اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: الاجتماع والتفرق

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:28-11-2020
    الساعة:09:02 AM

    المشاركات
    4,962
    العمر
    42

    الاجتماع والتفرق

    من أعظم مقاصد الشرع الخاتم أن يكون الاجتماع على كلمة الحق المحكمة فلا يَتَفَرَّقُ الناس على أنحاء تَتَنَاقَضُ وهي ما يورث التباغض والتنابز والتقاتل ، والوحي ، لو تدبر الناظر ، هو مادة التآلف والاجتماع ، فكان الأمر بالاعتصام أَنِ : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، فَذَلِكَ مِنَ الأمرِ الذي أفاد الإيجاب ابتداء ، ولا يخلو من زيادة مبنى تدل على أخرى في المعنى ، فالاعتصام افْتِعَالٌ ، وهو مَئِنَّةٌ مِنْ تَقَصُّدِ الْفِعْلِ وَتَكَلُّفِهِ ، وذلك آكد في تقرير الإيجاب ، ولا يخلو السياق من عمومات قياسية تقدمت الإشارة إليها مِرَارًا ، فَثَمَّ إطلاق العامل الذي يستغرق سائر أجناس الاعتصام ، اعتصام الجنان بالعلم ، واللسان بالنطق ، والأركان بالفعل وَالتَّرْكِ ، فضلا عن عموم آخر اسْتَغْرَقَ جميع المكلفين ، ذكورا وإناثا ، فالتغليب أصل يستصحب في نصوص الشريعة وإن خالف عن أصول السليقة التي قصرت واو الجمع على الجمع المذكر ، فقرينة العموم في خطاب التكليف قد جاوزت بالدلالة الوضعية الأولى ، فَزَادَتْ فِيهَا مَا استغرق كل محل يصح تكليفه وهو ما يجاوز جماعة المخاطبين الأولى التي نَزَلَ الأمر عليها : نُزُولَ العام على سبب فلا يخصص بعينه أو نوعه ، وإن دخولهم آكد في جميع خطابات الوحي لا سيما خطابات الثناء والحمد فهم خير طباق الأرض ، وعليهم نزل هذا الوحي أول ما نزل فكانوا الحلقة الأولى في إسناد النقل والمرجع الأول في التدبر والفقه بما كان من نزوله على قانون لسانهم العربي المبين ، وذلك ، أي خطاب الثناء والحمد ، ذلك ، بداهة ، ما اقتصر على خطاب المؤمنين وإلا فخطاب الناس أجمعين يَعُمًّ المؤمن والكافر فلا يظهر فيه معنى الثناء والحمد ابتداء ، ويكون تقدمهم فيه أنهم أولى الناس بالامتثال والمبادرة فلا تخلو الأولية ، أولية دخولهم في الخطاب ، لا تخلو ، من وجه ، أن تكون أولية السمع والطاعة في النصوص العامة التي يَتَوَجَّهُ فيها الخطاب إلى الناس كافة وأولية الحمد والثناء في النصوص التي يقتصر فيها الخطاب على الجمع المؤمن ، وهو ما غلب وكثر في المدينة ولو بالنظر في حال المكنة لا العدد والنسمة ، فغلب على خطاب المدينة أنه خطاب المؤمنين وإن لم يخل من آحاد من النجوم القرآنية تَوَجَّهَ فيها الخطاب بعنوان الإيمان الأخص إلى الجماعة الأقل جماعة الإيمان في مكة ، وإن عاما في الدلالة والمعنى والتكليف ، فيجري ، من وجه ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ بِهِ عام ، فأريد به الجميع لما تقدم من قرينة العموم في خطاب التكليف فتلك قَرِينَةٌ تُسْتَصْحَبُ في جميع نصوص الوحي إلا أن ترد قرينة التخصيص ، فهو ، أي الخاص الذي أريد به عام ، هو ابتداء من المجاز عند من يثبته في اللسان والوحي ، وهو ، من وجه آخر ، قد جاوز حد المجاز القياسي فصار من المجاز المشتهر الذي يجري مجرى الحقيقة العرفية المستغرقة لجميع أفرادها فعمومها وإن كان ظنا راجحا إلا أنه يستصحب استصحاب الحقيقة فلا يُعْدَلُ عنه إلا بقرينة تخصيص فتكون هي ، في هذه الحال ، تكون هي القرينة التي تعدل بالناظر عن الحقيقة وَإِنْ ظَنِّيَّةً راجحةً ، حقيقة العام ، إلى المجاز وهو العام المخصوص بالقرينة المخصِّصَةِ ، فهو ، أيضا ، من المجاز عند من يثبته في اللسان والوحي إذ يجريه مجرى العام الذي أريد به خاص ، خلاف الأول وهو الخاص الذي أريد عام .
    فكان خطاب الجماعة المؤمنة في مكة ، وهي قبل الفتح دار حرب ، كان خطابهم خطاب الخاص الذي يُرَادُ به عام ، وكان الغالب في خطاب القرآن المكي خطاب الناس الأعم الذي يستغرق من الجمع ما غَلَبَ آنذاك من أهل الكفران وما قَلَّ وَضَعُفَ من أهل الإيمان ، فثم قيد أغلبي في مبحث المكي والمدني يجعل خطاب الناس جميعا خطاب مكة إلا آحادا توجه الخطاب المكي فيها إلى الجمع المؤمن ، وعكسه ما كان في المدينة أن تَوَجَّهَ الخطاب بعنوان الإيمان فذلك الغالب إذ غَلَبَ على المدينة آنذاك الإيمان وإن لم يكن ذلك من غَلَبَةِ العدد فهو غلبة التمكين والحكم فكان الحكم للوحي وذلك ما به يستأنس من يقول إن الدار بأحكامها لا بأهلها وإن كثروا فكثرتهم لا تُغْنِي شيئا إن لم يكن شرعهم هو الحاكم فهم في تلك الحال أقلية في الأثر وإن كانوا كثرة في العدد فلا تغني شيئا حتى تُتَأَوَّلَ في قوة تأثير في الشرع والحكم والسياسة والحرب وإلا فهم الأكثرية عَدَدًا الأقليةُ أَثَرًا ، فغلب على خطاب المدينة خطاب الإيمان إلا آحادا توجه فيها الخطاب إلى الجمع الأعم فكان خطاب الناس جميعا ، وخطاب الإيمان في هذه الحال لا يَقْتَصِرُ على الجمع الغالب جمع الإيمان بل يدخل فيه أيضا من سواهم من القبيل الكافر فهم مخاطبون به وإن فرعا في التشريع ، وهو ما رجح أهل الأصول إذ قالوا بخطاب الكفار بفروع الشريعة ، فهم مخاطبون بالقرآن المدني الذي صدر بعنوان الإيمان ، وإن في فَرْعٍ جُزْئِيٍّ ، ومخاطبون بما لا يصح التكليف الأخص إلا به من تكليف الإيمان الأعم فاستغرقهم الخطاب من هذا الوجه ، وإن تَبَعًا ، إذ تَوَجَّهَ أصلا إلى أهل الإيمان الذين حصل لهم معنى الإيمان الأعم فَتَلَاهُ معنى التشريع الأخص .
    فالأصل أن يستغرق الخطاب إلا أن يكون ثم دليل تخصيص بالسبب أو النوع ، فكان من العموم في آية الاعتصام آنفة الذكر ، كان منه ما جاوز جماعة المخاطبين ، وجماعة المعاصرين الذين نَزَلَ الوحي فيهم ، فجاوزهم إلى المعدوم ، فهو يُخَاطَبُ بالقوة كما يُخَاطَبُ الموجود بالفعل ، فإذا وُجِدَ الْمَعْدُومُ كما قَدْ قَدَّرَ لَهُ الرب المعبود ، جل وعلا ، انْقَلَبَ الخطاب في حقه من القوة إلى الفعل ، وهو كَسَائِرِ الأحكام مِمَّا اسْتَلْزَمَ شَرْطًا يجب اسْتِيفَاؤُهُ كالعقل والبلوغ ، وَمَانِعًا يجب انْتِفَاؤُهُ كالجنون والصغر ، والعموم ، كما تقدم ، قد جاوز أيضا جماعة المؤمنين إلى جماعة الكافرين ، فهم مخاطبون بالتكليف أصلا وفرعا ، فإن خوطبوا بالفرع فهم لُزُومًا قد خوطبوا قبله بالأصل الذي لا يصح الفرع إلا به ، والخطاب في هذه الآية ، لو تدبر الناظر ، خطاب بالأصل أن يكون الاعتصام بحبل الله ، جل وعلا ، المحكم ، كتاب الوحي المنزل ، فالحبل إذ أضيف إلى الله ، جل وعلا ، في قوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، فذلك من إضافة الوصف إلى الموصوف ، فاستعير الحبل المحسوس لنظيره المعقول ، فهو حبل الوحي ، وهو كلام الله ، جل وعلا ، وكلامه ، كما تقدم مرارا ، من علمه ، وعلمه من وصفه ، وأول تكليفه التوحيد ، وبعده الأمر والنهي وهو المتمم الذي به استيفاء حد الإيمان المجزئ ، عقدا باطنا وقولا وعملا ظاهرا ، فتأويل التوحيد : التصديق ، وهو ، كما تَقَدَّمَ مِرَارًا ، ما يجاوز التصديق المحض الذي يكافئ المعرفة المجردة من المحبة والرضى وما يستوجبانه من الإذعان والإقرار والاستسلام .... إلخ من الحركات الباطنة فهي ، بداهة ، قدر زائد يُجَاوِزُ العرفان المحض الذي يحصل في القلب صورةَ علمٍ مجردة من العمل ، فلا يكون ثم من حركة الحب والبغض ما يَبْعَثُ الإرادة إيجابا أو سَلْبًا ، وهي ما تصدقه الأركان فِعْلًا أو تَرْكًا ، فكل أولئك مما نص عليه الحبل ، حبل التنزيل المحكم ، فهو تكليف الوحي بالتصديق والامتثال ، فتلك فحوى الاعتصام ، فالحبل وصف الله ، جل وعلا ، إذ استعير المحسوس منه للمعقول ، والمعقول هو الوصف الذي يقوم بذات الموصوف ، فهو كلام الرب المعبود ، جل وعلا ، خبرا وإنشاء ، وأول كلماته : كلمة التوحيد بالإثبات والنفي فذلك أول ما يكلف به العبد ، وهو ما استغرق ، من وجه آخر ، إذ الإضافة لا تخلو من دلالة التعظيم إذ أضيف الحبل إلى اسم الله ، جل وعلا ، الاسم الأعظم ، فما يصدر عنه من القول والتكليف فهو مِثْلُهُ عظيم ، وذلك قياس العقل الصريح ، فالعظيم وصفه عظيم إذ الوصف يُلْحَقُ بالموصوف إلحاقَ الفروع بالأصول ، فَلَهُ حكمه تَبَعًا ، فما صدر عن العظيم فهو عظيم مثله ، وذلك الطرد ، وما صدر عن الحقير ، في المقابل ، فهو حقير مثله ، وذلك العكس ، فَاطَّرَدَ الْقِيَاسُ وَانْعَكَسَ عَلَى وَجْهٍ تَسْتَقِيمُ به الدلالة العقلية الصريحة ، ولا تخلو الإضافة من دلالة التعريف في اللفظ ، وَثَمَّ ثالثة وهي محل الشاهد ، فالإضافة إلى المعرفة مَئِنَّةٌ من العموم المستغرق ، وهو ما يدخل في حَدِّهِ كُلُّ تَكْلِيفٍ ، إن بالتوحيد أو بالتشريع ، فيكون التكليف بخبر التوحيد إثباتا ونفيا ، وإنشاء التشريع أمرا ونهيا ، فكان الأمر بالاعتصام بالوحي أَمْرًا بِالْتِزَامِ الدين كله ، خبره وحكمه ، وهو ما قد أُكِّدَ بالحال "جَمِيعًا" ، وهي مما احتمل ، فاحتمل محل الشاهد أن تكون مؤكدة للحبل ، فاعتصموا به كله مبنى ومعنى ، خبرا وحكما ، إثباتا ونفيا ، أمرا ونهيا ، واحتمل ، من وجه ثان ، توكيد العامل وهو الاعتصام فاعتصموا الاعتصام التام ، واحتمل ثالثا ، وهو ما يتبادر ، فهو يؤكد الفاعل ، واو الجمع التي أسند إليها عامل الاعتصام ، فاعتصموا جميعا ، أَفْرَادًا وجماعاتٍ ، ذكورا وإناثا ، ولاة ورعايا ، فالحال ، من هذا الوجه ، قد قَطَعَتِ الاحتمالَ ، احتمال التخصيص بِالاقْتِصَارِ عَلَى دلَالَتِهَا الْوَضْعِيَّةِ الأولَى ، فكان العموم المؤكَّد بالحال فاستغرق جميع الآحاد من الذكور والإناث وإن كانت الدلالة الوضعية الأولى هي دلالة الجمع المذكر ، فكان الأمر بالاعتصام وبعده كان النهي عن ضده وهو التَّفَرُّقُ ، فـ : (لَا تَفَرَّقُوا) ، وهو ما أطلق ، أيضا ، فاستغرق سَائِرَ أجناس التَّفَرُّقِ ، تَفَرُّقِ الأديان وَتَفَرُّقِ الأبدان ، وهما ، أيضا ، يَتَلَازَمَانِ في الوجود والعدم ، فالتفرق بالأديان باعث على نَظِيرِهِ بالأبدان ، بما يكون من إغراء العداوة والبغضاء ، وهما بَاعِثَا العدوان بالقول والفعل ، وإن أفضى إلى السب والطعن ، والقتل والجرح ، فَتُسْتَبَاحُ الحرمات بشؤم المخالفة عن الرسالات ، ويكون من العداوة والبغضاء بِقَدْرِ مَا يَنْسَى الناس من الحظ الواجب من الذكر النَّازِلِ فتلك سنة تَعُمُّ وإن اخْتُصَّ بِذِكْرِهَا في آي المائدة أهلُ الكتابِ ، فـ : (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، فَذِكْرُهُمْ من هذا الوجه ، أيضا ، يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام فيكون من المجاز عند من يثبته في اللسان والوحي .

    الحرمات ، كما تقدم ، مما يُسْتَبَاحُ بشؤم المخالفة عن الرسالات ، وجوهرها الأول هو التوحيد أولُّ ما يخاطب به العبد من التكليف ، واستغرق النهي في قوله تعالى : (وَلَا تَفَرَّقُوا) ، اسْتَغْرَقَ ، من وجه آخر ، التَّفَرُّقَ في الأصول وهو ما لا يسوغ أبدا ، فلا يخرج عن حد التحريم وإن تَفَاوَتَ فَثَمَّ من الأصول الرسالية ما يَنْقُضُ الخلاف فيه أصل الديانة التوحيدية ، كالإشراك وجملة نواقض إيمانية : اعتقادية وقولية وعملية ، فهو يستغرق سائر المحال التكليفية كما الإيمان الذي يَتَوَجَّهُ تَكْلِيفُهُ ، أَيْضًا ، إلى المحال كُلِّهَا ، الباطنِ عقدا ، والظاهرِ قولا وعملا ، فكذلك الناقض فهو يستغرق الباطن والظاهر مَعًا ، وثم من الأصول ، في المقابل ، ما يُذَمُّ نَاقِضُهُ ذَمًّا لا يقدح في أصل الدين الجامع وإن قَدَحَ في كماله الواجب ، كجملة مقالات محدثة قد خالف أصحابها في أصل علمي أو جملة أصول ، فكان منها ما قد أغرى العداوة والبغضاء فهي الحظ الذي نُسِيَ في آي المائدة آنف الذكر : (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، فالنص على النصارى ، كما تقدم ، يجري ، أيضا ، مجرى المثال لعام فلا يخصصه ، فَذَلِكَ أَصْلٌ يَطَّرِدُ في كل رسالة فَمَا خالف أَتْبَاعُهَا عَنْ بَعْضِهَا ، فَنَسُوا حظا منها إلا وكان من الإغراء الرباني ، وهو فعل الجلال العادل ، فذلك العقاب الناجز ، فَحَسُنَ ، من هذا الوجه ، أن يسند إلى ضمير الجمع في قوله تعالى : (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ) مَئِنَّةً من التعظيم ، وكان من الإطناب في الجزاء جنسَ عداوة وبغضاء ، كان منه ما استغرق فهما مما يتلازم ، فذلك جزاء النسيان ، وهو ، كما يقول بعض المحققين ، جنس آخر قد أُطْلِقَ عامله : عامل النسيان "نَسُوا" ، فَاسْتَغْرَقَ النِّسْيَانَ الْعِلْمِيَّ وَالْعَمَلِيَّ ، ومنه محل شاهد في الفروع العملية وهو عقد الْبَيْعَتَيْنِ في بيعة ، فذلك مما به التَّنَازُعُ يُغْرَى فيكون من التَّبَاغُضِ مَا يُفْسِدُ الود ، فالنسيان لحظ من الوحي ، إن أصلا أو فَرْعًا ، ولو في موضع يدق كفرع من فروع البيع ، ذلك ذريعة العداوة والبغض ، فأطلق الحظُّ وَنُكِّرَ لَفْظُهُ في سياق الإثبات ، فهو مئنة من الإطلاق ، كما يقول أهل الأصول والنظر ، فيصدق ولو بواحد من آحاد العام ، وهو نسيان أي حكم ، وإن دق ، فيكون من العداوة والبغضاء بِقَدَرِهِ ، فَثَمَّ تَفَاوُتٌ في الجزاء تَبَعًا لِلتَّفَاوُتِ في الجرم ، فإن كان النسيان لحظ في الأصول يَعْظُمُ ، فذلك مما يُغْرِي التفرق والعدوان حتى يَبْلُغَ بأصحابه حد التَّقَاذُفِ وَالتَّقَاتُلِ ، فيكون من استباحة الحرمات ما يُفَوِّتُ مقاصدَ الرسالات ، فَثَمَّ نسيان في العلم باطنا ، وثم آخر في العمل ظاهرا ، وثم حظ يَعْظُمُ فهو في أصل الدين المحكم ، وَالتَّفَرُّقُ فيه ، كما تقدم ، ينقض أصل الدين الجامع فَجُرْمُهُ هو الأكبر وَشُؤْمُهُ هو الأعظم ، ومنه ، في المقابل ، حظ عظيم فَوَاتُهُ فَوَاتٌ يَضُرُّ وإن لم يقدح في أصل التوحيد الجامع فهو يقدح في كماله الواجب ، فالتفرق فيه عظيم وإن لم يبلغ حد التفرق في الأصل ، وهو ، من وجه آخر ، مما يُنْهَى عنه سدا لذريعة التفرق الأعظم في أصل الدين المحكم ، لا سيما إن كان التَّفَرُّقُ فِي المقال العلمي ، فهو أعظم من التَّفَرُّقِ في الحكم العملي ، وإن ذُمَّ التَّفَرُّقُ ، أيضا ، في العمل ، فهو ذريعة أخرى إلى التَّفَرُّقِ في العلم ، بل منه ما يَقْدَحُ في أصل الدين الجامع ، فَثَمَّ مِنْ نَوَاقِضِهِ نَوَاقِضُ مِنَ العمل الظاهر ، فكان من النهي في آي آل عمران أَنْ : (لَا تَفَرَّقُوا) ، ما استغرق جميع أَجْنَاسِ التفرق ، والعامل ، أيضا ، مما زِيدَ في حده ، فهو مئنة من التَّفَعُّلِ ، فلا يخلو من دلالة التَّقَصُّدِ لجناية الْفُرْقَةِ وذلك أَقْبَحُ فِي الشرعة وأعظم في المذمة ، وإن أجراه بعض الصرفيين مجرى الفعل المجرد إذ التضعيف في هذا الموضع لا يجاوز به حد الإثبات لأصل النسبة بلا زيادة في المعنى .
    والسياق لا يخلو ، كما تقدم ، من تلازم فالأمر بالاعتصام يستلزم النهي عن ضده من التفرق ، والنهي عن التفرق ، في المقابل ، يَسْتَلْزِمُ الأمرَ بِضِدِّهِ مِنَ الاعتصام ، فكان الأمر بالاعتصام الذي استغرق بإطلاق العامل ، فدخل فيه اعتصامُ الجنان الباطن علما واعتصام اللسان نطقا واعتصام الأركان فعلا ، وكان النهي عن ضده من التفرق الذي استغرق ، أيضا ، الباطن والظاهر ، الجنان واللسان وعامة الأركان ، والعموم في هذا الشطر قد استفيد من تسلط النهي على المصدر الكامن في الفعل ، فاستغرق سائر وجوه المعنى ، فذلك ، كَمَا تَقَدَّمَ ، مِمَّا بِهِ العداوة والبغضاء تَحْصُلُ ، وبعدها الجزاء الأعظم يوم العرض الأكبر ، فـ : (سَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، فلا يخلو السياق ، كما يقول بعض المحققين ، لا يخلو من زيادة في الوعيد استفيدت من وجهين ، فثم الالتفات في الضمير ، فالتفت من التكلم إلى الغيبة وهو مما به تحصل الهيبة ، فضلا عن اسْتِحْضَارِ الذهن بِمَا كان من الانْتِقَالِ فِي النُّطْقِ ، وثم الإنباء الذي يجري في هذا السياق مجرى الجزاء على وزان ما اطرد في معهود الكلام ، فيقول الرجل لمن يتوعد : سأنبئك بما كنت تصنع ، أي سأجازيك به ، فالإنباء ، من هذا الوجه ، قد استعير لما بعده من الجزاء فهو الذي له يمهد ، فَبَيْنَ يَدَيِ الجزاء والنكاية يكون الإقرار بما اقْتُرِفَ من الجناية ، أو تقرير الجاني بها بما يكون من شهادة الكتب والجوارح ، ولا يخلو السياق من إطناب زائد به تقرير المعنى ، فَزِيدَتِ الكينونة الماضية في المبنى ، فذلك آكد في الدلالة من القول في غير التنزيل الخاتم : وسوف ينبئهم الله بما صنعوا .

    فالنهي عن التفرق في آي آل عمران أَنْ : (لَا تَفَرَّقُوا) ، هذا النهي مما يحمل ، بداهة ، على التحريم ، فالتفرق في الدين مما يَقْبُحُ ضرورةً في النقل والعقل فالوحي قد جاء يجمع الناس على كلمة سواء ، فـ : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ، فكان النهي عن التفرق ، وهو مَا أُطْلِقَ فَاسْتَغْرَقَ جميع أجناس الخلاف الْمُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ والاقتتالِ ، فإن الفرقة في الدين ذريعة إلى الفرقة في الدنيا ، فمبدأ الحرب الكلام ، ومبدأ التصاول بالأبدان التباغض في الجنان ، فاستغرق الإطلاق في الآية : (وَلَا تَفَرَّقُوا) ، استغرق وجوه التفرق وآحاد الْمُتَفَرِّقِينَ ، وذلك ، من وجه ، مما يدخله التخصيص ، فَثَمَّ وجوه خلاف تسوغ ، فلا يذم الخلاف فيها ما لم يُفْضِ إلى التعصب في غَيْرِ موضعه ، فَيَكُونُ تحجيرُ الواسع أَنْ يُحْمَلَ الناس على وجه واحد في مسائل ذات وجوه ، الخلاف فِيهَا يسوغ ، وإن كانَ الأصلُ رَفْعَ الخلافِ مَا اسْتَطَاعَ النُّظَّارُ إِلَيْهِ سَبِيلًا ، فالحق ، على الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَالِ الْأُصُولِيِّينَ ، الحق واحد في الأصول والفروع ، مَا سَاغَ الخلاف فيه من الفروع وما لم يسغ من الأصول ومن الفروع المنصوص على حكمها نَصَّ القطعِ الجازمِ ، فالحق واحد في جميع مسائل الخلاف العلمي والعملي ، السَّائِغِ وَغَيْرِ السائغِ ، وَثَمَّ من جوز تَعَدُّدَ الحق في مسائل الخلاف السائغ في الفروع ، وثم من نظر في فتوى المفتي في واقعة مخصوصة فقد يُفْتِي بخلاف الحق مع تحريه وَابْتِغَائِهِ مَظَانَّهُ ، وأهلية الاجتهاد والنظر ، فالناظر أهلٌ أن يجتهد إذ استوفى شَرَائِطَهُ وَحَازَ أَدَوَاتِهِ ، ونظره مع ذلك نَظَرُ المتجرِّدِ الذي لا تحركه الأهواء والأذواق ، فلا حظ له في قول إلا أن يكون الحق القاطع أو الراجح ، فهو يُمَحِّصُ أدلته ويسبر دلالاته فَيُرَاجِحُ بَيْنَهَا صحةً وصراحةً ، فالصحيح يرجح الحسن ، والمتواتر يرجح الآحاد ، والضعيف ، مع ذلك ، على أنحاء ، فمنه ما ينجبر ومنه ما لا ينجبر ، فيقدم الأول إذ الناظر به يعتبر ، فَثَمَّ الاجتهاد في جمع الطرق وتحرير الْمُدْخَلِ الذي يستنبط العقل منه معنى صريحا يفهم ، فالعقل آلة الفهم والاستنباط بما رُكِزَ فِيهَا من الضرورات العلمية ، فهو يباشر الْمُدْخَلَ فَيَسْتَنْبِطُ منه المعاني الصريحة قَطْعًا أو ظَنًّا ، فيكون الْمُخْرَجُ النافع الذي به عمران الدين والدنيا فذلك قانون عام يَسْتَغْرِقُ ، فإذا باشر المفتي وظيفة الإفتاء وهو لها أهل ، فَتَجَرَّدَ وَتَعَلَّمَ ، ونظر ونصح للمستفتي بما يَغْلُبُ عَلَى ظَنِّهِ أنه الحق في نفس الأمر ، فأفتاه في مسائل الخلاف السائغ بوجه من الوجوه مرجوح غَيْرِ رَاجِحٍ ، بل قد يكون خطأً في نَفْسِ الأمر لا في اعتقاد المفتي ، فهو يفتي بما نظر وسبر فاعتقد اعتقاد القطع أو الظن وإن لم يكن ذلك في نفس الأمر ، فإذا كان ذلك فأفتى بالمرجوح وليس بِرَاجِحٍ في نفس الأمر ، وكان في ذلك رخصة يَتَرَفَّهُ بِهَا المستفتي مع حرصه هو ، أيضا ، أن يَبْتَغِيَ الحقَّ مَظَانَّهُ ، فلا يختار الأيسر الذي اشتهر بِالتَّرَخُّصِ في غير مواضعه ، ولا يختار الأعلم بلا وَرَعٍ ، بل يقدم الْوَرِعَ إذ الْوَرَعُ هو مبدأ الحركة النافعة ، نظرا وحكما ، باطنا وظاهرا ، وبعده العلم فلا يجزئ الْوَرَعُ وحده ، فلا يُسْتَفْتَى العابد المتنسك الذي لا اشتغال له بالعلم ، فَوَرَعُهُ قد يحمله على التشدد فِي غَيْرِ موضعه أو تحجير الواسع ، فَيُفْتِي بالورع لا بالعلم ، فلا يجزئ الأول وحده وإن كان صاحبه يحمد ، فإذا اسْتَفْتَى الْوَرِعُ طَالِبُ الحق إذا استفتى وَرِعًا آخر يَعْلَمُ ، وتجرد كلاهما ونصح ، وكان الخلاف سَائِغًا ، فَأَفْتَى المفتي المستفتي خَطَأً ، وكان فِيهِ من الرخصة ما يَتَرَفَّهُ به المستفتي فتلك مِنْحَةٌ رَبَّانِيَّةٍ بِالتَّيْسِيرِ ولو علاى خلاف الحق في نفس الأمر ، وهي ، مع ذلك ، ضرورة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا فلا تَصِيرُ هذه الفتوى عمدةً في جميع المحال ، فهي كالعلة اللازمة التي لا تجاوز محلها أو هي كَوَاقِعَةِ العينِ فلا عموم لها ، كما يقول أهل الشأن ، فالخلاف هنا لا يُذَمُّ ، وإن كان دَرَكُ الحق أولى وآكد ، فيصدق في هذا الموضع أن ثم تفرقا في الدين ، ولكنه لا يُذَمُّ ، إذ لم يقترن بالتعصب وتحجير الواسع ، كما اطرد في أحوال المتأخرين من مُقَلِّدَةِ المذاهب ، ولم يكن الخلاف مع ذلك في محل قطع فَلَيْسَ ثَمَّ نص أو ثم نص يحتمل في دلالته احتمالا معتبرا وإن لم يكن راجحا ، فليس الخلاف في هذه الحال هَدَرًا كالخلاف في قواطع الأصول والأحكام ، ولم يكن للمخَالِف فيه هوى أو ذوق ، فقد تجرد في طلب الحق مبنًى ومعنًى ، فإذا كانت الحال كذلك فالخلاف قد يكون رحمة ، ولكنها ، كما تقدم ، مما يجري مجرى الضرورة ، فهي رحمة في محل مخصوص لا تُجَاوِزُهُ ، فَتُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا .
    وَثَمَّ خلاف آخر لا يَتَوَجَّهُ فيه الذم مطلقا ، وهو خلاف التَّنَوُّعِ وإن كان ثم تفاضل بين وجوهه فيصدق فيه من هذا الوجه أن الحق يَتَعَدَّدُ ، ووجوهه تَتَفَاضَلُ ، فلا يُذَمُّ مِنْهَا وَجْهٌ ، ولا يُذَمُّ اخْتِيَارُ مُسْتَفْتٍ منها ما رَجَحَ عنده وإن لم يَرْجُحْ عند غيره ، فهو خلاف بَيْنَ فَاضِلٍ وَأَفْضَلَ ، فَلِكُلٍّ من الفضل نصيب وَإِنْ تَفَاوَتَ ، كالمثال المشهور الذي يُضْرَبُ في هذا الباب ، وهو اختلاف التَّنَوُّعِ فِي التَّشَهُّدِ ، فَرَجَّحَ كُلُّ مذهبٍ وجها ، فَثَمَّ من نظر في الثبوت فَرَجَّحَ ما احتفت به قرينة إجماع ، كما صنع المالكية إذ رجحوا تَشَهُّدَ عمر ، رضي الله عنه ، فَقَدْ تلاه على المنبر فأقره الجمع الشاهد وهم آنذاك أهل الإجماع القاطع ، فتلك قرينة تَرْجِيحٍ بالنظر في الثبوت ، وثم من نظر في معنى آخر احتف بالرواية ، كما في تشهد ابن مسعود ، رضي الله عنه ، إِذْ حَفِظَهُ من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان من قرينة التحري ما يُرَجِّحُ تَشَهُّدَهُ ، وَثَمَّ مَنْ رَجَّحَ ثالثا بالنظر في المعاني الجامعة والمحامد الكاملة فاختار ما به يعظم الحمد لرب السماوات والأرض ، جل وعلا ، فذلك من التفرق الذي لا يذم ، فلا يدخل ، بداهة ، في حد النهي أَنْ : (لَا تَفَرَّقُوا) ، بل ذلك خلاف يحمد ففي كل وجه من الخير ما يُطْلَبُ ، فالراجح أن يُغَايِرَ المصلي فلا يَثْبُتَ على تَشَهُّدٍ واحد فيصير له كالعادة إذ يُكْثِرُ تِرْدَادَهُ فَيَذْهَلُ عن معانيه خَلَافَ مَنْ يُغَايِرُ فهو يستحضر المعنى في كل وجه ، فلا يعتاد واحدا دون غيره ، فَلَا يُذَمُّ هَذَا التفرق على وجوه صحيحة وإن تَرَاجَحَتْ ، فلا يذم إلا إِنْ حَجَّرَ الناظر ما قد وَسِعَ من الخلاف فَتَعَصَّبَ لقول المذهب ، وَقَدَحَ فِي غيره ، بل وجاوز ذلك في أحيان ، فكان التَّنَابُزُ بالألقابِ وما يستجلبه من الاقتتال بالأبدان ، وتلك حَالُ نَقْصٍ غَلَبَتْ على المتأخرين لَمَّا غَاضَ الاجتهاد وَفَشَا التقليد ، فَذُمَّ التَّفَرُّقُ في هذه الحال ولو كان الخلاف ابتداء : خلاف التَّنَوُّعِ ، فلا يُذَمُّ بالنظر في أصله وإنما يُذَمُّ بالنظر فيما احتف به من قَرِينَةِ التَّنَازُعِ وَالتَّنَابُزِ تعصبا في غير موضعه ، فكلٌّ يَنْتَصِرُ لِمَذْهَبِهِ سواءً أكان ذلك في الخلاف غير السائغ فهو يَتَكَلَّفُ من ألفاظ الأدلة ووجوه الاستدلال ما يُرَجِّحُ به المرجوح فتلك غايته فلا يَبْتَغِي الحقَّ مَظَانَّهُ وإنما يَنْصُرُ إمامَه ، إمامَ المذهب ، فَيُنْزِلُه مَنْزِلَةَ العصمةِ في الفتوى ، وهو ما لم يَنْتَحِلْهُ الإمام ، بل كانت وصايته أَنْ إذا صح الحديث فهو المذهب ، فتلك حكاية مأثورة عن الأئمة الأعلام ، وهي أصل من أصول الاستدلال المحكم إذ تُوَاطِئُ قياس العقل الناصح فَتُقَدِّمُ ما حقه التقديم ، فالنص محكم وأقوال الأئمة متشابهة ، وقياس العقل الناصح أن يَقْضِيَ المحكمُ في المتشابه ، فالنص أول والرأي في المحل الثاني ، فلا يُقَدَّمُ ما احْتَمَلَ على ما هو قاطع لا يَحْتَمِلُ ، إن في ثبوت النص ، فالمتواتر يقدم على الآحاد ، والصحيح يقدم على الحسن ........ إلخ ، أو في درجته فالنص يقدم على الرأي ، كما تقدم ، والأصل المتفق عليه كالكتاب والسنة والإجماع يقدم على نَظِيرِهِ المختلف فيه كشرع من قبلنا والمصلحة المرسلة ..... إلخ ، أو في الدلالة فالنص الذي لا يحتمل يقدم على الظاهر المحتمل ..... إلخ ، فتلك أصول محكمة وطرائق في الاستنباط مُتْقَنَةٌ بِهَا ينظر المجتهد أو الفقيه نظر المسترشِد المستنبِط فقد حرر القصد فاسترشد بألفاظ الوحي الصحيحة ودلالاته الصريحة ، وحرر القواعد ، فَلَا يُذَمُّ الخلاف في هذه الحال فهو السائغ ، وإن كان الحق ، كما تقدم ، واحدا لا يَتَعَدَّدُ إِنْ في الأصول أو في الفروع جميعا ، فذلك ، من وجه ، ما يصدق فيه أنه رحمة ، وإن خاصةً في حق أعيان دون غيرهم فلا يكون في الخلاف أبدا رحمة تَعُمُّ ، وإن في مواضع الخلاف السائغ ، وعليه يحمل قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله : "ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنه لو كان قولاً واحداً، كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أَخَذَ بِقَوْلِ رجلٍ منهم كان في سعة" ، فذلك خلاف سائغ في الفروع ، في غير المنصوص ابتداء من نوازل الاجتهاد المستجَدَّةِ ، وَإِنِ اختلفوا في مَنْصُوصٍ فلا يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وإنما اقتصر ذلك على الخطأ في التحمل والأداء ، كما قد أُثِرَ عن عائشة ، رضي الله عنها ، وَقَدِ اسْتَدْرَكَتْ على المفتين من أهل زمانها من الجيل الأول الفاضل ، قد استدركت عليهم جملا مشهورة جمعها بعض المصنفين في مصنف مفرد .
    فَاقْتَصَرَ ذلك على الخطأ في التحمل والأداء أَوِ التَّفَاوُتِ في وجوه المعنى ، فالخلاف إجمالا يَتَرَاوَحُ بَيْنَ الخلافِ فِي أَلْفَاظِ الدليل أو وجوهِ الاستدلال على وجه مُعْتَبَرٍ قد تَجَرَّدَ أصحابه من الأهواء الذاتية فغايتهم تحرير الأحكام الرسالية ، العلمية والعملية ، فيكون الخلاف في مواضع مخصوصة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا فهي كالضرورة ، يكون رحمةً في حق أعيان لا على وجه العموم المستغرِق ، فالأصل أن يُنْهَى عن التفرق ، وَأَنْ يُطْلَبَ الحق في نفس الأمر في مواضع الخلاف ساغ أو لم يسغ مع إفساح المجال للنظر المحقق فهو يجتهد في تحرير المباني سندا وتحرير المعاني نظرا ، فيكون الاجتهاد في أحيان في تصحيح لفظ ، فيصححه ناظر إذ يَرِدُهُ مِنْ طَرِيقٍ ظاهرها الصحة ، أو يجمع من طُرُقِ لَفْظَةٍ مُخْتَلَفٍ في صحتها ، يَجْمَعُ مِنْ طُرُقِهَا ما يَتَعَاضَدُ فَمَعَهُ ، من هذا الوجه ، علم زائد ، إِذْ ثَبَتَ عنده من طرق الباب ما لم يَثْبُتْ عند غيره ، فاستقرأ استقراء المحقِّق الذي استجمع أدوات الباب : حفظا لألفاظه وفقها لمعانيه ، تحريرا لإسناده ومتنه فيكون نظره في طرق الرواية : في رجالات الإسناد توثيقا أو تضعيفا ، وفي سماعهم من شيوخهم اتصالا أو إرسالا ، زيادة أو نقصا ، ويكون نظره اعتبارا في جمع الشواهد والمتابعات التي تعضد ما احتمل ضعفه ، فالضعيف ، كما تقدم ، منه ما احتمل فهو محل اعتبار فقد يَبْلُغُ الناظرَ المحقق من طرق الباب العاضدة ما لا يبلغ غيره ممن لم يحط بالرواية إحاطته ، فذلك مما يتفاوت فيه الرواة أيما تفاوت ، فلا يستوون في الحفظ ، وَمَنْ حَفِظَ فهو حُجَّةٌ على من لم يحفظ إذ معه لفظ زائد ، كما أن من فَقِهَ فهو حجة على من لم يفقه فمعه معنى زائد ، فالباب ، كما تقدم ، لا يقتصر على الإسناد بل ثم من طرائق النَّقْدِ للألفاظ ما به يستكمل الناظر أدوات الحكم : على الإسناد وعلى المتن ، فهو ينظر فيما خفي من دقائق العلل والقوادح فمنها ما يكون في الإسناد ومنها ما يكون في المتن ، فالحفظ والفقه صِنْوَانِ لا يَفْتَرِقَانِ ، وبهما يتفاوت المجتهدون فيكون الخلاف الذي يفتقر إلى قرائن ترجيح بها يقضي المجتهد بما رجح عنده واستبان وإن لم يكن الحق في نفس الأمر ، فإذا استوفى الشروط وانتفت عنه الموانع فلم يكن ثم جهل أو هوى ، فَفَتْوَاهُ في مسائل الخلاف تُعْتَبَرُ إلا إن اجتهد في موضع نص أو إجماع فخلافه في هذه الحال فاسد الاعتبار وإن كان هو المثابَ الثوابَ الواحد ، فلا تعارض إذ الجهة قد انفكت ، فجهة الخطإ في الفتوى ، وجهة الثواب في بذل الجهد واستفراغ الوسع على سَنَنٍ مُحْكَمٍ فِي تصحيح الرواية وفقه الدراية ، فما بذل من الجهد فهو محل اعتبار وقد يتصور في هذه الحال أن يذهل عَنْ نَصٍّ في الباب لا سيما في دقائق الفروع فيجتهد وثم نص فاجتهاده فاسد الاعتبار من هذا الوجه ، وعمله صالح من آخر وهو ما سلك من جادة الاجتهاد المحكمة قصدا ونظرا ، فذلك وإن كان تَفَرُّقًا في الدين إلا أنه لا يُذَمُّ بَلْ قَدْ يُحْمَدُ في أحيان إذا لم يُفْضِ إلى الغلو والتعصب فهو مئنة من سعة الشريعة وإحكام آيِهَا الْمُنَزَّلِ فاستغرق لفظها وجوها وإن كان الحق واحدا ، فلا يخلو الخلاف ، كما تقدم ، مِنْ سَعَةٍ ، وإن كان الاتفاق أولى فهو غاية الشريعة أن يجتمع الناس على كلمة سواء في كل نازلة ، وهي كلمة الحق ، فلا اعتبار بما تَوَاطَأَ عليه جمعٌ مِنْ عُرْفٍ فاسد ، فلا يقال إن تلك كلمة سواء تقبح المخالفة عنها ! ، فذلك ما لا يستقيم نقلا ولا عقلا ، فالكلمة المحمودة هي كلمة الصدق والعدل ، وتلك فحوى الوحي فلا عبرة بإجماع لم يَتَجَرَّدْ من الهوى والحظ ، فهو يفتقر إلى أسباب وَبَوَاعِثَ أرضية يخالف لأجلها عن الشرعة السماوية ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى رَائِدٍ مِنْ خَارِجِ العقول يحسم ما بَيْنَهَا مِنَ الخلاف الحادثِ ، وإلا فلكلٍّ من البواعث ما يخالف عن غيره ، فمن يحسم التَّنَازُعَ بَيْنَهَا إلا كتاب الرسالة ؟! ، فهو المرجع المجاوز من خارج ، وهو ، وحده ، ما تَجَرَّدَ من الأهواء والبواعث ، فالإجماع عليه مظنة الاعتصام ، والركون إلى سواه مظنة الانشعاب ، انشعاب الأهواء والأذواق على أنحاء ، فَتَتَّسِعُ دائرة الخلاف المذموم إذ يستند إلى الحظوظ ، فلكلِّ نَفْسٍ حظ في مقال أو مسلك بها تُحَقِّقُ غَرَضَهَا المستعجل ، وإن أفضى بها إلى سوء المآل ، فلا يكون الإجماع المحقق إلا على معنى به الخلاف يَرْتَفِعُ ، فالوحي بنصه ومعناه ، ومسلكِ جداله المحكم قد أغنى الناظر أن يفتش في سواه طلبا لدليل صحيح أو وجه استدلال صريح ، فلا ينكر الوحي الخلاف مطلقا بل قد جاء بما يحرر مادته وَيُرَجِّحُ بَيْنَ وجوهه على حد العدل فالناظر طالب حق ، فلم يكن الترجيح ترجيح الهوى أو الذوق ، فالترجيح بهما هدر لا يعتبر ، إذ لا يرتفع بهما الخلاف بل يزيد فدائرته تَتَّسِعُ إذ لكلِّ ناظرٍ هوى أو ذوق ، ولكلٍّ من وجوه الاستدلال حظ وإن تَكَلَّفَ وَتَعَسَّفَ ، فَيَنْشَعِبُ الخلاف وهو ما قد نُهِيَ عنه ، وذلك ما وصى به الله ، جل وعلا ، في رسالاته ، فـ : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) ، فكان من الشرع المحسوس لمورد الماء الذي يسقي السقاء المحمود فمنه يَتَضَلَّعُ الشارب ثم يصدر وقد حصل له الري ، كان من هذا الشرع المحسوس ما استعير لِنَظِيرِهِ الْمَعْقُولِ ، فهو مورد الأخبار والأحكام التي يَتَضَلَّعُ منها الجنان فَيَحْصُلُ لَهُ الرِّيُّ الذي يحفظ حياته فلا يموت ولا يمرض فلا يزال محلا يقبل أسباب الحياة من مادة الوحي المنزل ، فآثارها في الجنان الصالح بما رُكِزَ فيه من ضرورة النظر ، آثارها في الجنان صلاح عاجل إذ يستقيم على جادة علمية صادقة ، وأخرى عملية عادلة ، فذانك شطرا الوحي المنزل ، فوحده ما يصلح القوى الاختيارية : الباطنة والظاهرة ، فلا يزال الجنان يَقْبَلُ من آثار الوحي ما به صحة القصد والمسلك فتأويله ما يكون من الإرادات الناصحة وسائر الحركات الْبَاطِنَةِ من الْحُبِّ وَالْبُغْضِ والرجاء والتوكل والاستعانة والاستغاثة ، وآية ذلك في الخارج قَوْلُ الحقِّ وعدلُ الحكمِ في مسائل التَّنَازُعِ ، ما خص وما عم ، فكان من عدل الرسالة ما حسم مادة الظلم وسد الذرائع إلى الاختلاف فهو باعث الخصومة والاقتتال ، فإذا تخالفت الأقوال ولم يكن ثم عدل ورحمة ، كان الظلم والبغي الذي يُوغِرُ الصدور وَيَقْطَعُ العلائق ، وَإِنْ أَرْحَامًا ، فيكون من طلب الثَّارَاتِ مَا يَشْفِي بِهِ الْمَظْلُومُ صدرَه وهو ما قد يجاوز في أحيان ، فالكرامُ قَلِيلٌ وليس كلٌّ يَصْبِرُ ألا يستوفيَ حقَّه ، وآية الكريم ، كما يقول القائل ، ألا يستوفي ، فما استوفى كريم قط ، وليس كلٌّ يطيق هذا الفضل فهو ثقيل على النفس أن تحصل لها مكنة مِنْ خصم ظَلَمَهَا فَتَعْفُوَ عنه وتصفح عفو القوي القادر ، فأكثر الناس إن اجتهدوا فَدَافَعُوا شهوة البغي والتشفي من الخصم ، أكثرهم لا يجاوز حد العدل فلا فضل عنده ليصفح ، فهو ، أبدا ، يَتَأَوَّلُ الجلالَ في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) ، وثم من لا يصبر ألا يظلم ، فإذا حصلت له المكنة لم يصب عين القصاص العادل فضلا أن يكون من الجنس الفاضل ، فلا يطيق العدل إلا قليل ولا يطيق الفضل إلا أقل ، والمسدد من سدد الرب جل وعلا .

    ولم يكن ذلك الظلم والبغي إلا بما خالف الناس عن جادة الحق اتباعا لأهواء وطلبا لحظوظ فهي أعظم ما صَدَّ الخلق أن يسلكوا جادة الحق ، فكان نسيان الحظ من آي الشرع الذي وصى به الحق ، جل وعلا ، في محكم رسالاته ، فهو مَا شَرَعَ من مورد حقٍّ خَالِصٍ من الكدرِ عنه يصدر الرِّعَاءُ بعد رِيٍّ وَتَضَلُّعٍ ، فما عدل عنه أحد إلى غيره إلا وَقَدْ فَسَدَ قِيَاسُهُ أن قدم ما حقه التأخير من الأهواء الأرضية المتخالفة وَأَخَّرَ ما حقه التقديم من الأحكام السماوية المتوافقة ، فَمَنْ رَامَ السلامةَ والنجاةَ وسكون الجنان وطمأنينة الأركان وذلك مظنة لارتفاع الخلاف إذ يكون من طلب العدل في الخصومة العلمية والعملية ما أَوْجَبَتِ الحكومة الرسالية ، وإن مع المخالف الشانئ ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فذلك قانون محكم لا يطيقه إلا من تَجَرَّدَ من الهوى وحظ النفس ، وهو ما شرع الله ، جل وعلا ، للناس من الدين المحكم ، فـ : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) ، فَثَمَّ ماضوية في عامل الشرع "شَرَعَ" بِهَا زيادة تَقْرِيرٍ وَتَوْكِيدٍ ، فالله ، جل وعلا ، هو الحاكم المشرِّع فوحده من له الجمع يتأله ، بما أَنْزَلَ من الآي وشرع من الدين ، فتلك وصاية جامعة قد تواطأت عليها النبوات الناصحة ، فَثَمَّ عموم به المنة تَتَقَرَّرُ ، فتلك دلالة الضمير المخاطب المجموع في "لَكُمْ" ، فضلا عن اللام فَهِيَ مَئِنَّةٌ من الاختصاص ولا تخلو من دلالة التبليغ إذ ضُمِّنَ الشرع معنى القول ، وثم بيان لجنس المشروع من الدين ، فتلك دلالة "مِنْ" ، وثم أخرى تُضَاهِيهَا وهي "أل" في "الدين" ، فَشَرَعَ منه ما وَصَّى به نوحا ، والكلام على حد الْغَيْبَةِ ، ثم كان الالتفات إلى مقام التكلم في "أوحينا" ، وَكَانَ الْانْتِقَالُ مِنَ الإفراد في الإسناد في "شَرَعَ" إلى الجمع في "أَوْحَيْنَا" ، فهو مئنة من التعظيم ، وبعده كَانَ الإطناب في ذكر الرسالات ، وكل أولئك مِمَّا أُجْمِلَ فَهُوَ يطلب المبيِّنَ وهو ما حُدَّ حَدَّ التفسير في "أَنْ" فهي نص في الباب ، فما قَبْلَهَا قَدْ ضُمِّنَ معنى القول دون حرفه ، فكان من الشرع المحكم ما تواطأت عليه الرسالات فهو أصل الديانات أَنْ : (أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) ، فاستعيرت إقامة الحس لإقامة المعنى فذلك من جنس ما تقدم من شرع المورد المحسوس لآخر معقول ، فكذلك الإقامة ، فكان الأمر وهو يضاهي الإثبات في شهادة التوحيد ، فذلك أمر إيجاب ، وإن احتمل ، من وجه ، دلالة الاشتراك ، فَثَمَّ إقامة تجاوز حد الفرض ، فَثَمَّ ما يزيد من النفل الذي يحوط الفرض ويصونه ، والعامل ، من وجه آخر ، قد أطلق فاستغرق وجوه الإقامة جميعا ما بَطَنَ من عقد التوحيد وما ظهر من حكم التشريع ، فكلاهما يدخل في حد الدين الجامع ، فدلالة "أل" في "الدين" : دلالة بَيَانٍ من وجه ، ودلالة عموم من آخر ، وذلك ما استغرق وإن توجه ، بادي الرأي ، إلى أصل الدين الأول ، أصل التوحيد المحكم ، فكان من الشرع الخاتم ما وَاطَأَ الشرع السابق ، وهو ، من وجه ، ما يُرَشِّحُ في "أل" في "الدِّينَ" دلالة العهد ، العهد الخاص ، دين التوحيد الأعم ، لقرينة : "إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، دِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى" ، فذلك عقد التوحيد الجامع الذي أجمعت عليه النبوات كلها فهو الأصل الذي عنه صدرت وهو الغاية التي لأجلها نَزَلَتْ ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، وذلك ما لا يكون إلا بالنفي والإثبات الذي تضمنته الشهادة ، فقد نَفَتْ كُلَّ معبود باطل وأثبتت المعبود بحق وحده فهو الإله الذي له الخلق يَتَنَسَّكُ بما شرع من الوحي المنزل ، فكان التوحيد في النبوات أصلا ، وكان الخلاف في التشريع فَرْعًا ، فَبَعْضُهَا لِبَعْضٍ يُصَدِّقُ بالنظر في الأصل ، وبعضها لبعض يَنْسَخُ في جملة فروع ، فَثَمَّ من قرينة الاختلاف في الفروع ما رجح في "الدِّينِ" دلالة العهد الخاص ، فذلك التوحيد الجامع ، فلا يتصور فيه خلاف معتبر أيا كان وجهه ، فلا يكون الشرك في رسالة حقا ، وذلك ما يدحض مقال التثليث وكل مقال يثبت لله ، جل وعلا ، الشريك ، فَتَعَدُّدُ الشركاء يؤذن بالاختلاف والتفرق لا الاتفاق والتجمع على الحق توحيدا وتشريعا ، فذلك مُرَادُ الشرعِ الأول ، فإذا خالف العباد عنه صَارُوا على أنحاء تصطرع ، بل يكون الواحد على أحوال تضطرب ، فشركاؤه فيه يَتَشَاكَسُونَ ، فَأَمَرَ الوحي بإقامة الدين إذ هُوَ من الاختلاف يَعْصِمُ إذ ليس إلا واحدٌ يُعْبَدُ فلا يُشْرَكُ معه غيره شرك الظلم الذي يخالف عن قياس العدل الذي يوجب التَّفْرِيقَ بين المختلِفَيْنِ ، فتلك فرقة تحمد خلاف ما ذم في الآية ، فَذُمَّ من التفرق ما به الناظر يخالف عن جادة الحكم العادل ، فَيُسَوِّي بين المختلِفَيْنِ ، وأعظم أجناسه أن يُسَوِّيَ بين المخلوق والخالق ، جل وعلا ، فتلك أعظم جناية أن يُسَوَّى بَيْنَ الناقص والكامل ، فالقياس الناصح وهو من بدائه العقول ، أن يفرق بين أي مختلفين ولو دق الخلاف ، فكيف بأعظم مختلفين في أعظم باب ، باب الدين الذي به صلاح الحال والمآل جميعا .
    فكان الأمر بإقامة الدين خبرا وحكما ، فيكون التوحيد في العقد والتوحيد في الشرع ، فتوحيد العقد العلمي الباطن ، وتوحيد الشرع العملي الظاهر على وجه استغرق سائر الحركات الاختيارية ، حركات الجنان تصديقا وإقرارا وانقيادا ....... إلخ ، وحركات اللسان شهادة وذكرا ، وحركات الأركان فعلا وَتَرْكًا ، فذلك معنى ، لو تدبره الناظر ، لوجد فيه خلاصة الوحي النازل ، فالإقامة ، كما تقدم ، قد أُطْلِقَ عَامِلُهَا إذ يَأْمُرُ في قوله تعالى : (أَقِيمُوا الدِّينَ) ، فاستغرق سائر الوجوه ما بطن وما ظهر ، ما عم وما خص ، فتلك إقامة الأحكام التكليفية وسائر الأحوال الاختيارية على الجادة الرسالية المحكمة ، جادة الدين الجامع توحيدا في الباطن والظاهر ، ولا يخلو الإسناد من عموم آخر ، إذ الواو في "أَقِيمُوا" مئنة من الجمع ، جمع الذكور فتلك دلالة المعجم الأولى ، وهو ما رفدته القرينة المطردة في خطاب التشريع ، قَرِينَةُ التغليبِ إذ الأصل المستقر في هذا الباب : عموم التكليف الذي يستغرق ، فيدخل في حده كل محلٍّ لآثار الوحي يقبل ، فذلك عموم في الأمر أَنْ : (أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) ، وهو مظنة الاتفاق إذ الجميع على كلمة سواء ، فهي ما قد أجمعت عليه النبوات كلها ، فَذُكِرَتْ نُبُوَّاتُ أُولِي العزم تَنْوِيهًا بِشَأْنِهَا ومثالا لا يخصص عمومها فتلك مادة النبوات جميعا ، فكان من العموم المنصوص في الخبر : "إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، دِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى" ، فدلالة "أل" في "الأنبياء" مئنة من العموم المستغرق الذي يجاوز مَنْ ذُكِرَ في الآية ، فذكرهم لا يخصص العام بل هو مثال يُبِينُ عن ماهيته وَحَدِّهِ ، وبعد الأمر كان النهي الذي يجري مجرى التلازم ، إذ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده ، فالأمر بإقامة الدين ولا يكون ذلك إلا بالاجتماع على كلمة سواء ، ذلك ما يَسْتَلْزِمُ فِي النَّقْلِ وَالْعَقْلِ النهي عن ضده من التفرق أَنْ : (لَا تَتَفَرَّقُوا) ، فَثَمَّ مقابلة بين شطرين بها استيفاء الحقيقة التوحيدية ، فإن الأمر بالإقامة يضاهي الإثبات في الشهادة ، والنهي عن التفرق ، في المقابل ، يضاهي النَّفْيَ لكل معبود باطل ، وثم ، لو تدبر الناظر ، طباق بين الألفاظ ولو بالنظر في اللوازم فهو طباق غير تام ، إذ التام منه أن يذكر الاجتماع والتفرق ، أو الإقامة والهدم ، فَثَمَّ طباق باللازم إذ لازم الإقامة للدين هو الاجتماع على كلمة التوحيد ، فَيُطَابِقُ الاجتماعَ ، طِبَاقَ النص التام ، يطابقه التفرق ، وكما أطلق الأمر بالإقامة كان نظيره في النهي فقد أطلق فاستغرق ، كما الأول ، جميع وجوه التفرق إن في العلم أو في العمل ، إن في الخاص أو في العام ، فتلك ، لو تدبر الناظر ، كلمة جامعة للدين كله ، أصله وفرعه ، ما تقدم من رسالاته وما تأخر من خاتمها الذي جاء يصدقها وَيَرْفِدُهَا بِمَا فَصَّلَ من الأخبار والأحكام .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 54788

    الكنية أو اللقب : https://www.eshraag.com

    الجنس : ذكر

    البلد
    الرياض

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : أدب ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل21/1/2019

    آخر نشاط:18-06-2020
    الساعة:05:55 PM

    المشاركات
    10

    شكرًا جزيلًا لك.


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •