لعبد القاهر الجرجاني.
    الغاية والخطاب القرآني:
    القرآن لكريم خطاب الله تعالى لخلقه من الإنس والجن ، خطاب يقصد إلى إقناعهم بوحدانية الله ، المراد منه تمكين دين الله في الأرض ، وهو يخاطب المؤمن وغير المؤمن ، يخاطب المصدق والمكذب ، يخطب الموقن والمرتاب ، يخاطب المُعلِّم والمتعلم ، يخاطب الجميع ، فلابد وأن تكون له خصوصيته التي تجعله قادرا على تأدية الغاية منه.
    فأبعاد الخطاب القرآني متداخلة لايمكن فصل أحدها عن الآخر ، فلايمكن أن ننفي البعد الجمالي عنه ، أو أن نجعله حجاجيا صرفا ، ولايمكن أن نزعم بأنه خطاب تعليمي فقط ، فالقرآن معجز ولعل واحدا من أسباب إعجازه هو هذا التداخل والتمازج والتماسك النصي .
    وإذا أردنا أن ندرس أثر الغاية في الاستعارة القرآنية على سبيل المثال فإنه من الضروري أن نشير إلى أن أغلب أئمة التفسير أجازوا القول بالمجاز ولن أخوض في هذه القضية كثيرا ، فعلى الرغم من أن كثيرا من تفاسير أهل السنة لاتعنى كثيرا بالتوجيه البلاغي ، إلا أننا نجد التوجيه بالمجاز بينا فيها ، مما يدل على إثباتهم له وتقريرهم إياه ، ومن هؤلاء الأئمة :ابن جرير الطبري (310هـ)وأبو أحمد الكرجي القصاب (360هـ)وأبو المظفر السمعاني(489هـ) والبغوي(516هـ)وابن كثير (774هـ)وغيرهم كثير([2]) .
    ومما تجدر الإشارة إليه أن معظم من تصدى من القدماء لدراسة الاستعارة القرآنية اقتصر على ذكر أنواعها من استعارة محسوس لمحسوس بجامع عقلى، ومن استعارة محسوس لمعقول ،ومن استعارة معقول لمعقول أو لمحسوس، ومن استعارة تصريحية أو مكنية ومن مرشحة أو مجردة إلى غير ذلك من ألوان الاستعارة ،وهم يذكرون هذه الألوان ويحصون ما ورد في القران منها، ويقفون عند ذلك فحسب طنا منه أنه بذلك قد أدى ما عليه من بيان الجمال الفني في هذا اللون من التصوير .
    ولم يقفوا –في الأغلب- على جماليات الاستعارة وتفاعلها مع السياق الذي وردت فيه ، والفرق بين المعنى الاستعاري والمعنى الحرفي التواصلي .
    وسنحاول أن نشير إلى ذلك خلال هذه الدراسة ولكن بإيجاز شديد لعلنا نوسعه فيما بعد بإذن الله تعالى.
    فسيدنا زكريا يريد أن يعبر عن مدى ألمه وحزنه لكبر سنه وعدم وجود ذرية له من بعده يحملون الرسالة ويدعون إلى الله فنراه يقول ربّ إني وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا وهنا لا تقف كلمة اشتعل عند معنى انتشر فحسب، ولكنها تحمل معنى دبيب الشيب في الرأس في بطء وثبات، كما النار في الفحم مبطئة ولكن في دأب واستمرار، حتى إذا تمكنت من الوقود اشتعلت في قوة لا تبقى ولا تذر كما يحرق الشيب ما يجاوره من شعر الشباب ،حتى لا يذر شيئا إلا التهمة واتى عليه، وفي إسناد الاشتعال إلى الرأس مايوحى بهذا الشمول الذي التهم كل شي في الرأس.فنجد أن التقديم والتأخير هنا أفاد معنى العموم والشمول ، كأن سيدنا زكريا أراد أن يقول : إن الشيب لحق شعري كله فلم يترك فيه شعرة واحدة وهذا بعد (وهن العظم مني) وفيه كناية عن كبر السن ، فأصل الكلام قبل التقديم والتأخير (استعل شيب الرأس ) فلما تقدم المضاف إليه وتأخر الفاعل ( المضاف) أفاد معنى العموم.
    فغاية الخطاب هي إبداء حزنه وألمه ولكن بتلطف وعدم إظهار اعتراض على قضاء الله وقدره ، ولعل هذا ما أفاده المعنى الاستعاري ، فلو كان التعبير بغير استعارة "إني كبرت" لكان مشعرا باعتراض أو غضب .
    فغاية الخطاب –هنا- هي ما دفع إلى الاستعارة فليست الاستعارة غاية لذاتها بل هي وسيلة لتحقيق غاية .
    ونجد ذلك جليا في تصوير الريح بأنها عقيم في قوله تعالى "وفي عاد إذا أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شي أتت عليه إلا جعلته كالرميم" ففي العقم ما يحمل إلى النفس معنى الإجداب الذي تحمله الريح معها. وفضل الاستعارة على الحقيقة يكمن فيما تثيره الصورة المشكلة من دلالة نفسية تؤثر في السامع أو القاريء ، لأن كلمة عقيم ذات أثر أقوى في السمع ، إذ حقق انتقال دلالة الاستعارة (عقيم) من معناها الأول (عدم الإنجاب ) إلى الريح أثرا نفسيا ، فعملية الجدب هنا تولد الامتعاض والحزن ، فهي تعني انتهاء تجدد الحياة ، وهنا نجد أن العبارة القرآنية اكتسبت معاني متجددة أضفت الديمومة على النص القرآني.
    وكذلك نجد الاستعارة توضح مدى الاضطراب والفزع الذي يحل بالناس يوم القيامة، وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا فكلمة ( يموج ) لا تقف عند استعارتها لمعنى ( الاضطراب ) بل إنها تصور هذا الجمع الحاشد من الناس الذي لا تدرك العين مداه حتى صار هذا الحشد الزاخر كبحر ترى العين منه ما تراه في البحر الزاخر من حركة وتموج واضطراب، ولا تأتي كلمة يموج إلا موحية بهذا المعنى ودالة عليه.
    وكذلك نجد الخطاب يضفي على الاستعارة معنى الوَحْدة والتآلف ، وذلك في قوله تعالى "واعتصموا بحبل الله جميعا" وقوله " قال تعالى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( ففي هذه الآية الكريمة، استعير لفظ ( حبل الله- الصراط المستقيم) للدين الحق لتشابههما في أن كلاً منهما يوصل إلى المطلوب، والقرينة- حالية – فالله سبحانه لا يهدي إلى الطريق الحسي إنما المراد الهداية إلى الدين الحق على التشبيه.
    وإجراء الإستعارة يكون على هذه الصورة شبهنا الدين الحق بالحبل في الأولى و بالطريق المستقيم في الثانية، بجامع الهداية في كل، ثم أهمل وادعي أن المشبه فرد من أفراد المشبه به وداخل في جنسه ثم استعير المشبه به للمشبه على طريقة الإستعارة التصريحية الأصلية.
    ففي هذه الاستعارة امتزاج بين الغاية من الخطاب والاستعارة ، فالسياقان يشيران إلى أهمية الوحدة والتآلف والتماسك ، وتأتي الاستعارة لتؤكد هذا المعنى وتقنع به وتمكنه في النفوس ، فدين الله حبل ينبغي التمسك به كاملا وبقوة ، وهو طريق مستقيم لا تشعبات له ولا تعرجات به.
    ولكن ينبغي الحذر عند معالجة الاستعارة القرآنية ، فقد نظن أن في الآية استعارة وهي ليست كذلك ، ويبين سياق القرآن هذا الأمر ، ومن شواهد ذلك قوله تعالى"حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "فقد يتوهم أن في الآية استعارة وأن الأمر على سبيل المجاز ،ولكن الآية التي تلت هذه الآية مباشرة توضح أن الأمر حقيقة لا مجاز ، وأن الجلد والأسماع والأبصار سوف يشهدون على الإنسان ، فما يجوز لله لايجوز لغيره ، يقول "وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ "
    ومثل ذلك ما نراه في سورة الأعراف وقد طالعت من عده استعارة بل وأخذ يصفه بأوصاف تليق بتعبير البشر ولكنها – في رأيي- بعيدة عن الحق ، يقول تعالى :" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ "
    يقول الباحث:"فالاستعارة المكنية في مسخرات تضفي على الكون تشخيصا نبضا بلحية من خلل الخيال الذي يسري في القلب ، والذي يلقي على هذه الموجودات الجامدة صفة الحياة لتُزيح الغطاء المادي ، فتنكشف روحها للمتلقي فتتجاوب روحه معها ويتعمق شعوره وإحساسه بها"[3]
    فهذه العبارات لو وضعت تحت تحليل بيت من الشعر لكان أجدر ، فقد جاءت لبرهن على أن كثيرا من الباحثين لايفرقون بين الأدوات الإجرائية البلاغية في السياقات والخطابات المختلفة ، فإن هذه المخلوقات لها قدرة على الاستجابة والتفاعل ولكننا لاندركها بإدراكنا القاصر ، ولعل قوله تعالى في سورة فصلت "ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ" فيه رد الكافي. ولايمكن أن تفسر استجابة السماء والأرض على أنها مجاز.
    الخطاب التعليمي في القرآن الكريم والسنة النبوية:
    لاشك أن القرآن الكريم رسالة الله تعالى إلى البشر عامة، وهذه الرسالة تحمل منهجا، وتبين عاقبة الالتزام به أو عاقبة مخالفته، وترسم أمام المتلقي طريقا مستقيما يصل من خلاله إلى طاعة الله ورضاه فينال سعادة الدنيا والآخرة.
    وقد اضطلع بهذه الرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا، ثم تبعه كل المؤمنين بها، امتثالا لقوله تعالى:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" وقوله تعالى مادحا أهل هذا المسلك:" ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا" ولقوله صلى الله عليه وسلم:"بلغوا عني ولو آية".
    ونظرا لكون هذا الدين هو الدين الخاتم، فإن الله قد تعهّد بحفظ منهجه فقال تعالى:" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" فإن هذا المنهج الواضح المبين المفصل المحكم البليغ هو الذي يضمن خيرية هذه الأمة، وسيضطلع بتبليغ هذا المنهج قوم يجب عليهم أن يأخذوا بالمنهج الأقوم في الدعوة، ونظرا لهذا السبب فإن الله تعالى وضع الأسس المنهجية للدعوة ، ويقف الداعية عليها من خلال تأمله وتدبره لعرض الرسالة القرآنية، فإن عرضها في القرآن الكريم يُعد منهجا دعويا لكل مشتغل بهذه الوظيفة المباركة.
    ويمكن أن نقف قبل البدء على الشكل التالي:

    فإن هذه المكونات هي مكونات الرسالة القرىنية حيث إن الرسالة(المعنى) يأتي في هيكل تركيبي مشتمل على صورة وقد لا يشتمل عليها في بنية صوتية منسجمة تناسب مضمون الرسالة وحالة المتلقي خلال سياق المعنى.
    ويمكن أن نقف – من خلال الشكل السابق- على عدة أسئلة:
    1- ما الرسالة المراد توصيلها؟
    2- كيف ناسب التركيب تلك الرسالة؟
    3- كيف تناغمت البنية الصوتية مع المعنى؟
    4- ما الوسائل البلاغية واللغوية الممكنة لهذه الرسالة؟
    5- ما الهدف من هذه الرسالة؟
    6- ما أثر المتكلم في تلقي المتلقي للرسالة؟
    7- ما أنواع المتلقين؟ وما الوسائل المناسبة لكل نوع؟
    8- ما أثر السياق في بنية الرسالة وتوجهها؟
    ما التوجيهات التربوية التي يمكن استخلاصها من هذا الشكل؟
    1- الإقناع بقيمة ومنزلة المتكلم.
    2- تحديد الهدف من الخطاب.
    3- تحديد أنواع وأنماط المتلقين.
    4- تحديد الوسائل المستخدمة لتحقيق الهدف.
    5- تهيئة المتلقي نفسيا كي يكون أكثر انتباها.
    6- الأمانة في نقل الكلام، ونسبة الكلام إلى أصحابه.
    7- الاعتماد على البنية الصوتية للخطاب.
    8- الاعتماد على ما يؤثر في المخاطب من(قصص- أمثال..).
    9- الاعتماد على التصوير بالكلمات لاستحضار المشاهد في الأذهان.
    10- الاهتمام ببنية الجملة وتركيب الكلام.
    الاختلاف بين النص القرآني والنصوص الأدبية:
    1- النص القرآني غايته الهداية والنصوص الأدبية تهدف إلى الامتاع.
    2- النص القرآني تأتي الصور فيه ممكنة للمعنى ، أما النص الأدبي فالتصوير يكون هدفا في ذاته.
    3- النص القرآني تكون فيه البنية الصوتية منتجة للمعاني فهي ليست مقصودة لذاتها، بل هي من نسيج الدلالة، أما في الشعر فنجد البديع قد يأتي متكلفا لمجرد إظهار المقدرة اللغوية.
    4- النص القرآني له خصيصة الديمومة أي إنه دائم الدقة والإحكام، فلم يمر بمراحل الانتاج الأدبي بداية من الضعف إلى الإجادة ووصولا إلى الإحكام.
    5- النص القرآني خطاب متعدد المتلقين، وهو برغم ذلك يوصّل رسالة لكل متلق، أما النصوص الأدبية فيكون المتلقي خاصا.
    6- النص القرآني ينفك عن المقام الأول لنزوله(سبب النزول)؛ليكون صالحا لكل زمان ومكان، أما النص الأدبي فله مقام لا يفارقه، وخصوصا نصوص المناسبات.
    7- النص القرآني يتحول بعد التلاوة إلى فعل منجز أو تأثر مُغَيّر، أما النص الأدبي ففي الغالب يكون غرضه امتاعي للتأثير على المشاعر.
    8- قليلا ما يناقش النص الأدبي قضايا التشريع في وقت تضمن فيه القرآن الكريم التشاريع المقننة لحياة المسلمين.
    البلاغة النبوية
    بقيت دراسة البلاغة النبوية تعاني من الشح , حيث اشتغل البلاغيون على النص القرآني, وأهملوا النص الحديثي, وهو منه وإليه,وبلاغة القرآن تدل على بلاغة الحديث النبوي. ومن العجب أن الدراسات التي تناولت تاريخ البلاغة, تزعمها نقاد كبار اشتغلوا بتدريس البلاغة ردحاً من الزمن, من أمثال د.شوقي ضيف, وهو الذي خصص لذلك كتابه المعنون ((بالبلاغة تطور وتاريخ)), وقد استهله بالحديث عن البلاغة عبر منازل التاريخ, ويريد أن يقف عند كل مرحلة من هذه المنازل, ويتحدث عن الفرص التي أتيحت بجامعة بيروت لتدريس تاريخ البلاغة وتطورها,ويقر بأنه سيتتبع هذا التطور بدقة, وبأنه سيدرس بلاغتنا "درساً منظماً بحيث ترتب حياتها على منازل التاريخ, وبحيث تتضح معالم تطورها في كل منزلة من دورة زمنية إلى دورة, ومن جيل إلى جيل"( ). لكن ذلك لم يسعفه, على الرغم مما نبه عليه في مظان تناوله للبلاغة الجاهلية, حيث يرى بأن المحاولات البلاغية في العصر الجاهلي لم تنم إلا بعد ظهور الإسلام بفضل ما نهجه القرآن الكريم والحديث النبوي من طرق الفصاحة والبلاغة, إلا أنه لم يعط لهذه المرحلة من ظهور الإسلام ما تستحقه من دراسة للبلاغة النبوية, حيث قفز مسرعاً إلى فترة العصر الأموي وما بعدها,ولم يقف عند الكلم النبوي الذي كان يذيع على كل لسان, وكانت خطب الرسول صلى الله عليه وسلم تملأ الصدور والقلوب, وتقلدت فصاحته قمة البيان. فاكتفى فقط بالتدليل على هذه البلاغة النبوية التي أفحمت البلغاء بما قاله الجاحظ في وصفه لهذه البلاغة النبوية وإبرازه لدورها في نشأة البلاغة العربية وتطورها. ثم أتى بنماذج من بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم للكشف عن أهمية هذه الحلقة الذهبية من تاريخ البلاغة وتطورها,ولكنه سرعيا ما يتحول عنها مكتفياً بلمحة خفيفة, لينتقل بعد ذلك إلى عصر بني أمية والعصر العباسي وما بعدهما.
    ولازالت الدراسات البلاغية في مجال الكلم النبوي مقصرة في استنطاق النص ومرعاة خصوصيته, باستثناء بعض الاجتهادات التي ظهرت على أيدي باحثين مشكورين, مثل كتاب "أضواء على البلاغة النبوية" للدكتور إبراهيم العجلي, و "أثر التشبيه في تصوير المعنى, قراءة في صحيح مسلم" للدكتور عبد الباري سعيد, و"السياق وتوجيه دلالة النص" للأستاذ الدكتور عيد بلبع. ويحتاج الأمر إلى توجه حقيقي نحو دراسة البلاغة النبوية, لاسيما وهي تحمل المنهج النبوي الذي مهد للبلغاء التفنن في روائع الكلام بمختلف ضروب البلاغة. والرسول صلى الله عليه وسلم بيّن الأصول الموصلة إلى الحق أحسن بيان, وبيّن الآيات الدالة على الخالق وأسمائه ووحدانيته. فأين تتجلى مظاهر هذا البيان وهذه الفصاحة وهذه البلاغة النبوية? وأين حظها من الدراسات البلاغية الموجودة في الساحة النقدية والأدبية?
    • إن الحديث النبوى فى -جانب كبير منه - خطاب تعليمى، وقد ذهبت نظرية أنواع الأساليب فى التناول الغربي إلى وضع الأسلوب التعليمي نموذجاً للنمط المتدني من الأساليب ، ومن هنا نجد أنفسنا أمام تساؤل مبدئي مؤداه:
    كيف يحقق الحديث النبوى الغاية التعليمية فى إطار لغوى بلاغى؟
    • إيمانا منا بقول هوبر :"مما لاشك فيه أنه لايوجد في الدراسات الأدبية المنهج الذي يصلح للتطبيق في كل الحالات ، لأن كل عمل فني إنما هو عمل فني لايتكرر ،ومن ثم ينبغي وجود منهج ، والأفضل القول بوجود طريقة بحث مناسبة لكل حالة من الحالات ، ويمكن استنتاج هذه الطريقة بالتخمين من خلال القراءة المتأنية للنص" وتصديقا لما قاله أنطون جيرالد "إننا نحتاج إلى طريقة تحليل خاصة بكل أثر فني، وأنه يتوجب على طريقة التحليل التي نطبقها على أي أسلوب أن تُبَدِّل في توجهاتها ووسائلها وفقا لمكانة هذا الأسلوب المذكور " ومع ذلك فإن أغلب الدراسات البلاغية قد بنت منطلقاتها في الدرس والتحليل على هذه النظرة السائدة التي لا تفرق بين النثر والشعر ولم تراع الفروق بين الخطابات , ولم تميز بين النظرية والتطبيق على مستوى الخطاب, فإنها لم تراع تبعا لذلك الخصائص المنهجية لمستويات هذا الخطاب, ولذلك ركزت الدراسات البلاغية القديمة على الخطاب القرآني والخطاب الشعري, وأهملت الحديث النبوي, بحجة أنه خطاب تعليمي, ولم تتطرق إليه إلا من زاوية القواعد البلاغية من بيان ومعان ومحسنات بديعية, دون النظر في تحليل هذه الظواهر البلاغية التي حفلت بها الأحاديث النبوية, والتي تؤسس لخصائص الخطاب البلاغي, وتضع له الإطار النظري المحدد للأصول البلاغية المبنية على الدرس والتحليل للظواهر والأساليب من خلال النصوص الحديثية.
    واللافت للنظر – أيضا – أن أسلوب التفضيل رغم كثرته في الحديث النبوي ، إلا أنه يتفاوت بحيث يكون لكل أسلوب عناصره الخاصة التي تميزه عن غيره وتجعله متجددا في الأحاديث المختلفة.
    ولذ فقد اجتهدنا_ بعون الله_ كل الجهد في تقصي دور اسم التفضيل في خطابه صلي الله عليه وسلم من خلال الأحاديث التي وردت في صحيح البخاري مقارنة لها بالأحاديث الواردة في الكتب الستة ،دراسة تبدأ من اللغة غير معزولة عن السياق ، يقول دوسوسير:"يجب أن يكون الانطلاق من اللغة ذاتها" وإن كان هذا يصلح مع النصوص التي درسها دوسوسير إلا أنه لايمكننا أن نطبق هذا المنهج الأسلوبي المعتمد على اللغة اعتمادا كليا على النص القرآني أو نص الحديث النبوي ، فهذا المبدأ الأسلوبي الذي لايختلف عليه أحد من الدارسين الأسلوبيين "لايقول شيئا مهما من الناحية العلمية " إذ لابد من دراسة السياق المحيط بالنص ، والسياق هو سبب النزول أو أقوال المفسرين أو بيان الراوي ...إلخ.
    - البحث في لغة الحديث النبوي وسبر أغوارها محاولة منا للوقوف على جمالياتها وخصائصها الأسلوبية ، فقد ذهب الدكتور حلمي مرزوق إلى أنه لا بد أن ينصب اهتمام الناقد الأدبي على لغة النص أولاً و أخيراً؛ لأنَّ النَّقد الأدبي – في مجمله فن لغوي، أو هو فن دراسة الأساليب وتمييزها، وعلى النَّاقد الأدبي الذى يريد الإحساس بالجمال أن يَتَتَّبعَ لغة النص؛ فلا تفسير لجماله إلا بالرجوع للنص نفسه «

    الصور المرفقة الصور المرفقة  

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •