رابط محرك بحث قوقل الفصيح في القائمة تطبيقات إضافية
اعرض النتائج 1 من 3 إلى 3

الموضوع: حول "النكرة"
1427/6/6 هـ

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:08:08 AM

    المشاركات
    3,975
    العمر
    36
    1427/6/4 هـ

    حول "النكرة"

    بسم الله
    السلام عليكم

    هذه بعض الفوائد جمعتها عن النكرة أسأل الله ، عز وجل ، أن ينفع بها

    أولا : تعريف النكرة :
    وقد تعددت تعريفات العلماء لها :
    فقد عرفها ابن هشام ، رحمه الله ، في "شذور الذهب" بما يميزها ، وهو أنها تقبل دخول "رب" عليها ، نحو "غلام" و "رجل" ، فتقول : "رب رجل" و "رب امرأة" ، وبه استدل النحاة على أن "من" و "ما" قد يقعان نكرتين ، كقول سويد بن أبي كاهل :
    رب من أنضجت غيظا قلبه ******* قد تمنى لي موتا لم يطع

    وقول أمية بن أبي الصلت ، وإن اختلف في نسبة البيت له :
    ربما تكره النفوس من الأمر ******* له فرجة كحل العقال
    وشاهده في التنزيل :
    قوله تعالى : (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ)

    فائدة :
    يقول الزمخشري غفر الله له :
    فإن قلت : لم دخلت على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضي ؟ قلت : لأن المترقب في إخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه ، فكأنه قيل : ربما ودّ . اهـــ
    وكذا الحال في البيت السابق ، فقد دخلت على المضارع ، فيؤول المعنى إلى : ربما كرهت النفوس ......... ، لأن هذا الأمر ، بحكم سنن الله ، عز وجل ، في خلقه ، وحكم التجارب ، أمر مقطوع بتحققه ، فلا عسر إلا ومعه يسران ، ولن يغلب عسر يسران ، والله أعلم .

    ويضيف الزمخشري فيقول :
    فإن قلت : فما معنى التقليل ؟ قلت : هو وارد على مذهب العرب في قولهم : لعلك ستندم على فعلك ، وربما ندم الإنسان على ما فعل ، ولا يشكون في تندمه ، ولا يقصدون تقليله ، ولكنهم أرادوا : ولو كان الندم مشكوكاً فيه أو كان قليلاً لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل ، لأنّ العقلاء يتحرّزون من التعرّض للغم المظنون ، كما يتحرّزون من المتيقن ومن القليل منه ، كما من الكثير ، وكذلك المعنى في الآية : لو كانوا يودّون الإسلام مرة واحدة ، فبالحري أن يسارعوا إليه ، فكيف وهم يودّونه في كل ساعة . اهــ

    فالغم ، ولو كان مظنونا قليلا ، فإن النفوس تنفر منه بطبعها ، فهي تبغي السلامة من قليله وكثيره ، فكذا الإسلام ، لو كانوا يتمنونه ، ولو قليلا ، لكان حريا بهم أن يسارعوا إليه لما فيه من الخير العظيم ، فكيف وهو يودونه في كل ساعة .

    ويتفق الحريري ، صاحب المقامات ، رحمه الله ، مع ابن هشام في هذا القيد ، إذ يقول في "ملحة الإعراب" :
    فكل ما "رب" عليه تدخل ******* فإنه منكر يا رجل
    نحو : غلام وكتاب وطبق ******* كقولهم : رب غلام لي أبق

    ويورد ابن هشام على نفسه مسألة وهي :
    دخول "رب" على الضمير في قول الشاعر :
    ربه فتية دعوت إلى ما ******* يورث المجد دائبا فأجابوا
    وقولك : "ربه رجلا"
    فقد دخلت "رب" على الضمير ، وهو معرفة ، وعليه يكون حد النكرة بأنها اللفظ الذي يقبل دخول "رب" ، غير مانع لأنه لم يمنع دخول الضمير المعرفة .
    والرد على ذلك : أنه لا يسلم أن الضمير في "ربه فتية" معرفة ، بل هو نكرة ، لأنه عائد إلى ما بعده ، وهو "فتية" و "رجلا" ، وهما نكرتان فعاد الضمير إلى نكرة ، والضمير ينقسم من جهة مرجعه إلى قسمين :
    القسم الأول :
    أن يرجع الضمير إلى نكرة واجبة التنكير ، فيكون الضمير نكرة ، وإن كان بأصل وضعه معرفة ، كما في المثالين السابقين ، إذ عاد الضمير على تمييز "فتية" و "رجلا" ، والتمييز واجب التنكير ، فيكون الضمير في "ربه فتية" و "ربه رجلا" نكرة ، ويسلم الحد من الاعتراض .
    والقسم الثاني :
    أن يكون مرجع الضمير جائز التنكير ، كـــ : "جاءني رجل فأكرمته" ، فالضمير في "أكرمته" : عائد على متقدم لفظا ورتبة "رجل" ، وهو "فاعل" ، والفاعل لا يجب أن يكون نكرة ، بل يجوز أن يكون نكرة وأن يكون معرفة ، فتقول : جاءني رجل ، فيكون الفاعل نكرة ، وجاءني زيد فيكون الفاعل معرفة ، ويكون الضمير تبعا له تعريفا وتنكيرا ، وهذا مذهب الكوفيين ، والله أعلم .

    وأما ابن مالك ، رحمه الله ، ومعه جمهور البصريين ، فيرون أن الضمير في "ربه" ، ضمير معرفة ، على بابه ، وإنما دخلت عليه "رب" ، ضرورة في الشعر لا يقاس عليها ، وإليه أشار ابن مالك ، رحمه الله ، في "الخلاصة" :
    وما رووا من نحو "ربه فتى" ******* نزر ، كذاكها ونحوه أتى
    بتصرف من "منتهى الأرب بتحقيق شرح شذور الذهب" ، ص167 .

    ويعرفها ابن هشام ، رحمه الله ، في "شرح قطر الندى" بقوله :
    هي عبارة عما شاع في جنس موجود ، كــــ "رجل" ، فإنه موضوع لما كان حيوانا ناطقا ذكرا ، فكلما وجد من هذا الجنس واحد فهذا الاسم صادق عليه . اهـــ

    فكلما وجد فرد من أفراد جنس الرجال ، صح إطلاق لفظ "رجل" عليه بدون أي قيد معرف ، فلا يجب أن نعرفه بإضافته أو بـــ "أل" ........... الخ ، بل يمتنع ذلك لئلا تخرج الكلمة من حد النكرة ، وإنما هو "رجل" أيا كانت صفته .

    ولا يمتنع تخصيص النكرة ، بوصفها ، إذ لك أن تصف هذا الرجل بكونه صالحا أو فاضلا .......... الخ ، فتقول : رجل صالح ورجل فاضل ، فتتضح النكرة شيئا ما ، ولكن تبقى داخل حد النكرة ، إذ وصف : رجل صالح ينطبق على أي رجل يتصف بالصلاح ، فالتخصيص ضيق دائرة النكرة المحضة ولم يخرجها عن حد النكرة ، وكلما ازدادت المخصصات ، كلما ازدادت الدائرة ضيقا ، مع بقاء شيوعها في الأفراد التي تشملها ، فلو قلت : مررت برجل صالح فاضل عابد كريم مصل ........ الخ ، بقي الشيوع في جنس من تشملهم هذه الدائرة مهما ضاقت بتوارد المخصصات عليها ، والله أعلم .

    وهذا يشبه إلى حد كبير ، تخصيص العام في علم الأصول ، إذ التخصيص يضيق دائرته ، وكلما تواردت المخصصات على العام ، كلما ضاقت دائرة عمومه ، وضعفت دلالته ، وإن بقي حجة فيما وراء صور التخصيص ، على الراجح من أقوال أهل العلم ، فالعام المحفوظ أقوى دلالة من العام المخصص بمخصص واحد ، والمخصص بواحد أقوى دلالة من المخصص باثنين ، وهكذا ، والله أعلم .

    ويواصل ابن هشام ، رحمه الله ، فيقول :
    أو تكون مما شاع في جنس مقدر كــــ "شمس" ، فإنها موضوعة لما كان كوكبا نهاريا ينسخ ظهوره وجود الليل ، فحقها أن تصدق على متعدد كما أن "رجل" كذلك ، وإنما تخلف ذلك من جهة عدم وجود أفراد له في الخارج ، فالشمس واحدة لا تعدد لها ، ولو وجدت أفراد له لكان هذا اللفظ صالحا لها .
    بتصرف من "شرح قطر الندى" ، ص104 .

    ويقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، بأن النكرة تطلق على كل واحد من أفراد الجنس على سبيل البدل ، فلفظ "رجل" يصلح للإطلاق على كل واحد من أفراد جنس الرجال ، ولكن على سبيل البدل ، بمعنى أنك إذا أشرت إلى أحد أفراد جنس الرجال وقلت : هذا رجل ، فإنه لا يدخل معه في هذا القول أي رجل آخر ، وإنما يلزمك عند الإشارة إلى رجل آخر ، أن تكرر القول فتقول : وهذا رجل ، وهكذا ، فـــ "رجل" كلمة لا تحتمل إلا فردا واحدا من أفراد الرجال في حالة إطلاقها وإن كانت تحتمل كل الرجال على سبيل البدل ، فإن لم يوجد أحدهم صح إطلاقها على رجل غيره وهكذا ، خلاف المعرفة ، كالعلم على سبيل المثال ، فإنك إذا قلت : هذا زيد ، الشخص المعروف بهذا الاسم ، فلا يجوز لك أن تطلق نفس الاسم على أحد غيره ، إن لم يكن موجودا ، فلا ينوب أحد عنه في هذا الشأن ، فالبدلية غير متصورة لأنه لا يوجد تعدد لذات شخص واحد ، والله أعلم .

    فالنكرة بهذا التعريف ، أشبه ما تكون بـــ "المطلق" ، المتعارف عليه في علم الأصول ، وهو الذي يشمل أفراده على سبيل البدل لا الشمول كــــ "العام" ، كما في حديث : (لا نكاح إلا بولي) ، فـــ "ولي" نكرة في سياق الإثبات ، والنكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق ، كما قرر ذلك علماء الأصول ، فالمقصود بـــ "الولي" هنا ، ولي واحد ، لا كل الأولياء ، فلم يقل أحد بأن زواج المرأة لا ينعقد إلا بحضور جميع أوليائها في نفس الوقت ، وإنما ينعقد بحضور أحدهم ، على الترتيب المعروف في باب النكاح ، فإن تخلف الأول ناب عنه الثاني على سبيل البدلية ، دون أن يجتمع قولهما في صيغة النكاح ، وهكذا .

    وهذا خلاف العام ، الذي يشمل كل أفراده على سبيل الشمول ، بحيث يصح إطلاقه على كل أفراده في نفس الوقت ، فإن خصص ضاقت دائرة أفراده ، وإن حصل التعدد ولكنه أقل من تعدده قبل تخصيصه ، فالتعدد فيه متصور في كل أحواله ، إلا إن خصص حتى لا يبقى من أفراده إلا فرد واحد ، خلاف "المطلق" ، الذي لا يتصور فيه التعدد في نفس الوقت ، وإنما يتصور فيه التعدد على البدلية ، كما تقدم ، والله أعلم .

    وأشهر قاعدتين أصوليتين تتعلقان بالنكرة :
    قول الأصوليين : النكرة في سياق النفي تفيد العموم ، كما في قوله تعالى : (ولا يظلم ربك أحدا) ، فـــ "أحدا" ، نكرة في سياق النفي فتفيد نفي ظلم الله ، عز وجل ، لأي أحد من عباده ، تعالى الله ، عز وجل ، عن ظلم عباده علوا كبيرا ، والظالم إنما يظلم لافتقاره إلى ما في يد المظلوم ، والله ، عز وجل ، غني عن عباده ، بل هو المتفضل عليهم بنعمه ابتداء دون سابق فضل ، فكيف يظلمهم وهو خالقهم ومصرف أمورهم .

    والثانية :
    قولهم : النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق ، وسبقت الإشارة إليها عند الكلام على حديث : (لا نكاح إلا بولي) .

    وأما ابن مالك ، رحمه الله ، فقد عرف النكرة في ألفيته ، بقوله :
    نكرة قابل "أل" مؤثرا ******* أو واقع موقع ما قد ذكرا
    فذكر قيدا آخر ، وهو قابلية الاسم لدخول "أل" عليه ، فكل كلمة تقبل دخول "أل" عليها ، أو تقع موقع ما يقبل "أل" فهي نكرة ، وقد اعترض على التعريف بأنه غير جامع ، لأن هناك بعض الألفاظ لا تقبل دخول "أل" عليها ، ولا تقع موقع ما يقبل "أل" ، ومع ذلك هي نكرات ، وذلك ، كما يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله ، أربعة أشياء :

    الحال في نحو : "جاء زيد راكبا" ، فالحال نكرة لا تقبل "أل" وإن وجدت بعض الأحوال التي دخلت عليها "أل" ، لأنها تؤول عندئذ بنكرة ، كقولك : جاءوا الأول فالأول : أي جاءوا مترتبين ، فأولت المعرفة "الأول فالأول" بالنكرة "مترتبين" .
    والتمييز في نحو : "اشتريت رطلا عسلا" ، وإن دخلت عليه "أل" اضطرارا في قول الشاعر:
    رأيتك لما أن عرفت وجوهنا ******* صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو
    فــ "أل" في "النفس" ، زائدة ، والأصل في غير الضرورة : وطبت نفسا .
    واسم لا النافية للجنس ، كقولك : لا رجل في الدار ، فهو لا يقبل دخول "أل" ، فإذا ما دخلت عليه أهملت "لا" ووجب تكرارها فتقول : لا الرجل في الدار ولا المرأة ، برفع : الرجل والمرأة .
    ومجرور "رب" إذ لا يكون إلا نكرة ، ولو كان ضميرا ، على مذهب الكوفيين ، كما تقدم ، فتقول : رب رجل ، ولا تقول : رب الرجل ، ويلتحق بها "واو رب" ، كـــ :
    قول امرئ القيس :
    وليل كموج البحر أرخى سدوله ******* علي بأنواع الهموم ليبتلي
    أي : ورب ليل ...............
    ويجيب الشيخ محيي الدين ، رحمه الله ، على هذا الاعتراض بقوله :
    والجواب : أن هذه كلها تقبل "أل" من حيث ذاتها ، لا من حيث كونها حالا أو تمييزا أو اسم لا أو مجرور رب ، ففي قولك : جاء زيد راكبا ، الحال "راكبا" لا يقبل "أل" في هذا الموضع فقط لا في المواضع الأخرى بدليل جواز "الراكب" ، في قولك : جاء الراكب مسرعا ، وهكذا بالنسبة للتمييز واسم لا ومجرور رب ، والله أعلم .

    واعترض عليه أيضا ، بأنه غير مانع ، لأن بعض المعارف يقبل "أل" كـــ "يهود" و "مجوس" ، فإنك تقول "اليهود" و "المجوس" ، والجواب :
    أن "يهود" و "مجوس" اللذين يقبلان "أل" هما جمع يهودي ومجوسي ، فهما نكرتان ، فإن قصد بهما العلمية على القبيلين المعروفين لم يصح دخول أل عليهما ، فلا تدخل عليهما "أل" إلا بعد نية تنكيرهما ، كـــ "زيد" لا يثنى ويجمع إلا بعد نية تنكيره ، فتقول "زيدان" و "زيود" ، على نية التنكير بدليل جواز دخول "أل" عليهما فتقول : "الزيدان" و "الزيود" ، ولو كانا معرفتين لما جاز دخول "أل" عليهما ، والله أعلم .

    واعترض ، أيضا ، بـــــ "الضمير العائد على نكرة" ، كقولك : لقيت رجلا فأكرمته ، فالهاء راجعة على النكرة "رجل" ، فهي واقعة موقع ما يقبل "أل" ، ومع ذلك لا تقبل "أل" ، والجواب :
    أنها عند الكوفيين نكرة لأن مرجعها نكرة ، فلا إشكال عندهم ، لأنها حلت محل نكرة تقبل "أل" ، فكأنك قلت : فأكرمت رجلا ، فحلت النكرة التي تقبل "أل" : "رجلا" محل الهاء .
    وأما البصريون فإنهم يجعلونها واقعة موقع "الرجل" ، كما في قوله تعالى : (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا * فعصى فرعون الرسول) ، فكأن "أل" فيها للمعهود الذكري الذي تقدم وهو : "رجلا" ، وعليه تكون واقعة موقع ما لا يقبل "أل" ، لأن المعرف بـــ "أل" : "الرجل" لا يقبل دخول "أل" مرة أخرى ، فلا يصدق على الهاء تعريف النكرة أصلا ، لأنها لم تقع موقع ما يقبل "أل" ، بل على العكس وقعت موقع ما لا يقبلها ، والله أعلم .


    أنواع النكرات :
    من أهم أنواع النكرات :
    أولا : النكرة الموغلة في النكارة :
    وهي النكرة التي لا تكتسب التعريف من الإضافة ، لذا جاز أن ينعت بها ، بعد إضافتها ، النكرة ، فإضافتها ، كما تقدم ، لم تنقلها عن باب النكرة ، ومن شواهد ذلك في التنزيل :
    قوله تعالى : (إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) ، فـــ "مثل" مضافة إلى "ما" ، وهي معرفة ، ورغم أن الإضافة إلى المعرفة تصير النكرة معرفة ، وإن كانت في أدنى درجات التعريف ، إلا أنها بقيت على نكارتها بعد هذه الإضافة ، بدليل أنها جاءت نعتا لنكرة "حق" ، والنكرة لا تنعت بمعرفة ، وسبب ذلك أن "مثل" من النكرات الموغلة في النكارة بحيث لا ترتفع نكارتها بإضافتها لمعرفة ، كما تقدم ، والله أعلم .

    فائدة :
    رغم عدم اكتساب "مثل" التعريف من إضافتها لـــ "ما" ، إلا أنها اكتسبت من هذه الإضافة البناء ، لأن الإضافة إلى مبني تكسب المضاف البناء فبنيت "مثل" على الفتح في محل رفع نعت للمنعوت المرفوع "لحق" ، وشبيه ذلك تخريج بعض النحاة لبيت الفرزدق الشهير :
    فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ******* إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
    برواية فتح "مثل" ، حيث ذهب بعض النحاة إلى تلحين الفرزدق ، لأنه نصب خبر "ما" المقدم ، و"ما" التي تعمل عمل "ليس" في لغة الحجازيين ، لا تعمل إلا إذا تأخر خبرها ، فترفع الاسم وتنصب الخبر ، فإذا ما تقدم الخبر رفع ، وأهملت "ما" ، فكان على الفرزدق التميمي أن يرفع "مثل" ، لا أن يعمل "ما" فينصب بها الخبر ، رغم تقدمه ، بينما ذهب البعض الآخر إلى تصحيح رواية الفتح ، على أنه فتح بناء لا نصب ، فتكون "مثل" مبنية على الفتح في محل رفع خبر مقدم ، فتهمل "ما" ، لتقدم الخبر ، ويرفع المبتدأ والخبر ، وتطرد القاعدة ، وإنما اكتسبت "مثل" البناء من إضافتها للضمير المبني "هم" ، والله أعلم .
    بتصرف من "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل رحمه الله" ، (1/249) .

    ومن المسائل التي تتعلق بهذا الموضع :
    الإضافة اللفظية : وهي إضافة لا تكسب المضاف تعريفا ، وإنما يقصد بها التخفيف ، كما في قوله تعالى : (هديا بالغ الكعبة) ، فالوصف ، اسم الفاعل : "بالغ" أضيف إلى "الكعبة" ، إضافة لفظية غير محضة ، لم تكسبه تعريفا ، ولذا جاء نعتا لنكرة محضة "هديا" .
    وللمسألة بسط بديع ، بسطه العلامة ابن عقيل ، رحمه الله ، في شرحه ، (3/33_36) .

    وثانيا : النكرة المحضة :
    ومن أنواعها ، أيضا ، "النكرة المحضة" ، وهي النكرة الاصطلاحية المتقدمة .

    وثالثا : المعرف بـــ "أل" الجنسية :
    إذ ذهب بعض النحاة إلى اعتبار المعرف بــــ "أل" الجنسية في حكم النكرة ، كما أشار إلى ذلك الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ، رحمه الله ، في "منحة الجليل" في معرض تعليقه على قول الشاعر السلولي :
    ولقد أمر على اللئيم يسبني ******* فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
    إذ يقول :
    وإنما ساغ ذلك ، "أي وصف المعرف بــ "أل" بجملة تؤول بنكرة" ، لأن "أل" فيه جنسية ، فهو قريب من النكرة ، "وإن كان معرفة لفظا" ، كذا قال جماعة ، منهم ابن هشام ، رحمه الله ، وقال الشارح العلامة ، أي ابن عقيل رحمه الله : إنه يجوز أن تكون الجملة حالية . اهــــ

    فتكون "أل" معرفة على أصلها ، وإن ضعفت في باب التعريف لأنها تدل على العموم ، والعموم من أخص خصائص النكرات .
    ويواصل الشيخ محيي الدين ، رحمه الله ، فيقول :
    والذي نرجحه ، هو ما ذهب إليه غير الشارح من تعين كون الجملة نعتا في هذا البيت ، لأنه الذي يلتئم معه المعنى المقصود ، ألا ترى أن الشاعر يريد أن يتمدح بالوقار وأنه شديد الاحتمال للأذى ، وهذا إنما يتم له إذا جعلنا اللئيم منعوتا بجملة "يسبني" إذ يصير المعنى : أنه يمر على اللئيم الذي شأنه سبه وديدنه النيل منه ، "فهو متصف بذلك في كل أحواله" ، ولا يتأتى هذا إذا جعلت الجملة حالا ، إذ يكون المعنى حينئذ أنه يمر على اللئيم في حال سبه إياه ، "أي في حال واحدة وليس في كل الأحوال" ، لأن الحال قيد في عاملها فكأن سبه حاصل في وقت مروره فقط ، نعم يمكن أن يقال : إنه لو تحمل ومضى في هذه الحال فهو في غيرها أشد تحملا ، ولكن هذه دلالة التزامية ، والدلالة الأولى وضعية . اهــــــ
    بتصرف من "منحة الجليل" ، (3/153) .
    وهذا التحقيق النفيس يدل على أن الإعراب فرع المعنى ، إذ راعى الشيخ ، رحمه الله ، الإعراب الذي يزيد المعنى قوة ، فالاتصاف بالحلم على الدوام مقدم على الاتصاف به في موقف دون آخر ، وإن كان الحليم في ذلك الموقف حليما فيما دونه من باب أولى ، والله أعلم .
    وقد أشار الشيخ ، رحمه الله ، في ثنايا هذا التحقيق ، إلى قاعدة مقررة عند جماهير النحاة وهي : أن
    الجمل بعد النكرات صفات ، وبعد المعارف أحوال .
    ولذا استدرك الشيخ محيي الدين ، رحمه الله ، على ابن عقيل ، رحمه الله ، في شرحه لما ذهب إلى أن جملة "تسعى" حال من "حية" في قوله تعالى : (فإذا هي حية تسعى) ، فقد جوز بعض النحاة تعدد الأخبار ، وعليه تكون "حية" خبر أول لـــ "هي" ، وجملة "تسعى" خبر ثان ، وقال آخرون ، ومنهم ابن عقيل ، رحمه الله ، إلى أن جملة "تسعى" حال من "حية" ، واعترض فريق ثالث ، منهم الشيخ محيي الدين ، رحمه الله ، إذ يقول :
    إذا لم تجعل جملة "تسعى" خبرا ثانيا ، كما يقول المعربون ، فهي في محل رفع صفة لـــ "حية" وليست في محل نصب ، حالا من حية ، كما زعم الشارح ، أي ابن عقيل رحمه الله ، وذلك لأن "حية" نكرة لا مسوغ لمجيء الحال منها ، وصاحب الحال لا يكون إلا معرفة أو نكرة معها مسوغ ، اللهم إلا أن تتمحل للشارح فتزعم أن الجملة حال من الضمير الواقع مبتدأ ، أي : "هي" ، على رأي سيبويه ، رحمه الله ، الذي يجيز مجيء الحال من المبتدأ .
    بتصرف من "منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل رحمه الله" ، (1/214) .

    ومسوغات مجيء الحال من النكرة إجمالا هي :
    أولا : تقدم الحال على صاحبها النكرة ، إذ كان نعتا لها لما كان متأخرا عنها فلما تقدم أعرب حالا ، ومنه قول ذي الرمة صاحب مية :
    لمية موحشا طلل ******* يلوح كأنه خلل
    فقدم الحال "موحشا" على صاحبها النكرة "طلل" ، وأصل الكلام : طلل موحش ، فلما تقدم النعت انتصب على الحالية .
    ثانيا : تخصيص النكرة بإضافة ، كقوله تعالى : (في أربعة أيام سواء) ، فــــ "سواء" حال من "أربعة" التي أضيفت إلى "أيام" ، فساغ مجيء الحال منها لأن النكرة إذا أضيفت خصصت ، والتخصيص نوع من رفع الإبهام يجيز مجيء الحال من نكرة .

    أو بوصف ، ومنه قوله تعالى : (فيها يفرق كل أمر حكيم * أمرا من عندنا) ، فجاء الحال "أمرا" من النكرة الموصوفة "أمر" الأولى .
    والمقصود بالأمر الأول : أمور العباد التي يقضيها الله ، عز وجل ، بقضائه الكوني ، فهو واحد الأمور .
    والمقصود بالأمر الثاني : أمر الله ، عز وجل ، الكوني ، الذي ينفذ الله ، عز وجل ، به أقداره الكونية في عباده ، أي الأمر الكوني : كن ، فهو واحد الأوامر ، والله أعلم
    وقول الشاعر : نجيت يا رب نوحا واستجبت له ******* في فلك ماخر في اليم مشحونا
    إذ جاء الحال "مشحونا" من النكرة "فلك" لأنها وصفت بالنعت "ماخر" .
    بتصرف من "التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية" ، ص110 .

    ثالثا : أن يتقدم على النكرة نفي أو شبهه ، كقوله تعالى : (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) ، إذ تقدم على النكرة "قرية" ، نفي : "ما" ، سوغ مجيء الحال : "لها كتاب معلوم" ، منها والواو في "ولها" ، واو الحال خلافا للزمخشري غفر الله له ، الذي قال بأن جملة "لها كتاب معلوم" صفة من "قرية" ، والواو إنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال : جاءني زيد عليه ثوب ، وجاءني وعليه ثوب .
    وقد أبطل ، إمام النحاة ، ابن مالك ، رحمه الله ، قول الزمخشري إذ قال بأنه :
    مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي ، فلا يلتفت إليه ، كما نقل ذلك عنه أبو حيان ، رحمه الله ، في "البحر المحيط" .

    ولابن هشام ، رحمه الله ، كعادته ، تحقيق لطيف حول القاعدة السابقة إذ يقول ما ملخصه :
    يقول المعربون على سبيل التقريب : الجمل بعد النكرات صفات ، وبعد المعارف أحوال .
    وشرح المسألة مستوفاة أن يقال :

    الجمل الخبرية التي لم يستلزمها ما قبلها إن كانت :
    مرتبطة بنكرة محضة فهي صفة لها ، كما في :
    قوله تعالى : (حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) ، فجملة "نقرؤه" الفعلية جاءت بعد نكرة محضة "كتابا" ، فتكون في محل نصب صفة لـــ "كتاب" .
    وقوله تعالى : (لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم) ، فجملة "الله مهلكهم" الاسمية جاءت بعد نكرة محضة "قوما" ، فتكون في محل نصب صفة لـــ "قوما" .

    أو مرتبطة بمعرفة محضة فهي حال عنها ، كما في :
    قوله تعالى : (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) ، فجملة "أنتم سكارى" الاسمية جاءت بعد معرفة محضة "الصلاة" ، فتكون في محل نصب حال منها .

    أو مرتبطة بنكرة غير محضة ، كما في :
    قوله تعالى : (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) ، فلك أن تقدر جملة "أنزلناه" صفة للنكرة وهو الظاهر ، ولك أن تقدرها حالا عنها لأنها قد تخصصت بالوصف وذلك يقربها من المعرفة .

    أو مرتبطة بمعرفة غير محضة ، كما في :
    قوله تعالى : (كمثل الحمار يحمل أسفارا) ، وقوله تعالى : (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) ، فإن المعرف الجنسي ، أي المعرف بـــ "أل" الجنسية ، يقرب المعنى من النكرة ، فيصح تقدير جملتي : "يحمل" و "نسلخ" حالين أو وصفين .
    ثم ذكر ابن هشام ، رحمه الله ، البيت السابق :
    * ولقد أمر على اللئيم يسبني
    بتصرف من "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ، (2/89_91) .

  2. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  3. #2
    رحمه الله

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 5192

    الجنس : ذكر

    البلد
    المملكة العربية السعودية ـ جدة

    معلومات علمية

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل10/4/2006

    آخر نشاط:14-05-2007
    الساعة:10:58 AM

    المشاركات
    202
    1427/6/6 هـ
    أخي مهاجر
    تحية طيبة
    بارك الله في جهودك الطيبة ونفعنا وإياك بها ، وجعلها في ميزان حسناتك .
    د . مسعد زياد

  4. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (د . مسعد محمد زياد) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  5. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:08:08 AM

    المشاركات
    3,975
    العمر
    36
    1427/6/6 هـ
    بسم الله
    السلام عليكم
    وبارك فيك أيها الفصيح الكريم
    ومداخلاتك الكريمة تدل على تمكنك من هذه الصناعة الشريفة ، وأظن لقبك لقبا أكاديميا فيها ، فإن كان كذلك فأنت حقيق به ، خلافا لكثير من "دكاترة" العصر الحديث وما أكثرهم .

    واستكمالا للفائدة فقد أشرت في مداخلتي لقاعدة : النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق ، وهو أمر غير مطرد ، إذ قد تأتي في سياق الإثبات ، ومع ذلك تفيد العموم ، كالنكرة في سياق النفي ، كما في قوله تعالى : (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) فـــ "حلية" نكرة في سياق الإثبات ، ومع ذلك أفادت العموم لكل الحلى المستخرجة من البحر ، بقرينة امتنان الله ، عز وجل ، على عباده ، والامتنان ينافي التخصيص ، لأن في التخصيص نوع تحجير ، فلا يمتن أحد على أحد بنعمة مقيدة ، لما يحدثه القيد من تنغيص ، ولله المثل الأعلى ، ولذا قال بعض الأصوليين بأن : الخصائص ، أي الخصائص التي اختصت بها أمة الإسلام كجعل الأرض مسجدا وطهورا ، لا يدخلها التخصيص لمنافاته المنة ، كما تقدم ، وقيده آخرون ، وهو الصحيح ، بقيد عدم التعارض مع حق الله ، عز وجل ، ولذا استثنيت المقبرة من الأرض في منة جعل الأرض مسجدا وطهورا ، لأن الصلاة في المقبرة ذريعة للشرك الذي يتعدى فيه على حق الله ، عز وجل ، المتفرد بالألوهية الحقة ، والله أعلى وأعلم .

  6. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •