مادة الكتب مما تَوَاتَرَ في التَّنْزِيلِ ، وهي مما اختلفت دلالته باختلاف التقييد ، التقييد بالكاتب والكتاب ، فلكلٍّ قَرِينَةٌ من السياق تُبِينُ عَنْ حَدِّهِ فَثَمَّ كتاب يحصي في يد الملَك ، فـ : (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ، فثم من الكتاب ما يحمله رقيب وعتيد ، فالرقيب ، كما يقول بعض أهل الشأن في وجه من وجوه التأويل ، الرقيب من اسمه يرقب ، فهو فعيل من فاعل فهو الرقيب المرَاقِب ، وكذلك العتيد فهو فعيل من مادة تهيأ ، فالعتيد قد تهيأ لكتب الأعمال ، فَحُدَّ "رَقِيبٌ" حَدَّ المبالغة إمعانا في المراقبة ، وتلك مئنة إحصاء لما يصدر من قول أو عمل في الظاهر ، بل ثم على قول آخر ما عَمَّ بِالْكَتْبِ مَا حَصَلَ فِي القلب من نِيَّةٍ وَقَصْدٍ ، وذلك استثناء في علم الغيب فالأصل أَنْ لا يَعْلَمُهُ إلا الله ، جل وعلا ، فـ : (لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) ، فكان من منح الملك المرَاقِبِ شَيْئًا من ذلك استثناءً يدخل في حد : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) ، فلفظ الرسول يعم ، من وجه ، فَثَمَّ رسول ملكي كما آخر بشري ، فَمُنِحَ كلاهما من علم الغيب ما يجري مجرى الاستثناء فهو من الضرورة التي تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا لحصول معنى صحيح معتبر يزيد في الدلالة فَنَفْعُهُ يجاوز ، ولأجله كان الاستثناء ، ولو خلاف الأصل ، فَيُقَدَّرُ بِقَدَرِهِ في الدلالة فلا يكون ثم من التوسع ما يُفْضِي إلى الغلو والتعصب ، فيكون الإطراء الكاذب لأحد من الخلق بَشَرًا أو مَلَكًا أنه يعلم الغيب فلا يصدر إلا عن الإذن ، كما حال الملك ، فـ : (مَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) ، فكان له من كمال العلم المحيط ، ومنه العلم بالغيب ما دل عليه نَفْيُ النَّقْصِ في قوله تعالى : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) ، فلا يخلو من عموم قد استغرق فتلك دلالة النكرة "نَسِيًّا" فِي سياق النفي ، وثم من زيادة الكينونة الماضية ما يجري مجرى التوكيد فزيادة المبنى مئنة من أخرى تضاهيها في المعنى ، وهو عموم محفوظ ، وقد يقال إنه من المخصوص ، فَثَمَّ نسيان قد ثَبَتَ لله ، جل وعلا ، لا على حد النقص المتبادر فقد تَنَزَّهَ عنه ، تبارك وتعالى ، بداهة ، وإنما نسيان يجري مجرى المكافأة فهو من العدل في الجزاء وذلك من الكمال الذي يليق بِرَبِّ الأرض والسماء ، جل وعلا ، فلا إشكال في إثباته ، فكان من جناس الاشتقاق بين العاملين في الآية : (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) ، كان منه جناس في لفظه ، وثم مشاكلة في أصل المعنى والدلالة لا في الماهية والوصف الأخص ، فنسيانهم ظلم ونسيانه ، جل وعلا ، لهم مكافأة لنسيانهم ، ذلك مما يمدح في مقابل ما يذم من نسيانهم مَا قد وَجَبَ من الشرع ، فكان نسيان الخبر أَنْ كَذَّبُوهُ أو أَجْرَوا عليه من التأويل ما بَلَغَ به حد التعطيل إذ صَرَفُوهُ عن المراد المتبادر ، مراد المتكلم ، وتصرفوا فيه بوجوه من التأويل تَبْعُدُ بلا قرينة تشهد ، وقد تَزِيدُ الجناية وَتَفْحُشُ ، فيكون تصرفهم إلى معان باطنة قد بلغت في البطلان غاية عظمى ، فذلك نسيان الخبر ، وثم نسيان الحكم أَنْ عُطِّلَ وَاسْتُبْدِلَ آخر بِهِ ، فكان من الشرع المحدَث ما نَاجَزَ الشرع المنزَل ، فَقُدِّمَ الأول وحقه التأخير بل والإهمال والترك إلا ما كان من مصالح يُشْرَعُ لها من التَّرَاتِيبِ ما يصح تجوزا أنه شَرْعٌ فهو اجتهاد يلحقه ، من هذا الوجه ، بالشرع المنزَّل ، وإن كان في الصورة محدثا ، فهو داخل في حد التنزيل إذ أمر بالاجتهاد والاعتبار وكان من أصوله ما استغرق المصالح والذرائع والأعراف ووجوها من الاستحسان تُشْرَعُ ، لا هوى وذوقا ، وإنما ترجيحا يلطف بين دلالتين فهو من الترجيح بين معنيين معتبرين في الخلاف فذلك من الخلاف السائغ المعتبر إذ له في الاستنباط حظ من النظر ، كما فصل أهل الأصول القول في دليل الاستحسان فلا يجاوز أن يكون بَابًا من أبواب الاجتهاد ، وإن لطيفا يخفى ، فيكون تفاوت العقول في حده أولا ، وفي اعتباره أو إهماله ثانيا ، وفي الترجيح بين طرفيه ثالثا .
فكان من نسيانهم ما تقدم ، وهو المعنى الذي يُذَمُّ فلا يحمد ، وهو ما يوجب تقديرا لمضاف قد دل عليه السياق على حد الاقتضاء فآل الكلام إلى : نسوا خبر الله ، جل وعلا ، وحكمه ، وذلك الجنس الأعم ، ونسوا وعيده ووعده ، فذلك معنى أخص في باب الأخبار ، ونسوا يوما يرجعون فيه إليه ، فَنَسوا الحشر والجزاء والحساب ..... إلخ ، وكلها من الغيوب التي لا تُنَالُ إلا من مشكاة الوحي المنزل ، فهي أخبار مخصوصة ، ونسوا في كل نازلة حكما مخصوصا قد دل عليه الوحي المنزل نصا أو إشارة تستغرق أجناس الاجتهاد جميعا بحملان الحادث على المنصوص ، أو إدراجه في باب أعم من المقاصد والمصالح بلا تفريط يُفْضِي إلى نَقْضِ الشَّرَائِعِ ، فذلك ، أيضا ، من النسيان الذي يَلْطُفُ مأخذُه فَثَمَّ من يَنْسَى الوحي وَيَتَذَرَّعُ لذلك بمقاصد الوحي الكلية ومصالحه المعتبرة ، وإن جازف فجاوز المعنى الصحيح المعتبر في الباب ، فاستنبط من عِلَلِ الحكومات ما به يبطل أصول الشرع ونصوصه ! ، فذلك من الغلو المذموم في باب القياس والمصلحة ، وإن عُذِرَ بَعْضٌ إِنْ كَانَ للاجتهاد أهلا وكان له من سابقة الفضل ما يشفع خلاف من ساء قصده بَادِيَ الرأيِ ، فَمَا رَامَ من ذلك إلا نَقْضَ الوحيِ وإن مَكَرَ فَتَلَطَّفَ في نِسْيَانِهِ فَلَمْ يَنْسَهُ نِسْيَانًا يَفْجَأُ الناظرَ فيبادر بالإنكار والتوبيخ ، وإنما تلطف في إلباس الباطل ثياب الحق لِيَرُوجَ ، وذلك من أعظم الذنوب ، إذ تعظم الجناية أَنْ تُهْدَرَ الديانةُ باسمِهَا ، وَأَنْ تُقَارَفَ الجناية بحكمها تأويلا يصرفه عن مراد الوحي .
فكل أولئك من نسيانهم المذموم ، فكان من المقابلة في الدلالة في قوله تعالى : (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) ، ولا تخلو من مشاكلة في لفظها وأصل المعنى دون ماهيته في الخارج ، فشتان نسيانهم فهو النقص والظلم ، ونسيان الله ، جل وعلا ، مكافأةً فهو الكمال والعدل ، فكان من ذلك نسيان يحمد ، وهو بمعنى الترك لا الجهل أَنْ تَرَكَهُم استدراجا وإملاء ثم أخذهم جلالا واستئصالا ، فذلك الأخذ الشديد من الرب الجليل المجيد تبارك وتعالى ، فـ : (كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ، فحصل الاشتراك معنى في أصل الدلالة وهي مادة النسيان ، وكان من الاختلاف في الماهية والقدر في الخارج ما يُوَاطِئُ كُلَّ موصوف ، فهو في حقِّ واحد : نَقْصٌ من نسيان الخلقِ الخالقَ ، جل وعلا ، وهو في حق آخر : كمالٌ من نسيانِ الخالقِ مَنْ ظلم وَنَسِيَ من الخلق ، فحصل التفاوت بالقيد ، قيد الموصوف بالنسيان ، فذلك ما أجراه ، من وجه ، مجرى الأضداد ، فهو في موضع كمال وفي آخر على ضد فهو النقص ، وقرينة السياق هي ما يُعَيِّنُ المراد ، وبها انتفى التناقض إذ الجهة قد انفكت بقيد الموصوف ، ولا يخلو الوصف من دلالة الفعل الذي يناط بالمشيئة فَحُدَّ ماضيا في قوله تعالى : (فَنَسِيَهُمْ) ، ولا يخلو من دلالة تعليل في الخارج فكان نسيانه ، جل وعلا ، لهم أن نسوه ، فَدَارَ الحكم مع العلة وجودا وعدما ، وهو مَا حَسُنَ معه العطف بالفاء إذ لا تخلو من معنى السببية والتعليل وإن لم تكن في هذا الموضع نصا فيه ، ولها من دلالة الفور والتعقيب ما يزيد في المعنى ، وذلك ما به يستأنس من يجوز دلالة العموم في لفظ مشترك ، فقد أفادت الفاء معان في سياق واحد ، وكلها مما يصح فَجَازَ الجمع بل قد حَسُنَ ، إذ أُثْرِيَ السياق بأكثر من معنى وكلها مما يتعاضد في بيان المراد ، فكان من الفاء سببية ، وكان منها فور وتعقيب ، فثم من نسيانه ، جل وعلا ، لهم مكافأة تعقب الفعل فورا وذلك آكد في الوعيد الذي احتمل دلالة إنشائية تَنْهَى عن نسيان الله ، جل وعلا ، فلا يسلم العبد إلا باستحضار مقام الجلال وهو ما يستلزم تصديق الأخبار وامتثال الأحكام فتلك ذكرى تنفع وبها العبد من وصف النسيان المذموم يسلم .
وكان من حدوث آحاده ، آحاد الفعل في "نَسِيَهُم" ، كان من حدوثِه مَا أُنِيطَ بالمشيئة ، وذلك أصل يطرد في وصف الفعل إذ نوعه قديم وآحاده حادثة بالمشيئة إذا وُجِدَ السبب ، ومنها ما يشاؤه الله ، جل وعلا ، ابتداء ، فَلَهُ المشيئة المطلقة جلالا ولا تخلو من جمال الحكمة في التقدير والرحمة في التدبير ، فَفِيهَا من الجمال ما يَلْطُفُ ، وإن كانت نَصًّا في الجلال يظهر ، فَثَمَّ من الكمال ما من اجتماعهما يحصل ، وذلك ما انفرد به الرب المهيمن ، جل وعلا ، فذلك نسيان قد استثني من عموم النسيان في قوله تعالى : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) ، فَيَتَوَجَّهُ القول أن ذلك من العام المخصوص بقوله تعالى : (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن العموم في قوله تعالى : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) ، عموم أريد به الخصوص ابتداء ، فخرج ما كان من النسيان في قوله تعالى : (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) ، فما كان ربك نسيا إذ يحصي الأقوال والأعمال وما يكون قَبْلَهُمَا في الجنان من العلم والنية والمحبة والبغض باعثي الإرادة وما يكون منهما من إرادة فعل أو أخرى بها الترك ، ولكنه يَنْسَى ، في المقابل ، نسي الإهمال والترك فذلك ما لا يقدح في عموم العلم وكمال الوصف ، فالتارك المهمِل يعلم حال من تَرَكَ وأهمل ، وهو ، من وجه آخر ، ما قد يسوغ القول إن العموم محفوظ إذ الجهة قد انفكت ، فلا تعارض ابتداء بين نسيان العلم والإحصاء المنفي في قوله تعالى : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) ، ونسيان الترك والإهمال في قوله تعالى : (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) .
والشاهد أن الأصل في الغيب أَنَّ علمه مما اخْتُصَّ به الرب ، جل وعلا ، فلا يطلع أحدا على شيء منه إلا آحادا بالإذن والمشيئة ، فذلك الاستثناء في قوله تعالى : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) ، وهو ما خالف عن الأصل فلا يقاس عليه ، لا جرم نفى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم قول الجارية : "وفينا نبيٌّ يعلَمُ ما في غدِ" ، وقال لها مقيدا : "دعي هذا وقُولي ما كُنْتِ تقولينَ" ، وكذلك الشأن في الملك الرقيب والعتيد وعندهما كتاب الإحصاء الذي أُسْنِدَ إليهما إِسْنَادَ الفعل فَهُمَا من بَاشَرَاه ، وأُسْنِدَ إلى الله ، جل وعلا ، على حد الإضافة فهو من ألهمهما الإحصاء وأمرهما بالكتاب ، فـ : (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، وذلك موضع جلال حسنت معه الإضافة إلى ضمير الجمع تعظيما ، ولا يخلو من دلالة التكثير بالنظر في آحاد الكتب فلكلِّ أحد كتاب يشهد ، والتكثير للمكتوبات من الصغائرِ قبل الكبائر ، فـ : (وُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) .
والجميع في كتاب واحد قد ضُمِّنَ ، وهي ، من وجه آخر ، مادة علم أول يحيط وثان قد سُطِرَ في لوح التقدير ، وهو ما يجعل الكتب ، من هذا الوجه ، وصفا أضيف إلى الموصوف ، فالكتاب من العلم ، والعلم من وصف الرب ، جل وعلا ، ولكلا الوجهين حظ من النظر فليس ثم ما يحول دون الجمع بين الوجهين في دلالة الإضافة في قوله تعالى : (هَذَا كِتَابُنَا) ، فنسبة مخلوق إلى خالق ، فتلك كتب الملائِك المحصِيَةِ ، ونسبة وصف إلى موصوف ، فالكتاب من علم الله ، جل وعلا ، إِنِ العلمَ الأول المحيط أو ثان له مصدِّق في لوح التقدير ، فكان من العموم في الآي ما استغرق ، فـ : (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ، فثم عموم قد استفيد من وجوه ، فكان تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل "يَلْفِظُ" ، فَأَفَادَ عموما أول قد استغرق آحاد الفعل في الخارج ، وثم ثان قد أُكِّدَ فتلك دلالة "مِنْ" تَنْصِيصًا على عموم قياسي قد استفيد من تسلط النفي على النكرة "قول" ، ودلالته مع ذلك الظن ، فكان من زيادة "مِنْ" قرينة تأويل صحيح قد ارْتَقَتْ به في الدلالة درجة فصار محفوظا قَطْعِيَّ الدلالة في بابه ، وهو ما استغرق القول نصا والعمل شطرا ثانيا قد دل عليه عموم المعنى وإن لم يذكر ، فناب المذكور عن المحذوف إذ بهما اكتمال القسمة في المعقول ، كما في قوله تعالى : (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ، على تأويل : تقيكم الحر والبرد ، فناب المذكور عن المقدَّر وبهما ، أيضا ، اكتمال القسمة في النظر المحقق ، فاستغرق الكتابُ : القول والعمل ، بل وكان ثم ما لطف من القصد والنية في مواضع مخصوصة يَسْطُرُ فِيهَا الملَك ما قام بالجنان من النية قبل القول أو العمل ، وثم من نَفَى ذلك عن الملَك فلا يعلم السر إلا الله ، جل وعلا ، فاقتصر الملك على كتب الظاهر ، وكان من علم الرب الخالق ، جل وعلا ، ما به اعتبار الأقوال والأعمال أو إهدارها تَبَعًا لما كان من النوايا والمقاصد التي انْفَرَد بعلمها رب الخلائق جل وعلا .
ولا يخلو السياق ، أيضا ، من دلالة إنشاء ، فإذ كان ثم رقيب وعتيد فاستحوا أن يُسَجِّلَا من القول والعمل ما يَقْبُحُ ، وَاجْتَهَدَا في توقيرهما وتوقير من أَمَرَهُمَا بِالرَّقْبِ والكتبِ .
وثم كتاب آخر عند رب البشر ، جل وعلا ، فمنه كتاب الرحمة : "لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي" ، فذلك من كتب التكوين النافذ ، وهو كتب الجمال والرحمة ، فكان من الكتب ماضيا قد انقضى في الأزل ، وثم من المكتوب ما حد مؤكدا مصدَّرا بالناسخ "إن" ، وثم من الطباق ما به المعنى استبان ، فهو طباق إيجاب بين الرحمة والغضب ، ولو بدلالة التلازم ، فالطباق التام هو الطباق بَيْنَ الرحمة والعذاب ، أو الرضى والغضب ، ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة إنشاء أَنِ : ارْجُوا الرحمةَ فلا تقنطوا ، وذلك من الرجاء الذي به الرَّغَبُ وهو مظنة الفعل لما به المرغوب من الرحمة يُنَالُ ، وذلك ما لا يكمل في الوصف إلا أن يُشْفَعَ بآخر فَاتَّقُوا مَا يُغْضِبُ الرَّبَّ ، جل وعلا ، فلا تغتروا بعفوه ، فذلك الرهب وهو مظنة الترك لِمَا به المرهوب من العذاب يَقَعُ .
وتصديقه في محكم التنزيل ، كتابُ الرحمة الربانية ، فـ : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ، فَثَمَّ كَتْبٌ به جِمَاعُ المعنى بما اكتتب واستجمع من المباني وبها حد المكتوب الْمُقَرَّرِ ، كما بِهَ قد قَضَى الرب المهيمن ، جل وعلا ، فكان من الحد ماضوية في "كَتَبَ" إذ تحكي ما تَقَدَّمَ زمانُه وانقضى ، من وجه ، ولا تخلو من دلالةِ تَوْكِيدٍ وَتَقْرِيرٍ فَقَدْ قُضِيَ الأمرُ وَانْتَهَى ، وذلك آكد في الوعد حالَ الجمال ، والوعيد حالَ الجلال ، ولا يخلو الإسناد في سياق الجمال رحمةً من حسن تلاؤم في المبنى إذ أسند الكتب إلى عنوان الربوبية الأعم في "رَبُّكُمْ" وهو ما اسْتَغْرَقَ بدلالة الإضافة إلى الضمير المجموع المخاطَب ، وهو ما يجاوز دلالة الوضع اللساني الأول ، فيجاوز في الدلالة الجماعةَ المخاطبةَ الأولى زَمَنَ التَّنَزُّلِ ، فَثَمَّ عموم قد جاوزها فاستغرق كل مخاطَب بالتكليف ، وذلك المعنى الجامع الذي يستغرق المحال جميعا ، حقيقة أو حكما ، فعلا أو قوة ، فَثَمَّ محال معدومة لَمَّا تُوجَدْ بَعْدُ ، فالتكليف قد أُنِيطَ بها قوة ، وأما تكليف الفعل فالشرط فيه الوجود في الخارج وذلك قدر زائد على الوجود العلمي في العدم ، فالمخلوق المكلف موجود في العلم الأول المحيط ، مكتوب في لوح لتقدير ، موجود بكلم التكوين ، فإذا كان في العدم فالتكليف يُنَاطُ بِهِ قُوَّةً ، فهو من أهل التكليف وإن لم يُكَلَّفْ ، فَثَمَّ من قوة المعنى ما صَحَّ إسناده إلى الذات ، ولو مُقَدَّرَةً لَمَّا تُوجَدْ بَعْدُ فَتُجَاوِزَ الوجودَ العلمي الأول إلى آخر بالعلم يكون ، فمنه علم التقدير ، ومنه علم الكلمة ، الكلمة الكونية النافذة ، وبها الكائنات تكون ، والمخلوقات تُخْلَقُ خَلْقًا ثَانِيًا في الشهادة فهو خَلْقُ الإيجاد ، فَيُصَدِّقُ الخلقَ الأول ، خلق التقدير في الغيب ، وذلك ما لا يكون إلا بالعلم ، وثم علم الإحاطة بالموجود بعد وجوده مصدِّقًا لعلم الغيب الأول ، فعلم الشهادة إيجادا وتدبيرا يصدق الأول ، فهو تأويله في الشهادة ، كما الرسالات ، وهي الكلمات الشرعية الحاكمة ، كما الرسالات فهي تَأْوِيلٌ لِمَا قضى الرب ، جل وعلا ، في الأزل ، من علوم النبوات ، فهي ، أيضا ، مما يدخل في حد العلم الأول المحيط ، وما سطر في لوح التقدير ، فالكتب والرسالات فيه قد سطرت فَكُتِبَتْ من جملة مكتوبات مجموعات كَتَبَهَا رب الأرض والسماوات ، جل وعلا ، فهي مما يدخل في عموم الكتب ، كما تقدم من قول الرب جل وعلا : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ، فالنظر في العامل ، عامل الكتب ، مقطوعا عن المعمول وهو المكتوب من الرحمة ، النظر فيه يجريه ، أيضا ، مجرى الجنس العام المستغرق ، جنس الكتب وله في اللسان دلالة أعم ، فالكتب جمع لمكتوبات تُكْتَتَبُ فَتَنْتَظِمُ في عقد جامع ، حسا أو معنى ، فكان كتب الكلمات ومنها الرحمات ، كان كتبها نظما لحروف وأصوات مخصوصة فَانْتِظَامُهَا في تَتَابُعٍ مخصوص يُنْتِجُ معان مخصوصة ، إن في المعجم أفرادا أو في السياق أخبارا أو أحكامها ، فتلك معانٍ مجموعة في جملٍ تُفِيدُ مَعَانٍ يحسنُ السكوت عليها فكان كتب الكلمات في الجمل بعد كتب الحروف في الكلمات ، فكان الكتب الذي دل على حقيقة الجمع ، فذلك المعنى المجرد ، ومنه اشتق الكتب المخصوص ، كتبٌ لأعيان في الخارج كما الجيش المقاتِل ، وكتب لَأَلْفَاظٍ وَمَعَانٍ في الذهن بها الفهم والفقه إذ يحصل بالجمع المخصوص على قانون في اللسان معهود ، يحصل به معنى صحيح مُفْهِمٌ يحسن السكوت عليه إذ أفاد المخاطَب مرادَ المتكلم ، فذلك حد الكلام المجزئ : لفظا ومعنى يجاوز دلالة اللفظ المفرد في المعجم إلى آخر يُضَمَّنُ سِيَاقًا مذكورا أو مُقَدَّرًا .
فكان من الكتب ، كما العلم ، جنس عام يستغرق ، فَكَتْبٌ معقول في الأذهان ، وآخر محسوس في الأعيان ، ولكلٍّ من السياق ما يُرَشِّحُ ، وَمَنَ القرائن ما يُرَجِّحُ ، وذلك أصل عام يستغرق الأجناس المعنوية كافة فلا يجزئ إثباتها في الذهن مجردة ، لا يجزئ في حصول دلالة مفهمِة في باب التَّفْكِيرِ أو التكليف ، فلا بد من سِيَاقٍ تَامٍّ يَتَدَبَّرُهُ الناظرُ وفيه يَتَفَكَّرُ طَلَبًا لِنَتِيجَةٍ في التصور أو الحكم تَنْفَعُ ، فالكلام لا يجاوز أن يكون أخبارا بها التصور يحصل أو أحكاما بها التكليف يَتَوَجَّهُ ، تكليفُ العملِ فهو الدليل المصدِّق لِمَا وَرَدَ من الأمر فِعْلًا أو النهي تَرْكًا ، وهما القسيمان في جنس العمل ، فتحته الفعل وَالتَّرْكُ ، والنطق والصمت ، والجميع عن الإرادة يَصْدُرُ ، فَثَمَّ إرادةُ الإيجابِ فِعْلًا في باب العمل وَنُطْقًا في باب القول ، فَقَبْلَهُمَا فِعْلُ الباطنِ ، فعلُ الإرادة ، وإرادَةُ الإيجابِ والطلب لا تكون إلا عن محبة تَتَقَدَّمُ ، والمحبة لا تكون إلا عن اعتقاد أول وبه تصورُ المحبوب المرغوب يَثْبُتُ سواء أكان صحيحا في نفس الأمر أم كان ثَمَّ شهوةٌ أو شبهةٌ أو مجموعٌ منهما يَتَرَكَّبُ فَهُوَ لِقُوَّةِ التصورِ والإرادةِ يَفْسَدُ فَتُرَجِّحُ المرجوحَ بلا قرينة تُعْتَبَرُ ، فَلَيْسَ إلا الشهوة والشبهة فَهُمَا يَغُرَّانِ الناظر فلا يُحْسِنُ يُرِيدُ وَيَخْتَارُ مَا يَنْفَعُ ، كَمَنْ دُسَّ له السم في طعام يشتهيه ، فشهوة الأكل ولذة الطعم تُذْهِلُهُ عَمَّا يضر ، ولو عِلْمَ العاقبة علما صحيحا يجاوز حد التصور المجرد فيكون من العلم ما به إرادة الكف تحصل ، فَيَكُفُّ يَدَهُ وَيُلْجِمُ نَفْسَه وإن اشتهت ، فثم من فساد التصور ما استوجب زجرها لتكف ، فلا تقارف ما يضر .

فكان من كتب الكلمات الكونية النافذة ، كلمات الرحمة في سياق الجمال ، فـ : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ، وكلمات النصرة في سياق الجلال ، فـ : (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ، فَحَسُنَ في الأول وهو مَنَاطُ رعايةٍ وعنايةٍ ، حَسُنَ فيه الإسناد إلى عنوان الربوبية ، وإن كان منها في الخارج جلال ، إلا أن معنى الجمال فيها يَتَبَادَرُ لا سيما وثم من القرينة سياق شاهد ، فَأُسْنِدَ الكتب إلى عنوان الربوبية الجامعة ، وذلك ، أيضا ، أي الإسناد إلى الاسم العام المستغرق ، ذلك ، أيضا ، مما يحسن في سياق النعمة السابغة رحمةً جامعة ، فالكتب في الآية إِنْ قُطِعَ عن المعمول وهو الرحمة ، فذلك الجنس الأعم الذي يعلو فلا عموم يجاوزه ، جنسُ الكتبِ ، وهو ، كما تَقَدَّمَ ، على أنحاء ، فَكَتْبُ تكوينٍ نَافِذٍ ، ومنه جلال وجمال ، وَكَتْبُ تشريعٍ حاكم ، ومنه خبر وحكم ، ومن الحكم أمر ونهي ، عزيمةُ جلالٍ ورخصةُ جمالٍ ، فلا ينفك الجمال والجلال فيه يظهر ، وبهما الكمال المطلق يَثْبُتُ ، فهو عنوان جامع للجلال والجمال معا ، فذكر الرحمة في هذا السياق يجري مجرى المثال لعام ، وهو جنسُ الْكَتْبِ المجرَّد ، فلا يُخَصِّصُ المثال العمومَ الذي يستغرقه وإنما أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِيُبَيِّنَهُ لَا لِيَحُدَّهُ الحدَّ الجامع المانع فذلك ما يجاوز المثال المذكور رحمةً قد حدت هي الأخرى حد البيان لجنس المدخول ، مدخول "أل" ، فَثَمَّ عموم آخر جامع ، إذ الرحمة منها رحمة في التكوين ، وأخرى في التشريع ، فكان من الرسالة عنوان رحمة دينية جامعة ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، فذلك كتب الجمال ، كونا أو شرعا ، وثم آخر في الجلال ، ومنه النصرة والغلبة ، فـ : (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ، فلا يخلو الكتب في هذا السياق من دلالة الْقَسَمِ ، فَهُوَ ، من هذا الوجه ، خَبَرٌ أُرِيدُ بِهِ إِنْشَاءُ القسمِ أَنْ : والله لأغلبن أنا وَرُسُلِي ، وثم من ذكر الضمير المظهر بعد آخر مُسْتَتِرٍ له التقدير نفسه ، فتقديره "أَنَا" وهو ما اسْتَكَنَّ في العامل "أَغْلِبَنَّ" ، فالألف التي صدر بها دليل على الضمير المستتر إيجابا في العامل المضارع ، فهي مئنة تكلم في صورة المفرد ، وما يواطئها من الضمير المظهَر هو ضمير المتكلم المفرَد "أَنَا" ، وَثَمَّ من إظهاره ما استوجبه قانون اللسان استصلاحا لِلَّفْظِ إِذِ امْتَنَعَ العطف على الضمير المستتر المرفوع ، امتنع بلا فاصل من لفظ ، فكان الفصل بإظهاره مذكورا يدل على المستتر ، وبه الفصل كائن ولا يخلو مع ذلك من دلالة في المعنى توكيدا بالإطناب تكرارا ، مُظْهَرًا بعد المستتر إيجابا .

فَثَمَّ ، كما تقدم ، خَبَرٌ أُرِيدُ بِهِ إِنْشَاءُ القسمِ أَنْ : والله لأغلبن أنا وَرُسُلِي فَثَمَّ من القرينة ما تأخر إذ لام الجواب المتأخرة في "لَأَغْلِبَنَّ" دليل على القسم المقدَّر صدرَ الكلام ، فجرى السياق خلاف المشهور من دلالة المذكور المتقَدِّم على المحذوف المتأخر لا عكسه ، وإن جاز فهو الأقل ، وثم من التوكيد بالنون المثقلة ما زِيدَ ختام العامل المضارع "أَغْلِبَنَّ" ، وتلك قرينة أخرى تُرَشِّحُ دلالة القسم ، سواء أكان محذوفا أم استعير له الخبر صدر الآية كتاب تكوين نافذ ، وذلك موضع يرجح فيه الجلال وإن احتمل الجمال فلا يخلو من رحمة بالمرسلين ، عليهم السلام ، ومن تَبِعَهُمْ ، فالوعد يستغرقهم إذ الحكم قد أُنِيطَ بعنوان الرسالة في قوله تعالى : (وَرُسُلِي) ، فَمَنْ صَدَّقَ وَامْتَثَلَ فقد استوفى شرط النصرة ، وإن لم يكن من الرسل خاصة ، فهو من أتباعهم عامة ، فذلك عموم معنى يستغرق كل مصدِّق ممتثِل ، فكان من رجحان الجلال آنف الذكر ، ما حسن معه إيراد العنوان الأعظم ، عنوان الله ، فتلك ألوهية لا تخلو ، أيضا ، من دلالة تكليف بالتأله بما جاءت به الرسل ، عليهم السلام ، من الخبر والحكم ، فذلك سبب في حصول الوعد المؤكد ، فذلك من كتب التكوين ، والجلال فيه يغلب ، وذلك ما حَسُنَ معه الختام بأوصاف جلال تُوَاطِئُ على حَدِّ التوكيد بالناسخ "إِنَّ" ، ولا تخلو من دلالة التعليل جوابا عن سؤال قد دل عليه السياق ابتداء ، فما علة الوعيد المتقدم ؟ ، فكان الجواب : لأن الله قوي عزيز فَكَانَ التعليل والتوكيد بالناسخ "إِنَّ" ، ولم يخل السياق من توكيد تال بالاسمية مئنةَ ثبوتٍ وديمومة في الوصف ، وثم من الإظهار في موضع الإضمار زيادةُ معنى بها الجلال يثبت ، فتقدير الكلام : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إني قوي عزيز ، فَالْتَفَتَ من المضمر إلى المظهر حكاية جلال تَزِيدُ في المعنى ، وثم من الإطناب ما زاد ، فالقوة والعزة وصفان قد تَتَابَعَا على حد الإطناب في الإخبار ، وهما مما واطأ ما تَقَدَّمَ من النصرة والغلبة ، ولا يخلو ذكرهما ، وهما خبران ، من دلالة إنشاء فوصف الجلال يدل على معنى يُرْهِبُ ولازمه النهي عَمَّا المرهوبُ به يُسْتَجْلَبُ .

فكل أولئك مما فيه الجلال يغلب وإن كان للجمال فيه مدخل ، وثم ، كما تقدم ، ما مُحِّضَ فيه عنوان الرحمة نَصًّا من الْكَتْبِ كَوْنًا ، فـ : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ، فَأُطْلِقَ الْكَتْبُ في الذهن جمعا منه المحسوس ومنه المعقول ، وكان من المعقول كَتْبُ الجملِ ، ومنها الخبرية وأخرى إنشائية ، وَمِنْهَا الدينية وأخرى كونية ، فكان من الكونية مثالا ما تَقَدَّمَ ، وكان من الشرعية كَتْبُ الصيام في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) ، فذلك الفرض الواجب ، ومن أماراته ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، من أماراته الْكَتْبُ ، وهو مظنة الإلزام والحتم ، فذلك نداء بعيد به استحضار الأذهان ، ولا يخلو من دلالة تعليل إذ أنيط حكم الكتبِ الديني بعنوان الإيمان ، إناطة التعليل ، على قول ، وإناطة الشرط ، على آخر ، الشرط المصحِّحِ ، لا الشرط الموجِب ، فثم معنى أعم من الإيمان بالفعل ، ثم معنى أعم منه يناط به التكليف وهو إيمان القوة ، وتلك ، كما تَقَدَّمَ في مواضع ، مادة تصدق في كل محل يعقل ، أن يقبل آثار التكليف ، فَثَمَّ شرطُ صِحَّةٍ أول في كل تكليف ملزِم ، وهو الإيمان ، وذلك ما ينصرف إلى المطلق الأول ، أدنى ما يصح فيه لقب إيمان يجزئ من الاعتقاد والقول وأدنى ما يصدق فيه معنى العمل دون تَرْكٍ لِمَا اشترط في السلامة من الناقض أو مُقَارَفَة لما فعله في نفسه ناقض وإن لم يعتقِد الحل والإباحة في نفس الأمر .
ولا يخلو نداء القبيل المؤمن من تقريع لآخر لم يؤمن ، فخطاب التكليف مما به العاقل يَشْرُفُ ، فهو أمر ونهي يُصَحِّحُ القوة العلمية والعملية ، وذلك وصف الكمال الذي يروم كل عاقل ، فالإيمان بآلائه التكوينية : النفسانية والآفاقية ، وهي محل التدبر والنظر ، الإيمان بهذه الآلاء ، لا يكون صحيحا يجزئ إلا في محل يعقل ، والعقل مناط مدح ، فذلك معلوم ضروري لا يماري فيه إلا جاحد أو مسفسط ، فالإيمان ، وإن صح تقليدا ، إلا أن اجتهاد العقل في فقه حُجَجِهِ وأحكامه مرتبةٌ أعلى يَرُومُهَا كُلُّ شريفٍ يجتهد فهو يأنف التقليد وينزع إلى النظر المحقق ، وتلك عزيمة لا ينالها إلا ذو عزم ، فَثَمَّ إيمان المجتهد الأعلى وإيمان المقلد الأدنى ، وبينهما إيمان المتبع الذي يحسن يفتش في الأدلة تصحيحا وتضعيفا ، ويحسن يحرر المعاني وهي مدلولات الألفاظ الشرعية التي ينتظمها سياق محكم يزيد في دلالة الألفاظ حال التَّرْكِيبِ ما لا يحصل حال الإفراد ، فالكلمة منها ما اطرد في خطاب المتقدمين ، وهي العبارة الكاملة المفهِمة معنى يحسن السكوت عليه ، وذلك قدر يزيد على آخر يجوز السكوت عليه أو يجزئ في حصول معنى ، أي معنى ، ولو مطلق المعنى الأول ، فَثَمَّ معنى يحسن السكوت عليه وهو مراد المتكلم فإن بَلَغَ المخاطَب بِأَبْلَغَ عبارة فتلك الكلمة المثلى ، إيجازا في موضع الإيجاز ، وإطنابا في موضع الإطناب ، فالبيان جنس عام تحته أَنْوَاع ، فَثَمَّ بَيَانُ الكلمة ، وثم بيان السكوت ، وثم بيان الإشارة ، وثم بَيَانُ الجسد ، فحركاته تحكي مَعَانٍ تقوم به ، فرحا أو حزنا ، رضى أو سخطا ، وتلك معان تقوم بالنفس قد يعجز لسان البيان الظاهر أَنْ يَحْكِيَهَا ، وقد يجد في ذلك كُلْفَةً فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّوَارِفِ رَاحَ يَحُدُّ مِنَ العبارةِ ما يَحْكِي المعنى ، فذلك يضاهي ، من وجه ، تكلف الشاعر الذي يَنْظُرُ فِي شِعْرِهِ مَرَّةً بَعْدَ أخرَى ، خلاف المطبوعِ الذي يهجم عليه المعنى فيبادره بمبنى يكافئ ، فلا يُبْطِئُ عنه بَيَانُه ، فَاخْتَلَفَ كُلٌّ في بَيَانِهِ ، وبذلك حصل القدر الفارق بين الكلام ، وكان من فِقْهِ الناظر المحقق أن يفقه الأدلة الدينية فيحرر المباني والمعاني وينظر في الحجج والبراهين فيحصل له من الإيمان ما يجاوز حد التقليد ، فَثَمَّ التحقيق ، وذلك إيمان يزيد ، فالإيمان على درجات تَتْرَى إذ يزيد بالفكرة ويقل بالغفلة ، فيزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، فكل أولئك مما يدخل في حد الإيمان الذي أطلق عامله في الصلة "آمَنُوا" ، وثم ، كما تقدم ، عموم أعم ، فَثَمَّ إيمان القوة الذي أُنِيطُ به التكليف ، فَكَتْبُ التشريع إليها يَتَوَجَّهُ ، وإن كان ثم شرط صحة أول ، إذ تَوَجَّهَ كتب التوحيد فهو أول واجب على العبيد ، لا جرم كان تصدير الكلام بعنوان الإيمان ، فهو الأول ، وبعده التكليف بِالْكَتْبِ المنزل ، كَتْبِ الصيام ، وذلك ما قد حُذِفَ فاعله في "كُتِبَ" إذ قد عُلِمَ ، بداهة ، فمن يكتب الشرع هو الإله الحاكم ، جل وعلا ، فكان من الإيجاز حذفا ما اطرد في لسان التنزيل ، ولا يخلو عنوان الإيمان الذي اشتقت منه الصلة ، لا يخلو وقد أسند إلى واو الجمع المذكر ، لا يخلو من دلالة التغليب لقرينة العموم في خطاب التكليف ، فذلك عموم لا أعم منه ، وذكر الجمع المذكر ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، وكذلك كتب الشريعة فهو عام لا أعم منه ، فذكر الصيام ، من هذا الوجه ، يجري ، أيضا ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فَكُتِبَ عليكم التشريع عموما ، وَكُتِبَ عليكم الصيام خصوصا ، فَجُمِعَ تكليفُ الصيامِ في العلم الأول المحيط ، وكان منه كَتْبٌ آخر في لوح التقدير ، وثالث في كتاب التشريع ، فَتَنَزَّلَ الوحي نجوما خبرية وأخرى إنشائية ، ومنها إيجاب الصيام في الْكَتْبِ محل الشاهد ، فالسياق خبري والدلالة إنشائية ، وذلك ما جاء الأمر به إنشاء صريحا أن : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ" ، فكان من حَدِّ الأمر قِيَاسًا في لسانِ العرب ، وكان من العموم في الإسناد ما يضاهي آخر في الخطاب في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، فواو الجمع المذكر في "صُومُوا" تكافئ ضمير المخاطب المذكر في "عليكم" في قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) ، وقد رَفَدَتْهُ الميم دلالة الجمع ، وكلاهما ، أيضا ، يَجْرِي مَجْرَى التغليب ، فتدخل فيه الإناث بقرينة العموم في خِطَابِ التكليف ، على تقدير : صُومُوا وَصُمْنَ ، وَكُتِبَ عليكم الصيام وَكُتِبَ عليكن ، فذلك كتب التشريع الذي حُدَّ خبرا ودلالته إنشاء ورد في موضع آخر من الوحي ، وكذا يقال في خبر ثانٍ أوجب السعي : "اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ" ، فَثَمَّ من الأمر ، أيضا ، ما حُدَّ قياسا في لسان الوحي ، وإسناده إلى ضمير الجمع المذكر يجري ، أيضا ، مجرى التغليب ، فَأُطْلِقَ الأمرُ وكان البيان بِقَيْدٍ يُفَسِّرُ من فعل النَّبِيِّ المشرِّع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكان الْبَيَانُ بالفعلِ ، وهو ما استوى فيه الرجل والمرأة إلا في موضع مخصوص يُشْرَعُ فيه الرمل فلا ترمل النساء خشية التكشف ، فكان الأمر المصرَّح وبعده العطف المنجَّز ، فالفاء في "فَإِنَّ" في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ" ، الفاء مَئِنَّةٌ من فَوْرٍ وَتَعْقِيبٍ ، من وجه ، ولا تخلو من تَعْلِيلٍ ، وإن لم يكن على حد النص والتصريح ، فاجتمع فِيهَا من الدلالات ما تعاضد ، فكلها يُثْرِي السياق بمعان صحيحة ، ودخولها على الناسخ "إِنَّ" قد أكسبه ، أيضا ، دلالة تعليل ، فجوار الفاء ، وإن لم تكن في التعليل نصا ، جوارها قد أكسب المجاوِر دلالة التعليل ، أو هي مما استفيد بالجمع ما لم يُسْتَفَدْ بالفرقِ ، فاجتماع الفاء والناسخ قد أَفْرَزَ الدلالة المركبة ، دلالة التعليل ، فَانْضَافَ إلى التوكيدِ التعليلُ ، وذلك ما يجري مجرى التأويل فإن القرينة وهي دخول الفاء قد صرفت الناسخ عن دلالة التوكيد المفردة إلى أخرى مركبة من التوكيد والتعليل جميعا .
ولا يخلو السياق ، من وجه آخر ، أن يجري مجرى الإيجاز إذ قد حُذِفَ سؤالٌ قد دَلَّ عليه السياق اقتضاء ، فهو مما يَتَدَاعَى إلى الذهن بعد الأمر ، فَيَطْلُبُ الْعِلَّةَ ، عِلَّةَ التَّكْلِيفِ ، فَحُذِفَ السؤال إذ ثم دليل الاقتضاء آنفُ الذكر ، فذلك إيجاز الحذف ، فما العلة ؟! ، فكان الجواب : لأن الله كتب عليكم السعي ، وثم من دلالات التوكيد القياسي ما تَعَاضَدَ وَكُلُّهَا يصب في قناة واحدة مع اختلاف روافدها ، فَثَمَّ رافد الاسمية مئنة من الديمومة والثبوت ، وثم الإطناب في الخبر أَنْ حُدَّ حَدَّ الجملة ، وهي ماضوية تحكي وجوها من الدلالة ، فَثَمَّ توكيد آخر إذ قد انْقَضَى الأمر فصار حتما يلزم ، وثم دلالةُ كَتْبٍ مَاضٍ قد تَعَدَّدَتْ محالُّه ، كما تقدم في مواضع ، فَكَتْبٌ فِي العلم الأول المحيط ، وَثَانٍ في لوح التقدير فاسمه عام يستغرق التكوين والتشريع جميعا ، وَثَمَّ كَتْبٌ في الوحي المنزل ، فكتب في الشريعة لحكومات بها التكليف يَلْزَمُ ، وَثَمَّ كلماتُ الخبر الصادق ، والتكليفُ بها : تَصْدِيقٌ ، وثم كلمات الحكم العادل والتكليف بها : امْتِثَالٌ ، وبهما يستوفي المكلف حد التكليف الملزِم ، فَالسَّعْيُ وَاحِدٌ من آحاد الحكومات الدينية المشروعة ، وذكره ، في هذا الموضع ، أيضا ، يجري مجرى الخاص الذي يُضْرَبُ مثالا ، فَإِنَّ قَطْعَ العاملِ ، عامل الكتب ، عن المعمول ، فِعْلِ السَّعْيِ المكتوب ، ذلك مما يجري مجرى العموم الذي يستغرق كل مكتوب ، ومن ثم كان القيد بالمثال لا على حد القصر ، فليس عليه السياق يدل ، إذ ليس ثم قصر أو تخصيص ، فلم يقل : إن الله لم يكتب عليكم إلا السعي ، وإنما كتبه وغيره في جملة مكتوبات تَلْزَمُ ، وثم جناس اشتقاق بين العامل "اسْعُوا " والمصدر "السَّعْيَ" ، على الخلاف في أصل المشتقات ، فَثَمَّ المصدر المجرد من أي دلالة تزيد ، فكان به الختام والتذييل في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ" ، ومنه اشتق العامل الآمر ، عامل "اسْعوا" ، وثم كتب آخر أعم فذلك كتب ركن من أركان الحج ، والحج عبادة ذات ماهية مركبة من أركان وواجبات ..... إلخ ، فَثَمَّ أمر بالعبادة الأعم وهي كُلٌّ ذو أجزاء بها تحصل الحقيقة والماهية ، فكان الأمر بِكُلٍّ وهو الحج : "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ" ، فهو أَمْرٌ بِأَجْزَائِهِ ، ولا عكس ، والعهدة في الكتبِ تَبْرَأُ بواحد من آحاد المكتوب فَمَنْ حَجَّ مَرَّةً فَقَدْ سَقَطَ الفرضُ ، وهو ما دَلَّ عليه السياق وَبِهِ اسْتَأْنَسَ مَنْ قَالَ إن الأصل في الأمر عَدَمُ التكرار ، فمن أتى بالمأمور مرة فقد بَرِئَتِ الذمة ، إلا أن يكون ثم دليل تكرار كتعليق الأمر على شرط إيجاب أو وقت .... إلخ من قرائن التكرار ، وثم من الدلالات اللسانية الأعم ما استعير لأخرى اصطلاحية أخص ، فالصيام مئنة من الإمساك المطلق فاستعير لآخر قد خص بماهية وزمان ، وله أركان وأسباب ، وله مباحات ومبطِلات ..... إلخ ، والحج ، أيضا ، مئنة من القصد المطلق ، فَخُصَّ في الاصطلاح بِقَصْدٍ مخصوص إلى مكان مخصوص بِنِيَّةٍ مخصوصة في زمن مخصوص بماهية مخصوصة ذات أجزاء منها الفرض كالسعي ، ومنها الواجب كالمبيت بمنى ، ومنها المندوب ، ومنها المباح ، ومنها المحظور الذي يجزئ في رَفْعِهِ الهدي ، هدي الكفارة أو الجبران لِمَا فات من الحقيقة ، ومنه آخر لا يجزئ الهدي في جبره ، فيجب الحج من قابل ، على تفصيل في كتب الفروع ، فكل أولئك من الماهيات الدينية المخصوصة التي حُدَّتْ من أُخْرَى لسانية مطلقة بما انضاف إليها من قيد الاصطلاح الأخص ، قَيْدِ التشريع الذي زَادَ في الحقيقة اللِّسَانِيَّةِ أَجْزَاءً وَأَرْكَانًا .... إلخ ، وهو ما اطرد في كل عنوان شرعي فلا يَنْفَكُّ ، بادي الرأي ، يُسْتَعَارُ من معجم الحقائق المطلقة ، فَيُسْتَفَادُ من دلالته اللسانية المجردة ، إِذْ ثَمَّ نسبة ، ولو في الأصل المطلق ، فالحج قصد وزيادة ، وتلك معان في المعجم تَثْبُتُ لعنوان الحج المطلق ، ومن ثم كان القيد زيادة بها امتاز العنوان الشرعي المقيَّد ، وَقُلْ مثله في الصيام وسائر الأنساك والشعائر .

وكذلك الكتب فهو ، كما تقدم ، في مواضع مئنة من الجمع المطلق ، وهو ما استغرق جمع الأعيان في الخارج على صُفُوفٍ وَكَتَائِبَ .... إلخ ، وجمع المعاني والألفاظ في جمل وعبارات مُؤْتَلِفَةٍ تفيد بالسياق المركب ما لا تفيد بقرينة المعجم المفرَد ، وكذلك الشأن في مواضع أخرى من الكتب الشرعي الملزم ، سواء أكان من المنسوخ أم من المحكم ، كما في قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) ، فكان من الكتب لشعيرة القتال ، وهو مما احتمل بالنظر في حال المخاطَب ، على القول بالنسإ وهو أعدل الأقوال في الباب ، فلا يتوجه القول بالنسخ إلا على اصطلاح من تَقَدَّمَ ، فالنسخ في كلامهم يَعُمُّ كلَّ زيادةٍ سواء أَرَفَعَتِ المتقدِّم أم لم تَرْفَعْ ، فكان من الكتب ما احتمل في هذا السياق ، فقد يكون ثم مانع يوجب الرجوع إلى الحال الأولى وهي التحريم كما في قوله تعالى : (كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) لَا أن الفعل في نفسه يَقْبُحُ ، بل هو من أشرف الأعمال وبه الدليل على كمال الإيمان شهادة تُصَدِّقُ فِيهَا الدماء الدعاوى فلا أصدق من شهادتها ولا أحكم من إِنْبَائِهَا ، وإنما يعرض المانع في أحوال فيجري مجرى التراجح في باب المصالح عدلا لا إفراط فيه ولا تفريطَ يُسَوِّغُ القعودَ والكسلَ ، بل ذلك من ضرورة تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، فثم تحريم حال الضعف خشيةَ استباحة البيضة واستئصال الشأفة ، وثم إباحة بالإذن : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ، وثم دفع يناجز ، فـ : (قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) .
فكان من كتب الشَّرْعِ ما حُذِفَ فَاعِلُهُ للعلم به ، بداهة ، في قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) ، وكان من ضمير المخاطَب المجموع في "عَلَيْكُمْ" ما استغرق الجمع المخاطب فذلك عموم أول بالنظر في خطاب المواجهة الأول ، وثم عموم ثان بالنظر في عموم أعم يستغرق كل محل صح تكليفه فخطاب التكليف أعم في الدلالة وهو ما يجاوز إلى كل محل ، ويجاوز ، من وجه آخر ، إلى كل حَالٍ من الأحوال ، الإذن ثم الدفع لمن يعتدي دون بدءٍ في قتال ، فكان الإذن الشرعي المبيح في قوله تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ، وهو ، أيضا ، مما حذف عامله للعلم به ، بداهة ، فَاْلَكَاتِبُ والآذِنُ الشرعِيُّ هو الله الحاكم ، جل وعلا ، فيحكم بِكَلِمِ التشريع الملزِم ، وثم إباحة بعد الحظر ، فكان الإذن إباحة بلا أمر يوجب ، والعموم ، أبدا ، كائن في خطابات التشريع ، فَثَمَّ الوصل المجموع الذي وضع أولا لجماعة الذكور "الَّذِينَ" لا على حد الجمع وإن كان ثم شبه به ، فذلك مما جعل بعضا يحمل "الذين" على الجمع من باب القياس شَبَهًا ، فلما تشابهت المباني كان من الإعراب حكم يَتَمَاثَلُ ، فقال بَعْضٌ بِتَصَرُّفِ الموصول المجموع على حد الجمع المذكر السالم ، ومنه القول المشهور السائر :
نحن الَّذُون صبحوا الصباحا ******* يوم النخيل غارة ملحاحا .
فأعرب الموصول المجموع رفعا على الخبرية وجعل علامة رفعه الواو في هذا الموضع إلحاقًا بالجمع السالم المذكَّرِ .

وثم من الصلة ما أبان عن العلة ، فالإذن لمن قُوتِلَ ظُلْمًا فَأُذِنَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ دَفْعًا ، وكان من الظلم ما حُدَّ حَدَّ السبب ، فالباء نص في الباب ، فكان الإذن في القتال إذا كان الظلم ، فَأُذِنَ لهم : (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) ، على تأويل : لأنهم ظلموا ، وثم من الختام ما يجري مجرى الإطناب إمعانا في الحض ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ، فَثَمَّ من الله ، جل وعلا ، وعدُ النصر ، ولا يخلو السياق ، من وجه يَلْطُفُ ، أن يجري مجرى الإطناب المعلِّل ، فثم من العلة أن ثَمَّ نَصِيرًا قديرا هو : الله ، جل وعلا ، فَضُمِّنَتْ "إِنَّ" دلالة تعليل تزيد على دلالة التوكيد وهي الوضع الأول ، فكان من الدلالة ما يجري مجرى المشترك في لفظه ، فصار ، كما تقدم مرارا ، شاهدا به يستأنس من يجوِّز دلالة العموم في اللفظ المشترك ، وثم من التوكيد : اسميةُ الجملةِ ، ولا يخلو السياق من وجه في الدلالة يزيد وهو تقديم ما حقه التأخير من الظرف "عَلَى نَصْرِهِم" ، وذلك معنى النصرة الأخص إذ يُوَاطِئُ السياق ، فالله ، جل وعلا ، على كل شيء قدير فذلك العموم المستغرق الذي أُنِيطَ به كل مُمْكِنٍ ، وَقَعَ أو لَمْ يَقَعْ ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فكان من القيد في هذا السياق ما يواطئ القتال في الدلالة ، فَثَمَّ خاص في هذا الموضع يدخل في العموم المستغرق ، فتلك دلالة "كُلِّ" في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فيجري ، من وجه ، مجرى المثال لعام قد استغرق فلا يخصص العموم ، فلا تعارض بين الدلالتين ، سواء أقيل بالتمثيل وهو الحق في هذا الموضع أم بالتخصيص وذلك ما لا يصح إذ قصر القدرة على النصرة دون سائر أفعال الحكمة والعزة ، ذلك نقص في الوصف قد تَنَزَّهَ عنه الرب ، جل وعلا ، بداهة ، فلا يقال هنا بالتعارض إذ لا تعارض بين عام وخاص ، ولا يقال بالتخصيص فالسياق غير حاصر فلم يقل : إن الله ، جل وعلا ، لا يقدر على شيء إلا نصرتهم ، وإنما قُدِّمَ ما حقه التأخير في هذا الموضع قَصْرَ وصفٍ على موصوف فلا ناصر لهم إلا الله ، لا قصر موصوف على وصف على تأويل : ليس وصفه إلا النصر ، فذلك معنى قد انْتَفَى ضرورة ، بل وصفه يَعُمُّ فَيَسْتَغْرِقُ الجمال والجلال جميعا وبهما الكمال المطلق الذي يثبت للرب الأعز الأكرم ، جل وعلا ، وثم من الزيادة ، أيضا ، لام ابتداء زيدت في مَبْدَإِ الكلام ، فَلَمَّا ضاق المحل فلم يَتَّسِعْ كان تقديم الأقوى وهو الناسخ "إِنَّ" ، فهو أقوى في المبنى إذ حروفه أكثر ، وهو أقوى في جرس السمع إذ ثم من التضعيف ما شُدِّدَ حرفُه ، فضلا أنه سبب في العمل إذ أَشْبَهَ الفعل فحروفه قد زادت فجاوزت الاثنين ، فَقَارَبَ الفعلَ في المبنى فكان ثَمَّ مقاربة أخرى في المعنى عملا في الاسم والخبر ، نصبا للأول ورفعا للثاني ، وذلك وجه تقديم آخر ، فَقُدِّمَ الناسخ على اللام ، إذ الناسخ أكثر حَرْفًا ، فَقُدِّمَ على الأقل ، وأوقع جرسا فقدم على الخفيف فلا تشديد ولا تضعيف في اللام فهي في المبنى والنطق حرف واحد ، وَقُدِّمَ العامل وهو الناسخ على اللام فليست بعاملة فزيادتها تفيد مبنى ولا تغير حركة ولا سكنا ، فليست بعاملة في المدخول ، فكل أولئك من وجوه ترجيح استوجبت تقديم الناسخ فحقه التقديم ، وتأخير اللام ، وإن كان محلها الأول الابتداء ، ومنه اكتسبت لقبها فهي لام ابتداء حقها التقديم من هذا الوجه ، وذلك إنما يصح إذا كان المحل شاغرا فلما اشتغل بالناسخ أولا ضَاقَ المحلُّ فلم يَتَّسِعْ لاثنين من نفس الجنس والعمل ، فَأُخِّرَتْ لام الابتداء اضطرارا فالاختيار أَنْ تُقَدَّمَ لو لم يكن ثم ناسخ يشغل الصدارة ، فلو لم يكن لَآلَ الكلام إلى : لَلَّهُ على نصرهم قدير ، فَلَمَّا دَخَلَ الناسخ أَزَاحَ اللام فهو الأقوى ، واحتل المكان بعد أن شغر فَأُخِّرَتِ اللام اضطرارا وألحقت بالخبر في "لَقَدِيرٌ" ، فالقوي يحكم في الضعيف وله يزيح إذا ضاق المحل فلم يَتَّسِعْ ، فتلك سنة تدافع بين الأشياء تعم الألفاظ كما الأعيان في الخارج ، وذلك ، من وجه ، ما يدخل في عموم السنن المحكم في قول الرب المهيمن جل وعلا : (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) ، فذلك العموم الذي استغرق المدافعة حسا ومعنى ، فثم مدافعة بالحجة والبرهان جدالا ، وثم أخرى بالسيف والسنان جلادا ، وثم ، مدافعة ألطف بين الكلمات وحروف المعجم ، فالأقوى يزيح الأضعف إلا إذا تَقَوَّى الأضعف بعاضد فصار أقوى فَرَجَحَ وهو المرجوح ابتداء ، فقد يعرض للمرجوح الأضعف ما يجعله راجحا أقوى ، وإلا فالقياس تقديم الأقوى فهو بالمحل أليق ولأجله يتراجع الأضعف درجة ، فيكون من التدافع ما يُوَاطِئُ القياس المصرَّح أَنْ يُقَدَّمَ مَا حَقُّهُ التقديم من الأقوى ، وهو الناسخ في هذا الموضع ، وَأَنْ يُؤَخَّرَ ما حقه التأخير ، وهو اللام في هذا الموضع ، فَتَدَافَعَا وَإِنَّمَا العزة للكاثر الغالب ، فَغَلَبَ الناسخ وَغُلِبَتِ اللام ، فأخرت وَزُحْلِقَتْ لِتَتَّصِلَ بالخبر ، واكتسبت عنوانا أخص فهي المزحلقة الداخلة على الخبر الذي حد فعيلا من فاعل في "قَدِيرٌ" ، فكان نصا في المبالغة وذلك ، أيضا ، من زيادة المعنى ، وكل أولئك مما حَسُنَ في سياق النصرة ، ولا يخلو من دلالة حَضٍّ تَلْطُفُ وهي لِمَا بَعْدَهَا من الإيجاب تمهد ، فإن النصير هو الرب القدير ، جل وعلا ، ولا يخلو السياق من مُوَاطَئَةٍ في الدلالة تَحْسُنُ ، فَاخْتِيرَ عنوان القدرة للنصرة ، إذ هي مظنة الجلال ، والقدرةُ من جنسه ، وإن لم تخل النصرة من حكمة في المداولة ، فـ : (تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) ، وحكمة في المدافعة ، فـ : (لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) ، وحكمةٍ في وضع الحكم في المحلِّ الذي يواطئ فيكون النصر لمن هو له أهل ، وقد يكون للخصم من باب الاعتبار ، فـ : (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) ، ولا يخلو من المؤاخذة والعقاب وإن عتابا وتطهيرا إذ : (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) ، وبعده كان العفو ، فـ : (لَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) .

فكان من عامل المقاتلة ما أطلق عامله في قوله تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) ، فَاسْتَغْرَقَ ، أيضا ، فأيا كان الظالم فَقِتَالُهُ يُشْرَعُ وَإِنْ تَفَاوَتَ ، فَقِتَالُ الكافرِ الأصلي يخالف ، بداهة ، عن قتال الباغي المسلم ، ولكلٍّ من الأحكام ما يواطئ الوصف حكمةً في التشريع تَطَّرِدُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ محل وحالٍ من الأحكام ما يواطئ ، فكان من الأمر بقتال الباغي ما حُدَّ بالغاية في محكم الآية : (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) ، فكان من القتال ما حُدَّ ، أيضا ، مفاعلةً بَيْنَ قَبِيلَيْنِ ، الباغي وَمَنْ يَدْفَعُ ، وكان من العلة ما أبانت عنه الصلة في قوله تعالى : (الَّتِي تَبْغِي) ، فالبغي علة القتال في هذا الموضع ، لا جرم كان التخصيص بالغاية فإذا حصلت فَثَمَّ مفهوم يفيد ضدا وهو الكف عن القتال إذ حصلت الغاية فَفَاءَتْ إلى أمر الله ، فَانْتَفَى سبب القتال فَانْتَفَى الحكم ، وكان من الأمر بالقتال دَفْعًا مَا أُنِيطَ بالعلة التي استفيدت من الصلة في قوله تعالى : (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) ، وَهِيَ مُقَاتَلَةُ الخصم فَأَوْجَبَ مُقَاتَلَتَهُ دَفْعًا دون زيادة في تِلْكَ الحالِ ، فتلك كالضرورة التي تُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا ، لا جرم كان الختام على حد الاحتراز ، فـ : (لَا تَعْتَدُوا) ، فذلك نهي يحرم ، وهو ما قد عَمَّ ، أيضا ، فاستغرق فلا تعتدوا أي عدوان لا قولا ولا فعلا ، فيكون القتال على قدر الجناية ، فهو يُشْرَعُ دَفْعًا لا يجاوز ، فَلَمَّا يُشْرَعِ قتالُ الطلبِ بَعْدُ ، ومن ثم كان الختام تعليلا : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) .
ومن ثم كان الناسخ باصطلاح من تقدم فهو حكم زائد يتمم ، وكان النسأ في اصطلاح من تأخر ، فَأُخِّرَ هذا الحكم إلى الحال التي تواطئ ، وهي القدرة على الطلب فتلك أكمل الأحوال فكان الحكم ابتداء أَنْ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ، فذلك قتال الطلب فتحا وهو مظنة جلال لا يخلو من جمال إن في التشريع إذ وُضِعَ لكلِّ حَالٍ من الأحكام ما يواطئ ، ولم يخل من جمال آخر إذ لا يكون الجلال في نفسه كمالا مطلقا حتى يشفع بجمال الرحمة بعد المكنة ، والدعوة بعد الفتح هداية للخلق أن يُوَحِّدُوا الخالق ، جل وعلا ، ربوبية ، ويوحدوا الحاكم ، جل وعلا ، ألوهية ، والحكم بما أُنْزِلَ من الشرع المحكم فهو الرحمة العامة التي تستغرق من وافق ومن خالف ، فكل أولئك من الجمال الذي يَصْحَبُ جلال السيف الفاتح .
وجمال الوحي الذي يَصْحَبُ السيفَ هو ، كما تقدم في مواضع عدة ، الْحَكَمُ المجاوز من خارج وبه قضاء الخصومات بين الخلق فهو حكم السماء في الأرض ، فَتَنَزَّهَ حكم الخالق الأعلى ، عز وجل ، وَبَرِئَ من تهم النقص والجور التي لا يسلم منها الخلق بما كان من جِبِلَّةِ الجهل والنقص والشح والظلم فتلك أخلاق لا يسلم منها أحد من الخلق فكان من عصمة الوحي ما به امتاز إذ تَنَزَّهَ عن هذه الأحوال الناقصة ، فاستحق الانفراد بالشرعة الحاكمة ، فذلك فرع عن كمال الذات والوصف ، كما انفرد أولا بمنصب الخلق والرَّزق والتدبير أَنْ كَانَ ثَمَّ كمال في الذات والوصف ، فتوحيده ، جل وعلا ، اسما وصفا ، توحيده في هذا الباب علما وخبرا : ذريعةٌ بها يتوسل الناظر إلى توحيده في الفعل ربوبية وتوحيده في الحكم ألوهية .

فالقتال المكتوب في الشرع المحكم في قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) ، جنس عام يستغرق ما تقدم من أنواع القتال ، فكان محرما ثم نُسِخَ التحريم بالإباحة ، وهي من الكتب وإن لم تكن على حد الفرض ، فكان الكتب تشريعا اسْتَأْنَفَ بإذنٍ نَسَخَ تَحْرِيمًا تَقَدَّمَ ، ثم كان الكتب زيادة بإيجاب الدفع دون الطلب ، وَثَمَّ بعده طلب يُبَادِرُ ، وكل أولئك من كتب القتال النَّازِلِ ، فدلالة "أل" في "القتال" ، من هذا الوجه ، حكاية بيان أول لجنس المدخول ، ولا تخلو من دلالة استغراق وعموم ، فهي تعم المباح والمأمور دَفْعًا أول وطلبا ثَانِيًا ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، أن يجري مجرى الإيجاز فهو العام الذي أريد به خاص ، فمعناه قد اختزل في آحاد إذ خرج المحرم إما عدوانا فهو من المحرم ، فكان النهي المحقق ، فـ : (لَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ، أو محرما لمانع كما كف الأيدي في دار الحرب ترجيحا في باب المصالح : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ) ، فكان من كتب القتال وهو كُرْهٌ ، فَثَمَّ ، أيضا ، إيجاز بحذف الكاتب وهو ما أبين عنه في مواضع أخرى من الشرع النَّازِلِ ، فإما أن يجري مجرى الإيجاز لمحذوف قد دل عليه السياق ابتداء ، وَإِمَّا أن يكون من باب الحذف لمذكور في موضع آخر ، فأغنى المذكور عن المحذوف ، وَعُلِمَ ذلك باستقراء النصوص ، فمن يكتب الشرع هو الرب المشرِّع ، جل وعلا ، وإن كان من صُحْبَةِ الشرع ما يَثْبُتُ في حق الملَك فهو من يَنْزِلُ به نُبُوَّاتٍ تهدي الخلق إلى معادن الصدق والعدل ، وكذا ما يثبت من الصحبة في حق الرسول الأرضي فهو صاحبه إذ تحمله فَكُلِّفَ به أولا ثم كان من بَلَاغِهِ وَبَيَانِهِ ما به وَفَّى الواجب الزائد من تكليف النبوة .

وثم من القيد بالحال "وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ" ما أبان عن وصف زائد ، والإخبار بالمصدر "كُرْهٌ" آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فذلك من تأويل المصدر على حد المجاز اشتقاقا أو ما اصطلح أنه تَنَاوُبُ الصِّيَغِ ، فَنَابَ المصدر وهو الكره عن اسم المفعول وهو المكروه ، فكأن القتال قد تجسد وصار هو الكره نفسه ، وهو عنوان معنى مجرد من أي دلالة تزيد ، دلالة الفعل أو غيره من المشتقات وهي القياس في الإخبار عن الذوات فَيُخْبَرُ عَنْهَا بوصفٍ إِنْ فِعْلًا فهو وصف مشتق الاشتقاقَ الصريح كالإخبار باسم الفاعل في قول القائل : محمد قارئ كاتب ، أو قوة فهو ، كما يقول أهل النظر ، في قوة المشتق كما المثل يضرب بالإخبار عن ذات عمرو أو زيد أنه أسد ، فأخبر عن ذات بأخرى وتأويل الثانية بالمعنى الذي يتبادر من أوصاف الأسد وهو الشجاعة ، وذلك ما حُدَّ في البيان أنه التشبيه البليغ إذ حَذَفَ أداةَ التشبيه ووجهَه ، فتأويل الكلام على حد الإطناب : محمد كالأسد في الشجاعة والإقدام ، فَصَانَ التشبيه من الابتذال في لفظه وجعله بَلِيغًا في حده ، وَتَجَوَّزَ فِيهِ أُخْرَى أَنْ أَخْبَرَ عن الذات بأخرى إذ الناظر في الخبر وإن جامدا ، كاسم الأسد فهو اسم جامد يدل على مطلق الجنس الذي تحصل فيه الماهية الأسدية في الخارج ، ماهية الحيوان المفترس التي تَتَبَادَرُ إلى الذهن حالَ أُطْلِقَ لَفْظُ أسدٍ مجردا من القرائن السياقية أو الحالية ، فالماهية المطلقة تكافئ في الحد الدلالة المعجمية المجردة من كلِّ قَيْدٍ ، فأول ما يَتَبَادَرُ إلى الذهن من إطلاق اسم الأسد ما يكافئه في الحد المجرد من القيد ، فهو الحيوان المفترس ، خلاف ما لو احْتَفَّتْ به قرينة ، وإن حالية ، فَرَأَى الناظر مقاتلا يَسْتَبْسِلُ ، فَنَطَقَ لفظ "أسد" مادحا أو دَهِشًا من جُرْأَتِهِ ، فلا يقال في هذه الحال أن كلمة أسد مفردة في لفظها فوجب الرجوع في تأويلها إلى الدلالة المعجمية المفردة فيكون تأويلها في هذا الموضع : الحيوان المفترس ، بل ثم قرينة تَلْطُفُ من الحال وإن لم يكن ثم سياق مذكور ، فالحال تُرَشِّحُ آخر مقدرا ، فهي قرينة تأويل استوجبت سياقا يقدره الذهن على تأويل المدح بالشجاعة ، والأمر أظهر لو كانت القرينة في السياق تُذْكَرُ كقول القائل : رأيت أسدا في الميدان يَرْمِي ، فَثَمَّ من قرينة الرمي ما رَجَّحَ في دلالة الأسد أنه المقاتل لا الحيوان المفترس ، فثم من قرينة التأويل ما رَجَّحَ المرجوح وهو المقاتل على الراجح وهو الحيوان المفترس الذي وُضِعَ عنوانُ الأسد دليلا عليه ، وقد يقال ، من وجه ، إن اسم الأسد في هذه الحال كالمشترك فهو ، وإن في العرف المشتهر ، قد صار دليلا على المقاتل الشجاع ، فَقَاسَمَ في الدلالة دلالةَ الأسد الأولى في المعجم ، دلالة الحيوان المفترس ، فَصَارَ بَيْنَهُمَا يَتَرَدَّدُ على حد الاشتراك ، وهو ما افتقر إلى قرينة ترجح أحدهما ، إِنْ حَالِيَّةً أو سِيَاقِيَّةً ، فإذا قال القائل : رأيت أسدا يفترس غزالا ، انصرف الذهن إلى ماهية الحيوان المفترس ، وإذا قال : رأيت أسدا في الميدان يرمي ، انصرف الذهن إلى ماهية المقاتل الشجاع ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن ثم ماهية مطلقة في الذهن لا تدل على مراد معين حتى تكون ثم قرينة من حال أو سياق ترجح واحدا دون آخر ، أو تجيز الجمع في مواضع على قول من قال بالعموم في دلالة اللفظ المشترك .
فالناظر في الخبر ، وإن جامدا ، يلمح فيه الوصف اللطيف يما يقوم به من معنى يتبادر من مشهور أوصافه أو أحواله ، كما يقال في المثل المضروب في كتب النحو في هذا الباب : فلان عدل ، فتلك حكاية تجاوز في المدح ، فكأنه قد بلغ في حكومته العادلة أَنْ قد صار هو والعدل سواء فَصَحَّ الإخبار عنه ، وهو ذات ، بالمصدر لا مشتق منه اسمَ فاعل أو اسمَ مفعول أو مثالَ مبالغة أو مثالَ تفضيل أو وصفًا مُشَبَّهًا ... إلخ من أفراد الباب ، باب المشتقات ، فالإخبار عنه في القياس أن يقال : فلان عادل ، فيخبر عنه بوصف مشبه قد اشتق من مادة العدل وإن حُدَّ على اسم الفاعل فليس كذلك ، وإن كان على حَدِّهِ في ميزان الصرف ، فَقَدِ اشْتُقَّ من فعل لازم لا يَتَعَدَّى ، فالعدل لا يَتَعَدَّى بنفسه ، فيقال في مادته اللازمة : عَدَلَ فلانٌ في قوله أو عمله أو حكمه أو أهله أو رعيته أو ولايته .... إلخ فلا يَتَعَدَّى إلا بواسطة وتلك قرينة رجحت في اسم العادل الوصف المشبه لا اسم الفاعل ، فَلَمَّا بَلَغَ في العدل غاية ، كان الاخبار بالمصدر وهو العدل ، فكذلك الإخبار عن القتال بالكره ، فالمشقة فيه قد بلغت غاية حتى كرهته النفوس كُرْهًا قد جَاوَزَ ، فَصَحَّ الإخبار عنه بعنوان الكره نفسه ! .
ولا يخلو التنكير في "كُرْهٌ" من دلالة نوعية تحتمل تعظيما أو تحقيرا ، والسياق قرينة ترجح التعظيم فَفِيهِ من المشقة ما لا يخفى ، وبعده الاستدراك الذي استوفى شطري القسمة على حد المقابلة : (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) ، ولا تخلو ألفاظها المفردة من طباق الإيجاب وبه زيادة في البيان إذ بضدها تستبين الأشياء ، فكان طباق الإيجاب بين الكره والحب ، والخير والشر ، وهو ما يُبِينُ عَنْ نَقْصٍ في التصور ، فالعقل قد يَقْصُرُ عن درك المصلحة الخالصة أو الراجحة فَتَشْتَبِهُ عليه الأمور لما يَعْتَمِلُ في الصدور من الظنون وما تحتمل النفوس من الحظوظ ، فَيُرَجِّحُ المرجوحَ وَيَرْكَنُ إلى الراحة والدعة العاجلة وإن أفضت به إلى الهلكة ، كمن يشتهي الحلو وهو يضره فلا يزال يأكل حتى يمرض فتكون العاقبة هلكةً ، وكذا قد يكون الدواء كُرْهًا فطعمه لا يُسْتَسَاغُ ولكن العاقبة تُحْمَدُ فَهُوَ يَتَجَرَّعُهُ رَجَاءَ مَا بَعْدَهُ من العافية ، وذلك ما يَرُدُّ عجز كلام إلى صدر تكررَّ مرارا ، إذ المرجع المحكم محل نِزَاعٍ متواتر بين النبوات وخصومها ، فالنبوات قد تصف الدواء المر ولكنه النافع فلا يضر ، بل به من العافية ما يسر ، فهي ، كما يقول بعض المحققين ، كالطبيب الحاذق الذي يصف الدواء ويعين الجرعة والمقدار فلا يقتصر على وصف مجمل كما مقال الحكمة الأولى ، حكمة الفلاسفة ، وهو ما أبان عنه بعض المحققين في كلام موجز لطيف حكى فيه القدر الفارق بين النبوة والفلسفة ، فالأخيرة لا تخلو من عمل في العقل يُحْمَدُ إذ تجتهد في حد الماهيات وإن بالغت في التجريد ولها حظ معتبر من الطبيعيات التي تُدْرَكُ بالحس ، فالطبيب الفيلسوف يجتهد في حد الداء وتجريده فَيُطْنِبُ في بَيَانِ العلة أسبابا وأعراضا ومضاعفات ومآلات .... إلخ ، فإذا سُئِلَ عن الدواء لم يجب ! ، أو كان من جوابه ما لا يشفي فهو الجواب المجمل ، فالعلة في الروح تلطف ولا بد لها من مرجع محكم يجاوز العقول ، وأما النبوات في المقابل فلا تجد في كلامها الإطناب في الوصف بل هي الطبيب الذي يُرْشِدُ السائل إلى الدواء بأوجز عبارة ، فالطبيب الماهر يصف الدواء للمريض دون خوض في حد المرض وأسبابه .... إلخ ، فليس المريضُ دارس طب يروم الإطناب في البيان ، وإنما هو مريض يروم سبب الشفاء ، فلا يزيده الطبيب ما لا ينفع من حكاية المرض ووصفه إلا إن كان في ذلك ما يَنْفَعُ في العلاج ، فلا يزيد عن هذه الغاية ، أن يصف له العلاج النافع على حد التعيين والجزم فلا تخمين ولا ظن ، بل يزيد إذ يصف الجرعة ولكلٍّ منها ما يلائم ، فكان من حذق النبوات إن في التوقيف أو فيما تجتهد فيه العقول من المعاملات ومواضع القياس الناصح على المنصوص النازل ، كان من حذقها أَنْ وَصَفَتْ لكل محل من الدواء كَيْفًا وَكَمًّا ما يلائم ، وتلك مقادير لا تُتَلَقَّى إلا من مشكاة عليم ، فكان من مشكاة الوحي المنزل ما أُحْكِمَ ، فالقياس الناصح أن يحكم في المتشابهات من أحكام الوضع المحدث ، فالمحكم يقضي في المتشابه ، والعقول إذ تقترح من الحكومات ما به تَقْضِي في الحقوق ، فلا تَنْفَكُّ تُوصَفُ أبدا بالجهل والنقص وحظ النفس فَلَهَا من الفقر والشهوة وما يأطرهما من الشبهة التي تمنحُ الذريعة ، لها من ذلك ما لا تؤمن حكومته وإن تحرَّت العدل ما تحرَّت ، فالغفلة والنقص وما خفي من الحظ ، كل أولئك بَوَاعِثُ نَفْسَانِيَّةٌ لَا تَنْفَكُّ تَصْدُرُ عَنْهَا الحكومات العقلية والنفسانية ، هوى وذوقا ، فهي متشابه من الأرض لا بد له من محكم يجاوز ، فهو مرجع من السماء نَازِلٌ ، فَيَقْضِي الوحيُ المحكمُ إذ تَنَزَّلَ ، يَقْضِي في المتشابه من الأهواء والأذواق إذ تُحْدِثُ ، فالوحي في حَدٍّ ، والحداثة في آخر ، فهي تأتي على الأصول بالبطلان وتستبدل بها ما تُحْدِثُ من عناوين الحسن والقبح ، وحكومات الاعتبار والإلغاء ، وإن اعْتَبَرَتْ ما قد ألغى الوحي ، أو ألغت ما اعتبره ، فجعلت نَفْسَهَا المحكم الأعلى الذي يجاوز النبوات ، فكانت الخصومة المحتدمة ولا زالت : من يكون المرجع الأعلى ؟! ، فالحداثة قد ترضى ، ولو كرها ، أن يكون للنبوة حظ من القسمة لا على سبيل المرجع الأول فهي تال في الذكر ، وهي أبدا تحت حكومة العقل ، فالحداثة أول والنبوة ثان ، فعنوان الحداثة يُقَيِّدُ النبوة ولو نَسْخًا لحكوماتها إن لم تواطئ الهوى والحظ ، فَيَقْضِي في الوحي قضاءَ المحكم في المتشابه ، فلا ترجو النبوة إلا أن تصفح الحداثة عنها ! فتجيز ما أجازت ، فالحداثة هي المعيار الحاكم باعتبار أو إلغاء .
والنبوة ، في المقابل ، وإن اعتبرت حكومات العقل فهي اجتهاد ظني لا بد له من معيار قطعي يَقْضِي فيه باعتبار أو إلغاء ، فالنبوة أول والحداثة تال ، فالأولى حاكمة والثانية محكومة ، فَتَنَازَعَا المرجع الأول وهو محل واحد لا يقبل الشركة فإذا شغله واحد شغر من آخر ، فلا يجتمعان فكيف وهما متناقضان في الأصل ؟! ، فَوَاحِدٌ من السماء والثاني من الأرض ، فلا يحتمل المحل الاثنين جميعا ، فهما متناقضان أَشَدَّ التَّنَاقُضِ ، فلا يجتمعان في المحل الواحد ولا يَرْتَفِعَانِ ، إذ النفس قد خلقت لِتَفْعَلَ لا لِتَتْرُكَ ، لِتَتَدَيَّنَ بالاعتقاد لا أن تكون خلوا من الفكرة ، فذلك ما لا يكون فلا أمة بلا شرعة ، وَلَوْ شِرْعَةَ أرضٍ تُنْكِرُ حكومةَ السماء ، فلا تنفك أبدا تَتَعَبَّدُ ، وإن لم يكن لها من النبوة مرجع ، فَثَمَّ الهوى والذوق الذي ينشعب بها في وديانِ هلكةٍ أَنْ حَادَتْ عَنِ الجادة ، وإن سلم لها البدن حِينًا فمآله أن يهلك بل حفظه في هذه الدار لا يكون إلا بملازمة الفكرة ، وهي وجه آخر من وجوه الشرعة فهي آثار ميثاق التوحيد الأول الذي جاءت النبوات له تُجَدِّدُ ، وفيها من الحكومات العادلة وإن في أفعال الجبلة أكلا وشربا ونكاحا ... إلخ ما به الأبدان تحفظ ، فحكوماتها العدلُ المطلق ، وإن في العادات وسائر المباحات ، ولا تُحْفَظُ الأديان والأبدان إلا بالعدل ، ولا تَقُومُ السماوات والأرض إلا بحكومته ، فمعناه يجاوز ما يَتَبَادَرُ من العدل في قسمة الحقوق ، فَثَمَّ عدل يستغرق الحكومات جميعا من التوحيد ، وهو أشرف العقود ، إلى المطعوم والمشروب والمنكوح فلا يسلم البدن إلا أن يأخذ من حاجته بقدر ، فلا يزيد إفراطا ولا ينقص تفريطا ، وذلك العدل فهو أبدا الوسط المحكم بين الإفراط والتفريط ، وإن لم يكن الوسط في الحساب فيكون من المماثلة في البعد عن الأطراف ما تساوت فيه المقادير ، فطباع النفوس ليست على جادة المحسوس التي تُقَاسُ فيها الأشياء قِيَاسَ التعيين فلا تجاوز الحد ، ولو يسيرا ، فهي مما ينضبط خلاف حكومات النفوس فهي لطائف تدق وليس حدها في الحكم يَقْضِي بالتسوية مطلقا ، بل قد يكون العدل إلى هذا أميل أو إلى ذاك ، كما المثل يضرب بالكرم فهو وسط بين البخل والسرف ، وهو ، مع ذلك ، إلى السرف أقرب ، فمعنى البذل فيه أظهر ، وإن جاوز الحد في السرف ، فالكرم يقاربه في الحد المطلق في الذهن وهو البذل ، فذلك جنس في مقابل الإمساك والشح ، فصار الكرم إلى السرف أقرب ، من هذا الوجه ، فهما اثنان يندرجان في جنس واحد يجرده الذهن وهو البذل المطلق ، وإن كان ثم من القيد ما يفرِّق ، فَبَذْلُ السرف إنفاق فيما لا ينفع ، ولو يسيرا ، وبذل الكرم إنفاق فيما ينفع ، ولو يَسِيرًا ، فقد يكون الكرم وليس ثم مال ولا متاع ، بل الكرم حال الفقر أظهر ، كما قال المقنع الكندي وهو يحد السماحة :
ليس العطاء من الفضول سماحة ******* حتى تجود وما لديك قليل .

فهي الجود من قلة لا من كثرة ، فالكرم يكون من قلة ومن كثرة ، والسرف وإن كان في أحيان من قلة ، إلا أنه ، في الجملة ، يكون من كثرة .
وكذا يقال في الشجاعة فهي وسط بين التهور والجبن ، وهي ، مع ذلك ، إلى التهور والمجازفة أقرب ، فَلَيْسَ العدل في هذه الحال هو الوسطَ حِسَابًا يقيس قياس المعدود فذلك ما لا يكون في المعقول الذي يقوم بالنفوس ، فحكاية العدل فيه أدق ، فحصل من المفاصلة في هذا الباب ما لا يقبل المشاركة ، فثم معيار أوحد في الباب هو ما يعين المكروه والمحبوب ، وإن خالف عن الأهواء والحظوظ ، فـ : (عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) ، وقد تكون المخالفة إذا انْقَادَ الحاكم لداعي الطبع والذوق فجعله هو المعيار في الحكم ، فلا يكون ذلك والنبوات حاكمة ، لا جرم كانت الخصومة الناجزة بين النبوة والحداثة فذلك أصل يستصحب أبدا في كل موضع إِنْ خَبَرًا أو إِنْشَاءً ، فهو جوهر أول به التوحيد يُحَرَّرُ أو ضده من التشريك يَقْدَحُ في جوهر العقد الرسالي المحكم ، عقد : (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) .

ومع هذه الخصومة بين الوحي والحداثة في تَعْيِينِ المكروه والمحبوب ، الشر والخير ، حَسُنَ الإطناب بمقابلة أخرى إذ : (اللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، وهي ما استغرق أجزاء القسمة في الباب : الله جل وعلا وهو من أَنْزَلَ الوحي بدليل الصدق والعدل قَطْعًا بِلَا ظَنٍّ أو تخرص ، فالله ، جل وعلا ، في حد ، فـ : (اللَّهُ يَعْلَمُ) ، والجمع المخاطب في قوله تعالى : (وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، وهو ما يجاوز الجمع الأول الذي خوطب خطاب المواجهة ، وتلك دلالة التاء ، تاء المضارعة التي صُدِّرَ بها العامل "تَعْلَمُ" ، ، فهي حرف خطاب ، فَثَمَّ من العموم ما يجاوز بدلالة المعنى فهو يستغرق كل جمعٍ مخاطب ، خُوطِبَ مواجهةً أو غاب عن المشهد ، وُجِدَ زَمَنَ التَّنْزِيلِ أو كان عدما ، آمن أو كفر ، فَثَمَّ دلالة عامة لا أعم منها وهي الماهية البشرية الناقصة في مقابل الحقيقة الإلهية الكاملة ، وماهية البشر في هذا الموضع تنصرف إلى الماهية العقلية المجردة بما احتف بها من عارض الجهل والنقص والهوى .... إلخ ، في مقابل الوحي الذي يصدر عن الإله الحق ، الرب العليم الحكيم ، جل وعلا ، فَلَهُ من العلم والغنى ما به بَرِئَ من تهمة الظلم والهوى ، فخبره صدق وحكومته عدل ، وكلماته تامة إن كونية تَخْلُقُ أو شرعية تحكم ، وبهما التلازم يثبت بَيْنَ توحيد الرب الخالق بكلمات التكوين والإله المعبود بكلمات التشريع ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلا من مشكاة الوحي ، فالنبوة عنها تصدر في مقابل الحداثة التي تصدر عن العقل بما احتمل من أوصاف النقص ، فجهل وفقر فلا يتجرد في الحكم ، فكان النص الذي يميز بين شطري القسمة ، فأثبت العلم في حَدٍّ ، فـ : (اللَّهُ يَعْلَمُ) ، وذلك ما حُدَّ جملةً اسمية ودلالتها الثبوت والديمومة بالنظر في نوع الوصف وهو العلم ، فذلك من وصف المعنى الذي دل عليه العقل وإن كان في ذلك تَبَعًا للخبر في باب الأصل فيه التوقيف ، فلا يخلو ، مع ذلك ، من دلالة للعقل تَنْصَحُ فهي لدلالة الوحي ترفد ، فاجتمع في العلم عنوان الوحي والعقل معا فهو من وصف المعنى ، من وجه ، وهو معنى لا يفارق الذات القدسية فلا يتصور ذلك وإلا كان المحال الممتنع لذاته من وصف الله ، جل وعلا ، بالجهل ، فذلك لازم النفي ، نفي العلم ، فإذا ارتفع كان الجهل ، ولو قيل إن المحل لا يقبل الوصفين ابتداء فذلك نقص أفحش ، إذ المحل الذي يقبل الوصف ولو جهلا ! خير من محل لا يقبل الوصف أبدا ، فكان من العلم وصفُ معنى وهو وصف ذات لا يناط بالمشيئة ، من هذا الوجه ، إذ لم يحدث بَعْدَ أن لم يكن ، بل هو ، أبدا ، وصف الله العليم جل وعلا ، وثم من الإطناب في الخبر أن حُدَّ حَدَّ الفعل مضارعا في قوله تعالى : (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) ، فذلك من الإطناب في الإخبار بالجملة الفعلية "يَعْلَمُ" ، فَثَمَّ من الضمير ما استتر في العامل "يَعْلَمُ" ومرجعه المبتدأ ، وإطلاقه ، من وجه ، مئنة عموم يستغرق فيعلم ، جل وعلا ، كل شيء ، فيعلم خير القتال وإن كان ظاهره شرا فذلك المثال المخصوص في السياق ، ويعلم كل شيء ، فذلك العموم الذي حكاه الوحي في مواضع أخرى من التنزيل المحكم ، فـ : (اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، ويعلم الخبر صدقا والحكم عدلا ، ويعلم ما مضى وما هو حَالٌّ وما هو آت ، ويعلم ما في هذه الدار وما بعدها من برزخ وبعث وحشر وحساب وجزاء ، ويعلم الجهر والسر ، ويعلم الواجب في قسمة النظر ، والممكن ، بل والمحال ، سواء أكان لغيره فكان ثم مانع وإلا فهو في نفسه جائز ، أم كان لذاته فلا يكون أبدا فيعلم ، جل وعلا ، ما كان سيكون لو أن هذا المحال الذاتي كائن ، ولو فرضا مجردا في العقل من باب التنزل في الجدال مع الخصم ، ويعلم من أعمال العباد ما يحدث فهو تأويل العلم الأول المقدر ، فذلك وجه به الإشكال يزول أن حُدَّ العلم حَدَّ الفعل "يَعْلَمُ" وهو مما تحدث آحاده في الخارج ، والعلم ، كما تقدم ، وصف قديم أول ، فكان من انفكاك الجهة ما به التعارض يزول ، فإن العلم قديم بالنظر في نوعه الذي يقوم بالذات القدسية فلا يفارقها ، وهو حادث بالنظر في آحاده في الخارج ، آحاد تَعَلُّقِهِ بالمعلومات الكائنات مما يُقَارِفُ الخلق من الفعل أو الترك ، من النطق أو الصمت ، من الأكل أو الشرب ..... إلخ من أفعال الاختيار والاضطرار فالعلم يجاوز أعمال التكليف إلى سائر ما يصدر عن الخلق من حركات ، وهي من الكوائن الحادثات شيئا فشيئا ، فهي ، من هذا الوجه ، حادثة تَتَجَدَّدُ ، فكان من العلم ما هو حادث بالنظر في نوعه إذ يناط بالمشيئة علما بآحاد من المعلومات تَحْدُثُ فَيُحْدِثُ لها الله ، جل وعلا ، من آحاد الوصف ما يُصَدِّقُ العلم الأول القديم ، فهي آحاد تندرج في جنسه ، فَزَالَ التعارض إذ الجنس قديم لا يناط بالمشيئة والآحاد حادثة تُنَاطُ بها ، ولا تعارض ، كما تقدم ، إذ الجهة قد انفكت ، وذلك ما جاوز العلم الكوني إلى نظيره الشرعي ، فكان من حدوث الأوامر التشريعية ما يضاهي نظائرها التكوينية ، كما في الخبر المشهور : "إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ" ، فَعَمَّ ثم خَصَّ إذ أطنب بالنسخ ، نسخ الإباحة ، إباحة الكلام في الصلاة ، فيجري ذلك مجرى الإطناب بمثال فهو يبين عن العام المتقدم صدرَ الخبر ، وهو يواطئ سبب الورود كما في الأثر ، فذلك علم النبوة المحكم الذي تَنَزَّلَ آحادا ونجوما ، فأحدث منه ، جل وعلا ، بالحكمة ما به تمام الشرعة ، فهو ، أيضا ، من العلم الأول القديم فلا يناط بالمشيئة من هذا الوجه ، وهو من العلم المحدث آحادا ونجوما تَنَزَّلَتْ بالمشيئة فَيُنَاطُ بها من هذا الوجه ، فَصَدَقَ فِيهِ ، أيضا ، أنه كسائر الكلمات الربانية وأصلها العلم ، فهي قديمة النوع حادثة الأفراد ، وذلك ما به تأويل المضارعة في العامل "يَعْلَمُ" ، فذلك حد النبوة في شطر ، وثم آخر يَنْفِي العلم عن ضِدٍّ ، فـ : (أَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، فذلك ما يضاهي ، من وجه ، الحداثة في مقابل الوحي ، فمرجعها النفوس والعقول بما لها من أهواء وحظوظ ، وذلك ما حكاه الضمير المخاطب "أنتم" فهو يحكي الذوات المخاطبة بما لها من عقول تستحسن وتستقبح وأذواق تَرْغَبُ وَتَنْفِرُ ، فعلومها ، من هذا الوجه ، لا تخلو من الخطإ والنقص بما جُبِلَتْ عليه من الهوى والحظ فَنُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ العدمِ نفيا في مقابل ما تقدم من العلم الإلهي المطلق ، فكان من النفي في المقابل ما عم إذ تسلط النفي في قوله تعالى : (وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) على المصدر الكامن في الفعل "تَعْلَمُونَ" ، فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، فضلا عن إطلاق العامل فلا تعلمون شيئا ، وهو ما احتمل المجاز إمعانا في التمييز بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فعلم المخلوق في مقابل علمه ، عز وجل ، لا شيء ، أو هو مما يجري مجرى الحقيقة ، فعلم العقول في باب الحكومات لا يبلغ حد اليقين فليس إلا الظن والتخرص وليس ذلك بعلم وإن أدرك من الحقيقة طرفا ، وعلمها بالمغيبات لا يبلغ حد الجزم ، وإن كان من الغيب النسبي الذي يجتهد العقل في دركه بالاستنباط والحساب فلا يبلغ به أبدا حد الجزم فضلا عما كان من الغيب المطلق من المستقبل فلا يعلمه من باب أولى ، إن في الدنيا أو فيما بعدها من الدور ، فذلك ، عنوان الخصومة التي تقدمت مرارا ، خصومة الحداثة مرجعا إذ تَأْرِزُ إلى البشر في مقابل الوحي الذي يُسْنَدُ إلى الله ، جل وعلا ، وصفا بالنظر في نوعه القديم : (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، وفعلا يناط بالمشيئة بالنظر في آحاده في الخارج ، فـ : (اللَّهُ يَعْلَمُ) .

والله أعلى وأعلم .