مما تقرر ضرورة في النقل والعقل تلازما بين متلازمين لا يفترقان إذ يدوران معا دوران العلة والحكم ، وجودا وعدما ، طردا وعكسا ، من ذلك الضروري في باب العلم أن طاعة الله ، جل وعلا ، لا تكون إلا فَرْعًا عن محبته ، إذ لا يطيع الإنسان اختيارا إلا من يحب ، كما قال الشافعي ، رحمه الله ، منكِرًا :
تَعصي الإِلَهَ وَأَنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ ******* هَذا مَحالٌ في القِياسِ بَديعُ .
فذلك مما يجري مجرى الإنكار والتوبيخ على تقدير الهمز استفهاما ، فتأويله : أتعصي الإله وأنت تظهر حبه ؟!
فكان من القيد بالحال "وَأَنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ" ، وهو مما خالفت به البينة الدعوى ، فَبَيِّنَةُ الظاهرِ : عصيان القول والعمل ، والدعوى اللسانية المجردة : حب الإله ، والحب ، لو صدق المحب ، باعث يَطَّرِدُ وَيَنْعَكِسُ ، فيطرد فعلا لما يرضي المحبوب ، وَتَرْكًا لما يكره ، فيكون من الطاعة الدينية تأويل المحبة الوجدانية ، محبة الله ، جل وعلا ، الإله الحاكم المهيمن بالأمر والنهي والتشريع الذي يجاوز الحكم التعبدي المحض إلى عناوين قِيَاسٍ تُحْمَدُ في نَوَازِلِ الخاصة والعامة ، فَاسْتَحَقَّ هذا المنصب الديني الأعلى إذ هو الرب المهيمن بالخلق والرزق والتدبير ، فَلَهُ هيمنة التكوين وأخرى من التشريع تلازم وبهما مجموع التوحيد الخبري والإنشائي ، وله من عناوين الكون والشرع كلمات الخلق والأمر ، وذلك ما اتصف به اتصاف الأزل فهو الأول بالذات والاسم والوصف ، ومنه اسم العليم ووصف العلم المحيط بالكونيات والشرعيات كافة ، ووصف الكلام فمنه التأويل لما تقدم من العلم الكوني والشرعي ، فتأويله ما يكون من الكلام الكوني خلقا ورزقا وتدبيرا ...... إلخ من حكومات الربوبية ، والكلام الديني خبرا يُثْبِتُ وَيَنْفِي وإنشاءً يأمر وينهى وتلك حكومات الألوهية ، فمناط الطاعة في الأول : توحيد بأفعاله خلقا ورزقا وتدبيرا ، ومناط الطاعة في الثاني توحيدٌ بأفعال المكلفين تصديقا بالخبر وامتثالا للحكم ، أمرا ونهيا ، وتلك آية الطاعة الدينية في الخارج : أَنْ يكون امتثال الأمر بفعل المأمور وامتثال النهي بترك المحظور ، فكان من الإنكار في كلام الشافعي ، رحمه الله ، ما تَوَجَّهَ إلى العاصي المدَّعِي أعظم دعوى : دعوى المحبة ، فآيتها في الخارج الطاعة فعلا وتركا ، وهي اسم يجاوز ما قد يتبادر من فعل المأمورات ، بل ثم طاعة بالترك كما أخرى بالفعل ، فترك المحظور : طاعةٌ تحكي دليل صدق في باب المحبة إذ خالف المحب عما يُسْخِطُ محبوبه وَيُغْضِبُ ، فَتَحَرَّى ما يرضيه في كل حال باطنة أو ظاهرة ، واجتهد أن يَتَأَوَّلَ الخبرَ بالتصديق والحكم بالامتثال ، فلا يكون ذلك إلا وثم محبة باطنة لا تنفك آثارها تظهر في الخارج ، فيكون لهج اللسان بذكر المحبوب ، وتكون الأركان على ما يُرْضِيهِ من الأفعال والتروك ، فكان من حسن الملاءمة في لفظ الشافعي أن قَرَنَ العصيان باسم الإله لا الرب ، فالعصيان يكون في باب الأمر والنهي وبهما التَّأَلُّهُ وَالتَّنَسُّكُ ، وهما من الإله الحاكم وحي يَتَنَزَّلُ ، فالوحي مادة التكليف وبه الابتلاء المبين عن الحقائق ، حقائق الدعاوى الإيمانية ، ومعدنها المحبة والخوف ، وهما أصل كلِّ حركة في الخارج تَرْكًا وهو ، كما تقدم ، تأويل الخوف وبه التخلية لِلْمَحَالِّ من مادة العصيان والكفران الجالبة للغضب والسخط ، وَفِعْلًا وهو تأويل المحبة وبه التحلية لِلْمَحَالِّ بمادة الطاعة والإيمان الجالبة للمحبة والرضى ، فكان من التناقض بين الدعوى والشاهد ما به استحق صاحبها لقب الكاذب أو الفاسد ، فَقِيَاسُهُ فَاسِدٌ إذ خالف عن الجادة تلازما قد اطرد بين المحبة والطاعة فِي حَدٍّ ، والكره والمعصية في آخر ، وإن كان الأول أظهر ، فكان من التقييد بالحال "وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ" ما أبان عن الجناية الدينية والعقلية فقد خالف صاحبها عن النقل المصحَّح والقياس المحقَّق ، خالف عنهما جميعا ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، محل النِّزَاعِ في المعنى وإن اكتمل حد المبنى بما تقدم : تعصي الإله ، فالحال المقيدة ، وإن فضلةً في لفظها إلا أنها عمدة في المعنى ، فلا يكتمل الإنكار إلا بها ، وإن كان ثم إنكار بالنظر في المبدإ لو اقتصر المتكلم على قوله : تعصي الإله ؟! ، فذلك في نفسه محل إنكار ، إن بالنظر في معنى الجمال ، فَتَعْصِي الإله وهو الذي خَلَقَ وَرَزَقَ وَدَبَّرَ ، فالإله الحاكم هو الرب الخالق ، على حد التلازم العقلي المصرِّح بعلم ضروري محكم يجده كل عاقل بما جبلت عليه النفوس من فطرة التكوين ، فَتَعْصِي الرَّبَّ الذي أَنْعَمَ بوصف جماله ، وذلك الملزوم الذي أبان عنه اللازم المذكور ، فهو دليل الملزوم المحذوف قسمةً عقلية استغرقت أجزاء الحقيقة الدينية في الخارج : توحيد العلم تصديقا بالخبر وذلك عنوان الربوبية اختراعا وعناية ، وتوحيدَ العمل امتثالا للحكم وذلك عنوان الألوهية محبة في الباطن هي عنوان الدعوى وهي الباعث لما يكون من أمارات المحبة ولوازمِها في الخارج قولا وعملا ، فكان الاستفهام : أتعصي الإله ؟! ، فذلك في نفسه محل إنكار ، إن بالنظر في معنى الجمال آنف الذكر بما كان من تلازم بين عنوان الربوبية التدبيرية والألوهية التشريعية ، أو بالنظر في معنى الجلال وهو النص : عنوان ألوهية فهي ما انْصَرَفَ إلى معاني الامتثال الديني لحكم تكليفي مُلْزِمٍ ، فذلك الحكم من أعلى وهو دليل الجلال من تشريع الآمر ذِي السلطانِ ، فالإنكار قد حصل ولو اقتصارا على الاستفهام : أتعصي الإله ؟! ، فذلك في نفسه محل إنكار سواء أَظْهَرَ المدعي المحبة أو لم يظهر ، وكان من القيد بالحال "وأنت تظهر حبه" ما استوجب مزيد إنكار ، فَقَدِ ادَّعَى العاصِي ما تفضحه حاله في الخارج ، من قول وعمل يخالف عن مقتضى المحبة ، فمقتضاها الطاعة ، والتلازم بينهما : تلازم الباعث الباطن والحكم الظاهر ، العلة والمعلول ، فالمحبة أول والطاعة ثان بالنظر في معنى أخص يقصر الطاعة على الفعل ، فالخوف في المقابل أول والطاعة ثان في معنى آخر أخص يصرف الطاعة إلى التَّرْكِ ، وثم المعنى الجامع فعلا وَتَرْكًا ، فذلك الجنس الأعلى في بابه : باب الطاعة ، وباعثه المحبة ، فهي أول وهو المحل الثاني ، فالمحبة باعث الباطن والطاعة تصديق الظاهر ، فَاقْتَرَنَا اقترانَ الضرورة العلمية وجودا وعدما ، وذلك ما استوجب الإنكار في شطر الباب الأول ، وهو الإنكار بالاستفهام ، وبعده آخر بالإخبار ، نص على المخالفة ، مخالفة الدعوى للقياس الصريح ، فـ : "هذا محال في القياس بديع" .
فهو المحال الذي لا يكون إذ يخالف فيه اللازم عن الملزوم ، وثم من دلالة "أل" في "القياس" ما يجري مجرى العهد الخاص ، فذلك القياس الصريح المحكم ، فتلك دعوى من الْمُحَالِ العقلي إِذْ تَخَالَفَ شطراها ، كما تقدم ، شطر الدعوى وشطر البينة ، فدعوى المحبة بَيِّنَتُهَا الطاعةُ قولا وعملا ، باطنا وظاهرا ، فهذا محال في القياس الصريح ، فَحُذِفَ الوصفُ ، وصف الصريح ، إِذْ دَلَّ عليه السياق اقتضاء ، كما قال أهل الشأن في نحو قوله تعالى : (قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) ، أي : البين وإلا لزم القول أنهم كانوا كافرين حتى ذلك الحين إذ جاءهم بالحق المبين ! فلم يكونوا بَعْدُ يصدقون بِنُبُوَّتِهِ ! .
فالإنكار في قول الشافعي يَتَوَجَّهُ إلى صاحب دعوى خالفت عن البينة ، فخالف صاحبها عن القياس الصريح الذي يَقْضِي باقتران المتلازمين : اللازم والملزوم ، وجريانهما جميعا على حد الدوران وجودا وعدما ، فالدعوى التي يقترن فيها التصور بالحكم ، أو الملزوم العلمي في الوجدان الباطن وهو باعث القول والفعل في الخارج باللازم العملي في الخارج قولا وعملا أو آخر أعم يجاوز بالعمل حد الظاهر إلى ما بطن من حركات الجنان إراداتٍ تحكي عنواني العبودية الرَّئِيسَيْنِ : الخوف والمحبة ، الخوف تخليةً والمحبة تحليةً ، فهما عنوانا العبادة حَدًّا قد استجمع المحدود بالنظر في فعل المكلف ، فالعبادة ، كما حدها أهل الشأن بالنظر في فعل المكلف ، العبادة : كمال الحب مع كمال الخوف ، وبهما ، كما تقدم مرارا ، التخلية والتحلية بما يجاوز حد الدعوى اللسانية المجردة دون دليل في الخارج يشهد شهادة الصدق المحكمة بحركات اللسان الذاكر وحركات البدن الفاعل ، وتلك المفعولات التي تحكي الحكومات الدينية التكليفية وبها حُدَّتِ العبودية بالنظر في أقوال المكلف وأعماله ، فهي الاسم الجامع لكل ما يحب الإله الحاكم ، جل وعلا ، من الأقوال والأعمال الباطنة وهي : البواعث ، والظاهرة وهي : الشواهد ، شواهد الصدق على دعوى المحبة والخوف ، وإلا كانت الدعوى كذبا أن خالفت الشواهد العملية عن الدعاوى اللسانية ، فذلك ما أنكر الشافعي أَنْ جَرَّدَ اللسان دعوى محبة تَسْهُلُ ولم يقرنها بعنوان التصديق بالطاعة ، وذلك ما يعسر ، فهو محل الابتلاء في آية المحنة أن : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) ، فكان من القول في سياق التحدي إلهابا وتهييجا للمخاطَب ، فثم أمر إيحاب بالنظر في دلالة الوضع الأولى أَنْ "قُلْ" ، دلالة المعجم التي يجردها الذهن في مطلقات الفهم ، فكان الأمر الذي لا يخلو ، كما تقدم في مواضع ، من عموم تكليف يجاوز المخاطب الأول ، صاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فخطابه أبدا بالنظر في شخصه الموقَّرِ في الخارج ، فهو محل البلاغ والبيان الأول ، وهو محلُّ آخرَ منه يلزم : التبليغ والتبيين لمن خلفه رسالةَ عمومٍ استغرقت الخلق كافة ، فدخوله في هذا العنوان دخول الجزم فلا يقبل تخصيصا ، إذ من يُبَلِّغُ وَيُبَيِّنُ إذا اسْتُثْنِيَ صاحبُ الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟! ، فذلك تكليف النبوة الأول بالنظر في المعنى الأخص ، فوظيفتها البلاغ والنقل ، وهو ما استغرق عموم ما تَنَزَّلَ مما به التكليف يَثْبُتُ إن علمًا أو عملًا ، فخرج ما لا تكليف به يَعُمُّ إن من أفعال الجبلة فلا يَتَوَجَّهُ فيها معنى التكليف والابتلاء بما به يمتاز الخلق ، فليست محل تكليف لا عام ولا خاص بصاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَبِمَ يكون الامتياز في باب الاشتراك ضرورةَ الخلقَةِ ؟! ، فلا يكون ثم تكليف في هذا الباب إذ لا معنى في التعبد والابتلاء يميز مُؤْمِنًا من كافرٍ ، طَائِعًا من عَاصٍ ، وإنما يدخله التكليف من وجه يَلْطُفُ وهو ما اصطلح أهل الشأن أنه سُنَّةُ العادةِ ، فلا معنى خاص فيها يَتَعَبَّدُ به المكلَّف ، وإنما يَتَعَبَّدُ بالاقتداء بصاحب الشرع المحكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم آيةَ محبةٍ ، وهي مما به الإيمان يكمل الكمال الواجب بل لا يكون أصلُ إيمانٍ أول إلا وَثَمَّ من المحبة قدر يجزئ ، فلا يتصور إيمان صاحبه يُبْغِضُ مَنْ حمل إليه مادته من الخبر والحكم ، فكيف يحمل عنه الدين وهو يُبْغِضُهُ ؟! ، وذلك ما لزم القادح في عدالة الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وهم مخرج الشريعة الأول ، فطرق الرواية آيا وأخبارا ، متواترا وآحادا ، طرقها جميعا تدور على هذا الجيل فَمَنْ أبغضه وقدح في عدالته بل وفي أصل ديانته أَنَّى له أن يتحمل عنه شريعة تكليف تُلْزِمُ ؟! .
فسنة العادة ، وهي محل شاهد تقدم ، لا تخلو من معنى تكليفي يلطف ، أن يكون الاقتداء لا بالنظر في ماهية الفعل فهو من عادات الجبلة التي يستوي فيها الخلق كافة بما تَغَايَرَ من الأذواق رغبةً في مطعوم أو مشروب ..... إلخ ، أو رغبة عنه ، وإنما ثم آخر يلطف وهو معنى المحبة الباعثة على الاقتداء والتأسي في كل حال ، ولو ظاهرَ العادة والهيئة ، وإن كان منها ، أيضا ، ما توجه إليه التكليف خاصة ، وَإِنْ هَدْيَ ظَاهِرٍ ، فمنه ما توجه به التكليف تعبدا أخص قد جاوز به حد العادة ، كما قِيلَ في حكومات كإعفاءِ اللحى والنهي عن إسبال الثياب ..... إلخ ، وذلك محل يدق في التكليف وهو مما يضيع بين الإفراط والتفريط ، فَثَمَّ مَنْ أَفْرَطَ فَأَدْخَلَ العادات الجبلية في حد الحكومات التكليفية المرادةِ لِذَاتِهَا لمعنى تعبدي أخص ، فَتَعَبَّدَ بأكل ما كان يأكل صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتعبد بذلك تَعَبُّدًا يجاوز معنى المحبة والاقتداء في الصورة آيةَ محبةٍ في الباطن مخصوصة ، فَزَادَ معنى التعبد في فعل جبلةٍ مباحٍ ليس فيه من معنى التعبد ما يُرَادُ لِذَاتِهِ ، وهو ما حَدَّهُ بَعْضُ المحقِّقِينَ في عنوان يوجز إذ لا يجوز التعبد بالمباح ، فليس فيه بالنظر في ذاته ما يُرَادُ فِعْلُهُ أَمْرًا أو تَرْكُهُ نَهْيًا ، فلا يُرَادُ لذاته ، ولا يُتَعَبَّدُ به تَعَبُّدَ المقاصدِ ، وإن صح التعبد به من وجه آخر يَلْطُفُ ، أن يكونَ من الوسائل ولها أحكام المقاصد فيدخلها التكليف من هذ الوجه ، إذ تُرَادُ لِغَيْرِهَا لا لذاتها ، فَلَيْسَ فِيهَا ، كما تقدم ، ما يُطْلَبُ فعله أو تَرْكُهُ لمعنى في التعبد يَتَوَجَّهُ إليه خطاب التكليف المشرِّع ، فالمباح لا يشرع التعبد به لِذَاتِهِ قَصْدًا ، بل ذلك مما يحرم بل ويجاوز في التحريم حَدَّ المعصية إلى المحدَثة وأمرُها أعظم إذ زَادَ صاحبها في الشريعة أو نقص ما لم يَنْزِلْ به سلطان محكم ، فَلَيْسَ إِلَّا مَا نَزَلَ من سماءِ عقلِه ووجدانه من هوى أو ذوق استحسنه فَصَيَّرَهُ شرعا يَلْزَمُ ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ وَضَّاعٍ في الأخبار قد تاب فَنَصَحَ أهل الرواية أن يَتَثَبَّتُوا في الباب فلا يحملوا الخبر عن كل أحد دون سَبْرٍ لأحواله عدالةً وحفظًا فكنَّا إذا اسْتَحْسَنَّا أمرا صَيَّرْنَاهُ متنا وَرَكَّبْنَا له إسنادَ روايةٍ يَتَّصِلُ إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ! ، فصار دينا يَتَنَسَّكُ به الخلق كافة وعمت به البلوى لولا ما كان من تَثَبُّتِ أهل الشأن بما سلكوا من جادَّةِ النقد لمتون الأخبار درايةً وطرقِها روايةً ، فكان من التَّنْقِيحِ ما سَلِمَ به الوحي من كدر التحريف والتبديل : عنوانَ تأويل يُصَدِّقُ ما قد وَعَدَ به الرب المصدَّق جل وعلا : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، فَسَلِمَتِ الآيات المتواترة وهي محل ضرورة في العلم فلا تَفْتَقِرُ إلى نظر ، وَسَلِمَتِ الأخبار بما كان من نظر قد تراكم في الأسانيد والمتون ، ومنها ما قد تُلُقِّيَ بالقبول إجماعا يجاوز حد الدعوى المجردة بل ثم من النقد ما تَنَاوَلَ الألفاظ والطرق ، ومنها ما لم يحظ بهذا الإجماع إن أحرفا يسيرة في الصحيح الأول مما بَلَغَ الغاية في بابه فلم يَنَلْ الإجماع وإن لم يَنْزِلْ ، في الجملة ، عن حد الصحة أو الحسن الصالح للاحتجاج وإن كان بداهة دون ما حظي بالإجماع فهو كالمتواتر إذ يفيد عند بعضٍ : العلمَ وإن العلم النظري لا الضروري كما المتواتر فثم من القرائن ما يحتف بالآحاد فيزيد في دلالتها ويجاوز بها الظن الراجح إلى العلم ولو نظريا دون الضروري الجازم فتلك رُتْبَةٌ حظي بها الصحيح إذ أجمع أهل الشأن على صحة عَامَّةِ حروفه في نفس الأمر إلا ما فاته الإجماع من أحرف يسيرات فليس لها من الإجماع حظ ومنها كما تقدم صحيح تال أو حسن ثالث ، ومنها ما لم يسلم من النقد الزائد فَثَمَّ من الخطإ في الألفاظ أو الزيادة في الإسناد رفعا لموقوف .... إلخ ، ولا يقدح ذلك ، بداهة ، في الإجماع آنف الذكر فَتِلْكَ حروفٌ لم تَنَلِ الإجماع ، بادي الرأي ، وإنما تجرد أهل الشأن في تَتَبُّعِهَا والاستدراك على الصحيح ما رَوَى منها ، وذلك من ألطف النظر وأدقه إذ يَنْظُرُ فيما خَفِيَ من العلل ولا يكون ذلك بداهة إلا لمن خبر الباب فهو محل الفتيا والذكر فيه كما الصنائع كافة وأولاها بالاحتياط ما كان من أمر الدين الذي به تعظم البلوى في الحال والمآل ، فلا يفتي فيه بداهة من لا يميز المتن من الإسناد ! وهو مع ذلك يُفْتِي بالصحة والضعف بل الكذب والوضع ومعياره ما يطرأ من الهوى والذوق أو توهم المخالفة عن آي الذكر لما فسد من القصد وضحل من العلم فلا ينفك فساد الباعث وفساد النظر ، لا يَنْفَكَّانِ يَقْتَرِنَانِ في جنانه على تَفَاوُتٍ يَلْطُفُ فذلك المجموع المركب الذي لا يسلم منه كل مُعْجَبٍ بِرَأْيِهِ فضلا أن يحمل من بُغْضِ الوحيِ ما جبن أن يصرح به فَكَنَّى وَتَذَرَّعَ بما لَطُفَ من الحيل أن يطعن فيه ويقدح فلم يكن ثم رائد ، لو تدبر الناظر ، إلا الهوى والذوق ، وَإِنِ اكْتَسَى لحاء التحقيق والتدبر زُورًا فلا حظ له من ذلك إلا الدعوى وشاهد الفعل في الخارج يُدْخِلُهُ ، أيضا ، في إنكار الشافعي المتقدم :
تَعصي الإِلَهَ وَأَنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ ****** هَذا مَحالٌ في القِياسِ بَديعُ .

فهو يعصي في باب الرواية بما يُضَيِّعُ أحكامَ الديانة التي نُقِلَتْ بالإسناد وَدُوِّنَتْ بالكتاب فهي مادة التكليف فإذا أبطلت وصارت الأهواء والأذواق فيها حاكمة ، فَأَيُّ حُبٍّ يَصْدُقُ وصاحبه لا يَنْفَكُّ يقدح في شريعة من يزعم حبه وَيَطْعَنُ ، بل قد طَغَى في الباب أن عَزَلَ الوحي وهو رائد الصدق وَوَلَّى العقل ولا يسلم من الهوى والحظ ، فأبى الانقياد لما جاوز من المرجع المحكم ، وحي السماء المنزل يآيه وخبره ، وهو ، كما تقدم مرارا ، عنوان الخصومة بين الرسالة والحداثة ، فالثانية لو استطاعت لقدحت في أصل الأولى : كتاب الوحي المتواتر بل قد اجْتَرَأَتْ في هذا الجيل فأظهرت الطعن على محكم التنزيل ، وإن كان المكر الْكُبَّارُ أَنْ تُعَظِّمَ المتواتر وَتَتَّخِذَهُ مرجعا لا تعظيما للديانة ، وإنما قدحا في الرواية المفسِّرَةِ المبيِّنَةِ ، فَيُجَرَّدُ المتواتر ، وهو حمال الوجوه ، يُجَرَّدُ من بَيَانِهِ المأثور ، فلا يجد المنكر في بابِ الرواية ، لا يجد المشقة أَنْ يَتَأَوَّلَهُ بما يواطئ هواه وحظه ، فقد عطل الصحيح كله ، ما أُجْمِعَ عليه مما تقدم من الصحيح أو ما لم يُجْمَعْ عليه من السنن والمسانيد والمصنفات وسائر ما دُوِّنَ في الباب مما حَرَّرَهُ أهل الشأن جيلا بعد جيل فكان آية الدهر في فَنِّ النقل والتحقيق وهو ما شهد به الخصوم وإن رغما ! ، فمنكر الشمس لا يَثِقُ الخلق في قوله فَلَئِنْ أنكرها في الباطن جحودا أو سفسطة فلا يَنْفَكُّ يُرَائِي بالإقرار لِئَلَّا يَنْصَرِفَ عنه الخلق إذ خالف عن بدائه النقل والعقل وهو من يزعم التحقيق في النظر والدرس .
والشاهد أن التعبد بالمباح لا يشرع بل ذلك من الإحداث في الدين المحكم ، إلا أن يكون من باب الوسائل فِعْلًا أو تَرْكًا ، فيكون التعبد به لغيره لا لذاته ، أو يجري ، كما تقدم ، مجرى ما لَطُفَ من سنة العادة آيةَ محبة باطنة ، وإن لم يكن في الفعل مجرَّدًا ما به تكليف الأمر والنهي ، فَثَمَّ مناطُ ثوابٍ من خارج ، فإما أن يكون المباح من الوسائل أو يكون من التشبه والاقتداء ما يحكي المحبة ، وهي عنوان إيمان رئيس بل هي ، كما تقدم ، شطر من الحد ، حد العبادة بالنظر في فعل العبد : كمال المحبة مع آخر من الخوف يقاسمها الحد الديني المجزئ في الخارج .

فكان من الإفراط في باب العادة ما تقدم من زيادةٍ في المباح أَنْ يَصِيرَ في نفسه محل تعبد مخصوص وذلك معنى يزيد فلا بد له من دليل معين هو النص في محله ، وكان من التفريط آخر وهو ، أيضا ، ما به تَلْهَجُ الحداثة في كل جيل ، أَنْ يَتَوَسَّعَ النَّاظِرُ في حكاية العادات فَيُدْخِلَ فِيهَا من الحكومات الدينية ما يجردها من الدلالة التكليفية حتى تصير الشريعة كُلُّهَا أو جُلُّهَا عاداتٍ لا تجاوز زمانها ، فقد انقضت بانقضائه وصارت تاريخا يُؤْثَرُ بلا مادة تشريع تُؤَثِّرُ في الإيجاب أو التحريم .... إلخ من حكومات التكليف لا سيما العام منها ، وهو الذي به البلوى تَعْظُمُ ، وجادة الحق ، أبدا ، وسط بين طرفين ، وفضيلة بين رَذِيلَتَيْنِ ، فلا يكون التوسع في سنة العادة تفريطا في حكومات الشريعة ، ولا يكون التوسع في ضد يدخل العادات في حد التكليف الملزِم فيزيد في الوحي ما ليس منه .
فخرجت سنة العادة ، وخرجت الخصائص التي اخْتُصَّ بها صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إن عزيمة كالوصال في الصوم أو رخصة كتمام الثواب إن صَلَّى من قعود وهو قادر لا نصف الأجر في النوافل إن صلى المكلف من قعود ، كما حال بَقِيَّةِ أمتِه ، وخرج ما كان من صنائع الخلق مما يُنَالُ بالتجريب والبحث ، فليس ذلك مناط الأمر والنهي تكليفا ، وليس ذلك من وظائف صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم تَبْلِيغَا وَتَبْيِينًا ، كما فنون الزرع والحرب وعامة الصنائع ، والمثل أبدا يُضْرَبُ بما ذكرت كتب السير والمغازي يوم بدر إذ تَقَدَّمَ الحباب بن المنذر ينصح ، فاستفصل بادي الرأي أوحي أم رأي ؟! ، وذلك في نفسه ، كما يقول أهل الشأن ، دليل الحجة التشريعية الملزِمة في أفعال صاحب الشريعة المحكمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ ما يحمل الحباب أن يسأل بادي الرأي لولا أن استقر في وجدانه أن الأصل في أفعال صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم الاقتداء الديني الأخص تكليفا يجاوز حد العادة ، فذلك الأصل المستصحب حتى يرد الدليل الناقل ، كما في خبر الحباب آنف الذكر على كلامٍ في إسناده أشار إليه بعض من حَقَّقَ وإن كان من السير والمغازي الذي يخف شرط الرواية فيها ، وَإِنْ قَيَّدَ ذلك بعض أهل الشأن تَقْيِيدًا يحسن فمحل ذلك ما لم يكن ثم حكم تكليفي يلزم فَتَعُمَّ به البلوى فوجب الاحتراز فيه كالاحتراز في كتب الرواية المعتمدة في بَيَانِ السنن والأحكام الملزمة .

فكل أولئك على التفصيل آنف الذكر مما لا يدخل في حد الاتباع الأخص ، اتباع الشريعة الملزمة ، آية المحبة المصدِّقة ، كما تقدم من آي المحنة : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) ، فكان من القول ما توجه إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم قانون تكليف يلزم ، فهو أصل في الباب يفضح ، وبه يمتاز المحب من المبغض ، فآية ذلك الاتباع والمخالفة طردا وعكسا في الباب ، وهو ، لو تدبر الناظر ، مما احتمله كلُّ أحدٍ في سياق المفاصلة مع من خالف عن الشريعة المحكمة ، فجاوزت الدلالة المخاطب الأول : النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن كان دخوله الأولَ قَطْعًا ، فَثَمَّ من عموم التكليف أَنْ قُولُوا في سياق الإلزام لمن خالف وهو مع ذلك يزعم محبة النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فإن كنتم تحبون الله ، جل وعلا ، فاتبعوا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك تقدير الخطاب تاليا لخطابه الأول : (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) ، فكان من الشرط إلهابا وتهييجا ، وثم من زيادة الكينونة الماضية "كُنْتُمْ" ما به زيادة المعنى إذ ثم أُخْرَى في المبنى مع ما احتمله مبنى الكينونة الماضية من ديمومة الاتصاف وذلك آكد في التهييج والإلهاب ، وهو آكد في الدلالة من القول في غير التنزيل : إِنْ أَحْبَبْتُمِ الله فَاتَّبِعُونِي ، وثم من الجواب ما اقترن بالفاء فَوْرًا به التعجيل بالتكليف : (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، فلا يخلو من شاهد به يستأنس من جعل دلالة الأمر فورا لا تحتمل تأخيرا فهي كالبيان في وقت الحاجة فلا يجوز تأخيره عنها ، ولا تخلو الفاء مع ذلك من دلالة الاستصلاح لفظا إذ الجواب قد حُدَّ أمرا ، وتلك من جملة مواضع حدها أهل الشأن فاقتران الجواب فيها بالفاء واجب يلزم في قانون اللسان المحكم ، ولا تخلو من دلالة السببية وإن لم تكن فيها نصا ، وذلك شاهدٌ في محل النِّزَاعِ إذ ما قَبْلَهَا من دعوى المحبة سبب فيما بعدها من الاتباع ، فمن أحب المرسِل اتَّبَعَ ما حمل المرسَل الذي جاء عنه يُبَلِّغُ وَيُبَيِّنُ ، فَصَدَّقَ ما احتمل من الخبر وامتثل ما شرع وحكم ، وهو ما أطلق عامله فاستغرق وجوه الاتباع كافة في قوله تعالى : (فَاتَّبِعُونِي) ، فاتبعوه باطنا بالتصديق ، وظاهرا بالقول والعمل بمحكم التنزيل ، وَاتَّبِعُوهُ فِيمَا بَلَّغَ من الآي ، واتبعوه بما أُثِرَ من الأخبار ، واتبعوه الاتباع المطلق وإن زاد على الآي المتواتر بما ثَبَتَ من الصحيح في كتب الرواية ، فهي شطر الرسالة الثاني ، وهي الأصل التالي في بابه ، ولها من قوة التشريع ما يكافئ الآي وإن كانت دونها في الرتبة ، فلا يتعبد بألفاظها كما الآي المتواتر ، وإنما محل التعبد بها التصديق والامتثال ، ولم يكن لها أن تَنَالَ هذا الوصف الشريف وهو محل التوقيف ، لم يكن لها أن تناله إلا أن شهد لها الكتاب الأول ، فكان من الأمر ما أُطْلِقَ فَاْسَتَغْرَقَ ، فـ : (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، وكان من إفراده بعنوان طاعة في الباب أَنْ : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) ، فذانك شطران بهما اكتمال القسمة الرسالية كتابا وسنة ، وهما دليل الدعوى محبة لا تصدق إلا بالاتباع ، فكان الإنكار على من عصى الإله وزعم المحبة فخالف عن القياس والحكمة ، أن كانت الدعوى مع تخلف الدليل بل وثبوت ضده من العصيان وهو ما استوجب الإنكار بالإنشاء آنف الذكر على تقدير الهمز مطلع اللفظ : أتعصي الإله وأنت تظهر حبه ، ومن ثَمَّ أطنب الشافعي بالخبر بعد الإنشاء ، فـ : هَذا مَحالٌ في القِياسِ بَديعُ .
فأبان عن فساد هذه الطريقة العقلية إذ خالفت بين المتلازمين ، فكان الحكم وقد تخلف دليله فكيف يثبت في قياس يصرح ، بل ذلك من المحال المستنكر ، وهو من بديع الصنع ، لا مدحا ، وإنما ذما يحكي الخروج عن قانون القياس المحكم فلا نظير لما يصنع إِذِ ابتدع في الباب ما لم يسبق ! .

وبعده كان النص على القياس الصحيح بعد تَفْنِيدِ ما فسد منه وكسد ، فـ :
لَو كانَ حُبُّكَ صادِقاً لَأَطَعتَهُ ******* إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطيعُ .
فاقترن الحب الصادق بالطاعة ، وكان من دلالة الامتناع للامتناع ما به زيادة في الاقتران ، فلما امتنعت المحبة الصادقة امتنعت آثارها في الخارج طاعة أُطْلِقَ عاملُها فاستغرق الباطن والظاهر جميعا ، ومن ثم كان العنوان استئنافا بالتوكيد : إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطيعُ .
ولا يخلو من الإطناب على حد التعليل فهو جواب سؤال قد دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة ما تقدم من اقتران الحب والطاعة ؟ ، فكان الجواب على حد الاستئناف : لأن المحب لمن يحب مطيع .

ومن ثم سلك الشافعي جادة الاستدلال الرسالي :
في كُلِّ يَومٍ يَبتَديكَ بِنِعمَةٍ ******* مِنهُ وَأَنتَ لِشُكرِ ذاكَ مُضيعُ .
فذكر الملزوم من نعمة الربوبية التي استمر زمانها فتلك دلالة "كل" نص عموم قد استغرق الظرف الزماني كافة وذلك آكد في الإلزام تسجيلا لعنوان النعمة المستوجبة لامتثال الشرعة ، وهو ما يحكيه عنوان الشكر في الشطر الثاني ولا يكون ، لو تدبر الناظر واستقرأ من نصوص الوحي المحكم ، لا يكون إلا بامتثال الطريقة الإلهية قولا وعملا قد جاوز المتبادر من شكر اللسان ، فـ : (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) ، فذلك ما جاوز فاستغرق محال التكليف جميعا ، باطنا وظاهرا ، وأحواله كافة : الاعتقاد والقول والعمل بما به عنوان الدين المجزئ يثبت ، فكيف تصح الدعوى وهو لشكر النعمة مضيع ؟! .

والله أعلى وأعلم .