ومن قوله تعالى : (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، فَثَمَّ البيان الذي جَرَى مَجْرَى التحقيق ، فَتِلْكَ دلالة "قد" إذ دخلت على العامل الماضي "بَيَّنَّا" وثم زيادة معنى وهو ما استفيد من اللام في "لَكُمُ" ، فهي مئنة من الاختصاص وهو ما به تقرير آخر للمنة الربانية بِبَيَانِ الشرعة الرسالية ، وثم وجه دلالة آخر إذ قُدِّمَ ما حقه التأخير من الظرف "لَكُمُ" مئنة من الحصر والتوكيد ، ولا يخلو من تسجيل للحجة فقد تَوَجَّهَ الْبَيَانُ إليكم على حد الاختصاص ، وهو ما اتسعت دلالته فَجَاوَزَتِ الضمير ، ضمير الخطاب المذكر ، فهو يستغرق كل مكلَّف ، من وجه ، ويستغرق كل جيل من آخر فيجاوز حد المخاطب الأول ، فالبيان حاصل في كل جيل ، فيخاطب به التالي كما السابق ، وإن توجه ابتداء إلى الجمع الحاضر زمنَ التَّنَزُّلِ فذلك خطاب المواجهة الأول ، وليس ذلك مما يقصر الدلالة على الجيل المخاطَب دون غَيْرِهِ وإلا بطلت دلالة الوحي بانقراض الجيل الأول ، وصار نَصَّ تَارِيخٍ لا يجاوز زمانه ، فذلك ما يَبُتُّ صِلَتَهُ فِي الْبَيَانِ ، وَيُبْطِلُ دلالته في الأحكام ، وتلك شبهة لا زالت تجري على ألسنة الخصوم ، فهم يَتَلَطَّفُونَ في القول أَنْ يُبْطِلُوا دلالة الوحي بإظهار التعظيم لِمَبْنَاهُ والتعطيل لِمَعْنَاهُ إِنْ بالتأويل تارةً أو بِقَصْرِهِ عَلَى الجيلِ الأولِ أخرى ، فلا يعم بمعناه وإن اتصل الإسناد بمبناه ، فصار لفظا بلا دلالةِ تَشْرِيعٍ ، فَقَدِ انْقَطَعَ بانقراض الجيل الأول ، فَوَحْدَهُ مَنْ خُوطِبَ بِهِ خطابَ التكليفِ والإلزام فلا يلزم مَنْ جَاءَ بعده ، فهو يستنبط من المبنى معان جديدة تلائم عصره ، وإن شئت الدقة فَقُلْ هواه وذوقه ، فَيَأْتِي بالمعاني الجديدة المستحدَثة على أصول الشريعة المنزلة ، فتلك شبهة يُبْطِلُهَا محكَمُ الدليلِ على عموم التَّنْزِيلِ وإن كان خطابه على درجات ، فَثَمَّ الخطاب الأول : خطاب الحاضر مواجهة ، وثم خطاب تَالٍ وهو خطاب الغائب سواء أكان موجودا زمنَ التَّنْزِيلِ أم وُجِدَ بعده فكان معدوما ثم وُجِدَ ، وتلك أعلى الدَّرَجَاتِ ، فهو يستغرق كل جيل وإن لم يُوجَدْ بَعْدُ ، وذلك مما به يستأنس من يَقُولُ بِخِطَابِ المعدومِ ، كما قَرَّرَ أهلُ الأصول ، فهو مخاطب بالقوة وإن لم يكن مخاطبا بالفعل حتى يُوجَدَ وَيَعْقِلَ ، فالصغير الذي لا يَمِيزُ مخاطبٌ بالقوة لا بالفعل إذ ليس ثم عقل وهو مناط التكليف ، فَعَقْلُهُ كَلَا عَقْلٍ ، ووجوده كالعدم إذ لا يُبْنَى عليه تكليف في خاصة نفسه وإن تعلقت به أحكام من خارج كأحكام الإرث والهبة أن يُوهَبَ لا أَنْ يَهَبَ فليس ثم إرادة تصح بها يثبت الفعل ، وكذا تَتَعَلَّقُ به أحكام الضمان لِمَا أَتْلَفَ ، وأحكام القصاص إن قُتِلَ والدية والجروح ..... إلخ ، والصغير الذي يميز يخاطب بالفعل لا على حد الإيجاب ، فخطابه خطاب الندب .
فكان من الخطاب ما استغرق كل مخاطَب على التفصيل آنف الذكر ، ومن ثم كان الختام بالعلة ، فهي جواب سُؤَالٍ قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة هذا التَّبْيِينِ الرباني ؟ فجاء الجواب : (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، على تقدير "لعل" باللام : لام التعليل ، فتأويل الكلام : لِتَعْقِلُوا ، فذلك ما يجري مجرى الاستعارة إذ استعير الرجاء لِلتَّعْلِيلِ ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن السياق يجري مجرى الاشتراك ، فاللفظ نَصٌّ فِي الرَّجَاءِ ، وقد استعير لِلتَّعْلِيلِ ، ولا تَعَارُضَ ، بل الجمع بَيْنَهُمَا مما يُثْرِي السياق بالمعاني مع إيجاز في المباني ، فَلَفْظٌ واحد قد دَلَّ على أكثر من معنى وإن كان نصا في واحد منها دون غيره ، فَثَمَّ مِنَ القرينة ما رَجَّحَ ثَانٍ لا على حد التَّعَارُضِ بل قد اتسعت دلالة اللفظ ، فالجهة قد انفكت ، وليس الغمد واحدا يضيق فلا يحتمل سيفا آخر ، بل ثم سعة إذ الغمد قد اختلف ، فالجهة ، كما تَقَدَّمَ ، قد انفكت ، فسيفان وغمدان ، فلا يُحَجَّرُ المحل الواسع فهو يحتمل أكثر من حَالٍّ ، وذلك مِمَّا بِهِ يستأنس من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، ولا يخلو اللفظ ، أيضا ، لفظ "تَعْقِلُونَ" ، لا يخلو من دلالة المضارعة استقبالا يعم فهو التكليف الذي يستغرق كل جيل ، فضلا عن عموم آخر ، عموم الضمير ، ضمير الجمع المذكر ، وهو ما قد عَمَّ بدلالة التغليب فاستغرق كل مخاطَب في كل جِيلٍ ، حَالٍّ أو مستقبَل ، وذلك ، أيضا ، من الخبر الذي احتمل دلالة الإنشاء أَنِ : اعْقِلُوا الآيات إذ قد بَيَّنَهَا لكم الرب ، جل وعلا ، فشكر النعمة ، نعمة التبيين أن يكون ثم عقل وتدبر لما نزل من الوحي المحكم .
وذلك بَيَانٌ يتفاوت فمنه بيان أول به قيام الحجة ، فَبَيَّنَّا الآيات بَيَانًا أول به قيام الحجة ، وبه يحصل مِنَ التَّعَقُّلِ ما يُبِينُ عن المعنى ، وإن لم يحصل من التصديق المجزئ ما به يَنْتَفِعُ الناظر ، فقد أُقِيمَتِ الحجة بما حصل من العرفان المجرَّد من القبول والتصديق ، والعقل في هذه الحال هو العقل الأول الذي به تحصل صورة المعنى في الذهن الحصولَ المجرد ، فالبيان الأول سبب في حصول العقل الأول ، عقل المعاني مجردةً من قبولٍ أو رَدٍّ ، فهو أول ما يحصل في القلب ، فلا يجاوز حد العرفان ، والعرفان لا يجاوز حد الصورة العلمية المجرَّدة ، فالتصديق ، وإن كان حركةً في الجنان إلا أنه يُجَاوِزُ الْعِرْفَانَ المجرَّد الذي يحصل بالبيان الأول ، بَيَانِ المعاني التي يَعْقِلُهَا الذِّهْنُ بِمَا رُكِزَ فِيهِ من قوى الإدراك الضرورية ، فذلك العقل الأول ، وهو سبب يُفْضِي إلى آخر ، وهو العقل الثاني ، عقل التصديق والإيمان ، وهو الغاية ، فَثَمَّ عقل أول وهو الوسيلة ، وثم آخر وهو الغاية ، فهو ما به الإيمان المجزئ يحصل ، وهو المراد ، والآية تحتمل الْوَجْهَيْنِ ، فَبَيَّنَّا الْبَيَانَ الأوَّلَ الذي به العقل الأول يحصل ، وهو ما يستغرق كُلَّ مُكَلَّفٍ ، آمن أو كفر ، فذلك من هداية الْبَيَانِ والإرشادِ ، وهي الهداية العامة التي تحصل بَادِيَ الرَّأْيِ لكلِّ أحدٍ ، وهي هداية النبوات كما في قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فذلك وحي التنزيل الذي به التبيين لِمَا أُجْمِلَ من فطرة التكوين ، فطرة التوحيد ، فذلك الوحي الشرعي ، وهو ما يَنْدَرِجُ في جنس أعم ، وهو الوحي المطلق ، فمنه الوحي المحمود ومنه آخر مذموم ، وهو وحي الشياطين إلى أوليائهم ، فذلك الوسواس الذي يُورِثُ الجدالَ بالباطل ومادته الشبهات التي تُعَارَضُ بها المحكمات ، وذلك ما يشهد له سبب النزول ، إذ أثار يهود الشبهة فما بالكم تأكلون الشاة التي تذبحونها ، ولا تأكلون الميتة التي قَتَلَهَا الله ، جل وعلا ، فهي أولى بالحِلِّ ؟! ، إذ ما قَتَلَ الخالق خير مما قتل المخلوق ! ، فأثاروا الشبهة لِرَدِّ المحكم من النهي عن غير المذكاة ذَكَاةً شَرْعِيَّةً معتبرة ، وجواب ذلك أنه محل توقيف ، فالله ، جل وعلا ، وله الخلق والأمر ، إن أمر التكوين النافذ أو أمر التشريع الحاكم ، فالله ، جل وعلا ، وهو الإله الذي يُشَرِّعُ بكلماتِه وهو المألوه المعبود بحق بما أَنْزَلَ مِنَ الوحي ، خبرا وحكما ، الله ، جل وعلا ، هو الذي حكم بذلك حكم التشريع العادل ، فَأَبَاحَ مَا قَتَلْنَاهُ تَذْكِيَةً ذُكِرَ اسمُه عليها ، ولم يُبِحْ ، في المقابل ، مَا قَتَلَهُ حتف أنفه ، فأناط الحل بالتذكية الشرعية المعتبرة ، وهي ما يظهر فيه معنى التكليف الشرعي ، فَتَحْصُلُ القربة بالتصديق والامتثال ، فَيُصِدِّقُ أَنَّ المباح من الذبح هو ما أباحه الله ، جل وعلا ، بالتذكية ، ويشفع ذلك بتصديق ثان وهو امتثال الأمر بالتذكية ، وفيها يظهر معنى التكليف كما الحكمة في التطهير ، تطهير اللحم من الدم المسفوح دون ما علق بالعروق فهو عفو ، فاجتمع في الفعل التكليف المعقول والتطهير المحسوس وهو ما يواطئ مقاصد الشرع في حصول الطهارة ، وإن لَمْ يَظْهَرْ من ذلك معنى يجاوز الإباحة ، وهي ما لا يُرَادُ لذاته ، بادي الرأي ، وإنما يُرَادُ لِغَيْرِهِ ، فيدخله التكليف من باب يجاوز الحس والعادة فهي تَسْتَقْذِرُ الدَّمَ ، وذلك معنى يعتبر في الشرع ، فإنه لم يأت بما يجافي عن الطبع الصحيح ، ولكن ثم معنى يجاوز هذا المعنى المدرَك بالحس ، معنى التطهير ، فَثَمَّ معنى التكليف بهيئة مخصوصة فِي الفعل ، بِإِمْرَارِ السكين على الأوداج بما يسفح الدم ، فذلك معنى مداره على التوقيف فَأَبَاحَ مَنْ خَلَقَ الشاة ، أَبَاحَهَا بِمَا تَقَدَّمَ من هيئة التذكية المخصوصة ، وَحَظَرَ مَا قُتِلَ بقدره الكوني النافذ ، فَأَبَاحَ مَا امْتَثَلَ فِيهِ الذابح القدر الشرعي الحاكم فهو مناط الابتلاء والتكليف ، فذلك جواب عن شبهتهم فإنهم خاضوا في أمرٍ مَدَارُهُ التَّوْقِيفُ ، ولا يخلو ، مع ذلك ، من تعليل يدركه العقل الصريح ، وهو ما كان من وصفِ الرِّجْسِ في قوله تعالى : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) ، على القول برجوع الضمير في "فَإِنَّهُ" إلى المذكورات كافة ، على تقدير : فالمذكور رجس ، والمذكور يجاوز أقرب مذكور وهو الخنزير ، فثم معنى جامع لِمَا تَقَدَّمَ من المحرمات ، ومنها الميتة ، وهو نَصٌّ على العلة ، وإن غَيْرَ صريح ، فكان العطف بالفاء في "فَإِنَّهُ رِجْسٌ" وبعدها الناسخ ، ومجموعهما يفيد التعليل ، فالفاء ، وإن عاطفةً ، لا تخلو من معنى السببية ، وإن لم تكن نصا فيها ، فهي ، من هذا الوجه ، تجري مجرى المشترك الذي يَعُمُّ ، على قول من يُجَوِّزُ ذلك ، فهي تَسْتَغْرِقُ معنى العطف القياسي ، ومعنى الفور والتعقيب وذلك آكد في التقرير والتوكيد ، ومعنى التعليل فلا تخلو فاء منه ، فجاء الناسخ "إِنَّ" بَعْدَهَا لِيُرَجِّحَ معنى السببية وإن لم يمنع غيره ، فَرَجَحَ التَّعْلِيلُ ، من هذا الوجه ، إذ اعتضد بالناسخ ، فحصل باجتماعهما ، الفاء والناسخ "إِنَّ" ، حصل باجتماعهما من دلالة التعليل ما لا يحصل بانفرادهما ، فَزَادَ كلٌّ الآخرَ في باب السببية ، فدخول الفاء على الناسخ يجري ، من هذا الوجه ، مجرى القرينة المرجِّحَةِ ، فذلك باب تأويل ، إذ الفاء قد انصرفت إلى السببية بقرينة اجتماعها مع الناسخ في لفظ واحد ، فكان من دلالات الفاء ما تَعَدَّدَ ، العطف والفور والسببية ، وكان من القرينة ما رَجَّحَ السببية ، وإن لم يَنْفِ غَيْرَهَا من العطف والفور ، فَرَجَّحَ واحدا لا على سبيل الانفراد والإبطال لما دونه من المرجوح ، وإنما دلالة اللفظ عليه دون دلالته على الراجح ، فاتسعت الدلالة فاستغرقت أكثر من معنى إذ لا تَعَارُضَ بَيْنَهَا ، وإن رَجَحَ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فالترجيح في هذا الموضع لا يحول دون دخول المرجوح في دلالة اللفظ ، فاجتماع الفاء مع الناسخ قرينة رجحت دلالة التعليل ، وكذلك الشأن في الناسخ "إِنَّ" ، فإنه نص في التوكيد ، ودخول الفاء عليه قد رَفَدَ دلالته فَزَادَهُ مَعْنَى التعليل ، لا على حد التعارض ، فالجهة قد انفكت ، فالتوكيد جهة والتعليل أخرى ، ولا تعارض بَيْنَهُمَا ، فَثَمَّ تأويل ثان قد رَفَدَ دلالة الناسخ ، كما رَفَدَ دلالة الفاء فكلاهما قد زاد في الآخر معنى التعليل ، فحصل باجتماعهما من الدلالة ما لم يحصل حال انفرادهما ، فالاجتماع قرينة رجحت الزيادة في المعنى ، فضلا عن قرينة السياق إذ أبان عن وصفٍ بعد حكم ، وصف الرجس بعد حكم التحريم ، وهو معنى يلائم وَيَلِيقُ ، ولا يخلو السياق ، مع ذلك ، من دلالة اقتضاء ، فَثَمَّ سؤال يُقَدَّرُ بعد الحكم معقول المعنى ، فما علة تحريم المذكور من الأعيان ؟ ، فجاء الجواب : لأنه رجس ، فمرجع الضمير ، كما تقدم ، هو المذكور جميعا ، ومعنى الرجس معنى يعقل وهو مناط الحكم المتقدم ، حكم التحريم ، ولا يخلو التنكير ، تنكير "رَجْسٌ" ، لا يخلو من نَوْعِيَّةٍ تَدُلُّ على مطلق المعنى ، ماهية الرجس التي أُنِيطَ بها الحكم ، ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة التعظيم ، فهو رجس عظيم يستلزم التحريم ، وذلك وجه في الدلالة يعقل ، فاجتمع في الميتة حكم التوقيف والحكم معقول المعنى .
فكان من الوحي المذموم شبهة عارضت ما أحكم من الدلالة ، وهو ما نزلت عليه الآية آنفة الذكر ، فـ : (إِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) ، ومنه زُخْرُفُ القولِ في آي التنزيل المحكم : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) ، والمعنى يجاوز السبب ، كما قرر أهل الشأن ، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فذلك يجاوز المثال المذكور في سَبَبِ النُّزُولِ ، فهو كالخاص الذي ذكر مثالا لعام فلا يخصصه ، فذلك الوحي المذموم ، وهو قسيم آخرَ محمود وهو وحي الرب المعبود ، جل وعلا ، ومنه الوحي الكوني ، وحي الخلق والرزق والتدبير ، ومنه وحي أخص وهو وحي الإلهام ، ومنه ما يكون لِلْعَاقِلِ وَمِنْهُ مَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ ، وَثَمَّ وحي آخر يُحْمَدُ ، وهو وحي التَّأْيِيدِ ، كما في قوله تعالى : (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) ، فَذَلِكَ ظَرْفٌ مَاضٍ "إِذْ" قَدْ أُرْدِفَ بالمضارعِ "يُوحِي" ، فلا يخلو من استحضار لصورة انقضت إذ لا تخلو من وجه إعجاز وآخر به الامْتِنَانُ بِالتَّثْبِيتِ ، وهو ، أيضا ، ما احتمل ، فاحتمل الاختصاص فلا يجاوز عين السبب الذي عليه نَزَلَ وهو أهل بدر ، واحتمل معنى يجاوز فَهُوَ يَعُمُّ مَنْ سِوَاهُمْ ممن آمن وجاهد ، فالملائكة تُثَبِّتُهُ في القول والعمل ، فَثَمَّ عموم آخر وهو عموم القول والعمل ، فيكون التثبيت في الجلاد ، كما في الآية ، ويكون التثبيت في الجدال ، فَيُثَبَّتُ المؤمن في الجلاد بالسيف والسنان وما يكون من معاضدة الْمَلَكِ له بالضرب ، ويثبت في الجدال بالحجة والبرهان وما يكون من معاضدة الْمَلَكِ به بِلَمَّاتِ الخير والحق ، فَيُجْرِي عَلَى لِسَانِهِ من المعاني القاطعة ما لم يخطر فلم يُعِدَّ الجواب وإنما أُلْهِمَهُ وَحْيًا من الْمَلك الذي بَثَّ في روعه من الحق ما يدمغ الباطل ، فذلك معنى القذف فلا يخلو من فَجْأَةٍ تَدْهَمُ المخالِف ، وذلك ما يدفع شَرَّهُ وَيُبْطِلُ قوله ، وذلك من تثبيت الْمَلَكِ بوحي الملِك ، جل وعلا ، فلا يخلو الوحي في هذا السياق من دلالة الأمر ، فقد أمرهم الله ، جل وعلا ، أمر تكوين نافذ أَنْ : (ثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) ، فذلك جنس آخر من الوحي يحمد ، وهو وحي تكوين خاص ، إذ مناطه معنى بِعَيْنِهِ وهو تثبيت المؤمن ، وثم آخر وهو وحي تكوين عام ، وهو ما به الخلق والرزق والتدبير وَإِنْزَالُ الغيث وإنبات الزرع ، وثم ، وهو محل الشاهد في الآية ، ثم وحي التشريع ، وحي الروح من الأمر ، أمر النبوات من الأخبار والأحكام ، وهو الجنس الأشرف ، الذي به هداية الخلق ، هداية البيان والإرشاد ، كما قد خُتِمَتِ الآيةُ ، فـ : (إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، وتلك من أعظم المنن الربانية فَحَسُنَ ، من هذا الوجه ، إسنادها إلى ضمير الفاعلين في قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) ، كما قد حَسُنَتْ إضافة الأمر إلى ضمير الجمع أيضا، في "أمرِنا" ، وهو ما به السياق قد استقام ، وما به مَئِنَّةٌ من التعظيم ، ولا يخلو من تكثير لا للأعيان ، فالموحِي واحد وهو الرب الخالق ، جل وعلا ، وإنما صدر الوحي عن جملة أوصاف منها أوصاف الجلال قدرةً ومشيئةً ، ومنها أخرى هي من وصف الجمال عِلْمًا وحكمةً ورحمة بالخلق وهداية إلى الشرع فهو سبب السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة بما جاء به من كلمات الصدق والعدل ، فكان مِنْ خَبَرِهِ صدقٌ به تصح قوة العلم إِثْبَاتًا وَنَفْيًا ، وَعَدْل به تصح قوة العمل فِعْلًا وَكَفًّا ، فيوحي بكلمات التكوين فهي كلمات الربوبية والخلق ، وبها الهداية الأعم ، هداية الخلق إلى أسباب الحياة من الرزق والتدبير بعد الخلق والتكوين ، فـ : (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) ، وهو الإله الشارع ، فيوحي بكلمات التشريع فهي كلمات الألوهية والشرع ، كما في هذا الموضع ، وبها هداية التشريع الأخص ، وهي ، في نفسها ، على أنحاء فمنها هداية البيان والإرشاد ، فهي مناط بَيَانٍ أَوَّل في قوله تعالى : (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، وبها العقل الأول ، عقل الْعِرْفَانِ ، وَبِهِ درك المعنى الذي تقوم به الحجة الرسالية ، فتلك هداية النبوات التي أوحى بها الله ، جل وعلا ، إلى رُسُلِهِ ، عليهم السلام ، ومنهم النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهدايته الشرعية جامعة لِمَا تَقَدَّمَهَا من الكلمات الرسالية ، فـ : (إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فتلك هداية البيان الأول التي بها يحصل العرفان المجرد إقامةً للحجة وَبَيَانًا للمحجة ، فذلك معنى يعم كل عاقل مكلف ، آمن أو كفر ، وذكر النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجري ، من هذا الوجه أيضا ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فتلك هداية النبوات عامة ، وهداية النبوة الخاتمة خاصة إذ استجمعت خلاصة ما تَقَدَّمَ وزادت عليه من البيان ما فَصَّلَ ، فاكتمل بها منهاج العلم والتصور ، ومنهاج العمل والحكم ، ما خص وما عم ، فكان منه منهاج يَقُضُّ مضاجع الخصوم إذ يستغرق بحكوماته كل الحركات الاختيارية ، فهو فاعل في الحياة لا مُنْفَعِلٌ كسائر المراجع الأرضية المحدَثة التي تخضع لإلجاء الواقع في الخارج لا تماهيا مع عرف أو علة تحمد بل رياء ومداهنة ولو أَفْضَى ذلك إلى إبطال الحق وإن بِاسْمِ الحقِّ ! ، فالوحي فاعل في الحياة يُصْلِحُ مَا فَسَدَ مِنْهَا وانحرف ، فكان من وظائف النبوات الرئيسة أن تُقَوِّمَ ما اعْوَجَّ من فطرة التوحيد والتشريع ، فحكمها في المحال والأحوال فرض لازم وهو عام شامل قد استغرق كل حكم ، وذلك ما يبطل شريعة الطاغوت الذي جاوز الحدود فأحدث من الحكومات ما به يُنَاجِزُ النبوات ، واجتهد في تعطيلها تارة وتحريفها أخرى وَوَدَّ لو مَحَا ذكرها من الأرض محوا ، فلا تَرَاهُ فِي كُلِّ خصومة إلا منتصرا لخصومها منها ، قادحا في دِلَالَاتِهَا ، صَرَّحَ أو كَنَّى ، أفحش أو اتَّقَى فَتَلَطَّفَ في القول فلا تخطئ الأذن ما استبطن من الغل والحقد ، فـ : (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) ، فكان من هداية النبوات جنس عام يستغرق وتحته آحاد أكملها في الوصف وأجمعها في الحد النبوة الخاتمة التي خصت بالذكر في الآية : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فالنبوات جميعا تهدي هداية البيان والإرشاد ، والنبوة الخاتمة قد احْتَمَلَتْ معنى يزيد فاختصت بالذكر في هذا الموضع من التنزيل ، فخوطب الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله تعالى : (إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فَثَمَّ من المؤكدات ما اطرد في التَّنْزِيلِ ، ومنه ما كان في اللفظ كالناسخ "إِنَّ" ولام الابتداء في "لَتَهْدِي" ، ومنه ما كان في المعنى كاسمية الجملة ، إذ لا يدخل الناسخ الحرفي "إِنَّ" إلا على جملة اسمية مذكورة أو مقدرة ، كما في تقدير اسم الناسخ المؤكد بضمير الشأن في قول الرب جل وعلا : (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) ، وكذا في الشطر الثاني : (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ، وإن احتملت "أن" فيه معنى التفسير ، وقد يُرَجَّحُ هذا المعنى إذ لا تَقْدِيرَ لمحذوف فيه ، وهو الأصل فلا يقدر المحذوف إلا وقد تَعَذَّرَتِ استقامة السياق على المذكور ، وثم من القرينة ما يشهد إذ ضُمِّنَ النداء في قوله تعالى : (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ) ، معنى القول دون حروفه وذلك حد "أَنْ" التفسيرية كما قَرَّرَ أهل الشأن ، وقد يرجح الوجه الثاني بحملانها على المخفَّفَةِ وإن كان فيه من تقدير المحذوف ما يخالف عن الأصل آنف الذكر وهو عدم الحذف ، قد يرجح هذا الوجه إذ فيه من تقدير المحذوف ، وهو ضمير الشأن ، ما يحمل دلالة التنويه والتنبيه خاصة ، فضلا عن دلالة الزيادة في المبنى فذلك أصل يطرد عامَّةً إذ زيادة المبنى تدل على أخرى تضاهيها في المعنى ، فثم من اسمية الجملة في كل حال ، سواء أكانت "إن" مثقلة أم مخففة ، ثم من الاسمية ما يجري مجرى التوكيد المعنوي ، فَهِيَ مئنة من الديمومة والثبوت ، كما في الآي آنف الذكر : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنت تهدي إلى صراط مستقيم ، أو لأنت تهدي إلى صراط مستقيم ، فثم لام ابتداء قد تصدرت السياق الاسمي ، وَمِنْ ثَمَّ دخل الناسخ على السياق وهو أم الباب ، باب التوكيد ، فَزَاحَمَ اللام وهو أَقْوَى فَزَحْزَحَهَا عَنْ مَوْضِعِهَا وَزَحْلَقَهَا إلى تالٍ وَشَغَلَ محلها ، فذلك ما أكسبها وصفا أخص وهو ما اصطلح أنه اللام المزحلقة فليست إلا لام ابتداء زُحْزِحَتْ عَنْ مَوْضِعِهَا بما كان من مزاحمةٍ ومدافعةٍ لم تصمد فيها لِمَا هو أقوى ، فَأَخْلَتِ المحل وتأخرت ، وجاء الأقوى فاحتل من المحل ما شغر ، وثم توكيد آخر بالإطناب في جملة الخبر : (إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فذلك آكد في الدلالة من القول في غَيْرِ التَّنْزِيلِ الخاتم : أنت هَادٍ إلى صراط مستقيم فضلا عما احْتَمَلَتْهُ المضارعة من معنى الحال والاستقبال ، فحجة النبوة الخاتمة محكمة ، وشريعتها محكمة تجاوز زمن النُّزُولِ وَسَبَبَهُ ، فهي المحفوظة بحفظ الله ، جل وعلا ، لها مبنى ومعنى ، وإن خفيت آثارها في أعصار أو أمصار فلا تخلو الأرض أبدا من قائم بحجتها ، وثم انتهاء غاية إلى الصراط المستقيم الذي أُجْمِلَ ثُمَّ أُبِينَ عنه على حد البدل في قوله تعالى : (صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ، فذلك من الإطناب بالمبيِّن بعد المجمَل الذي ذكر بين يديه موطئا له ، فالمبيِّن من البدلِ هو المقصود أصالة بالحكم كما قد حَدَّ أهل الشأن البدل ، فهو التابع المقصود بالحكم أصالة ، وما المبدَل منه إلا مُوَطِّئٌ له بين يديه ، فذلك البيان الأول الذي به العقل الأول ، عقل الحجة الرسالية ، وثم آخر يزيد وهو ما اقتصر على المؤمنين ، فتلك هداية التوفيق والإلهام ، كما في قوله تعالى : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ، فيهدي ، جل وعلا ، من شاء ، فيكون من البيان ما يزيد فهو بيان التصديق والإيمان وذلك عقل ثان يجاوز حد الإدراك المطلق فَثَمَّ معنى القبول والتصديق وهو ما اختص به المؤمن ، فاحتملت الآية : (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، احتملت كلا الوجهين فلا تعارض إذ الجهة قد انفكت ، فهداية البيان والإرشاد ، وهي العامة ، تخالف عن نظيرتها من التوفيق والإلهام ، وهي الخاصة ، ولكلٍّ وجه ، فاحتمل السياق كلا الوجهين فَحَمْلُهُ عليهما جميعا أولى إذ به إثراء السياق بما صح من المعنى وهو ، كما تقدم مرارا ، شاهد به يستأنس من جوز العموم في دلالة اللفظ المشترك .

والله أعلى وأعلم .