اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: قياس اللسان وقياس الأحكام

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-11-2020
    الساعة:09:02 AM

    المشاركات
    4,962
    العمر
    42

    قياس اللسان وقياس الأحكام

    مما تَقَرَّرَ في باب الدلالات الشرعية أن التقوى والإيمان ...... إلخ من الأسماء الدينية في باب المدح أن منها اسما دينيا يجزئ في حصول مطلق المعنى ، كمعنى التقوى آنف الذكر ، فمنها تقوى بها تجريد التوحيد الأول ، ومنها تقوى يقارب بها العبد وَيُسَدِّدً وهي التقوى الواجبة ، ومنها تقوى المقربين في القول والفعل فذلك الورع الذي يَتَّقِي به المقرب ما لا يَتَّقِي غيره فهو المتقي الأكمل الذي بَرِئَ من الشبهات وإن مباحة في الأصل فجعل بِتَرْكِ بعضها وقاء من المكروه كما المكروه يجانب فهو وقاء ممابعده من المحرم فذلك الحمى الذي يوشك من باشر المشتبهات أن يقع فيه .
    فمن الأسماء الدينية ما يجزئ في حصول الأصل آنف الذكر ، وهو مطلق الحقيقة في الخارج وبها يثبت أدنى ما يصح في ثبوت عنوان نافع يجزئ .

    ومنها آخر يجزئ في حصول القدر الواجب ، فهو المجموع الذي يَأْتَلِفُ من المطلق الأول وما زَادَ عليه من خصال الدين الواجبة فَبِهَا استكمال الدين الواجب ، فالدين اسم يَثْبُتُ أوله بأدنى ما تصدق فيه حقيقة دينية نافعة في الخروج من عهدة ضده من الاسم المذموم الجالب للذم كالكفر والفسق ...... إلخ ، وبعده يستكمل صاحبه الخصال الواجبة التي تخرجه من عهدة ضده ومن عهدة الإثم المؤقت فقد تحصل البراءة من الإثم المؤبد بحصول اسم ديني يجزئ في حصول المطلق الأول ، أول واجب على المكلف ، ولا تحصل البراءة من الإثم المؤقت إذ لم يستكمل صاحبه ما بعد الواجب التوحيدي الأول من الواجب التشريعي الثاني ، فالتشريع يستكمل التوحيد ، إذ العمل يُصَدِّقُ العلم ، فيكون من خصال الدين ما يجاوز حد الاعتقاد المجرد ، فَثَمَّ خصال تَزِيدُ منها ما بطن من أعمال الجنان ، ومنها ما ظهر من أقوال اللسان وأعمال الأركان ، فهي مقتضى التكليف بالتشريع ، فلا يزال المكلف يتأول منها إثباتا ونفيا ، أمرا ونهيا ، حتى يبلغ حد الواجب المجزئ في حصول البراءة من الوعيد كله ، المؤبد والمؤقت ، فأول إيمانه بَرَاءَةٌ من الوعيد المؤبد ، وآخره بَرَاءَةٌ من الوعيد المؤقت .

    وثم ما يزيد من الوصف المستحب فهو ما زاد على الواجب ، فمبدأ الحقيقة الدينية : مطلق أول ، ثم حقيقة مطلقة قد بلغت الحد الواجب ، ثم أخرى تَزِيدُ فهي مستحبة ، وبها كمال ثان : الكمال المستحب فهو تال للكمال الواجب ، فكان من التقوى جنس عام قد استغرق ما تَقَدَّمَ من الخصال الدينية الباطنة والظاهرة ، فدلالة "أل" في "المتقون" في قوله تعالى : (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ، دلالةٌ بَيَانِيَّةٌ لجنس المدخول من وجه ، فتصدق في أدنى قدر من الحقيقة ، حقيقة التقوى التي يجردها الذهن ، فهي جنس عام يصدق في وجوه منها المحسوس ومنها المعقول ، فالوقاء منه وقاء محسوس كالغطاء والغلاف والرداء ...... إلخ ، ومنه آخر معقول كوقاء الإنسان عرضه أَنْ يُنَالَ بِذَمٍّ فهو يُبَاعِدُ من الأسباب الجالبة له ، فلا ينطق بالفحش ولا يقارف القبح ، وهو ، مع ذلك ، يَبْذُلُ من الفضل الزائد من مال أو جاه ما به يَتَّقِي في الأولى ذمَّ الخلق ، وفي الآخرة ذمَّ الخالق ، جل وعلا ـ وهو الأولى بالتقوى ، بل هو الأصل للأول ، فهو علامة الصدق والنصح في القول والفعل فيسلم صاحبه من الرياء والتصنع ، فمن جمع الاثنين : وقاء الأولى ووقاء الآخرة فقد جمع الحسنيين وحصل له من الذكر الطيب ما به يسعد في الحال وينجو في المآل وذلك فضل الله ، جل وعلا ، يؤتيه من يشاء .
    وكوقاء الإنسان نفسه من الوعيد بالعذاب المؤلم ، فهو يُبَاعِدُ عن أسبابه من الآثام الجالبة للوعيد جلب السببَ للمسبَّبِ .
    فَيَجْرِي المعنى ، معنى التقوى آنف الذكر ، يجري مجرى الجنس العام المطلق الذي يَنْقَسِمُ في الخارج ، فمنه المحسوس ومنه المعقول ، وذلك محل نِزَاعٍ مشهور قد تقدم بَيَانُه مرارا ، فهو شاهد يستأنس به من يجوز المجاز في الوحي واللسان ، إذ يجري الباب مجرى الاستعارة : استعارةِ الحقيقة المحسوسة من وقاء الظاهر لِبَيَانِ أخرى معقولة من وقاءِ الباطن ، ومن ينكر المجاز فإنه يثبت حقيقة أولى مجردة ، حقيقة الوقاء المطلق ، فلا تصرف ابتداء لا إلى محسوس ولا إلى معقول ، فإن ذلك من الدعوى التي تفتقر إلى دليل ، فَمَنْ شَهِدَ الوضع الأول لمادة التقوى ليجزم أنها قد وضعت ابتداء لمحسوس ثم نقلت عن الأصل إلى فرع وهو المعقول في الذهن ؟! ، أو أنها قد وضعت ابتداء لمعقول ثم نقلت عن الأصل إلى فرع وهو المحسوس في الخارج ، فضلا عن خلاف آخر قد اشتهر في أصل اللسان ، أَثَبَتَ اللسان وضعا أول أم إلهاما ..... إلخ ؟! .
    فالسلامة في هذا الباب الاقتصار على المعنى المجرد في الذهن ، وهو مطلق المعنى ، معنى الوقاء المطلَق من أيِّ قَيْدٍ ، وما زاد فهو مدلول القرينة ، قرينة السياق أو الحال ، على وجه به يَسْتَبِينُ المعنى استبانةَ الظاهر المتبادر ، فهو مجموع مركب من أصل الدلالة المطلق وما زاد من القرينة المحتفة ، إن من السياق أو من الحال ، فذلك ظاهر يتبادر من أي كلام ، فلا ينفك عن قَرِينَةٍ تُقَيِّدُ المطلقات الذهنية على وجه به تَسْتَبِينُ المرادات المعنوية التي يقصدها المتكلم فَثَمَّ معنى قام بِبَاطِنِهِ يَرُومُ الإفصاح عنه والبيان ، وثم من قَرَائِنِ الكلام إن سِيَاقًا أول هو القدر المجزئ في حصول بَيَانٍ مفهِم ، وبعده وجه ثان ألطف ، وهو ما احتف باللفظ من قَرَائِنِ السياق أو الحال ، فكان من القيد ما صرف اللفظ ، بادي الرأي ، إلى معنى دون آخر ، فذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، هو الظاهر المركب ، فذلك المجموع المركَّب من لفظ مطلَق وسياق مقيِّد ، إن مذكورا أو مُقَدَّرًا ، فالحالُ ، حالُ المتكلم ولو لَحْظَ عينٍ أو حركة يَدٍ أو جسد ، الحالُ، من هذا الوجه ، سياق وإن لم تَنْطِقْ فهي مما يُدْرَكُ وَيُعْقَلُ ، فَثَمَّ سياق للكلام وثم آخر للأحداث ، وكلاهما مما يستأنس به الناظر في دَرَكِ المراد الذي أَرَادَهُ القائل .
    فالأمر ، كما تَقَدَّمَ ، يدور بين سياق ثانوي هو مناط الإفهام فهو الذي يدل على مراد المتكلم فذلك معنى يجاوز حَدَّ النحو الأول ، بل ويجاوز حَدَّ الكلام فإنك تجد مِنْ كلام بَعْضٍ لا يحسن يُؤَلِّفُ الكلام ، تجد منه ما يمرض ! ، فلا يكاد يبين عن معنى حتى يدور حوله فلا يصيبه إلا على جهد ، وقد لا يصيبه فَثَمَّ عِيٍّ في منطق الظاهر ولا يَنْفَكُّ ، لو تدبر الناظر ، عن آخر في منطق الباطن ، فَثَمَّ فساد في الفكرة وهو أصل لكلِّ فساد في الخارج ، إن في اللَّفْظَةِ أو في الحركة ، فالبلاء به يعظم ، لا سيما إن جمع إلى عِيِّ النطقِ فَسَادَ القصد وبلادة العقل وجفاوة الطبع فمن جالسه فهو ممتحن مُبْتَلًى حتى يأذن الله ، جل وعلا ، بِفِرَاقِهِ ، فليس بداهة من الخفرات البيض اللاتي ذكرهن جميل بثينة في قوله :
    مِنَ الخَفَراتِ البيضِ وَدَّ جَليسُها ******* إِذا ما اِنقَضَت أُحدوثَةٌ لَو تُعيدُها .

    بل هو ممن يود مُجَالِسُهُ لو لم يتكلم ابتداء ! ، فضلا أن يحتمل الإعادة ! ، وتجد ، أيضا ، من بَيَانِ الطفل الذي لا يحسن يؤلف بين الألفاظ في سياق مفهم ، تجد منه كلمات لا رابط بَيْنَهَا يصح في قانون النحو ، فلا يحسن يميز ترتيب الألفاظ أو مرجع الضمائر .... إلخ ، والأب أو الأم ، مع ذلك ، يدركان ما يريد ، بل ثم من كلام الجسد بكاءً أو صُرَاخًا أو إشارة باليد أو العين ، ثَمَّ منه ما يميز به الوالدان ما يريد الوليد أو الصغير ، فلكلِّ بكاءٍ دلالة ، فهو يجري ، من هذا الوجه ، مجرى المعجم في ألفاظ اللسان فَثَمَّ آخر في الأصوات ، وإن بلا حروف مجتمعة ، ولكلِّ حركةٍ دلالة فهي إشارة ذات مَغْزًى فَتَجْرِي ، أيضا ، مجرى المعجم ، وإن معجم إشارات يدل على مُرَادِ من يشير ، ولو من طرف خفي ، عقل أو لم يعقل ، فكان من كلام العقلاء ما به الْعَيْنُ تَلْحَظُ كما في قول المخزومي :
    أشارت بطرف العين خيفـة أهلهـا ******* إشـارة محـزونٍ ولــم تتكـلـم ِ.
    فأيقنت أن الطرف قد قـال مرحبـا ******* وأهـلا وسهـلا بالحبيـب المتيـمِ .

    فذلك بيان يجاوز حد الْبَيَانِ المتبادر في اصطلاح البلاغة المحدث ، فَثَمَّ بَيَانُ الإشارة ، وثم بَيَانُ عِيٍّ لا يكاد يبين صاحبه إلا على جهد ، وثم بَيَانٌ قد استوفى الحد ، فهو يفيد بما احتف به من قرائن السياق والحال ، وهو ، قبل ذلك ، لا يَنْفَكُّ يصدر عن سياق أول : سياق النحو المصحح للنطق ، فلا يخرج صاحبه عن السنن المحكم ، إِنْ فَصِيحًا أو أفصح ، فإن غاير في الترتيب فَلِغَرَضٍ من البيان يَزِيدُ ، كأن يقدم ما حقه التأخير مَئِنَّةً من الحصر والتوكيد ، فكلُّ أولئك مما احتمله قانون اللسان إذ اشتهر في مأثور النَّظْمِ وَالنَّثْرِ ، فهو العمدة في القبول والرد ما لم يكن حادثا بعد انقضاء العصر الذي يُحْتَجُّ بِلِسَانِهِ ، فما ورد به السماع فهو العمدة فذلك باب الأصل فيه التوقيف ، فهو العمدةُ وإن خالف القياس ، إذ القياس فرع عنه بما جُمِعَ من مادته واستنبط من أحكامه فَقَاسَ عليها من قاس من أرباب الشأن على خلاف قد اشتهر في حجية القياس في اللسان ، وما بعده من خلاف أدق إذ ثم من أجرى القياس في ألفاظ الشرع جَرَيَانَهُ في ألفاظ اللسان ، فلم يَرَ وجها يُعْتَبَرُ لقياس الأصول الاصطلاحي المتأخر ذي الأركان المشهورة : الأصل والفرع والحكم والعلة الجامعة ، فيجزئ في قوله قياس اللسان ، فالعقل يجتهد في استنباط المعنى الذي اشتق منه اللفظ ، ويجاوز به دلالة الأصل الذي وُضِعَ عليه أو أطلق عليه الإطلاق الأول الذي درج عليه الناطق فَاسْتَقَرَّ فهو العرف الجامع ، عرف اللسان ، فَثَمَّ من حقائق العرف حَقَائِقُ نطقٍ ، كما حقائقُ فِعْلٍ ، فتلك الحقيقة العرفية التي تقدم على نظيرتها اللسانية المطلقة ، فَتَقْضِي فِيهَا : قضاء المقيد في المطلق .
    فكان من القياس في اللسان ما يحرر به الذهن معنى أعم يجاوز في دلالته الحقيقة الأولى التي أطلق عليها اللفظ ، فَثَمَّ وجه اشتقاق يعتبر في دلالات الإسناد ، إسناد الأحكام إلى الحقيقة مدحا أو ذما ، كما المثل المشهور يضرب بالخمر ، فإن مادة "خمر" مَئِنَّةٌ من الستر والتغطية ، فَخَمَّرْتُ الإناء إذا غطيته ، والنظار فيه على ضربين : ضرب يقيس القياس الشرعي ، فَيَسْتَوْفِي أركانه الرئيسة ، ويجتهد في استنباط العلة في الأحكام معقولة المعنى ، بما اشتهر من مسالك التعليل ، ثم يجري القياس إذ يجاوز بالنظر حد التحرير ، تحرير العلة إلى التحقيق : تحقيقِها في الفرع ، سواء أساوت الأصل في ثبوتها أم زادت عنه أم كانت دونه أم انتفت فلا جامع في قول من يخالف ، فتلك مسالك القياس الشرعي ، ومن ينكر القياس الشرعي فإنه لا يخلو من اعتبارٍ لدلالة اللفظ المشتق ، فلا يهدر القياس من كل وجه كما قد يظهر بادي الرأي من مقال الظاهرية ، بل ثم نَظَرٌ في أصل الدلالة ، فإنهم لا ينكرون بداهة اشتقاق الألفاظ من المعاني على وجه لا يخلو من الدوران وجودا وعدما فإذا وجد المعنى مناط الاشتقاق المعقول الذي يجرده الذهن وُجِدَ اللفظ الدال عليه بالنظر في أصل الوضع الأول وقرينة السياق المركب أو الحال المبيِّنَةِ ، وذلك ما يشبه ، من وجه ، تحرير العلة في القياس الشرعي ، فإذا وجد هذا المعنى ، وُجِدَ المشتق من الألفاظ المنطوقة فَثَمَّ معنى تحصل صورته في الذهن قَبْلَ أن يجري دليله على اللسان ، فهو اللفظ ، فَاللَّفْظُ ، من هذا الوجه ، دليل على ما قام بالجنان من المعنى ، وهو ، من آخر ، يشاطر المعنى حقيقة الكلام المركبة إذ تَأْتَلِفُ من معنى يُعْقَلُ ولفظٍ يُنْطَقُ ، فَيَتَصَوَّرُ الذهن المعنى قَبْلَ أن يحكم بالنطق ، فما لفظه في هذه الحال إلا حُكْمٌ عِلَّتُهُ مَا قد حصل في الذهن من المعنى ، وتلك حقيقة القياس ، فلا يخلو مقال الظاهرية من اعتبار له وإن اقتصروا على قياس اللسان ، كما في المثال آنف الذكر ، مثال الخمر ، فإن اللفظ يجاوز حد الْعَلَمِيَّةِ المطلقة على أجناس تسكر ، فليس اسما جامدا لا اشتقاق فيه ، وإنما هو علم ووصف ، فلا يخلو من الدلالة الوصفية : وصف مخامرة يُوضَعُ فيها الخمار الساتر على المخمَّر في الخارج ، فيسدل الستار ويوضع الغطاء على المخمور أو المخمَّر ، فذلك معنى يلائم الحكمة في تحريم المشروب المسكر ، فإنه يخامر العقل ويغالبه فَيَسْتُرُ منه قوة الوعي والتدبر ، وهو ما يُفْضِي إلى الضرر فَبِهِ فَوَاتُ مقصد رئيس من مقاصد التشريع : حفظ العقل ، فإذا ضاع بما يكون من مخامرة المسكر ضاع المقصد أن يكون الإنسان على حال مُثْلَى تواطئ الخلقة الكاملة ، فذلك ، من وجه ، ما يدخل في عموم التكريم في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) ، فهو يستغرق بإطلاقه : تقويم الظاهر فهو مستقيم البدن ، وتقويم الباطن فهو العاقل الذي يحسن يميز بين الحقائق ويقيس في باب المعاني ويفاضل ، فمن أهدر تقويم العقل فهو كمن أهدر تقويم البدن فانحنى بجسده المستقيم وَصَيَّرَ ذاته المكرمة من ذوات الأربع ، وذلك معنى في الضرورة يقبح ، فهو مما أجمع عليه كل مَنْ يَعْقِلُ وجوهَ الحسن والقبح ، فلا يمدح الإنسان بداهة إذا كان يهذي ويترنح ولا يحسن يتكلم ويكون من عدوانه وانتهاكه لكل محرم ، بل قد تعظم الجناية فَتَقَعُ على المحارم ، ويكون من نطق الفحش ما قد يبلغ حد الكفر ، ويكون من إهدار مقاصدَ أولى من الدين والنفس والعرض والمال فإذا ضاع العقل ضُيِّعَتْ فكان العدوان على الدين إن بالسب أو الاستهزاء ... إلخ ، وَضُيِّعَتِ النفس بالعدوان بالضرب أو الجرح أو القتل فضلا عما يُوقِعُهُ الشارب بِنَفْسِهِ من ضرر وإن لم يظهر ، بادي الرأي ، فهو مجموع يتراكم من الآفة ، ومنه ما يضر بادي الرأي كما في أجناس تصيب صاحبها بالعمى حالا أو على مدى قريب لا يبعد ، وَضُيِّعَتِ الأموال فالمخمور كالصغير الذي لا يعقل ، وإن زاد عليه أنه يأثم ، فلا يقدر الأموال والأعيان حَقَّ قدرِها فهو يهدرها بالحرق أو الإتلاف ، فضلا عن السرف الذي يجاوز حد الكرم فهو السفه وإن عَدَّهَا العرب شجرة الكرم إذ يجود صاحبها إذا سكر ! ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما لا يمدح فاعله فلا قصد له ، وإنما الكرم الممدوح أن يكون عن عقل حاضر يجود قصدا ولا يقارف سفها ، فهو يضع النفقة في الموضع الذي يحسن ، فذلك مناط الثناء والحمد الأكمل ، لا مطلق النفقة سرفا لا يدرك صاحبه فيما ينفق أو يمسك ، أو هو يدرك ولكنه سفيه لا يحسن الإنفاق ، فالحجر عليه واجبُ وقتِه ، فأي مدح في حال يستحق صاحبها الحجر بل والتعزير والضرب ؟! ، فضلا عما وُضِعَ له من حد الشرع على الخلاف المشهور ، أعقاب الخمر حد أم تعزير ؟ .
    فكان من المعنى الذي ثبت بقياس اللسان ، بادي الرأي ، كان منه ما أجزأ عند أهل الظاهر في حصول الحكم في الفرع دون حاجة تُلْجِئُ إلى القياس الأصولي المشهور ، فاللفظ ابتداء قد كَفَى الناظر مؤنة الحكم إذ أبان عن وجهه بما اعتبرَ الناظر من دلالة الاشتقاق ، فهو يجاوز بها الأصل إلى ما سواه ، فاسم الخمر من هذا الوجه قد وضع ابتداء للدلالة على كل مشروب يخامر العقل فَيُغَطِّيهِ فَيُذْهِبُهُ أو يُضْعِفُهُ ، فتكون دلالة "أل" في "الخمر" ، من هذا الوجه ، دلالة البيان لجنس المدخول المشتق رعاية لمعنى التغظية والستر آنف الذكر ، وتكون ، من آخر ، مئنة من العموم المستغرق لآحاد الجنس فيدخل فيها كل ما يخامر العقل ويغطيه فاللفظ يدل عليه بادي الرأي دون حاجة إلى قياس الشرع ، فيدخل فيه المائع والجامد ، وذلك ما يجاوز المعهود من الخمر المائعة ، وما نص عليه الشرع من الأجناس المحرمة كما في أَثَرِ عمر ، رضي الله عنه ، وله حكم الرَّفْعِ إذ مِثْلُهُ لا يُقَالُ بالرأي : "أمَّا بَعدُ، أيُّها النَّاسُ، إنَّه نزل تحريمُ الخَمرِ، وهي مِن خَمسةٍ: مِنَ العِنَبِ والتَّمرِ، والعَسَلِ والحِنطةِ والشَّعيرِ، والخَمرُ ما خامرَ العَقلَ" ، فذكرها في الخبر من هذا الوجه يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام فَذُكِرَتْ ذِكْرَ المثالِ فلا يخصِّصُ العام الذي يندرج في حده ، بل يستغرقه ويستغرق ما سواه من الآحاد فيجاوز في الدلالة المذكورات ، فهو يصدق في كل ما يخامر العقل ويسكره سواء أكان موجودا زمن التكلم أم حادثا بعده بما جَدَّ من الأنواع المسكرة ، وإن سميت بغير اسمها ، وهو ، كما يقول الشراح ، ما ذَيَّلَ به عمر ، رضي الله عنه ، قوله ، عَامَّا يجمع بَعْدَ خاص يُبَيِّنُ ، فأطنب بالمثال الذي أبان عن العموم : "مِنَ العِنَبِ والتَّمرِ، والعَسَلِ والحِنطةِ والشَّعير" ، ثم عطف العامَّ على الخاص : "والخَمرُ ما خامرَ العَقلَ" .
    فاعتبر في الحد : خاصة المخامرة التي تذهب العقل وتسكره ، وهو ما حده حَدَّ القصر بِتَعْرِيفِ الجزأين "الخمر" و "ما خامر العقل" ، وهو حد جامع مانع إذ أناط الحكم أو الاسم الجالب للذم والعقاب والوعيد ، أناطه بعنوان عام يستغرق ، فَحُدَّ حَدَّ الموصول "ما" وهو لما لا يعقل قد وُضِعَ أولًا ، فذلك وصف والوصف مما لا يعقل إذ يقوم بذات في الخارج عقلت أو لم تعقل فلا قيام له بِنَفْسِهِ فَنُزِّلَ ، من هذا الوجه ، منزلة ما لا يعقل ، فمناط الحكم ليس ذاتا تعقل لِيُقَالَ : الخمر من خامر العقل ، فَيُؤْتَى بالوصل على حد "مَنْ" التي وضعت للعاقل ، وإنما هو وصف فَحُدَّ حَدَّ الوصل لما لا يعقل ، وهو ما مَهَّدَ بين يدي العلة أو المعنى المؤثر الجالب للحكم ، فذلك الخمر أو الستر أو التغطية للعقل ، أو الإسكار أو الإذهاب له ، فذلك المعنى المعتبر في الحكم على الشيء أنه الخمر المذمومة في الشرع ، ولم يخل التعريف من أصل اشتقاق واحد ، أصل "خَمَرَ" مئنة من "سَتَرَ" ، فلا يجري على ما قَدْ قَرَّرَ النُّظَّارُ في الحدِّ فذلك عندهم من الدور ، أن يُعَرَّفَ الشيء بِنَفْسِهِ ، وليس يجري في بَيَانِ المتقدمين فالعبرة أبدا أن يظهر مراد المتكلم بما أُوجِزَ من المبنى وَأُحْكِمَ من المعنى .
    والعبرة في الاستدلال بالمعنى لا بالمبنى ، إذ ثَمَّ وصفٌ هو المناط ، كما تقدم ، فلا يقتصر الناظر ، من وجه آخر ، على الأجناس المذكورة فلا خمر إلا ما قد صُنِعَ منها ، كما اشتهر من قول العراقيين وهو ما جعل قولهم في هذا الباب ، باب الأشربة ، ما جعله محل نظر ، فإن العبرة ، كما تقدم ، بمعنى التخمير والتغطية وذلك ما صدق بعد ذلك في أنواع قد جَدَّتْ من المائع أو الجامد بل منها ما يُسْتَنْشَقُ فلا جِرْمَ له في الخارج ، فكل أولئك مما يدخل في حد اللفظ ، بادي الرأي ، فيجاوز المذكورات التي اشتهرت زمن التكلم ، فكان ذلك معهود العرب في خمورها فلا يُقْصَرُ الحكم على أعيانها , وإنما يجاوزها إلى نظائرها ، وذلك محل إجماع ، كما تقدم ، وإنما الخلاف أيكون ذلك بالقياس الشرعي أم يكون ابتداء بالنظر في وجه الاشتقاق ، ولو تدبر الناظر ، لوجد التَّقَارُبَ بين المسلكين ، فالخلاف يشبه أن يكون لَفْظِيًّا لا يَنْبَنِي عليه خلاف معتبر في الأحكام فمآل الجميع التحريم سواء أقيل إن الخمر هي المذكورات وما جَدَّ فهو يُقَاسُ عليها قياس الشرع ، أم قيل إن عنوان الخمر يستغرقها ابتداء فدخلت فيه إذ حصل فيها من معنى الخمر المؤثر في ثبوت الحكم ، قد حصل فيها منه ما يجزئ ، بادي الرأي ، في الحكم بالتحريم دون قياس على المحرمات المذكورة ، وذلك ما قد قِيلَ في موضع آخر يشتهر ، وهو مما شُنِّعَ به على الظاهرية إذ نُسِبَ إليهم ، والنسبة تفتقر إلى التحقيق ، نُسِبَ إليهم أن ضرب الوالدين لا يستفاد تحريمه من قوله تعالى : (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) ، وإنما يستفاد من وجه آخر فلا اعتبار بقياس الأولى الذي يحرم الأعلى من باب أولى مما يكون من سب أو ضرب ... إلخ ، فإذ قد نَهَى عن الأدنى فقد نَهَى عن الأعلى من باب أولى ، وذلك مسلك الجمهور ، وأما الظاهرية فقد استدلوا على التحريم بوجه آخر من خارج لا يلزمهم القول بالقياس ، وثم من خرج مناطا يَلْطُفُ فتوسع في دلالة "أف" فلا تَقْتَصِرُ على المعهود من دلالة التضجر ، وذلك حد "أف" في اللسان فهي اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر ، فَرُفِدَتِ الدلالة فهي عنوان أعم يستغرق كل ما يُسْتَكْرَهُ من قول أو فعل ، فيدخل فيه الشتم والضرب ابتداء دون حاجة إلى قياس أولى على معنى التأف الأدنى ، لا سيما وثم عموم آخر يجاز التضجر إلى عنوم النَّهْرِ والزجر ، فـ : (لَا تَنْهَرْهُمَا) ، فيجري التعاطف ، من هذا الوجه ، مجرى التدرج من الأدنى إلى الأعلى ، أو من الخاص إلى العام .
    فَثَمَّ خلاف لا يَنْبَنِي عليه عمل أيكون دخول الضرب والشتم ابتداء أم بقياس أولى على معنى التضجر فهما داخلان من كل وجه ، وهو ما يشبه ، أيضا ، ما قيل في دلالة العموم النازل على سبب أَتَدْخُلُ بَقِيَّةُ أفراده فيه ابتداء بالنظر في عموم لفظه لا خصوص سببه ، فالعبرة ، كما يُقَالُ في الأصول ، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، أم تدخل قياسا على السبب الأول ، فهي تضاهيه في الدلالة وإن كانت دونه في الإحكام فإن دخوله في العام الذي ورد عليه دخول قطعي محكم لا يحتمل الإخراج لا بالتخصيص أو النسخ خلاف بقية الآحاد فيجوز إخراجها بِتَخْصِيصٍ أو نسخ ... إلخ من وجوه البيان .
    والاشتقاق في اللفظ مِنْ مسالك التعليل المعتبرة في الشرع ، كما قد قِيلَ في الخمر آنفة الذكر فاشتقاقها من المخامرة والتغطية التي تذهب بِعَقْلِ شَارِبِهَا ، وإن كانت مَسَالِكُ التَّعْلِيلِ في الشرع أكثر ، فَثَمَّ مِنْهَا ما يُخَرَّجُ فلا وجه للمعنى المشتق يظهر بادي الرأي ، كما في علة الأجناس الربوية وهي من مسائل الخلاف المشهورة في هذا الباب فلا معنى فيها يشتق فهي أسماء أجناس لا جَرَمَ جرى الظاهرية على أصلهم فَمَنَعُوا الربا في غيرها ، فتحريمه يقتصر عليها دون ما سواها ، خلاف من اجتهد في تحرير العلة فجاوز بالحكم المذكوراتِ على الخلاف المشهور أثم معنى واحد أنيط به الحكم فالعلة مفردة أم هي من الجنس المركب الذي يَأْتَلِفُ من أكثر من معنى ، وعلى آخر أهي من العلة القاصرة على أعيان المذكورات كما في الذهب والفضة على مذهب من جعل العلة هي جوهر الثمينة فلا يجاوز التحريم أعيان الذهب والفضة فهي ، على هذا المذهب ، ما اقْتَصَرَ عليه لَقَبُ النقد الذي به تَدَاوُلُ السِّلَعِ والأعيان ، أم من العلة المتعدية كما قد قِيلَ في هذا الموضع أيضا إذ جَاوَزَ المخالِفُ فجعل العلة هي مطلق الثمنية فاعتبر كل ما يصدق فيه أنه نَقْدٌ وذلك ما يجري مجرى العرف فلكلِّ زمانٍ عرفه في الشراء والبيع ، كما الحال في الأعصار المتأخرة فَيَجْرِي في النقد المطبوع إن ربا فضل أو آخر نسيئة على تفصيل في هذا الباب ، وما يكون من جواز البيع ، بِيْعِ النقد ، إذا كان ثم اتحاد في الجنس فاشترط التساوي والتقابض معا ليسلم المتعاطيان من حد الفضل الْحَالِّ أو النسيئة المؤجلة وإن كان التساوي في القدر ، فلا بد من استيفاء الشرطين وهو ، أيضا ، ما يجري مجرى العلة المركبة التي تَأْتَلِفُ من أكثر من معنى ، فهي حقيقة ذات أجزاء في الخارج لا تَثْبُتُ إلا بِثُبُوتِ أجزائها كسائر المعاني ومنها المعاني الدينية إن مدحا أو ذما كما تَقَدَّمَ مِرَارًا في أسماء المدح الشرعي كالإيمان ونظائرها في الذم كالكفران .
    وإن كان ثم اختلاف في الجنس في المثال آنف الذكر فإن الربا المحرم في هذه الحال يَقْتَصِرُ على النسيئة دون الفضل فجاز الاختلاف ولم يجز النسأ والتأخير ، سدا لذريعة الاختلاف والتشاحن لا سيما إن كانت سوق النقد مضطربة فالسعر فيها يعلو ويهبط فيكون من عقد البيع على سعر فيزيد بعد ذلك أو ينقص فَيَرُومُ بَيِّعٌ من الْبَيِّعَانِ ما به زيادة ربحه ولو أضر بالآخر ، فَحُسِمَتْ مادة النِّزَاعِ أن يكون التقابض حالا وإن اختلفت الأجناس فجاز فيها تغاير المقادير .
    فلو اعتبر المعنى الأعم وهو مطلق الثمنية في المثال آنف الذكر ، لجاوز القياس الذهب والفضة إلى كل نقد ، وهو ما يجري على الحقيقي أو الافتراضي الذي استحدث في الأعصار المتأخرة .
    والشاهد أن كل أولئك لا يجري ، بداهة ، على اصطلاح الظاهرية في القياس أَنْ قَصَرُوهُ على قِيَاسِ اللسان دون الشرع فذلك إنما يعتبر في الأجناس المشتقة كالخمر آنف الذكر فالخلاف فيها يضيق بل ويكاد يكون اختلاف عبارات لا حقائق فالجميع قد اعتبر معنى الإسكار وأجراه على ما سوى المذكورات في الخبر إن بِقِيَاسِ الشرع الاصطلاحي أو قياس اللسان الوضعي ، فكان الخلاف أَظْهَرَ في مواضع التعليل التي لا نص فيها ولا اشتقاق يدل عليها كما الحال في الأجناس الربوبية آنفة الذكر ، فهي أسماء جامدة لا يظهر فِيهَا وجه اشتقاق تَصِحُّ بِهِ إناطة الحكم بالمعنى الذي اشتق منه اللفظ فَيَدُورُ معه وجودا وعدما كما اصطلح أهل الشأن ، فالجامد ليس مناط اشتقاق إذ دلالته تَتَمَحَّضُ للعلمية دون الوصفية ، فَيَقْتَصِرُ على المسمَّى دون الوصف الذي يقوم بالمسمَّى الذي يَقْتَصِرُ في هذه الحال على الذات ، كما يقال في اسم البر والشعير ، فهما اسمان جامدان قد وُضِعَا وَضْعَ المعجم الأول للدلالة على ذوات الحبوب المعهودة دون نظر في وصف لها حجما أو لونا ..... إلخ ، فَتَمَحَّضَتْ للعلمية الجامدة دون الوصفية المشتقة ، كما أن ثم من الأسماء ما اشتق فدلالته دلالة الوصف ، ومنه ما قد قُصِدَ قَصْدَ المدح أو الذم ، كما يَمْدَحُ مَنْ يَمْدَحُ فيقول : فلان كريم ، وكما يَذُمُّ مَنْ يَذُمُّ فيقول : فلان بخيل ، فعنوان الكرم والبخل ، عنوان وصف لا ذات ، وَفَعِيلٌ من كَرُمَ وَبَخُلَ : عنوانُ اشتقاقٍ يُنَاطُ به المدح أو الذم وجودا وعدما ، فَوَجْهُ الاشتقاقِ في هذه الأوصاف مُعْتَبَرٌ فَلَهُ أَثَرٌ في المبنى إذ اتُّخِذَ مثالا من أمثلة الاشتقاق القياسية ، مثال "فعيل" من الفعل اللازم ، فهو مئنة من الوصف المشبه ، وله أَثَرٌ في المعنى إذ يدل على الوصف الذي منه قد اشتق ، فضلا عن معنى آخر يُلْمَحُ وهو معنى السجية الملازمة في "فَعُلَ" واسم الوصف منها "فَعِيل" : كريم من كَرُمَ ، وبخيل من بَخُلَ ، وشريف من شَرُفَ ، ولئيم من لَؤُمَ ، ونظيف من نَظُفَ ، وقبيح من قَبُحَ ..... إلخ ، فَثَمَّ معنى يواطئ معنى الملازمة في الوصف المشبه وهو معنى السجية الرَّاسِخَةِ فِي النَّفْسِ فهي الملكة التي صارت أصلا في الطبع ، فذلك مئنة من تمام التلبس بِالْخُلُقِ ، حَسُنَ أو قَبُحَ ، فالوصف قد يَعْرِضُ وَيَزُولُ ، وذلك أليق بالفعل ، فهو وصف يقوم بالذات ، ولكنه يَعْرِضُ وَيَزُولُ ، وإن ثَبَتَ منه القوة الفاعلة فَهِيَ أَبَدًا تلازم الذات الموصوفة بالفعل ، فالآحاد منه تحدث ، فهي ، من هذا الوجه ، تَعْرِضُ وَتَزُولُ ، فلا يتلبس بها الموصوف أبدا ، فلا يتكلم دون صمت ، ولا يأكل طُولَ الوقت ! ، وإنما يَتَكَلَّمُ تَارَةً ويصمت أخرى ، ويأكل تارة ويمسك أخرى ، فهو موصوف في كلتا الحالين أنه متكلم وآكل ، وإن كان حال المباشرة متكلما وآكلا بالفعل ، وحال الصمت والإمساك متكلما وآكلا بالقوة التي ركزت في الجبلة فهي من طبع التكوين الرباني وإن لم يباشر صاحبها الآحاد الحادثة في الخارج فهو موصوف بالقوة التي عنها تَصْدُرُ .
    وأما الوصف المشبه فَفِيهِ زِيَادَةُ التَّلَبُّسِ ، فهو ، من هذا الوجه ، يفيد الوصف بدلالة الاشتقاق الأعم ، ويدل على معنى أخص إذ اشْتُقَّ اشْتِقَاقَ الوصف من لازم ، كما أن اسم الفاعل يفيد الوصف بدلالة الاشتقاق الأعم ، ويدل على معنى أخص إذ اشتق الوصف من مُتَعَدٍّ وَدَلَّ على ذات الفاعل المباشر ، فالاشتقاق ، من هذا الوجه ، جنس أعم يقابله الجمود ، وتحت الجنس الأعم من أجناس الاشتقاق الأخص ما به المشتقات تَتَفَاوَتُ في الدلالة فهي المثل القياسية في باب الاشتقاق ، أو ما اصطلح في النحو أنه الأسماء التي تعمل عَمَلَ الفعل ، وإن كان منها ما لا يشتق ، كاسم الفعل وذلك باب يضاهي الفعل ، فمن اسم الفعل : ماضٍ ، كشتان بمعنى افترق ، ومضارع كَأُفٍّ بمعنى أتضجر ، وأمر كَمَهْ بمعنى انكفف ، فهو يعمل عمل الفعل ، على تفصيل ، فَهُوَ أضعف في العمل إذ هو فرع عن أصل ، والفرع أضعف من الأصل ، فضلا أن جموده يضعفه في العمل خلاف المشتق ، فاسم الفعل مرتجلا أو منقولا لا يخلو من لقب الجمود بالنظر في عنوانه المخصوص : اسم الفعل ، وكذلك المصدر فهو وإن دل على المعنى المطلق إلا أنه لا يدل على قَيْدِ اشتقاقٍ زَائِدٍ من : زَمَنِ الحدوثِ كما الفعل وما يدل عليه ولو دلالة لزوم من ذات فاعلة ، فالفعل لا بد له من فاعل ، والحادث لا بد له من محدِث ، فذلك من بدائه النظر ، ومن الذات الفاعلة كما اسم الفاعل ، ومن الذات التي يقع عليها الفعل كما اسم المفعول ، ومن التَّفَاوُتِ بَيْنَ اثْنَيْنِ كما اسم التفضيل ، سواء أكان ذا دلالة أم مَنْزُوعَ الدلالة كما يكون من المفاضلة بين اثنين ف يمعنى لا حظ لأحدهما منه ، كما في قوله تعالى : (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فذلك ما يجري ، من وجه ، مجرى التنزل مع الخصم في الجدال ، ولا يخلو من إنكار وَتَوْبِيخٍ قد أُشْرِبَ معنى الإبطال ، إبطال الخيرية في كل معبود مألوه سوى المعبود بحق ، جل وعلا ، فَكُلُّ أولئك من لطائف المأخذ التي لأجلها نُزِعَتْ دلالة "أفضل" ، ومن المبالغة كما مثال المبالغة وله صِيَغٌ قِيَاسِيَّةٌ في اللسان ، فَكُلُّ أولئك من وجوه الاشتقاق الأخص ، فَثَمَّ عنوان أول ، وهو عنوان الاشتقاق المطلق ، ودلالته دلالة الوصف الذي اشتق من معنى يقوم بالذوات قيام الوصف بالموصوف ، وتحته أنواع ، ولكلِّ مشتقٍّ منها دلالة أخص ، على التفصيل آنف الذكر .
    فتلك حال المشتقات ، فهي خلاف الجامد الذي لا يظهر فيه وجه الاشتقاق إلا على تَأْوِيلٍ يفتقر إلى القرينة ، كما المثالُ المشهور في وصف الشجاع أنه أسد ، فاسم الأسد عنوان جامد لا يظهر فيه وجه اشتقاق ، وهو ، مع ذلك ، قد اكتسب الدلالة الوصفية المشتقة ، إذ المسمى ذات قَدْ عُهِدَ مِنْهَا الإقدام والشجاعة ، فَنُقِلَ هذا المعنى إلى عنوان الاسم العلم ، ولا عِبْرَةَ بالنادر فلا حكم له ، فلا يستدرك المخالف أن ثم من جنس الأسد ما هو جبان لا يُقْدِمُ ، فذلك ، إِنْ وُجِدَ ، فَهُوَ نادر لا حكم له إذ يخالف عن المعهود المطرد من حال الأسد ، فَانْتَقَلَ الناظر من حقيقة الأسد الجامدة إلى حقيقة الشجاعة المشتقة ، فَتَأَوَّلَ الناظرُ الأسدَ بالشجاع لِقَرِينَةِ العهدِ الخاصِّ ، فذلك الجامد المؤول بالمشتق .
    وثم آخر مشتق ودلالته لا تجاوز حَدَّ الْعَلَمِيَّةِ ، كالأسماء التي تطلق على البشر أعلامًا تميزهم فلا يلزم من إطلاقها انطباق المعاني على الذوات ، بل قد يطلق اسم كريم على أبخل الخلق ، وقد يطلق اسم زكي على أخبثهم ..... إلخ ، وقد يصدق الوصف في الذات فيطلق على الكريم اسم كريم عَلَمًا وَوَصْفًا ، فهو اسم على مسمًّى يُوَاطِئُهُ المواطئةَ التامة : عَلَمِيَّةً وَوَصْفِيَّةً ، وذلك ما لا يلزم في أسماء الخلق ، فقد يثبت وقد يتخلف خلاف ما يكون من أسماء الحق ، جل وعلا ، فَكُلُّهَا مِمَّا اشْتُقَّ من مَعَانٍ محمودة هي الكمال المطلق الذي لا يَعْتَرِيهِ النقص من أي وجه ، فَثَمَّ عهد خاص بالنظر في أسماء الحق ، جل وعلا ، وأوصافه إذ لا تفيد الكمال المطلق إلا حالَ أُطْلِقَتْ على الرب المهيمن ، جل وعلا ، فهي الأعلام والأوصاف جميعا على وجه يثبت فلا يتخلف أبدا كَمَا حَالُ الأسماءِ البشرية آنفة الذكر ، فقد يَثْبُتُ المعنى فَيُقَارِنُ الدلالة الْعَلَمِيَّةَ ، وقد يَتَخَلَّفُ فيكون الاسم عَلَمًا بلا وَصْفٍ ، فاسم الله ، جل وعلا ، "الكريم" : يدل على الذات القدسية الأولى ، ويدل على المعنى الذي اشتق منه وهو عنوان الكرم ، وذلك لقب المدح المطلق ، ولا يخلو من دلالة العهد الخاص إذ "أل" قد جاوزت حَدَّ الْبَيَانِ لماهية المدخول ، فتلك دلالتها الجنسية ، فثم أخرى استغراقية تُفِيدُ العموم ، فهي تستغرق وجوه المعنى الذي اشتق منه الاسم ، وجوه الكرم وذلك ما لا يحيط به عقل ، وإن أدرك الأصل ، أصل الدلالة ، فالكرم معنى يجرده الذهن فهو جنس عام يستغرق آحادا في الخارج يصدق فيهم لقب المدح ، وإن تفاوتوا في الوصف فَجَازَ التفضيا وهو مثال اشتقاق آخر ، فَقِيلَ : فلان أكرم من فلان ، فَاسْتَوَيَا في الجنس العام المطلق ، جنس الكرم فَهُمَا متواطئان من هذا الوجه ، وَاخْتَلَفَا في القدر ، فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ من هذا الوجه ، وذلك ما اصطلح في مواضع تقدمت مرارا أنه التكافؤ في الدلالة ، إذ ثم تَرَادُفٌ واشتراك من وجه ، بالنظر في الجنس المطلق ، وثم تَغَايُرٌ وَافْتِرَاقٌ من آخر ، بالنظر في الحقيقة والماهية في الخارج ، وهي مما قُيِّدَ بالذات الموصوفة ، فكان من الاختلاف فِي القدر تَبَعًا لاختلاف المحل ، وإن كان ثم اشتراك في أصل الدلالة ، كما تقدم ، فَسَاغَ ، من هذا الوجه ، حد التفضيل ، فاشتق اسمه مَئِنَّةً مِنْ تَفَاوُتٍ في القدر وإن كان ثم اشتراك في الوصف ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فَثَمَّ وجهُ اشتراكٍ في الأصل ، وإلا بَطَلَ الْوَصْفُ وَانْقَلَبَ عَلَمًا محضا لا وجه للمدح فيه ، فاستوى الكريم والسميع والبصير ...... إلخ في الدلالة ، فليست إِلَّا أعلاما محضة تُنَزَّلُ منزلة الاسم الجامد إذ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ دون المعنى ، فَدِلَالَتُهَا دلالة علمية مجردة من الوصف ، فليست أوصافا وذلك عين التعطيل في الباب ، باب الأسماء والصفات أَنِ اعْتَبَرَ الناظرُ في حد الأسماء : دلالة الْعَلَمِيَّةِ دون نظيرتها الوصفية ، فَتَكَلَّفَ من القول ما يخالف عن صريح العقل إذ أَهْدَرَ صِيَغَ الاشتقاقِ ، بل وأهدر مفردات المعجم المطلقة فَلَازِمُ قَوْلِهِ : اتفاقُ "سمع" و "بصر" .... إلخ من مفردات الأوصاف في المعجم ، لَازِمُ قولِه اتفاقُها وإن اختلفت ألفاظها ، فَلَمْ يَعُدْ ثَمَّ دلالة في اختلاف المباني ، فليس ثم من المعاني ما تدل عليه فقد انقلبت المشتقات منها فصارت أعلاما محضة فاستوى الكريم والبصير والسميع ..... إلخ ، فهي أعلام على الذات الأولى ، وذلك حق ، ولكنه من الحقيقة شَطْرٌ ، فَثَمَّ آخر ، وهو دلالة الوصف ، فهي من وجه : أعلام على الذات الأولى ، وهي من آخر : أوصاف لها قد قامت بها قِيَامًا يَزِيدُ ، فالوصف قدر زائد على الذات ، وبهما تثبت الحقيقة في الخارج : ذَاتًا وَوَصْفًا ، فَلَئِنْ صَحَّ تجريدهما فذلك ، كما يقول أهل الشأن ، ما يكون في الذِّهْنِ ، فهو يجرد ذاتا مطلقة ، ويجرد وصفا مطلقا ، ولا يكون ذلك في الخارج أبدا ، فليس إلا الحقيقة التي تَأْتَلِفُ من الذات والمعنى الذي يقوم بها فلا استقلال له في الخارج ، بل لا بد له من ذات يلازمها فهو يقوم بها قيام الوصف بالموصوف .

    فكان من الاشتقاق ما اعتبر في هذا الباب فَجَاوَزَ حَدَّ الْعَلَمِيَّةِ إلى الْوَصْفِيَّةِ التي لا تَتَخَلَّفُ أبدا ، فذلك فَارِقٌ أول بَيْنَ اسم الله ، جل وعلا ، واسم المخلوق المحدَث ، فالمخلوق قد يحمل اسمَ كريمٍ وهو أبخل الخلق ، والله ، جل وعلا ، قد تَنَزَّهَ ضرورة عن هذا النقص ، فاسم كريم في حقه علم ووصف لا يتخلف أبدا ، فذلك فارقٌ أَوَّلُ بَيْنَ اسم الخالق ، جل وعلا ، واسم المخلوق ، وثم ثان فَلَوْ صَدَقَ في المخلوق العلمُ والوصفُ فهو كريم عَلَمًا وَوَصْفًا ، فلا يستوي مثلا والخالق ، جل وعلا ، فهو أكرم الأكرمين على حد التفضيل المطلق ، فلا يضاهيه كرم مخلوق ، إذ لا يضاهيه في حقيقة الذات وهي الأصل ، فَكَمَا اخْتَلَفَا في الأصل وهو حقيقة الذات فهما يختلفان في الفرع وهو حقيقة الوصف الذي يقوم بالذات ، وذلك أصل جليل في هذا الباب يَطَّرِدُ ، فالقول في الوصف فَرْعٌ على القول في الذات إن كمالا أو نقصا ، واختلاف الأوصاف في الخارج فَرْعٌ على اختلاف الذوات التي تقوم بها ، فَشَتَّانَ ، كما تقدم ، وصف المخلوق الأدنى ووصف الخالق الأعلى ، فلا يستويان مثلا ، وذلك الفارق الثاني ، فَلَئِنْ صَدَقَ في المخلوق لقب الكريم علما ووصفا ، فلا يضاهي بوصفه وصف مَنْ خَلَقَهُ ، جل وعلا ، بل الخالق ، جل وعلا ، قد انفرد بالكمال المطلق وإن كان ثم اشتراك في الأصل المجرد في الذهن ، أصل الكرم ، فكان الاتفاق من وجه والاختلاف من آخر ، وليس ثم تعارض ولا تناقض إذ الجهة قد انفكت ، فجهة الاتفاق وهي المعنى المجرد في الذهن تغاير عن جهة الاختلاف وهي الحقيقة المقيدة في الخارج إذ تقوم بذات مخصوصة ، فصار للوصف من الحقيقة والماهية في الخارج ما يواطئ المحل الذي يقوم به كمالا أو نقصا ، وهو ما زاد الأسماء في هذا الباب : باب الإلهيات ، ما زَادَهَا دلالةَ العهد الخاص فَتِلْكَ دلالة أخرى من دلالات "أل" ، فهي ابتداء مئنة من بَيَانِ الماهية المجردة في الذهن ، وذلك ما جاز فيه الاشتراك بين المخلوق والخالق ، جل وعلا ، بل جَحْدُهُ ، لو تدبر الناظر ، يُفْضِي إلى سفسطة في الباب بل وسائر أبواب الكلام ، إذ يهدر أصول الدلالة وَيُصَيِّرُ الألفاظ أَصْوَاتًا بلا مَعَانٍ ، وذلك ما به يجترئ من يَتَأَوَّلُ وَيُسْرِفُ في الباب فيخرج بالمباني عن أصول المعاني فَقَدْ جُرِّدَتْ من أي معنى ولو مجردا في الذهن ، فصارت أصواتا يصدرها القارئ كما الحيوان الأعجم إذ يُصْدِرُ مِنَ الصوتِ ما لا يَعْقِلُ ، وهو ما حمل بَعْضًا من النحاة ، كابن درستويه كما يَنْقِلُ بَعْضُ الباحثين ، ما حمله أن يُنْكِرَ التَّعَاقُبَ بين حروف الجر ، فلا يقع واحد منها مكان الآخر ، فذلك عنده إبطال لحقيقة اللغة وإفساد لِلْحِكْمَةِ فِيهَا وَضِدُّ ما يُوجِبُهُ العقل والقياس ، إذ يَنْتَفِي الْقَدْرُ الْفَارِقُ بَيْنَ المباني مع اختلاف حدودها في اللسان ، فتكون الباء بمعنى "مِنْ" في نحو قوله تعالى : (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) ، فَثَمَّ من ضَمَّنَ الباء معنى "مِنْ" فَيَشْرَبُونَ مِنْهَا ، فهي ابتداء الغاية للفعل ، فعل الشرب ، فَجَاءَتِ الباء عِوَضًا منها فذلك ما أنكره ابن درستويه ، كما تقدم ، إذ يُبْطِلُ ذلك حقيقة اللسان والعقل فاختلاف المباني مَئِنَّةٌ من آخر في المعاني ، فَلَوْ أُهْدِرَ القدر الفارق في حدود النطق ، فآلت الملفوظات مع اختلاف نُطْقِهَا إلى معنى واحد لَخَالَفَ ذلك عن القياس الناصح ، فما امتاز كلُّ لَفْظٍ من الآخر ؟! ، وما علة التَّبَايُنِ في النطق إن كان المعنى واحدا ؟! ، وذلك ، أيضا ، ما حَمَلَ بَعْضًا أن يُنْكِرَ الترادف المطلق مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فيكون تَامًّا بين لفظين مع اختلافهما في النطق والكتب ، فذلك ، أيضا ، إِهْدَارٌ لِلْقَدْرِ الفارق بَيْنَ المباني ، وإفساد لحكمةِ التَّغَايُرِ ، فما الحكمة من تغاير المباني وكلها تدل على معنى واحد ؟! ، فكثرتها مع انْتِفَاءِ الفارقِ : زيادةٌ في النطق لا تَنْفَعُ إلا أن يكون التَّرَادُفُ مِنْ وجه دون آخر ، فَيُفِيدُ كُلُّ مُتَرَادِفٍ معنى لا يفيده غيره ، فالتغاير من هذا الوجه ينفع ، كما المثل المشهور يضرب في التَّرَادُفِ بَيْنَ الشك والريب ، فَفِي الريب زيادة حركة واضطراب فلم يكن التَّرَادُفُ بَيْنَهُمَا على حد التَّمَامِ ، وإنما اتَّفَقَا في وجه هو جنس أعلى يَنْدَرِجَانِ تحته وهو : مطلق الشك ، وزاد الرَّيْبُ قَيْدًا وهو الاضطراب والحركة .

    وقد يجاب إِنَّ ذلك مما يُثْرِي اللسانَ فَتَعَدُّدُ الْمُتَرَادِفَاتِ يُفْسِحُ للمتكلم أن يَنْطِقَ بما تَيَسَّرَ من الألفاظ ، لا سيما واللهجات تختلف ، فَيَسْهُلُ على قَبِيلٍ من اللفظ ما لا يسهل على آخر ، فكل قد وَضَعَ لَفْظًا يَدُلُّ على الذات أو المعنى بما يُوَاطِئُ لسانه الأخص ، فهو فَرْعٌ عن لسان أعم ، وهو اللسان العربي الجامع ، فَتَحْتَهُ ألسنٌ أخص ، وهو مِمَّا خرجت عليه مسألة الأحرف السبعة المشهورة .
    ومحل الشاهد امْتِنَاعُ التَّرَادُفِ من كلِّ وَجْهٍ فَيَحِلُّ الحرف محل آخر ، فَيُضَمَّنُ معناه التضمين التام ، وكذا في الفعل ، فالخلاف فيه ، أيضا ، يقع ، وله أمثلة في الوحي واللسان تضرب ، كما في الآي آنف الذكر : (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) ، فَثَمَّ من جعل التضمين في الفعل "يشرب" إذ ناب عن الفعل "يُرَوَّى" ، من الرِّيِّ على حَدِّ ما لم يسم فاعله للعلم به بداهة فمن يُرَوِّيهِم هو الله ، جل وعلا ، بما أجراه من سبب الرِّيِّ وهو الشرب وزيادة التضلع والامتلاء فذلك من تمام النعمة وبه زيادة تقرير لِلْفَضْلِ والمنة ، فتأويل الكلام على هذا الوجه : عَيْنًا يُرَوَّى بها عباد الله ، والرِّيُّ شرب وزيادة ، فيجري ذلك ، أيضا ، مجرى الترادف من وجه دون آخر فَثَمَّ جنس أعلى كما الشك والريب ، فَثَمَّ جنس أعلى وهو مطلق الشرب ، وتحته أنواع منها الرِّيُّ فهو شرب وزيادة .
    وكذا يقال في آي النجم : (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) ، فَضُمِّنَ فِعْلُ المماراة معنى المغالبة فَسَاغَ من هذا الوجه أَنْ يَتَعَدَّى بالجار "على" ، فَثَمَّ مَنْ أجاز وَثَمَّ مَنْ مَنَعَ رعايةً لما تقدم من إحكام اللسان ، فالقول بالتضمين أو الترادف التام يبطل الحكمة في تغاير اللفظة ، وهو ما قد يفتح الذرائع إذا توسع فيه الناظر أن يَتَأَوَّلَ محكمات الوحي واللسان ، فَيُجَرَّدُ المبنى من دلالته الأولى في المعجم إما تَكَلُّفًا لقرينة بعيدة مهجورة تحمل اللفظ على نَادِرٍ لا حكم له في الاستعمال ، فلا يقاس عليه ولا يُرَدُّ المعنى إليه ، أو تعسفا وهو الأقبح ، فصاحبه يَتَلَاعَبُ بالدلالات الصريحة ، ويخالف عن العلم الضروري الذي استقر في معاجم اللسان وَأَعْرَافِ الْبَيَانِ ، كما وقع من الباطنية قديما وحديثا ، فذلك مسلك يَتَكَرَّرُ وَإِنْ حَمَلَ فِي كل جيل لقبا يميز ، فكان لقبه في الماضي لقب التأويل الباطني ، وكان لقبه في الحاضر لقب التأويل الحداثي ، فهو يَتَقَصَّدُ إهمال الدلالات المشتهرة ، وَيَتَذَرَّعُ بالتأويل فالنص مفتوح على جميع الوجوه ، بلا معيار محكم إلا ما يستحسنه المتأول من معنى فَيَتَعَسَّفُ في حمل اللفظ عليه ولو بلا قَرِينَةٍ ، حتى قال من قال بِرِسَالَةٍ أولى ظاهرة وثانية باطنة ، فجاء النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأولى على أتم بَيَانٍ ، وَأَجْمَلَ الثانية فهي محل الاجتهاد ! ، ولازم ذلك ، لو تدبر الناظر ، اتهام صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قد كَتَمَ فَلَمْ يُبَلِّغْ أو لم يُبَيِّنْ ، فجاء بألفاظ لها بواطن تحير فلا يصل إليها العقل إلا على تكلف ، على وجه قد صَيَّرَ الوحي وهو الذي جاء يبين الحق ، صَيَّرَهُ مظنة الإضلال للخلق أَنْ جَاءَهُمْ بظواهر تُوهِمُ وليس لها من الحق حظ ، بل هي سبب في العذاب والنصب بما تَتَحَمَّلُ النفوس من جهد التكليف وليس ثم وراءه معنى صحيح فليس إلا خيالا وحديث خرافة ، فكان اتهام الوحي أنه مادة ضلال ومعدن كذب لم يصدق الخلق النصح فجاءهم بما ظاهره الضلال والغي وأمرهم أن يؤمنوا بظواهره ويجروها على ما يتبادر ، وليس ثَمَّ وراءَها حق في نفس الأمر ، فالحق في الرسالة الثانية التي تقترحها الأهواء والحظوظ ، فلكلٍّ من الوحي حظ بقدر عقله ! ، فالرسالة الثانية لم تُبَيِّنْ وتفصل في مواضع الخصومات الدينية ، بل تَرَكَتْ لِرُسُلِ العقل أن تبين عنها كلٌّ بما يستحسن ويستقبح ، فأي اتهام للوحي أعظم من ذلك ؟ .
    فالعقول ، على هذا القول ، تجتهد في استنباط ما بطن من دلالات الألفاظ على اصطلاح من جعل للنص ظاهرا يليق بالعامة وباطنا لا تدركه إلا الخاصة التي تَرَقَّتْ في مِعْرَاجِ الكمال الروحي والعقلي بما يُقَارَفُ مِنْ ضروب الرياضة المحدثة أو التأمل بِعَقْلٍ ذكي لم يُرْزَقْ ، كما يقول بعض المحققين ، زكاء القصد الخالص فأعرض عن طرائق اللسان الناصح ، فَصَارَ تأمله عَبَثًا يُبْطِلُ أصول المعاني الضرورية ، وَتَكَلَّفَ لذلك ما اشتهر من قول الفلاسفة أن النبوات تكذب لاستصلاح الخلق ، ولو بالقول بلا علم على الحق جل وعلا ! ، فَثَمَّ ظاهر تَسْتَصْلِحُ به النبواتُ العامةَ إذ تخاطبهم بما تطيق عقولهم وَتُمَنِّيهِم بما يشبع غَرَائِزَهُمْ من لذائذ الحس فلا يساقون إلا سوق الأنعام التي لا يجاوز عقلها حاجةَ الجسدِ حفظًا والنوعِ بَقَاءً ، فالنبوات تكذب وليس يعلم ذلك إلا الخاصة الذين اطلعوا على بواطن المعاني فاستنبطوا من رسالة الظاهر أخرى باطنة فَلَهَا معيار آخر في الاستدلال ، ولها لسان آخر لا يخضع لمعجم العامة ، فالوحي قد صار على نحوين : نحو الخاصة وله نحو آخر في اللسان يخصه ، ونحو العامة وله ، أيضا ، نحو آخر في اللسان يخصه ، ولكلٍّ مقام معلوم يُنَزَّلُ ، وذلك ما يُفْضِي إلى رسالات ثانية ! لا رسالة ثانية وإن كانت للأولى ناسخة ! ، فقد صار لكل عقل رسالة تُوَاطِئُ خيالاته ! ، ولا يلزم من آمن برسالته أن يؤمن بِرِسَالَةِ غَيْرِهِ ! ، فقد صار لكلٍّ من الدين ما يُوَافِقُ طبعه ، وصار المعيار ما يوحي به شيطانه ! ، فلكلِّ شيطان ولي يوحي إليه زخرف القول غرورا ، فيصدق فيهم وصف العدو ، عدو النبوة في قول ذي الجلال والعزة تبارك وتعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) ، وهو أمرٌ لَوِ الْتَزَمَهُ الناس في سائر الحكومات والخصومات الكونية والشرعية لَفَسَدَ نظام العالم ، فَفَسَدَتِ الأديان وفسدت الأبدان ، ولك أن تَتَخَيَّلَ الناس ، وإن في علوم التجريب ، وقد صار لكلٍّ من الأصل في تأويل ظاهر الكون من سنن التدبير والتأثير ، وقد صار لكلٍّ من الأصل في ذلك ما يواطئ وجدانه فوضع أصلا يغاير عَمَّا سواه فصار للكون من التأويل المفسر والقانون المستنبط ما يخالف بَعْضُه بَعْضًا ، فأي عاقل يَرْضَى بذلك فلو جَازَ ذلك لَفَسَدَ العالَم بِتَعَارُضِ السنن الحاكمة ، فـ : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) ، فلا يَرْضَى مَنْ يسخط الدين ، لا يرضى أن يتعدد في الكون التأويل وهو ، مع ذلك ، يَرْضَى أن يَتَعَدَّدَ التأويل في الشرع كلٌّ بِمَا استحسن من إثبات أو نفي ، من أمر أو نهي ، من إجراء على الظاهر أو صرف عنه إلى آخر مؤول ..... إلخ ، فَرَضِيَ بما به يختل أمر الدين فَيَنْقَطِعُ سلكه الجامع ولم يَرْضَهُ في سنن الأبدان والأكوان ، بل نَبَزَ من يصنع ذلك أنه جاهل مسفسط إذ يُنْكِرُ بَدَائِهَ الكون ، وهو قد أَنْكَرَ ما هو أعظم وَأَجَلُّ .
    فَلَوِ الْتُزِمَ هذا الأصل في باب التأويل وصار لكلٍّ منه حظ ونصيب يواطئ ما يهوى ويجد لفسدت الأديان والأكوان جميعا ، فطرد هذا الأصل في أي باب إن دينا أو دنيا ، إن شرعا أو كونا ، إن تشريعا أو تجريبا ، طرده في أي باب يُفْضِي إلى فساد عظيم في النظر والاستدلال والحكم وبه فساد السماوات والأرض ، وفساد النبوات والشرع فهو الفساد العام الذي استغرق فلا يقتصر على باب دون غيره ، بل شُؤْمُهُ ، لو تدبر الناظر ، يَعُمُّ سَائِرَ المسائل فهو أصل يخالف عن البدائه إذ لازمه تَعَدُّدُ الحقِّ بِتَعَدُّدِ العقول المستنبطة ، وليس الحق إلا واحدا إن في الشرع أو في الكون ، فكلها على سنن محكم جارية وكلها من واحد قد خَلَقَ وَشَرَعَ ، فلا يكون أبدا في تقديره أو تشريعه اختلاف ، و : (لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) .

    فلو فتحت ذرائع التأويل الباطن فانقلب الأمر لَعِبًا ، لصار لكلٍّ من عقله نبي يوحي إليه ! ، فهو مما يُكْتَسَبُ فَلَيْسَ وَهْبًا كَنُبُوَّةِ الظاهر فَتِلْكَ نُبُوَّةُ الباطنِ ! ، فالعامي الذكي يسلك جادة النبوة فيكتسب وصف الخاصة بما يُبَاشِرُ من أجناس الرياضة والتأمل فَيَصْدُرُ الوحي عن باطنه فهو المرجع ، وذلك ما يحصل في الخارج وإن خيالاتٍ تَتَكَلَّمُ فَهِيَ تَنْطِقُ بما قد أوحى العقل ، فليس ثم مرجع يجاوزه من خارج ، بل العقل هو المرجع وذلك ما يبطل دلالة الوحي وإن استعمل المتأول الباطني في ذلك الوحي نفسه ! ، فهو يَتَكَلَّفُ في إبطاله مآخذَ تَلْطُفُ ، فلا يَفْجَأُ أَتْبَاعَ الوحيِ بطعنٍ يَفْجَعُ ، بل يجتهد في استعمال ألفاظ النبوة وإن خرج بها عن معناها الضروري ، فليس ذلك مما يسوغ فيه الخلاف من المعاني الثانوية في الأخبار أو الأحكام من اللطائف وَالْمُلَحِ ، فذلك إنما يسوغ إذا كان ثم معنى أول يثبت ، فالمعاني الأولية محل إجماع وهي ما قد جاءت به الأصول والأحكام ، وما زَادَ فهو من لطيف الاستدلال على وجه لا يُتَّخَذُ ذَرِيعَةً لإبطال الأصل فذلك مِنْ فَاسِدِ القياس والنظر فلا يَسْتَنْبِطُ العقل في باب القياس معنى يُبْطِلُ به الأصل فَعَلَامَ يقيس الفرعَ وقد أبْطَلَ أصلَه الذي عليه يُقَاسُ ؟! .
    فذلك اللعب كما اصطلح بعض الأصوليين ، فصاحبه يتلاعب بالدلالات ، فَيُعْمِلُ منها ما يُوَافِقُ هواه أو ذوقه ، وَيُهْمِلُ ما قد خَالَفَ عنهما ، فَهُمَا معيار الحكم عنده ، وذلك ، بداهة ، مما اضطرب فلا ينضبط ، فلكلِّ متأولٍ من الهوى والذوق ما يغاير عن نظيره فإذا لم يكن ثم معيار محكم يُرَدُّ إليه ما اختلفوا في تَأْوِيلِهِ ، فهم على أنحاءٍ تَتَغَايَرُ بل هي مما يَتَعَارَضُ وَيَتَنَاقَضُ على وجه يَنْتَشِرُ به الخلاف فلا ينضبط ، فَتَبْطُلُ الحجة في اللسان أو الوحي ، فلا أصل يُرَدُّ إليه حال التَّنَازُعِ ، فليس إلا متشابه الهوى والذوق الذي يفتش أربابه عن غَرَائِبَ وَنَوَادِرَ بل وعجائب بها يَتَأَوَّلُونَ محكمَ اللسان والوحي ، فذلك مئنة من الزيغ في القلب ، كما في آي آل عمران إذ تحكي حَالَ أُولَئِكَ : (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) ، فقد جعلوا متشابه أهوائهم وأذواقهم هو الأصل ، وجعلوا محكم اللسان والوحي هو الفرع ، فهو الدليل على ما انْتَحَلُوا بادي الرأي ! ، فَاسْتَقَرَّ عندهم المعنى استحسانا بلا دليل ، فذلك خلاف أول عن العقل الصريح ، أن يثبت مدلول بلا دليل ، ثم كان الخلاف الثاني أَنْ حَمَلُوا المحكم على المتشابه فاستدلوا بالمحكم الناصح على المتشابه الباطل ، فدليل في غير موضعه يوضع ، واستدلال لا يخلو من تكلف ، فلا وجه للاستدلال يظهر ، بل الدليل الذي استدلوا به بخلاف ما استدلوا يشهد ! ، فتلك حال اضطراب تُبْطِلُ حجية الأدلة اللسانية والرسالية جميعا ، وهو ما قد سلك الباطنية قديما وحديثا ، فذلك مسلك آخر يدق في إفساد المنطق وإفساد الشرع ، وإفساد أي دليل في البحث فشؤمه يجاوز فلا يقتصر على ما قد يَتَبَادَرُ من أدلة الوحي ، فذلك بَابٌ يُفْضِي إلى فَسَادِ النظر في أي مسألة ، فالسفسطة ، لو تدبر الناظر ، جنس أعم ، وهو القدح في ضرورات العقل ، وهي المقدمات الصريحة في أي بحث ، أَيًّا كان بَابُهُ ، فإذا فسدت المقدمات التي تَثْبُتُ ضرورة في العقل فكيف تُرْجَى نَتَائِجُ في النظر تصح ؟! ، فذلك ما يخالف ، أيضا ، عن قياس العقل الناصح الذي يَنْتَحِلُهُ أولئك زورا ، فإذا صار الضروري الذي يُسَلِّمُ به كل عاقل ، إذا صار محل نظر وتفاوت بل اضطراب وَتَنَاقُضٍ ، فكيف يُرْجَى منه معنى يصح ؟! ، فاضطراب المقدمات يفضي إلى آخر في النتائج ، وعكسه يصح ، فمن صدر عن محكم في الدليل وسلك به جادة الاستدلال الصريح أفضى به إلى معنى في النظر صحيح ، فالباب يطرد وينعكس ، ولا بد له من معيار محكم في النظر ، وهو ما يوجب الرجوع إلى أول محكم من دلالة المعجم المفرد والعرف المشتهر في النطق ، وإلا صار الكلام على وجوه وأنحاء ، وصار اللسان الواحد ألسنة ، فلكلٍّ معجم من الدلالات يخصه ، وكل بمعجمه قد أُعْجِبَ ، فلا يَنْزِلُ على معجم غيره ، وإن كان أصح في الدلالة ، فلا يفصل بينهم إلا مرجع من خارج عقولهم فهو يحكم فيهم حكومة المتجرِّد ، فذلك مرجع اللسان والوحي المنزل ، وهما يقترنان في الاستدلال ، فالوحي مادة واللسان آلة ، فلا يَنْتَفِعُ الناظر من مادة الوحي إلا بآلة بها يستحصد ثمار الأخبار والأحكام ، فتلك آلة البيان ، لا جرم قال من قال إن اللسان إلهام من الله ، جل وعلا ، فَقَارَبَ الوحي ، من هذا الوجه ، وإن كان الوحي إلهاما أخص ، فمن لم يعتبر هذا الاقتران بين الوحي واللسان فهو يسلك ما تشابه من سُبُلِ الاستدلال إذ عدل عن المحكم منها ، صَحَّ قَصْدُهُ أو فَسَدَ ، رَامَ خيرا أو ضده ، وإن لم يسلم من حظ نفسه ، فَثَمَّ من اشتبه عليه الباب فلا يخلو تأويله من وجه ، وإن بعيدا لا يُسْتَعْمَلُ ، فَانْضَافَ ، كما يقول بعض من حَقَّقَ ، انْضَافَ إلى حظِّ نَفْسٍ في معنى يَلْطُفُ ، فَثَمَّ من شبهة التأويل وشهوة الغلبة والتصدر ما اجتمع فيه فهو باعثه أن خالف عن جادة الحق المحكم ، وثم من فسد قصده وفعله ابتداء فَهُوَ يطعن في المحكمات الضرورية فَيَتَكَلَّفُ من التأويل باطنا لا حظ له من قرينة ، وإن بعيدة مهجورة ، فهو طاعن في الوحي واللسان ، فالخصم في هذا الباب على أنحاء ، فمنه من كفى المناظر المؤنةَ فهو بما استبطن من فساد وزندقة قد استعلن ، فلا يَتَكَلَّفُ من التأويل ما يستر سوأته ، فهو طاعن يُبَاشِرُ فما حاجته أن يجامل أو يداهن وسيف الحق قد أُغْمِدَ قسرا فلا يخشى العقاب وإن أساء أدبا ، بل يجد من ذي السلطان المارق من يحرض فهو أحرص الناس على فساد الدين والشرع ، فحكومته حكومة الجور ولا سيادة لها في الخلق إلا أَنْ يُعَطَّلَ نَظِيرُهَا من حكومة العدل ، ومعدنه الرئيس ما قد جاء به التَّنْزِيلِ ، فكان الطعن في الوحي واللسان ذريعة إلى إبطال أحكامه ، فلا مادة تسلم في النقل ، ولا آلة تسلم في العقل .
    فَثَمَّ ، كما تقدم ، من اسْتَعْلَنَ في الخصومة فلم يستتر ، وثم من اكتسى لحاء التأويل لِيَسْتُرَ سَوْأَةَ مَا قَبُحَ من طريقته ، ومبدأُ الجناية أن تُجَرَّدَ الألفاظ من معانيها ، فتصير محالا شاغرة لا مدلول لها ، فَجَاءَ مَنْ تَأَوَّلَ فَوَجَدَ المحل قَدْ شَغَرَ ، فالمبنى المنطوق محلٌّ لا بد أن يَشْتَغِلَ بمعنى معقول ، فإن شَغَرَ فَلَمْ يشتغل ، فهو محل يقبل أي معنى ، فكلٌّ يشغله بالمعنى الذي يواطئ هواه أو ذوقه ، وإن خالف عن أصل الوضع الأول ، فقد انْتَفَى الأصل ولم يعد ثم مرجع يتحاكم إليه المختلفون في الدلالة ، وكلٌّ قد اقْتَرَحَ من ذهنه ساكنا يقطن هذا المحل الفارغ ، وكل قد أعجب برأيه واقتراحه ، فما يحمله أن ينزل على اقتراح عقل آخر يضاهيه في الخلقة ويدانيه في الفكرة بل هو دونه ، فكل يزعم أنه الأعلم والأفقه ، فلا بد من مرجع من خارج إليه يكون التحاكم وذلك ، كما تقدم ، أصل يطرد لا في مسائل الكلام والنحو فقط ، بل ذلك ما يستغرق سائر المسائل : اللسانية والشرعية ، الدينية والتجريبية ، فلا بد من معيار حاكم إليه يُرَدُّ إليه كل خلاف حادث ، كما قد نص الوحي النازل ، فـ : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، وإن كان ذلك نصا في مسائل الخلاف الشرعي إلا أنه أصل يطرد في كل باب ، فلا بد من معنى محكم هو الأصل الذي يُرَدُّ إليه مَا تَشَابَهَ من القول والفعل المحدَث ، فذكر التَّنَازُعِ في مسائل الشرع في الآي آنف الذكر ، ذكره يجري ، من هذا الوجه ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فَضُرِبَ مثالا لعام فلا يخصصه إذ المعنى يجاوزه إلى كل خلاف ، فهو يُرَدُّ إلى محكم أول هو المعيار ، ولكل بابٍ معيار حاكم ، فباب الإلهيات والحكميات الدينية معياره الألفاظ الرسالية ، وباب اللسان والنحو معياره مأثور النظم والنثر ، وباب التجريب في فن من الفنون معياره ما تَوَاتَرَ من أصوله وأعرافه فذلك ما يجري مجرى العرف الخاص ، عرفِ أهلِ الصناعة أو الفن ، فَيَتَوَاتَرُ عندهم من الأصول والدلالات ما لا يَتَوَاتَرُ عند غيرهم .
    فَثَمَّ ، من هذا الوجه ، تفاوت في الحقائق والمعارف ، فَثَمَّ : حقيقة اللسان المطلقة وهي ما يجرده الذهن أولا بما تواتر من عرف النطق ، وثم حقيقة العرف المقيدة وهي ما يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لتفاوت الفنون والصنائع فقد يكون اللفظ واحدا في نطقه وهو يَتَغَايَرُ في الدلالة فَأَهْلُ كلِّ فنٍّ أو صناعة يُجْرُونَهُ مجرى يُخَالِفُ عن غيرهم فَيَجْرِي ، من هذا الوجه ، مجرى المشترك في اللفظ فهو واحدٌ في الدليل كثيرٌ في المدلول ، وثم حقيقة الشرع المقيدة ، وذلك وجه آخر في القيد ، قيد الوحي الذي نَزَلَ على دلالات المعجم المطلقة فَزَادَ عَلَيْهَا مِنْ قَيْدِ الشَّرْعِ ما به كان التكليف بالتصديق والامتثال .
    ومنه الإلهيات ، وهي محل شاهد تَقَدَّمَ ، فالتكليف بها تصديق يُوَاطِئُ دلالات "أل" في باب الأسماء كاسمه ، جل وعلا ، الكريم ، فَثَمَّ دلالة أولى وهي : دلالة الماهية المجردة في الذهن ، وثم أخرى في هذا الباب الجليل وهي دلالة الاستغراق لوجوه المعنى ، وذلك ما اختص به الرب الأعلى ، عز وجل ، وهو ما زاد ثَالِثَةً وهي العهد الخاص ، فإذا أطلق لقب الكريم آنف الذكر ، فدخول "أل" قَرِينَةٌ ترجح عهدا خاصا وهو عهد العلمية والوصفية لله ، جل وعلا ، وإن جاز صرفه عنه إلى غيره ولو محلى بأداة التعريف ، فذلك ما يجوز إذا كان ثم قرينة معتبرة تصرفه عن وجهه الأول الذي يتبادر : وصف الخالق جل وعلا ، إلى ثان صحيح ، كما في قول الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ : يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى الله عَلَيْهِمْ" ، فأطلق لقب "الكريم" محلى بأداة التعريف وكان من القرينة ما قد صرفه إلى أعيان مخصوصة فلكلٍّ منها عهد خاص يُغَايِرُ عن نظيره وذلك ما قد دل عليه السياق ، وما تَوَاتَرَ من نسب يوسف الصديق ، عليه السلام ، فَثَمَّ استغراق لوجوه المعنى في سياق المدح ، وإن لم يجاوز حد الخلق ، فكمال وصفهم ، وَإِنْ أَنْبَيَاءَ قد اصْطُفُوا برسالة السماء ، كمال وصفهم لا يُضَاهِي ، بداهة ، كمال الوصف المطلق ، وصف الرب المهيمن ، جل وعلا ، كما أن "الكريم" في قول أبي الطيب :
    إذا أنتَ أكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ ******* وَإنْ أنتَ أكرَمتَ اللّئيمَ تَمَرّدَا .
    وإن تَوَجَّهَ إلى غير معين إلا أَنَّ معنى المدح فيه يُلْمَحُ ، لا على حد الإطلاق أيضا ، فذلك ، أبدا ، وصف الرب ، جل وعلا ، فَثَمَّ عهد خاص لا يقبل الشركة ، وهو عهد الماهية الكاملة أولا وآخرا ، الكمال المطلق ، إن ذاتا أو اسما أو وصفا أو حكما أو فعلا ، فلا يكون ذلك إلا لواحد وهو الرب الخالق جل وعلا .

    والشاهد أن القسمة في هذا الباب قد جرت على أنحاء :
    فثم جامد دلالته الجامد فلا يجاوزها كما تقدم من ألقاب البر والشعير ...... إلخ من الأجناس الربوية في الخبر : "أَلَا إِنَّ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَإِنَّ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ يَدًا بَيْدٍ وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا، وَلَا تَصْلُحُ نَسِيئَةً، أَلَا إِنَّ الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ مُدْيًا بِمُدْيٍ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّعِيرِ بِالْحِنْطَةِ يَدًا بَيْدٍ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا، وَلَا يَصْلُحُ نَسِيئَةً، أَلَا وَإِنَّ التَّمْرَ بِالتَّمْرِ مُدْيًا بِمُدْيٍ، حَتَّى ذَكَرَ الْمِلْحَ مُدْيًا بِمُدْيٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى" .
    وثم جامد يؤول بالمشتق إذ ثم قرينة تشبيه أو استعارة ..... إلخ ، كما يطلق على الشجاع لقب الأسد وهو جامد لا يجاوز في أصل الوضع حقيقة الحيوان المعهودة في الذهن حالَ أُطْلِقَ الاسم وَجُرِّدَ من القرائن الصارفة ، فكان من قرينة التشبيه ما صرفه إلى معنى مشتق وهو ما غلب على الطبع الأول ، طبع الأسد ، فهو يُقْدِمُ إِقْدَامَ الشجاع ، فَاسْتَنْبَطَ الناظر هذا الوصف المشتق وصف الشجاعة وإن كان الاسم جامدا بالنظر في أصل الوضع .

    وثم مشتق لا حظ له من الاشتقاق فهو علم مجرد على ذات في الخارج ، وذلك ما لا يجوز في حق الخالق ، جل وعلا ، وإن جاز في حق المخلوق ، فقد يطلق اسم "كريم" على ذات عاقل في الخارج وهو من أبخل الخلق وأشدهم إمساكا وذلك ، كما تقدم ، ما لا يجوز ، بداهة ، في حق الخالق جل وعلا .

    وثم مشتق له حظ من الاشتقاق ، فهو علم ووصف ، وذلك ما يطرد أبدا فلا يتخلف في حق الرب المهيمن ، جل وعلا ، وقد يثبت في حق المخلوق فيكون كريما اسما ووصفا ، وقد يتخلف فيكون كريما في الاسم بخيلا في الوصف .

    فكان من الاسم الجامد غير المشتق ما قد دل على أجناس الربا في الخبر آنف الذكر ، وهو ما جعل بعضا يقتصر عليها إذ لا معنى قد اشتقت منه يصح مناطا للتعليل ، وثم من جاوز فلم يقتصر على قياس اللسان ، كما تقدم ، بل ثم معنى في الشرع يُعْتَبَرُ ، وإن كان لطيف المأخذ ، وكان فيه من الخلاف ما ساغ إذ ليس ثم نص في الباب على العلة ، فكان الاجتهاد والاختلاف في تخريجها ، كما تقدم في الذهب والفضة ، وكذا في الأعيان المطعومة ، فكان الخلاف في تخريج العلة فَثَمَّ من جعلها الكيل مطلقا ، وثم من زاد الاقتيات فذلك معنى يؤثر إذ القوت من الضرورة التي تتعلق بها النفوس فهي معنى تضر فيه المساومة والمفاضلة والاحتكار ... إلخ ، فكان من رفع الظلم أَنْ نُهِيَ عن الربا فيها إذ ثم غبن في ضروري لا تقوم الحياة إلا به ، وثم من زاد وصف الادخار ، فأدخل ما يستصلح به القوت من الملح ونحوه فيكون ذكره من هذا الوجه مثالا لجنس أعم وهو ما يستصلح به القوت من التوابل ونحوه ، وذلك ، أيضا ، مما يكون فيه الخلاف ، فالناس على أنحاء في طرائق الحفظ والادخار وما يسهل ادخاره في بلد لا يسهل في آخر ، وما استحدث من طرائق الحفظ في جيل لم يكن في سابق ، فكان الاختلاف من هذا الوجه ، وإن كان ، عند التدبر والنظر ، اختلافا في تحقيق المناط لا في تخريجه ، فالخلاف في باب القياس إذا لم يكن ثم نص على العلة خلافٌ يجاوز حد التحقيق ، تحقيق المناط في فرع حادث ، فثم ابتداء خلاف في تخريج العلة إذ لا نص عليها لا مفردة وهي الأيسر ، أو في سياق أوصاف أخرى يجتهد الناظر في سَبْرِهَا فَيَسْتَبْعِدُ الطردي الذي لا يُؤَثِّرُ وَيَسْتَبْقِي المؤثِّر في ثبوت المعنى والحكم واحدا أو ما زَادَ ، فعلة الحكم قد تَتَرَاكَبُ فَتَأْتَلِفُ من أكثر من وجه ، فكان من الاجتهاد حالَ المنصوص على عِلَّتِهِ نَصَّ الانفراد فلا يقارنها آخر في السياق ، فالاجتهاد في هذه الحال لا يجاوز حد التحقيق ، تحقيق المعنى الجالب للحكم في الفرع المحكوم في الخارج ، فَثَمَّ من يحكم بِثُبُوتِهِ في الفرع فيحكم له بحكم الأصل ، سواء أكان الثبوت آكد فذلك قياس الأولى أم يساويه أم دونه .

    وكان من الاجتهاد حال المنصوص على علته في سياق فيقارنه غيره ، فالاجتهاد في هذه الحال تنقيح له من شوائب الأوصاف الطردية التي لا تؤثر ، ثم آخر تَقَدَّمَ وهو الاجتهاد في تحقيقه في الفرع المحكوم في الخارج .

    وكان من الاجتهاد وهو الأعسر ، كان من الاجتهاد حَالَ مَا لم يُنَصَّ على عِلَّتِهِ ، فالناظر يجتهد في تخريج العلة كما تقدم في الأجناس الربوية ، ثم يكون الاجتهاد المشترك بين سائر الأنواع ، الاجتهاد في تحقيقه في الفرع المحكوم في الخارج .

    وهو أمر ، كما ينقل بعض الباحثين ، يجاوز الوحي إلى اللسان ، فَهُمَا كما تقدم صنوان ، فالخلاف في النحو ، أيضا ، منه الخلاف في تحقيق المناط في باب القياس ، فهو من أدلة اللسان كما الأحكام على خلاف في اعتباره فالبصريون أَقْيَسُ في أحكامهم ، إذ اقتصروا في الجمع على ما قد اشتهر من كلام العرب الفصحاء دون غيرهم فالقياس عليه وحده دون الشاذ خلافَ الكوفيين الذين تَوَسَّعُوا في الجمع فأخذوا بالشاذ وقاسوا عليه ، فمناط الباب عندهم ما تكلمت به العرب ، ولو شاذًّا أو قليلا ، فَثَمَّ اتفاق في الاحتجاج بالقياس ، فذلك مناط إجماع ، وثم اختلاف في تحقيقه في الخارج فالبصريون ، كما يقول أهل الشأن أَقْعَدُ ، والكوفيون أَجْمَعُ ، فكان من قياس البصريين ما هو أحكم إذ اقتصروا على الفصيح ، وكان من قياس الكوفيين ما هو أوسع إذ قاسوا على القليل أو الشاذ ، فكان الخلاف بين القبيلين ، البصري والكوفي ، في تحقيق المناط ، مناط القياس مع اتفاقهم على الاحتجاج به في مَسَائِلِ الباب .
    وهو ما قد جاوز ، وَإِنْ في الْقَبِيلِ الواحد ، كما يضرب بعض الباحثين المثل بابن درستويه ، أيضا ، فهو من القبيل البصري ، وهو مع ذلك قد خالف عنه في بعض وجوه القياس اللساني ، كما المثل يضرب بمجيء "مِنْ" لابتداء الغاية الزمانية ، كما في قول رب البرية جل وعلا : (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) ، فَنُسِبَ إلى البصريين المنع ، على تفصيل في حكاية المذهب ، وقال ابن درستويه بضده فأجازه قياسا على مجيئها لابتداء الغاية المكانية كما في قوله تعالى : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ، وهي محل اتفاق ، فَقِيسَ عليها مجيئها لابتداء الغاية الزمانية وهو الفرع محل الخلاف ، وكان من وجه الخلاف ما دق ، فَرَآهُ ابن درستويه من الكثير الذي يقاس عليه ، فهو مؤيد بالسماع الكثير دون حاجة إلى تأويل ، فالخلاف في هذا الباب أيضا : خلاف في تحقيق المناط ، وإن داخل القبيل الواحد ، القبيل البصري ، فابن درستويه يَرَاهُ كثيرا يقاس عليه ومن أنكره من البصريين يراه قليلا فلا يقاس عليه ، فذلك ، أيضا ، خلاف في تحقيق المناط لا في أصله .

    فالخلاف في هذا الباب : خلاف في تعيين المناط ابتداء إما نصا أو تَنْقِيحًا أو تخريجا، وآخر في تحقيقه في الخارج في الفرع الحادثِ ، والحال تَزْدَادُ عسرا إن كان الحكم مُنَاطًا باسم جامد كالبر أو الشعير آنف الذكر ، فالمجتهد يتوسع في اعتبار وجوه الدلالة ويستحضر مقاصد التشريع العامة ليجرد معنى يجاوز دلالة اللقب الجامد فيقيس عليه ما طرأ من الفرع الحادث ، فهو ، من هذا الوجه ، يجري مجرى ما تَقَدَمَّ من الجامد المؤوَّل بالمشتق .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 22-04-2020 في 08:24 AM

  2. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 54788

    الكنية أو اللقب : https://www.eshraag.com

    الجنس : ذكر

    البلد
    الرياض

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : أدب ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل21/1/2019

    آخر نشاط:18-06-2020
    الساعة:05:55 PM

    المشاركات
    10

    شكرًا جزيلًا لك.


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •