مما اطرد ضرورةً في النقل المصدَّقِ والعقلِ المحقق أن الرب ، جل وعلا ، هو من يحاسب الخلق يوم البعث والحشر ، فلا يضره معصية العاصي كما لا تَنْفَعُهُ طاعة الطائع ، وذلك عنوان العدل المطلق إذ لا غاية ولا حاجة ، وإنما الكمال المطلق الذي يأمن المحاسَب به الظلم ، فـ : (لَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) ، وذلك عنوان عموم قياسي إذ تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل "يَخَافُ" ، فأفاد عموما في الدلالة ، فلا يخاف العبد أي خوف ، لا يخاف أَيَّ ظلمٍ أو هضمٍ ، إذ وَرَدَتِ النكرات "ظُلْمًا" و "هَضْماً" في سياق النفي ، أَيْضًا ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، عموم محفوظ فدلالته القطع وإن كانت دلالة العموم ، بادي الرأي ، دلالة الظن فثم من القرينة ثناء على الله ، جل وعلا ، بِنَفْيِ النقص ، ثم منها ما زاد في دلالة العام الظني فَصَيَّرَهُ المحفوظ القطعي في دلالته ، وهو ، كما اطرد في باب الاسم والوصف ، ذلك ما لا يُرَادُ ، بادي الرأي ، لذاته ، فلا يُرَادُ النفي في باب الثناء على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، لا يُرَادُ لذاته ، بل هو تخلية للمحل من وصف النقص تهيئة للتحلية بأوصاف الكمال : إثباتا لكمال ضد الْمَنْفِيِّ ، فَنَفْيُ الظلم في هذا الباب يستوجب إثبات كمال العدل ، وعلى هذا فَقِسْ في هذا الباب الجليل ، فلا يظلم إلا من نقصت ذاته أو حاله ، إذ النفع والضر يناله ، وهو ، مع ذلك ، عاجز أن ينفع أو يضر وإنما هو السبب الذي به النفع والضر لا استقلالا في التأثير وإنما يخضع لقدر التكوين وفعل التدبير من الرب القدير الحكيم ، تَبَارَكَ وتعالى ، القديرِ في خلق الأسباب وخلق قوى التأثير فيها ، الحكيم في إجرائها على سنن مخصوص متقن .
فكان من وصف مَنْ يدعو من تلك حاله من الخلق فلا يملكون الضر ولا النفع ، كان من وصفه في الأولى أنه : (يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) ، فتلك حال المشرك إذ يعبد ، وإنما ذكر الدعاء كناية ، أو فَرْدًا من أَفْرَادِ العام ، فلا يخصصه ، وإنما أفرده بالذكر لما له من ماهية مخصوصة تحكي عبودية الباطن والظاهر جميعا ، فلا يدعو اللسان إلا وثم في الجنان عنوان المحبة والرجاء ، والخوف والخشية ، وثم إيمان بالأسماء والصفات يَتَقَدَّمُ ، فهو التصور الذي يسبق الحكم سَبْقَ العلة للمعلول ، فكان الإيمان بالاسم والوصف : جلالا كالقدرة وجمالا كالعلم بحال الداعي والرحمة به أن يجيبَ الله ، جل وعلا ، دعاءَه أو يدخره له يوم الحشر أو يَرُدَّ به من شر المقدور ما يعدل ، وذلك عنوان آخر في باب القدر يحكي أوصاف الجلال والجمال جميعا ، فقدرة في الإجابة فضلا أو المنع عدلا ، بل قد يكون المنع خيرا بما ادخر منه يوم الحشر ، وما رُدَّ به من مقدور الشر ، فكان من العلم والحكمة مناط الجمال ، فالدعاء ، كما تقدم ، عنوان عبودية قد استغرقت الباطن والظاهر ، فالجنان قد انقاد وخضع ، ورغب ورهب ، وتحرك بعناوين المحبة والرجاء والخشية والخوف ..... إلخ ، وحصل فِيهِ من إرادة الدعاء ما به لَهَجَ اللسان ، فهو تأويل به خرج الدعاء من القوة إلى الفعل ، فالمنطق الظاهر تَأْوِيلُ المنطق الباطن ، ولا يدعو اللسان إلا وثم أصل في الجنان قد اعْتَقَدَ في المدعوِّ العلم بحاله والقدرة على إِجَابَةِ دُعَائِهِ ، فكان من فساد حال المشرك أنه : (يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) ، فَحُدَّ العامل "يَدْعُو" مُضَارِعًا يحكي ديمومة واستمرارا فتلك حاله المطردة وهو آكد في الذم إذ يَنْفِي شبهة الخطإ أو الزَّلَّةِ ، فقد صار عادة له وَخِصْلَةً ، ولا تخلو المضارعة من استحضار الصورة ، وهو ، أيضا ، آكد في الذم تسجيلا للجناية ، وثم ابتداء غاية دَلَّتْ عليها "مِنْ" ، فابتداء غاية دعائه من دون الله ، جل وعلا ، وذلك أول الظلم أَنِ انْصَرَفَ الداعي عن المدعوِّ الحق ، الله جل وعلا ، إلى غيره فهو المدعوُّ الباطل وإن بَلَغَ من الكمال ما بَلَغَ ، فالبطلان بطلان دعائه لا بطلان حاله مطلقا ، بل قد يكون في نفسه حقا فاضلا في الذات والوصف ، كما الأنبياء عليهم السلام ، وبه لهج صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم في دعائه ، فـ : "مُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ" ، فخص ثم عم في رواية ، وعكس في أخرى فَعَمَّ ثم خص ، فـ : "النَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ" ، وثم من الحمد صدرَ الدعاء أَنِ : "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ" ، ثَمَّ من هذا الحمد ما اسْتَغْرَقَ بدلالة "أل" التي استجمعت المحامد الذاتية والاسمية والوصفية والفعلية والحكمية ، محامدَ الجمال التي تتبادر ونظيرتها من الجلال وإن تلازما في الدلالة فذكر الحمد نصا ودلالته على المحذوف من المجد دلالة التلازم ، فالحمد يقترن بالمجد ، إذ الأول جمال والثاني جلال وبهما الثناء بالكمال المطلق على الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فَثَمَّ من عنوان الحمد ما استغرق ، من وجه ، وتلك مئنة عهد خاص إذ لا يَنْفَرِدُ بالحمد المطلق إلا الرب المهيمن ، جل وعلا ، وهو ما زِيدَ فيه الاختصاص بتقديم الظرف "لك" وحقه التأخير مَئِنَّةَ الحصرِ والتوكيد ، فضلا عن دلالة اللام في "لك" : دلالة الاستحقاق والاختصاص ، وهما مما رَشَّحَ العهد الخاص ، كما تَقَدَّمَ ، وَثَمَّ من الإطناب في الثناء ما حُدَّ قَصْرًا بِتَعْرِيفِ الجزأين في "أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ" ، وذلك من عنوان الإضافة في الاسم "قَيِّمُ السماوات والأرض" ، فَيَجْرِي مَجْرَى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، فالرب ، جل وعلا ، قَيِّمُ كُلِّ شيءٍ فهو الحي القيوم ، كما أبان عنه الذكر المحكم في أعظم آيه ، فـ : (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) ، وهو ، كما يقول أهل الشأن ، عنوان الكمال المطلق الذي استجمع أوصاف الذات حياةً وأوصاف الفعل قَيُّومِيَّةً ، فَلَهُ القيومية العامة ، وتلك دلالة "أل" في "القيوم" ، فلا تخلو من دلالات تَتَعَاضَدُ ، فَثَمَّ الجنسية البيانية ، وثم الاستغراق لوجوه المعنى ، وثم العهد الخاص إذ لا ينفرد بهذا الاستغراق ثَنَاءً إلا الله ، جل وعلا ، فَعَمَّ في الآية : (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) ، وخص في الخبر : "أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ" ، فذلك ، من وجه ، خاص يبين عن العام فَهُوَ مثال يُبِينُ عن ماهية العام المستغرق ، ولا يُخَصِّصُهُ ، كما يقول أهل الشأن ، وبعد القيومية كان تِكْرَارُ الحمدِ وكان من التعليل في الأولى أنه القيم ، وفي الثانية أن له الملك ، فـ : "لَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ" ، فلا يخلو الاستئناف في كلٍّ من تقدير سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة استحقاقه ، جل وعلا ، الحمد المطلق ؟! ، وإن كان كماله الذاتي مما لا يُعَلَّلُ ، فالسؤال ، من هذا الوجه ، لا يخلو من تَجَوُّزٍ ، فكان الجواب لأنه القيِّم ولأنه الملك الذي عمت قيوميته وملكه السماوات والأرض ومن فيهن ، وذلك عموم قد استغرق الكائنات كافة فجاوز الوضع الأول في معجم اللسان دلالة "مَنْ" على الجنس العاقل ، فالقيومية والملك قد اسْتَغْرَقَا كلَّ كائنٍ ، العاقلَ وَغَيْرَهُ ، فَثَمَّ من الملك ما انفرد به ، جل وعلا ، على حد القصر بتقديم ما حقه التأخير من الظرف "لَكَ" ، مع ما تقدم من دلالة اللام وضعا أول في المعجم حكاية الاستحقاق والاختصاص ، وبعده كان من عنوان الحق ما تَكَرَّرَ ، فـ : "لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ" ، وكلٌّ قد حُدَّ قَصْرًا بِتَعْرِيفِ الجزأين "أنت" و "الحق"، و : "وعدك" و "الحق" ، وثم إطناب بالوعد واللقاء ، وهما مما أخبر به ، جل وعلا ، في محكم التنزيل ، فيدخلان من هذا الوجه في عموم القول التالي في الذكر : "وَقَوْلُكَ حَقٌّ" ، فالقول منه الوعد والوعيد ، فَذَكَرَ الوعد قسيما لآخر محذوف وهو الوعيد وبهما اكتمال القسمة العقلية ، ولقاؤه ، جل وعلا ، من القول الذي به قد أخبر بَعْثًا وحشرا وحسابا وجزاء ، وبعده الطباق بين المآلين : الجنة والنار ، فـ : "الجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ" ، ثم العموم فالخصوص في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ" ، إذ أَفْرَدَ صَاحِبَ الشرَّعِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالذكر تَنْوِيهًا بشأنه العظيم فهو خاتم النبيين ، عليهم السلام ، ورسالته الجامعة المهيمنة بكتابها المحفوظ المتواتر .
والشاهد أَنَّ المدعوَّ قد يكون حقا في نفسه ، ودعاؤه ، مع ذلك ، من دون الرب الخالق الحاكم ، تبارك وتعالى ، دعاء باطل ، بل هو الشرك الناقض لأصل الدين الجامع ، وثم آخر يجري مجرى الشرك الأصغر الناقض للكمال الواجب فَيُنْهَى عنه سدا للذريعة أن يَنْتَقِلَ من التوسل بالمدعوِّ الحاضر أو الغائب ، الحي أو الميت ، أن يَنْتَقِلَ من هذا التوسل المحظور شركا أصغر ينقض الكمال الواجب ، إلى آخر محظور شركا أكبر ينقض الأصل الجامع أَنْ يَدْعُوَ المتوسَّل نَفْسَه فلا يضر ولا ينفع ، وكذا يقال بما يتحكم بعض تخصيصا بالفضيلة بلا مخصص ، كأن يخص بقعة فِيهَا المدعوُّ ، كأن يخصها بالدعاء رجاء الاستجابة ولا فضيلة بل هو التحكم المحض ، فينهى عنه ، أيضا ، سدا لذريعة ما بعده من التوسل بالميت إلى دعائه استقلاله ! ، وإنما يكون التوسل الأخص والدعاء الأعم بما أُثِرَ من التقرب إلى الله ، جل وعلا ، بالاسم والوصف ، أو العمل الصالح كما صنع أصحاب الغار إذ تَوَسَّلُوا بصالحاتٍ من أعمالهم ، أو دعاء الحي الصالح الحاضر ، وإن كان الأولى أن يتوجه صاحب الدعاء بدعائه ، كما الرقية الشرعية ، فجاز طلبها من الصالح استرقاءً ، وإن كان الأولى كمالَ تَوَكُّلٍ أَنْ يَرْقِيَ نفسه فلا يَسْتَرْقِيَ .

فكان من عنوان الدعاء ما بَطَلَ في الآية : (يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) ، فذلك باطل أول ، وثم ثان وهو دعاء ما لا يضر ولا ينفع ، فدعاء غير الله ، جل وعلا ، يقبح عامة ، فكيف بِدُعَاءِ ما لا ينفع وما لا يضر ، وإن كان ذلك ، من وجه آخر ، وصفا كاشفا فكلُّ مَا يُدْعَى من دون الله ، جل وعلا ، فلا يضر ولا ينفع ، وإن كان سببا في ذلك فلا يستقل بالتأثير ، بل لا بد من شرط يُسْتَوْفَى ومانع يَنْتَفِي ، ولا بد من سبب أول يتقدم حتى تبلغ الأسباب جميعا سببا أول لا سبب وراءه ، فكان من دعائه ما لا يضر ولا ينفع : إطناب في وصف المدعوِّ طباقَ إيجابٍ بين مادة الضر ونظيرتها من النفع ، وقد قُدِّمَ الضر في قوله تعالى : (مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ) فهو محل الرهب ، واستدفاعه أول قَبْلَ جلبِ النفع ، فَنَفَى عنه الضر أولا تَسْكِينًا لِنَفْسِ الداعي فلا يخشى المدعوَّ إن كان طاغوتا يزعم الاستقلال بالضر والنفع ، وثم من عنوان الموصول "ما" : حكاية عموم يستغرق فهو يجاوز حد المعجم إذ وُضِعَ لِغَيْرِ العاقل ، فجاوز في الدلالة فاستغرق الكائنات كافة ، ما عقل وما لم يعقل ، فيجري ، من هذا الوجه ، مجرى الخاص الذي يُرَادُ به عام ، وقد يُقَالُ ، من وجه آخر يلطف ، إن العاقل من أولئك قد نُزِّلَ منزلة ما لا يعقل إمعانا في وصفه بالعجز فكيف يُدْعَى من دون الله ، جل وعلا ، وذلك حَدُّهُ من النقص ؟! ، وهو ما حسن معه الختام استئنافا يطنب في الذم ، ذم الفعل فـ : (ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) ، فأشار إلى البعيد ، وهو ، كما تقدم مرارا ، ما احتمل وجوها ، فَثَمَّ من حمله على المعهود المطرد في لسان العرب أن يُشَارَ إلى مَا انْقَضَى من الكلام مطلقا : إشارة البعيد قَرُبَ العهد به أو بَعُدَ ، وثم من جعله مَئِنَّةَ بُعْدٍ آخر ، وهو البعد المعنوي ، وذلك ، في نفسه ، محل إجمال يحتمل ضدين ، فالبعد يكون علوا وسفلا ، ثَنَاءً وَذَمًّا ، فاحتمل ضدين قد صَيَّرَاهُ في الباب مُشْتَرَكًا لفظيا قد جاوز بإجماله سائر المشتركات فَأُفْرِدَ بِلَقَبِ الأضداد وهي الأعوص في الاستدلال فَافْتَقَرَتْ إلى القرينة ما لا يَفْتَقِرُ سواها من المشتركات ، فكان من القرينة في هذا السياق ما رَجَّحَ السفل والذم ، فـ : (ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) ، كما أن ثَمَّ من القرينة في آخر ما أفاد ضدا من العلو والمدح في قوله تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ، ومحل الشاهد ختامُ الآية : (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) .

وَثَمَّ من التوكيد ما حسن في سياق الذم تنفيرا من حال من دعا ما دون الله ، جل وعلا ، ثم ما حسن في هذا السياق من جمل توكيد قياسية ، فكان القصر بتعريف الجزأين في قوله تعالى : (ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) مبالغةً في الوصف ، فليس قصر الحقيقة بل ثم ما يضاهيه في الضلال من أجناس الشرك والكفران اعتقادا أو قولا أو عملا ، وثم من ضمير الفصل "هو" ما زَادَ في القصر ، وثم من عنوان "أل" في "الضلال" ، ما استغرق وجوه المعنى ، فذلك العموم المعنوي في سياق ذم وتنفير ، وثم من الإطناب في الوصف فهو البعيد .

وَمِنْ ثَمَّ كان الإطناب على حد التكرار في قوله تعالى : (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) ، فالمضارعة على ما تقدم من استحضار الصورة في سياق الذم ، والديمومة والاستمرارا إمعانا في القدح ، وقد زِيدَ في العامل ، كما يقول أهل الشأن ، زيد فيه معنى الزعم والقول على تأويل : يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهُه ، أو : هو إلهُه إذ يدعوه من دون الإله الحق فذلك زعمه وقوله وإن لم يصرح فهو لازم ما يفعل إذ لولا اعتقاد رُبُوبِيَّتِهِ نَفْعًا وضرا ما تأله له بالدعاء وهو جوهر العبادة ، فَزِيدَتْ لام الابتداء في "لَمَنْ" ، وزيادتها مئنة من أخرى في المعنى فهي لام الابتداء توكيدا لفظيا ، وَزِدْ عليه الخبر المحذوف الذي قدر كما تقدم "إلهُه" أو "هو إلهُه" ، وثم من أجرى الكلام على حده بلا حذف ، فهي لام ابتداء قدمت وحقها التأخير إذ تدخل على الصلة "ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ" ، على تأويل : يدعو مَنْ لَضَرُّهُ أقربُ من نفعه ، وقد يرجح هذا الوجه إذ لا حذف فهو جار على الأصل فمتى دار الكلام بين الحذف وعدمه ، فالأصل عدمه ، وثم من إثبات الضر والنفع في هذا السياق ما قد يوهم التعارض إذ نفاه في الآي المتقدم ، ثم أثبته في هذا الآي ، وهو ما أجاب عنه أهل الشأن بانفكاك الجهة فلا تعارض ولا تناقض ، إذ جهة النفي تغاير عن جهة الإثبات ، فجهة النفي في قوله تعالى : (مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ) تنصرف إلى الدنيا ، وجهة الضر المثبت في قوله تعالى : (ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) تنصرف إلى الآخرة إذ ضره آنذاك أقرب بما يَرَى المشرك من شؤم إشراكه بالله ، جل وعلا ، إذا دعاه معه ، فحصل له به الضر من هذا الوجه ، ومن ثم كان الإطناب ذما قياسيا كما قرر أهل النحو : (لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) ، وهو ما زيدت فيه لام الابتداء ، أيضا ، في "لَبِئْسَ" ، أيضا ، وقد كُرِّرَتَ في كل شطرٍ من الكلام ذما ، فكل أولئك مما به توكيد المعنى في سياق الذم تَنْفِيرًا إذ لا يخلو من دلالة إنشاء يلازم ألا تدعوا من دون الله ، جل وعلا ، ما لا يضر ولا ينفع ، بل ادعوا الله ، جل وعلا ، وحده فهو من يَنْفَعُ ويضر بما أجرى من الأسباب ، فذلك ، أيضا ، من التلازم في الاستدلال ، إذ النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده ، فالنهي عن التشريك في الدعاء يستلزم الأمر بالتوحيد فيه : توحيد الإله الحق ، جل وعلا ، إذ وحده من يجري الأسباب في الكون تسييرا وتأثيرا ينفع ويضر ، وذلك ما يرد عجز الكلام إلى صدر أول لا يزال يَتَكَرَّرُ في غايات التنزيل الرئيسة فقد نَزَلَ من رب يخلق ويرزق ويدبر ، وذلك محل إجماع بين العقلاء كافة ، إلا من كابر فَجَحَدَ أو سفسط فهو المريض الذي يستوجب الدواء إذ فسد منه معلوم ضروري يواطئ بَدَائِهَ العقل والفطرة والوجدان الباطن والظاهر بما يطالع من آي الكون الباهر ، وغاية الوحي أَنْ يُبِينَ عن أوصاف هذا الرب الحميد المجيد بوصف جلاله وجماله ، وتلك من غايات التنزيل الرئيسة وهو ما جاوز إلى معنى أدق : فِعْلِ الربوبية وحكمِ الألوهية فهما تأويل الأوصاف الربانية خلقا ورزقا وتدبيرا ، والأوصاف الإلهية خبرا وإنشاء ، وذلك ما خالف فيه الملأ في كل جيل ، فمنهم من بَلَغَ في الجحود غايةً فأنكر عنوان الربوبية والألوهية جميعا ، وثم من أقر بالأول ، ولو في الجملة ، عِلْمًا بلا أَثَرٍ في العمل يظهر إلا ما يكون من فطرة في الأخلاق والفضائل وما يَتَأَوَّلُ العبد من فعل الخير تصديقا لما جُبِلَتْ عليه النفوس ، فَأَقَرَّ بالأول خالقا وجحد الثاني فلم يُقِرَّ بالألوهية إذ ثم قَيْدُ التكليف الشرعي بالأمر والنهي بما خالف عن الهوى والحظ لا سيما الملأ فَهُمْ فِي كلِّ جيل خصومُ التَّنْزِيلِ أحكاما تَلْزَمُ ، وإن أقروا بالأخبار فتصديق مجمل يخالف عن دلالة التلازم ضرورةً في القياس الناصح إذ يَقْضِي باقتران المتلازمين ، وهو في هذا الموضع : اقتران السبب والمسبَّب ، فربوبية التكوين سبب في ألوهية التشريع فَعِلَّةُ أنه الإله الحاكم ، أنه من اتصف بالكمال مطلقا حكوماتِ جلالٍ وعزائم وأخرى من الجمال رخصا ، فذلك عنوان أعم ، وثم أخص ، وهو وصف الربوبية خلقا ورزقا وتدبيرا فتلك علة استحقاقه لقب الإله حُكْمًا وَتَشْرِيعًا ، فحصل تلازم في الدلالة العقلية الصريحة خالف عنه أصحاب الهوى والحظ من الملإ في كل جيل ، فكان من التعارض بل والتناقض ما لا يسلم منه مشرك إذ يُقِرُّ بِرَبٍّ مُدَبِّرٍ ثم هو يدعو من هو عاجز فلا يقدر ، جاهل فلا يعلم ، وذلك عنوان يجاوز المذكور في الآية من الدعاء ، فيجاوزه بالنظر في معنى أعم ، فالدعاء ، كما تقدم ، جوهر العبادة ، والعبادة فعل يستغرق الباطن والظاهر بما استجمع من دلالات الاعتقاد والقول والعمل ، وذلك ما استغرق المحال والأحوال جميعا ، ما خَصَّ في الذات وما عَمَّ في الجماعات ، وهو ، أبدا ، محل الخصومة بين الرسالة والحداثة بمثلها كافة ، ما اقتصد في الخصومة فهو اللاديني الذي يضاهي في القسمة آنفة الذكر من أَقَرَّ بالربوبية وأنكر لازمها من الألوهية فلا يخلو من تَنَاقُضٍ في الاستدلال بما تقدم من المخالفة بين متوافقين : اللازم والملزوم ، العلة والمعلول ، فتوحيد الربوبية يُرَادُ لذاتِه ، من وجه ، وهو ، من آخر ، عِلَّةٌ لِمَا بَعْدَهُ من توحيد الألوهية الذي استغرق ، كما تقدم ، المحال والأحوال كافة ، فكانت خصومة الحداثة له حتما يلزم ، إن اللادينية التي اقتصدت في الخصومة وإن خالفت عن الحكومة ، الحكومة العقلية الصريحة فأثبتت الملزوم ربوبية ونفت لازمه ألوهيةً تُقَارِنُ ، أن كان منها تشريع يلزم وهو لِمَا حَدَثَ من حكومات الأرض يَأْطِرُ ، فهو الحاكم من أعلى وهو المرجع المجاوز من خارج العقول والنفوس بما احتملت من الأهواء والحظوظ ، فَيَقْضِي فِيهَا بالإقرار تارة والإنكار أخرى ، فَيُجْرِي منها ما وَاطَأَ الشرعة المحكمة وَيَنْقُضُ منها ما خالف عنها ، فالوحي هو الحاكم لما يطرأ من الهوى والحظ ، فليس المحكوم بما تهوى العقول وتجد النفوس ، وإلا صار محل تأويل يبعد بل ويلعب في أحيان فهو الباطن الباطل الذي لا يواطئ الحق الناصح نقلا وعقلا فَيَتَكَلَّفُ صاحبه من وجوه التأويل ما لا يخفى بطلانه لا سيما في جيل قد عظمت فيه البلوى انهزاما لمن تحمل الوحي فلم يَسْتَعْلِ به فيعز في نفسه ويعز غيره في الخطاب عِزَّةَ العادلِ الذي قَرَنَ الحق بقوة تدفع وتفتح ولها في كل حال من التأويل ما ينصح ، ولا يكون ذلك إلا والوحي مرجع وهو ما تُنْكِرُ الحداثة وتجحد لا سيما مثلها ضد الدينية التي ذهبت في الجحود والتعطيل كل مذهبٍ ، إن في الأخبار أو في الأحكام ، إن في عنوان الربوبية خلقا أو الألوهية شرعا ، وإن أقرت بعض مثلها اللادينية بمعاني الربوبية والوحي ، فلا تَرَى السماء ، مع ذلك ، مرجعَ تشريع يحكم ، بل تَرَى التشريع من الأرض يطرأ بما رُدَّ إلى معيار الهوى والذوق ولكلٍّ منه حظ بما جُبِلَ عليه الخلق من الفقر والنقص ، وذلك ما يجعل الشريعة على أنحاء تَتَغَايَرُ لا تغاير الحكمة في وضع كلِّ حكمٍ في المحل الذي يواطئ وإنما تغاير الاختلاف والاضطراب تحكما يفرق بين المتماثلات ويسوي بين المختلفات إن في التصورات العلمية أو في الحكومات العملية ، فلا يحسم هذه المادة المفرِّقة إلا مادة الوحي المجمِّعة التي تجمع الخلق على كلمة سواء من التوحيد والتشريع ، فـ : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) .
فتلك العبودية التامة المجزئة في بابها فلا تناقض ولا تعارض بين أجناسها : ربوبيةً وألوهيةً ، علمًا وعملًا ، خاصا وعاما ، فذلك عنوان تناقض آخر يؤمن بِبَعْضِ الكتاب ويكفر ببعض فيجعله مرجع تشريع في موضع ويعطله في آخر أن كان المرجع ، لو تدبر الناظر ، الهوى والحظ لا النبوة والوحي ، وإنما غاية من تلك حاله أن يواطئ الوحي عرضا بلا قصد يواطئ فهو يَتَحَرَّى حكومة الوحي في كل حال ومحل .

فيصدق فيمن تلك حاله أن يدخل في عموم الآي آنف الذكر : (يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) ، فمادة الدعاء قد جاوزت المتبادر من دعاء الثناء أو المسألة ، فذلك ما استغرق أجناس العبادة كافة ، ومنها امتثال الحكومات التشريعية رسالةً هي المرجع المجاوز من خارج وهي الحاكمة المهيمنة على كلِّ شرع حادث ، لا جرم كان من الحد قصرا يفيد المبالغة في قول صاحب الشرعة المحكمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" ، فكان من ذلك ما اطرد في الدلالة اللسانية : تعريف الجزأين : "الدعاء" و "العبادة" ، وما زِيدَ في المبنى ضميرَ فصلٍ فلا تَنْفَكُّ زيادة مَبْنَاهُ تَدُلُّ عن أخرى تضاهيها في معناه ، فذلك من المبالغة ، من وجه ، بالنظر في حد الدعاء في الاصطلاح ، وهو ، لو تدبر الناظر ، من الحقيقة بالنظر في معنى الدعاء الأعم ، عبودية استغرقت المحال والأحوال كافة فهي عنوان قد استغرق ، كما حد أهل الشأن العبادة ، قد استغرق الأقوال والأعمال ما بطن منها وما ظهر بما استجمع عنوان الديانة المجزئ : اعتقادا وقولا وعملا ، فهي ما يحب الله ، جل وعلا ، المعبودُ بحق بما أَنْزَلَ من الوحي خبرا وحكما ، فالدعاء بهذا المعنى الأعم هو عنوان العبودية : غاية الخالق ، جل وعلا ، من الخلق ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فكان من الحد : حقيقة ، وهو ما أبانت عنه تلاوة صاحب الشرع المنزل آي غافر المحكم : (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ، والقياس أن يقال : إن الذين يستكبرون عن دعائي ، فذكر العبادة حدا يواطئ الدعاء في الدلالة ، فذلك ما يواطئ الحد المطابق في الخبر آنف الذكر : "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" .

والله أعلى وأعلم .