ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" ، فذلك من الذم الذي استغرق وتلك دلالة الشرط العام الذي اطرد وانعكس فثم تلازم بين الشرط والجزاء ، تلازم العلة والمعلول ، فانتفاء النسبة فرع عن الرغبة عن السنة ، فذلك المنطوق ، وثم المفهوم أن من لم يرغب فهو منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَثَمَّ عموم قد استغرق ، كما تقدم ، إما بالنظر في لفظ الشرط فهو نص في العموم ، كما قرر أهل الأصول ، وإما بالنظر في تسلطه على المصدر الكامن في الفعل "رغب" ، فمن رغب أي رغبة ، وهو ، من وجه آخر ، مما خص بالضرورة أو الترك لا رغبة عن المشروع وإنما مَانِعًا يحول ، كمن لم يَتَيَسَّرْ له النكاح أو خشي ألا يقوم بأعبائه فالنكاح في حقه يُكْرَهُ وإن كان سنة تشرع بل قد يحرم إن تَيَقَّنَ أنه يُفَرِّطُ في حقوق الأهل والولد وكان ممن يأمن الفتنة ، فلا يكون والحال كذلك لا يكون راغبا عن السنة وإن كان الأولى في حقه أن ينكح إن حصلت له باءة تجزئ ، فكان من العموم ما استغرق أي رغبة عن السنة سواء أبطن قصدها أم ظهر لفظها وَفِعْلُهَا في الخارج ، وثم عموم ثالث وهو عموم الإضافة في "سنتي" فاستغرقت سنة الرسالة باطنا أو ظاهرا ، وهي ما تحتمل ، من وجه ، فقد تحمل على العادة والطريقة المسلوكة ، وهي ما قد خُصَّ بالمشروعة ، فخرجت سنة العادة فليست مناط تشريع ، وإن كانت مناط ثواب بالنظر في كمال المتابعة والاقتداء فلا يكون ذلك إلا عن محبة وهي من عمل القلب الذي يحمد ، وهي ، من وجه آخر ، مناط ذم وعقاب إِنْ تَرَكَ الاقتداءَ بُغْضًا للصورة فلا يخلو ذلك أن يكون بُغْضًا لصاحبها أو بُغْضًا لما قد جاء به من الشرع أو حرجا يجده في نفسه فهو يَتَرَاوَحُ وقد يبلغ بصاحبه حد الكفران الناقل عن أصل الدين ! لو كان باعث الرغبة عن السنة والترك هو بغض صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولو في أَمْرِ عادة وجبلة ، فَهُوَ الْبُغْضُ على قاعدة دين بلا تأويل يرفع الحكم وإن لم يرفع الإثم كما كان من الخوارج فإنهم أبغضوا المخالف على قاعدة دين ولكنهم تأولوا أن ما عليه المخالف ليس بدين بل كان باعثهم الدين ، ولو فسد التصور بما كان من الغلو جهلا بالدين الحق ، فَثَمَّ معنى زائد من المحبة يوجب الثواب ، كما تقدم ، وثم آخر من البغض يستجلب العقاب بل ويثبت به الكفران في أحوال ، فَبُغْضُ الرسالة نَقْضٌ لركن من أركان الديانة وهو الإيمان بالرسل ، عليهم السلام ، وهو بُغْضٌ لِمَا قد جاءوا به من الوحي فلا يخلو أن يكون نَقْضًا لركن الإيمان بالكتب ، وهو ، بُغْضٌ ثالث وانتقاص لمن أنزل هذه الكتب ، فذلك نقض لركن الإيمان الأول : الإيمان بالله جل وعلا .
والإضافة في "سنتي"، من وجه آخر ، تحتمل الدين كله واجبه ومندوبه ، فالرغبة عنه تُوجِبُ انْتِفَاءَ النسبة في الجواب انْتِفَاءً أكبر ، إذ رغب عن الأصل والفرع ، فجاوز حد السنة في اصطلاح الفقه ، فإن حملت السنة عليها ، فالرغبة عنها لا تَنْفِي النسبةَ النَّفْيَ الأكبر الناقض لأصل الملة ، وإنما النسبة المنفية هي نسبة الكمال الواجب إلا إن كانت الرغبة عن السنة ، كما تقدم ، تهكما أو بُغْضًا لصاحبها صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فاحتمل النفي ، من هذا الوجه ، احتمل النفي الأكبر ونظيره الأصغر على وجه لا تعارض فيه ولا تناقض إذ الجهة قد انفكت ، وهو مما يشهد لمن قال بعموم المشترك فقد دل على أكثر من وجه في سياق واحد بما كان من احتمال في الدلالة يسوغ ، وحملان اللفظ عليها جميعا إنما جاز لما تقدم من انفكاك الجهة فلكلٍّ وجه في المعنى جهة في التأويل تصح ، وكذا قال أهل الشأن في عامل الرغبة "رغب" فإنه ابتداء إذا جُرِّدَ من الجار الذي به يَتَعَدَّى فهو يحتمل فإما رغبة في الشيء وإما رغبة عنه ، فاحتمل ضدين ، ووجب التوقف حتى ينظر فِيمَا بعده فقرينة السياق تَعَدِّيًا بالجار "في" شاهدة بالمحبة ، وقرينة السياق تَعَدِّيًا بالجار "عن" شاهدة بالبغض .

وكذلك الشأن في نصوص من قَبِيلِ قولِ صاحب الوحي المنزل صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا" ، فَثَمَّ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، شرط قد استغرق فذلك عموم يدخل فيه كل أحد ، فكل محل يقبل التكليف فهو يدخل في هذا العموم ، عموم الشرط أو الموصول "من" ، فإن حملت على الشرط ، فالفاء فاء الرَّبْطِ بين الجواب والشرط ، وهي مما يدخل إيجابا على النفي "ليس" ، وبها التلازم يثبت على وجه يُوَاطِئُ قياس العقل المحكم ، فَثَمَّ اطراد وانعكاس ، وثم موافقة ومخالفة ، وَثَمَّ اقْتِرَانٌ بَيْنَ المشروط والشرط ، أو المعلول والعلة ، أو الحكم والسبب ، فَثَمَّ عموم قد استغرق سَوَاءً أَحُمِلَتْ "مَنْ" على الشرط أم على الوصل ، فالموصول ، أيضا ، إِنْ وَرَدَ عَلَى حَدِّ الابتداءِ ، فالفاء تدخل على خَبَرِهِ إذ يُضَمَّنُ معنى الشرط ، فَثَمَّ قياس صريح ، إذ حُمِلَ الوصلُ عَلَى الشرط فَقَدْ ضُمِّنَ معناه إذ يدور الجواب مع الشرط وجودا وَعَدَمًا ، فكذلك الخبر المسنَد فهو يدور مع المبتدأ المسنَد إليه ، فالخبر حكم والمبتدأ محكوم ، فَيُسْنَدُ الحكم إلى المحكوم إسناد التعليل فَثَمَّ معنى في المحكوم يناط به الحكم فَيَدُورُ مَعَهُ دوران الطرد والعكس ، فَثَمَّ عموم سَوَاءً أَحُمِلَ عَلَى الشرط أم الوصل ، فَيُقَاسُ الوصل على الشرط ، فدخلت الفاء استصلاحا لِلَّفْظِ حَالَ الشرط ، وَقِيَاسًا عليه حَالَ الوصل ، فَثَمَّ عموم "مَنْ" التي أَفْرَدَ لفظها وَذُكِّرَ ، ومعناه معنى الجمع الذي يستغرق كل محل يصح تكليفه ، ذكرا أو أُنْثَى ، فَرْدًا أو جَمَاعَةً ، فيجري من هذا الوجه مجرى الخاص الذي أُرِيدَ به عام ، فَأُرِيدَ بالمفرد الجمع ، وذلك مما يَنْدَرِجُ في باب المجاز عند من يَقُولُ به في اللسان والوحي خلاف من أَنْكَرَهُ ، فَهُوَ يُجْرِي ذلك مجرى الحقيقة ، فلفظ "مَنْ" قد وضع ابتداء في لسان العرب مئنة من العموم ، وهو ما يصدق في كل آحاده في الخارج ، واحدا أو جماعة ، والسياق قد يخصه فَيَقْصُرُ دلالته على آحاد أو واحد من أفراد العام ، فيكون حقيقة في سياقه إذ يجري مجرى الظاهر المركب من لفظ وقرينة سياق ، وهما معا مجموع يدل على المعنى ، بادي الرأي ، دون حاجة إلى تكلف القول بالمجاز ، فهو حقيقة في سياقه وذلك أصل طرده منكر المجاز في كل موضع ، فالعبرة عنده بما يَثْبُتُ بَادِيَ الرأي من ظاهر الكلام ، فإن حصل المعنى في الذهن بلا كلفة فهو حقيقة وإن لم يدل على المعنى بألفاظه مُنْفَرِدَةً فقد دل عليه بها مجموعة في سياق تَعْرِفُهُ العرب في كلامها .
وثم عموم آخر ، وهو عموم العامل الذي أُطْلِقَ ، عامل "غَشَّ" ، فَتَدْخُلُ فيه جميع أجناس الغش ، ويدخل فيه كل من غش ، وإن أُفْرِدَ الضمير المستكِنُّ فيه إِفْرَادَ المذكر فتقديره "هُوَ" ، فالمعنى ، كما تقدم ، أعم ، وهو ما يستغرق كل مَنْ صَدَقَ فيه حكم الغش فَرْدًا أو مثنى أو جمعا ، ذكرا أو أنثى ، فَقَرِينَةُ السياقِ قَدْ رَفَدَتِ الضمير المستكن فَجَعَلَتْهُ جِنْسًا أعم إذ يستغرق سائر صوره فِي اللفظ المقدَّر والمعنى المحقَّق .
فلا يقتصر الحكم على السبب الذي ورد عليه العام ، فالعام الوارد على سبب يستغرق السبب وما دونه من الآحاد ، وإن كان دخول السبب أقوى فَقَدْ وَرَدَ العام عليه ابتداء ، فدخوله قطعي ودخول غيره ظني ، وكلاهما يجزئ في الدلالة ، وإن كان القطعي آكد ، فثم عموم يستغرق كل غش ، سواء أكان في الدين أم في الدنيا ، سواء أنقض الأصل الجامع أم الكمال الواجب ، فإن كان الغشُّ هو الغشَّ الأكبر ، فَنَفْيُ النسبةِ في "فَلَيْسَ مِنَّا" هُوَ النفي التام ، فالمحكوم في هذه الحال قد مَرَقَ مِنَ الدين كُلِّهِ ، وهو ما استغرق سائر النواقض الإيمانية الاعتقادية والقولية والعملية ، المعقولة والمحسوسة ، فاستغرق أوثان الحس من الشجر والحجر ، وأوثان المعنى من الفكر المحدث والشرع المبدل أو المؤول الذي لا قرينة له تشهد ، فتأويله في هذه الحال التأويل الباطل كما أُثِرَ من تأويلات أهل الباطن ، وهم ، لو تدبر الناظر ، قبيل يجري مجرى الجنس العام الذي تندرج تحته آحاد ، فثم باطنية المتكلمة وثم باطنية المتزهدة وثم باطنية محدثون فِي الفكرِ والشرعِ والسياسةِ ، فَهُمُ أحبار الدين الجديد ، الدين الْعَلْمَانِيِّ ، وهو يَتَرَاوَحُ بَيْنَ دين اللادين ! وآخر ضد الدين قد غَلَا في خصومة الدين فلم يحسن يصانع كما الأول فلا ينصب العداوة وإن أَفْضَى قوله ، ولو باللازم ، إلى تعطيل الوحي النازل ، سواء أكان التعطيل كُلًّا أم كان في باب دون آخر ، لا سيما ما قد عمت به البلوى في هذا الجيل من تعطيل الوحي في خصومات السياسة والحرب وكل شأن عام يستغرق فَضَاقَ حَدُّ الدين فلا يجاوز الفرد في ذاته ، وهو ، مع ذلك ! ، محل تقدير ، فلم يجهر الخصم بخصومته وإنما تلطف في القول لئلا يفجأ المخالِف بما يكره فَيَنْفِرَ منه بما استبطن من فطرة تَقْبَلُ الحقَّ طَبْعًا بلا كلفة ، فلا تحيد عنه إلا بعد تأويلات دقيقة لا يحسنها إلا آحاد من الخلق ولو كان ما قالوا هو الحق ما قامت حجة الوحي على البشر فإنها لا تقوم بقول يدق ويغمض لا يعرفه إلا آحاد من تفلسف ، فضلا أن يكون ثم دين يَتَرَاوَحُ فَثَمَّ دين الظاهر ، ظاهر الألفاظ فهو دين العامة ، وثم آخر يدق وهو دين الخاصة من المتفلسفة والمتزهدة الذين عالجوا من فنون النظر والرياضة ما به قد بَلَغُوا رُتْبَةَ العلم الباطن فجاوزوا حد التكليف الظاهر بل قد صار في حقهم نقصا ينحط بهم عن رتبة الوصول إلى بواطن المعاني ، وكل أولئك مما اقْتُرِفَتْ جِنَايَتُهُ باسم التأويل الذي صار في هذا الجيل من أعوص المشترَكَاتِ فهو يدل على معان تصح ، كما اطرد في كلام أهل التفسير ، فالتأويل رجوع باللفظ إلى المعنى الصحيح ، وذلك التفسير الذي يكشف عن وجه الدلالة بما اسْتَقَرَّ من قاموس اللسان نَقْلًا يبلغ حد الضرورة المتواترة ، وهو ، من وجه آخر ، مئنة من تكليف بالتصديق تارة والامتثال أخرى ، فَتَأْوِيلُ الخبرِ تصديقه ، وتأويل الأمر والنهي امتثاله ، فدل على معان تصح ، ودل على أخرى تبطل بل ولأصل الدين تَنْقُضُ ، كما في تأويلات الْمُعَطِّلَةِ من المتكلمة ، زادوا أو اقتصدوا في التأويل فلم يطردوه في كل نص وإن لم يخل صَنِيعُهُمْ مِنْ تَكَلُّفٍ وحظ نَفْسٍ تستحسن في أحيان فَتُثْبِتُ وَتَسْتَقْبِحُ في أخرى فَتَتَأَوَّلُ ، والباب واحد فإما أن تستحسن الجميع فَتَقْبَلَ وإما أن تستقبح الجميع فَتَرُدَّ لا أن تُفَرِّقَ بين المتماثلات ، فَتُثْبِتَ بَعْضًا وَتَتَأَوَّلَ آخر وهم جميعا على حد سواء ، وإنما كان الخلاف أَنْ كَانَ المرجعُ هو الهوى والذوق ، ولكلٍّ منه حظ ، فكلٌّ يثبت من المعنى ما يواطئ هواه وذوقه ، وإذ تعددت الأهواء والأذواق فهي مما يَتَعَارَضُ بل وَيَتَنَاقَضُ وَرَدُّ الحكمِ إليها لا يحسم الخصومة فهو رد إلى متشابه ، وإنما القياس الصريح الذي يستحسنه كل عاقل أَنْ تُرَدَّ جَمِيعًا إلى محكم واحد فهو يَقْضِي فِيهَا قَضَاءَ الحق إذ تجرد من الهوى والحظ وَبَرِئَ من وصمة النقص والجهل ، فهو الحكم العدل ، وذلك هو الوحي الذي يصدق العقل فلا يَغُشُّ ، كما الغاش الذي انتفت عنه النسبة في الخبر محل الشاهد ، وهو الرائد الذي يسلك به جادة الطمأنينة في الأولى فلا شك ولا ريب ، ويسلك به جادة النجاة في الآخرة ، فلا نصب ولا حزن ، ولا يكون ذلك إلا أَنْ تُرَدَّ متشابهات العقول إلى محكمات النصوص لا أن يُرَدَّ المحكم إلى المتشابه وَيُنْبَزَ المحكم أنه قيد يحول دون التعقل والتدبر ، وإنما المحكم دليل يرشد السالك إلى أوضح المسالك فهو الدليل الرائد الذي يهدي الصراط المستقيم في كل حكومة ، وَيَقِي صاحبه شَرَّ الْفُرْقَةِ إن سلك سُبل الباطل في الفكرة أو الحركة ، فـ : (أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) ، فلا تسلم حكومة العقول إلا أن تُرَدَّ إلى مرجع من خارج يجاوزها قد بَرِئَ مما لم تَبْرَأْ منه من الجهل والنقص والهوى والحظ ، فـ : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، فذلك التأويل الحسن أن يرجع بالخصومة في كل تَنَازُعٍ إن في العلم أو في العمل ، إن في الشرع أو في الحكم ، إن في السياسة أو في الحرب ، إن في الأخلاق أو في الزهد ، أن يرجع بها إلى الوحي ، فهو الحكم العدل الذي يقضي فيها بالحق ، لا أن يسلك جادة من تَقَدَّمَ من المتكلمة فَيَتَكَلَّفَ من وجوه الدلالة ما القرينة فيه تَبْعُدُ ، أو يَزِيدَ فَيَنْتَحِلَ ما انْتَحَلَ الباطنية من التأويل فهم أضل في السبيل ، فلا قرينة لهم ابتداء تثبت وإنما هو اللعب بدلالات الألفاظ على وجه يُبْطِلُ الاحتجاج بضرورات اللسان فلا يَبْقَى لِعَقْدٍ دلالة ، فالتأويل يحمله على غير ما وُضِعَتْ له ألفاظه ، بل ويجيز حملانه على أضدادها ، فما بقي من كلام الناس يصح إن كان لكل معجم في الدلالة واللفظ ؟! ، فلكلٍّ عَقْلٌ يتأول ولكل ذوق يتكلف من القرائن ما به يستر سوأة تأويله ، خِلَافَ من ضَادَّ الدين فهو ابتداء قد صَرَّحَ ، فلم يحسن يداهن ، كما قال القائل إن الوحي هو مركز الفكرة في الشرق وذلك ما يفضي إلى تعطيل العقل فلا بد من التحرر من سلطان النقل ومن كل ما يعوق مسيرة الإنسان في هذا الكون ! ، فالوحي عائق يحول دون إبداعه وإن جاوز الحد فطغى فهو طالب حكم مطلق وإن جهل فلا يعلم ، ولا بد له من رائد لا يكذب ، ولا يَعِيبُ الجاهلَ أن يسأل فليس جهله ابتداء بما لا يدرك بالحس ، فهو من الغيب ، ليس جهله به أمرا يُذَمُّ في نَفْسِهِ ، بل الذم يتوجه إلى من لم يسأل فقال فيما لا يَفْقَهُ ، وأبى قول الرائد الذي يَصْدُقُ بما جاء من وحي محكم يَفْصِلُ في خصومات العقول فَقَدْ تجرد من الأهواء والحظوظ ، فأبى واستكبر أن يسأل ، وفيه يصدق الخبر المأثور عن صاحب الشرع المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ" ، فإذا صح الدليل ، دليل الوحي ، وصرحت الدلالة بلا تكلف ما تقدم من تأويل باطل أو آخر باطن فليس جنس التأويل يُذَمُّ أبدا ، وإنما ذُمَّ منه ما قد خَالَفَ عن الوحي فهو فاسد الاعتبار إذ لا اجتهاد مع النص ، فذلك فساد الاعتبار عِنْدَ مَنِ اسْتَقْرَأَ قَوَادِحَ القياس في الأصول ، فكل ما خالف نصا صحيحا أو إجماعا قطعيا فهو فاسد الاعتبار ، وكذا يقال فيما خالف عن ضرورات العلم من مُتَوَاتِرَاتِ المعاني التي أجمع عليها العقلاء ، فإذا صح الدليل وصرح المعنى وجب الاتباع فهو الدين والمذهب كما أُثِرَ عن الأئمة الأعلام ، فـ : "إذا صح الحديث فهو مذهبي" ، فيجري ذلك مجرى الشرط الذي حُدَّ حَدَّ الكثرة ، فتلك دلالة "إذا" ، كما قَرَّرَ أهل الشأن ، ولا تخلو من دلالة الظرفية ، فَصِحَّةُ الحديث إذا وٌجِدَتْ ظَرْفٌ لِمَا بعدها من العمل بالخبر فهو المذهب ، وذلك ما يستغرق سائر المذاهب ، إن علمية أو عملية ، إن في الحكم والشرع أو السياسة والحرب أو الرياضة والزهد ..... إلخ ، فَيَسْتَغْرِقُ الاعتقاد والقول والعمل ، ويستغرق الفعل والكف في العمل ، النطق والسكوت في القول ، الإثبات والنفي في الاعتقاد ...... إلخ ، فهو المذهب الحجة الذي لا يُقَدَّمُ عليه قياس أو مصلحة أو عرف أو ذريعة .... إلخ فكل ما عارضه منها فهو فاسد الاعتبار ، فلا ينهض له إلا حديث مثله ، فإن كان ثم تَعَارُضٌ بَيْنَهُمَا وَجَبَ التَّحَرِّي فقد يكون ذلك مِمَّا يَتَوَهَّمُ الناظر ، بادي الرأي ، فإذا حقق النظر زال التعارض وجاز الجمع فهو أول ما يطلب المستدل ، فالجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض هو الواجب ما أمكن إذ إعمال النصوص أولى من إهمالها ، فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ دليلين ظاهرهما التعارض جمعا معتبرا لا تكلف فيه ولا تعسف فقد فاز بهما جميعا ، وهو الأسعد حظا إذ لم يَفُتْهُ شيء من السنة ، فَقَدْ تَنْفَكُّ الجهة فَيَنْصَرِفُ كُلٌّ إلى واحدة ، فيكون التعارض بين إباحة وحظر ، فَتَنْصَرِفُ الإباحة إلى وجه والحظر إلى آخر ، كما في أمثلة مشهورة في الأصول ، ضربها أهل الشأن ، ولو تَقْدِيرًا لِبَيَانِ هذا الأصل ، ومنها الصلاة في الأرض المغصوبة فهي عند الجمهور مما تَنْفَكُّ فيه الجهة فَثَمَّ جهة إجزاء وثواب بالنظر في فعل الصلاة ، وَثَمَّ جهة حظر وإثم بالنظر في فعل الغصب ، فانفكت الجهة وَزَالَ التَّعَارُضُ ، وكذا في الأخبار ، فإن تَعَذَّرَ الجمع فَثَمَّ القول بالنسخ إذا عُلِمَ التاريخ ، فالمتأخر ينسخ المتقدم أو يخصصه ، كما قال أهل الأصول ، وإن كان التخصيص بعد العمل بالعام هو ، أَيْضًا ، من النسخ عند أهل الشأن ، ولو نَسْخَ بَعْضِ الدلالة ، دلالة العام على آحاده فَعُمِلَ بالعام ظَنًّا راجحا قد استغرق جميع آحاده حتى جاء الدليل المخصِّص بعد حين فأخرج بعض الآحاد ، فهو القطعي الذي يَقْضِي في العام الظني ، إذ قطعي الدلالة يقضي في ظني الدلالة ، كما اشْتُهِرَ في كلام أهل الأصول ، وتأخره المخصِّص قد أوجب العمل بالعام حتى ورود الخاص ، فوروده بعد حين دليل على حجة العام ابتداء حتى جاء المخصِّص فهو من الجنس المنفصِلِ الذي تأخر زمانه ، فلم يتصل بالعام ليقال إن الآحاد المخصوصة قد خرجت ابتداء ، فلم يستغرقها العام بدلالته حكما وإن اسْتَغْرَقَهَا حال التجريد لَفْظًا ، بل قد اسْتَغْرَقَهَا بِالنَّظَرِ في أصل الوضع الأول في اللسان واستغرقها في الدلالة فلم يَرِدِ المخصِّص إلا بَعْدَ زَمَانٍ من العمل بالعام ، فالتخصيص المنفصل الذي يَتَأَخَّرُ عن العام في الزمان هو ، عند التدبر والنظر ، من النسخ ، وإن نسخ جزء من دلالة العام ، وهو الجزء المخصوص الذي خرج بالدليل المخصِّص المتأخِّر .
فإن لم يكن ثَمَّ علم بالتاريخ ، فالترجيح الذي استقرأ أهل الشأن وجوهه فجاوزت المئة ومنها ما هو تَرْجِيحٌ بالنظر في الإسناد ، ومنها ما هو بالنظر في المتن ، على تفصيل في ذلك ، فإن الحديث قد يصح وَثَمَّ ما هو أصح ، فيقدم الأصح إذا تَعَارَضَا وَتَعَذَّرَ الجمع أو القول بالنسخ ، وصحة الحديث ، من وجه آخر ، عموم قد دل عليه السياق ، فإن تسلط الشرط "إذا" على المصدر الكامن في الفعل "صَحَّ" مئنة من العموم ، فاستغرق سائر ما يصح ، وهو معنى يستغرق كل ما هو حجة في الاستدلال سواء أكان الصحيح في الاصطلاح الذي حُدَّ بالشروط الخمسة التي استقرأها أهل الصنعة أم كان ما دونه من حَسَنٍ تكاثرت طرقه فَتَعَاضَدَتْ فَارْتَقَى بها درجةً فهو الصحيح لغيره ، فهو حجة ما لم يُعَارِضِ الصحيحَ لذاته ، فَيُقَدَّمُ الصحيحُ لذاته إذ الصحة فيه أصل ، أم كان الحسن أم الضعيف الذي يَنْجَبِرُ فَضَعْفُهُ لا يشتد ، فإذا تكاثرت طرقه فهو دليل معتبر ما لم يُعَارِضْ مَا هو أقوى ، بل إن كان مما ينجبر فَلَمْ يَشْتَدَّ ضعفه ولم يكن له شاهد يعضده وإن كان له أصل معتبر في الشرع فهو مما يُسْتَأْنَسُ به في فضائل الأعمال لا في الأصول والأحكام ، فكل أولئك مما يدخل في حد الصحة ، فهي معنى يجاوز الصحيح في الاصطلاح فكل ما صح الاحتجاج به في بابه فهو المذهب ، وذلك جواب الشرط الذي استغرق ، أيضا ، في قوله : "فهو مذهبي" ، فإضافته إلى الضمير ، ياء المتكلم ، مئنة من العموم ، كما قرر أهل الأصول ، فاستفاد تَعْرِيفًا فِي لَفْظِهِ وَتَعْمِيمًا في معناه فاستغرق ، كما تقدم ، مذهب الاعتقاد ومذهب القول ومذهب العمل .
وذلك ما حده بعض المحققين ، فلا يَسْتَدْرِكُ كُلُّ أَحَدٍ على إمامٍ تَرَكَ العمل بالحديث ، فلا يُلْزَمُ بالحديث مذهبا إلا بعد استقراء كتب الإمام والإحاطة بها إحاطة يغلب على الظن بها أنه لم يستدل بهذا الحديث في موضع آخر ، أو قد بلغه بل وَرَوَاهُ ولكنه لم يعمل به لوجود معارض أقوى لا يفطن له كل أحد إلا من حَقَّقَ المسألة ، وقد يعتذر عنه في مواضع ، فَمَا ظَنَّهُ مُعَارِضًا لا يقوى أَنْ يُعَارِضَ ، فَقَدِ اسْتَبَانَ ضعفُه بما قد جَمَعَ مِنْ طُرُقِهِ ، فكان من عمل المستدل أَنْ جَمَعَ طُرُقًا لم تَبْلُغِ الإمام فقد رواه من طريق واحدة هي ما قَدْ بَلَغَهُ فَكَانَ الضعف فيها ظاهرا فلم يستدل به أو رواه لِيُبِينَ عن ضعفه فَتَرَكَ العمل به إذ لم يصح عنده ثم جاء المستدرك بما أحاط به من طرق لم تَبْلُغِ الإمام فاستبان له منها واحدة تَصِحُّ أو كان ثم من العواضد ما رَفَدَ الضعيف فهو من الجنس المنجبِر فإذا اعتضد عُضِدَ وصار حجة وإن دون الصحيح والحسن لذاته فذلك ما اصطلح أهل الشأن أنه الحسن لغيره فهو ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ قَدِ اعْتَضَدَ بِغَيْرِهَ فَصَارَ حسنا به لا بِذَاتِهِ ، بادي الرأي ، ولا يطيق ذلك إلا المجتهد الذي اسْتَقْرَأَ وَجَمَعَ ، لا جرم اشترط المحققون فيمن ينهض بذلك فَيُلْزِمُ الإمامَ بحديث لم يبلغه أن يكون من أهل الاجتهاد والاستقراء ، وإلا فقد يُسَارِعُ ، بادي الرأي ، فَيُلْزِمُ الإمام بحديث وهو يظن أنه لم يَبْلُغْهُ ، فإذا استقرأ أَقْوَالَهُ وجده قد استدل به في موضع آخر ، أو رَدَّهُ لا رَدًّا للحديث وإنما عارضه آخر أقوى ، سواء أكان ذلك حَقًّا في نفس الأمر أم اجتهادا من الإمام ، فيكون عنده من الدليل ما يطعن في صحة الأول أو ينسخه أو يخصصه أو يؤوله تأويلا صحيحا ذا وجه معتبر لا آخر يَتَعَسَّفُ صاحبه في صَرْفِ الدليل عن ظاهره الراجح إلى آخر مرجوح بلا قرينة معتبرة ، فهو ، كما تقدم ، يدور بين الباطل والباطن ، فليس ذلك بمعتبر في ترك العمل بالنصوص والظواهر وإلا لو فُتِحَ بابه لصار ذريعة إلى تعطيل الشرع كله بذريعة التأويل ، أو لاحتمال يظهر ، ولو كان عارضا يُتَوَهَّمُ ، فلا يطلق القول إن ما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال فإطلاق القول بذلك ذريعة إلى إسقاط الاستدلال بالنصوص كلها إذ لا تخلو من احتمال ، ولو تجويزا في الدلالة ، فيجوز أنه أراد بهذا اللفظ كذا أو كذا ، فَتُفْتَحُ ذريعة الاحتمال وَيَقْتَرِحُ كُلٌّ ما جاز بلا دليل يرجح ، فالجائز مُطْلَقًا يحتمل ، فَقَدْ يأتي الدليل المرجِّح فَيُرَجِّحُ الإيجاب ، وقد يأتي فَيُرَجِّحُ الامتناع ، فلا يطلق القول إن الدليل هو الجواز ، جواز هذا المعنى دون دليل مخصوص هو النص في محل النزاع ، فالمخالف يَرُدُّ هذا الجواز المطلق بآخر مثله ، فيجوز أنه ما أراد بهذا اللفظ هذا المعنى بل أراد غيره ، فلا بد من دليل من خارج يحسم النِّزَاعَ بَيْنَهُمَا ، وإلا فالتجويز المطلق يجزئ في رَدِّهِ مِثْلُهُ إذا يَتَعَارَضَانِ على حد سواء فَيَتَسَاقَطَانِ .
والشاهد أن الإمام قد يَرُدُّ الحديث إذ قد عارضه ما هو أقوى ، فَقَدْ يَرَى آخر أَرْجَحَ فَيُقَدِّمُهُ وَيَرَى غَيْرُهُ أن الحديث محل النِّزَاعِ هو الأرجح فلا يَنْهَضُ له غيره فهو المذهب ، فقد روى بعض الأئمة أخبارا وعارضوها بل ونصوا على ذلك ، لِيُعْلَمَ ، كما يقول بعض السلف ، أَنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ قد تَرَكُوهَا فَقَدْ ثَبَتَتْ عندهم وَثَبَتَ من المعارض ما هو أقوى ، فَمَضَى العمل على خلافها ، وهو ما جَرَى عند القائل مجرى الإجماع فيكون ثم إجماع على تَرْكِهَا وهو في نَفْسِهِ لَيْسَ يَنْسَخُ بل الإجماع دليل على الناسخ وشرطه أن يثبت صحيحا قطعيا ، وإلا ادعى كل أحد الإجماع على تَرْكِ الحديث الذي يخالف عن قوله ! ، فلا ينهض بذلك ، أيضا ، إلا أهل الاستقراء التام ، فضلا أن يكون ثم خلاف في أصل الاشتراط كمن اكتفى في تَرْكِ العمل بالحديث مخالفته لإجماع وعمل مخصوص ، عمل أهل المدينة مثالا عند مالك رحمه الله فَهُوَ عِنْدَهُ يُقَدَّمُ على خبر الآحاد إذ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ المتواتر الذي عمل به الصدر الأول من أهل المدينة ومن بعدهم ، وهم من يحتج بإجماعهم ، فكان عملهم بخلاف الحديث مَئِنَّةً مِنْ نَسْخِهِ ، على تفصيل في هذا الأصل فلم يُسَلِّمْ له الجمهور بذلك إذ إجماع أهل المدينة وإن كانت لهم سابقة الفضل إذ فيهم قد نَزَلَ الوحي فَعَلِمُوا مِنْ سُنَنِهِ وآثاره ما لم يعلم غيرهم إلا أنه إجماع بعض الأمة لا كُلُّهَا ، فَلَيْسَ الإجماع المعتبر في الاصطلاح لا سيما بعد تَفَرُّقِ الصحابة في الأمصار فَانْتَشَرَ العلم وَتَعَذَّرَ استقراء الأقوال جميعا على وجه يوجب الجزم بِانْتِفَاءِ المخالف لا جرم كان من ورع أئمة أن احتاطوا في حكاية الإجماع بعد عمر ، رضي الله عنه ، إذ الإجماع إلى مماته يَسِيرُ المأخَذِ فقد جمع أهل الاجتهاد والشورى في المدينة فكان استقراء أقوالهم أَيْسَرَ ، فذلك الإجماع الذي ينضبط وما بعده فهو ينتشر فَلَزِمَ المجتهد فيه من الاستقراء ما لا يَلْزَمُ في الأول ، وهو ، مع ذلك ، في حكايته يَتَوَرَّعُ كما أُثِرَ عن أحمد ، رحمه الله ، من عبارة مشهورة في كتب المذهب "لا نعلم له خلافا" أو "لا نعلم له مخالفا" ، فلم يجزم بانتفاء المخالف وإنما جزم أنه لم يعلمه فقد يعلمه غيره ممن بلغه من الخبر ما لم يبلغه ، فإذا بلغه ، كما تقدم ، من طريق صحيحة غير معارضَة بما هو أقوى ، فهو المذهب فلا يقدم عليه غيره .
ولا تخلو دلالة "أل" في "الحديث" في الأثر : "إذا صح الحديث فهو مذهبي" ، لا تخلو من عموم يستغرق كل ما يحتج به من الآثار فَمَنْ قال إن قول الصحابي حجة ، على تفصيل في ذلك ، فَثَمَّ شرائط قد حَدَّهَا أهل الشأن مع كون هذا الأصل ابتداء محل خلاف بَيْنَ أهل الأصول ، فَثَمَّ مَعَايِيرُ في الحكم منها : أن تصح نِسْبَتُهُ ابتداء إلى قَائِلِهِ ، وأن يكون مما لا يُقَالُ بالرأي ، وهو ما يَقْطَعُ ، بادي الرأي ، أنه مرفوع ، ولكن ذلك ما لا يُسَلَّمُ بإطلاقه فَثَمَّ معيار آخر وهو أخذ الصحابي عن أهل الكتاب بَعْضَ ما احتملوا من خبر الكتاب الأول فيرويه الصحابي لا احتجاجا وإنما استئناسا فهو يتأول أمر الإباحة في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا حَرَجَ" ، فإن كان من أولئك الذين رووا الإسرائيليات فلا يُسَلَّمُ بكل ما روى مما لا يقال بالرأي أنه من المرفوع حكما فيكون حجة ، بل قد يطلقه فلا يسنده إلى القائل فهو يحكيه في مجلس من المجالس فيخطئ الراوي عنه فيطلق القول بأن كل ما لا يقال بالرأي فله حكم الرفع ، فيرفعه إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس من قوله فالعلة من الراوي لا من الصحابي فإنه لم يرفع القول فلا يستجيز ذلك بداهة إذ هو من الكذب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو ما يقدح في عدالة آحاد الرواة فكيف بالصدر الأول وهم أصول الإسناد والرواية في الدين ؟! ، فقد يخطئ الناظر بادي الرأي إذا وجد أَثَرًا موقوفا لا يقال بالرأي فَيُسَارِعُ بالقطع أنه من المرفوع ، فلا يستصحب المعيار آنف الذكر وهو الأخذ عن أهل الكتاب ، وثم معيار آخر وهو أن يشتهر الخبر ولا يكون ثم معارض مع قيام الداعي وانتفاء المانع ، فيبلغ الخبر غيره من أهل الاجتهاد والفتيا فلا ينكره ولا يستدرك فذلك ما قد يُنَزَّلُ منزلة الإجماع ولو سكوتا ، ودلالته دلالة الظن الراجح وهو ما يجزئ في الاحتجاج ، وذلك ما يَرُدُّ الأمر إلى أصل آخر وهو الإجماع فَثَمَّ معيار آخر وهو انضباطه ، فمتى انضبط فهو حجة وهو ما قد قَصَرَهُ بَعْضٌ على الإجماع في خلافة الشيخين ، أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، إذ كان المجتهدون في المدينة قد حُصِرُوا فلم يخرجوا بعد وَيَنْتَشِرُوا فأمكن ضبط أقوالهم ، ولو إجماعَ سكوتٍ لا سيما في المواضع المشتهرة التي لا يخفى فيها القول ، كما يمثل أهل الشأن بتحريم عمر ، رضي الله عنه ، المتعة على المنبر ، فلم يعارضه أحد ولم يستدرك مع قيام الداعي وانتفاء المانع ، فكان ذلك بحضرة المجتهدين الأوائل ولم يؤثر عن أحدهم خلاف فَنُزِّلَ ذلك منزلة الإجماع السكوتي لقرينة العصمة فلا تجتمع الأمة الخاتمة على باطل في قول أو عمل ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فَلَمَّا سَكَتُوا ولم يُبَيِّنْ أَحَدٌ ولم يستدرك كان ذلك في نفسه بَيَانًا ، ولو بالسكوت ، فالسكوت في موضع البيان بَيَانٌ ، على خلاف في إطلاق هذا القول ، فَقَيْدُهُ ، كمايقول بعض الأصوليون ، أن يحصل الداعي وَيَنْتَفِيَ المانع ولا يكون ثَمَّ شبهة إكراه ، وأن يكون ثم فسحة زمان يجتهد فيها الناظر فقد سكت ابتداء إذ الأمر يستوجب التوقف حتى يُقَلِّبَ فيه نظره ، فإذا مضى زمان يجزئ ولم يؤثر عنه ما يخالف فذلك ما يؤيد الإجماع السكوتي وإن كان دون الإجماع الصريح في الدلالة ، وكلاهما ، لو تدبر الناظر ، حكاية المستند فلا بد للإجماع من مستند ، على تفصيل في ذلك ، فإن عمر لم يحرم المتعة اجتهادا مطلقا ، وإنما كان من الخبر ما إليه اسْتَنَدَ وهو ما كان من تحريمها يوم خيبر ، فثم من يقطع بذلك فلا تحل بعده ، وثم من قال بالحل في أوطاس ثم التحريم ثانيا فذلك النسخ المؤبد بعد إباحة تَعْرِضُ، وهو ما أجراه بَعْضُ المحققين مجرى الرخصة فالدليل محكم لم ينسخ والتحريم باق لم يرتفع ، وإنما استبيح المحظور مع قيام الدليل الحاظر رخصة لا عزيمة ، فهي الضرورة التي تقدر بقدرها ، وعليه حملت إباحة ابن عباس ، رضي الله عنهما ، لها ، على تفصيل في ذلك ، فآل قول الصحابي أن يكون حجة فَيُنَزَّلَ منزلة المرفوع وإن كان دونه في الرتبة ، فلا يعارض المرفوع الصحيح بالموقوف ، وإنما الخلاف إن كان ثم موقوف صحيح في مقابل مرفوع ضعيف ، فثم من المحققين ، كأحمد رحمه الله ، من يقدم الموقوف الصحيح وهو من أبرز من احتج بقول الصحابي مَا سَلِمَ من المعارضة ، وهو الذي قال قولته المشهورة : ضعيف الحديث أحب إلي من أقوال الرجال ، فكيف بما صح من الموقوف فهو أحب إليه من باب أولى ، وهو ما استوجب النظر حال اختلف الصحابة ، فأحمد يرد خلافهم إلى أصل محكم ، فيرجح بين أقوالهم إذ يختار ما كان إلى الكتاب والسنة أقرب ، فَثَمَّ مرجح من خارج ، فإذا لم يكن ثم مرجح فهو يحكي آثارهم أقوالا في المذهب وهو ما به فُسِّرَتْ كَثْرَةُ الروايات في المذهب فلم يشأ أن يهدر أقوالهم فكان يفتي بها في مجالس تختلف ، إذ لم يظهر له وجه ترجيح معتبر ، وكلها مما احتمل الصواب ، ولو على حد الجواز ، فذلك ، أيضا ، أحب إليه من أقوال الرجال ، على تفصيل في هذا الأصل ، قول الصحابي في مذهب أحمد ، فهو أكثر من تَوَسَّعَ فيه .
فآل قول الصحابي أن يكون حجة ، بجملة قيود منها : أن يكون من أهل الفقه والفتيا ، وأن لا يكون ثم معارض وإلا طُلِبَ التَّرْجِيحُ من خارج ، وأن يشتهر قوله فلا يكون ثم معارض ، وهو ما اعتبر في خلافة الشيخين ما لم يعتبر بعدها إذ كان ضبط الإجماع فيها أيسر قبل أن يَتَفَرَّقَ الجمع ويرحل بعد مقتل عمر ، وإذن عثمان ، رضي الله عنه ، أن يَنْسَاحَ المجتهدون من الصحابة في الأمصار المفتوحة ليعلموا الناس أمر دينهم .
وثم في الحكم بالرفع وهو قدر زائد على الاحتجاج ، ثَمَّ من القيد : أن تصح النسبة ، أيضا ، فذلك شرط في أي خَبَرٍ أو أَثَرٍ ، وأن يكون الخبر مما لا يقال بالرأي ، وألا يكون الراوي ممن تحمل عن أهل الكتاب الأول إِنْ روى ما لا يُقَالُ بالرأي .
فمن قال إن قول الصحابي حجة فهو يدخل في حد "الحديث" ، فدلالة "أل" ، من هذا الوجه ، تستغرق الموقوف على الصحابي كما المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

فكان ممن عمل المتأولة من الباطنية ما قد عَظُمَ إذ لم يكن ثم غاية إلا تعطيل الشريعة وإن أظهروا تَعْظِيمَهَا فلا يَزَالُ الطعن فيها على ألسنتهم يظهر ، وما تخفي الصدور أعظم ، فأولئك قد خالفوا عن مرجع الوحي وإن انْتَحَلُوا منه اسما بلا مسمى فلا يجاوز حد العنوان المجمل ، فذلك غش أكبر أن يعطل الوحي باسم الوحي فيكون من تأويل نصوصه وأحكامه ما يأتي على أصولها بالإبطال واستبدال غيرها بها ، فيستبدل الوضع المحدث بالوحي المنزل ، فذلك الغش الأكبر الناقض للأصل ، فَنَفْيُ النسبة في هذه الحال في الخبر محل الشاهد : "مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا" ، هو النفي التام ، خلاف ما يكون من غش أصغر ، كما في السبب محل الشاهد ، فغش التجارة والمضاربة ، وَغِشُّ الفكرةِ والشرعةِ بِمَا يكون من البدعة المحدثة سواء أكانت في العلم أم في العمل ، على وجه لا يَنْقُضُ الأصل الأول ، هذا الغش غِشٌّ أصغر يحمل النفي في الجواب ، جواب الشرط : "فَلَيْسَ مِنَّا" على نَفْيِ الكمال الواجب ، فلا يكون نَفْيًا تاما يُخْرِجُ صاحبَه من حَدِّ الإيمان ، فاحتمل السياق كلا الوجهين بلا تَعَارُضٍ ولا تَنَاقُضٍ ، وهو ، أيضا ، مما يستأنس به من يُجَوِّزُ العموم في دلالة اللفظ المشترك ، فَمَنْ غَشَّ الغش الأكبر أو نظيره الأصغر مع استباحة أو تهكم فذلك ، كما تَقَدَّمَ مِرَارًا ، نَاقِضٌ بِنَفْسِهِ بَاشَرَ الجناية أو لم يباشر ، فمن كانت تلك حاله فليس من الملة في شيء ، فقد مرق منها المروق التام .
وَمَنْ غَشَّ الغش الأصغر عصيانا بلا استباحة أو استخفاف يدل على انتفاء التعظيم ، تعظيم الوحي في الجنان ، من كانت تلك حاله فليس من كمال الملة في شيء ، فقد مرق من الإيمان الواجب دون أصله الجامع فاستحق الذم والوعيد من هذا الوجه ، وإن كان دون ذَمِّ الغاش الغش الأكبر وَوَعِيدِهِ ، فَوَعِيدُ الأول جائز إذ هو كَصَاحِبِ الكبيرةِ فهو تحت المشيئة ، فقد يَثْبُتُ الوعيد عدلا وقد يَنْتَفِي فضلا ، وإن ثَبَتَ فهو مؤقت لا يدوم فَإِنْ عُذِّبَ فَفِي نار العصاة ، وهي نار تطهير يخرج منها المذنِب إذ انْتَفَى خَبَثُ عصيانه بِكِيرِهَا ، ووعيد الثاني ، في المقابل ، وعيد مؤبد في نار الخلد فمن دخلها فلا يخرج منها أبدا إذ خَبَثُهُ خَبَثُ الذات فَلَيْسَ بِعَارِضٍ يَزُولُ بكير يُطَهِّرُ ، فَخَبَثُ الذات في هذه الحال لا يُفَارِقُهَا أَبَدًا وإن طُهِّرَتْ مَا طُهِّرَتْ ، فاحتمل السياق كلا الوجهين بلا تَعَارُضٍ ولا تَنَاقُضٍ ، بل كَانَ من إِثْرَاءِ السياق بأكثر من معنى والمبنى واحد ما يَزِيدُ في الدلالة .
وذلك أصل يَطَّرِدُ في كل نصوص الوعد والوعيد ، فإن نَفْيَ الإيمان أو إِثْبَاتَ الكفرِ ، ذلك حكم يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لِتَفَاوُتِ الجرمِ ، فإن كان الكفر أو الظلم أو الفسق أو الفجور أو العصيان ...... إلخ ، إن كَانَ كُلُّ أولئك من الجنس الْأَكْبَرِ اعتقادا أو قولا أو عملا ، فَنَفْيُ الإيمان أو ثُبُوتُ الكفران أو الوعيد بالعذاب ، كل أولئك مما يُحْمَلُ فِي هذه الحال على المعنى التَّامِ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ وجوهِه ، وإن كان الحكم من الجنس الْأَصْغَرِ اعتقادا أو قولا أو عملا ، فَنَفْيُ الإيمان أو ثبوت ضده من الكفران يحمل على المعنى الناقص الذي لا يستغرق وجوه المعنى وإنما يَقْتَصِرُ على بَعْضٍ منها ، فالناقض الأصغر يوجب لصاحبه اسم ذَمٍّ أصغر وإن كان كفرا أو ظلما أو فسقا .... إلخ من ألقاب البابِ ، بابِ الأسماء والأحكام ، فتلك أجناس عامة تَنْدَرِجُ تَحْتَهَا أنواع ، فمن الكفر والفسوق ما هو أكبر يَنْقُضُ الأصلَ الجامعَ ، ومنه ما هو أصغر يَنْقُضُ الكمالَ الواجبَ ، والسبب الجالب هو الذي يُعَيِّنُ الحكم ، وذلك القياس الصريح المحكم أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما إن فِي الوصف أو فِي القدر .

وليس في المباح ، لو تَدَبَّرَ الناظر ، معنى ذاتي يُرَجِّحُ تَرْكَهُ ، بل هجره على حد التنسك والتزهد لا يخلو من ذم إِنْ جَاوَزَ الحد إذ يُفْضِي إلى تلف النفس وفناء النوع ، وهو ما حَمَلَ بعض المحققين أن ينص على إيجاب المباح من الوسائل في أمور المعايش والمناكح .... إلخ ، لا أنها واجبة بالنظر في ذواتها الجزئية المجردة ، وإنما بالنظر في المعنى الكلي الجامع ، فَتَرْكُ الطعامِ وجبة أو اثنتين هو بالنظر في معناه الجزئي المجرد أمر لا يمدح ولا يذم إلا إن كان في التَّرْكِ معنى زائد ، فَتَرَكَهُ المكلف على نية التعبد المحض ، فلا يخلو والحال كذلك أن يشرع تارة إن كان ثم معنى ديني مخصوص كما في الصوم الواجب أو المندوب ، أو كان تَأْدِيبًا للنفس لا يخرج بصاحبه إلى حد الغلو المذموم ، أو كان حمية بها يستشفي ، فهو يستحضر نِيَّةَ التَّطَبُّبِ بالأسباب المشروعة حفظا للنفس من التَّلَفِ وذلك من آكد مقاصد الشرع الْمُنَزِّلِ ، ورعايته مما يحمد ، فَيُشْرَعُ من هذا الوجه ، وقد يُذَمُّ إن كان في التَّرْكِ معنى تَعَبُّدٍ زائد لم يأت به الوحي النازل فكان تحريما لِمَا قد أَحَلَّ الله ، جل وعلا ، من المطاعم أو المناكح ، أو إِحْدَاثًا لطريقةٍ في الدين تُسْلَكُ فَصَاحِبُهَا يُبَالِغُ في التنسك فَيُضَاهِي بها الطريقة المشروعة بل لسان الحال يَنْطِقُ بِالزُّهْدِ في طريقة النبوة الأولى فَقَدِ اقْتَرَحَ بهواه أو ذوقه أخرى استحسنها فعدل عن المشروعة لأجلها ، فهي ، من هذا الوجه ، محظورة ، فَمَنْ رغب عن السنة فليس من صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم على وجه لا يوجب البراءة المطلقة التي تستلزم مروق صاحبها من الدين فليس على الطريقة الكاملة الواجبة بما قارف من المحدَثة التي لا أصل لها في طريقة الوحي ، وإن لم يخرج عن الأصل فهو على طريقة من الدين بها يثبت مُطْلَقٌ أول يجزئ في حصول اسم يُعْتَبَرُ من الدين أو الإيمان أو الإسلام ...... إلخ من الأسماء الشرعية المحمودة ، وهو ، كما تقدم ، ما يجزئ في حصول النجاة مطلقا ، ولو بالنظر في المآل ، فلا تحصل به نجاة أولى إلا أن يُشْفَعَ بما يزيد من الفروض والواجبات والمندوبات التي تَجْبُرُ مَا فَاتَ من الواجب ، لا جرم كان المندوب كالمباح ، من هذا الوجه ، فكما أن المباح وإن لم يجب أو يشرع لمعنى في ذاته بالنظر في أجزائه ، فهو يجب بالنظر في كُلِّهِ إذ لا تحصل مقاصد الشرع المعتبرة من حفظ النفس والنسل إلا بذلك ، فكان الإيجاب من خارج ، وكان الإيجاب بالنظر في كُلِّهِ لا في أَجْزَائِهِ ، وكذلك المندوب ، فهو بَيْنَ يَدَيِ الواجب يُمَهِّدُ وَلِنَقْصِهِ يَجْبُرُ ، فدخله ، أيضا ، معنى الإيجاب بِالنَّظَرِ فِي كُلِّهِ لَا فِي أَجْزَائِهِ وَآحَادِهِ .
فَالنَّفْيُ في الخبر آنف الذكر ، خبر : "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" ، النَّفْيُ فِيهِ لا يستوجب انتفاء الأصل ، فليس على الطريقة الكاملة المطلقة فقد نَزَلَ عنها بما أحدث من التَّرْكِ لِمُبَاحٍ من الأكل أو النوم أم النكاح ، لا على معنى يُشْرَعُ بل قد دخله الذم إذ غَلَا صاحبه وزاد على وجه لا يُؤْمَنُ معه الانقطاع بما يُدْخِلُ عَلَى نَفْسِهِ من السآمة وَالْمَلَلِ ، فَنَزَلَ عن الطريقة الكاملة المطلقة ولم يَنْزِلْ عن مطلق الطريقة التي تجزئ في حصول اسم ديني يُجْزِئُ في حصول النجاة ، ولو بالنظر في المآل ، فالنفي في هذه الحال ينصرف إلى نفي الكمال الواجب لا نفي الأصل الجامع ، فمن انْتَفَتْ في حقه الحقيقة الإيمانية الواجبة دون الأصل الأول ، فهو مُتَوَعَّدٌ ابتداء بما يُضَاهِي ذَنْبَهُ من العذاب ، عذاب التطهير الذي يذهب عنه الرجس ، إلا أن يكون ثم مانع من نفاذ الوعيد كالتأويل في هذا الباب بِعَيْنِهِ فلا يخلو من صَنَعَ ذلك أن يَبْتَغِيَ بِفِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ الثَّوَابَ ، وإن أخطأ ، فليس ، بداهة ، كَمَنْ تَقَصَّدَ دَنْبًا يَقْبُحُ بالنظر في ماهيته المجردة فهو عصيان محض فَوَجْهُ التأويل فيه أضعف ، فصار الوعيد فيه أعظم من وعيد من تَأَوَّلَ فلم يسلك الجادة بل قد يُثَابُ على أصل القصد وإن لم يُثَبْ على الفعل أو الترك إذ لا يشرع ، فلا يصح مناط ثواب إذ لا يناط إلا بالفعل المشروع : الواجب والمندوب فعلا ، أو المكروه والمحرم تركا ، أو المباح إن باشره ذريعة إلى مشروع أو تَرَكَهُ سدا لذريعة محظور ، فلا يتوجه إليه ، كما تقدم ، أمر ولا نهي بالنظر في حده المجرد .
فكان من النفي في الخبر : "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" ، ما انصرف إلى نفي الكمال الواجب لا الأصل الجامع لا سيما بالنظر في سبب الورود فأولئك الرهط الذي غلوا في النسك والزهد حَتَّى تَرَكُوا بعض المباحات ، أولئك الرهط لم يَتَقَصَّدُوا المخالفة عن أمر الوحي ، بل أَرَادُوا المبالغة في التنسك والتعبد وذلك في نفسه معنى يحمد ما لم يُفْضِ بصاحبه إلى الغلو والزيادة على المشروع فلا تخلو آنذاك من معنى يقبح ولو بدلالة اللازم أَنَّ صاحبه يستدرك على الوحي ما قد فاته ! ، فهو يَقْتَرِحُ من أجناس التعبد ما لم يشرع ، ولو التزم ذلك فقد يمرق من الدين كله إذ يَسْتَلْزِمُ ذلك تكذيب الآي المحكم الذي امتن بكمال الدين المنزل : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ، فمن زعم أن في الدين محدثة حسنة ، كما قد أُثِرَ عن مالكٍ رحمه الله ، فقد أعظم الفرية على صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قد خان الرسالة فَكَتَمَ ولم يبلغ ، وكان ثَمَّ وقت حاجة فلا يجوز تأخير البيان عن وقتها فَأَخَّرَهُ بل وَكَتَمَهُ حتى جاء هذا المتأخر فَبَلَّغَ ما لم يُبَلِّغْ صَاحِبُ الشرع المنزَّل صلى الله عليه وعلى آله وسلم ! ، وهو ما يستغرق سائر المحدثات سواء أكانت في الاعتقادات أم في الأقوال أم في الأعمال ، وسواء أكانت في الأفعال أم في التروك ، وسواء أكانت في الأحكام أم في السياسات ، فَإِنَّ تَرْكَ التحاكم إلى الشرع الْمُنَزَّلِ : محدثةُ تَرْكٍ لما قد وَجَبَ ، بل ذلك مما لا يصح أصل الدين إلا به ، فَتَرْكُهُ نَاقِضٌ للإيمان ، والتحاكم إلى غيره من وجه آخر : محدثةُ فِعْلٍ لِمَا قد حَرُمَ بل ذلك مما ينقض أصل الدين ، فَفِعْلُهُ نَاقِضٌ للإيمان ، إذ المحدثة ، من وجه آخر ، على أنحاء فمنها محدثة تَنْقُضُ كمالَ الإيمان الواجب كغالب محدثات العمل من غلو في تَرْكِ مباح على حد التنسك والتزهد بما لم يشرع ، فذلك ما ينصرف إليه النفي في الخبر آنف الذكر : "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" ، إلا أن يكون ذلك على حد الاستباحة لما لم يُشْرَعْ فَلَازِمُ ذلك الخروج من الملة إن الْتَزَمَهُ بعد قيام الحجة الرسالية التي تبين عن بطلان ما سلك وهو ما كان من أولئك الرهط إذ اجتهدوا فتأولوا فلم يكن تأويلهم على الجادة ولا يعيبهم ذلك في شيء إذ ليسوا بِرَاجِي عِصْمَةٍ وَكَمِ اجْتَهَدَ الصحب رضي الله عنهم في مواضع فخالفوا عن الحق فلما بَلَغَهُمُ الحديث رجعوا إليه فاجتهد عمار في واقعة مشهورة أَنْ قَاسَ التيمم على الغسل من الجنابة فَعَمَّمَ جسده بِالتُّرَابِ وتلك ، بداهة ، زيادة على المشروع من ماهية التيمم الثابتة فلا تجاوز الوجه والكفين فَلَمَّا بَلَغَهُ الصحيح رَجَعَ عن اجتهاده الخاطئ فكذلك أولئك الرهط فإنهم وإن صدق فيهم أنهم قد خالفوا عن حكم الشرع الْمُنَزَّلِ إلا أنهم لم يَتَقَصَّدُوا ذلك بعد بُلُوغِ الشرع فلو كان ذلك لَمَرَقُوا من الدين كله بما تقصدوا من العناد فالأمر يجاوز حد العصيان المجرد لشهوة أو غلبة هوى أو حظ نفس فَثَمَّ معنى أدق وهو نَبْزُ الوحيِ بالنقصِ وما يستلزمه من اللازم آنف الذكر : تكذيبِ مُحْكَمِ الذكر إذ امْتَنَّ على الأمة الخاتمة باستكمال الشريعة الخاتمة فلم يَتَقَصَّدْ أولئك الرهط ما تَقَدَّمَ من المخالفة عنادا وكبرا بعد أن بلغهم حكم الشرع المنزل وإنما اجتهدوا ابتداء على قاعدة تأويل لا تذم بالنظر في الأصل فما أرادوا إلا الخير مبالغة في التَّعَبُّدِ وَإِنْ ضَلُّوا السبيل المحكم فجاوزوا الحد المنزل فَلَمَّا بلغهم حكم الشرع رجعوا فلم يُصِرُّوا فَانْتَهَوا إذ نهى صاحب الشرع المنزل صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَذَمَّ طريقتهم الغالية وإن قصدوا بها بُلُوغَ الدرجات العالية ، فلا يضرهم ما اجتهدوا وتأولوا بل يصدق فيهم آنذاك أنهم مأجورون إذ اجتهدوا قبل ورود الوجه المشروع فأخطئوا الاجتهاد فلا تخلو حالهم أن تُضَاهِي حال الحاكم إذا اجتهد فحكم فَأَخْطَأَ إِنْ في المناط ابتداء فلم يَبْلُغْهُ الدليل كحال أولئك الرهط الذين هجروا ما هجروا من المباحات أو في تحقيق المناط فَبَلَغَهُ الدليل ولم يحسن يحرر وجه الاستدلال فَنَزَّلَ الدليل على غير موضعه بلا تَقَصُّدٍ للمخالفة أو هوى أو حظ نَفْسٍ يَلْطُفُ يحمله على التأويل المتكلف أو تَقْصِيرٍ في النظر والاستدلال ، فلم يستقرئ ألفاظ الوحي ولم يجهد في استنباط المعنى الصريح الذي أُنِيطَ به الحكم في مواضع الاجتهاد بالقياس أو الرأي المشروع فلا يخلو آنذاك من ذم التقصير ، وإنما يناط الأجر الواحد بمن اجتهد الاجتهاد المعتبر وهو أهل له فَأَخْطَأَ فإن أصاب فَلَهُ الاثنان وإن أخطأ على الوجه آنف الذكر فَلَهُ أجر واحد فلا يناله مطلق من اجتهد فأخطأ وإن لم يكن ابتداء من أهل الاجتهاد أو كان ذا هوى أو حظ نفس حمله على التأويل المتعسَّفِ أو قد قَصَّرَ في الاستقراء وإن استوفى حد الاجتهاد فَتَقَاعَسَ وَرَكَنَ إلى التقليد وهو في حقه غير جائز إلا اضطرار كالميتة حال المخمصة فقد يجوز له التقليد إذا تَضَايَقَ الوقت مع حاجة لا يجوز تأخير البيان عنها فَيُقَلِّدُ من هو أعلم منه أو هو ممن يعتد بقوله في النازلة محل الاجتهاد لا سيما إن كان اجتهاده مخصوصا بِبَابٍ من أبواب الشريعة دون غيرها على قول من يجيز التجزؤ في الاجتهاد فيكون صاحبه مجتهدا يُرْجَعُ إليه في باب أو أبواب دون غيرها فهو فيما سواها مُتَّبِعٌ يُرَجِّحُ بين أقوال المجتهدين بل وَمُقَلِّدٌ في أحيان فَيَسْتَوِي هو والعامة فاجتهاده في هذه الحال أن يختار من يُفْتِي فيختار الأورع والأعلم وَيَتَجَرَّدَ من حظ نفسه فلا يختار من يَعْلَمُ أو يَغْلُبُ على ظنه أنه يفتيه بما يهوى فهو يَتَجَرَّدُ في اختيار مُفْتِيهِ أَيًّا كانت فَتْوَاهُ وافقت ما يهوى أو لم توافق وذلك معنى يدق لا يحسن يحرره إلا من أخلص القصد وراقب الله ، جل وعلا ، في السر كما العلن إذ لا اطلاع لأحد على هذه المعاني اللطيفة في الجنان إلا خالقها الذي يعلم السر وأخفى .
فلا ينال ذلك الأجر الواحد حالَ الاجتهاد الخاطئ إلا من اسْتَوْفَى مَا تَقَدَّمَ من الشرائط قَصْدًا وَنَظَرًا ، فأحسن القصد وكان من أهل النظر المعتبر اجتهادا في النازلة التي تطرأ .
فمن بلغه الخبر وَأَصَرَّ على المخالفة بما أحدث من القول أو العمل بلا دليل أو شبهة تأويل معتبر ، وإن في رفع الحكم لا الإثم ، لازم ذلك إِنِ الْتَزَمَهُ بَعْدَ قِيَامِ الحجة الرسالية التي تُبِينُ عن بطلان ما سَلَكَ مِنَ الزِّيَادَةِ في الدين ، لازم ذلك إن الْتَزَمَهُ عِنَادًا أو إعجابا برأيه في مقابل حكم الوحي ، لازم ذلك أن يمرق من الدين كله إذ زَادَ فِيهِ قَصْدًا بلا تأويل يسوغ فذلك إنما كان محل اعتبار قبل بلوغ الحجة الرسالية ، فلازم ذلك ، كما تقدم ، أن يمرق من الدين كله إذ زاد فيه قصدا ما ليس منه وَرَدَّ مَا يُضَاهِيهِ من المشروع فما حدثت محدَثَةٌ إلا وَارْتَفَعَ من الشرع ما يضاهيها في بابها ، فتشبه من وجه ما يكون من زيادة الأحكام المحدثة في الشرعة المنزلة ولا يكون ذلك ، ولو من باب اللازم ، لا يكون إلا بِتَعْطِيلِ ما يُضَاهِيهَا من المشروع فما اقْتَرَحَ عقل أو ذوق من الأحكام أو المسالك ما يخالف عن الطريقة المثلى إلا وَعَطَّلَ مِنْهَا مَا يُضَاهِي مُحْدَثَتَهُ إذ المحل واحد لا يحتمل اثنين ، فلا يحتمل النقيضين ، فالغمد لا يَتَّسِعُ لِسَيْفَيْنِ فَإِذَا وُضِعَ أَحَدُهُمَا امْتَنَعَ الآخر ، فلا يجتمعان ولا يَرْتَفِعَانِ إذ لا بد من واحد ، فإن اشتغل المحل بالمشروع الثابت لم يَتَّسِعْ لِغَيْرِهِ من المحظور الحادث ، وعكسه يصح ، فالمحل لا يشغر ، وهو ، من وجه آخر ، ليس بالاثنين جميعا يُشْغَلُ .

فالمحدثة ، من وجه آخر ، على أنحاء فَمِنْهَا ، كما تَقَدَّمَ ، محدثة تَنْقُضُ كمالَ الإيمانِ الواجبِ ، كغالب المحدثات الرياضية في مسالك الزهد والتنسك وجملة من المحدثات العلمية وهي أدق وأقبح وإن لم تكن جميعا من الجنس المغلظ ، بل ثم مِنْهَا مُغَلَّظَاتٌ لم يحكم على من أحدثها أو انْتَحَلَهَا بالمروق من الدين وإن كانت في نَفْسِهَا مَارِقَةً من الدين فقد يمرق القول ولا يمرق القائل فَثَمَّ من مانع التأويل ما قد رَفَعَ الحكم بالمروق وإن لم يَرْفَعِ الوعيد بالعذاب ، فهو في هذه الحال مؤقت وإن كان من لوازم قوله ما يوجب المروق التام والعذاب المؤبد كما يضرب المثل بمقالات الاعتزال وفيها من الغلو في التعطيل ما يوجب الحكم بالتكفير ، ولكن ثَمَّ مَانِعُ تَأْوِيلٍ وإن بالنظر في عامة الأتباع فَيُعْذَرُونَ ما لا يُعْذَرُ رُءُوسُ المذهب وذلك أصل يطرد في جميع المقالات إلا ما قد بَلَغَ في التعطيل الغاية كمقالات الغلاة من الباطنية وأضرابهم فهم من الجنس المارق نوعا وآحادا فلا عذر بِتَأْوِيلٍ لا يَرْفَعُ الحكم ولا الإثم والعذاب من باب أولى فهو في حقهم واجب إذ ألحقوا بالجنس الكافر الذي يصلى نار الجحيم على حد التأبيد .

ومنها ، من وجه آخر ، محدثات تَنْقُضُ أَصْلَ الدينِ الجامعِ سواء أكانت من الأقوال كما تقدم من المذاهب الْغَالِيَةِ فِي التَّعْطِيلِ ، أم من الأعمال أَفْعَالًا أو تُرُوكًا ، كما تقرر من تَرْكِ التَّحَاكُمِ لِمَا نَزَلَ من الوحي ، فَهُوَ مُحْدَثَةُ تَرْكٍ تَقْدَحُ في أصل الديانة ، كما قد أَبَانَتْ عنه الآية ، فـ : (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، وكذا الشأن في بدعة الفعل الذي يَسْتَلْزِمُهُ التَّرْكُ آنف الذكر ، فَمَنْ عَطَّلَ الوحي المنزل فهو ، لزوما ، يحكم بضده الدائر من الوضع المحدث أيا كان وجهه ، إذ الحكم المنزل واحد وأضداده الحادثة كثيرة ، فَصِرَاطُهُ واحدٌ يَسْتَقِيمُ ، وَسُبُلُ الأضداد المتفرِّقَةِ كثير ، فمن بَاشَرَ الوضع المحدث فقد عَطَلَّ ما يضاهيه من الوحي المنزل ، ومن تَرَكَ الوحي المنزل أحدث ما يضاهيه من الوضع المحدث ، فَثَمَّ دوران يَطَّرِدُ وَيَنْعَكِسُ إذ ثم تلازم بَيْنَ وجهين لا يَفْتَرِقَانِ ، فكل أولئك ، لو تدبر الناظر ، مما يدخل في حد النفي في قول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" ، فَاحْتَمَلَ النَّفْيُ : نفي الكمال الواجب كما في سبب الورود ، واحتمل نفي الأصل الجامع فليس مني مطلقا إذ قَارَفَ نَاقِضًا من نواقض الإيمان ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مما يستأنس به من جوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، وثم عموم آخر يجاوز ، بداهة ، السبب الذي ورد عليه الخبر ، فهو يستغرقه ويستغرق كل ما يضاهيه من صُوَرِ الإحداثِ فِي الدِّينِ ، فيجري ذكره ، من هذا الوجه ، مجرى المثال المبين عن ماهية الحقيقة فلا يخصصها ، فذكر المثال حدا يقرب المعنى إلى الأذهان ، ذكره لا يخصص العام ، بل يشاركه في العموم سائر الآحاد إن بالنص أو بالقياس على السبب أو المثال الذي وَرَدَ عَلَيْهِ النَّصُّ .
وثم عموم آخر قياسي وهو عموم الشرط فدلالة "مَنْ" وإن انصرفت بالنظر في دلالة المعجم الأولى إِلَى المفرد المذكر إلا أنها بالنظر في دلالة العموم المعنوي تستغرق المفرد المؤنث بما تقدم مرارا من دلالة التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف ، بل ويجاوزهما جميعا إلى الجمع ، فَهُوَ يَسْتَغْرِقُ كُلَّ مَنْ رغب عَنِ الوحي ، فلا يخلو ذِكْرُ السُّنَّةِ ، أيضا ، أن يجري مجرى المثال لعام وهو جنس ما نَزَلَ من الأحكام إن في الآي أو الأخبار ، إلآ أن تحمل السنة على المعنى الأعم الذي يستغرق الدين كُلَّهُ لا السنة في اصطلاح مخصوص في الفقه أو الأصول ..... إلخ .
فَيَسْتَغْرِقُ الخبر كُلَّ من رغب عن الوحي سواء أكان ذكرا أم أنثى ، فردا أم جمعا ، وسواء أكان الجمع جمع الحس أم جمع المعنى هيئةَ سياسةٍ أو حرب فالجمع فيها اعتباري وإن كانت في الخارج آحادا فالعبرة بما يَصْدُرُ من معقولاتهم لا بما اجتمع من ذواتهم ، ولا يخلو السياق ، من وجه آخر ، من دلالة اشتراك بالنظر في مادة "رغب" فهي ، كما تقدم في موضع سابق ، من المجمل الذي يفتقر إلى البيان ، بل هي من آكد ما استوجبه إذ هِيَ مِنَ الأضداد التي تحتمل المعنى وضده ، فَتَحْتَمِلُ الرغبة فِي الشيء حبا أو طَمَعًا فيه أو الرغبة عنه بُغْضًا أو زُهْدًا فيه ، فكان البيان بالقيد وهو الحرف الذي تَعَدَّى به العامل ، فهو في هذا السياق "عَنْ" ، فانصرف معنى الرغبة إلى الزهد في المشروع وهو في نفسه معنى محدث محظور فضلا أنه يُفْضِي بصاحبه إلى المحظور الصريح ، فَمَنْ رغب عن الطيب المباح من المآكل والمناكح فغالب مآله السآمة والملل على وجه يفضي به إلى استباحة ما قد حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ بل والزيادة على وجه يُوقِعُهُ في المحرم ، فغلا ابتداء في مفارقة المباح ثم غلا في ضده من مباشرة المحرم .

وثم لازم لهذا المنطوق ، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس مِنِّي ، فذلك منطوق ، فلازمه مفهوم يَنْعَكِسُ فمن لم يَرْغَبْ عَنْهَا فَاسْتَنَّ بها وسلك جادتها فهو مني ، وذلك ما قد نصت عليه بعض الآثار في الباب وَإِنْ مُرْسَلَةً عن أمثال مجاهد والحسن ، رحمهما الله ، فكان من مرسل الحسن : "عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ، خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ، وَمَنِ اسْتَنَّ بِي فَهُوَ مِنِّي، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" ، فثم مقابلتان الأولى بين شطري : "عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ، خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ" ، ولا تخلو من طباق إيجاب بالنظر في الألفاظ "قليل" و "كثير" ، و "سُنَّة" و "بدعة" ، وذلك ما به المعنى يستبين وَيَتَقَرَّرُ إذ بِضِدِّهَا تَتَمَايَزُ الأشياء ، وثم تَنْكِيرٌ اسْتُؤْنِفَ به كل شطر ، التنكير في "عَمَلٌ" فَهُوَ مَئِنَّةٌ من النوعية التي تحتمل فجاء القيد بالوصف "قليل" في الشطر الأول و "كثير" في الشطر الثاني ، فَقَصَرَهُ عَلَى نَوْعٍ من أَنْوَاعِهِ ، وهو ، من وجه آخر ، ما أكسبه تخصيصا وزيادة في الدلالة فَسَوَّغَ الابتداء به منكرا .
وكان من مرسل مجاهد : "إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ سُنَّةٍ فَقَدْ ضَلَّ، إِنِّي أَصُومُ، وَأَفْطِرُ، وَأُصَلِّي، وَأَنَامُ، فَمَنِ اتَّبَعَ سُنَّتِي فَهُوَ مِنِّي، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" .
فثم جمل من المتطابقات تَتَالَتْ ، فـ : "إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً" ، فاستوفى السياق أحوال العمل شِرَّةً وإقبالا وَفَتْرَةً وإدبارا ، فذلك من طباق الإيجاب ، وثم تقابل ثان قد استوفى الأوصاف ، سنة أو غيرها ، والأحكام هدى أو ضلالة ، فيجري ذلك ، أيضا ، مجرى الطباق طباق الإيجاب بالنظر في الألفاظ ، فـ : "مَنْ كَانَ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّةٍ فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ سُنَّةٍ فَقَدْ ضَلَّ" ، وكل أولئك مما قد حُدَّ حَدَّ الشرط فأفاد الطرد والعكس ، فضلا عن الإطناب بذكر المفهوم فلم يقتصر على المنطوق وإنما استوفى بالمقابلة الشطرين ، ولا يخلو الشرط من دلالة تلازم وهي آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، ولا تخلو الزيادة بالكينونة الماضية "كَانَتْ" لا تخلو من زيادة في المعنى فَهِيَ مئنة من ديمومة اتصاف فذلك آكد في الإثبات ، ولا يخلو الجواب من التحقيق إذ دخلت عليه "قد" ، وهو ما استوجب دخول الفاء فهي الرابطة نَصًّا وإن لم تخل ، أيضا ، من دلالة السببية ، فالشرط مع الجواب كالسبب مع المسبَّب ، فلا تخلو الفاء في هذا السياق من دلالة السَّبَبِيَّةِ وإن لم تكن نصا فيها ، فضلا عن دلالة الفور والتعقيب زيادة في التقرير والتوكيد .
وبعده كان ذكر الأفعال : "إِنِّي أَصُومُ، وَأَفْطِرُ، وَأُصَلِّي، وَأَنَامُ" ، ولا يخلو السياق من دلالة تَوْكِيدٍ بالناسخ فضلا عن اسمية الجملة وتكرار الإسناد فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنا أصلي وأصوم ، فَثَمَّ تكرار للإسناد فَأُسْنِدَ الخبر وهو "أصوم" إلى المبتدأ "أنا" ، وأسند العامل ، عامل الصلاة المضارع "أُصَلِّي" إلى الضمير الذي استكن فيه إيجابا وتقديره "أَنَا" ، وَهُوَ مَا قد دل عليه الهمز صَدْرَ اللَّفْظِ "أصلي" ، وإن كان حَرْفَ مَبْنَى فلا يخلو من دلالة معنى ، فهو من حروف المضارعة ، وهو دليل التَّكَلُّمِ وذلك ما قد رَجَّحَ تقدير الضمير المستتر أنه "أنا" ، وَمَرْجِعُهُ هو المبتدأ الذي تَقَدَّمَ ، فكان تكرار الإسناد من هذا الوجه وهو ما زاد في الدلالة ، إذ التكرار زيادة في المبنى مئنة من أخرى تُضَاهِيهَا في المعنى .
ولا تخلو المذكورات من طباق إيجاب قد استوفى شطري القسمة في كل فعل : الصوم والفطر ، الصلاة والنوم ، وهي مما يَجْرِي مَجْرَى المثال لعام وهو كل ما يصدر عن المكلف من حركات الاختيار ، باطنة أو ظاهرة ، قَوْلًا أو عملا ، فذكرها في هذا السياق لا يخصص العام وإنما ذكرت ، كما تقدم ، مثالا لعام يستغرق ، وذكر بعض أفراد العام في سياق التمثيل لا يخصصه ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، وذلك أصل يطرد في كل الأقوال والأعمال فَكِلَا طرفي قصد الأمور ذميم فحسن التوسط والاعتدال في المذكورات في الخبر وفي غيرها .
وقد استوفت المقابلة بين الشطرين ختام الأثر : "فَمَنِ اتَّبَعَ سُنَّتِي فَهُوَ مِنِّي، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" ، استوفت أجزاء القسمة العقلية في هذا الباب إثباتا وَنَفْيًا .

والله أعلى وأعلم .