رابط محرك بحث قوقل الفصيح في القائمة تطبيقات إضافية

التبرع للفصيح
اعرض النتائج 1 من 7 إلى 7

الموضوع: ((مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً))
1427/3/5 هـ

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 5064

    الجنس : أنثى

    البلد : السعودية

    معلومات علمية

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل30/3/2006

    آخر نشاط:31-03-2007
    الساعة:11:24 PM

    المشاركات:19
    تاريخ التسجيل
    30/3/2006
    البلد
    السعودية
    المشاركات
    19
    1427/2/30 هـ

    ((مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً))


    قال تعالىمثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما اضائت ما حوله ذهب الله بنوره فتركهم في ظلمات لا يبصرون))
    ارجو من الاخوه مساعدتي بقدر المستطاع على شرح الايه وذلك باخراج الصور البيانية من تشبيه وغيره،وصياغتها باسلوب جيد.

    شاكره لكم حسن تعاونكم.

  2. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (الهنوف ابراهيم) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  3. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2256

    الكنية أو اللقب : مهندس

    الجنس : ذكر

    البلد : فلسطين

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : مهندس مكنات وكلمات

    معلومات أخرى

    التقويم : 3

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل2/5/2005

    آخر نشاط:29-10-2013
    الساعة:12:13 AM

    المشاركات:1,040
    تاريخ التسجيل
    2/5/2005
    البلد
    فلسطين
    المشاركات
    1,040
    1427/2/30 هـ
    الأخت الهنوف إبراهيم - حفظها الله ..

    اعلمي أن أساس إعجاز القرآن في بلاغة نظمه . وبلاغة النظم على قسمين : قسم كالحلية وقسم كالحلّة .

    فالأول كاللآليء المنثورة والزينة المنشورة والنقش المرصّع ، ومعدنه الذي يتحصّل منه هو توخّي المعاني النحوية الحرفية فيما بين الكلم ، كإذابة الذهب بين أحجار فضّة ، وثمرات هذا النوع هي اللطائف التي تعهّد بيانها فنّ المعاني .

    والقسم الثاني هو كلباس عالٍ وحلّة فاخرة قُدّت من أسلوب على مقدار قامات المعاني ، وخيطت من قطاعات خيطاً منتظماً ، فيلبس على قامة المعنى أو القصّة أو الغرض دفعه ، وصناع هذا القسم والمتكفّل به فنّ البيان . ومن أهمّ مسائل هذا القسم التمثيل .

    ولقد أكثر القرآن الكريم من التمثيلات إلى أن بلغت الألف .. وممّا يحوِّج الى التمثيل عمق المعنى ودقته ليتظاهر بالتمثيل ، أو تفرّق المقصد وانتشاره ليرتبط به .

    ثم اعلمي أن مدار النظر في قوله تعالى : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [البقرة: 17-18] : أولاً : نظمها بسابقها ، وثانياً : النظم بين جملها ، وثالثاً : نظم كيفية جملة جملة .

    فمع استحضار ما مضى - اعلمي - أن القرآن الكريم لما صرّح بحقيقة حال المنافقين ، ونصّ على جنايتهم عقّبها بالتمثيل لثلاث نكت :

    إحداها : تأنيس الخيال الذي هو أطوع للمتخيلات من المعقولات ، وتأمين إطاعة الوهم الذي شأنه التشكيكات ومعارضة العقل وانقياده بإظهار الوحشي بصورة المأنوس ، وتصوير الغائب بصورة الشاهد .
    والثانية : تهييج الوجدان وتحريك نفرته ليتّفق الحسُّ والفكر بتمثيل المعقول بالمحسوس .
    والثالثة : ربط المعاني المتفرّقة وإراءة رابطة حقيقية بينها بواسطة التمثيل . وأيضاً الوضع نصب عين الخيال ليجتني بالنظر الدقائق التي أهملها اللسان .

    واعلمي - أن مآل جمل هذه الآية كما يناسب مآل مجموع قصة المنافقين ؛ كذلك يناسب آية آية منها . ألا ترين أن مآل القصّة أنهم آمنوا صورة للمنافع الدنيوية ، ثم تبطنوا الكفر ، ثم تحيّروا وتردّدوا ، ثم لم يتحرّوا الحق ، ثم لم يستطيعوا الرجوع فيعرفوا .

    وما أنسب هذا بحال من أوقدوا لهم ناراً أو مصباحاً .. ثم لم يحافظوا عليها .. ثم انطفأت .. ثم اُظلموا .. ثم لا يتراءى لهم شيء حتى يكون كل شيء معدوماً في حقهم . فلسكون الليل كأنهم صمّ ، ولتعامي الليل وانطفاء أنواره كأنهم عُميٌ ، ولعدم وجود المخاطَب والمغيث لايستغيثون كأنهم بُكم ، ولعدم استطاعة الرجوع كأنهم أشباح جامدة لا أرواح لها .

    ثم إن في المشبَّه به نقطاً أساسية تناظر النقط الأساسية في المشبَّه . مثلاً : الظلمة تنظر إلى الكفر ، والحيرة إلى التذبذب ، والنار إلى الفتنة .

    فإن قلت : إن في التمثيل نوراً ، فأين نور المنافق حتى يتم تطبيق التمثيل ؟
    قيل لك : إن لم يكن في الشخص نور ففي محيطه يمكن له الاستنارة .. وإن لم ، ففي قومه يمكن الاستضاءة .. وإن لم ، ففي نوعه يمكن له الاستفادة .. وإن لم ، ففي فطرته كان يمكن له الاستفاضة .. وإن لم تقنعي ، ففي لسانه بالنظر إلى نظر غيره أو بالنظر إلى نفسه لترتب المنافع الدنيوية .. وإن لم ، فباعتبار البعض من الذين آمنوا ثم ارتدوا .. وإن لم ، فيجوز أن يكون النور إشارة إلى ما استفادوا كما أن النار إشارة إلى الفتنة . وإن لم تقنعي بهذا أيضاً ، فبتنزيل إمكان الهداية منزلة وجودها كما أشار إليه اشتروا الضلالة بالهدى فإنه هو الجار الجنب للتمثيل .

    أما وجه النظم بين الجمل : فإن نظم جملة ( مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ) مناسبتُها للموقع . فإن حال هذا المستوقد على هذه الصورة تطابق مقتضى حال الصفّ الأول من مخاطبي القرآن الكريم وهم ساكنو جزيرة العرب .. إذ ما منهم إلا وقد عرف هذه الحالة بالذات أو بالتسامع وأحسّ بدرجة تأثيرها ومشوشيتها .. إذ بسبب ظلم الشمس يلتجئون إلى ظلمة الليل فيسيرون فيها . وكثيراً ما يغمى عليهم السماء فيصادفون حزن الطرق وقد ينجرّ بهم الطريق إلى الورطة . وأيضاً قد يجولون في معاطف الكهوف المشحونة بالمؤذيات فيضلون الطريق فيحتاجون لإيقاد النار أو اشتعال المصباح ليبصروا رفقاءهم حتى يستأنسوا ويروا أهبتهم وأشياءهم كي يحافظوا عليها ، ويعرفوا طريقهم ليذهبوا فيها ويتراءى لهم الضواري والمهالك ليجتنبوا .

    فبينما هم استضاؤا بنورهم إذ اختطفتهم آفة سماوية . وبينما هم في ذروة كمال الرجاء وآن الظفر بالمطلوب إذ سقطوا في حضيض اليأس المطلق . فنصّ على هذا الحال بقوله : ( فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ) .

    وإن ( الفاء ) هنا تشير إلى أنهم أوقدوا النار ليستضيؤا فأضاءت فاطمأنوا بالاستضاءة فتعقبهم الخيبة وسقطوا في أيديهم . وما أشدّ تأثير العدم عليهم في آن انتظار الحصول . ثم إن هذه الشرطية تستلزم استلزام الاضاءة لذهاب النور . وخفاء هذا الاستلزام يشير إلى تقدير ما يظهر به اللزوم هكذا : فلما أضاءت استضاؤا بها فاشتغلوا .. فلم يحافظوا .. فلم يهتمّوا بها ، ولم يعرفوا قدر النعمة فيها .. فلم يمدّوها .. فلم يديموها ؛ فانطفأت .
    لأنه لما كانت الغفلة عن الوسيلة للاشتغال بالنتيجة سبباً لعدم الإدامة المستلزم للانطفاء ، كان كأن نفسَ الاضاءة سبب لذهاب النور .

    أما قوله ( وتركهم في ظلمات ) ، فبعدما أشار الى خسرانهم بذهاب النعم بزوال النور عقبه بخذلانهم بنزول النقم بالسقوط في الظلمات .

    أما قوله ( لا يبصرون ) ، فإن الإنسان إذا أظلم عليه وأضل السبيل فقد يسكن ويتسلى برؤية رفقائه ومرافقه ، وإذا لم يبصرهما كان السكون مصيبة عليه كالحركة بل أوحش .

    أما قوله (صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون) ، فإن الإنسان إذا وقع في مثل هذا البلاء قد يتسلى ويأمل ويرجو النجاة من جهات أربع مترتبة :
    فأولاً : يرجو أن يسمع تناجي الخلق من القرى أو أبناء السبيل ؛ إن يستمِدْ يَمدّوه . ولما كانت الليلة ساكنة بَكْماءَ استوى هو والأصم ، فقال ( صمّ ) لقطع هذا الرجاء .
    وثانياً : يأمل أنه إن نادى أو استغاث يُحتمل أن يسمع أحدٌ فيغيثه ، ولما كانت الليلة صمّاء كان ذو اللسان والأبكم سواء فقال ( بكم ) لإلقامهم الحجر بقطع هذا الرجاء أيضاً .
    وثالثاً : يأمل الخلاص برؤية علامة أو نار أو نيّرٍ تشير له إلى هدف المقصد . ولما كانت الليلة طامية رمداء عبوسة عمياء كان ذو البصر والأعمى واحداً فقال (عُميٌ ) لإِطفاء هذا الأمل أيضاً .
    ورابعاً : لا يبقى له إلا أن يجهد في الرجوع ، ولما أحاط به الظلمة كان كمن دخل في وحْلٍ باختياره وامتنع عليه الخروج فقال تعالى : ( فهم لا يرجعون) لسدّ هذا الباب عليهم ، وقطع آخر الحبل الذي يتمسّكون به ، فسقطوا في ظلمات اليأس والتوحّش والسكونة والخوف .

    أما الجهة الثالثة ، وهي نظم قيودات جملة جملة ، فلننظر إلى ( مثلهم كمثل الذيِ استوقد ناراً ) كيف تتطاير شرارات النكت من قيوداتها :

    أما لفظ ( المثل ) ، فإشارة إلى غرابة حال المنافقين وأن قصّتهم أعجوبة ؛ اذ المَثَل هو الذي يجول على الألسنة ويتناقله الناس لتضمّنه لغرابة ؛ إذ أخصّ صفاته الغرابة . فالمراد بالمثل هنا صفتهم الغريبة وقصّتهم العجيبة وحالهم الشنيعة . ففي التعبير بالمَثل إشارة إلى الغرابة ، وفي الإشارة رمز إلى أن من شأن صفتهم أن تدور على لسان النفرة والتلعين كضرب المثل .

    وأما ( الكاف ) ، فإن ذكرها في هذا المقام يوقظ الذهن بأن ينظر إلى المثال تبعياً فينتقل عن كل نقطة مهمّة منه إلى نظيرها من المشبَّه . وإلا فقد يتوغّل فيه قصداً فتفوت منه دقائق التطبيق .

    وأما ( المَثَل) الثاني ، فإشارة إلى أن حال المستوقد بغرابته ووجوده في حسّ العموم كان في حكم ضرب المثل .

    وأما ( الذي ) ، فإنه أفردَ مع أنهم جماعة ، لأنه إذا تساوى الجزء والكل والفرد والجماعة ولم يؤثر الاشتراك في صفة الفرد زيادة ونقصاناً جاز الوجهان ، مثل ( كمثل الحمار ) ففي إفراده إشارة إلى استقلال كل فرد في تمثل الدهشة وتصوير شناعتهم ، أو كان ( الذي ) ( الذين ) فاختُصر .

    وأما ( استوقد ) ، فسينُه إشارة إلى التكلف والتحرّي . وفي إفراده مع جمع الضمير في ( نورهم ) رمز لطيف إلى أن فرداً يوقدُ لجماعة . ولقد ألطف في الإفراد إيقاداً والجمع استنارة .

    وأما ( ناراً ) بدل ( المصباح ) أو غيره ، فإشارة إلى المشقة في نور التكليف ، ورمز إلى أنهم يوقدون تحت النور الظاهري نارَ فتنة . وأما تنكيره فإيماء إلى شدّة احتياجهم حتى أنهم يرضون بأيّة نار كانت .

    ثم لننظر الآن إلى جملة ( فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ) ، لنرى كيف تضيء قيوداتها على ظلمات الدهشة التي هي الغرض الأساسي :

    أما ( الفاء ) ، فإيماء إلى أن هجوم اليأس المطلق تعقب كمال الرجاء .

    وأما ( لما ) ، فلتضمّنه قياساً استثنائياً مستقيماً مع دلالته على تحقّق المقدم ينتج تحقق التالي وقطع التسلي .

    وأما ( أضاءت ) ، فإشارة إلى أن الايقاد للاستنارة لا للاصطلاء ، وفيه رمز إلى شدّة الدهشة إذ ما أفاد لهم الاضاءة إلا رؤية المهالك والعلم بوجودها ، ولولاها لأمكن مغالطة النفس وتسكينها .

    وأما ( ما حوله ) ، فإشارة إلى إحاطة الدهشة من الجهات الأربع ، وإلى لزوم التحفظ بالاضاءة عن هجوم الضرر عن الجهات الست .

    وأما ( ذهب ) ، فلأنه جزاء الشرط ، لابدّ أن يكون لازماً . ولخفاء اللزوم يرمز إلى أنهم لم يتعهّدوها ولم يعرفوا قَدْرَ النعمة فيها فبنفس الاضاءة اُخذوا عن أنفسهم ، وأنساهم البطر والفرح تعهّدها فأخذها الله عنهم .

    وأما اسناد ( ذهب ) إلى ( الله ) ، فإشارة إلى قطع رجاءين : رجاء التعمير ورجاء الرحمة ؛ لأنه يشير إلى أن الآفة سماوية لا تقبل التعمير ، ويرمز إلى أنه جزاءٌ لقصور المرء ، ولهذا يأخذه الله تعالى ، فينقطع المتمسك به عند انقطاع الأسباب وهو أمل الرحمة ، إذ لا يستعان من الحقّ على إبطال الحقّ .

    وأما ( الباء ) ، فإشارة إلى اليأس عن العَود ؛ إذ لا رادّ لما أخذه الله للفرق البيّن بين ذهب به أي استصحبه ، وبين أذهبه أي أرسله ، وذهب أي انطلق ؛ لإمكان العود في الآخِرَين دون الأول .

    وأما ( النور ) ، ففيه إيماء لطيف إلى تذكر حالهم على الصراط .

    وأما الاضافة في ( هم ) المفيدة للاختصاص فإشارة إلى شدّة تأثرهم ؛ إذ مَن انطفأت نارُه فقط مع أن نار الناس تلتهب أشدّ تألما .

    ولله درّ التنزيل ما ألطفه في فنون البلاغة . أترين كيف توجّهت هيئاتها إلى الغرض الكليّ ، أعني الدهشة مع اليأس ، كالحوض في ملتقى الأودية ؟

    ثم أمعني النظر في ( وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) : أما ( الواو ) ، فإشارة إلى أنهم جمعوا بين الخسارتين ؛ سُلبوا ضياءً وأُلبسوا ظلمة .

    أما ( تَرَك ) بدل ( أبقى ) أو غيره ، فإشارة إلى أنهم صاروا كجسد بلا روح وقشر بلا لبّ ، فمن شأنهم أن يُتركوا سدى ويُلقوا ظهرياً .

    وأما ( في ) ، فرمز إلى أنه انعدم في نظرهم كل شيء ولم يبق إلا عنوان العدم وهو الظلمة فصارت ظرفاً وقبراً لهم .

    وأما جمع ( ظلمات ) ، فإيماء إلى أن سَواد الليل وظلمة السحاب أولَدتا في روحهم ظلمة اليأس والخوف ، وفي مكانهم ظلمة التوحّش والدهشة ، وفي زمانهم ظلمة السكون والسكوت ، فأحاطت بهم ظلمات متنوعة . وأما تنكيرها فإيماء إلى أنها مجهولة لهم لم يسبق لهم الُفْة بمثلها فتكون أشدّ وقعاً .

    وأما ( لا يبصرون ) ، فتنصيص على أساس المصائب ، إذ مَن لم ير كان أرأى للبلايا ، وبفقد البصر يبصر أخفى المصائب . وأما المضارعية فلتصوير وتمثيل حالهم نصب عين الخيال ليرى السامع دهشتهم فيتحسّس بوجدانه أيضاً .
    وأما ترك المفعول فللتعميم ، أي لا يرون منافعهم ليحافظوها ، ولا يبصرون المهالك كي يجتنبوا عنها . ولا يتراءى الرفقاء ليستأنسوا بهم ، فكأن كل واحد فرد برأسه .

    ثم انظري إلى قوله ( صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون ) ، لتسمعي ما تتناجى به ؛ إذ هذه الأربعة حدٌّ مشترك بين الممثل والممثل به ، وبرزخ بينهما ومتوجهة إليهما ؛ تتكلم عن حال الطرفين ، ومرآة لهما تريك شأنهما ، ونتيجة لهما تسمعك قصتهما .

    أما الجهة الناظرة إلى الممثل به : فإن من سقط في مثل هذه المصيبة يبقى له رجاء النجاة باستماع نجوى منجٍ ، فاستلزمت أبكمية الليلة أصميته . ثم إسماع مغيث فاقتضت أصمية الليل أبكميته . ثم الهدى برؤية نار أو نيّر فأنتج تعامي الليل عميه . ثم العود إلى بدءٍ فأنسد عليه الباب كمن سقط في وحل كلما تحرك انغمس .

    وأما الجهة الناظرة إلى الممثل : فإنهم لمّا وقعوا في ظلمات الكفر والنفاق أمكن لهم النجاة عن تلك الظلمات بطرق أربعة مترتبة :

    فأولاً : كان عليهم أن يرفعوا رؤسهم ويستمعوا إلى الحقّ ويصغوا إلى إرشاد القرآن ، لكن لما صارت غلغلة الهوى مانعة لأن يخلُص صدى القرآن إلى صماخهم ، وأخذ التهوّس بآذانهم جاراً لهم عن تلك الطريق ، نعى عليهم القرآن بقوله : ( صم ) إشارة إلى انسداد هذا الباب ورمزاً إلى أن آذانهم كأنها قطعت وبقيت ثقبات مشوهة أو قطعات متدلية في جوانب رؤسهم .

    وثانياً : لابدّ لهم أن يخفضوا رؤسهم ويشاوروا وجدانهم فيسألوا عن الحقّ والصراط ، لكن لما أخذ العناد على يد لسانهم وجرّه الحقد من خلف إلى الجوف ، ألقمهم القرآن الحجر بقوله : ( بكم ) إشارةً إلى انسداد هذا الباب أيضاً في وجوههم ورمزاً إلى أنهم بالسكوت عن الإقرار بالحقّ كانوا كمن قلع لسانه فبقي الفم ككهف خلا عن ساكنه مشوهاً للوجه .

    وثالثاً : لزمهم أن يُرسلوا أنظار العبرة لتجتني لهم الدلائل الآفاقية ، لكن وضعَ التغافلُ يدَه على عيونهم وردّ التعامي الأنظار إلى أجفانهم . فقال القرآن : ( عميٌ ) إشارة إلى أنهم عمهوا عن هذا الطريق أيضاً ، ورمزَ بحذف أداة التشبيه إلى أن عيونهم التي هي أنوار الرأس كأنها قلعت فبقيت نُقرات مشوّهة في جباههم .

    ورابعاً : لابدّ من أن يعرفوا قبح حالهم القبيح ليتنفروا فيندموا فيتوبوا فيرجعوا . لكن لما زيّنت لهم أنفسُهم تلك القبائح ، قال القرآن : ( فهم لا يرجعون ) إشارة إلى انسداد آخر الطرق عنهم ، ورمزاً إلى أنهم وقعوا باختيارهم فيما لا اختيار لهم في الخروج كالمضطرب في بحر الرمل .

    والله أعلم ..
    اللهم انصر أهل غزة

  4. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (لؤي الطيبي) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  5. #3
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 1420

    الكنية أو اللقب : ام أنس

    الجنس : أنثى

    البلد : syr

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : دكتوراه

    التخصص : بلاغي

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل28/9/2004

    آخر نشاط:01-08-2011
    الساعة:10:35 PM

    المشاركات:280
    تاريخ التسجيل
    28/9/2004
    البلد
    syr
    المشاركات
    280
    1427/2/30 هـ
    الاخوة الافاضل ممكن ان انقل لكم من بديع ماقرأت في هذا الموضوع:
    قال الله تعالى:﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدير ﴾ (البقرة:17- 20)
    لمَّا أخبر الله تعالى في أوائل سورة البقرة عن أحوال المنافقين مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع القرآن الكريم، وبيَّن حقيقة مواقفهم منهما، وكشف عن مكنون صدورهم، وفضح نفاقهم، أراد سبحانه وتعالى أن يكشفَ عن تلك الأحوال، والمواقف كشفًا تامًّا، ويبرزَها في معرض المحسوس المشاهد؛ فأتبعها بضرب هذين المثلين، زيادة في التوضيح والتقرير، ومبالغة في البيان.
    وهما مثلان لكلِّ من آتاه الله ضربًا من الهدى، فأضاعه ولم يتوصلْ به إلى نعيم الأبد، فبقيَ متحيِّرًا متحسِّرًا، يخبط في ظلمات الجهل والضلال. ويدخل في عمومه هؤلاء المنافقون؛ فإنهم أضاعوا ما نطقت به ألسنتهم من الحق، باستبطان الكفر وإظهاره حين خلَوا إلى شياطينهم، وكانوا غالبًا من أحبار اليهود، الذين كانوا يجدون في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصف الإسلامي وتفتيته؛ كما أن هؤلاء كانوا يجدون فيهم سندًا لهم وملاذًا.
    ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين ﴾(البقرة:14-16).
    هؤلاء المنافقون، الذين اشترَوا الضلالة بالهدى، والكفر بالإيمان، فخسروا كلتا الطلبتين؛ كأغفل ما يكون المتجرون، وفشلوا في تحقيق مآربهم الخبيثة، وأهدافهم الدنيئة، وحرموا أنفسهم من السعادة، التي رسم الله تعالى لهم طريقها، ثم غادروا دنياهم، وهم صفر اليدين من كل خير، مثقلون بأنواع الذنوب والآثام، كانوا- وما زالوا- أشدَّ خطرًا على الإسلام والمسلمين من الكافرين، الذين ﴿ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾(البقرة:7).
    ولهذا جاءت آيات الله تعالى تنبِّه على صفاتهم، وتفضح نفاقهم، وتكشف عن حقيقتهم، وتحذر من خطرهم على المسلمين وعلى الكافرين؛ لئلا يغترَّ المؤمنون بظاهر أمرهم، فيقع لذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر. وهذا- كما قال ابن كثير- من المحذورات الكبار أن يظَن لأهل الفجور خير، فقال تعالى:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾(البقرة:8). أي: يقولون ذلك قولاً ليس وراءه شيء آخر، فكذبهم الله تعالى، ثم شرع يعدد صفاتهم، ويفضح نفاقهم، ويكشف عن زيغهم، وفساد قلوبهم، ويرد عليهم أقوالهم؛ وهم الذين حذّر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم منهم، بقوله سبحانه:﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ﴾(المنافقون:4).
    هؤلاء المنافقون هم الذين ضرب الله تعالى لهم هذين المثلين، اللذين يصوران حقيقة أحوالهم، ويكشفان عن مكنون صدورهم، ويفضحان نفاقهم، ويرسمان ما كان يتولَّد في نفوسهم عند سماعهم القرآن من قلق واضطراب، وذعر وخوف، وحسرة وحيرة، وتيه وضلال، نتيجة كذبهم، وخداعهم، وتعاليهم، واستهزائهم، وتآمرهم.
    والمنافقون الذين ضُرِب لهم هذان المثلان هم قسم واحد خلافًا لمن ذهب إلى أنهم قسمان، وأن المثل الأول منهما مضروب للقسم الأول، وهم الذين آمنوا، ثم كفروا، وأن الثاني مضروب للقسم الثاني، وهم الذين لا يزالون على نفاقهم، مترددين بين الإيمان والكفر. وخلافًا لمن ذهب إلى أن المثل الأول يخصُّ طائفة الكافرين، الذين قال الله تعالى في حقهم:﴿ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وّلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾(البقرة:7). وأن المثل الثاني يخصُّ طائفة المنافقين، الذين قال الله تعالى في حقهم:﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾(البقرة:8)؛ لأن المنافقين، وإن كانوا- على ما قيل- قسمين: أئمة، وسادة مردوا على النفاق، وأتباع لهم كالبهائم والأنعام، فإن الأوصاف، التي ذكرت في الآيات السابقة من سورة البقرة هي أوصاف رءوس النفاق، لا أوصاف أتباعهم، وإن كانت تشملهم جميعًا؛ وهم المشار إليهم بقوله تعالى:
    ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين ﴾(البقرة:14).

    المثل الأول: مثل المنافقين مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
    ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ (البقرة:17- 18)
    وهو مثل يصور حقيقة المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواقفهم منه بصورة طائفة من الناس مع الذي استوقد نارًا في ليلة شديدة الظلمة. فلما حصل لهم نور من ضوء تلك النار، ذهب الله بنورهم، وتركهم يخبطون في ظلمات بعضها فوق بعض؛ لأنهم آثروا الظلمة على النور، والضلالة على الهدى.. كذلك كان حال المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    منقول وهناك تتمة للموضوع
    زر غبا تزدد حبا

  6. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (أحلام) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  7. #4
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 5064

    الجنس : أنثى

    البلد : السعودية

    معلومات علمية

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل30/3/2006

    آخر نشاط:31-03-2007
    الساعة:11:24 PM

    المشاركات:19
    تاريخ التسجيل
    30/3/2006
    البلد
    السعودية
    المشاركات
    19
    1427/3/3 هـ
    اشكركم على تعاونكم

  8. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (الهنوف ابراهيم) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  9. #5
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 4835

    الجنس : ذكر

    البلد : جنوب افريقيا

    معلومات علمية

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل13/3/2006

    آخر نشاط:07-11-2006
    الساعة:01:41 AM

    المشاركات:20
    تاريخ التسجيل
    13/3/2006
    البلد
    جنوب افريقيا
    المشاركات
    20
    1427/3/3 هـ

    تعقيب

    أخي لؤي حفظك الله ورعاك

    لقد قرأت ما سطرت يداك حول طلب الأخت الهنوف باستخراج الصور البيانية من الآية 17 من سورة البقرة، ولقد أذهلتني طريقة النظم التي كتبت بها والتي بدت لي وكأنها خارج هذا العصر بحيث ظننت أسلوبها كأسلوب كاتب من القرن الرابع أو الخامس.

    وقد بدا لي أن اخص الموضوع ببعض التساؤلات والتعقيبات على ما أوردته فيه، كما يلي:

    1. ما هو الحد الفاصل بين التخيلات والأوهام في التمثيل، وخصوصا إذا تم الاستئناس بالتخيلات وتم الابتعاد عن المعقولات التي هي محسوسات في الأصل؟
    2. ما تقصد بتحريك نفرة الوجدان؟
    3. ما هو الضابط للرابطة الحقيقية بين المعاني في التمثيل؟
    4. هل الأمثال تحصر في تضمنها للغرابة فقط، أم أن الأمثال أوسع من ذلك بتضمنها العبرة وخلاصة الحكمة أيضا؟

    أما بالنسبة لإشارتك في الآية (فهم لا يرجعون) بأن هؤلاء القوم كالمضطرب في بحر الرمل. فأرى أنه يمكن توجيه المعنى أيضا كما ورد في سورة طه (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا(89) أي لا يستجيب إذا سألوه أو كلموه.

    فالرجع هنا بمعنى الاستجابة للمؤثرات الخارجية وهي أحد أوصاف الكائن الحي، وكأن هناك إشارة في وصف من لا يرجع كمن لا يستجيب من الجمادات أو الأموات، كما في سورة الأحقاف (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ(5). فما قولك سيدي الكريم؟

    بانتظارك

    والسلام عليكم
    :;allh اللهم أعز المسلمين ووحد كلمتهم في ظل راية العقاب راية رسول الله

  10. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (يوسف الساريسي) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  11. #6
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2256

    الكنية أو اللقب : مهندس

    الجنس : ذكر

    البلد : فلسطين

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : مهندس مكنات وكلمات

    معلومات أخرى

    التقويم : 3

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل2/5/2005

    آخر نشاط:29-10-2013
    الساعة:12:13 AM

    المشاركات:1,040
    تاريخ التسجيل
    2/5/2005
    البلد
    فلسطين
    المشاركات
    1,040
    1427/3/5 هـ
    أخي الحبيب يوسف - حفظك الله ..
    بداية أعتذر عن التأخر في الردّ ..
    وسأحاول إن شاء الله أن أجيب عن الأسئلة المطروحة بإيجاز قدر المستطاع ..
    وبخصوص ما تفضّلت به في قولك : " ولقد أذهلتني طريقة النظم التي كتبت بها والتي بدت لي وكأنها خارج هذا العصر بحيث ظننت أسلوبها كأسلوب كاتب من القرن الرابع أو الخامس " . فهذا لطف منك - أخي الكريم .
    على أن كثيراً مما جاء في مداخلتي هو اقتباس من كلام لعلم من أعلام القرن العشرين ، وهو الإمام بديع الزمان سعيد النورسي - رحمه الله ..


    1. ما هو الحد الفاصل بين التخيلات والأوهام في التمثيل، وخصوصا إذا تم الاستئناس بالتخيلات وتم الابتعاد عن المعقولات التي هي محسوسات في الأصل؟
    أخي الفاضل ..
    إن في التمثيل سرّاً لطيفاً وحكمة عالية .. إذ به يصير الوهم مغلوباً للعقل ، والخيال مجبوراً للانقياد للفكر ، وبه يتحوّل الغائب حاضراً ، والمعقول محسوساً ، والمعنى مجسّماً ، وبه يجعل المتفرّق مجموعاً ، والمختلط ممتزجاً ، والمختلف متحّداً ، والمنقطع متّصلاً ...
    ولطافة التشبيه إنما تكون بلاغة إذا تأسّست على مناسبة المقصود وارتضى به المطلوب . وعظمة الخيال وجولانه إنما تكون من البلاغة إذا لم تؤلم الحقيقة ولم تثقل عليها ، ويكون الخيال مثالاً للحقيقة متسنبلاً عليها . فلابدّ في كل خيال من نواة من الحقيقة ، ولابدّ في زجاجة كل مجاز من سراج الحقيقة ، وإلا كانت بلاغته خرافة بلا عرق لا تفيد إلا حيرة .
    والكلام إذا حذا حذو الواقع ، وطابق نظمه نظامه حاز الجزالة بحذافيرها ، وإلا بان توجه إلى نظم اللفظ وقع في التصنّع والرياء كأنه يقع في أرض يابسة وسراب خادع .
    ثم إن المعاني المجتناة من خريطة الكلام على أنواع مختلفة ومراتب متفاوتة .. فبعضها كالهواء يُحسّ به ولا يُرى .. وبعضها كالبخار يُرى ولا يؤخذ .. وبعضها كالماء يؤخذ ولا ينضبط .. وبعضها كالسبيكة ينضبط ولا يتعيّن .. وبعضها كالدرّ المنتظم والذهب المضروب يتشخّص ..
    ولدى تتبّع عناصر الكلام في الأمثال ، نجد أن الصورة الواردة في المثل إما أن تكون منتزَعة من الواقع ، وإما أن تكون منتزَعة من الخيال . ومثال على الصورة المنتزَعة من الخيال ، تمثيل طلع شجرة الزقوم التي تخرج في أصل الجحيم بصورة رؤوس الشياطين ، كما قال الله تعالى : ( أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِؤُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ) [الصافات: 62-68] .
    فما من أحد يعرف صورة رؤوس الشياطين ، ولكن في خيالهم صورة قبيحة منفّرة مخيفة للشياطين ورؤوسهم ، وهي أقبح وأخوف صورة يتخيّلونها . فهذا المثل ضربه الله تعالى للناس ممثلاً بطلع شجرة الزقزم في جهنم بأقبح صورة وأخوفها يمكن أن يتخيّلها إنسان . فالشياطين أقبح وأخبث موجود ، والصورة التي ينسجها خيال الناس لهم هي أقبح وأخبث صورة . فالتمثيل بها تمثيل منتزَع من الخيال ، لا من الواقع ، وقد يكون الواقع كذلك ، لكن المخاطبين خوطبوا على مقدار ما في خيالهم .
    وأما الحدّ الفاصل بين التخيّلات والمعقولات ، فسأتطرّق إليه في النقطة الثالثة إن شاء الله لأنه متعلّق بها إلى درجة كبيرة .


    2. ما تقصد بتحريك نفرة الوجدان؟
    كما أن المتكلّم يفيد المعنى ثم يُقنِع العقل بواسطة الدليل ، فهو كذلك يلقي إلى الوجدان حسّيات بواسطة صور التمثيل ، فيحرّك في القلب الميل أو ( النفرة ) ويهيّئه للقبول . فالكلام البليغ ما استفاد منه العقل و( الوجدان ) معاً ، فكما يتداخل إلى العقل يتقطّر إلى ( الوجدان ) أيضاً . والمتكفل لهذين الوجهين التمثيل ، إذ هو يتضمّن قياساً وينعكس به في مرآة الممثَّل القانون المندمج في الممثَّل به . كما تقول في رئيس يكابد البلايا لراحة رعيّته : الجبل العالي يتحمّل مشاقّ الثلج والبَرَد ، وتخضرّ من تحته الأودية ..
    ثم إن أساس التمثيل هو التشبيه ، ومن شأن التشبيه تحريك حسّ ( النفرة ) أو الرغبة أو الميلان أو الكراهية أو الحيرة أو الهيبة .. فقد يكون للتعظيم أو التحقير أو الترغيب أو ( التنفير ) أو التشويه أو التزيين أو التلطيف ... فبصورة الأسلوب يوقظ ( الوجدان ) وينبّه الحسّ بميل أو ( نفرة ) .


    3. ما هو الضابط للرابطة الحقيقية بين المعاني في التمثيل؟
    إن معاني التمثيل شبيهة بمسائل الحساب المجهول من الجبر والمقابلة . فكما أنك إذا أوردت عليك مسألة من المجهولات تأخذها ، وتقلبها ظهراً لبطن ، وتنظر إلى أوائلها وأواخرها ، وتعتبر أطرافها وأوساطها ، وعند ذلك تخرج بك الفكرة إلى معلوم ، فكذلك إذا ورد عليك معنى من المعاني ، ينبغي لك أن تنظر فيه كنظرك في المجهولات الحسابية .
    وإذن فالتشبيه معادلة جبرية تتكوّن من مجهول أو أكثر ومن معلوم أو أكثر من الدرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة حسب تعقيد الصورة ، وكثرة المتغيّرات .
    والضابط بين المشبَّه والمشبَّه به هو علامة التساوي ( = ) .
    فالمشبَّه ( س ) = المشبَّه به ( معلوم ) .
    وكلما كانت الصورة أقرب إلى الواقع ، فإن الضابط فيها يكون أوثق وأوكد .
    ولا يخفى عليك - أخي الحبيب - أن كلاً من الأديب والشاعر والفنان والمخرج إنما يدّعون الحقيقة فيما أصله التقريب والتمثيل ، وحيث يقصدون التلطف والتأويل ، ويذهبون بالقول مذهب المبالغة والإغراق في المدح والذمّ والوصف والنعت والفخر والمباهاة وسائر المقاصد والأغراض .
    وبهذا يكون التمثيل معتمداً عندهم على الاتساع والتخييل . وكما يقول الإمام عبد القاهر : " وهل تشكّ في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر لك ما بين المشرق والمغرب ، ويجمع ما بين المُشئم والمُعرق وهو يريك للمعاني الممثلة بالأوهام شبهاً في الأشخاص الماثلة ، والأشباح القائمة ، ويُنطق لك الأخرس ، ويعطيك البيان من الأعجم ، ويريك الحياة في الجماد ، ويريك التئام عين الأضداد ، فيأتيك بالحياة والموت مجموعين ، والماء والدار مجتمعين ؟ " .
    ولذلك فإن الصورة هنا كلما كانت أقرب إلى الواقع ، فإننا نمثّلها بالتعبير الرياضي ( ≈ ) يساوي على وجه التقريب . ولنضرب مثلاً على ذلك من قول أبي تمام :
    لا تنكري عَطَلَ الكريم من الغنى ***** فالسيل حربٌ للمكان العالي
    ففي هذا البيت تنعقد مشابهة ضمنية بين عَطَل الكريم من الغنى وعَطَل المكان العالي من السيل . أما المشبَّه فهو دعوى غير قائمة في واقع العقل وإنما هي موقف . وأما المشبَّه به فهو قضيّة مسلّم بها ، وهي أمر واقع يستطيع كل واحد في كل زمان ومكان أن يتأكّد منه .
    وهنا يقيم الشاعر علاقات تخييلية بين الكريم والمكان العالي ، وبين الغنى والسيل . وهذه العلاقات غير موجودة في واقع العقل ، وإنما أقامها الشاعر من خلال رؤيته الكاشفة للعلاقات بين الأشياء ، ومن خلال لمحه لأوجه شبه لا يراها العادي من الناس .
    ولو سلّمنا جدلاً أن القضيّة الأولى كانت من حيث البرهان صفراً ، وأن القضيّة الثانية كانت من حيث البرهان مئة بالمئة ، فواضح أن حشر القضيتين على صعيد واحد سيتيح للقضيّة الأولى أن تكون خمسين بالمئة ، وهو مكسب كبير على أي حال .
    وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن قلائل من الناس مَن يدقّقون في هذه الأمور ويزنونها بميزان العقل ، وأن الإنسان هو عقل ووجدان معاً ، علمنا أن بعض إيحاءات هذه المعاني سيبقى لائطاً بالنفس . أضف إلى ذلك أن القضية الأولى لا تولي نفسها للتجربة والكشف لأنها حالة نفسية وموقف ، فإذن تبقى هذه الروابط التخييلية تلحّ على القاريء أو السامع ما اتّصل بهذه المعاني أو وصل إليها .
    وليس كذلك القرآن الكريم . إذ أن منهجه في التشبيه والتمثيل لهو كمعادلة الرياضيات سواء بسواء ، وطرفي المماثلة لهما في التساوي الحقيقي . وهو ما لم تألفه أساليب العرب في القول التي كانت تنحو منحى المبالغة في الصفة أو اللون أو الحركة حتى لقد اشترط بعضهم أن تكون الصفة في المشبَّه به أقوى منها في المشبَّه .
    إن هذه الرياضية المطلقة لتجعل التشبيهات في القرآن الكريم أمراً مبرماً وقوانين حتمية . بل إنها تفوق القوانين الحتمية من حيث وضوح الدلالات البعيدة والمقاصد الخفيّة . فالمشبَّه به في القرآن الكريم مكوّن من جملة أو أكثر ، وهي بطبيعة الحال لوحات مختلفة نُسق بعضها على بعض بترتيب قد يكون زمانياً أو مكانياً ، أو الاثنين معاً ، ووجه الشبه حاصل من تكاملها ضمن هذا النسق . إذ الشَّبه منتزَع من مجموعها من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض وإفراد شطر عن شطر ، حتى إنك لو حذفت منها جملة واحدة من أي موضع كان أخلّ ذلك بالمغزى من التشبيه .
    ولو شئنا التعبير الرياضي لقلنا : إن ( س ) = ما دخل القوس جميعاً ويعامل كوحدة واحدة وعلى ذات النسق . وبذا فإن الإلزام بهذا المنهج أوكد وأوثق ، وهو ما يضيف إلى مبدأ الاقتصاد في اللغة وأسرار الإعجاز .


    4. هل الأمثال تحصر في تضمنها للغرابة فقط، أم أن الأمثال أوسع من ذلك بتضمنها العبرة وخلاصة الحكمة أيضا؟
    بالطبع لا حصر للأمثال في تضمّنها للغرابة ، ولكني آثرت هنا لفظة ( الغرابة ) ، لاندماج قاعدة أساسية في الأمثال يُقال لها : "حكمة العوام" و "فلسفة العموم" . أما أن الله تعالى ضرب الأمثال للناس في القرآن الكريم لعلهم يتذكرون ، ويتفكرون ، ويعتبرون ، وجعل في ضرب الأمثلة تربيةً قرانيةً عاليةً لكل إنسان يتقبل الهدى والعلم النافع ، فهذا بدهي .


    5. أما بالنسبة لإشارتك في الآية (فهم لا يرجعون) بأن هؤلاء القوم كالمضطرب في بحر الرمل. فأرى أنه يمكن توجيه المعنى أيضا كما ورد في سورة طه (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا(89) أي لا يستجيب إذا سألوه أو كلموه.
    فالرجع هنا بمعنى الاستجابة للمؤثرات الخارجية وهي أحد أوصاف الكائن الحي، وكأن هناك إشارة في وصف من لا يرجع كمن لا يستجيب من الجمادات أو الأموات، كما في سورة الأحقاف (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ(5).

    وهو عين المقصود لأن من اختار بإرادته الجازمة الواعية مثل ذاك الاختيار ، لا يُستجاب له وانسدّ عليه الباب ، فهو كمن سقط في وحل كلمّا تحرّك انغمس ، ولا يمكنه أن يرجع إلى مواقع النور والهداية وصدق الإسلام ( فهم لا يرجعون ) .

    والله تعالى أعلم ..
    اللهم انصر أهل غزة

  12. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (لؤي الطيبي) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  13. #7
    تجميد الاشتراك

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 4154

    الجنس : ذكر

    البلد : تركيا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : أقل من جامعي

    التخصص : تسويق

    معلومات أخرى

    التقويم : 3

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل7/1/2006

    آخر نشاط:15-11-2009
    الساعة:01:01 AM

    المشاركات:6,412
    تاريخ التسجيل
    7/1/2006
    البلد
    تركيا
    المشاركات
    6,412
    1427/3/5 هـ

    خواطر في التفسير

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أود الإشارة إلى مرجع للتفسير،وهو من أروع ما قرأت حول هذا الموضوع
    وهو من خواطر الإمام الشعراوي.والرجاء قراءة التفسير بدءا من الصفحة في الأسفل وما بعدها في الموقع،وأرجوا أن يكون فيها الفائدة
    مع عاطر التحيات
    http://www.elsharawy.com/books.aspx?...8&mend=1002022

  14. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (أحمد الغنام) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •