بسم الله الرحمن الرحيم
جماليات صياغة الحجة في "قوة الحب"
قوة الحب : عبدالله بن سليمان بن عبد الله العتيق، دار مدارك للنشر والتوزيع، فبراير 2017م.
د.أيمن أبومصطفى
إن البلاغة ليست في المعنى البليغ فحسب، بل هي في الصياغة المحكمة، فتأتي اللفظة في مكانها غير نابية ولا قلقة، ويكون التعبير سلسالا مسترسلا، وتكون الصور في خدمة المعنى، وقد لاحظنا أن مؤلف "قوة الحب" قد اتسم بهذه السمة من التماسك النصي، والجمال اللفظي، والإحكام الدلالي،ونلاحظ أن الكاتب حاجج عن فكرته فقدم الأدلة المنطقية في ثوب أدبي، وسوف نقف على نموذج واحد آملين أن يفتح ذلك الباب أمام الأقلام فتنبري بيانا وإيضاحا.
فتحت عنوان "فهرس الحب"
يتوقع القارئ ان يجد فهرسا للحب ، أو للكتاب، لكنه يجد تبريرا لكونه عدل عن الفهرسة ، يقول:
"أو شكت أن أكتب فهرس الحب هنا، ولكنني تذكرت أن الحب لا يُحصر، والفهرسة حصر، فتركت الكتاب على غاربه بلا عنان ولا زمام، يجول فيه الناظر بقلبه ليقف على ما أراده قلبه، والفهرس محل مراد العقل، والحب فوق العقل. فعذرا أيها العقل فإنما كتبت للحب"
وهنا تتجلى قدرة الكاتب على محاورة القارئ، بل محاورة النص، حتى كأنك تسمع مناظرة متعددة الأطراف، وهذه المحاورة تكسب النص جمالا، وتجعل له في القلب قبولا.
وقد ظهر حسه اللغوي في اختياره للمفردات والعبارات، فمن ذلك استخدامه لفظة "أوشكت" التي تدل على المقاربة والهم، فقد هم أن يضع الفهرس، وهذا الفعل يجعل القارئ يسأل ، فتكون المساءلة مفتاحا لتوارد الأفكار، وكذلك استخدام الظرف "هنا" لأنه يقصد أن تكون في بداية الكتاب، وكأنه يعتذر للعقل الذي سيخالفه، وهذه المخالفة ليست عداء ولا عنادا وإنما هي وفاء للقلب، فهو يحدث القلب.
كما أنك ترى تمام التصادم بين المنطق وما يطلبه الموقف بعد"لكنني" الاستدراكية، التي تلفت المتلقي، وتجعله دائما على حذر من أن يقرأ دون وعي، ثم هو يضع حجة جاءت صياغتها المؤكدة بـ(أن) لتكسبها معنى الحقيقة وتضفي عليها ثوب اليقين.
"أن الحب لايُحصر" فهذه بصياغتها هذه باتت كالمسلمة التي لا تقبل نقاشا ولا تعديلا، وقد بنى بناء على تلك المقدمة نتيجة وهي"والفهرسة حصر" فكانت النتيجة"فتركت الكتاب على غاربه بلا عنان ولا زمام..."
والحجة الثانية لتركه الفهرسة"يجول فيه الناظر بقلبه ليقف على ما أراده قلبه" ثم يضع جملة تقريرية أخرى"والفهرس محل مراد العقل" ومن ثم جاءت النتيجة "والحب فوق العقل " وكأن هناك جملة محذوفة دل عليها السياق مقتضاها" ولذا تركت الفهرس".