ومن قوله تعالى : (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) ، فذلك من الاستفهام الإنكاري الإبطالي إذ ينفي التماثل بين مفترقين بل هما متناقضان ، فالخلق في هذا الباب : باب الإيمان والكفر ، الخلق على نقيضين : مؤمن وكافر ، من هو على بَيِّنَةٍ فَرُزِقَ الهداية الدينية الأخص وذلك فضل الرب الأعز ، جل وعلا ، إذ يضع بالحكمة البالغة ، يضع الهدى الخاص في المحل الذي يواطئ وذلك الفضل ، ولازمه في القسمة : العدل أن يَحْرِمَ المحلَّ الناقص مادةَ الهدى الديني التَّوْفِيقِيَّ ، فذلك كمال يخالف عن وصف النقص في المحل ، وقياس العقل المحكم ، كما تقدم ، الملاءمة بين الحال والمحل ، فالحال الكاملة تواطئ المحل الكامل ، والناقصة تواطئ الناقص ، فكان من الهداية : هداية تكوين وهي العام الذي لا أعم منه ، إذ استغرقت المخلوقات كافة ، وكان منها هداية تشريع منها بَيَانٌ يستغرق الجمعَ المكلَّف كله ، فحصولها شرط في التكليف أَنْ تَبْلُغَ المكلَّف بما يبين بَيَانَ الإفصاح فلا إلغاز ، فيكون من ذلك ناف للعذر بالجهل أو التأويل ، فقد حصل البلاغ وحصل قسيمه من البيان ، وثم أخرى أخص إذ يكون الإلهام والتوفيق في محالٍّ فَوَصْفُهَا يُوَاطِئُ وَصْفَ المحل حكمةً بالغة في التقدير والتكوين ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مما أبان عنه الوحي قسمةً قَدِ اسْتَغْرَقَتْ طِبَاقَ إيجابٍ بين الشكر والكفر في قوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ، فكان التوكيد بالناسخ "إِنَّ" على حد الاستئناف ، وذلك معنى جليل حَسُنَ فيه التوكيد القياسي بأقوى لفظ في بابه ، لفظ الناسخ الذي ضُعِّفَ لفظه فحصل من شدة النطق ما قَرَعَ السمع ، فَزِيَادَةُ مَبْنَاهُ دليلُ آخر فِي مَعْنَاهُ وثم من التعظيم ما يواطئ المعنى الجليل ، معنى الهداية وهي أشرف مسائل الديانة ، توحيدا هو الأصل ، وذلك الشكر الذي يقابل الكفر ، فالشكر إقرار بفضل المنعم ، وهو ما استوجب الإقرار بأصل كل نعمة ، فذلك ما امتن به رب العزة ، جل وعلا ، والإقرار به : توحيد يجاوز حد العرفان المجرد من الإقرار وما يستوجبه في القياس من المحبة وهي باعث الإرادة فِعْلًا يَتَأَوَّلُ ، فالمحبة مرجح من خارج يميل بالجنان أن يقبل ، وباللسان أن ينطق ، وبالأركان أن تفعل فيحصل من ذلك مجموع ديني يجزئ في إثبات إيمان نافع ، ولو المطلق الأول ، الذي يزيده المؤمن مادةَ طاعةٍ وانقيادٍ فلا يَزَالُ في ازدياد حتى يَبْلُغَ حَدَّ الكمال الواجب ، وما بعده فهو أخص : كمالَ إيمانٍ مستحب ، فكان من الهداية : هداية السبيل ما يعظم حده حكمةً وقدرةً ، فحكمة في الشكر وأخرى في الكفر ، وإن لم تُوَاطِئْ إِرَادَةَ الشرعِ ، فَفِيهَا حكمة التقدير والإعداد والإمداد ، أن يمد المحل الناقص بما يضاهي من المادة والوصف ، وذلك عنوان الحكمة البالغة ، وهي أمر يَعْظُمُ ، فَحَسُنَ ، من هذا الوجه ، إسناد العامل إلى ضمير الفاعلين مئنة تعظيم في "هَدَيْنَاهُ" ، وكان من السبيل عنوان إجمال وهو ما أبين عنه بالأحوال : (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ، ودلالة "أل" تحكي بَيَانِ الجنس ، جنس السبيل ، وتحكي آخر وهو العموم المستغرق للسبل كافة ، فمنها العلوم ومنها الأعمال ، ومنها سبيل توحيد في الاعتقاد ، وسبيل تشريع في الأحكام ، فكان الهدى صدر الآية مجملا له من البيانِ شَطْرَانِ بهما استيفاء القسمة في الباب : الشكر والكفر ، الشكر وذلك الفضل أن كَمُلَ المحل في وصفه فكان من الإمداد بأسباب الكمال ما يواطئ ، فَأَقَرَّ بالنعمة وامتثل حكم الشرعة ، فذلك الشكر المجزئ الذي يستغرق القول والعمل ، وهما شطرا القسمة في الباب : باب الاختيار ولا يكون إلا بإرادة ، وهي حكم تَتَقَدَّمُهُ المحبة فهي باعث كل حركة في الكون ، ومادتها الأولى : مادة التَّصَوُّرِ العلمي ، فما بعدها أحكام عليها تُبْنَى ، وإن كانت في الوجدان تَتَسَلْسَلُ ، فَتَصَوُّرٌ يُفْضِي إلى المحبة ، وهي ما يُفْضِي إلى فعلِ المحبوب ولازمه تَرْكُ ضدٍّ له يُكْرَهُ ، وهو قياس في العقل يصرح إذ المحل لا يشتغل بضدين أو نقيضين ، على تفصيل في ذلك بما اصطلح النظار تَفْرِيقًا بين الضدين والنقيضين ، فالمحبة مادة الإرادة ، والإرادة مرجح في باب الفعل والترك فهي باعث الجنان إذ عنه يصدر اللسان نطقا أو صمتا ، والأركان فعلا أو تَرْكًا ، فشكر وكفر ، وهما قسمة العقل في الباب ، وقد حُدَّا حد الحال المقيدة لما أطلق من مادة الهداية صدر الآية ، وثم من "فاعل" في "شَاكِرًا" حكاية تقليل ، كما يقول بعض البلاغيين ، فَقَلِيلٌ من يشكر ، وثم من "فعول" في "كَفُورًا" حكاية تكثير فَقَلَّ من يسلم من هذا الوصف المذمَّم ، سواء أكان الكفر الأكبر الناقل عن أصل الدين أم آخر أصغر ينقض الكمال الواجب ، فَاسْتَغْرَقَ الوصف أنواع الكفر كافة ، فإطلاقه مئنة عموم تدخل فيه أنواع وآحاد تَتَفَاوَتُ من الأكبر إلى الأصغر فَلَئِنْ جَمَعَهَا في لقب الكفر وصفُ الذم وخبرُ الوعيد إما مطلقا أو مقيدا في وجوه من الكفران والعصيان قد اختصت بعنوان يزيد : عنوان الكبيرة ، وهي ، أيضا ، من الجنس العام الذي تَنْقَسِمُ مادته في الخارج ، فمن الكبائر : كبائر اعتقاد وأخرى في القول وثالثة في الفعل ، وذلك ما استوفى الحد المكافئ لحد الطاعة ، فكما الطاعة تستغرق المحال الثلاثة بما استغرق حركات الاختيار كافة ، وهي مناط التكليف ، فكذلك المعصية فمنها ما بطن ومنها ما ظهر ، ومنها ما يكون في الاعتقاد ، وما يكون في القول ، وما يكون في العمل ، ومن الكبيرة ما ينقض أصل الملة الجامع ، ومنها ما ينقض كمالها الواجب ، فلئن جمعها وصف الكفر ، إلا أنها مما يتفاوت في الذم والوعيد ، فالكفر على دركات كما الإيمان على درجات .
فاستغرق طباق الإيجاب شطري القسمة في الباب : الشكر والكفر ، والأول مما يُكَافِئُ شطر القسمة الأول في قوله تعالى : (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) ، والثاني ما يكافئ شطرها الثاني : (كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) ، فكان من الاستفهام ما واطأ الحكم العقلي الصريح تفريقا بين المختلفين بل هما ضدان بل وَنَقِيضَانِ ، فالأول على بَيِّنَةٍ ، وهي الدليل المبين إذ اسْتَبَانَ فِي نَفْسِهِ وَوَاطَأَ القوة العقلية الصريحة ومعجم الدلالات الأصِيلَةِ ، وأبان عن غيره فَتَعَدَّى في الاستدلال أَنْ كان مقدمة يَنْتَظِمُهَا قياسٌ محكم يُفْضِي إلى نَتَائِجَ تُحْمَدُ ، وثم من الكينونة الماضية في قوله تعالى : (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) مَا يزيد في الدلالة ديمومةَ اتصافٍ ، وثم من الاستعلاء المعنوي كمالُ تَمَكُّنٍ في الباب ، فَتَمَكُّنٌ من البينة تصديقا وامتثالا ، فذلك الحد المجزئ في الباب ، باب الإيمان ، فهو الحكم الديني المواطئ لبينة النقل الصحيح وأخرى من العقل الصريح ، وتلك بَيِّنَةٌ من الله ، جل وعلا ، فلا تخلو دلالة "مِنْ" ، كما يقول أهل الشأن ، لا تخلو من دلالة الابتداء ، ابتداء الغاية من الرب ، جل وعلا ، وهو ما احتمل ، من وجه ، ابتداء الغاية وصفا من الموصوف فالبينة من الوحي ، والوحي من الكلام ، وهو من وصف الرب ، جل وعلا ، فِعْلًا ، والكلام من العلم وهو من وصفه تبارك وتعالى ذاتا ، فيواطئ في الدلالة ، كما يقول بعض المحققين ، يواطئ ابتداء الغاية في قوله تعالى : (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) ، فثبت القول وهو من الوصف ، ثَبَتَ من الله ، جل وعلا ، إذ ابتدئت غايته من الموصوف وهو الرب ، تبارك وتعالى ، الذي به قَدْ تَكَلَّمَ ، واحتمل من آخر صدور المخلوق من الخالق ، فصورة البينة التي تحصل في الجنان مما يحدث بعد عدم ، فهي مخلوق مقدر ، وما يكون من آثارها في القول والعمل ، الباطن والظاهر ، فهو لله ، جل وعلا ، مخلوق ، كما هو للفاعل مفعول ، فانفكت الجهة : جهة الخلق من الخالق ، جل وعلا ، وجهة الفعل من الفاعل فكانت البينة من الرب ، جل وعلا ، وهو ما زاد عن بَيِّنَةِ الإرشاد ، فَثَمَّ من التمكن في الباب ما جاوز بها إلى التوفيق والإلهام ، فكان شطر أول ، وكان ثان على ضِدٍّ منه وَنَقِيضٍ ، وهو من زُيِّنَ له سوء العمل ، فَحُذِفَ الفاعل للعلم به ، بداهة ، إِذِ التَّزْيِينُ من الشيطان بالنظر في الفعل ، وهو ما أبين عنه في موضع آخر من التنزيل : (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) ، والتزيين من الخالق ، جل وعلا ، بالنظر في الخلق فلا يكون إلا بمشيئة الرب ، جل وعلا ، وهو ما أبين عنه في مواضع من التنزيل ، فـ : (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) ، فذلك من فعل الجلال ولا يخلو من الحكمة ، وهي جمال يشاطر الجلال قسمة الكمال المطلق أَنْ كَانَ لكلِّ أمة من ذلك حظ ، فَيُزَيَّنُ للصالح عمله الصالح ، وذلك فضل التوفيق ، وَيُزَيَّنُ للطالح عمله الطالح ، وذلك عدل الخذلان ، فاستغرق التزيين شطري القسمة ، فمنه ما يحمد صلاحا ، ومنه ما يذم فسادا ، وكلاهما من الله ، جل وعلا ، فذلك فعله إذ يحكم في كل محلٍّ بما يواطئ وصفه ، فيخلق في جنان المؤمن مادة بها تزيين الحق أن يصدق ويمتثل ، فمادته صدق وعدل ، علم وعمل ، وهو ما يجاوز المنصوص من العمل ، فذكره ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام يجاوز العمل إلى العلم ، فيستغرق المحال والأحوال كافة فكلها من خلق الله ، جل وعلا ، وتواطؤها في الوصف صلاحا أو فسادا قدر يزيد على الخلق المحض ، فَثَمَّ الحكمة في الخير والشر ، فالأول فضل يُزَيَّنُ للمحل الصالح ، والثاني عدل يُزَيَّنُ للمحل الفاسد ، وكلاهما من الرب الخالق ، جل وعلا ، مشيئة نافذة تحكي العلم والحكمة والقدرة ، أوصاف الكمال وبها خلق المحال وجريان الأحكام عليها بما يواطئ عنوان الثناء المطلق على الرب المهيمن ، جل وعلا ، ثناء بالحمد والمجد ، بالجمال فهو الحميد الذي استجمع أوصاف الحمد ، وبالجلال فهو المجيد الذي استجمع أوصاف المجد ، وثم آخر من فعل التزيين ، وبه الكواكب والمصابيح في السماء بُثَّتْ ، فـ : (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) ، وذلك عنوان حكمة وقدرة آخر ، فَحَسُنَ فِيهِ ما اطرد في مواضعه من الإسناد إلى ضمير الفاعلين في "زَيَّنَّا" مئنةَ تَعْظِيمٍ ، وهو ما رُفِدَ بِجُمَلٍ تَوْكِيدٍ قياسية ، منها الناسخ المؤكد ، ومنها اسمية الجملة فتقديرها قبل دخول الناسخ : نحن زَيَّنَّا السماءَ ، وثم تكرار الإسناد : فاعل المعنى وهو المبتدأ ، وهو المرجع الذي يبين عن مدلول الضمير المتصل بعامله في جملة الخبر "زَيَّنَّا" ، فمرجع "نَا" الدالة على الفاعلين هو ضمير المتكلم المفرد حال تجريد السياق من الناسخ ، فحصل بذلك تكرار في الباب : فاعل المعنى وفاعل اللفظ ، وكان من الإطناب بالتكرار زيادة توكيد ، وكان من عنوان الزينة ، وهو المبدل منه ، كان منه أول يمهد لبدل هو المقصود بالحكم أصالة وإن كان محله في اللفظ أنه تَابِعٌ ، فَزِيدَ في السياق مجمل يطلب المبين ، وهو ما نهض به البدل إذ تلا المبدَل بلا فاصل ، فَعُجِّلَ به من البيان ما أزال الإجمال ، مع ما كان من تَرْتِيبِ الكلام المواطئ لسنن العقل والنطق ، فالمجمل يَتَقَدَّمُ إذ يستحضر السامع ويحفز الناظر طلبا لما يبين فإذا باشره حصل من ذلك رسوخ المعنى في الذهن ، فالكواكب زينة وبها حِفْظٌ من كل شيطان يَسْتَرِقُ السمعَ ، وهو ما حُدَّ مصدرا يؤكد العامل المحذوف ، فدل على عامل من جِنْسِهِ ، فكان من الحكمة في الخلق تزيين السماء بالكواكب ومنها الزاجر الراجم ، وهو ما استوفى شطرا من التزيين ، وثم آخر تقدم وهو تزيين العمل ، إن خيرا وإن شرا ، وإن كان في الشر أظهر بما استقرئ من آي التنزيل المحكم كما في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) ، فأكد المعنى ، أيضا ، بالناسخ المؤكد ، وكان من الوصل ما أبان عن علة التزيين ، إذ انْتَفَى إيمانهم باليوم الآخر ، وهو المعنى الذي اشتقت منه الصلة على حد النفي الذي استغرق إذ تسلط على المعنى الذي اشتقت منه الصلة ، وهو انتفاء الإيمان بالآخرة ، أو هو الكفر بها دلالةَ تلازمٍ في المعنى بما اطرد من عنوان الطرد والعكس ، فإثبات الشيء يستلزم نفي ضده ، ونفي الشيء يستلزم إثبات ضده ، فَعَدَمُ إيمانهم بالآخرة أو كفرهم بها سبب في تزيين العمل السيئ ، وهو ما أكد بتقديم الظرف "لهم" وحقه التأخير مع ما احتملت اللام من دلالة الاختصاص والاستحقاق عدلا ، فَزُيِّنَتْ أعمالهم ، وهو ، كما تقدم ، عنوان إيجاز ناب فيه العمل عن سائر الحركات الاختيارية من الاعتقادات والأقوال والأعمال ، ومن ثم كان العطف بالفاء في قوله تعالى : (فَهُمْ يَعْمَهُونَ) : فَتِلْكَ فاء التعقيب والفور والعطف بها آكد في الجلالة تعجيلا بالجزاء ، ولا تخلو من دلالة السببية ، فتزيين الأعمال وهو العدل إذ يكافئ ما تقدم من كفرانهم بالآخرة ، تزيين الأعمال سبب في الْعَمَهِ والحيرة ، وهو ما حُدَّ اسمية قي قوله تعالى : (فَهُمْ يَعْمَهُونَ) ، وهي تحكي الثبوت والاستمرار وهي آكد في الدلالة من القول في غير التنزيل : فعمهوا أو أصابهم العمه ، فالاسمية آكد في الدلالة ثُبُوتًا لا يغادر المحل ، وثم من تكرار الإسناد ما حصل في هذا الموضع ، أيضا ، فَوَاوُ الضمير في "يعمهون" ترجع إلى ضمير الغائب المجموع ، وهو المبتدأ في لفظه ، الفاعل في معناه ، فحصل من تكرار الفاعل لفظا ومعنى ما زاد في الدلالة وهو آكد في الذم بما به العاقل يَعْتَبِرُ ، فهو عن وصفهم يَنْزَجِرُ ، فيؤمن بالبعث ويستوفي من الإيمان حَدَّ النَّفْعِ بما يجزئ في حصول الاسم الديني ، وحصول الكمال الواجب في العلم والعمل ، فيكون له من اليقين ما يُذْهِبُ الْعَمَهَ وَالْحَيْرَةَ ، فلا يخلو الخبر ، من هذا الوجه ، أن يحكي إنشاء ينهى عن الوصف المقبوح الذي به حصل الذم بِتَزْيِينَ هو العدل قد زَادَ في العمه والحيرة ، ولازمه أمر بضد من إيمان يجنب صاحبه الزلة فهو على يقين وجزم ، فلا ريب ولا شك ، وثم ، أبدا ، تغليب قد اطرد في آي الوحي وسياق الخبر ، فَيُسْتَصْحَبُ عنوانَ عمومٍ يستغرق كل محل صح تكليفه ، فذكر وأنثى ، وإن حد لفظه لفظ المذكر ، فالقبيل المؤنث يدخل ابتداء بما تقدم من التغليب أو يدخل قياسا على المخاطب الأول بجامع العموم ، عموم التكليف فهو الأصل المستصحب حتى يرد دليل ناقل يخص بالتكليف قبيلا دون آخر ، وكل أولئك ، وهو محل الشاهد ، كل أولئك يندرج في مادة التزيين التي اشتق منها العامل "زُيِّنَ" في قوله تعالى : (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) ، فَزُيِّنَ سوء العمل ، وتلك إضافة الوصف إلى الموصوف على تقدير : وزين له عمله السيئ ، وثم عنوان حصر وتوكيد تقدم مرارا إذ قُدِّمَ الظرف "له" وحقه التأخير ، وكان من الاختصاص والاستحقاق ما يواطئ الجزاء العادل أن مُنِحَ كلُّ محل من الحكم ما يواطئ وصفه ، وثم من المزاوجة في الدلالة ، دلالة الموصول الاسمي العام "مَنْ" فقد حُدَّ مفردا في لحاق أول ، وكان مرجعا لضمير مفرد في "له" و "عمله" ، وَحُدَّ مجموعا في لحاق ثان ، وكان مرجعا لضمير مجموع في "وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ" ، فَعَمَّ إن مفردا أو مجموعا ، وإن كانت دلالة العموم في الجمع أظهر مع ما اطرد أبدا من دلالة التغليب التي تستغرق كل مكلف .
وثم من العطف ما يجري مجرى السببية ، فتزيين العمل السيئ وهو تصور يفضي إلى اتباع الهوى في القول والعمل وذلك الحكم ، وهو ما استوجب الأمر أَنِ : اطْلُبُوا الْبَيِّنَةَ الصحيحة الصريحة الناصحة فهي أمان من فساد التصور أن يُرَى السيئ حسنا ، وفساد الحكم أَنْ يُتَّبَعَ الهوى وذلك معنى يجاوز الأهواء العلمية المتبادرة إلى أخرى في العمل ، وهو كسائر الأسماء الدينية عام يستغرق المحال والأحوال كافة ، فاطلبوا البينة ولازمها النهي عن ضد أَلَّا تَتَّبِعُوا الأهواء فَتَضِلَّ بكم عن جادة الحق المحكمة ، فحصل من السياق مثال يحكي القانون العقلي المطرد في كل مسائل الاستدلال نقلا وعقلا وحسا ، قانون : التفريق بين المختلفات ولازمه في الدلالة : التسوية بين المتفقات ، وثم من الحذف ، على قولٍ ، ما يزيد في الدلالة على تقدير : أَفَسَدَ قياسكم في الباب فمن كان على بينة من ربه ، جل وعلا ، كَمَنْ زُيِّنَ له سوء العمل فَاتَّبَعَ الهوى ، وثم من أجرى الباب مجرى الأصل فلا حذف وإنما قدمت الهمزة استفهاما على الفاء العاطفة أن كان للهمز في الباب صدارة ، فحصل له من الحكم استثناء لا يجاوزه أن صُدِّرَ مطلقًا فجاوز العاطف ، وذلك ما يخالف عن الأصل ، فهو كالضرورة التي تقدر بقدرها ، إذ العاطف ، أبدا ، يتصدر الجمل .
وذلك ما يجري ، من وجه ، مجرى التعليل ، ولو لطيفا ، لما تقدم من عنوان آخر في الدلالة : عنوان القياس : قياس الْأَوْلَى في قوله تعالى : (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) ، فتلك كناية عن كثير فذلك سنن رباني يطرد في القرى المكذبة ، فهي أشد من مكة التي أخرجت صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلم تُغْنِ عنها القوة والشدة شيئا ، فأهلكها الله ، جل وعلا ، وذلك الخبر الذي حد جملة : "أَهْلَكْنَاهُمْ" ، وهو إهلاك أخص من آخر أعم يستغرق كل قَبِيلٍ : المؤمن والكافر ، فذلك مصير الخلق كافة ، فَهَلَكَ الناس جميعا حتى الأنبياء ، كما قال مؤمن آل فرعون إذ يحكي هلاك يوسف عليه السلام ، فهو هلاك الموت الذي جرى قلمه على الخلق كافة ، فَعُلِمَتْ نهاية كلِّ حيٍّ فمآله الموت ، وهو العلم المحيط بالكائنات كافة ، تقديرا وإيجادا ثم عدما هو نهاية كل حي ، كما في قوله تعالى : (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا) ، فَلَمْ يُرِدْ ، بداهة ، وهو الرجل المؤمن ، لم يُرِدْ نسبة الهلاك الأخص : هلاك الظالم بالعذاب ، لم يُرِدْ نسبتَهُ إلى يوسف الصديق ، عليه السلام ، وهو النبي المكلَّم ، فهلاكه مِمَّا جرى على الخلق كافة من قدر الموت الذي عُلِمَ أَزَلًا ثم سُطِرَ ثَانِيًا في لوح التقدير الذي استغرق المقادير كافة ، الكونية والشرعية ، ومنها مقادير الخلق من الحياة والموت والرزق .... إلخ ، فلم يهلك بعذاب كما هلك فرعون أو الأمم والقرى المكذبة ، وإنما جرى عليه قلم التقدير النافذ أَنْ : (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ، فذلك عموم قد استغرق الخلق كافة ، فكان النص القياسي في الباب ، فالفناء يلحق كُلَّ من على الأرض ، أو ثَمَّ ما هو أعم فكل ما في الوجود يَفْنَى بعد وجوده ، وهو ما يُخَصِّصُ العمومَ بالعقل إذ خرج واجب الوجود الأول : الرب الأعز الأكرم ، جل وعلا ، فهو الأول الذي لم يُسْبَقْ بِعَدَمٍ وهو الآخر فلا يلحقه الفناء ، فحصل من ذلك قدر فارق ضروري في النظر به تخصيص العام بالعقل فكلُّ مَا في الوجود فَانٍ مما يقبل الفناء إذ سُبِقَ أولا بالعدم ، وبه حصول القسمة الضرورية في الخارج : الأول والمحدَث ، الآخر والفاني ، فَثَمَّ شطر هو وصف الخالق ، جل وعلا ، فهو الأول والآخر ، وثم آخر هو وصف المخلوق فهو المحدَث والفاني ، فكلُّ مَنْ عَلَى الأرضِ خاصة يَفْنَى ، وكل ما في الوجود عامة يَفْنَى ، وهو ما خُصَّ ، كما تَقَدَّمَ ، بالعقل ، فَخَرَجَ كُلُّ من لا يجري عليه الفناء ، سواء أكان ذلك في حقه من المحال الذاتي كما الرب ، جل وعلا ، فهو ، كما تقدم ، واجب الوجود الأول ، أم من المحال لغيره ، كما في خَلْقٍ يخلقهم الله ، جل وعلا ، للجنة ، فمنهم الحور والولدان ، ومنهم خلق يخلقهم للجنة فيدخلهم ، بادي الرأي ، بلا سابقة تكليف وابتلاء أول ، فأولئك وإن لم يلحقهم الفناء ، فَلَيْسَ وصفُهم ، بداهة ، كوصف الخالق ، جل وعلا ، فإن بَقَاءَهُم وعدم فنائهم ليس ذاتيا بلا سبب من خارج ، بل ذلك بسبب من خارج وهو إبقاء الرب الخالق ، جل وعلا ، لهم ، خلاف بَقَاءِ الله ، جل وعلا ، فهو ذاتي لا يُعَلَّلُ فلا يفتقر إلى سبب من خارج يُبْقِي ، بل هو ، تبارك وتعالى ، الْمُبْقِي لِغَيْرِهِ بِمَا أجرى من قدَرِه وَأَمَدَّ من سَبَبِهِ ، فحصل التخصيص بالعقل ، وهو ما أُرْدِفَ احترازا ، وبه استيفاء القسمة مقابلة بين شطرين ، وطباقا بين مادتين ، مادة الفناء التي اشتق منها الوصف المشبه "فَانٍ" ، وهو ما يلازم الذات فلا يفارقها ، واشتقاقه ، أيضا ، من لازم لا يَتَعَدَّى وهي "فَنِيَ" ، فالفناء وصف ذات يلازمه فلا يُعَلَّلُ من خارج ، كما البقاء وصف ذات يلازم الله ، جل وعلا ، فلا يُعَلَّلُ من خارج ، فأوصاف كماله الذاتية والفعلية لا تفتقر إلى سبب من خارج ، فكلها قديم أول ، ومنها ما تحدث آحاد له تُصَدِّقُ فَنَوْعُهُ قديم كما اطرد من وصف الفعل ، فهو ، أبدا ، قديم النوع حادث الآحاد ، فحصل بذلك فُرْقَانٌ مُبِينٌ بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، وهو ما به الاستدلال بقوله تعالى : (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) يثبت ، فالتخصيص العقلي في الباب يجزئ ، ومع ذلك جاء الإطناب احترازا ، فـ : (يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ، فحصل من طباق الإيجاب بين مادتي "فَانٍ" و "يَبْقَى" بِرَدِّهِمَا إلى الأصول التي منها قد اشْتُقَّا : الفناء والبقاء ، فَثَمَّ طباق إيجاب يستغرق شطري القسمة ، وبه استبان القدر الفارق بين المخلوق والخالق ، جل وعلا ، وذلك قانون عام يستغرق ، فكلُّ مخلوق محدث فهو فان يهلك الهلاك العام الذي يستغرق المؤمن والكافر ، فكذا هلك يوسف ، عليه السلام ، إذ جَرَى عليه قدر الموت ، وهو ما عم كل أحد ، فـ : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) ، فَثَمَّ توكيد قياسي بالناسخ "إِنَّ" ، وهو ما تَكَرَّرَ فَدَخَلَ على شطري القسمة في الآية ، فكان من الخطاب ما توجه إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنظر في مبدإ التنزيل خطابَ مواجهةٍ يختص به فهو أولُّ مخاطب بالوحي ، خطابَ المبلِّغ المبيِّن للشرع ، وثم شطر ثان حُدَّ ضميره الغائب المجموع في "وَإِنَّهُمْ" فِي مقابلِ المخاطَب ، فاستغرق السياق طرفي القسمة : مَنْ خُوطِبَ مواجهة ، ومن لم يخاطب فَغَابَ ضميره المجموع الذي استغرق الخصوم بقرينة : (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) ، واستغرق الخطاب في "إِنَّكَ" ، استغرق الجميع بالنظر في دلالة معنى أعم فهي السُّنَّةُ الجارية في الخلق ، كافة ، ولا يخلو السياق ، لو تدبر الناظر ، من عموم ولو خطاب المواجهة الأول ، فَإِنَّ قرينة العموم في خطاب التكليف تُدْخِلُ كُلَّ مخاطَب بهذا الوحي ، فإنك أيها المخاطب سواء أكان المخاطب الأول : صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أم من سواه ممن خوطب بالتكليف ، أو هو ، أيضا ، مما يُوَاطِئُ بَيْتَ أَبِي الطيب :
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ******* وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا .
فالخطاب قد توجه إلى غير معين ، فهو القانون العام الذي يستغرق كلَّ مخاطب ، فَانْتَفَى العهد الخاص في الخطاب ، بل ثم عموم يجاوز حده المفرد إلى خطاب الجمع كافة ، فكل أولئك من الهلاك الأعم الذي يستغرق كُلَّ قَبِيلٍ من الخلق : آمنَ أو كفرَ ، فليس الإهلاك بالعذاب ، فكان القانون العام آنف الذكر في قوله تعالى : (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) ، وقد حُدَّ بالقصر نَفْيَا واستثناء ، نفيا بأداة النَّفْيِ "إِنْ" واستثناء فأداته : "إِلَّا" ، وهو الأقوى في الباب مَئِنَّةَ تَوْكِيدٍ يزيد ، وثم من زيادة "مِنْ" ما يجري مجرى الزيادة : زيادة المبنى مئنة من أخرى في المعنى ، وهي دليل في الباب أخص ، إذ تَنُصُّ على العموم ، وذلك مقام جلال بالقدرة والحكمة ، حكمة القضاء الكوني بفناء النوع الإنساني والأنواع كافة ، فَبِهَا ، كما تقدم مرارا ، قدر فارق يُبِينُ عن القسمة الضرورية في الوجود : الخالق الأول الآخر ، جل وعلا ، والمخلوق المحدث الفاني ، فَحَسُنَ ، من هذا الوجه ، إيراد الاسم مجرى الجمع في "نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا" ، فهو دليل تعظيم ، وثم من اسمية الجملة ما يحكي الثبوت فدلالتها في الباب آكد من الفعلية كأن يُقَالَ في غير التَّنْزِيلِ : إلا سَأُهْلِكُهَا ، أو سَنُهْلِكُهَا ، فَثَمَّ من القسمة ثانية ، فإما الإهلاك وإما العذاب الشديد ، وهو ما يرجح حملان الإهلاك في هذا السياق على الإهلاك العام بلا سابقة عذاب بما يجري من قدر الموت والفناء على الخلق كافة ، كما تقدم من العموم في آي الذكر المحكم : (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ، فكان من القسمة ما استغرق : الإهلاك العام ، وآخر خاصا بالعذاب الشديد ، وهو ما يواطئ الإهلاك في الآي آنف الذكر : (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) ، ومن ثم كان الختام استئنافا لا يخلو من دلالة التعليل ، فهو جواب سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما عِلَّةُ ما تَقَدَّمَ من قسمة الإهلاك أو التعذيب ، فكان الجواب : لأن ذلك كان في الكتاب مسطورا ، فهو من قدر التكوين النافذ ، فكان الاستئناف كينونة ماضية تحكي ديمومة وصف وذلك آكد في الدلالة ، من القول في غير التنزيل : سُطِرَ ذلك في كتاب التقدير ، فـ : (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) ، فَمِنَ الكينونة الماضية ما زَادَ في الدلالة معنى الديمومة وثم من الإشارة إلى البعيد في "ذَلِكَ" مَا يجري ، من وجه ، مجرى مطَّرِدٍ من لسان العربب أن يُشَارَ إِلَى ما انْقَضَى مطلقا ، قَرُبَ العهد به أو بَعُدَ ، أن يُشَارَ إليه إشارة البعيد ، أو هو من وجهٍ آخر في المعنى يحتمل ، إما العلو فهو من فعل الجلال : فعل الله المهلِك بالعدل والحكمة فلا ظلم ولا سَفَهَ فحسن لأجله إشارة البعيد تَعْظِيمًا ، وإما السفل بالنظر في حال القرى المعذبة التي حادت عن جادة النبوة فاستحقت الذم من هذا الوجه ، فكانت الإشارة إلى البعيد تحقيرا ، فاحتملت الإشارة كِلَا الوجهين ، وهو ما يسلك باسم الإشارة في هذا الموضع مسلك الأضداد إذ دل لفظه على المعنى وضده ، وبه يستأنس من يجوز دلالة العموم في اللفظ المشترك وبه إِثْرَاءُ المعنى إذ تَوَارَدَتْ عليه المعاني الصحيحة المتعددة والسياق واحد ، وثم من تقديم الظرف "فِي الْكِتَابِ" ، ثَمَّ مِنْهُ ما يجري مجرى قياس آخر في لسان العرب ، إذ تقديم ما حقه التأخير مَئِنَّةُ حَصْرٍ وَتَوْكِيدٍ فَسُطِرَ ذلك في الكتاب وحده ، وهو ما حُمِلَ عَلَى عَهْدٍ خاص فتلك دلالة الأداة "أل" إذ تحكي عنوان كتاب مخصوص وهو كتاب التقدير الذي سطرت فيه المقادير الكونية والشرعية كافة ، فذلك قانون عام يستغرق ، وبه الاعتبار يحسن ، فهو الخبر الذي يستوجب إنشاء يأمر بالإيمان والطاعة حتى يأتي اليقين والعبد على الجادة يسلك وذلك أمر ، لو تدبر الناظر ، يعظم ، فلا يناله إلا من هُدِيَ وَسُدِّدَ هدايةً أَخَصَّ تجاوز البيان والإرشاد إلى أخرى أعظم فهي التوفيق والإلهام ، وثم من النهي ما يلازم : النهي عن الكفران والعصيان فهو مما يستجلب العذاب : عذاب استئصال يعم أو آخر يخص ، فعنوان الإهلاك ، من هذا الوجه ، عنوان الوصف : وصف الفعل مئنة جلال وقدرة ، ولا يخلو ، كما تقدم ، من الحكمة ، إذ يوضع القدَرُ في المحل الذي يواطئ فيكون الإنجاء في المحل الذي يستحق ، ويكون الإهلاك في آخر هو الضد ، فاطرد القياس وانعكس ، ومن الإهلاك ، وهو الجنس العام الذي يجرده الذهن ، منه : إهلاك أعم يستغرق الخلق كافة ، ومنه خاص وهو الإهلاك بالتعذيب ، كما الشاهد في آي القتال : (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) ، ومرجع الضمير في "أهلكناهم" هو أهل القرية ، فيجري مجرى الحذف : حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، على تقدير : وكأين من أهل قرية ، كما الشاهد المشهور في هذا الباب من تقدير المحذوف في قوله تعالى : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، فكان من تقدير المضاف المحذوف ما يُوَاطِئُ السؤال فلا يكون إلا لمن يعقل ، والقرية بالنظر في وجودها في الخارج بُنْيَانًا وعمرَانًا ، القرية بهذا النظر مما لا يَعْقِلُ فلا يَتَوَجَّهُ إليها السؤال وإنما يكون لأهلها ، فَحُذِفَ المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وهو مما يستأنس به من يجوز المجاز في اللسان والوحي ، فَهُوَ من مجاز الحذف ، ومن ينكر المجاز في اللسان والوحي فهو يُجْرِي ذلك مجرى ما اطرد في اللسان فَصَارَ من حقائق العرف اللساني ، ولو حَمَلَ عنوان المجاز المشتهر فاشتهاره قد صَيَّرَهُ من الحقيقة العرفية المقيَّدة التي تُقَدَّمُ على نظيرتها اللغوية المطلقة ، فاحتمل باطراد الاستعمال ، احتمل عنوان الحقيقة فلا مجاز ، ولو حقيقة العرف المقيد التي تزيد على أخرى في اللسان تُطْلَقُ ، وَثَمَّ من المحققين من اقْتَرَحَ تخريجا ثَانِيًا يَلْطُفُ أن جعل اسم القرية عنوانا يطلقه الذهن وهو مئنة من مطلق الجمع كَقَرَى الماءَ في الحوض إذا جَمَعَهُ ، فتطلق القرية على مجموع البنيان والعمران وجها ، وتطلق على مجموع العمار والسكان آخر ، فكلاهما يدخل في حد القرية بادي الرأي على حد الحقيقة لا المجاز ، فهما نوعان يندرجان في مطلق الاسم : اسم القرية فهو دليل يحكي ، كما تقدم ، مطلق الجمع محسوسا أو معقولا ، عاقلا يخاطب أم آخر لا يعقل ، وهو بالنظر في إطلاقه الأول : حقيقة في كلا النوعين وإن زَادَ كلٌّ عليه قَيْدًا يُرَجِّحُ العاقل تارة وغير العاقل أخرى ، فهو ، من هذا الوجه ، مجمل يفتقر إلى بَيَانٍ من قَرِينَةِ نَقْلٍ أو عقل تُرَجِّحُ هذا أو ذاك أو تجمع بينهما وهو الأولى إن كان لذلك وجهٌ يُرْضَى ، إذ إعمال المعاني جميعا خير من إهمال بعض واعتبار آخر ، فإذا تعذر الجمع كان الترجيح بقرينة السياق أو الحال ، النقل أو العقل ، فرجح في هذا السياق : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) ، رجح أهلها إذ السؤال لا يَتَوَجَّهُ إلا لِمَنْ يعقل ، وإن استدرك بَعْضٌ بسؤال ما لا يعقل من الأطلال وآثار المحبوب ، فلم يكن سياق الآية : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) ، سياق البكاء على أطلال المحبوب ، بل كان على الأصل إذ به دليل به البراءة عند أبيهم أَنْ لَمْ يكن منهم في حق أخيهم تقصير ، فالسياق قد رَجَّحَ السؤال على وجهه ولا يحصل في سياق الاستبيان إلا أن يكون لعاقل يجيب بالإثبات أو بالنفي وليس ذلك ، بداهة ، ما يكون من البنيان والحجارة ، فكذا يقال في آي القتال : (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) ، فالقياس أن يرجع الضمير إلى القرية على تقدير : أهلكناها ، فكان المرجع إلى أهلها ، فـ : (أَهْلَكْنَاهُمْ) ، وإن لم يَحُلْ ذلك دون إهلاك البنيان ، فالعذاب يهدمه كما يُهْلِكُ عُمَّارَهُ ، وذلك سياق يجوز فيه حملان الإهلاك على كلا الوجهين ، وهو ما يحسن إعمالا هو ، كما تقدم ، الأولى من الإهمال ، فكان من ذلك حقيقة لا مجاز ، وإن قُدِّرَ لها من المحذوف ما يلائم ، وذلك فعل الجلال الذي أسند إلى ضمير الجمع المتكلم آية تعظيم تواطئ السياق ، وثم من العطف ما يجري مجرى التعليل ، فلا تخلو الفاء ، كما تقدم مرارا ، من دلالة السببية وإن لم تكن فيها نصا ، فأهلكناهم إذ لا ناصر لهم ، وهو ما عم إذ تَسَلَّطَ النفي على الاسم المنكر ، فَنَفَى جنس الناصر ، وهو وإن كان ، بادي الرأي ، ذا دلالة ظنية إلا أن السياق قد زَادَهُ دلالة القطع فلا مخصص إذ ذلك القضاء النافذ ، وهو ما يجري ، كما تقدم ، مجرى القياس الأولوي ، فإذ كان ذلك مآل الأقوى فكيف بما دونه من قرى أضعف وأخف وطأة ، فإهلاكها على الله ، جل وعلا ، أيسر ، وكل يسير في حقه ، تبارك وتعالى ، وإنما وَرَدَ ذلك في سياق الإلزام العقلي ، ولا يخلو من معنى إنشائي ينهى عن موافقة تلك القرى في ظلمها لئلا يكون للموافق مآل يواطئ مآلها وإن لم يطابقه في الخارج ، فالجنس العام المشترك واحد : جنس الإهلاك وإن اختلفت آحاده في الخارج ، وذلك ما استوجب في الدلالة العقلية الصريحة أَمْرًا بضده من الإيمان فهو سبب النجاة التي يطلبها العقلاء كافة ، فَاطَّرَدَ السياق وَانْعَكَسَ ودل بالمنطوق والمفهوم على شطرين بهما القسمة الخبرية والإنشائية قد اكتملت .

والله أعلى وأعلم .