اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: الممكنات البلاغية للغاية الإقناعية في القرآن الكري

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 51816

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : دكتوراه

    التخصص : بلاغة ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل21/4/2016

    آخر نشاط:10-09-2020
    الساعة:08:30 PM

    المشاركات
    37
    العمر
    38

    الممكنات البلاغية للغاية الإقناعية في القرآن الكري

    الممكنات البلاغية للغاية الإقناعية في القرآن الكريم
    آيات الإنفاق في سورة البقرة نموذجا
    د.أيمن أبومصطفى
    مقدمة
    بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فإن الخطاب القرآني خطاب تعليمي، وهذه الخصيصة تجعله موجها لعدة متلقين، وهذا التعدد في المتلقين يستلزم تعددا في الأساليب التي تتناسب مع كل نوع، ولذا فقد قصد الباحث إلى الوقوف على أثر الغاية في بناء الأسلوب في القرآن الكريم، هادفا إلى بيان أثر الغاية الإقناعية في بناء الأسلوب القرآني، وقد اتخذ آيات الإنفاق في سورة البقرة نموذجا، لما اتسمت به من تركيز وتكثيف للدلالة، فهي آيات متتابعة تدفع المتلقي نحو الإنفاق دفعا، وتحذره من البخل والإمساك والاستخدام غير الشرعي للمال، وقد جاء البحث في العناصر التالية:
    1- البلاغة والغاية الإقناعية.
    2- خطاب الإنفاق وتماسك النص.
    3- الإقناع بالترغيب والترهيب والممكنات التصويرية.
    4- الممكنات والضواغط الأسلوبية،وتحت هذا العناصر قسمان فرعيان:
    أولا: الأسلوب الخبري وإنتاج الدلالة الضمنية
    أ‌- أسلوب الشرط المعتمد على التعليل وإنتاج الدلالة الضمنية.
    ب‌- أسلوب التفضيل وغايته التمكينية وإنتاج الدلالة الضمنية.
    ت‌- خبرية التذييل وأثرها التمكيني.
    ث‌- القصر وأثره التأكيدي والتمكين للغاية الإقناعية.
    ثانيا: الأساليب الإنشائية وأثرها التمكيني
    أ- الطلب بعد أسلوب النداء.
    بـ - أسلوب السؤال المرقق للنفس.
    5- البديع وتمكين الدلالة.
    وتبع ذلك الخاتمة التي أوجز فيها الباحث نتائج بحثه، وتبع ذلك قائمة بالمراجع التي تم الرجوع إليها، سائلا الله تعالى القبول والإخلاص إنه ولي ذلك والقادر عليه.


    1- البلاغة والغاية الإقناعية.
    وظيفة البلاغة هي وصف الطرق الخاصة في استعمال اللغة وتصنيف الأساليب بحسب تمكنها في التعبير عن الغرض تعبيرا يتجاوز الإبلاغ إلى التأثير في المتكلم أو إقناعه بما نقول أو إشراكه في ما نحس به ، وغايتها مد المستعمل بما تعتبره أنجع طريقة في بلوغ المقاصد( ).
    فـالبلاغة تهدف إلى إيصال المعنى إلى نفس السامع ،عن طريق الحجج والبراهين المنصهرة في لغة النص ، ولا يمكن أن يقتصر هدفها على عرض الحلية اللغوية والمحسنات البديعية.
    وبحسب الغاية من الخطاب ونوع المتلقي يمكن تصنيف الخطاب ، فالغاية ونوع المتلقي تحددان نوع الأسلوب وتقنيات الخطاب ، فالخطاب إلى الصديق يختلف عن الخطاب إلى العدو أو المعاند ، وذلك لاختلاف المتلقي واختلاف موقفه ، ولذا فإن الخطاب القرآني حينما يخاطب المسلمين يكون مغايرا للخطاب لغير المسلمين.
    فمن آمن بالله ربا، ورضي بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، محال أن يكون في تلقيه الخطاب كتلقي المنكر لله أو لرسوله صلى الله عليه وسلم.
    فالبخل والإمساك صفتان جُبل الإنسان عليهما، يقول تعالى: قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لاَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (الإسراء: 100) .
    فكيف استطاع القرآن أن يقنع بالإنفاق؟
    سنقف فيما يلي على أساليب القرآن في الإقناع بالإنفاق، مع مراعاة أن الخطاب الحاض على الإنفاق في سبيل الله لا يمكن أن يدخل ضمن إطار الحجاج ، لأن الحجاج يكون لمنكر أو معاند ، أما المسلم فهو يصدق ذلك ولكن نفسه تميل إلى استبقاء المال ، فهنا يأتي الإقناع ليخاطب هذه النفس ليحركها ويؤثر فيها.
    وحينما يصل الخطاب إلى مكونات التأثير العقلي والعاطفي يتحول الطلب إلى فعل منجز، ولعل أصدق شاهد على ذلك قوله تعالى (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور/22].
    وقد تحول الطلب إلى منجز، وتغير الموقف، فقد ذكر الواحدي أن الآية قصدت : (أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله يعني مسطحاً وكان مسكيناً مهاجراً وكان ابن خالة أبي بكر وكان قد حلف ان لا ينفق عليه ولا يؤتيه شيئاً، وليعفوا وليصفحوا عنهم لخوضهم في حديث عائشة ألاّ تحبون أن يغفر الله لكم. فلما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي ورجع إلى مسطح بنفقته التي كان ينفق عليه)( ).
    2- خطاب الإنفاق وتماسك النص:
    إن القرآن الكريم مترابط الدلالة، نسيجه واحد، يرتبط أوله بآخره، ويفسر بعضه بعضا، ولذا فإن آيات الإنفاق في سورة البقرة ليست منعزلة عن نسيج السورة، بل هي خيط يرتبط بنسيج النص، فالسورة بدأت بالأحرف المقطعة(ألم) وهذه البداية بداية مشوقة؛ حيث تثير في الأذهان تساؤلات حول دلالة هذه الأحرف، التي ربما قٌصد منها أن تنبه العرب إلى كون القرآن من جنس لغتهم التي نبغوا فيها، ومن ثم نجد بعد هذه الأحرف في أغلب سياقاتها القرآنية ذكر للقرآن الكريم، وقد جاء هنا الحديث عن القرآن بوصفه كتابا( ذلك الكتاب) وذكر الكتابة فيه تقوية للحجة وإلزام للخصم، فالنص المكتوب يسهل عليك أن تعيد النظر فيه مرة بعد مرة، على خلاف النص المنطوق الذي ينتهي بانتهاء النطق به، وكذلك استخدام اسم الإشارة(ذلك) الدال على بعد المنزلة وعلو المكانة، وقد جاء قوله تعالى (لاريب فيه) قاطعا لشبهات المشككين في نسبته لرب العالمين، وهذه الدلالة التي تنفي مطلق الشك والريب عن القرآن تثبت المؤمنين الذين آمنوا به كتابا ومنهجا، وبعد ذلك يأتي ذكر الهدف والغاية من الكتاب(هدى) فهو كتاب هداية وتوضيح وتبيين وإرشاد، ولكن الذين يستفيدون منه لهم صفات خاصة (للمتقين) ومن ثم يأتي تفصيل القول في المتقين، فمن هم؟ وما صفاتهم؟.
    وتأتي صفاتهم (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) ونلاحظ هذا الترتيب العجيب في ذكر هذه الصفات:
    أولا: الإيمان بالغيب.
    ثانيا: إقامة الصلاة.
    ثالثا: الإنفاق.
    رابعا: الإيمان بالكتاب المنزل والكتب السابقة.
    خامسا: الإيمان باليوم الآخر.
    فالإيمان بالغيب يعني التسليم المطلق، واليقين التام، بكل ما جاء عن الغيب، وهذا اليقين يدفع النفس إلى الرضا والتسليم، ومن ثم الإقبال على الله تعالى بقلب خاشع في الصلاة، التي يتصدق فيها بجزء من وقته، ويأتي الإنفاق المترتب على التصديق بوعد الله والعمل لمرضاته، دون نظر لنظر الخلق، فالمرء يتاجر مع ربه تعالى.
    وهذا الوعد الذي ينبغي أن يصدقه المؤمن جاء ذكره في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع اليقين التام بأن الجزاء الأوفى سيكون في اليوم الآخر، يوم القيامة.
    ومن ثم جاء تفسير وتوضيح هذه الصفات في السورة كلها، فنجد غالبا الحث على الإنفاق مقرونا بالحديث عن اليوم الآخر، وبذلك يكون الخطاب أكثر تأثيرا ،(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (
    فقد جاءت هذه الآيات بعد الحديث عن البعث والنشور، وذلك لأن القلوب حينما تستشعر الوجل والخوف من ذلك اليوم العظيم تبحث عن أسباب النجاة، فيأتي الحث على الإنفاق باعتباره نجاة من هول ذلك اليوم.
    3- الإقناع بالترغيب والترهيب والممكنات التصويرية:
    المتلقي المتعدد جعل تنوع الأساليب أمرا حتميا، فالأسلوب تعبير عن نوعية المتلقي، فقد يناسب أسلوب الترغيب بعض المتلقين، ويناسب أسلوب الترهيب بعضا آخر، فيختلف التعبير القرآني في الحديث عن قضية واحدة باختلاف السياق، وذلك لاختلاف المتلقي، واختلاف الغاية من الخطاب، ولعلنا نلاحظ أن الحديث عمن يمتنع عن الإنفاق لإنكاره وعدم اقتناعه، يختلف عن الحديث الموجه إلى المسلمين لحثهم على الإنفاق:
    فقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ " (التوبة 34 ، 35)
    يختلف عن قوله تعالى " قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ " (إبراهيم 31)
    فالغاية في الموضعين تتمثل في طلب الإنفاق وطلب الكف عن الشح والبخل وكنز الأموال، و فيهما تذكير باليوم الآخر مستخدم بوصفه وسيلة تمكينية، ولكننا نلاحظ أنه قد تفاوتت درجة الإقناع بين السياقين فنجد أقصى درجات التخويف والترهيب في التذكير باليوم الآخر، ولكن جاء التركيز في مشهد التوبة على النار وهي تُحمى على أموالهم التي كنزوها ثم تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ويأتي خطاب التبكيت والزجر"هذا ما كنزتم لأنفسكم" ثم يأتي الوعيد "فذوقوا العذاب" وياتي تعليل العاقبة برغم مرور ذكره زجرا وتقبيحا لهم"بما كنتم تكنزون" وقد جاءت الاستعارة هنا ممكنة لمعنى شدة العذاب، "فذوقوا العذاب" فالنفس تُعذّب لرؤية العذاب، ثم تُعذب بالعذاب نفسه، أما في الآية الأخرى- آية سورة إبراهيم- فقد جاء ذكر اليوم الآخر عاماً بإسناد الفعل يأتي لليوم النكرة الموصوفة بـ ( لا بيع فيه ولا خلال )ولعل السبب هو اختلاف الموقفين ، فالخطاب للمؤمنين تذكير عام ( توجيه محبة لأن الله نسبهم إلى نفسه ووصفهم بالعباد ) يوضعون موضع خالي الذهن في التصنيف البلاغي لأحوال الإسناد . وهو تحذير لأناس مخصوصين بكونهم عباد الله؛ حتى لا يقعوا في الخطأ . فعندما يوجه يوجه بلطف، أما آية التوبة فموجهة إلى (الذين يكنزون) ، فهم بالفعل وقعوا في الخطأ ، ولما تغيرت الغاية وتغير السياق تغيرت الوسيلة ، ففي الأولى نموذج ترهيبي ، وفي الثانية نموذج ترغيبي.
    وفي سياق الترغيب يكون التمثيل ممكنا بلاغيا للمعنى، وذلك بذكر مضاعفة الأجر للمنفق، كما في قوله تعالى (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (
    ومن ثم يأتي الحث على أن يكون الإنفاق خالصا لله تعالى بعيدا عن الرياء والسمعة، وهذا الاحتراس المتكرر بتوضيح أن الإنفاق ينبغي أن يكون خالصا لله في السر والعلن ،والسياق الذي ربط بين الإنفاق واليوم الآخر هو ما دفع إلى هذا الاحتراس، فليس لأنه قانون مسبق جاهز يطلبه وقتما يشاء المتكلم ، بل لأن المعنى والدواعي السياقية والعلاقة بين كل من المتكلم والمخاطب ودرجة هذه العلاقة كل هذه الجوانب تبين لماذا يوجد الشكل البلاغي وذلك هو دور الأسلوبية ، ومن ثم " ينبغي أن ندرك أن هناك حركة شبه لاواعية تتردد عند من يهتمون باللغة ، بين العملية التي تقضي بوصف كيف يعمل النظام – الأسلوبية – وبين تلك العملية التي تقضي بأن يقال كيف يجب على النظام أن يعمل – البلاغة . (2) ، " ولقد أولى الوصف البلاغي – إذن – عناية كبيرة بالأشكال من أجل إقامة قوانين عامة ، وعنى الوصف الأسلوبي بالخصوصيات ، بالأساليب الفردية من أجل الكشف عن ماهيتها وتفسيرها " (3) وذلك ما تحقق من خلال شكل الاحتراس في الآيات من حيث لم نصل إلى تبرير وجوده ، وإلى آثاره ودلالاته إلا بما بينه النص قبله .
    وقد جاء التمثيل ممكنا لهذه الغاية الإقناعية، فالذي يرائي الناس وينفق للسمعة تشبه حالة ضياع أجره، حالة الصخرة الملساء التي نزل عليها التراب، لكنه حينما أصابه الإعصار لم يبقِ عليه ترابا، فحالة ذهاب التراب تشبه حالة ضياع الأجر، ولا شك أن هذا التمثيل يحرك النفس نحو الإخلاص.
    "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ"
    فالتشبيه في قوله تعالى فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً {البقرة: 264} . للمبالغة، يقول البقاعي: " ولما ضرب مثلاً لنماء النفقة بالحرث ضرب مثلاً لابطالها بخطأ الحارث في الحرث فقال : (فمثله) في إنفاقه مقارنا لما يفسده ، ومثل نفقته (كمثل صفوان) وما زرع عليه وهي مبالغة من الصفا وهي الحجارة الملس الصلبة …" ( ) .
    وهنا تتضح قيمة التصوير، فالتشبيه هنا يثير عقل المتلقي، فلابد أن عقل المتلقي سيعمل ويفكر في جدوى الإنفاق، وأثر الإخلاص في الإنفاق ، فيأتي التشبيه قاطعا كل ذلك بالصوت والصورة معاً ، وذلك " لأن العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حد الضرورة يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام وبلوغ الثقة فيه غاية التمام " (1) وأصبح التشبيه – الشكل البلاغي – " الأداة التي تجعلنا على وعي بالأشياء ، فهي التقنية التي تجعل الشيء قابلاً للإدراك كما تجعله فنياً (2). "
    وبعد هذا النموذج الترهيبي نجد نموذجا ترغيبيا يرغب في الإنفاق ويصور المشهد بصورة مضادة للصورة الأولى:
    (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
    ثم يكون السؤال الذي يحمل دلالات متداخلة فهو يمكن للغاية التي جاء لأجلها التمثيلان السابقان ، هذا السؤال الذي يخاطب العقل والعاطفة معا :
    أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ )
    "أيود" فلما كان الحديث عن محبوب بل أحب محبوب "الأبناء" وهم زينة الحياة الدنيا ، تتعلق بهم القلوب ، فتتحرك الجوارح كلها لأجلهم ، ويحرص الوالد على أبنائه حرصا يدفعه لجمع المال وتأمين الحياة لهم ، لكن المشهد هنا يركز على صورة أب بلغ من الكبر عتيا، وقد اجتهد كل الاجتهاد ليجمع لأبنائه "الضعاف" المال الذي يضمن لهم الحياة الكريمة ، وتأمل ما توحيه "ذرية ضعفاء" من معاني الضعف والحاجة ، لكنه وقد كبر سنه يصيب جنته إعصار فيه نار ، فالماء يغرق والنار تحرق ، وتأمل أيضا "إعصار فيه نار" وما يحمله من معاني الدمار والحطام ، جاء هذا في آخر العمر ،ليُحَمِّل الرجل عذابين ، عذاب الحاضر وعذاب المستقبل ، فقد فقد كل شيء.
    وهكذا يكون حال الذي ينفق طلبا للشهرة أو السمعة ، ولا يدخر ما ينفقه ليوم القيامة.
    ومن ثم يأتي النداء بعد دغدغة المشاعر والعواطف ، ليحول هذه العواطف إلى عمل ، ويحث على أن يكون الإنفاق من أحسن المال وأجوده :
    ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)
    وللإقناع بالإنفاق يأتي ذكر عداوة الشيطان محفزا لمخالفته ، فهو يدعو إلى البخل ، وهذه تكفي ، فمن الوسائل الإقناعية استخدام الألفاظ ذات العلاقات المعرفية المتشابكة ، و"الشيطان " هنا يستحضر كل ما في ذهن المتلقي من عداوة للشيطان :
    (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )
    وهذه المقارنة الإقناعية بين وعد الشيطان ووعد الله ممكن للغاية التي من أجلها الخطاب وهي الإنفاق ، فأنت تستحضر وعد الله الصادق ، ووعد الشيطان الكاذب الماكر ، ولعلم الله بطبائع البشر ، جاء تذييل الآية بهذين الوصفين "واسع" "عليم" فواسع تخاطب فيه الحاجة ، وعليم تخاطب فيه الدافع ، فالحاجة إلى الأجر تتطلب أن يكون الإنفاق خالصا ، والذي يعلم ذلك هو الله.
    ( يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ )وورود الحكمة بين آيات الإنفاق يربطها بالسياق ، فالحكمة أن تدخر عند الله ، وأن تنفق ابتغاء مرضاته ، فمن علم صدق وعد الله أخرج ما في يده دون أن يجد لوما من نفسه المحبة لكنز المال.
    ففي الآية خطاب للعقل بأن يفكر ويتأمل وينظر في عاقبة الأمور ، فما ينفقه الإنسان ابتغاء مرضاة الله سيجد أثره في الآخرة ، وما أنفقه في الدنيا من أجل الدنيا فسينتهي بانتهاء الدنيا:
    (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270) إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فنجد الربط بين الإنفاق والأجر في الآخرة محفزا ومقنعا ومؤثرا في نفس المتلقي ، وهنا جاءت إضافة أخرى وهي "ويكفر عنكم من سيئاتكم" وجاءت من التبعيضية لكي لا يتكل المرء على الصدقات وحدها ، ومن ثم يتجرأ على المعاصي والآثام.
    ويبدو أن تغيير الطباع المحبة والمتعلقة بالمال كان أمرا صعبا ، فحاول النبي صلى الله عليه وسلم أن يحفزهم للإنفاق كثيرا ، ولكن بعض المتلقين أعرض ، فكان هذا الخطاب:
    (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ )
    ويتكرر الحض بعد الحض للوصول إلى الغاية بأكثر من ممكن ، فيأتي بيان أمنهم يوم القيامة وعدم حزنهم ، ولاشك أن النفس تتخوف من الخوف يومئذ ، وقد جاء الفعل المضارع" ينفقون "ليحمل دلالة التجدد والاستمرار في البذل والعطاء ، وقد خصص الإنفاق بالمال هنا لأن الحديث عن المال في كل أحواله اكتسابا وإنفاقا وإقراضا وبيعا وشراء ، ثم بينت الآية عموم الوقت وشمولية الإنفاق جميع الأوقات والأحوال ليلا ونهارا سرا وعلانية .
    (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وتنتقل الآيات عبر الغاية إلى نوع من التصرف المذموم في المال وهو الربا ، والربا يمنع الود والصلة والتراحم بين الناس ، والود والصلة بين الناس ناتج من نواتج الإنفاق في سبيل الله ، لذا جاء هذا التصوير البديع:
    (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278)فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)البقرة: ٢٦٢ – ٢٨٠
    ولو أننا نظرنا لهذا الأسلوب الترهيبي الذي جاء في الإقناع لوجدناه جاء مؤخرا، على عكس الحديث الخاص بالحجاج لأهل الكفر الذين يكنزون الذهب والفضة فقد جاء الترهيب مباشرة ؛لأنهم واقعون في البخل وعدم الإنفاق حقيقة ، وهم ينكرون جدوى الإنفاق ويرونه أخذا من أموالهم بغير حق.
    فتأمل لفظة (يمحق)وما تحمله من دلالة الهلاك التام، وتأمل "فأذنوا بحرب من الله ورسوله" فإنها تفجر براكين الخوف والرهبة، فالحرب مع الله تعالى ومع رسوله صلى الله عليه وسلم.
    وبرغم هذه الأساليب الترهيبية نجد الباب مفتوحا أمام التائبين، وهذا الباب يفتح أبواب صلاح المجتمع، فلو أن كل مذنب أغلقت أمامه الأبواب لتمادى المذنبون وهلك المجتمع وعمت الفوضى.
    فالملاحظ أن الإنفاق يرتبط بالحديث عن الجنة والتخويف من هول يوم القيامة ، وذلك يكون أكثر تأثيرا في النفس ، فتقبل النفس على الإنفاق مخالفة ميل النفس ، فالصراع يكون محتدما بين طبيعة النفس المحبة للجمع ، وبين حاجة الله لتزكية تلك النفس من التعلق بالدنيا ، وساعة أن تنتصر النفس على الهوى تشعر بلذة وسعادة.
    فالآيات هنا تخاطب النفس، وتقنعها بضرورة الإنفاق على أن يكون لوجه الله، فالإطعام من أوجه الإنفاق، وقد تخالطه الرغبة في السمعة، فتأتي هذه الآيات لتهذب تلك النفس ؛ كي لايضيع أجرها.
    بل إن في الخطاب مؤثرات شعورية نقف عليها من خلال هذه اللغة السهلة السلسالة التي تكرر فيها حرف السين ليناسب تلك السهولة، فحرف السين في موضع الاستشهاد تكرر (29) تسعا وعشرين مرة ، كما نجد التركيز على العاقبة بذكر انتفاء الخوف والحزن عن المنفقين، وحلول العذاب للممسكين والمرابين.
    وقد عرض الله مشهد البذل ومشهد الرد وحالة الإخلاص في العطاء؛ لتكون صورة متخيلة في ذهن السامع، فكأنه يرى المشهد بعينيه فيتأثر به.
    4- الممكنات والضواغط الأسلوبية:
    أولا: الأسلوب الخبري وإنتاج الدلالة الضمنية:
    الأسلوب الخبري يختلف عن الأسلوب الإنشائي في درجة التوجيه المباشر، فالأسلوب الإنشائي يعرض الطلب بشكل واضح مباشر، وهو مناسب للحالات الإلزامية التشريعية التي تقتضي(افعل ولا تفعل) أما الأمور التي تتطلب الإقناع فإن المناسب لها هو الأسلوب الخبري، وهو يأتي متزامنا مع الإنشائي لتمكين المعنى وتحقيق الدلالة وبلوغ الغاية.
    وتلقى المتلقون الآية فلا يقفون عند المعنى الحرفي، بل ينصرفون إلى التوجيه الضمني منها، يقفون ليسألوا أنفسهم: ما المطلوب ؟ لأنهم يدركون أن القرآن منهج حياة.
    وهذه هي سمة الأسلوب الخبري الذي لا يصرح بالطلب تصريحاً مباشراً ولكن القارئ هو الذي يستخلصه بنفسه، ومن ثم يصبح دور المتلقي مع الأسلوب الخبري دوراً مزدوجاً لأنه يتلقى خبراً أو قولاً ما بمثابة معلومة جديدة عليه، ويكمن دوره هو في استخلاص ما ينبغي عليه نحو ما علم . أما الجملة الإنشائية الطلبية " فينبغي أن يتعين المقصود منها وهو فعل شيء ما ، على نقيض الاكتفاء بقول شيء ما ." (1) أي في الجملة الخبرية. وهذا الأسلوب الخبري يحقق البعد العاطفي بحيث ينتقل من مجرد الإخبار إلى إثارة العاطفة، وبذلك يكون الأسلوب مناسبا لـ " المضمون الوجداني للغة " (2).
    وقد أشار د.عيد بلبع إلى أن أسلوب الخبر قد ينتج دلالات ضمنية في سياق حديثه عن الحديث النبوي حيث قال: " فإنه من المعروف أن دلالات الإلزام والكف قد ينتجها الخبر ، بل إن الخبر في بعض التراكيب في الحديث النبوي الشريف ينتجها بصورة أمعن في الإلزام من الصيغ المعروفة ." ( )
    وينبغي أن نشير إلى خصوصية الأسلوب الخبري هنا عن غيره من أنواع الخطابات الأخرى، فالأسلوب الخبري – هنا- ليس مرتبطا بمدى تحقق مطابقته الواقع أو عدم مطابقته أي الصدق والكذب ، فهذا الأساس لا يتحقق –هنا-؛ لأن الحكم على صحة الأسلوب معروف مسبقاً فهو كلام الله ومن أصدق من الله قيلا؟!.
    إذن فغاية الخبر ليست مجرد الإعلام، وإنما هي تحول الكلام إلى فعل منجز، التحول بالمنطوق على توجيه، كما سنرى.
    ج‌- أسلوب الشرط المعتمد على التعليل وإنتاج الدلالة الضمنية:
    تكرر بشكل ملحوظ تركيب الشرط في هذه الآيات موضوع الدراسة، كما يلاحظ اقترانه بالتعليل؛ وذلك لطبيعة هذا الخطاب التعليمية فالغاية الأولي فيه هي التعليم والتوجيه ومن ثم يأتي الشرط حاملاً الطلب المراد ، ثم يعقبه التعليل إيضاحاً وتبيينا لهذا الطلب ليرتفع الأسلوب من درجة الاختبار والإعلام إلي درجة أعلي هي أقرب لتحقيق امتثال المتلقي واقتناعه . وحين يأتي الشرط في سياقات التعليم والتوجيه يكون أقوى في أداء ذلك .
    فقد جاء أسلوب الشرط وفق النسق اللغوي مكونا من: اسم الشرط و جملة فعل الشرط و جملة جواب الشرط ، وهو بهذا النسق يندرج تحت الأسلوب الخبري ، ولكنه يُنتج دلالة ضمنية تتمثل في وجود الأمر والنهي الضمنيين وما وراءهما من دلالات الترغيب والترهيب ومن ثم يستطيع متلقي النص أن يدرك كيفية " تحول الحقائق اللغوية إلى قيم جمالية في الأداء الإبداعي دون وقوع في شرك الفصل بين الشكل والمضمون " (2) مع أن الأسلوب ما زال نحوياً تماماً ، ومن ثم نجد أن للبنية النحوية قدرة عظيمة وطاقته كبيرة على إخصاب التفسير اللغوي عامة (1)، ولذا فإن قراءة النص تدفع القاريء أو المتلقي إلى الاتجاه نحو المعاني الثواني، والتغلغل في النص أثناء قراءته وعدم التوقف عند السطح الظاهر فقط منه .
    (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270) إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) ۞ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ )
    في أربع آيات نجد ست أساليب للشرط:
    - وما أنفقتم من نفقة او نذرتم من نذر فإن الله يعلمه.
    - إن تبدوا الصدقات فنعما هي.
    - وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم.
    - وما تنفققوا من خير فلأنفسكم.
    - وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون.
    - وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم.
    ومن ذلك أيضا:
    - فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
    - فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ
    - وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
    والملاحظ أن جواب الشرط في أغلب هذه المواضع جاء معللا موضحا للأسباب؛ فالتعليل أسلوب تعليمي خالص ، يلجأ إليه المتكلم وهو يرى المتلقي نصب عينيه ويعلم وقع المعنى عليه ، ومن هنا يسلك التعليل طريقاً لأداء معناه لاسيما إذا احتمل هذا المعنى لبثاً في ذهن المتلقي . ومجيء التعليل في جواب الشرط -هنا- أثر لغاية نفسية وليس لمجرد المعنى ، فالتعليل يركز أهمية الإنفاق في ذهن المتلقي ويزيد من درجة فهمه ثم امتثاله له ، فيبدأ المتلقي جادا في تحويل المعنى إلي سلوك عملى وفعل منجز " فنحن نعتمد دون شك على البنية النظمية وعلى المفردات المستعملة في رسالة لغوية للتوصل إلى فهم معين لها ، ولكننا من الخطأ أن نظن أننا نقتصر على الاعتماد على هذا الاستعمال الظاهري للغة لكي نفهم الرسالة ... وذلك بكل بساطة لأننا نحتاج إلى المزيد من المعلومات . " (1) ؛ إن مجيء التعليل مكن للغاية الإقناعية.
    ح‌- أسلوب التفضيل وغايته التمكينية وإنتاج الدلالة الضمنية:
    ( قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)
    فاسم التفضيل هنا وقع بين طرفين محببا ومحفزا للطرف الأول؛ لتقبل عليه النفس، وخوفا من الطرف الثاني لتنفر النفس منه، وهو وسيلة تربوية تعليمية ناجحة ناجعة.وقد جاء في أسلوب متكامل يخدم المعنى ويمكن الدلالة، وهذا التركيب ينتج فناً بديعياً هو حسن الابتداء ، وذلك من أثر : قول- في بداية الآية التي جاءت تعقيبا على المعنى الذي أصلته الآية الأولى، وهذه البداية ترفع من درجة استقبال المتلقي للنص إلى غايته ، وتخلق في نفسه الوجدان الذي يستدعيه هذا الابتداء من النفور والاشمئزاز من إيذاء المُتَصَدَّقِ عليه، فقد أصبح البدء قادراً على إنتاج الانفعال اللازم للمعنى قبل وصول المعنى ذاته ، " ولذلك تنال بدايات النصوص من اهتمام المبدع مالا تناله الأجزاء الأخرى في النص.
    (وإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) فاسم التفضيل هنا بمثابة اختيار اختاره الله تعالى لهم، فهو تحفيز ودفع للتصدق ورفع الثقل عن ذوي العسرة.
    ت - خبرية التذييل وأثرها التمكيني:
    نلاحظ أن التذييل جاء في الآيات مناسبا للمعنى ممكنا للدلالة معللا أحيانا لأهمية الاستجابة، وسنقف على هذه المواضع فيما يلي:
    وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
    وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
    وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ
    وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
    وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
    كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
    وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
    وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
    وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ
    وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ
    وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
    وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ
    فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
    وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
    فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
    وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
    وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
    إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
    لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ
    إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
    وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
    عدد هذه الجمل واحد وعشرون جملة، نلاحظ فيها:
    - غلبة الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية. مع ملاحظة أن الجملة الخبرية هنا تأتي ممكنة لمضمون الآية قبلها.
    - تكرار التذييل بقوله تعالى وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ثلاث مرات مما يدفع المتلقي إلى الإنفاق حذرا من الخوف والحزن ورغبة في النجاة والفوز.
    -
    - تكرار (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) مرتين لترغيب المتلقي في الإنفاق طمعا في عطاء وأجر الله تعالى. وجاء أيضا التذييل بقوله تعالى (وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) و (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) و(وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) و(فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) و(وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ( لتأكيد هذه الدلالة.
    ويعلل حازم القرطاجني ت 684هـ سبب تأثير حسن الختام بقوله : " وإنما وجب الاعتناء بهذا الموضع لأنه منقطع الكلام وخاتمته ، فالإساءة فيه معفية علي كثير من تأثير الإحسان المتقدم عليه في النفس " ( ). وعلي عكس ذلك إذا تحقق إحسان وإتقان هذا الأسلوب فإنه يرسخ ما قبله ويقويه في نفس المتلقي .
    ث ـ القصر وأثره التأكيدي والتمكين للغاية الإقناعية:
    يرتبط أسلوب القصر أياً كانت طريقته بغاية التوكيد ؛ حيث يناسب حالة المتلقي، ويقصد إثارته وتشجيعه وذلك انطلاقاً من أثر مزدوج يبدأ من أهمية المعنى الذي يصل إلى المتلقي بدرجة تتناسب مع أهميته.
    فأسلوب القصر يبين قيمة المعنى، ثم يبدأ دور القارئ حتى يصل إلى ما وراء الكلمات من دلالات فيقف على أثر كل منها ، ويتحول الأسلوب إلى سلوك منجز.
    دلالة إنما هي نفي ما حدث قبلها وإثبات ما وراءها، ومن ناحية أخرى تأتي إنما مع المعاني التي تكتب تتلى على القارئ أو المتلقي ، ويكون في اعتقاده شيء والحقيقة التي تأتي وراء إنما شيء آخر ، فيكون دورها مزدوج في آن واحد تنفي وتثبت في نفس اللحظة
    أما الدلالات التي وراء ذلك الصنيع فعالية وعظيمة يقول الإمام عبد القاهر ت 471 هـ " أعلم أنها تفيد في الكلام بعدها إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره ، فإذا قلت إنما جاء في زيد ، عقل منه أنك . أردت أن تنفي أن يكون الجائي غيره فمعنى الكلام معها شبيه بالمعنى في قولك : جاءني زيد لا عمرو ، إلا أن لها قربه وهي أنك تعقل معها إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره دفعة واحدة ، وليس كذلك الأمر في : جاءني زيد لا عمرو ، فإنك تعقلهما في حالين . ومزية ثانية وهي أنها تجعل الأمر ظاهراً في أن الجائي زيد ولا يكون هذا الظهور إذا جعلت الكلام بلا فقلت : جاءني زيد لا عمرو " (2)
    ومن ذلك قوله تعالى(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)
    فالمعنى في الاستثناء هو ترهيب المتلقي من الربا، وذلك بوصف قيامه بهيأة الممسوس من الشيطان، فهو يترنح يمينا ويسارا، والاستثناء هنا مكن لهذه الغاية الترهيبية، أما في القصر بإنما فالمعنى في الآية هو بيان خطأ اعتقاد المرابين الذين يقولون إن البيع مثل الربا، وهذه الجملة المحكية على لسانهم تساوي بين مطلق البيع ومطلق الربا، وهذا من المغالطات، ولذا جاء الإيضاح والرد من الله تعالى، بأنه سبحانه وتعالى أحل البيع وحرم الربا. فالدلالة الضمنية هي التحذير من الربا، ودفعه إلى التصدق والإنفاق.
    ثانيا: الأساليب الإنشائية وأثرها التمكيني:
    أ- الطلب بعد أسلوب النداء:
    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)
    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ )
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278)فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)
    والملاحظ أن وراء النداء نجد الطلب، ومن ثم يكون للنداء عدة مهام:
    - التلطف في الطلب .
    - التنبيه لأهمية الطلب.
    - ولكننا نلاحظ في النداء الثالث أن نبرة الصوت قد ارتفعت نتيجة لتتابع وتيرة التحذير من الربا، وقد تطور التهديد حتى وصل إلى الإيذان بحرب من الله ورسوله، ويأتي التذكير باليوم الآخر هنا أيضا مخوفا ومرهبا.
    بـ - أسلوب السؤال المرقق للنفس:
    السؤال من أكثر التراكيب اللغوية الفنية استدعاء للمثيرات عند المتلقي فهو يمارس إثارة الدهشة الناجمة عن قطع رتابة التلقى المستكين ، ورضوخ المتلقي لخمول وطأة استقبال التراكيب الجاهزة ، ويمارس فعل المفاجأة التي تنتهك جمود التوقع لتنشأ جدلية حيوية حركية بين المبدع والمتلقي عبر تركيب السؤال ذلك الذي يجعل المتلقي فاعلاً أصيلاً في التجربة الإبداعية بما تتضمنه من جدلية لا تزول بين المبدع والمتلقي ، فإذا كان المنوط بالعمل الفني انتهاك رتابة الألفة بالكشف عن رؤي جديدة مهما اختلفت أسباب الصياغة والسير بالمتلقي في عالم جديد من الرؤى والعلاقات ؛ فإن أقصي درجات التماشج بين أطراف الدائرة : المبدع – المتلقي – العمل الفني – تتحقق حين يوضع المتلقي أمام سؤال لا شك في اختلافه عن الأساليب التقريرية الإخبارية – من ناحية – أو الأساليب التصويرية البيانية – من ناحية أخرى " ( ) .وسنقف على دور السؤال التمكيني خلال قوله تعالى
    ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ )
    فهذا سؤال يخاطب الوجدان قبل العقل. وهو سؤال ينبه الغافل، ويحث العاقل، ويدفع نحو الفعل، ومن ثم تتضح بجلاء جدلية العلاقة بين النص القرآني والمتلقي ، فالمتلقي لا يكون دوره أخيراً دائماً بل هو الذي يفهم ويتمثل ومن ثم ينفعل ويتخذ موقفا، وهذا هو المقصود، حيث " توجد ثلاث طرق تربط فيها قوى أفعال الكلام بآثاره ونتائجه ، فمنها سكون النفس وطمأنينتها إلى الفهم ومنها سريان المفعول وأثره ، ومنها تلمس الإجابة " (2) " فالسؤال هنا يؤدي دورا تمكينيا يحرك العاطفة فهذه الجملة الإنشائية مثلت " العناصر المميزة التي بها يستطيع المؤلف الباث مراقبة حرية الإدراك لدى القارئ المستقبل والتي بها يستطيع أيضاً أن يفرض على المستقبل وجهة نظره في الفهم والإدراك " (1)
    فمجيء السؤال بعد النهي والأمر رشح الطلب الضمني في الشرط وهو الأمر بالإنفاق ، والنهي الضمني أيضاً وهو النهي عن الشح والإقتار ، وجعل السؤال المعنى النظري في الإجمال حقائق وصوراً واقعية قريبة من المتلقي فتزداد درجات امتثاله للمعنى ،ويزداد تحقق الأمر أو النهي الضمنيين في نفسه .
    وبهذا يتضح أن " اللغة لم تعد انعكاساً في الذاكرة الإنسانية لشكل خارجي؛ ولكنها صارت أداة للتعبير عن تجربة حسية ومعاشة ". (2) ويبقى لكل أسلوب تركيبه الخاص ودلالاته التي تميزه عن غيره بربطه بتجربته ومعناه وسياقه .
    5- البديع وتمكين الدلالة:
    نلاحظ حضور التضاد لما يقوم به من توضيح وتكثيف للدلالات، كما في قوله تعالى إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فقد تضافرت(تبدوا- تخفوها) مع الشرط والتعليل في إنتاج الإيضاح والبيان بالدرجة التي تنتج امتثال المتلقي للمعنى لاسيما وأنه معنى تعليمي أخلاقي يدعو إلى مراعاة شعور المتصدق عليه، مع الحرص على نفعه، وبذلك نتبين أثر البديع في المعنى، فلم يأت حلية لغوية بل جاء ممكنا للمعنى.
    كما نجد أن التضاد بيّن عموم الزمان وعموم الحال شريطة تحقق الإخلاص في قوله تعالى الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ).
    كما أنه جاء مصورا حالة المال الذي تختلف فيه طرق الكسب، فما جاء عن طيب نفس يباركه الله تعالى، وما جاء بطرق معوجة يمحقه الله ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ).
    كما نجد التضاد يقوم بدوره التمكيني التحفيزي الدافع المؤثر في نفوس المتلقين، حيث قدم التضاد مقارنة بين وعد الله ووعد الشيطان، وجاء التذييل هو الآخر محفزا دافعا إلى الميل والاستجابة لوعد الله تعالى الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
    كما أنه جاء ردا على ادعاءات الكافرين الباطلة؛ ليدحض حجتهم، وليبين سوء فهمهم، فقد قال تعالى ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ كما أن التضاد حمل دلالة التهديد والوعيد، فالعلاقة بين(انتهى) و(عاد) تحمل بعدا تهديديا، يخوّف من لم ينته.
    فنجد أن هذه الآيات قائمة على المقابلة بين المعاني للوصول إلى الغاية من الخطاب، وقد مثلت فناً بديعياً هو الإيضاح وبه تم المعنى وتم النص وأخذ الكلام صفة النصية ولا يمكن حذفها ، ومن ثم تظهر مصداقية وجود فنون البديع كلها وبدون استثناء فلكل منها خاصيته الأسلوبية التي تستدعيه ، وتصبح في عملية تذييل البديع " غفلة عن الوظيفة الفنية التي يسهم البديع في تحقيقها وهي وظيفة من أخص خصائص الكلام الأدبي ألا وهي وظيفة الأدبية كما قد يسهم البديع في إكساب الكلام صفة النصية " (1) .
    فالتمثيل والمقابلة فى القرآن الكريم لا يمكن أن تعد فى " هذه المحسنات البديعية والصور الخيالية التي يصطنعها الكتاب عمداً ، ظانيين أنها حلي بديعية أو مدارين بها فقراً عقلياً ونقصاً ذوقياً " ( ) ولكن الأدوات الأسلوبية في الخطاب القرآني من قبيل الأدوات التي " تدخل الأساليب الأدبية حين تدعوها طبيعة المعاني لتقويتها أو إيضاحها أو حين يلجأ إليها الخيال ليصور بها عاطفة صادقة وانفعالاً قوياً " ( ) .
    وبهذا نجد تضافرا بين المكونات البلاغية لتمكين الغاية الإقناعية، فالآيات فندت كل ما قد يدور في ذهن المتلقي، وخاطبت عنده العقل والعاطفة، وحركته ودفعته نحو التحول السلوكي ليكون منفقا.











    الخاتمة
    وبعد هذه الوقفة الطويلة مع آيات الإنفاق في سورة البقرة، نستطيع أن نجمل النتائج التي توصل إليها البحث فيما يلي:
    • سورة البقرة سورة متماسكة نصيا، مترابطة دلاليا.
    • الخطاب القرآني ناسب أنواع المتلقين.
    • الأسلوب الخبري أسلوب فيه تلطف في الطلب، وهو يحمل دلالات طلبية ضمنية، ويتناسب مع جو التعليم والترغيب .
    • الأساليب الإنشائية جاءت ممكنة لدلالة الإقناع بالإنفاق والتحذير من البخل.
    • البديع في القرآن ليس حلية لفظية فحسب، بل هو من نسيج المعنى، لا يستقيم المعنى بدونه؛ لأنه يقوم بدور استقصاء الدلالة والإحاطة بها.
    • التمثيل الذي يرسم الصورة الفعلية للمعني من الواقع .
    • غاية الخطاب تعلو بكثير عن مجرد الإخبار والإعلام أو مجرد التشبيه من أجل التشبيه – أي المتعة والفن الخالص - تعلو عن كل ذلك إلي غايات أسمي تتمثل في الترغيب والتوجيه والتحذير وهذه هي الوظيفة الأسلوبية للتمثيل والمقابلة.
    هذا وأسأل الله التوفيق والسداد.

    التعديل الأخير من قِبَل أيمن أبومصطفى ; 12-06-2020 في 02:49 AM

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •