مما جاءت به النبوات جميعا فَهِيَ مِنْ دِينِهَا المحكم : الأمر بالاستمساك بالوحي المنزل ، كما في قوله تعالى : (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، وهو ما يضاهي الاعتصام المأمور في مواضع أخرى من الوحي المنقول ، فـ : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) ، فكان الأمر بالاعتصام وهو طلب العصمة ، على حد ما اطرد صَرْفًا من زيادة المبنى افتعالا يدل على الطلب فَيَتَكَلَّفً المعتصِم معنى العصمة ، وهي ، وإن امتنعت في حق العموم فليس ثم معصوم إلا النبوات إذ تصدر عن وحي معصوم هو كلام الرب المعبود ، جل وعلا ، وهو ، بداهة ، العليم العلم المطلق المحيط الذي استغرق الكليات والجزئيات جميعا ، الكونية والشرعية ، فبكلماته الكونية النافذة يكون الخلق والرزق والتدبير ، وبكلماته الشرعية يكون الإخبار الصادق بالإثبات والنفي ، ويكون الإنشاء العادل بالأمر والنهي ، فذلك علم أول قد ثبت في الأزل فلا أول له فهو الأول المطلق وما سواه فَعَنْهُ يَصْدُرُ ، فَثَمَّ كلمات تكوين هي تأويل ما قد ثَبَتَ في الأزل من الكائنات ، من الأعيان ومن الأحوال التي تقوم بها قيام الوصف بالذات ، وبهذه الكلمات يكون الإيجاد فيخرج المعلوم المقدور من الغيب إلى الشهادة فَيَصِيرُ موجودا بالفعل في عالم الشهادة بعد أن كان معلوما بالقوة في عالم الغيب ، فاستغرق العلم : العلم الأول المحيط ، علم التقدير ، والعلم الثاني علم الإحصاء لِمَا أَتَى تأويله من المعلومات الأولى العدمية فصار لَهَا وجود في الشهادة ، فذلك وجود ثان بعد الوجود الأول في العلم الأزلي المحيط ، فهو ثابت ، من وجه ، بالنظر في أولية العلم الرباني ، فالذات القدسية لها كمال الوجود الأول الذي لم يتقدمه عدم ولا يلحقه فناء ولا يَتَخَلَّلُهُ نَقْصٌ أو آفة ، ولها مع ذلك من الوصف الكامل مَا يَقُومُ أزلا بهذه الذات القدسية ، ومنه العلم ، ومن العلم : العلم بالمقدورات وَلَمَّا يَأْتِ تأويلها بَعْدُ فهي معدومات في الخارج وإن كانت موجودات في علم الخالق ، جل وعلا ، مسطوراتٍ في لوح التقدير النافذ ، فَلَهَا وجود أول في العلم الأول ، ولها وجود ثان في لوح التقدير النافذ ، ولها وجود ثالث في الخارج إذ يأتي تأويلها كما قَدْ قَدَّرَ الخالق ، جل وعلا ، ولها وجود رابع في صُحُفِ الملَكِ الذي يحصي ، ولها وجود خامس في علم الإحصاء ، فهو علم الكائنات بعد أن كانت ، وكلها يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فمن ذلك وصفه ومن ذلك علمه فهو ، بداهة ، من يعلم الخير الذي يَنْفَعُ فَيَأْمُرُ بِهِ ، ويعلم الشر الذي يَضُرُّ فَيَنْهَى عنه ، على وجه يُوَاطِئُ قِيَاسَ الحكمةِ الصريح ، فكان الأمر بالاعتصام بحبله وهو مِنْ علمه الذي جاءت به النبوات إذ أخبرت بالصدق وحكمت بالعدل ، كان الاعتصام بهذا الحبل المتين عصمةً في الدين ، فكان الأمر والنهي المتلازمان ، وكان الأمر في موضع آخر بالاستمساك بالوحي ، فـ : (اسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فَثَمَّ زيادة في المبنى تدل على أخرى في المعنى ، فالاستمساك آكد في تَقْرِيرِ المعنى مِنَ المسك والإمساك ، فَالتَّمَسُّكُ وَالْاسْتِمْسَاكُ لا يَخْلُوَانِ مِنْ زِيَادَةٍ في الطلب ، فكان من الخبر الذي يمدح من تَمَسَّكَ من بني إسرائيل والعبرة بعموم لفظه لا بخصوص سَبَبِهِ الذي عليه ورد ، فـ : (الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) ، فجاء ذكرهم مُقَابَلَةً اسْتَوْفَتْ شطرين ، فَثَمَّ أول تَقَدَّمَ وهو ما يذم من الْخَلْفِ ، فـ : (خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، فَثَمَّ خَلْفٌ يُذَمُّ إن بأصل الوضع الأول ، فالخلْف ، بتسكين اللام ، مئنة من الذم ، خلافا لمادة الخلَف ، بفتح اللام ، فهي مئنة من المدح ، فَثَمَّ اشْتِرَاكٌ بِالنَّظَرِ في مادة اللفظ المكتوبة دون اعتبار نظيرتها المنطوقة ، فالمادة المكتوبة واحدة وَمَعْنَاهَا يَتَغَايَرُ بل ويجري مجرى الأضداد ، فهي مئنة من معنى يُذَمُّ وآخر يُمْدَحُ فهما ضدان ، فَثَمَّ إِجْمَالٌ يَفْتَقِرُ إلى دليل يُبِينُ فَيَحْسِمُ مادة الاختلاف بَيْنَ النُّظَّارِ ، فكانت قَرِينَةُ النُّطْقِ دَلِيلَ الفصلِ ، فحركة السكون والفتح قد غَايَرَتَا في المعنى بل وَأَجْرَيَتَاهُ على ضدٍّ في الدلالة ، فالخلْف المذموم قد ورث الكتاب فهو يأخذ عرض هذا الأدنى ، فَثَمَّ ذَمٌّ أَوَّل اسْتُفِيدَ من مادة النطق ، مادة "خلْف" ، وثم آخر حصل بالقيد ، قيد الوصف : (وَرِثُوا الْكِتَابَ) ، فَوِرَاثَةُ الكتابِ بالنظر في إِطْلَاقِهَا مظنة العلم ، إذ الكتاب ديوان العلم المجموع في الحروف والسطور ، وهي ، مع ذلك ، تحتمل الذم إن تحمل الناظر المباني دون المعاني ، فهو يحفظ ولا يفقه ، وإن فَقِهَ فهو لا يعمل ، فآية الفقه النافع أن يُقْرَنَ العلمُ النافع بالعمل الصالح فهو آية التصديق ، فالعمل دليل الصدق على دعوى العلم ، وإلا كان حجة على المتعلم فَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ العالم الرباني الذي يَعْلَمُ فَيَعْمَلُ ، فَيُصَدِّقُ العلمَ في نفسه ، ثم يجاوزه به إلى غيره فهو صالح مُصْلِحٌ ، وذلك ما يَقُضُّ مضجع الفساد الذي يجاوز ، أيضا ، الذات إلى غَيْرِهَا ، فهو مفسِد لا يُطِيقُ ، بداهةً ، المصلحَ ، فَقَدْ يَرْضَى بجوار الصالح مع كونه لازما لا يَتَعَدَّى إلى غيره ، فيكون ثم آحاد من الصالحين وليس ثم أحد من المصلحين ، فلم تضج قريش بورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وأقرانهما فكان لهم من الصلاح حَظٌّ يَعْظُمُ ، ولكنهم لم يطيقوا أعباء الإصلاح فلم يكن ثم منهاج إصلاح عام ، فذلك أمر يجاوز أفرادا قلائل لا سلطان لهم في الناس ، وإن كان ثم توقير فلا يجزئ في نشر دعوة ، فلا يمنع الصالح ، فالمنعة شرط رئيس أن ينهض الصالح بأعباء الإصلاح فَيَنْقَلِبَ مصلِحا يَتَعَدَّى أثره فلا يَلْزَمُ ، فإن لم تكن ثم منعة فلا يُجْزِئُ الكتاب الهادي إلا في إقامة الحجة وهداية النفس جادةَ الصدق والعدل ، فصاحبها يَتَأَوَّلُ ، ولو من وجه ، قول الله جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ، وإن استدرك الصديق ، رضي الله عنه ، فاستدراكه يصح فهو يبين عما يخطئ فيه الناظر من تأويلٍ عن الحق مائل إذ يَرَى النجاة في الاعتزال عزيمةً ، وليس إلا رخصة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، فهي الضرورة التي تُلْجِئُ إن لم يكن ثم فسحة للحق أن يظهر ، فيكون الإفساد هو العنوان ، فالإصلاح يغيب إذ لا يَتَّسِعُ الغمد لسيفين ، ولا يحتمل المحل متناقضين ، فالإصلاح والإفساد نَقِيضَانِ ، خلاف الإصلاح والفساد ، فالفساد اللازم فلا يجاوز ذات الفاسد قد يحصل مع عنوان الإصلاح الحاكم ، فلا يخلو زمان من فاسد ، وَإِنِ الجيلَ الأول الفاضل فكان النفاق حاصلا وهو من أشد الأجناس فسادا بل ورام الإفساد بما يبث من الأراجيف ، ولكن الإصلاح كان أظهر فحسم مادة الإفساد بما جاء به الوحي من آي الإصلاح : إصلاح العقد بالخبر الصادق ، خبر التوحيد وخبر النبوات وخبر الغيب من الدور والأشراط ، على القسمة المشهورة في كلام النظار : الإلهيات والنبوات والسمعيات ، والفاتحة ، لو تدبر الناظر ، قد استجمعتها ، فكان من الإطناب في الإلهيات اسما ووصفا ، وكان من النبوات صراط وسبل ، فثم صراط النبوة الخاتمة فهو ما استقام ، فكان التنويه به في آي الأعراف : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) ، فثم إشارة إلى قريب فهو سهل المأخذ قريب التَّنَاوُلِ يَسِيرُ الذِّكْرِ وتلك مِنَّةُ الرَّبِّ الرحمن الرحيم الذي يَرُبُّ الجنان بآي الشرع وَيَرُبُّ الأبدان بآي الكون ، فكان من الإشارة ما به يعظم النصح لعامة الخلق ، فهذا الصراط المحكم الذي يقرب فلا يبعد ، ويظهر فلا يخفى ، ويسهل فلا يعسر ، فقد جاء بالحنيفية السمحة ، فهي وسط بَيْنَ جلال الموسوية وجمال العيسوية ، فكانت الإشارة إلى الصراط ، ولا يخلو السياق من توكيد بالقصر ، فثم تعريف الجزأين "هذا" و "صراطي" ، ولا يخلو الخبر من تعظيم فقد أضيف الصراط إلى الضمير ، ضمير المتكلِّم وهو الرب المهيمن ، جل وعلا ، فذلك ، من وجه ، مئنة من التعظيم ، وهو ، من آخر يحكي الوصف إذ الصراط هو الوحي ، والوحي من الكلام ، والكلام من العلم ، والعلم من الوصف الذي يقوم بذات الموصوف وهو الرب المعبود ، جل وعلا ، فكان من الإضافة ما احتمل الوجهين : الوصف ، والتعظيم إذ الإضافة إلى معظَّم مِمَّا بِهِ المعنى يَثْبُتُ وَيَرْسَخُ ، ولا تخلو الإضافة ، من وجه آخر ، من العموم المستغرق ، فذلك صراط العلم والعمل ، الخبر والإنشاء ، الصدق والعدل ، الذي عم بمادته الشريفة الخاص والعام من الطريقة ، فاستغرق العقد العلمي والحكم الشرعي والفعل السياسي والقتالي والتجاري ، والمسلك الأخلاقي والرياضي ، فَاسْتَغْرَقَ بمادته كُلَّ جادَّةٍ صالحة تُصْلِحُ إِنْ فِي خاصة الشأن أو عامة الحكم ، فهو صراط نبوة خاتمة لا نبوة بعدها فاقتضت الحكمة والرحمة أن تأتي بما يجزئ فلا يحتاج الخلق بَعْدَهَا وَحْيًا ، فَثَمَّ من العلماء الذين ورثوا كتابها وَفَقِهُوا بَيَانَهَا مَنْ بِهِمْ تُقَامُ الحجة وتستبين المحجة ، فَيَكُونُ مِنَ النَّظَرِ والاجتهادِ الناصح ما يَسْتَغْرِقُ كُلَّ نَازِلَةٍ تَجِدُّ إِنْ فِي الشرعِ أو في السياسة أو في الحرب فلا يكاد الناظر الناصح الطالبُ للحق المحكَم المعظِّم للوحي المنزَل المصدق بآيه حقيقة لا دعوى ، لا يكاد يَعْدَمُ الدليلَ في أي نازلة تَطْرَأُ ، خَصَّتْ أو عَمَّتْ ، فهو يدل عليها إن بحكم جزئي أو آخر كلي ، إن بالنص أو بالاجتهاد الذي يجاوز القياس المتبادر فهو يستغرق كل نظر صحيح في المقاصد أو المصالح الْمُعْتَبَرَةِ أو العرف أو الذريعة الغالبة فلا اعتبار بِنَادِرٍ لاحكم له ...... إلخ من وجوه النظر المحكم ، فذلك صراط قد عَمَّ بِمَبَانِيهِ المنقولة وَمَعَانِيهِ المعقولة ، فاستفيد العموم من الإضافة إلى الضمير في "صِرَاطِي" ، واستفيد التعريف بذلك ، وهو مئنة من العهد ، فالنكرة مئنة من الشيوع فلا يُعَيِّنُ الناظر مِنْهَا فَرْدًا ، فكان في التعريفِ البيانُ وَالتَّبْيِينُ إذ كان التَّعْيِينُ لِوَاحِدٍ فهو صراط الحق النَّازِلِ ، فهو واحد لا يَتَعَدَّدُ ، فذلك المرجع المحكم من أعلى إذ تجرد من الأهواء والحظوظ فهو يحكم بين العقول والنفوس في الأرض حكومةَ العدل إذ تجرد من العوارض والطوارئ والآفات ، فجاء بالكلمات الصادقات العادلات التي بها عمران المحال جميعا ، بمادة العلم النافع فذلك خبر الوحي الصادق ، ومادة العمل الصالح فذلك حكم الوحي العادل ، فَصِدْقٌ وَعَدْلٌ وبهما استقامة الواحد والجمع على الصراط المحكم ، فهو المستقيم ، فكان تقييده بالوصف في آي الفاتحة في دعاء المسألة لأعظم سؤل ، سؤل الهداية الذي أُطْلِقَ عامله "اهدنا" في قوله تعالى : (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ، فاستغرق جميع الأجناس ، الهداية العلمية الباطنة ونظيرتها العملية الظاهرة ، هداية النظر والحكم ، الحفظ والفقه ، وثم إسناد إلى الجمع فذلك آكد في السؤل فهو مطلوب العموم ، عموم الداعين ، فسؤلهم الصراطُ المستقيم ، وَثَمَّ بيان للجنس قد دلت عليه "أل" في "الصراط" ، وثم عموم قد استغرق صراط العلم والعمل ، الحفظ والفقه ، فصاحبه ، كما تقدم ، قد أحاط بالمبنى نُطْقًا والمعنى فِقْهًا وَأَرْدَفَ ذلك بالعمل المصدِّق ، فلم يكن كمن حمل التوراة فلم يحمل ، فـ : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) ، فذلك تشبيه تمثيل قد انْتُزِعَ من صورة مُتَرَاكِبَةٍ ، فليس وجهه مفردا ، فضرب لهم المثل بحمار يحمل أسفارا ، ودلالة "أل" في "الحمار" دلالة جنس يعم فهي إلى النكرة أقرب ، لا جرم أنزلها من أنزلها من المحققين منزلة النكرة فكان ما بعدها من الجملة : (يَحْمِلُ أَسْفَارًا) ، كان قَيْدًا بالوصف لا بالحال ، فهي معرفة في المبنى نكرة في المعنى فلم يُخَصَّ حِمَارٌ بِعَيْنِهِ بالذكر ! ، بل يصدق ذلك في أي واحد من آحاد الجنس ، فلا دلالة عهد تخص ، فكان التشبيه بالحمار وهو مئنة من البلادة ، فيحمل العلم أسفارا ولا يفقه منه شيئا فكذلك من تحمل المبنى دون المعنى فهو كمن لم يتحمل ابتداء ، بل الجاهل أحسن منه حالا ، فالعالم الذي لا يعمل أقبح في الحال والمآل من الجاهل ، فَيَتَوَجَّهُ العذر للثاني في مواضع مع ذمه بما قَصَّرَ في طلب العلم النافع ، يَتَوَجَّهُ إليه ما لا يَتَوَجَّهُ للعالم الذي علم الحق فحاد عنه لهوى أو حظ ، لا جرم كان سؤل الصراط سؤل العموم فلا يقتصر على العلم دون العمل فهو يجاوز حد العرفان المجرد فثم صراط العلم المحقَّق وصراط العمل المصدِّق ، وتلك ، كما تقدم مرارا ، قسمة الدين الجامعة فهو العلم والعمل ، فذلك سؤال الإيمان الواجب فَثَمَّ صراط الاعتقاد توحيدا ، وصراط القول شهادة ، وصراط العمل امتثالا ، على وجه قد اسْتَغْرَقَ جميع المحال والأحوال ، ما خص وما عم من الشرائع والأحكام ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، دلالة بيان لجنس المدخول في "أل" فهو يبين عن ماهية الصراط ، وثم أخرى تستغرق فالصراط وإن كان واحدا في الجنس فهو على أنحاء في النوع فمنه صراط العلم وصراط العمل ، وصراط العلم منه صراط الإثبات وصراط النفي ، وصراط العمل منه صراط الفعل وصراط التَّرْكِ ، صراط الواجبِ وصراط النَّدْبِ ..... إلخ ، وذلك ما يُرَشِّحُ دلالة ثالثة وهي دلالة العهد الخاص فذلك صراط النبوة الخاتمة التي استجمعت ما تَقَدَّمَ من شرائع الجلال عزيمة وشرائع الجمال رخصة ولم تسلك ما سلك الأولون من المغضوب عليهم إذ عَلِمُوا ولم يَعْمَلُوا ، ومن الضالين إذ قَدَّمُوا العمل على العلم ، فَحَكَمُوا قَبْلَ التصور فكان من الخطإ ما يَعْظُمُ إذ خالفوا عن قياس العقل المحكم الذي يَقْضِي بتقديم ما حقه التقديم فإن العلم كالعلة فهي تَتَقَدَّمُ المعلول ، بداهة ، فلا يكون إلا أَنْ تُوجَدَ قَبْلَهُ ، فخالف مَنْ خالف فَقَدَّمَ المعلول قبل الشروع في علته طَلَبًا للعلم الناصح بدليله الناصع الذي جاء به الوحي النازل فَعَدَلُوا عنه إلى متشابهات الهوى والذوق وإن صح القصد ، فكان الغلو وكانت الرهبانية وبعدها كان الميل والركون إلى الحظوظ الدنيوية بما سلك الرهبان من جادة الفجور والعصيان إذ تَنَطَّعُوا ابتداءً فَهَلَكُوا انتهاءً وتكالبوا على الشهوات والحظوظ فَصَارُوا مضرِب المثل في الفجور ، وآية الصد عن صراط الحق إذ أسندوا ما يُقَارِفُوَن إلى الدين المنزَّل ، وليس ذلك مما يصدق ، فَدِينُهُمْ هُوَ الدين المبدَّل أو المؤوَّل الذي حَمَلَهُ مَنْ حَمَلَهُ من الكهَّان على ما يَهْوَى أو يَجِدُ ، فَخَالَفَ عن قياس العقل المحكم فضلا عن نص الوحي المنزل ، إذ قَدَّمَ مُتَشَابِهَ هواه وذوقه على محكم الوحي خَبَرًا وَحُكْمًا فلم يَرْضَ المرجع المجاوز من خارج الأرض فهو وحي السماء النَّازِلُ بالحكم فيما اختلف فيه النظار ، فلا يحسم مادة التَّنَازُعِ بَيْنَهُمْ إلا كتاب من أعلى ، إذ تجرد من الأهواء والحظوظ ، وسلم من الآفات والعيوب فهو المعصوم الذي يعتصم به المسدد فهو به يمسك ، كما في وصف قَبِيلٍ آخر من بني إسرائيل فهم الذين : (يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) ، فمنهم من غضب الله ، جل وعلا ، عليهم ، ومنهم من ضل ، ومنهم من رضي عنه فَهَدَى أن يسلكَ جادة الوحي فَيُمَسِّكَ بها ، فذلك ، أيضا ، صراط مستقيم به اعتصم الأولون حتى جاء الصراط الناسخ ، صراط الحق الخاتم ، فلا تخلو "أل" فيه من وجه ثالث ، فَثَمَّ عهد خاص فهو صراط التنزيل الخاتم ، وذلك ما استغرق الخبر والإنشاء جميعا ، فهو الصراط الذي قُيِّدَ في هذا السياق الجامع ، سياق الفاتحة ، قُيِّدَ بالوصف : "المستقيم" ، فهو ، لو تدبر الناظر ، ما جاوز فلم يَلْزَمْ فهو مستقيم في نفسه إذ جاء بمادة صدق وعدل محررة ، وهو مُقِيمٌ لغيره فهو يُقَوِّمُ ما اعْوَجَّ من طريقته إن في العلم أو في العمل ، فجاءت النبوات ، كما يقول بعض المحققين ، بما يكمل الفطرة ، فطرة التوحيد الأولى ، فجاءت بما يؤكد تارة ، وَيُبِينُ أخرى فلا تخلو من إجمال في الجنان فهو يَفْتَقِرُ إلى البيان إن في الأخبار أو في الأحكام ، وجاءت ثالثة بما يُقَوِّمُ ما اعوج من فطرة التوحيد المحكم بما طرأ من مادة التشريك المحدثة ، ولا تخلو "أل" ، في الوصف أيضا ، لا تخلو من دلالة عموم قد استغرق وجوه المعنى فهي المستقيمة في ذاتها المقوِّمَةُ لغيرها في العلم والعمل وسائر الأحوال الاختيارية التي تُنَاطُ بها الأحكام التكليفية ، ولا تخلو مع ذلك الكمال المستغرق من دلالة عهد خاص فليست الاستقامةُ الكاملةُ إلا في اتِّبَاعِ الشرعة النازلة فكان سؤال الهداية ، وذلك ما نَوَّهَ به الوحي في موضع آخر تَنْوِيهَ القيد بالحال "مُسْتَقِيمًا" في قوله تعالى : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) ، وبعده كان العطف بالفاء في "فَاتَّبِعُوُه" ، فلا تخلو من معنى السببية ، فَمَا قَبْلَهَا عِلَّةُ ما بعدها فإذ نَزَلَ الوحي صراطا مستقيما يهدي ، فذلك سبب يُعْقَلُ أن يُسْمَعَ وَيُطَاعَ ، فَيُصَدَّقَ وَيُمْتَثَلَ ، فذلك الاتباع التام ، فإطلاق العامل فيه لا يخلو من دلالة العموم المستغرق لوجوه المعنى ، معنى الاتباع فهو ما يستغرق ، أيضا ، سائر المحال والأحوال ، ما خَصَّ وما عَمَّ ، ما بطن من التَّصَوُّرِ وما ظَهَرَ من الحكمِ ، ولا تخلو الفاء في "فَاتَّبِعُوهُ" ، لا تخلو ، مع ذلك ، من دلالة الفور والتعقيب فذلك واجب الوقت الذي لا يجوز تأخيره ، وثم عموم يستغرق كل مكلف فتلك دلالة الإسناد في الضمير المجموع ، واو الجمع في "فَاتَّبِعُوهُ" ، فَأُسْنِدَ إليه فعل الاتباع في العلم والعمل ، فَصَدِّقُوا خَبَرَهُ وَامْتَثِلُوا حكمه ، وبعده كان النهي عن الضد الدائر فلا تَتَّبِعُوا السبل وهي كثيرة ، فدلالة "أل" في "السُّبُلَ" دلالة عموم يستغرق ، فهي ، أيضا ، مما عَمَّ كل محدثة في الدين إن في العلم أو في العمل ، على تَفَاوُتٍ بَيْنَهَا في الضرر فَمِنْهَا ما يَقْدَحُ في أصل الدين الجامع ، ومنها ما هو دون ذلك فهو يقدح في كماله الواجب ، فَثَمَّ ، من هذا الوجه ، طباق سلب بين الأمر والنهي بالنظر في أَلْفَاظِهِمَا "اتَّبِعُوهُ" و "لَا تَتَّبِعُوا" ، وبعده كانت فاء ثالثة فَهِيَ نَصٌّ فِي السببية ، إذ جاءت بعد نهي ، ولا تخلو من التعقيب والفور في قوله تعالى : (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) ، فاتباعها يُفَرِّقُ فيحيد بالسالك عن جادة الحق الناصح ، فلا يسلم المكلف من ذلك إلا أن يَعْتَصِمَ بحبل الشريعة ويستمسك بالوحي ، فهو ، كما تقدم ، مما زيد في حَدِّهِ فكانت الزِّيَادَةُ في مَعْنَاهُ الجامع ، فَوَرَدَ تارة على حد الخبر الذي يحكي حال من تقدم ، وحكايته في شرعنا الخاتم شرع لنا يلزم على تفصيل في ذلك ، فلا يخلو الباب من خلاف ، وإن هَانَ في الأصول الجامعات كاتباع الوحي والإيمان بالنبوات والكتب ، كما في آي الأعراف : (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) ، فثم موصول يعم ، ولا يخلو من إجمال يفتقر إلى البيان ، ولا يخلو من دلالة تعليل إذ أنيط الحكم المسنَد ، وهو عدم إضاعة أجر المحسنين في قوله تعالى : (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) ، أُنِيطَ بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة ، وهو التَّمْسِيكُ بالكتاب وإقامةُ الصلاة ، وهي ، أي علة التَّمْسِيكِ ، ما زِيدَ في حدها تَضْعِيفًا ، فالممسِّك أشد حرصا من الماسك فهو يزيد عليه في المعنى فرعا عن زيادة أُولَى في المبنى ، وثم عموم قد دلت عليه "أل" في "الكتاب"فهو يمسك بجميع نصوصه أخبارا وأحكاما ، ولا يخلو من دلالة العهد الخاص بالنظر في سياق الآي فذلك كتاب التوراة ، فَثَمَّ مقابلة بَيْنَ طرفين ، طرفٌ يُذَمُّ وهو مَنْ تَقَدَّمَ ذكره ، فهو الخلْف المذموم الذي تفرقت به السبل بما بَدَّلَ وَتَأَوَّلَ على وجه لا يخلو من التعارض والتناقض المبين إذ اختلفت الأهواء والأذواق في التبديل والتحريف ، فكان من وِرَاثَتِهُمُ الكتابَ ما حُكِيَ حكاية الماضي ، ودلالة "أل" في "الكتاب" لا تخلو ، أيضا ، من دلالة العهد الخاص كما في الشطر التالي : (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) ، فَهِيَ دلالة العهد الخاص مئنةً من الكتاب الذي نَزَلَ على بني إسرائيل فهو كتاب التوارة الجليل ، ولو تدبر الناظر في عموم المعنى لجاوز بالدلالة العهدَ الخاص التوراة فَثَمَّ دلالة أوسع فَهِيَ تَسْتَغْرِقُ كُلَّ كتابٍ مُنَزَّلٍ ، فَيُذَمُّ من ورثه لفظا بلا معنى ، حفظا بلا فقه ، فيدخل فيه كتاب الإنجيل الجميل وكتاب الوحي الخاتم فهو كتاب الكمال المطلق الذي جمع الجلال والجمال معا ، فهو كتاب العزائم والرخص على حد الحكمة إذ يضع كُلًّا في موضعه ، فالعبرة ، كما تَقَدَّمَ مِرَارًا ، بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي ورد عليه ، فذلك معنى جامع يدخل في حَدِّهِ كل من استبدل الذي هو أدنى من عرض الدنيا بما هو خير من نص الكتاب الذي به تصلح الحال والمآل جميعا ، فكان الوصف في قوله تعالى : (وَرِثُوا الْكِتَابَ) وهو ما قَيَّدَ النكرة "خَلْفٌ" فَسَاغَتِ الحال منها في قوله تعالى : (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى) ، فَحُدَّتْ حَدَّ المضارعة استحضار لهذه الصورة المذمومة وذلك آكد في النكاية تسجيلا للجناية ، وَالتَّنْفِيرِ منها ، ولا تخلو الإشارة في قوله تعالى : (هَذَا الْأَدْنَى) ، لا تخلو من تحقير فضلا عن دلالة التفضيل في "الأدنى" ، فهو مئنة من دُنُوٍّ بعد آخر ، وثم غرور عَجَّلَ أصحابه بالقول فَعَطَفُوا مقالهم الكاذب على فِعْلِهُمُ الباطل ، فـ : (يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) ، فكان من السين في "سَيُغْفَرُ" ما دل على القرب اغْتِرَارًا بحلم الله ، جل وعلا ، وصبره ، فَلَيْسَ من إحسان الظن في شيء إذ لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل ، فاستدرك الوحي باستفهام تَقْرِيرٍ في مقام التبكيت إقامة للحجة : (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) ، فكان من الميثاق أَنْ : (لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) ، فَثَمَّ قصر بأقوى الأساليب النفي والاستثناء في قوله تعالى : (لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) ، وذلك آكد في تقرير الجناية إذ خالفوا عن الميثاق المأخوذ ، وكان من الإطناب ما يَنْفِي العذر بالجهل ، فقد : (دَرَسُوا مَا فِيهِ) ، فالحجة في حقهم قد قامت فلا عذر لهم إذ حادوا عن جادته وسلكوا سبل الباطل هوى وذوقا ، وبعده كان التعريض بهم إذ يحكي الوحي حال أضدادهم ، فـ : (الدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) ، فهم ، في المقابل ، لا يتقون ، فلا حظ لهم في هذه الدار وهي خير ، ولا تخلو أفعل التفضيل "خير" ، من هذا الوجه ، أن تكون مما قد نُزِعَتْ دلالته فلا خير فيما آلت إليه حال الأولين من الركون إلى عرض هذا الأدنى ، وبعده كان الاستفهام إذ ينكر ويوبخ في قوله تعالى : (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، على تقدير محذوف ، من وجه ، يزيد في الذم والنكاية ، على تقدير : أَجَهِلْتُمْ وَفَسَدَ تصوركم فقدمتم ما حقه التأخير من عرض هذا الأدنى ، فَرَكَنْتُمْ إلى الدنيا فلا تعقلون إذ خالفتم عن قياس العقل الصريح الذي يَقْضِي بتقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير ، فكان الاستفهام المنكر الموبخ لهذا القبيل : (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) .

وبعده كانت المقابلة بشطر ثان به اكتملت القسمة العقلية ، فَثَمَّ من ضل عن الجادة ، وثم من سلكها فهم : (الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) ، فثم موصول قد أجمل ، ولا يخلو من دلالة التعليل لِماَ قَدْ أُسْنِدَ من الحكم : (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) ، فَعِلَّتُهُ أن يُمَسِّكَ المكلف بالكتاب ، ولا تخلو الدلالة في "أل" أن تكون ، أيضا ، مئنة من العهد الخاص بالنظر في السياق ، وأخرى تعم فالعبرة ، كما تقدم مرارا ، بعموم المعنى لا بخصوص السبب ، فكان من العلة ما تَرَاكَبَ من العلم فهو التمسك بالكتاب ، والعمل وهو إقامة الصلاة ، فذكرها ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام فهي مثال على عموم الجنس الذي تدخل في حده الجامع ، جنس العمل ، فشفعوا الدعوى بالبينة ، وذلك مما به يِسْتَأْنِسُ من حد الإيمان أنه القولُ والفعلُ ، العلمُ والعملُ ، فكان من صلاتهم ما يصدِّق تمسكهم بالكتاب ، فَتِلْكَ العلة التي أنيط بها الحكم وهو الوعد الصادق : (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) ، وهو ما قد حَسُنَ معه الإسناد إلى ضمير الجمع المتكلم فهو وعد عظيم من رب عظيم ، فلا يضيع أجر مَنْ أحسن ، وهو من ورث الكتاب وِرَاثَةً تَنْفَعُ ، فلم تكن وِرَاثَتُهُ كالقبيل المذموم من يهود ، إذ ورثوا المباني دون المعاني فلم يكن ثم قصد ناصح قد تجرد من الهوى والحظ ، فليسوا ممن يدخل في عموم الموصول في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) ، فذلك الخبر الذي يمدح من تَمَسَّكَ ، وثم الإنشاء في موضع آخر أَنِ : (اسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ) ، فَثَمَّ زيادة أخرى في المبنى تدل على أخرى في المعنى فذلك آكد في التكليف وهو ما قد عَمَّ كل ما أوحى به الله ، جل وعلا ، فهو الموحي فَحُذِفَ الفاعل للعلم به ، بداهة ، وأطلق العامل "أُوحِيَ" فاستغرق كلَّ ما أوحى به الرب ، جل وعلا ، من الكتاب أو السنة ، من الأخبار أو الأحكام ما خَصَّ منها وَمَا عَمَّ ...... إلخ ، ومن ثم كان الاستئناف على حد التعليل ، فَثَمَّ سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة الأمر بالاستمساك صدرَ الآية ، فكان الجواب : (إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فَثَمَّ دلالة تعليل تَزِيدُ ، فالناسخ ابتداء مئنة من التَّوْكِيدِ ، وهو ما يستصحب في هذا الموضع ، فالناسخ فيه يُؤَكِّدُ وَيُعَلِّلُ ، وثم صراط مستقيم قد نُكِّرَ مئنةً من الإطلاق فلا يخلو من إجمال قد أبان عنه الوحي في مواضع ، كما تقدم من آي الفاتحة سؤالا أَنِ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) ، وآي الأنعام بيانا وإرشادا : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .

والله أعلى وأعلم .