بسم الله الرحمن الرحيم

البلاغة والإحساس اللغوي
قراءة في الشعر الجزائري
د.أيمن أبومصطفى
البلاغة فن استعمال اللغة، أو هي استعمال خاص للغة، لا تقتصر فيه اللغة على غايتها التواصلية بل تتجاوزها لتضيف إليها غاية أخرى أو غايات أخر، وتجاوز المعنى الحرفي إلى معاني أخرى يحكمه السياق، والبعد الجمالي لا يغيب عن أي خطاب، ففي كل غاية جمال يتناسب مع خصوصية الخطاب.
فالألفاظ تترتب حسب ترتيب المعاني في النفس، ولذا فإن الكلمات في النص تعكس انفعال الأديب، فمن أراد أن يقرأ نفس الأديب، فليحرص على أن يقف على كيفية استعماله للغة.
فالتقديم والتأخير يعكسان نفس المبدع، وخاصة إذا كان هذا المبدع متمكنا من لغته، قادرا على تصريف أمورها، لأن كل لفظة تعبر عن معاني النفس، فالمتنبي حينما يقول:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم .... وتأتي على قدر الكرام المكارم
واع تمام الوعي بقدرة اللغة على ان تفصح عما في نفسه، ولو أنه قدّم وأخر في الشطر الثاني لسقط الجمال وانهدم البيت.
فعنصر "المفاجأة"،هو ما حقق الجمال في البيت وهي عند جاكبسون "تولّد اللامنتظر من خلال المنتظر"، ثمّ دقّق ريفاتير Riffaterreفكرة المفاجأة وردّ الفعل كنظرية في تعريف الظاهرة الأسلوبية، فقرّر بعد التحليل أنّ قيمة كلّ خاصّية أسلوبية تتناسبُ مع حدّة المفاجأة التي تحدثها تناسبًا طرديًا؛ بحيث كلّما كانت غير منظرة كان وقعها على نفس المتقبِّل أعمق( ).
فالأديب الماهر هو من امتلك ناصية اللغة، فكانت طيعة له، وقد خلّد التاريخ الأدبي أبياتا لا لكونها ذات معنى بل لكونها جمعت بين جمالي اللفظ والمعنى،ولن نجد معاني أفضل ولا أرقى من التغني بالوطن وأمجاده، والدعوة إلى صيانته وحفظه، والأديب هو صانع هذه المشاعر والأحاسيس، ولذا فقد وجدنا شهادة أهل السيف لأهل القلم، فصلاح الدين يُرجع نصر حطين للقاضي الفاضل، ويقول: "لاتحسبوا أني فتحت القدس بسيفي بل بقلم القاضي الفاضل" ولا نعجب إذن من كون حسان بن ثابت شاعرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا فإننا سنقف هنا على بعض الشعر الجزائري الذي أحيا الهمم، وحرّك العزائم، وألهب المشاعر، فالشعراء هم محركو العزائم، وقد عانت الجزائر من ويلات الاحتلال الفرنسي البغيض، ومرت الأعوام تلو الاعوام وهي راضخة مستكينة، إلى أن ثار الشعر أولا، فتبعته ثورة الشعب، فالشعر كان مفجر الثورة، فهاهو الشاعر الجزائري رمضان حمود (1906ـ1929)يقول:
نهوضا نهوضا بني جلدتــي ... إلام ونحن بطي الخــــبر
إلام وفي الأسر أرواحـــــنا ... ونحيا هوانا حياة الــبـــقر
أنمسي ونصبح في حســرة ... وننسب ذاك الشقا للـــــقدر
أنمسي ونصبح في ذلـــــــة... ونلزم خوفا سكون الحــجر
على الذل نصبر حتى الفنا ... وفي سبل العز لا نصطـــبر
أراكم من الجهل في غفلــة ... تظنون نيل المنى بالحـــذر
أراكم تسرون بالتافهــــــات ... وشعبكم في مهاوي الحــفر
فهنا نجد المصدر (نهوضا) وكأنه طبول الحرب تدق، وجيوش الأمة تجتمع، وصوت هتاف يتزايد، وفي تكرار المصدر تكرار تمثيل وتمثل للموقف، ثم يأتي النداء الذي جاء مستميلا محفزا (بني جلدتي) الشعب وحدة واحدة والأرض الحبيبة مغصوبة، ومن ثم يأتي السؤال الذي يحمل دلالات الاستنكار ويدعو إلى الثورة والاستنفار، (إلام نحن بطي الخبر) وقد استخدم ضمير الجمع(نحن) الدال على الوحدة والألفة والإيلاف، وفي تكرار السؤال استثارة وتحميس وتشجيع، (إلام وفي الأسر أرواحنا) فالأرواح مأسورة ونحن معنا الأجساد، فمتى تلتقي الروح بالأجساد ؟ وهو يقصد بالأرواح الأسرى في سجون المحتل الفرنسي، فهي استعارة تصريحية تجسد معاني الذل والهوان، ومن ثم وجدنا التشبيه (ونحيا هوانا حياة البقر) فهي حياة ذل وخضوع ، فما قيمة هذه الحياة؟
نجد حضورا واضحا للسؤال، فالسؤال هو الأقدر بلاغيا على أن ينقل انفعالات الشاعر، وأن يجسد معاناته:
أنمسي ونصبح في حســرة ... وننسب ذاك الشقا للـــــقدر
أنمسي ونصبح في ذلـــــــة... ونلزم خوفا سكون الحــجر
فالجمع بين متناقضين (الصباح والمساء) كثّف دلالة الاستمرار الممزوج بالذل، وهو –أي الشاعر- يعترض على هذا الاستلام البغيض الذي لا يرضى به غير الضعاف الذين ينسبون كل نقيصة للقدر استسلاما وتذللا وهوانا.
كما جسد التشبيه المنظوم في هيكل الإيجاز (نلزم خوفا سكون الحجر) والتقدير ونلزم خوفا سكونا كسكون الحجر) وكلمة خوفا التي جاءت معترضة لتبين سر السكون وتُبعد عن الذهن شبهة كونه سكون الماكر الذي يتحين الفرصة للانقضاض والهجوم.
كما وجدنا الشاعر يوظف بنية التضاد لتعكس بنية المعنى المتناقض في المجتمع:
على الذل نصبر حتى الفنا ... وفي سبل العز لا نصطـــبر
هذا التضاد الذي يعكس مدى الاستسلام للذل والهوان، والذي يصرخ الشاعر في بني وطنه لمحاربته والنهوض من أجل الحرية والعز والمجد.
ثم نراه يصف مشاهد غدت ثابتة مكررة راسخة في الذهن والوجدان فيقول:
أراكم من الجهل في غفلــة ... تظنون نيل المنى بالحـــذر
أراكم تسرون بالتافهــــــات ... وشعبكم في مهاوي الحــفر
فالفعل (أرى) المتعدي إلى المفعول(كم) يجعل المتلقي معايشا للمشهد، وينقل له الحدث نقلا صادقا، ثم تقدم الجار والمجرور (من الجهل) على (في غفلة) لبيان سبب الغفلة فمعرفة الداء نصف الدواء.
ثم نجد الفعل(تظنون) الذي يعبر عن سوء تقديرهم للأمور، وهو بذلك يفند حججهم ويضع أمامهم الرأي والرأي الآخر؛ ليكشف لهم فساد زعمهم.
وقد عبّر عن واقع مُعاش يتكرر باستمرار، حيث يتعلق الناس بالتفاهات وينشغلون بأمور لا تستحق التفكير، ينشغلون بذلك عن قضيتهم الكبرى، عن قضية العزة والكرامة ولاستقلال.
وهو في هذه الأبيات يذكرنا بأبي القاسم الشابي الشاعر التونسي في قصيدته التي يقول فيها:
إذا الشعــب يومــا أراد الحيــاة فلا بـــد أن يستجيب القــــــدر
ولا بـــد لليــــل أن ينجلـــــــي ولابـــــد للقيـــــد أن ينكســـــر
ومن لم يعانقــه شــوق الحيــاة تبخــــــر فــي جوهــا واندثــــر
ويقول فيها أيضا:
ومن لا يحب صعود الجبــال يعش ابــد الدهــر بيــن الحـفــــر
فعجت بقلبي دماء الشباب وضجت بصــدري ريـــــاح أخـــــر
وأطرقت أصغى لقصف الرعود وعزف الريــــاح ووقـــع المطـــر
وفي خلال تفاعلنا مع هذه النصوص تأتي في الذاكرة قصيدة الشاعر علي محمود طه التي قول فيها:
أخي، جاوز الظالمون المـدى فحقَّ الجهادُ، وحقَّ الفـِــــــــدا
أنتركهُمْ يغصبونَ العُروبــــةَ مجد الأبوَّةِ والســـــــــــــؤددا؟
وليسوا بِغَيْرِ صليلِ السيـوفِ يُجيبونَ صوتًا الردى أوالصدى
فجرِّدْ حسامَكَ من غمـــــــدِه فليس لهُ، بعدُ، أن يُغمــــــــــدا
وقد عبر الشاعر محمد العيد آل خليفة (1904-1979)عن ذلك قائلا:
أصـابتنـا الجوائح والرزايا وأعوزت المرافق والرفود
حنت أعناقنا الأغلال ظلمـا وحزت في سواعدنا القيود
فقم يا ابن البلاد اليوم وانهض بلا مهل فقد طال الرقود
وخض يا ابن الجزائر في المنايا تظللك البنود أو اللحود
فهو يضع بين يدي أبناء وطنه الداء، ويصور لهم كيف تفاقم وانتشر، ويعيب عليهم السكوت والخضوع ، وقد كان للاستعارة حضور واضح خلال هذه الأبيات، فالجوائح والرزايا طيور مفترسة تحيط بهم، وأمراض فتاكة تنتقم منهم، كما أن المرافق والرفود أصبحت في عوز وحاجة، ومن كثرة الظلم والرضوخ له، غدت الأعناق تحن للأغلال، كما أن القيود حزنت لطول بقائها في أيديهم، وهنا نستحضر قول المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه .. ما لجرح بميت إيلامُ
ومن ثم يأتي هذا النداء المتبوع بالطلب:
فقم يا ابن البلاد اليوم وانهض بلا مهل فقد طال الرقود
وخض يا ابن الجزائر في المنايا تظللك البنود أو اللحود
فالفاء قبل فعل الأمر، تستحضر في ذهن المخاطب كل صور الذل والمهانة ومن ثم يتبعها فعل الأمر(قم) الداعي إلى النهوض والثورة على الظلم، وبعد الأمر يأتي المبرر لهذه الثورة، فأنت أحق بهذه البلاد، أنت ابنها، أنت الذي ينبغي أن تنعم بخيراتها، وهنا نستحضر قول شوقي:
أَحرامٌ عَلى بَلابِلِهِ الدَو حُ حَلالٌ لِلطَيرِ مِن كُلِّ جِنسِ
كُلُّ دارٍ أَحَقُّ بِالأَهلِ إِلّا في خَبيثٍ مِنَ المَذاهِبِ رِجسِ
ومن ثم نستطيع أن نقف على دلالات الأمر بعد عرض القضية ودوافعها، وكأننا أمام سلم حجاجي، يضع المبررات ويتبع ذلك بالمطلوب:
(قم) (انهض) (خض) فالكلمات ثائرة، والوزن ثائر، والقافية محركة، إنها الثورة صيغت شعرا، فحركت ساكنا.
لم ييأس شاعرنا من تحقيق هدفه ، بل إنه استجمع كل الأساليب لحوار وإقناع الشعب، لم يستلم كما استلم الشعب، وهذه هي وظيفة الأديب، ليس مصورا للواقع فحسب، بل يرسم بأنامله المستقبل، إنه عين الأمة، إنه ضمير الشعب، وها هو ينتقل إلى وسيلة تثويرية أخرى حيث يقول:
وقفت على بحر الجزائر ليلة .. وناجيته لو كان يسمعـــــــني البحر
فقلت له: يا بحرمــالك هائجا .. على البر مغتاظا ولم يذنــــــب البر
وما لك لا تألوه دفعا وضجة .. وصفعا بأيدي الموج رق له الصخر
لعلك مغتـــــــــــاظ عليه لأنه .. كثير الرضا في النائبات له صــبر
تقول: لماذا يمكث البر حاملا .. عليه هنات لا ينهنهها زجـــــــــــر
تروح عليه الشائنات وتغتدى .. تباعا ولا نهي عليه ولا أمــــــــــر
وتفشو من العاثين في جنباته .. أمور لها وجه الشريعة يحـــــــــمر
فقد استخدم الشاعر البر والبحر لاستنهاض شعبه، وهنا يستنطق البحر، في عملية درامية تصويرية معبرة عن مكنون نفس الشاعر الملتهبة الغاضبة الثائرة، فالمشاركة الوجدانية بادية في القصيدة، فالبحر هائج غضبا، والشاعر يسأله، فيجيب هو بدلا منه، عارضا احتمالات الغضب، وكلها تصوير للواقع، ونقد للأحداث، نقد في صورة مجازية، تحرك دون أن تخدش.
ولم يقف الشاعر عند حدود نقد الاحتلال بل نقد النواب الذين كانوا أشد خطرا من الاحتلال، النواب الذين يبررون للمحتل ظلمه وتجبره ، يقول:
أفدني برأي في النيابات هل حوت … أساود في قاعاتها أم وسائــــــــدا؟
وإلا فما تلك السموم التي ســــرت … فمن ذاق منها طأطأ الرأس هامدا؟
فيا نائبا ناب البــــــــــــلاد بحادث … وخلف شعبا قائما فيه قـــــــــاعدا
على أي ظهر كنت سوطـك منزلا … وفي أي نحر كنت سيفك غامــدا
ومالك ترغي في النيابة مـــــوعدا … ألم تك من قبل النيابة واعـــــــدا
ويا مجلس النواب إنك قاطـــــــــع … يدا كنت منها لو تبينت ساعــــدا
فويحك ما هذا الجفاء الذي طغى …عليك فلم تنفك كالصخرجامــــــــدا
تلمس فيك العون شعبك حائـــــرا … ولما تزل عن عون شعبك حائدا
دعا واستعان ابن البــــــلاد فليته … دعا مستجيبا واستعان مساعـــــدا
ففي هذه الأبيات تجلت مقدرة الشاعر اللغوية، وقد جاءت الصنعة الفنية واضحة مكتملة، فلم يبد للتكلف شكل ولا أثر، وقد جاء البديع مكونا من مكونات الدلالة، ولم يات زخرفا جماليا متكلفا، فهذا التجانس بين أساود و وسائد في قوله:
أساود في قاعاتها أم وسائــــــــدا
وبين نائب وناب في قوله:
فيا نائبا ناب البــــــــــــلاد بحادث … وخلف شعبا قائما فيه قـــــــــاعدا
وبين واعد وموعد في قوله:
ومالك ترغي في النيابة مـــــوعدا … ألم تك من قبل النيابة واعـــــــدا
وبين حائر وحائد في قوله:
تلمس فيك العون شعبك حائـــــرا … ولما تزل عن عون شعبك حائدا
كما نجد حضورا لحرف السين الذي أعطى للنص موسيقى داخلية، وهذا الحرف المهموس الذي يناسب همس وخفاء الذين يريدون بالبلاد شرا.
وهاهو ينادي الدار ويقصد بها الجزائر التي طالما حاول المغرضون أن تتعثر في وحل العصبيات والقبليات لكنها استطاعت أن تكون نسيجا واحدا، يقول:
بيض وسود وأخيار وأشــــــــرار .. كم تحتوين على الأضداد يا دار!
العرش والفرش والأحداث بينهما .. خير وشر فإقــــــــــــلال وإكثار
والليل والصبح والإنسان عندهما .. نعسان مستيقظ والمــــــاء والنار
والأنجم الزهر: هذا النجم مرتفع .. زاهي الضياء وهذا النجم منهـار
تبدو على الأفق أشتاتا ويجمعـها .. في سيرها فلك في الأفــــق دوار
فنحن أمام شاعر يعرف مواطن الجمال وجمال المواطن ، يدرك جمال اللغة ولغة الجمال، انتقل معه الادب إلى تعبير عن النفس، وتنفيس عن العاطفة،فهو دائما يفخر بأنه شاعر أديب يقول:
أنا ابن جديّ وقومي السّادة العرب .. وحرفتي ماَ حييت : الشعـــــر والأدب
انفقت وقتي في شعــــــــــــر أدبٍ .. وفي لاشغل عندي إلاّ : الشعر والأدب
ولا غذاء به أحيا بغير طـــــــــوى.. منعم البـالِ إلاّ الشــــــــــــــعر والأدب

فهاهو الشعر يرسم لنا آمال شعب ويصور لنا معاناته، وقد استطاع أن يكون مغيرا ومعبرا ومؤثرا، فلم يكن وسيلة امتاع فحسب، بل كان آلة تغيير وتثوير.
هذا وأسأل الله القبول والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.