جنس البشرى في آي التَّنْزِيلِ مِمَّا تَفَاوَتَ كَسَائِرِ الأجناس اللغوية المطلقة فهو مما يندرج فيه أنواع وآحاد تَسْتَبِينُ بقرائن السياق ، فمنها البشرى بالخير فضلا ، فـ : (بَشِّرِ الصَّابِرِينَ) ، أو بضدها عدلا ، فـ : (بَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، ولكلٍّ ممن البشرى ما يواطئ حاله وذلك ، كما تقدم مرارا ، مقتضى الحكمة فهي وضع الشيء في المحل الذي يلائم ، فَيُوضَعُ سبب الخير في المحل الكامل وذلك الفضل ، وَيُوضَعُ سبب الشر في المحل الناقص وذلك العدل ، ولكلٍّ من البشرى ما يلائم ، فالبشرى ، من هذا الوجه ، تجري مجرى الجنس العام وتحته أنواع ، فمنها بشرى الوعد في حق من آمن وأطاع فهي على الحقيقة ، وبشرى الشر في حَقِّ مَنْ كَفَرَ وعصى فَهِيَ على حد الاستهزاءِ مِنْ بَابِ إخراجِ الذَّمِّ مخرج المدح إيهاما بالخير إذ تَتَهَيَّأُ النَّفْسُ إذا سمعت اسم البشرى أن ثم خيرا آت فإذا الشر والألم فيكون ذلك أوقع في النفس وأشد في النكاية على وجه به شفاء صدر المظلوم من الظالم والمؤمن من الكافر وذلك حَقٌّ ناصح لا يجحده أي عاقل فَضْلًا عن المؤمن الكامل .
فكان من الأمر في قوله تعالى : (بَشِّرِ) ، مَا جَرَى مَجْرَى الإيجاب على الأصل في حَدِّهِ فِي اللسان فَهُوَ مئنة من الإيجاب حتى يَرِدَ الدليل الصارف ، وهو ما احتمل على حد الأضداد ، فالبشرى حقيقة في حق المؤمن استهزاء في الحق الكافر وتهكم ، فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى الاشتراك اللفظي وهو مئنة من الإجمال إذ ازْدَحَمَ فيه أكثر من معنى ، فلا بد من قرينة تُبِينُ عن مراد المتكلم فكان من السياق قَرِينَةٌ رجحت في حقِّ المؤمن الحقيقةَ ، وفي حقِّ الكافر الاستهزاءَ والتهكم فذلك ما يجري مجرى المجاز عند من يثبته في اللسان والشرع ، فالبشرى حقيقة في حق المؤمن مجاز في حق الكافر ، ومن يقول بالحقيقة أبدا فلا يجوز المجاز في اللسان أو الوحي فإنه يجري ذلك مجرى الظاهر المركب إذ لا يفيد اللفظ بدلالته المفردة في المعجم حَتَّى تَنْضَافَ إِلَيْهَا قَرِينَةُ السياق المركَّب فهو دليل الإفهام المبيِّن ، أو هو عنده من الجنس العام الذي يستغرق آحادا في الخارج فَلَمْ يُوضَعِ ابْتِدَاءً لا لهذا الوجه ولا لذاك ، وإنما احتمل معنى مطلقا يَنْقَسِمُ في الخارج فمنه بشرى المؤمن حقيقة ومنه بشرى الكافر تهكما واستهزاء ، ولكلٍّ وَجْهٌ فِي التَّعْلِيلِ يُعْلَمُ مِنْ قَرِينَةِ السياقِ فهي أصل في دَرَكِ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ .

وذلك ، أي الأمر بالبشرى ، أمر يجري ، من وجه ، مجرى المواجهة بالنظر في المخاطَب الأول صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو أول مبلِّغ ومبيِّن ، ولا يحول ذلك دون دخول غَيْرِهِ تَبَعًا فَيُؤْمَرُ أَيْضًا أَنْ يُبَشِّرَ المؤمن بالخير حقيقة والكافر بالشر تهكما ، فَثَمَّ قَرِينَةٌ تُسْتَصْحَبُ وَهِيَ العموم في خطاب التكليف ومنه خطاب التَّبْلِيغِ بالبشرى حَقِيقَةً أو تَهَكُّمًا ، فَيَسْتَغْرِقُ الخطابُ كل مخاطَبٍ حَتَّى يَرَدِ دليلُ تخصيصٍ صَارِفٍ فهو يقصره على واحد أو آحاد دون غيرهم ، إن آحاد الشخوص في الخارج أو آحاد الأنواع ، فذلك استثناء من الأصل وذلك انصراف عن الوضع الأول فلا بد له من قرينة صَارِفَةٍ تُعْتَبَرُ ، فَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى التأويل فلا يصرف فيه ظاهر اللفظ عن معناه الذي يَتَبَادَرُ حَتَّى يكون ثم دليل صارف معتبر وتلك القرينة كما حدها أهل الأصول والبيان ، وإلا فاستصحاب الأصل واجب حتى يَرِدَ الدليل الصارف ، فَيُسْتَصْحَبُ عمومُ الخطاب في آي الكتاب لقرينة العموم المستغرِق في خطاب التكليف ، فَيُسْتَصْحَبُ العمومُ حَتَّى يَرِدَ دليلٌ نَاقِلٌ عَنِ الأصل فَتِلْكَ زِيَادَةُ العلمِ الَّتِي تُوجِبُ الانصراف عن الأصل ، ولا يخلو الأمر في كل موضع إن في الخير فضلا كما في قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ، و : (بَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) ، و : (بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) ، و : (بَشِّرِ الصَّابِرِينَ) ، لا يخلو من دلالة التعليل إذ أنيط الحكم وهو الأمر بالبشرى ، أنيط بالمعنى الذي اشتق منه وصف "المؤمن" في "المؤمنين" وهو الإيمان ، فالحكم يدور معه وجودا وعدما ، و"المحسن" في "المحسنين" وهو الإحسان ، و"المخبت" في "المخبتين" وهو الإخبات وهو ، كما يقول بعض المحققين ، مَئِنَّةٌ من التواضع والإخلاص ، و"الصابر" في "الصابرين" ، وهو معنى الصبر .

والإحسان ، من وجه ، مما يحتمل ، فهو يحتمل التَّعَدِّي فَيَكُونُ المحسن اسم فاعل كما يقال أحسنَ العملَ فهو محسِنٌ ويحتمل اللُّزُومَ فَلَا يَتَعَدَّى إلا بواسطة فيكون من الوصف المشبه الذي يلازم كما يقال أحسن إلى فلان فهو محسِنٌ ، وحملانه على الوصف المشبه قد يَرْجُحُ فِي هَذِهِ الحال فهو آكد في الثَّنَاءِ إذ يلازمه وصف الخير وذلك آكد في تعليل الحكم بالبشرى بالخير ، وقد يحمل على اسم الفاعل ولا يخلو من دلالة مدح إذ إحسانه يَتَجَدَّدُ مرة بعد أخرى فَيُحْدِثُ من آحاده تِبَاعًا ما يُنَاطُ به معنى الحمد والثناء وبشرى الخير والعطاءِ مَرَّةً بَعْدَ أخرى .

وأما الإخبات فَهُوَ إِنْ حُمِلَ على التواضع فهو وصف مشبه يُلَازِمُ ، وإن حُمِلَ على الإخلاص فهو يحتمل فأخلص لله ، جل وعلا ، فذلك لازم لا يتعدى بنفسه وإنما تعدى باللام في "لله" فجرى المشتق منه ، من هذا الوجه ، مجرى الوصف المشبه الذي يلازم ، وأخلص عملَه فذلك مُتَعَدٍ فالاسم المشتق منه اسم الفاعل ، فاحتمل الوصف المشبه تارة واسم الفاعل أخرى ، على ما تَقَدَّمَ من تأويل يُرَجِّحُ هذا تارة وذاك أخرى ولا يخلو كلٌّ من وجه يعتبر بل الجمع بينهما آكد في تقرير المعنى إذ لا تعارض ولا تناقض بل الجهة قد انْفَكَّتْ فَجِهَةُ اللزوم تَرْجُحُ من وجه وهو ديمومة الوصف ، وجهة التعدي ترجح من آخر وهو حدوث الفعل مرة بعد أخرى على وجه يستوجب تكرار الثَّنَاءِ كُلَّمَا حَصَلَ الفعل في الخارج .

وأما اسم المؤمن في قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ، فهو من الوصف المشَبَّهِ ، فَيَتَعَدَّى بواسطة كما الباء في قوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) ، فَمُتَعَلَّقُ الإيمانُ هو الله ، جل وعلا ، فهو المستحق وحده لمعنى العبودية ومنها الإيمان ، فاسم العبادة والتأله يُضَاهِي عنوان الإيمان ، فَكَمَا العبودية باطنة وظاهرة ، ومنها الاعتقاد والقول والعمل ، فكذلك الإيمان فمناطه عنوان التأله والتعبد الذي اشْتُقَّ مِنْهُ اسم الله ، جل وعلا ، الاسم الأعظم ، أعرف المعارف وأشهر الأعلام ، على القول باشتقاقه وهو الأولى إذ يجمع بين دلالة العلم ودلالة الوصف فذلك مما يُثْرِي الاسم بأكثر من وجه في الدلالة فالقول إنه علم ووصف مَعًا خَيْرٌ من القول إنه علم جامد لا يظهر فيه وجه اشتقاق ، فالقول باشتقاقه مِنْ مَعْنًى يُحْمَدُ وهو تكليف التأله والتَّنَسُّكِ يَزِيدُ في الدلالة ، فضلا عن دلالة التعليل إذ أنيط تكليف الإيمان الذي حكي في الآية حكاية الخبر ودلالته دلالة الإنشاء أَنْ : آمِنُوا بالله ، جل وعلا ، واعتصموا به ، والاعتصام به وهو مئنة من الاستمساك والتوثق فَفِيهِ من زيادة المعنى ما دلت عليه زيادة المبنى في العامل "اعتصم" فلا يخلو من دلالة التكلف ، وهي دلالة من دلالات الزيادة في "افتعل" ، فكان من الاعتصام ما أُطْلِقَ فَاسْتَغْرَقَ وجوهَ المعنى ، واستغرق من ، وجه آخر ، المستعصَمَات من الآي والخبر ، من الأمر والنهي ، فهي مستعصَمات التكليف فمن استعصم بها فقد استعصم بالرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، الذي أَنْزَلَهَا ، وذلك ما جمعه عنوان الحبل في قول الرب جل وعلا : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، فكان الأمر بالاعتصام بالحبل الذي أضيف إلى اسم الله ، جل وعلا ، تشريفا ، من وجه ، ووصفا من آخر ، فحبله هو كتابه الذي جاء يأمر وينهى ، وهو ما يجاوز كتاب التَّنْزِيلِ الأخص ، فهو كتاب التشريع الأعم ، كتاب الخبر والإنشاء ، كتاب الأمر والنهي ، كتاب الوعظ والحكم ، فاستغرق الآي والأخبار جميعا ما تواتر وما كان آحادا ، فذلك عنوان يجمع الشرع كله ، وكتابه هو كلامه الذي قَدُمَ نوعه وحدثت آحاده فمناطها المشيئة النافذة ، وكلامه هو علمه الذي يقوم بذاته قِيَامَ الوصف بالموصوف ، وبعد الأمر بالاعتصام بالوحي كان النهي عن ضده من التَّفَرُّقِ ، فذلك ما يجري مجرى الإطناب باللازم إذ الأمر بالشيء يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عن ضده .
فَأُنِيطَ هذا التكليف ، تكليف الإيمان والاعتصام في قوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) ، أُنِيطَ بعنوان التأله الذي اشتق منه اسم الله ، جل وعلا ، فآمنوا به إذ هو المألوه المعبود بحق وحده فلا يكون تكليف الإيمان إلا به ، وثم تعليل آخر استفيد من السياق ، فإن الإيمان والاعتصام سبب في دخول صاحبه الرحمة وهدايته الصراط المستقيم ، وذلك ، كما أي تعليل لمعقول المعنى من الأحكام أو الأخبار ، فلا ينفك عن منطوق يَطَّرِدُ ومفهوم يَنْعَكِسُ ، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما ، فمن آمن واعتصم دَخَلَ الرحمةَ وَهُدِيَ الصراط المستقيم ، ومن لم يؤمن ومن لم يعتصم فلم يكن له من دخول الرحمة وهداية الصراط حظ ، فمنطوق ومفهوم على حد الاطراد والانعكاس ، وهو ما قد عم بدلالة كل مكلف فتلك دلالة واو الجمع في "آمنوا" و "اعتصموا" ، ودلالة الضمير ، ضمير الغائب المجموع في "سيدخلهم" و "يهديهم" ، فلا تخلو من دلالة التغليب الذي يجاوز حد التذكير فَيَعُمُّ كُلَّ مكلف ذكرا أو أُنْثَى بقرينة العموم في خطاب التكليف ، فَتَعَدَّى اسم الإيمان بالباء ، فلا يتعدى بنفسه فهو اللازم لا جرم كان الاسم المشتق منه وصفا مشبها فهو الوصف الذي يلازم الموصوف فلا يفارقه ، وتعدى باللام في قوله تعالى : (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) .
فالإيمان معنى يلازم وإن كان من آحاده في الخارج ما يَحْدُثُ مَرَّةً بَعْدَ أخرى فَمَنْ أعمالِ الإيمانِ ما يَتَكَرَّرُ ، كالصلاة على وَقْتِهَا ، فأصل المعنى يلازم ذات المؤمن فلا يفارقها إلا إِنْ قَارَفَ نَاقِضًا من نَوَاقِضِهِ يوجب نفي الاسم عنه إما نفي الأصل الجامع إن كان الفعل ناقضا من نواقض الأصل فهو من العصيان الأكبر القادح في أصل المعنى الجامع ، وإما نفي الكمال الواجب فهو من العصيان الأصغر القادح في كمال المعنى الواجب ، فكان من عنوان الإيمان ما أنيطت به البشرى ، في قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ، وكان من اسم المؤمن ما اشتق منها على حد اللزوم وصفا مشبها وهو آكد في تقرير المعنى إذ يلازم الذات فلا يفارقها ، كما تقدم ، وهو معنى يعقل فَيُنَاطُ به الحكم على حد التعليل ويدور معه وجودا وعدما ، فَبَشِّرِ القبيل المؤمن بالخير حقيقة ، وَبَشِّرِ الكافر تهكما وسخرية فَبَشِّرْهُ بمآل السوء وعذاب الخلد ، ولا يخلو عنوان الإيمان في هذا السياق ، أَيْضًا ، لا يخلو من دلالة التغليب فهو يَعُمُّ المؤمنين والمؤمنات لقرينة العموم في خطاب الكتاب خَبَرًا أو إنشاء .

ولا تخلو دلالة "أل" في "المؤمنين" في قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ، من بَيَانٍ لجنسِ المدخول وهو قَبِيلٌ بالإيمان موصوف وهو ما قد أُطْلِقَ فَاسْتَغْرَقَ وإن انصرف ، بادي الرأي ، إلى الإيمان بالله ، جل وعلا ، فعليه مدار الدين كله ، فكل ركن أو واجب بعده فهو له تَبَعٌ ، فاستغرق الأركان التي وردت في حديث جبريل عليه السلام ، والواجبات فالإيمان شعب أعلاها لا إله إلا الله فذلك التوحيد الذي لا يصح عمل بعده إلا به فهو أول واجب على العبيد وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وهو عمل ، وَإِنْ دَقَّ ، وثم الحياء وهو عمل باطن ، فاستغرق الخبر على حد التمثيل : العملَ الباطن كالحياء والعمل الظاهر كإماطة الأذى عن الطريق ، فاستغرق الإطلاق الأركان والواجبات ، من وجه ، واستغرق المحال جميعا ما بطن من الجنان وما ظهر من اللسان والأركان ، فاستغرق الاعتقاد والقول والعمل ، ولا تخلو دلالة "أل" في "المؤمنين" ، من هذا الوجه ، أن تجري مجرى الاستغراق إما استغراق المعاني آنفة الذكر ، معاني الإيمان الباطن والظاهر ، الاعتقاد والقول والعمل ، أو استغراق الآحاد في الخارج ممن قام بهم هذا المعنى وهو ما يصدق في كل مؤمن ومؤمنة وإن لم يَبْلُغَا حَدَّ الإيمان الواجب فيكون له من البشرى ما يُوَاطِئُ إيمانه ، فكلما زَادَ الإيمان زَادَ حَظُّهُ من البشرى ، وعكسه يصح ، فهو مِمَّا يَطَّرِدُ وَيَنْعَكِسُ في الحكم وإن انصرف ، بادي الرأي ، إلى الإيمان الكامل فذلك ما يرشح في "أل" دلالة تزيد وهي دلالة العهد الخاص ، فالبشرى إذ أطلقت فهي تَعُمُّ وجوه المعنى وَتَبْلُغُ به تمام الفحوى وذلك ما يُرَجِّحُ في عنوان الإيمان معنى التمام فصاحبه ممن استوفى أركانه وواجباته فهو المؤمن الكامل الذي بَلَغَ دَرَجَةَ الإيمان الواجب وقد يجاوزها إلى آخر مستحب ، فيكون له من الكمال المستحب حظ زائد ، فكل من بَلَغَهُ فَقَدْ بَلَغَ حَدَّ الإيمان الواجب ولا عكس ، فقد يبلغ الكمال الواجب دون المستحب ، كما أنه قد يَبْلُغُ حَدًّا من الإيمان يجزئ في حصول مطلق المعنى الأول الذي لا يصح ما بعده إلا به ، فهو الأصل الجامع ، ولا يَبْلُغُ ، مع ذلك ، حد الإيجاب ، فكل مَنْ بَلَغَ الإيمان الواجب فقد بَلَغَ ، بداهة ، الأصل الأول ، ولا عكس ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ نَالَ من الإيمان قسطا يجزئ في حصول الأصل فهو مؤمن الإيمانَ الواجب ، بل إيمانه مطلق أول لَمَّا يَبْلُغْ بَعْدُ حَدَّ الإيمان المطلق الذي يُنَالُ بِجُمَلٍ تَزِيدُ من التكاليف ، فكان من البشرى قِسْطٌ يُضَاهِي ما لصاحبها من إيمان ، فدلالة "أل" ، من هذا الوجه ، إما أن تَنْصَرِفَ إلى العهد الخاص الذي يقتصر على المؤمن الكامل ، وإما أن تَزِيدَ فهي تستغرق كل مؤمن بَلَغَ حد الإيمان الواجب أو لم يَبْلُغْ ، ولا تخلو ، أيضا ، من دلالة الوصل إذ دخلت على الاسم المشتق "المؤمنين" وذلك مئنة من العموم المستغرق ، إذ الموصول نَصٌّ فِيهِ ، كما قَرَّرَ أهل الأصول والبيان، وهو ما يؤول بالمعنى إلى تقدير الموصول المجموع المذكر ، فتأويل المعنى على هذا الوجه : وبشر الذين آمنوا ، وهو مما يشهد له موضع آخر من التنزيل وَرَدَ فِيهِ التصريح بالموصول المجموع آنف الذكر كما في آي البقرة : (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) ، وذلك ، أيضا ، مما يدخله التغليب فتدخل فيه المؤمنات على تقدير إطناب يزيد ، فبشر الذين آمنوا واللاتي آمَنَّ ، وإطلاق الصلة في "آمنوا" مئنة من عموم يستغرق ، كما تقدم ، فإما استغراق معاني الإيمان وهو ما يَقْصُرُ البشرى على المؤمن كامل الإيمان ، وإما استغراق محال الإيمان وواجباته ما ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، اعتقادا وقولا وعملا ، وهو ما حسن معه عطف العمل الصالح ، وهو ما حُذِفَ عنوانه وقام الوصف مقامه على تقدير : وعملوا الأعمال الصالحات ، ولا يخلو جمع "الصالحات" ، وهو من جموع القلة ، لا يخلو عن استدراك يظهر ، فالأعمال الصالحة كثيرة إن باطنة أو ظاهرة ، إن قولا أو عملا ، والجواب إن دخول "أل" على "الصالحات" قَدْ رَفَدَهَا فهي مئنة من عموم يَسْتَغْرِقُ قَدْ رَفَدَ الْقِلَّةَ فَصَيَّرَهَا كَثْرَةً يدخل فيها كل عمل صالح بطن أو ظهر .

وهو ما يشهد لمعنى الكمال الواجب الذي تُنَاطُ به البشرى الكاملة ، فاجتمع في "أل" ، كما تقدم ، دلالات تَتْرَى مِنْهَا : بَيَانُ الجنسِ واستغراق آحاده والعهد الخاص بِقَصْرِهِ على القبيل المؤمن الإيمانَ الكامل ، والوصل العام على تأويله بالموصول إذ دخل على اسم مشتق وهو اسم المؤمن ، وهو ما يجري مجرى التعليل آنف الذكر إذ أنيط حكم البشرى بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة .

وأما اسم الصابر في قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) ، فهو ، أيضا ، من الوصف المشبه ، وَإِنْ حُدَّ عُنْوَانُهُ حَدَّ الفاعل فَلَا يخلو من ملازمة لذات الصابر فلا يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ في لِفْظِهِ لِيَكُونَ اسمَ فاعل على المبنى والمعنى جميعا وإنما حُدَّ حَدَّ الفاعل مبنى وهو الوصف المشبه معنى ، وهو في كلتا الحالين عنوان تعليل يُعْقَلُ فدلالته في الاشتقاق تُبِينُ عن جهة التعليل وهي معنى الصبر فهو مناط الحكم وذلك مما يرجح حملان "أل" في "الصابرين" على معنى الوصل إذ دخلت على اسم مشتق ، فتأويل اللفظ على هذا الوجه : وبشر الذين صبروا ، وهو ما يجري ، أيضا ، مجرى التعليل في الحكم ، فأنيط حكم البشرى بالخير بوصف الصبر الذي اشتقت منه الصلة ، فهو يدور معه وجودا وعدما فَأَفَادَ بالمنطوق أَنْ : بَشِّرْ مَنْ حصل فيه الوصف وهو الصبر ، ولا تُبَشِّرْ مَنْ لم يحصل فيه فحصل فيه ضده من اليأس والجزع ، فـ : (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) ، والكافر ، بداهة ، ليس محل بشرى بالخير ، وكذا يقال في عنوان البشرى في حق الكافر تهكما ، كما في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، وقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، وقوله تعالى : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فَفِي جَمِيعِ الآي أُنِيطَ حكم البشرى بالعذاب تهكما ، أُنِيطَ بوصف يلائم فهو العلة التي يدور معها الحكم وجودا وعدما ، فالكفر بآيات الله ، وهو عنوان استغرق بدلالة الوصل في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) فهو ، كما تقدم مرارا ، نص في العموم ، فضلا عن إطلاق لقب الكفر فهو يصرفه ، بادي الرأي ، إلى الجنس الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، إلا أن تَرِدَ قَرِينَةٌ تصرفه إلى الجنس الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب ، فذلك أصل يستصحب في الأسماء والأحكام ، مدحا أو ذما ، إيمانا أو كفرا ، ولا يخلو من دلالة تغليب تطرد في كل نص إلا أن يكون ثم صَارِفٌ يُؤَوِّلُ فَيَقْصُرُ دلالة اللفظ على جنس دون آخر ، ذكرا أو أنثى ، وإلا فالأصل اجتماعهما في المدلول لقرينة العموم في خطاب التكليف المنقول ، ولا يخلو السياق من عموم آخر يشهد لمعنى الكفر الأكبر وهو عموم الآيات التي أضيفت إلى اسم الله ، جل وعلا ، في "آيات الله" وهي ، أيضا ، من جموع القلة التي رُفِدَتْ بالإضافة فَكَثُرَتْ في الدلالة إذ تستغرق آي الأخبار وآي الأحكام ، ولا تخلو من دلالة أعم تستغرق جميع أجناس الوحي آيا أو أخبارا ، وإن كان رَدُّ الآحاد الصحيح مع عظم خطره لا يَنْقُضُ أصل الدين ، فمنكر الآحاد إن لم يبلغ حد الجحود للأصل وهو السنة ، ولم يكن ذلك أمرا يطرد في كل موضع فهو يبطل حجية الآحاد رأسا لا بَعْضًا منها ، ولو هوى أو ذوقا ، فإنكار الأصل شيء وإنكار الاستدلال بآحاد مخصوصة شيء آخر ، على تفصيل في ذلك ، ولا يخلو الجمع ، أيضا ، من عموم آخر يستغرق آي التكوين وآي التشريع فالكفر بآي التكوين أَنْ تُسْنَدَ إلى غير الرب الخالق المدبر ، جل وعلا ، إما خلقا وإما تَسْيِيرًا وإما تَأْثِيرًا ، فَيُنْسَبَ لِغَيْرِهِ خَلْقٌ أو تَسْيِيرٌ أو تأثير في الكون استقلالا لا يرجع إلى المشيئة الأولى النافذة ، فيكون الغلو في الأسباب باعتبارها المؤثر الأوحد فضلا أن يكون الغلو أن يُجْعَلَ ما ليس بسبب ابتداء سَبَبًا فَيَعْتَقِدَ فيه الضر والنفع ، ويعتقد فيه الاستقلال بالخلق والتدبير والتأثير ، والكفر بآي التشريع يكون بِرَدِّهَا فَيُكَذَّبُ الخبر وَيُعَطَّلُ الحكم ، أو يُؤَوَّلُ بما يُفْضِي إلى تعطيل دلالته فَيُجَرَّدُ من معناه وإن أَبْقَى المتأول على مبناه ، وذلك ما يتراوح فمنه الأصغر الذي لا يمرق صاحبه من الدين ومنه الأكبر الذي يخرج صاحبه عن وجوه الدلالة الضرورية بالنظر في الدلالة اللسانية فيهجر المعنى المتبادر إلى آخر باطل فهو من الجنس الباطن الذي يفضي إلى تعطيل الأخبار والشرائع ، فذلك ، بداهة ، من جنس الناقض الذي يمرق صاحبه من الدين .
وقتل النبيين بغير الحق في قوله تعالى : (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) ، وذلك ما يجري مجرى الوصف الكاشف فلا مفهوم له بداهة إذ ليس من قتل النبيين ما هو بحق فَجَمِيعُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وإنما ذكر الوصف الكاشف إمعانا في تقرير الجناية ، وقتل من يأمر بالقسط ، وهو ما يحتمل القتل لمن يأمر بالعدل في حكومات الخلق فيكون القتل على قاعدة الشح والظلم ، فذلك من الكفر الأصغر ما لم يكن على قاعدة استباحة أو استهزاء ، أو يجاوز فيكون قتلا على قاعدة الدين أَنْ أَبْغَضَ القاتل ما يحمله الآمر بالقسط من الوحي ، فذلك قتل على قاعدة دين يُبْغِضُ القاتل فيها المقتول لِمَا تَحَمَّلَ من الوحي ، فذلك ، بداهة ، نَاقِضٌ للأصل ، وهو ما يُوَاطِئُ السياق ، فالمتبادر منه حملانه على المعنى الأكبر الناقض لأصل الملة ، فَكُلُّ أولئك مناط البشرى بالعذاب الأليم في الموضع الأول ، وهو ما يجري مجرى العلة المركبة ، من وجه ، وإن كان كُلُّ واحدٍ مِنْ أَجْزَائِهَا هو في نفسه علة للبشرى بالعذاب الأليم ، فاجتماع الأجزاء آكد في تعليل الحكم من باب أولى ، وكنز الذهب والفضة وعدم إنفاقها في سبيل الله ، جل وعلا ، علة البشرى بالعذاب الأليم في الموضع الثاني ، وتكذيب الكافرين في قوله تعالى : (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ) ، علة الأمر بالبشرى في الموضع الثالث فاطرد الحكم وانعكس على حد الوجدان والعدم ، إذ يدور الحكم مع علته طردا وعكسا ، وجودا وعدما ، منطوقا يبين عن الحكم ومفهوما يبين عن ضده ، فإذا حصلت العلة حصل الحكم المنطوق ، وإذا لم تحصل العلة حصل ضده فتلك دلالة المفهوم ، كما قرر أهل الأصول والنظر إن حقيقة في البشرى في قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ، أو تهكما في قوله تعالى : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، وذلك أصل يستصحب في جميع الأخبار والأحكام وإن كان في الأحكام أظهر وهو جار على قانون العقل والنطق المحكم وبه يَنْتَفِعُ الناظر من الدلالات والمعاني ما يَعْظُمُ إذ يستبين له من وجوهها ما يعلم بالمنطوق تارة والمفهوم أخرى .
ولا يخلو عنوان البشرى في مواضع من التنزيل ، لا يخلو من دلالة عهد خاص ، كما في قوله تعالى : (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) ، فهي البشرى بإسحاق ، خلاف البشرى في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى) ، و : (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) ، فتلك بشرى أعم بالسعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، فدلالة "أل" فيها مئنة من عموم يستغرق وجوه المعنى ومحالَّه .

ومادة البشر ، من وجه آخر ، مِمَّا يدرك بالحس ، فيكون من البشر انْبِسَاطُ الجلد ، فذلك اللازم في الخارج وملزومه ما يكون من الفرح في الباطن ، فذكر اللازم وأراد الملزوم ، فانتقل من الأول إلى الثاني على حد الكناية ، ولا يحول ذلك ، لو تدبر الناظر ، من الجمع بين الاثنين ، فيحصل الفرح في الباطن وتحصل آثاره في الظاهر ، فالأول سبب يَبْطُنُ والثاني مسبَّب يَظْهَرُ ، فمقدمة في الجنان ونتيجة في الأركان لا سيما الوجه فهو ما تظهر عليه أمارات البشر أو الحزن .

والله أعلى وأعلم .