بسم الله

السلام عليكم

توفي فجر الخميس الماضي الأستاذ الجليل محمد الغامدي ، رحمه الله ، المشرف العام على موقع "هيا إلى العربية" ، في حادث أليم ، نسأل الله ، عز وجل ، له ولمن قضى معه من أهله الرحمة والمغفرة ولمن بقي الصبر والسلوان

http://www.alarabeyya.com/phpBB/view...fc0b91589063eb

وعودة لموضوع المشاركة ، وهي عن الأبيات الشهيرة التي بعث بها الرشيد إلى أبي يوسف :

فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن ******* وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم
فأنت طلاق والطلاق عزيمة ******* ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم
فمن أهم الشواهد في هذين البيتين :

أولا : ما ورد من أن أمير المؤمنين هارون الرشيد ، رحمه الله ، بعث إلى القاضي أبي يوسف ، رحمه الله ، يسأله عن هذه الأبيات ، كما سبق ، فقال : ماذا يلزمه إذا رفع الثلاث وإذا نصبها ؟ فقال أبو يوسف : فقلت : هذه مسألة نحوية فقهية ، ولا آمن الخطأ إن قلت فيها برأيي ، فأتيت الكسائي وهو في فراشه ، فسألته ، فقال : إن رفع طلقت واحدة ، لأنه قال : "أنت طلاق" ، ثم أخبر أن الطلاق التام ثلاث ، وإن نصبها طلقت ثلاثا ، لأن معناه : أنت طالق ثلاثا ، وما بينهما جملة معترضة ، فكتبت بذلك إلى الرشيد ، فأرسل إلي بجوائز فوجهت بها إلى الكسائي .......... انتهى ملخصا .
فلو رفع "ثلاث" ، كانت هي خبر المبتدأ ، "والطلاق عزيمة" ، أي أن طلاق العزيمة ثلاث ، فتطلق واحدة ، وإن نصب فإن جملة : والطلاق عزيمة ، تصير جملة اعتراضية ، ويكون السياق : أنت طلاق ثلاثا ، فتطلق ثلاثا .

ويعلق ابن هشام ، رحمه الله ، بما ملخصه :
والصواب أن كلا الوجهين محتمل لوقوع الطلاق واحدة أو ثلاثا :
فأما وجه الرفع : فإنه إما أن تكون "أل" في الطلاق عهدية ، كما في قوله تعالى : (فعصى فرعون الرسول) ، أي موسى صلى الله عليه وسلم ، فهو معهود ذكري ، لسبق ذكره في الآية السابقة لهذه الآية ، وهي قوله تعالى : (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا) ، فيكون المعنى : إن الطلاق المذكور ثلاث ، أو الطلاق المعهود ثلاث ، فتطلق ثلاثا .
أو تكون "أل" جنسية ، لبيان جنس الطلاق ، كما في قوله تعالى : (إن الإنسان لفي خسر) ، أي : جنس الإنسان ، فيكون المعنى : إن جنس طلاق العزيمة ثلاث ، فتطلق واحدة ، أو يقع ما نواه المطلق .

وأما وجه النصب :
فإما أن تكون جملة "والطلاق عزيمة" ، جملة اعتراضية ، ويكون السياق : فأنت طلاق ثلاثا ، فتطلق ثلاثا ، كما تقدم .
أو تكون منصوبة على الحالية من الضمير المستتر في "عزيمة" فيكون تقدير الكلام : والطلاق عزيمة إذا كان ثلاثا ، ولا يلزم من ذلك وقوع كل طلاق ثلاثا لأنه ليس كل طلاق عزيمة ، والله أعلم .
بتصرف من مغني اللبيب ، (1/75 ، 76) .

ثانيا : وقوع الفاء في جوابي الشرط : "فالرفق أيمن" و "فالخرق أشأم" ، وجوبا ، لأن الجواب في كلا الشرطين جملة اسمية ، والله أعلم .

ثالثا : وقوع المصدر "طلاق" بمعنى اسم المفعول "مطلقة" ، بضم الميم وفتح القاف ، وهذا ما يعرف بـــ "تبادل الصيغ" .

وفي هذه القصة الطريفة عدة فوائد منها :
حرص خلفاء المسلمين المتقدمين على تحصيل علوم اللغة والدين ، حتى عد بعضهم في عداد العلماء ، كعبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز وأبي جعفر المنصور وهارون الرشيد وعبد الله المأمون العباسي ، رحمهم الله جميعا ، وما ظنك بخليفة يحيط نفسه بحاشية فيها أمثال أبي يوسف والكسائي ، معلم ولدي الرشيد : الأمين والمأمون ؟ ، ويوم أهمل حكام المسلمين علوم اللغة والدين وأحاطوا أنفسهم بحواش فاسدة من المهرجين والمنتفعين ضاعت هيبة الخلافة وطمع الأعداء في أمة الإسلام .

ومنها كذلك حرص أبي يوسف ، رحمه الله ، على تحصيل العلم ، وإن علا منصبه ، فقد كان آنذاك قاضي القضاة ، الذي يتولى تعيين قضاة الدولة بنفسه ، ومع ذلك لم يصبر حتى يلقى الكسائي ، وإنما سار إليه بنفسه وأتاه وهو في فراشه ليسأله عن هذه المسألة النحوية الفقهية ، وقد أثر عن هذا العالم الجليل ، أنه تدارس مع أحد طلبته مسألة في رمي الجمار ، وهو في النزع الأخير ، وأثر عنه أنه لما مات ابنه ، غسله وكفنه ، ولم يحضر دفنه لئلا يفوته درس شيخه الإمام الأعظم أبي حنيفة ، رحمه الله ، فالله درك أبا يوسف :
لا تحسبن المجد تمرا أنت آكله ******* لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر

ومنها رد الأمر إلى أهله ، فكل صانع أدرى بصنعته ، فلم يهجم أبو يوسف ، رحمه الله ، على الفتوى في مسألة لا يحسنها حتى يسأل أربابها ، ولذا اعتبر بعض العلماء قول النحاة في المسائل الفقهية التي تبنى على مسائل نحوية كمسألتنا هذه ، وللمسألة تفصيل في كتب الأصول .

ومنها رد الفضل إلى أصحابه ، فلم يتشبع أبو يوسف ، رحمه الله ، بما لم يعطه ، وإنما اعترف للكسائي بالسبق في هذه المسألة فأرسل جوائز الرشيد له لأنه أحق بها ، والمتشبع بما لم يعطه كلابس ثوبي زور ، كما قال صلى الله عليه وسلم .

وعجبا لأولئك القوم ، لقد جمعت لهم العلوم والآداب ، فالناظر في سيرهم لا يعدم خلقا رفيعا يتأدب به أو علما جما يتزود منه ، وأمة أعلامها كهؤلاء أمة ظاهرة وإن دال عليها أعداؤها حينا من الدهر .

والله أعلى وأعلم .