10 فبراير 2004.. البرلمان الفرنسي صادق بأغلبية ساحقة على قانون يمنع الرموز الدينية، خاصة الحجاب بالمدارس الحكومية وهو قانون أصبح الآن في حيز التنفيذ.
14 فبراير 2004.. الساعة الثانية و النصف عصراً بتوقيت فرنسا عمت التظاهرات المدن الفرنسية إحتجاجاً على إقرار البرلمان لهذا القانون.
14 فبراير 2004.. المباراة النهائية لكأس أفريقيا التي جمعت تونس و المغرب.
الخبرين الأول و الثاني تناقلتهما وسائل الأعلام و الكل أدلى بدلوه في هذا الموضوع.. و أصبح شغلنا الشاغل الحجاب و فرنسا و العنصرية و هلم جرا..
حسناً.. ماذا عن الخبر الأخير.. راقبوا المشاهد الثلاث التالية، مشاهد عايشتها شخصياً خلال الأيام الماضية.. عندها ستعرفون لماذا أوردت الخبر الأخير..

المشهد الأول

التاريخ.. الجمعة 13 فبراير 2004

المكان.. مقهى في أحدى المدن الفرنسية قرب ليون..

سارة فتاة فرنسية الأصل متحجبة، مسلمة و متزوجة من شاب مسلم.. كنا على موعد في هذا المقهى، دخلت سارة بحجابها.. ففوجئنا بصاحب المقهى يطردها، السبب الحجاب و بطبيعة الحال نحن أصدقاء سارة و كلهم فرنسيون وأنا العربية الوحيدة بينهم.. قمنا بالاحتجاج و خرجنا وتركنا المكان.. المفارقة أن بعض المتواجدين في المكان هم من أصول عربية.. لا احد نطق بكلمة.. لا أحد إحتج.. لا أحد عارض.. لا أسمع لا أرى لا أتكلم حسب المقولة الصينية.. رغم أنني على ثقة بأنهم لو فعلوا ذلك لفكر صاحب المقهى ألف مرة.. و اعتذر لسارة و لجميع المحجبات ألف مرة.. كي لا يخسر زبائنه.

المشهد الثاني

التاريخ.. السبت 14 فبراير 2004..الساعة الثانية و النصف عصراً بتوقيت فرنسا

المكان تجمع لمسيرة ضد قانون الحجاب في نفس المدينة.. كنت أحد الوجوه العربية القليلة التي شاركت في المسيرة و المعظم من الفرنسيين.. لم يتجاوز العدد 80 شخص.. مع أن 25 بالمائة من سكان هذه المدينة هم من الجالية العربية المسلمة... لم تدم المسيرة اكثر من الساعة..

المشهد الثالث

التاريخ.. السبت 14 فبراير 2004.. الساعة الخامسة عصراً بتوقيت فرنسا.. بعد إنتهاء المباراة المصيرية بين تونس و المغرب
المكان.. نفس الساحة العامة في نفس المدينة التي شهدت المسيرة السابقة.. و لكم ان تتصوروا المشهد.. وكأني في أحد الدول العربية.. أعـلام دول تونس و المغرب.. صـراخ همجي و صياح.. زغـاريد و طبول.. و كأن بلدانهم قد تحررت من دكتاتوريتها و عمت الديمقراطية.. مئات الشـباب العربي المغاربي وقفوا يتراقصون و يتمايلون بخصورهم كالنساء.. كل هذا من أجل ماذا.. من أجل فـوتبول..
سارة كانت موجودة.. نظرت لوجهها الجميل.. فرأيت دموعها تتساقط.. بكت سارة.. فأبكتني.. نظرت إلي.. والكثير من التساؤلات نطقت بهما عينيها الخضروان.. رحلت.. وظلت تساؤلاتها ترافقني..
هذه المشاهد هي لسان حال الجالية العربية المسلمة في فرنسا.. وهي تصور واقع أقل ما يكمن وصفه أنه واقع مخزي و متعفن و صدئ.. جالية كبيرة العدد صغيرة الفعل.. ليس لها وزن سياسي أو أقتصادي أو حتى إجتماعي.. غير فعالة لا تشارك في الحياة العامة.. لا تشارك في المظاهرات لا تنادي بحقوقها.. غير منظمين.. عالة على المجتمع.. تقتات من رواتب الضمان الإجتماعي و البطالة التي هي حصيلة الضرائب التي تجبيها الحكومة من المواطن الفرنسي ثم بالنهاية تجد أفرادها يصرخون.. فرنسا عنصرية و الفرنسيون عنصريون.. كيف لا تضيع حقوقهم و هم بهذا الحال المتردي و الذي أختاروه هم طواعية و لم يجبرهم أحد عليه و لم يمنعهم القانون، يا سادة.. عرب فرنسا هم من اختاروا واقعهم فليتحملوا إذن نتائج إختيارهم..
فضلوا مباراة على الخروج للاحتجاج على ما يمس عقيدتهم و ثقافتهم
كرة تتدحرج بين الأرجل كانت قضية مصيرية أهم بكثير من مسألة عقيدتهم و ما يؤمنون
إذن أبكي يا سارة.. ولتحيا ديمقراطية فرنسا.. فبئس قوماً عقيدتهم فوتبول..
وللوجع و الهم العربي ربما بقية !!!

(نجوان احمد )