ومن مواضع العلم في الوحي المنزل ، ما كان من علم الله ، جل وعلا ، المهيمن الذي أحاط بالمنافقين والمردة ، فـ : (مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) ، فلا يخلو من دلالة الوعيد بالعذاب الذي أسند إلى ضمير الجمع في "سَنُعَذِّبُهُمْ" مئنة من التعظيم وذلك ما يحسن في مواضع الجلال ، فضلا عَمَّا يَسْتَلْزِمُهُ من إنشاء يَنْهَى عن الفعلة التي تستجلب غضب ذي الجلال والعزة ، تبارك وتعالى ، والفاعل في قوله تعالى : (نَعْلَمُهُمْ) : ضمير قد اسْتَتَرَ الاستتار الواجب إذ ذلك من مواضع القياس في هذا الباب : باب الاستتار الواجب ، وثم قرينة تدل على المستتِر وهي ما تقدم في الكتب والنطق من نون المضارعة فهي حرف مبنى لا يخلو من دلالة معنى إذ معناه معنى الجمع المستغرِق فتلك قرينة رجحت في التقدير : ضمير الجمع "نحن" ، وذلك ما أُظْهِرَ صدرَ الجملة : (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) ، فكان الإسناد : إسناد الخبر جملةً ، كان الإسناد إلى الضمير "نحن" ، وكان المستتِر المقدر في العامل "نَعْلَمُهُمْ" من جنس المذكور المتقدم ، فالضمير المقدر هو رابط جملة الخبر بالمبتدأ ، وكان من التوكيد بتكرار الإسناد ، إذ مرجع الضمير الذي أُسْنِدَ إليه فعل العلم فاستتر فيه الاستتار الواجب هو الضمير "نحن" الذي ابْتُدِئَ به الكلام وَأُسْنِدَ إليه الخبر "نَعْلَمُهُمْ" ، وذلك من مواضع العلم الخاص ، العلم بِمَنْ نَافَقَ ، فالعلم ، من وجه ، وصف ذات لا يُنَاطُ بالمشيئة ، فهو من وصف المعنى الذي يقوم بالذات فلا يفارقها فالله ، جل وعلا ، أولٌّ بعلمه وحكمته وقدرته ..... إلخ من صفات المعنى التي لا تَقُومُ إلا بذات موصوفة بها ، فالمعاني لا أعيان لها في الخارج تقوم بذاتها لِتَصِحَّ حجة المعطلة الذين نَفَوا الصفاتِ إذ لو أَثْبَتُوهَا لَأَثْبَتُوا ذواتٍ قديمة تضاهي الذات القدسية الأولى ، فَوَجَبَ نَفْيُهَا ، وذلك أمر يخالف عن بدائه النقل والعقل والحس والفطرة ، فإن ثم ضرورة علمية ملجئة تدل أن المعنى لا وجود له في الخارج إلا قائما بموصوف فَلَئِنْ صَحَّ تجريده فذلك عمل في الذهن فلا وجود له في الخارج ، فالمطلقات لا توجد مطلقة إلا في الذهن ، وأما الحقيقة في الخارج فهي مجموع مركب والمطلق فيه يُقَيَّدُ ، فلا يوجد علم مطلق في الخارج وإن كان ثم جنس عام يجرده الذهن ، وهو العلم المطلق ، وتحته أنواع ، وتحت الأنواع آحاد ، وثم اختلاف في جهة التقسيم ، فَتَارَةً تكون القسمة على حد المقابلة بين علم الخالق ، جل وعلا ، وعلم المخلوق ، وعلم المخلوق تحته أنواع ، فَثَمَّ علم الأنبياء ، عليهم السلام ، وهو المعصوم في بلاغ الشرع وَبَيَانِهِ فلا يخلو ، من وجه ، أن يكون من علم الرب ، جل وعلا ، لا أَنَّ وصفَه ، جل وعلا ، قد قَامَ بِغَيْرِهِ ، فذلك ما لا يُعْقَلُ لا سِيَّمَا فِي أوصاف الذات فَلَا تُفَارِقُهَا لِتَحِلَّ فِي ذَاتٍ أخرى كما قد زَعَمَتِ النَّصَارَى في الكلمة ، ولا تقوم بذاتها في الخارج وجودا يستقل فلا موصوف به تَقُومُ ، فَكُلُّ أولئك مما يَنْفِيهِ العقل الصريح ، فَعِلْمُ النبواتِ واحد وهو من علم الخالق ، جل وعلا ، باعتبار الصدور الأول فَعَنْهُ صَدَرَ صدور الوصف عن الموصوف ، فكان الكلام الذي تَكَلَّمَ بِهِ على وجه يَلِيقُ بكماله المطلق فهو وصفه ، من هذا الوجه ، وإنما صحت النسبة إلى روح القدس فهو قوله قولَ الناقل لا قولَ الشارع الأول ، فالناقل الأول هو روح القدس الذي يحمل الوحي إلى الناقل الثاني ، وهو النبي الذي يبلغ ويبين ، فالعلم ، من هذا الوجه ، إليه يسند ، فهو علمٌ معصومٌ إذ مادته الوحي المنقول ، فَثَمَّ علم الأنبياء ، عليهم السلام ، الذي أُضِيفَ إلى ذَوَاتِهِم فهو غير مخلوق ، من وجه ، لا أن وصفهم غير مخلوق مطلقا فذلك من الغلو الذي يُفْضِي أَنَّ ذواتهم غير مخلوقة فَلَهَا أولية مطلقة تُضَاهِي أوليةَ الخالقِ ، جل وعلا ! ، فلا يقول بذلك عاقل يَفْقَهُ ضروراتِ اللسان ، فهو غير مخلوق بالنظر في مادته ، مادة الوحي المنزلة ، فالوحي من كلام الله ، جل وعلا ، وكلامه من علمه ، وعلمه من وصفه ، ووصفه غير مخلوق إذ قام بذاته القدسية الأولى ، الذات غير المخلوقة ، وأما بالنظر في فعل العبد إذ ينطق فهو يُبَلِّغُ وَيُبَيِّنُ بفعله المخلوق ، حركة لسان وشفاه ومخارج يَبْلُغُهَا الهواء فَيَنْقَطِعُ ، وأحبال يلامسها فَتَهْتَزُّ ..... إلخ ، فالجهة منفكة لا تَعَارُضَ فِيهَا بَيْنَ الوجهين ، فهو غير مخلوق بالنظر في مادته مادة الوحي ، وهو مخلوق بالنظر في فعل العبد إذ ينطق فهو ، كما تقدم ، يُبَلِّغُ وَيُبَيِّنُ فذلك تكليفٌ بفعل إرادي اختياري ، فإرادة الفاعل المخلوق واختياره من وصفه فَتُلْحَقُ به في النسبة ، فهي مخلوقة كما الذات التي تقوم بها ، وَمِنْ ذَلِكَ خَرَّجَ مَنْ خَرَّجَ القولَ إن : لفظي بالقرآن غير مخلوق ، فهو مما يُوهِمُ فإن أراد الملفوظ من الوحي فذلك حق إذ هو وصف الرب ، جل وعلا ، فهو غير مخلوق ، فالذات القدسية الأولى غير المخلوقة يقوم بها ، بداهة ، وصف يلائمها فهو غير مخلوق مثلها إذ هو لها تَبَعٌ وبهما جميعا تثبت الحقيقة الإلهية الكاملة في الخارج ، أزلا وأبدا ، وإن أَرَادَ القائل إِنَّ لفظه غير مخلوق أَنَّ نُطْقَهُ إذ يحرك شَفَتَيْهِ ولسانه ولهاته وأحباله ..... إلخ ، إن أراد أَنَّ كل أولئك غير مخلوق فذلك باطل يَعْظُمُ إذ يُوهِمُ القول إن الوجود واحد فلا فَرْقَ بين مخلوق وخالق إذ وصف الناطق من البشر غير مخلوق فهو عين الوصف الذي يقوم بذات المعبود ، جل وعلا ، إذ ليس ثم وصف يصدق فيه أنه غير مخلوق إلا وصفه ، تبارك وتعالى ، فإذا أطلق على غيره فذلك يستلزم أنه قد فارق ذاته ليقوم بأخرى فكان حلول وصفه في ذات أخرى أو اتحاده بها كما تَقَدَّمَ من زَعْمِ النصارى في الكلمة فلازم القول إن عيسى المسيح ، عليه السلام ، هو عين الكلمة لا أنه بها قد خلق ، لازم القول أنه عين الكلمة القولُ إِنَّ الوصف قد فارق الموصوف الأول وحل في المسيح وتجسد فاتحد بالحقيقة المخلوقة الناقصة بالنظر في أصل الجبلة ولو كانت الذاتُ شريفةً كذات المسيح عليه السلام فلا تخلو من نَقْصٍ ولو بالنظر في أصل الخلقة من العدم وما يلحقها من الفناء وما يَتَخَلَّلُهَا من آفات وأعراض ، فذلك الحلول أو الاتحاد مِمَّا يبطل نسبة الوصف إلى الموصوف الأول إذ فَارَقَهُ وقام بآخر ، فعطل من الوصف ، أو كانت الشركة التي تُبْطِلُ اختصاصَه به فَوَصْفُ غيره يُضَاهِيهِ ، إذ هو غير مخلوق مِثْلَ وَصْفِهِ ، وذلك شرك في التصور ، لا يخلو من آثار في الحكم فالتزام ذلك ، من وجه آخر ، مما به الغلو في مقال البشر الحادث ، فإنه إِنْ صَارَ كمقال الإله الشارع ، فكلاهما غير مخلوق ، فذلك ما به يطغى الإنسان أن يستبدل كلامه المحدث بكلام الوحي المنزل ، فلا يقر بمرجع أعلى من مَقَالٍ أوَّلَ غَيْرِ مخلوق يخرج من ذات المعبود ، جل وعلا ، خروج الوصف من الموصوف على وجه تَنْتَفِي فيه الشركة فيكون توحيده ، جل وعلا ، بالوصف كلاما ، وبالخبر صدقا والحكم عدلا ، إذ لا كلام يعدل كلامه أو يضاهيه ، فليس ثم كلام غير مخلوق بالنظر في نوعه وإن حدثت آحاده ، ليس ثم كلام هذا وصفه إلا كلام واحد في الخارج وهو كلام الخالق الشارع ، جل وعلا ، الذي انفرد بكلم التكوين النافذ وكلم التشريع العادل ، فلا قول راهب أو حبر أو مُتَشَرِّعٍ في الأرض ، سواء أكان واحدا بالعين في الخارج أم واحدا بالنوع كما الجمع الذي يَنْعَقِدُ أَنْ يَضَعَ من الأحكامِ ما يُوَاطِئُ حظوظه وأهواءه وإن تَحَرَّى العدل فلا يخلو مِنْ نَقْصٍ إذ جِبِلَّتُهُ بِذَا تَشْهَدُ فلا تخلو من افْتِقَارٍ إلى الأسباب لا يَبْرَأُ صاحبه في هذا الباب ، فهو متهم بالجهل فلا يعلم المآلات ، بحظ نفسه الذي يَتَأَوَّلُ له الحكومات ، لا سيما إن كان ذا قوة وبأس فكان له السلطان أو الملك فحكاية القانون في الأرض إن لم يرجع إلى حكومة السماء ، حكايته الأرضية المحدَثة ، كما يقول أهل الشأن ، حكاية التَّوَازُنِ بَيْنَ اثْنَيْنِ قد استويا في القوة أو تَقَارَبَا فَيَكُونُ القانون حَكَمًا بَيْنَهُمَا فإذا رجحت كفة أحدهما فامتاز بسبب قوة أو مكنة مال الميزان إليه فصار ذلك ذريعة أن يَنْفَرِدَ بِكَتْبِ القانون الذي يُضَاهِي ما اكتسب من قوة في الحس صارت هي الحق المطلق وذلك ما لا يَثْبُتُ فَهُوَ مَئِنَّةٌ من اضطراب وَتَغَايُرٍ ، فَكُلُّ قَوِيٍّ إلى ضعف ، فإذا غَالَبَهُ آخر فَغَلَبَهُ انتقل إليه الحق فكتب الشرع الجديد الذي ينسخ القديم حتى يضعف الثاني فيظهر ثالث فَرَابِعٌ ..... إلخ ، فالشرائع لا تَنْفَكُّ تَتَنَاسَخُ تَبَعًا لتغير الأحوال وتداول القوة والملك ، فلا بد من مَرْجِعٍ ثَابِتٍ مِنْ خَارِجِهَا فهو يجاوزها جميعا وَيَبْرَأُ مِمَّا لَمْ تَبْرَأْ منه من الآفات ، وهو يحكم بَيْنَهَا حكومة العدل المطلق ، فَهُوَ الثابت المحكم فلا يُنْسَخُ وهو من قَوِيٍّ لا يضعف ولا قُوَةَّ تَعْدِلُ قُوَّتَهُ فَتُنَاجِزُهُ فذلك وصف الجلال ، وهو من عليم حكيم خبير بالدقائق ، فلا يجهل الحقائق ثم يَبْدُو له منها ما يجعله يُبَدِّلُ ، بل ما كان من نسخه فهو نسخ العليم الحكيم الذي يربي الخلق بالوحي نجوما تَتْرَى فلا يحمل الناس وقد كانوا في جاهلية مستحكمة قد غلبت على طبائعهم ومعايشهم ، لا يحملهم على الحق دَفْعَةً فَيَتْرُكُوهُ دَفْعَةً ، بل كان من حملانهم على الحق في مواضع ما استوجب التناسخ ، تناسخ الأحكام حتى استقر الشرع واكتمل الدين بِقَبْضِ صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وَرَفْعِ النبوة من الأرض فَأُحْكِمَتْ شريعة الصدق والعدل فهي التي تحكم بين الأهواء والحظوظ من خارج وهي التي تفصل بينها فيما فيه قد تخاصمت واختلفت إذ قول الشريعة هو المحكم وما نَجَمَ في العقول من الآراء فَمُتَشَابِهٌ منه الحق ومنه الباطل فلا بد من معيار محكم يميز ، ولا يكون إلا من خارج وإلا فَكُلٌّ مُعْجَبٌ بِعَقْلِهِ وكلٌّ متهم بهواه وحظه ، لا سيما إن كان ذا قوة فهو يكتب القانون بما حاز من قوة ، وإن كتب الظلم بعينه فَمَعَهُ سيف يُرَهِّبُ ، ومعه ذهب يُرَغِّبُ ، فَلَمْ يكن قول المعز الفاطمي وقد سئل عن حسبه ونسبه فَسَلَّ سيفه وَنَثَرَ ذهبه ، لم يكن ذلك نادرة تُحْكَى بل هي حكاية لِفَلْسَفَةٍ في التشريع معيارها القوة فمن ملكهما ، قوة سيف أو مال فَهُمَا أعظم ما يخضع له الناس ، فمن ملكهما فقد ملك الحق المطلق ! وكلاهما يفسد الحكومة ويفتح ذرائع المداهنة في الحق رغبة في الذهب أو رهبة من السيف ، ولا يستقيم أمر الناس بحكومة كهذه لا مستند لها من الحق إلا السيف والذهب ! ، وإنما الميزان المحكم ما عَدَلَ العدل المطلق وهو ما قَدْ سَلِمَ من الهوى والحظ فلا يفتقر إلى أنصار يجمعهم بالعطية ولا يخيف الخلقَ بالسيف فلا يخيفهم إلا خائف قد علم أنه الحكم الجائر فَلَوْ عدل لَأَمِنَ وما احتاج أن يبطش ويظلم ، فالظلم مئنة من الفقر ، وهو وصف لا تُؤْمَنُ حكومته إذ يفتقر إلى الحظوظ والمكاسب فَيَضَعُ لَهَا من الحكومة ما يُبِيحُ وإن كانت عين المحظور في شريعة المعصوم ، شريعة النبي الذي تجرد من الحظ فلا يبغي الأجر ، وشريعة المرسِل ، جل وعلا ، الذي سلم مِنَ الْفَقْرِ فلم يَخْلُقِ الخلق لِيَرْزُقُوهُ أو يطعموه .

وكذلك الشأن في إطلاق القول : إن لفظي بالقرآن مخلوق ، فذلك ما قد يُوهِمُ فلا يحسن إطلاق القول بقبوله أو رده ، فهو يقبل ، من وجه ، ويرد من آخر ، فإذا أراد القائل بِاللَّفْظِ فِعْلَهُ المحدث إذ يَسْتَعْمِلُ آلة النطق المخلوقة فالقول صحيح ، وإذا أراد ما يَنْطِقُ به من الوحي فهو غير مخلوق فيكون اللفظ هو الملفوظ ، وهو الوحي المعصوم ، وذلك ، بداهة ، غير مخلوق ، فهو من وصف الرب الأول ، جل وعلا ، وذلك ما يبين عن إحكامٍ في الخبر والإنشاء إذ يصدر عن علم أول قد أحاط فهو علم الرب الحق الذي يواطئ الصدق والعدل في نفس الأمر فلا يجاوزه في دقيق أو جليل ، في أصل أو فرع ، في علم أو عمل ، في اعتقاد أو تكليف ، في نحلة أو شرعة ، في سياسة أو حرب ، في رياضة أو زهد ، في بيع أو صَفْقٍ ...... إلخ ، فهو علم أول قد استغرق إن التقديرات الكونية النافذة فذلك جنس عام لا أعم منه ، فالعلم الكوني يستغرق كل كائنة في الوجود وافقت الوحي أو لم توافق ، أَرْضَتِ الخالق ، جل وعلا ، أو أَسْخَطَتْهُ ، وَثَمَّ تقديرات شرعية حاكمة فهي ، أيضا ، مما يدخل في حد الجنس الأعلى ، جنس العلم المحيط ، وهي مناط الابتلاء وَفِيهًَا كان الخلاف بين النبوات التي جاءت بها شرعا يحكم ، وخصومِها إذ استبدلوا بها غَيْرَهَا فَعَطَّلُوهَا وأحدثوا ما يُضَاهِيهَا من الحكومات المتشابهة فلا إحكام فيها ، من وجوه ، إذ تصدر عن جهل ولو بالمآل فلا تعلم عواقب ما تُحْدِثُ من المقالات والحكومات وَإِنْ رَامَتِ الخيرَ فلا يكون في خِلَافِ ما قَدْ نَزَلَ من الوحي ، إذ الوحي هو المحكم الذي يَقْضِي في حكومات الأرض المتشابهة فإذا اختلفت العقول وتعارضت وكان التَّنَازُعُ بَيْنَهَا والتدافع وَجَبَ أن تَتَحَاكَمَ إِلَى مَرْجِعٍ مِنْ خَارِجٍ يجاوزها فهو المرجع الأعلى من الوحي النازل الذي أَحْكَمَ ما فيه قد اختلفت فَتَشَابَهَتْ أحكامها ، فلا بد من محكم من خارجها إذا رُدَّتْ إليه زَالَ تشابهها ، فذلك قياس العقل الناصح الذي تجرد من الأهواء والمطامع ، فلا بد أن يَرُدَّ الأمر حال التَّنَازُعِ إلى مرجعٍ تُؤْمَنُ حكومته فلا هوى ولا حظ فَلَيْسَ إلا الحق المحكم بدليله المبلَّغ المبيَّن الذي يحكم فيما اختلف فيه العباد ، فإذا لم تُرَدَّ المختلفات المتشابهات إلى المحكم الأعلى فهي إلى مِثْلِهَا تُرَدُّ فَلَا يَرْتَفِعُ الخلاف بل يزيد وَيَنْشَعِبُ فالمتشابه لا يُزِيلُ إجمالَ متشابه مثله ، فلا يزيل إجماله ويرفع إشكاله إلا محكم .
والشاهد أن العلمَ الأول : علمٌ يستغرق الكونيات النافذة والشرعيات الحاكمة ، الخبر والإنشاء ، النفي والإثبات ، الأمر والنهي ..... إلخ من مَوَارِدِ الكلام الشرعي المنزل فكل أولئك من العلم الأول الذي ثبت أزلا فقام بذات القدس الإلهية قِيَامَ الصفة الذاتية التي لا تفارق الموصوف ، فلا تستقل بذاتها ، كما تقدم ، بل لا تقوم إلا بذات لها وجود في الخارج ، فهي فرع عنها في الكمال أو النقص ، في القدم أو الحدوث ، فعلم الله ، جل وعلا ، أولٌّ كما أن ذَاتَهُ أولى ، وهو علم كامل قد تَنَزَّهَ عن الجهل ، كما أن الذات القدسية كاملة قد تَنَزَّهَتْ عن النقص ، وذلك علم قد سُطِرَ فِي لَوْحِ التَّقْدِيرِ ، فَقَدِ اسْتَغْرَقَ ، أيضا ، الكونيات والشرعيات ، وهو علم قد حدثت آحاده ، من وجه آخر ، فإن من العلم القائم بذات الله ، جل وعلا ، كلام به يُكَوِّنُ الكائنات ، فـ : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، وآخر به يَحْكُمُ بين الأفراد والجماعات ، فَتَنَزَّلَتِ الكلمات تَتْرَى إن تَكْوِينًا أو تَشْرِيعًا ، فكانت نجوم كلامه المتتابعة على وجه به صلاح الدنيا والآخرة ، فالعلم ، من هذا الوجه ، يصدق فيه أنه وصف فعل إذ حدثت آحاده بما يكون من تَنَزُّلِ كلماته ، وهو ، مع ذلك ، على الأصل ، فهو قديم النوع قِدَمَ العلم الأول الذي قام بذات القدس الأولى ، فانفكت الجهة في هذا الباب ، أيضا ، إذ جهة القدم والأولية تخالف عن جهة الحدوث ، فالقدم قِدَمُ النوع ، والحدوثُ حدوث الآحاد ، وذلك أصل يطرد في جميع الأفعال الربانية ، ولا تَنْفَكُّ آثاره تظهر في الصفات ، كما العلم ، فهو وإن كان وصف ذات إلا أن ثم وجها لِلْمَشِيئَةِ فيه بِالنَّظَرِ فِي آحاده ، فلا يخلو من حدوث لا أنه مخلوق ، وإنما الحدوث حدوث آحادٍ منه تظهر بِمَشِيئَةِ الرب الأعز الأكرم ، تَبَارَكَ وتعالى ، وثم وجه آخر للحدوث ، فإن الفعل إذا كان فَخَرَجَ من العدم إلى الوجود على وجه يواطئ المعلوم الأول والمسطور في لوح التقدير المحكم ، فَثَمَّ تَعَلُّقٌ ثان للعلم الإلهي به وهو تعلق الإحصاء ، كما أن ثم تَعَلُّقًا أول وهو التقدير في الأزل ، فذلك الخلق بالعلم وهو خلق التقدير ، وبعده خلق آخر بعلم ثان ، خلق الإيجاد إذا شاء ، جل وعلا ، إخراج المعلوم من حد المعدوم إلى نظيره الموجود ، فَبَعْدَ التعلق الأول : تعلق التقدير ، ثم آخر وهو تَعَلُّقُ الإيجاد ، وثم ثالث وهو تَعَلُّقُ الإحصاءِ بعد أن صار موجودا ، فهو يواطئ الأول والثاني فلا زيادة ولا نقص ، ولا تعارض ولا تناقض إذ الأصل واحد ، فالعلم يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وما سُطِرَ في لوح التقدير يُصَدِّقُهُ ما يسطر في لوح الإحصاء ، فَثَمَّ حدوث ثان إذ يُنَاطُ المعلوم الكائن بعد عدم ، يُنَاطُ بالعلم الثاني علمِ الإحصاء للموجودات سواء أكانت من الأعيان أم الأحوال التي تقوم بها ، فكل أولئك ، لو تدبر الناظر ، يدخل في حد العلم الأول المحيط فيدخل في عموم قوله تعالى : (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فَثَمَّ عموم قياسي في اللسان إذ "كل" نص فيه ، فضلا عن دلالة الشيء فهي تستغرق كل موجود ، بل وَتَسْتَغْرِقُ ، من وجه ، الإله المعبود ، جل وعلا ، لا أنه شيء كسائر الأشياء المخلوقة ، بل المراد أنه ذو وجود في الخارج فَلَيْسَ عَدَمًا محضا يجرده الذهن مطلقا بشرط الإطلاق كما قَدْ تَوَاتَرَ في كلام الغلاة من معطلة الباطنية والفلاسفة ، فهو شيء إذ أخبر عن نفسه بذلك في آي الأنعام المحكم ، فـ : (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) ، وليس ، بداهة ، كسائر الأشياء المخلوقة ، بل ذاته ذات أولى غير مخلوقة ، مُنَزَّهَةٌ من النقص ، مُبَرَّأَةٌ من العيب ، فالشيئية ، من هذا الوجه ، يصدق فيها ما يصدق في سائر المعاني التي يجردها الذهن ، فهي أجناس عُلْيَا مطلقة تَنْدَرِجُ فِيهَا أنواع وآحاد ، فَثَمَّ شيئية غير مخلوقة فهي الأولى الأوليةَ المطلقةَ فليس يشاركها غيرها في هذا الوصف فهي المفردة ، فلا شيء يُنَاظِرُهَا أو يقاربها ، فَلَهَا من الوصف ما انْفَرَدَتْ به وإن شاركت غيرها جنس المعنى المطلق فَوُرُودُ القيد بذاتها الأولى الكاملة قد مَازَهَا مما سواها من الحقائق المقيدة بذوات أخرى ، فحصل من القيد ما به الفرقان بين الشيئية الأولى الكاملة والشيئية المخلوقة المحدَثة التي لا تخلو من نقص فهي من العدم قد وجدت وإلى الفناء تصير وبينهما ما لا تسلم منه شيئية مخلوقة من الآفات والأعراض ، فَتَحْتَ الجنس المطلق أنواع مقيدة ، وبالقيد افترقت على أنحاء ، فالكلام في الوصف فرع على الكلام في الذات التي بها يقوم على وجه يلائم كل موجود ، فالموجود الكامل يقوم به الوصف الكامل ، ونظيره الناقص يقوم به الوصف الناقص ، فاطرد الحكم وانعكس .
وشيئية المخلوق ، من وجه آخر ، جنس بالنظر فيما تحتها ، نوع بالنظر فيما فوقها ، فثم جنس ثان وهو الشيئية المخلوقة ، وتحتها آحاد فَثَمَّ شَيْئِيَّةُ عمرٍو وَشَيْئِيَّةُ زيدٍ وَشَيْئِيَّةُ بكرٍ ..... إلخ ، وثم وجه قسمة أدق ، فَثَمَّ ذوات مخلوقة يصدق فيها أنها شيء ولكنه شيء قد امتاز على وجه لا يخرجه عن حد المخلوق ، كما وقع في كلام الغلاة في الأنبياء ، فذواتهم مخلوقة ، من وجه ، ولكنها قد امتازت بما قام بها من وصف العصمة بلاغا وبيانا ، فامتازت بوظيفة النبوة فتلك أشرف وظائف الخلق ، أن يُبَلِّغُوا الوحيَ خبرا وحكما ، وذلك ما تَتَفَاوَتُ رُتَبُهُ ، فبلاغ النبوة وَبَيَانُهَا أول ، وبعده ما يكون من وصف أُولِي العلم إذ وَرِثُوا تَرِكَةَ العلم الشرعي ، فَتَفَاوَتَتِ الأشياءُ المخلوقة في الماهية والوصف وإن اجتمعت كلها تحت اسم واحد : اسم الشيء المخلوق ، فذلك جنس مقيد تحته آحاد تَتَفَاوَتُ ، فيصدق في كلِّ ما تقدم اسم الشيء ، فيدخل ، من هذا الوجه ، في حد العلم في قول الله جل وعلا : (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فَثَمَّ عموم قياسي قد استغرق ، على التفصيل الذي تقدم ، وثم حصر وتوكيد بتقديم ما حقه التأخير فذلك مما به المعنى يثبت ويرسخ ، وثم إطلاق للاسم ، اسم العليم الذي حُدَّ حَدَّ فَعِيلٍ من فاعل فذلك مثال المبالغة الذي يزيد في المعنى وهو ما يحسن بداهة في حق الرب الأعلى ، عز وجل ، فَلَهُ من كل وصف الرتبة العليا التي لا تضاهيها رتبة وإن حصل الاشتراك في المعنى المطلق الذي يجرده الذهن تجريد الجنس المطلق ، فَثَمَّ دلالة اشتراك في الجنس الأعلى المطلق ، وَثَمَّ افْتِرَاقٌ بالنظر في الحقيقة المقيدة في الخارج ، حقيقة الخالق ، جل وعلا ، في مقابل حقيقة المخلوق ، فالأولى كاملة أَزَلًا وَأَبَدًا ، والثانية نَاقِصَةٌ ولو بالنظر في أصل وجودها فمن العدم كانت وإلى الفناء تصير ، فذلك تصديق لمحكم التنزيل إذ : (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ، فَثَمَّ حقيقة العلم الأول المحيط ، العلم الكامل الذي لا يَفُوتُهُ معلوم في الخارج إِنْ كُلًّا أو جُزْءًا ، فذلك ما يدخل في حد العموم في قوله تعالى : (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فهو يَسْتَغْرِقُ العلم بالكليات والجزئيات خلافا لِمَا قد زَعَمَتِ الفلاسفة أَنَّ ذلك مما اقْتَصَرَ عَلَى الْكُلِّيَّاتِ فالعلم القائم بالذات الأولى عندهم علم بسيط مجرد لا يجاوز حد الكلي المجمل دون الجزئي المفصل إن في الكون أو في الشرع ، فلا يجاوز في الشرع حد المقاصد الكلية التي أجمعت عليها الحكومات جميعا ، سماوية أو أرضية ، فليس بها تَمَايُزٌ ولا ابتلاء فهي محل إجماع ، وإنما الابتلاء بقدر زائد به يِمْتَازُ المخلوق الناقص من الخالق الكامل ، جل وعلا ، فعلمه العلم المحكم الذي استغرق كل شيء ، وذلك ما حَسُنَ معه إطلاق الاسم : اسم العليم فإطلاقه يستغرق كل معلوم ، فهو ، جل وعلا ، العالم العلم المحيط بكل معلوم ، وإطلاقه يَسْتَغْرِقُ وجوه المعنى فهو العلم المفصل الذي يجاوز حد الكلي المجمل ، فأحاط بالمعلومات أعيانا ، وأحاط بها أوصافا وأحوالا ، وأحاط بها الإحاطة التامة المستغرقة فإطلاق الاسم قد استغرق وجوه المعنى ، معنى العلم ، وكذلك الشأن في حَدِّهِ مبالغةً من "فَعِيل" فذلك ، أيضا ، مئنة من استغراق قد أحاط بوجوه المعنى ، فضلا عن دلالة "أل" في الاسم : اسم العليم فلا تخلو أداة التعريف ، من وجه ، أن تُبِينَ عن جنس المدخول ، وهو العلم ، وأن تستغرق وجوهه ، فهي البيانية لجنس المدخول الاستغراقيةُ لآحاده في المعقول والمحسوس ، فاستغرقت وجوه المعنى الذي يُعْقَلُ ، واستغرقت آحاد المعلومات التي يدركها الحس في الخارج ، فهي الموجودات التي وُجِدَتْ بالعلم ، وَاسْتَغْرَقَتْ ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، الممتنع والجائز والواجب ، فإن مناط العلم أوسع من نَظِيرِه فِي القدرة التي لا تُنَاطُ إلا بالجائز أو الواجب ، فالعلم يُنَاطُ بالمحال أو الممتنع ولو فرضا فلا وجود له في الخارج وإنما يضرب جدلا به إلزام المخالف بالحجة ، كما تقدم مرارا في تأويل قوله تعالى : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، فذلك مما امتنع في النقل والعقل والفطرة والحس وإنما فرضه المجادل إِلْزَامًا للمخالف ، إذ يقيم عليه الحجة بما يَرَى من صلاح الكون واطراد سننه .

فالعلم أعم مناط إذ يستغرق سائر المعلومات ولو محالاتٍ يَفْرِضُهَا المجادل إقامة للحجة ، فضلا عن الجائز الذي استوى طرفاه فيحصل في الخارج بترجيح القدرة والحكمة ، فَبِهِمَا يحدث كل شيء في الكون وَيَنْزِلُ كل شيء من الشرع ، فالعلم قد أحاط بكل شيء ، وهو الجنس المطلق في الذهن ، وتحته الأنواع التي تشترك من وجه ، وتختلف من آخر ، فَثَمَّ علم الخالق ، جل وعلا ، الأول المحيط ، علم التكوين وعلم التشريع ، وثم علم المخلوق وهو نوع تحته آحاد فعلم النبي وعلم العالم المقتفي لِأَثَرِهِ الرِّسَالِيِّ ، وعلم آحاد الخلق ، فلكلٍّ من الوصف حظ يُوَاطِئُ ذاته كمالا أو نقصا ، رفعة أو ضعة ، نفاسة أو خسة ، والله ، جل وعلا ، بكل أولئك قد أحاط علما إن علم التقدير الأول ، أو علم الإيجاد الثاني أو علم الإحصاء الثالث ، فتلك مراتب العلم الرباني المحيط . فلا يخلو قوله تعالى : (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) ، أن يجري مجرى المثال فذلك معلوم واحد من معلومات الخالق ، جل وعلا ، فيعلمه ، تبارك وتعالى ، بما تقدم من مراتب فقد علمه أزلا وعلمه إذ خلقه وإن لم يَرْضَهُ فَلَا يَرْضَى بالكفر والنفاق ، وعلمه ثالثا علم الإحصاء الذي به قيام الحجة ، فـ : (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، فـ : (وُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ، فهذا المعلوم المخصوص يجري ، من وجه ، مجرى المثال لعام وهو العلم الأول المحيط ، فهو فَرْدٌ يدخل في العموم آنف الذكر ، عموم "كُلِّ" في قول الرب جل وعلا : (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

والله أعلى وأعلم .