رابط محرك بحث قوقل الفصيح في القائمة تطبيقات إضافية

التبرع للفصيح
اعرض النتائج 1 من 3 إلى 3

الموضوع: بحث: علم الأصوات اللغوية والتجويد
1431/12/22 هـ

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 8216

    الجنس : أنثى

    البلد
    عمان

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغوي

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل3/12/2006

    آخر نشاط:27-04-2010
    الساعة:05:09 PM

    المشاركات
    19
    1429/3/29 هـ

    بحث: علم الأصوات اللغوية والتجويد

    بسم الله الرحمن الرحيم












    تحريرا في : 9ذي القعدة1427هـ
    الموافق : 31 سبتمبـــر2006م





    المقدمة
    الحمد لله الذي سبحت باسمه الكائنات وسجدت من خشيته الأرضين و السبع السموات و تصدعت من رهبته الجبال الراسيات و الصلاة و السلام على أشرف المخلوقات محمد بن عبدالله خاتم الرسالات و على آله و صحبه و زوجاته الطاهرات
    أما بعد،،،
    جاء هذا المبحث بناء على دراسة المقرر ( الأصوات اللغوية ) ولكنه لم ينبن على ما قاله المحدثون و إنما جاء استطلاعا على جهود المستقدمين في علم الأصوات العربية و الذين تخصصوا في علم التجويد و ما لهم من مميزات تميزوا بها عن غيرهم من علماء العربية الأقدمين وقد قام علماء التجويد باستخلاص المادة الصوتية من مؤلفات النحويين واللغويين وعلماء القراءة وصاغوا منها هذا العلم الجديد الذي اختاروا له اسم ( علم التجويد ) , وواصلوا أبحاثهم الصوتية مستندين إلى تلك المادة , وأضافوا إليها خلاصة جهدهم حتى بلغ علم التجويد منزلة عالية من التقدم في دراسة الأصوات اللغوية .

    وبالرغم من استناد علماء التجويد على جهود سابقيهم من علماء العربية وعلماء القراءة فقد جاء عملهم متميزا , ولا يمكن أن نعده جزءا من تلك الجهود , وإنما جاء عملا شاملا للدرس الصوتي , أما علماء العربية فقد عالجوا الموضوع في إطار الدرس الصرفي وهو أمر تجاوزه علماء التجويد وذلك بالنظر إلى أصوات اللغة نظرة أشمل من ذلك .

    أما علماء القراءة فإنهم كانوا مشتغلين برواية النص القرآني الكريم وضبط حروفه كما نقلتها طبقات علماء القراءة طبقة عن طبقة حتى تنتهي إلى طبقة الصحابة رضوان الله عليهم , الذين تلقوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم
    .فأصول علم التجويد وقواعده إذن كانت موجودة في الكلام العربي , يحرص عليها القراء ويعتمدون عليها في قراءتهم وإقرائهم , وإن لم تكن مدونة , شأنها في ذلك شأن قواعد النحو والصرف التي استنبطها علماء العربية في وقت لاحق , فعلم التجويد الذي يدرس النظام الصوتي للغة كان موضوعه تحليل ذلك النظام واستخلاص ظواهره ووضعها في قواعد تساعد المتعلم على ضبطها وإتقانها حين يستخدم اللغة , وهم في ذلك يسيرون على خطى علماء العربية الذين سبقوهم في هذا الميدان .
    و قد تناولت عددا من المحاور أجملها في الآتي :
    *نشأة علم التجويد
    *الفرق بين علم التجويد و علم الأصوات
    *وصف أعضاء النطق
    * عدد الحروف العربية عند علماء التجويد
    *مخارج الحروف و صفاتها
    * بعض الظواهر التي تناولها علم التجويد

    سائلة المولى القدير التوفيق و السداد و أرجو المعذرة على ما به من قصور و ذلك لضيق الوقت وتشعب الموضوع والله من وراء القصد و هو يهدي السبيل.






















    نشأة علم التجويد

    لم يُعْرفْ مصطلح ( التجويد ) بمعنى العلم الذي يُعْنى بدراسة مخارج الحروف وصفاتها وما ينشأ لها من أحكام عند تركيبها في الكلام المنطوق إلا في حدود القرن الرابع الهجري, كذلك لم يعرف كتاب أُلِّفَ في هذا العلم قبل ذلك القرن , ومعنى هذا أن علم التجويد تأخر في الظهور علما مستقلا بالنسبة إلى كثير من علوم القرآن وعلوم العربية أكثر من قرنين من الزمان .

    وقد جاء في بعض المصادر المتأخرة أن الصحابي عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال : " جوِّدُوا القرآن ... " واستند بعض المُحْدثِين إلى هذه الراوية في القول بأن نشأة علم التجويد ترجع إلى عصر الصحابة , وقال : " ولسنا نملك لهذا النوع من الدراسة مادة كافية تسمح بتتبع تطوره ووصف المراحل التي قطعها حتى صار علما مستقلا هو ( علم التجويد ) , وكل الذي يعرف عن مراحله الأولى أن أول من استخدم هذه الكلمة في معنى قريب من معناها هو ابن مسعود الصحابي الذي كان ينصح المسلمين بقوله : ( جوّدوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات ) ... ويبدو أن نشأة علم التجويد جاءت استجابة لدعوة ابن مسعود , ومحاولة لتقنين قواعد القراءة اقتفاء لأثره ... " ..

    ومن المعلوم أنه لم يرد في القرآن الكريم من مادة ( ج و د ) شئ في وصف القراءة , كذلك لم يرد في ( المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي) الذي يعتمد على تسعة من أشهر كتب الحديث , شيئا من ذلك . وهذا أمر يمكن يستدل به على أن كلمة( التجويد ) لم تكن مستعملة في عصر النبوة بالمدلول الذي صارت تدل عليه فيما بعد .

    وكانت هناك كلمات أخرى تستخدم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في معنى كلمة التجويد . مثل : الترتيل , والتحسين , والتزيين , والتحبير , وهي تستخدم في وصف القراءة حين تكون مستوفية لصفات النطق العربي الفصيح , جامعة إلى ذلك حسن الصوت والعناية بالأداء ولم يرد من هذه الكلمات الأربع في القرآن الكريم سوى كلمة الترتيل .

    ولا يعني أن مفردات مادة ( ج و د ) لم تكن مستخدمة في اللغة العربية , فنجد عددا من الكلمات المشتقة من تلك المادة مثل : الجَيِّد نقيض الردئ , وجاد الشئ جُودة وجَوْدة , أي صار جيِّدا . وأجاد أتي بالجيد من القول والفعل . ورجل جواد سخي , وجاد الفرس فهو جواد ... الخ والتجويد مصدر جَودت الشئ . قال الداني : ومعناه انتهاء الغاية في إتقانه , وبلوغ النهاية في تحسينه .

    وأقدم نص وردت فيه كلمة ( التجويد ) مستعملة بمعنى يقرب من معناها الاصطلاحي , في المصادر القديمة , هو قول بن مجاهد ( ت 324 هـ ) مؤلف كتاب ( السبعة في القراءات ) , فقد قال الداني ( ت 444 هـ ) : " حدثني الحسين بن شاكر السمسار , قال : حدثنا أحمد بن نصر , قال : سمعت ابن مجاهد يقول : اللحْنُ في القرآن لُحْنان : جَلِيٌّ وخفيٌّ . فالجلي ُّ لحنُ الأعراب والخفيُّ ترْكُ إعطاء الحرفِ حقُّه من تجويدِ لفظه " ونقل أحمد بن أبي عمر ( ت بعد 500 هـ ) الرواية على هذا النحو : " ... والخفي ترك إعطاء الحروف حقها من تجويد لفظها, بلا زيادة فيها ولا نقصان " .

    إن الوقت الذي ظهرت فيه كلمة التجويد بمعناها الاصطلاحي هو الوقت الذي ظهر فيه أول مصنف مستقل في علم التجويد , فقد قال ابن الجزري , وهو يترجم لأبي مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى الخاقاني البغدادي ( ت 325 هـ ) " هو أول من صنَّفَ في التجويد فيما أعلم , وقصيدته الرائية مشهورة وشرحها الحافظ أبو عمرو ... " .

    والمصنَّف الذي أشار إليه ابن الجزري هنا على أنه أول مصنف في التجويد هو قصيدة أبي مزاحم الخاقاني الرائية المشهورة بالقصيدة الخاقانية , التي يقول في مطلعها :

    أقُولُ مَقَالًا مُعْجَباُ ِلُأولِي الحِجْرِ *** ولا فَخْرَ إنَّ الفَخْرَ يَدْعُو إلى الكِبْرِ

    ويقول :

    فَمَا كُلُّ مَنْ يَتْلُو الكِتَابَ يُقِيمُهُ *** وما كُلُّ مَنْ في الناسِ يُقْرِئُهُمْ مُقْرِي

    ويقول :

    زِنِ الحرفَ لا تُخْرِجْهُ عنْ حدِّ وَزْنِهِ *** فَوَزْنُ حُروفِ الِّذْكِر مِنْ أفْضَلِ البِرَّ

    وعدد أبياتها واحد وخمسون بيتا , ذكر فيها أو مزاحم بعض الموضوعات التي صارت فيما بعد جزءا من علم التجويد , وكان لهذه القصيدة أثر واضح في جهود اللاحقين في علم التجويد , فهم بين مقتبس منها مستشهد بأبياتها , وبين معارض لها , أو شارح موضح لمعانيها .

    ومع أن القصيدة الخاقانية هي أول مصنف مستقل ظهر في علم التجويد إلا أن أبا مزاحم لم يستخدم فيها كلمة ( التجويد ) ولا أيا من الألفاظ الأخرى التي تشاركها في المادة اللغوية , واستخدم كلمة ( الحُسْن ) وما اشْتُقَّ من مادتها . فقد قال في صدر البيت الخامس :

    أيا قارِئَ القرآنِ أحْسِنْ أداءَهُ

    وقال في صدر البيت السابع عشر :

    فقد قلتُ في حُسْنِ الأداءِ قَصيدةً

    وعدم استخدام أبي مزاحم لكلمة ( التجويد ) في قصيدته يدل على أن هذا المصطلح لم يكن مشهورا حينذاك , على الرغم من ظهوره في ذلك الوقت ,فقد استخدمه معاصره ابن مجاهد , كما مرَّ في النص الذي نقلناه أنفا .

    وأول من استخدم مصطلح ( التجويد ) بعد ابن مجاهد هو أبو الحسن علي بن جعفر السعيدي ( ت 410 هـ ) تقريبا . فقد قال في أول كتابه ( التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي ) : " ... سألتني ... أن أُصنِّفَ لك نُبَذَا ً من تجويد اللفظ بالقرآن " . وقال في موضع آخر : " ويؤمر القارئ بتجويد الضاد من ( الضالين ) وغيرها " وشاع استخدام مصطلح ( التجويد ) بعد عصر السعيدي على نطاقٍ واسعٍ .

    وإذا وافقنا ابن الجزري في قوله إن القصيدتة الخاقانية هي أول مصنف كتب في علم التجويد فإن هناك قريبا من قرن من السنين بين تاريخ ظهورها وتاريخ ظهور كتاب السعيد ( التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي ) الذي يتميز بأنه أقدم كتاب معروف لدينا اليوم في علم التجويد بعد القصيدة الخاقانية , وهو يمثل بدء التأليف المستقل في علم التجويد .

    وحين تم الرجوع إلى كتاب ( الفهرست ) لابن النديم ( ت 385 هـ ) على الأرجح , لم يذكر أيَّ كتاب يحمل اسم التجويد أو يمكن أن يكون موضوعه في هذا العلم , على الرغم من أنه ذكر في هذا الفن الثالث من المقالة الأولى من كتابه مئات الكتب المؤلفة في علوم القرآن .وهذا الأمر يدل على أن علم التجويد لم يزل في القرن الرابع الهجري يخطو خطواته الأولى ولم تشتهر كتبه حين ألف ابن النديم كتابه سنة ( 377) هـ ولا يزال تاريخ علم التجويد في القرن الرابع بحاجة إلى نصوص جديدة تلقى مزيدا من البيان على نشأته .

    وحين نتقدم خطوة إلى الأمام وندخل في القرن الخامس الهجري نجد أن المؤلفات في علم التجويد يتتابع ظهورها حتى إننا لنجد أن معظم مؤلفات علم التجويد قد ظهرت في هذا القرن , فبعد كتاب ( التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي ) للسعيدي الذي ظهر في نهاية القرن الرابع أو السنين الأولى من القرن الخامس يظهر في الأندلس كتابان كبيران في علم التجويد , هما ( الرعاية ) لمكي بن أبي طالب القيسي ( ت 437 هـ ) و ( التحديد) لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني ( ت 444 هـ ) . وظهر بعدهما في نفس القرن كتاب ( الموضح ) لعبد الوهاب القرطبي ( ت 461 هـ( وهو من المعاصرين لمكي والداني .
    تلاوته . ولقد تصور في نفسي تأليف هذا الكتاب وترتيبه من سنة تسعين وثلاثمائة , وأخذت نفسي بتعليق ما يخطر ببالي منه في ذلك الوقت , ثم تركته إذ لم أجد مُعينا فيه من مُؤَلَّفٍ سبقني بمثله قبلي ثم قَوَّى الله النية وحدَّد البصيرة في إتمامه بعد نحو من ثلاثين سنة , فسهَّل الله تعالى أمره , ويسَّرَ جمعه , وأعان على تأليفه " .

    وجاء في مقدمة كتاب ( التحديد ) للداني ما يشير إلى المعنى الذي يفهم من قول مكي السابق من انعدام المؤلفات في علم التجويد في وقتهما , فقال الداني : " وأما بعد فقد حداني ما رأيته من إهمال قراء عصرنا ومقرئي دهرنا من تجويد التلاوة وتحقيق القراءة , وتركهم استعمال ما ندب الله تعالى إليه , وحث نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته عليه , من تلاوة التنزيل بالترسل والترتيل – أن أعْملْتُ نفسي في رسم كتاب خفيف الحمل , قريب المأخذ في وصف علم الإتقان والتجويد , وكيفية الترتيل والتحقيق, على السبيل التي أدَّاها المشيخة من الخلف عن الأئمة من السلف , واجتهدت في بيان ذلك , وبذلت طاقتي , وبالغت في لإيضاحه عنايتي , وأفصحت عن جليِّه وظاهره , ودللت على خفيِّهِ وداثره , وأودعته الوارد من السنن والأخبار في معناه على حسب ما إلينا أدَّاه من لقيناهُ من العلماء , وشاهدناه من الفهماء , عن الأئمة الماضين والقراء السالفين , لتتوفر بذلك فائدته ... "

    وإذا كان بإمكاننا أن نقول إن مكيا ألف كتاب ( الرعاية ( سنة ( 420 هـ ) اعتمادا على النص الذي سبق نقله من الكتاب , فإننا لا نعلم يقينا السنة التي ألف فيها الداني كتاب
    ( التحديد ) , ولا نعلم هل ألفه قبل أن يظهر كتاب ( الرعاية ) أو بعد ظهوره ؟.

    ومهما يكن من أمر فإن نشأة علم التجويد ترتبط بقصيدة أبي مزاحم الخاقاني , وإن مؤلفاته الأولى تتمثل لمكي , وكتاب ( التحديد ( للداني وكذلك كتاب ( الموضح ) لعبد الوهاب القرطبي , ثم تتوالى المؤلفات بعد ذلك متواصلة حتى عصرنا الحاضر .

    وارتباط نشأة علم التجويد بالمؤلفات المذكورة هنا يعنى أن علم التجويد قد تأخر ظهوره بشكله المتميز المستقل أكثر من قرنين من الزمن عن ظهور كثير من علوم القرآن والعربية , ويبدو أن جهود علماء العربية من النحويين واللغويين وجهود علماء القراءة كانت تقوم بالمهمة التي قام بها علم التجويد بعد ظهوره , في تعليم الناطقين أصول النطق الصحيح , وتحذيرهم من الانحراف في نطق الأصوات العربية .

    أما كتب القراءات القديمة التي ترجع إلى القرنين الثاني والثالث فإنه لم يصل إلينا منها شئ يذكر, واقدم كتاب وصل إلينا من كتب القراءات هو كتاب ( السبعة في القراءات ) لأبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي ( ت 324 هـ ) والذي حققه الدكتور شوقي ضيف , وقد سبق ابن مجاهد في التأليف كما ذكر الدكتور شوقي ضيف , أبو عبيد القاسم ابن سلاّم ( ت 224 هـ ) صنف كتبه في خمسة وعشرين قراءة , وشيخ ابن مجاهد ألَّف كتابا فيه عشرون واسمه ( أبو عبيد القاضي إسماعيل بن إسحاق البغدادي 283)هـ ) وابن جرير الطبري ( ت 310 هـ ) ألف كتابا فيه زيادة عن عشرين قراءة ولو نظرنا في كتاب السبعة لابن مجاهد المطبوع لا نجد أبوابا مستقلة تعالج موضوع الأصوات العربية , وإنما جاءت الملاحظات متناثرة في ثناياه .وقد قام علماء التجويد باستخلاص المادة الصوتية من مؤلفات النحويين واللغويين وعلماء القراءة وصاغوا منها هذا العلم الجديد الذي اختاروا له اسم ( علم التجويد ) , وواصلوا أبحاثهم الصوتية مستندين إلى تلك المادة , وأضافوا إليها خلاصة جهدهم حتى بلغ علم التجويد منزلة عالية من التقدم في دراسة الأصوات اللغوية .

    وبالرغم من استناد علماء التجويد على جهود سابقيهم من علماء العربية وعلماء القراءة فقد جاء عملهم متميزا , ولا يمكن أن نعده جزءا من تلك الجهود , وإنما جاء عملا شاملا للدرس الصوتي , أما علماء العربية ف‘نهم عالجوا الموضوع في إطار الدرس الصرفي وهو أمر تجاوزه علماء التجويد وذلك بالنظر إلى أصوات اللغة نظرة أشمل من ذلك .

    أما علماء القراءة فإنهم كانوا مشتغلين برواية النص القرآني الكريم وضبط حروفه كما نقلتها طبقات علماء القراءة طبقة عن طبقة حتى تنتهي إلى طبقة الصحابة رضوان الله عليهم , الذين تلقوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم .

    ولا يمكن أن تُعدَّ الكتب التي ألفها القراء في وصف القراءات القرآنية بدءا للتأليف في علم التجويد , لأن علم القراءة وعلم التجويد , وإن كان كل منهما يرتبط بألفاظ القرآن , يختلفان في الموضوع كما يختلفان في المنهج , أما الموضوع فإن علم التجويد لا يعنى باختلاف الرواة بقدر عنايته بتحقيق اللفظ وتجويد , مما لا اختلاف في أكثره بين القراء الرواة , وأما المنهج فإن كتب القراءات كتب رواية , وكتب التجويد جزء من علم الرواية لأنها تقعيد لكيفية قراءة النبي صلى الله عليه وسلم , ويطلق عليها البعض كتب دراية . ويجوز إطلاقها من باب التوسع في الألفاظ . وإلا فواعده من مدوده وقلقلته وغناته وأداه الأصل فيها أن رب العالمين أنزله بالتجويد كما ذكر الحافظ ابن الجرزي ( لأنه به الإله أنزلا) .

    ولا يعني تأخر ظهور التأليف في علم التجويد أن القراء كانوا ينطقون القرآن قبل ذلك على غير أصل واضح , كما لا يعنى أن علماء التجويد اختلقوا هذه الأصولا أو ابتدعوها , فالواقع هو أن قراء القرآن كانوا يعتنون غاية الاعتناء بتجويد الألفاظ وإعطاء الحروف حقها منذ عصر الصحابة وهلم جرا حتى عصر ظهور المؤلفات في علم التجويد , وكانوا يستندون في ذلك إلى الرواية الأكيدة والأصول المرعية عند العرب في نطق لغتهم بشرط أن يكون جاءت الرواية بها عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا .

    فأصول علم التجويد وقواعده إذن كانت موجودة في الكلام العربي , يحرص عليها القراء ويعتمدون عليها في قراءتهم وإقرائهم , وإن لم تكن مدونة , شأنها في ذلك شأن قواعد النحو والصرف التي استنبطها علماء العربية في وقت لاحق , فعلم التجويد الذي يدرس النظام الصوتي للغة كان موضوعه تحليل ذلك النظام واستخلاص ظواهره ووضعها في قواعد تساعد المتعلم على ضبطها وإتقانها حين يستخدم اللغة , وهم في ذلك يسيرون على خطى علماء العربية الذين سبقوهم في هذا الميدان .






















    الفرق بين علم الأصوات وعلم التجويد


    إن تدريس هذين العلمين في الجامعات العربية في زماننا يترك انطباعاً بأنهما علمان مختلفان ، فعلم الأصوات اللغوية يُدَرَّسُ في أقسام اللغة العربية في كليات الآداب والتربية ، وكذلك في أقسام اللغات الأجنبية ، بوصفه من علوم اللغة ، بينما يُدَرَّسُ علم التجويد في أقسام العلوم الإسلامية ، بوصفة من علوم القرآن ، وهناك شبه جفوة بين القائمين على تدريس هذين العلمين ، في المناهج والوسائل ، بسبب عوامل تاريخية أدت إلى هذه الحالة.

    لكن هذه الصورة لا تعبر عن الحقيقة العلمية لهما ، ولا تعكس الأصول المشتركة التي تربطهما ، ولإيضاح العلاقة بين العلمين وبيان مدى اتفاقهما واختلافهما ينبغي التعريف بالعلمين ، وتاريخ كل منهما ، والموضوعات التي يتناولانها ، بقدر ما تسمح به هذه العجالة .

    أما علم التجويد : فإنه ظهر علماً مستقلاً في تراثنا العربي الإسلامي في القرن الخامس الهجري ، حين تمكن علماء قراءة القرآن من استخلاص المباحث الصوتية من كتب علماء العربية ووضعها في إطار علم جديد ، أُطْلِقَ عليه هذا الاسم منذ ظهور المؤلفات الأولى فيه ، مثل كتاب ( الرعاية لتجويد القراءة ) لمكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437هـ ، وكتاب ( التحديد في الإتقان والتجويد ) لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني المتوفى سنة 444هـ .

    وتتابع التأليف في هذا العلم في الحقب اللاحقة لظهور مؤلفاته الأولى ، ولم ينقطع التأليف فيه حتى وقتنا الحاضر ، وقد تنوعت مناهج التأليف فيه وأساليبه بين النظم والنثر ، والإيجاز والتفصيل ، والابتكار والتقليد ، وكانت السمة الغالبة على تلك المؤلفات المحافظة على صورته الأولى ، مع إضافات متميزة لبعض علماء التجويد في بعض العصور ، لكن ذلك لم يغير من صورته التي استقر عليها .

    أما علم الأصوات : فيُعَدُّ من العلوم اللغوية الحديثة في العربية ، وظهرت بوادر التأليف فيه في العربية على يد المستشرقين في النصف الأول من القرن العشرين ، لكن أول مؤلف كُتِبَ فيه بالعربية في العصر الحديث هو كتاب " الأصوات اللغوية " للدكتور إبراهيم أنيس ، الذي صدرت طبعته الأولى في القاهرة سنة (1947) ، وتوالت المؤلفات فيه وتكاثرت بعد ذلك ، وغلب على تلك المؤلفات الاعتماد على الدراسات الصوتية الغربية ، وترجمة نتائج تلك الدراسات إلى العربية ، مع الإشارة إلى جهود علماء العربية مثل الخليل وسيبويه وابن جني في ميدان دراسة الأصوات ، لكن جهود علماء التجويد على ضخامتها لم تحظ بالعناية منهم ، بل إنها تكاد تكون مجهولة في الكتابات الصوتية العربية الحديثة والمعاصرة .

    وتقدمت دراسة الأصوات اللغوية في العقود الأخيرة لدى الغربيين ، واستفادت كثيراً من مختبرات الصوت والأجهزة الحديثة التي تستعمل في دراسة الصوت وتحليله ، وتنوعت مناهج تلك الدراسة ووسائلها وموضوعاتها ، وتمخض عن ذلك ثلاثة فروع لعلم الأصوات ، هي :

    (1) علم الأصوات النطقي ، ويعنى بعملية إنتاج الصوت اللغوي .

    (2) علم الصوت الفيزياوي ، ويعني بطبيعة الصوت الإنساني ، وكيفية انتقاله من مصدر التصويت إلى أذن السامع .

    (3) علم الأصوات السمعي ، ويعنى بكيفية إدراك الإنسان للصوت اللغوي.

    وانعكست آثار ذلك التقدم في دراسة الأصوات اللغوية على كتابات الأصواتيين العرب ، وظهر عدد من المؤلفات التي تستند إلى ما تحقق من تقدم في مجال دراسة الأصوات ، لكن دراسة علم التجويد ومؤلفاته في العصر الحديث ظلت في معزل عن ذلك كله ، ومن هنا صار يُنظر إلى العلمين كأنهما مختلفان موضوعاً ومنهجاً ، لكنهما في الحقيقة من وادٍ واحد ، ويؤولان إلى أصل واحد ، ولعل في النظر في تاريخ العلمين وطبيعة كل منهما والموضوعات التي يتناولانها ما يؤكد ذلك ، وهذه نظرة سريعة في تلك الجوانب :

    (1) النشأة : إن "علم التجويد" أقدم نشأة من (علم الأصوات) بما يقرب من عشرة قرون ، فالمؤلفات الجامعة في علم التجويد ظهرت في منتصف القرن الخامس الهجري ، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار سبق الغربيين إلى تأسيس علم الأصوات الحديث منذ القرن السابع عشر أو القرن الثامن عشر ، فإن علم التجويد يظل أقدم نشأة منه بستة قرون أو سبعة قرون .

    (2) التسمية : إن مصطلح " علم التجويد " استعمل للدلالة على المباحث الصوتية المتعلقة بقراءة القرآن الكريم ، وكانت تلك المباحث مختلطة بالمباحث النحوية والصرفية لدى علماء اللغة العربية ، ولم يفردوها بمصطلح خاص أو علم مستقل ، وقد حاول ابن جني ذلك في كتابه ( سر صناعة الإعراب ) حين عبَّر عن موضوع الكتاب بـ ( علم الأصوات والحروف ) ، لكن من جاء بعده من علماء العربية لم يوفقوا في استثمار تلك اللمحة من ابن جني والبناء عليها ، حتى تمكن علماء قراءة القرآن بعده من استخلاص المباحث الصوتية من كتب علماء العربية ، وأفردوها في كتب خاصة ، واختاروا لها تسمية جديدة ، كانت في أول الأمر تتكون من عنصرين : الأول المخارج والصفات ، والثاني التجويد والإتقان ، فسمَّى مكي بن أبي طالب كتابه " الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة بعلم مراتب الحروف ومخارجها وصفاتها وألقابها " ، لكن معاصره أبا عمرو الداني سمى كتابه " التحديد في الإتقان والتجويد " ، ثم غلبت كلمة التجويد في عناوين الكتب التي ألفها العلماء في العلم من بعدهما .

    أما مصطلح " علم الأصوات اللغوية " فإنه مصطلح جديد ، استعمله المتخصصون بعلم اللغة العربية في العصر الحديث ، وجاء ترجمة للمصطلح الغربي الدال على هذا العلم ، ودرسوا تحته مباحث صوتية قديمة سبق إلى دراستها علماء العربية والتجويد ، ومباحث صوتية جديدة نقلوها من الدرس الصوتي الغربي ، على نحو ما يتبين في الفقرة الآتية .

    (3) الموضوعات : تتلخص موضوعات علم التجويد في ثلاثة أمور ، هي :

    أ: معرفة مخارج الحروف .

    ب: معرفة صفات الحروف .

    ج: معرفة الأحكام الناشئة عن التركيب ، مثل الإدغام والإخفاء ، والترقيق و التفخيم ، والمد والقصر ، وغيرها من الموضوعات الصوتية المتعلقة بقراءة القرآن الكريم .

    وتعد هذه الموضوعات من أهم موضوعات علم الأصوات اللغوية المعاصر ، لكن هذا العلم يدرس اليوم إلى جانب ذلك موضوعات أخرى بعضها يتعلق بعلم الأصوات النطقي ، مثل آلية إنتاج الصوت اللغوي ، والمقطع الصوتي ، والنبر والتنغيم ، وبعضها يتعلق بعلم الصوت الفيزياوي وعلم الصوت السمعي ، وبعض هذه الموضوعات الصوتية الحديثة مما يحتاج إليه دارس علم التجويد ، لو أتيح له الاطلاع عليها .

    (4) المصطلحات : يستخدم علم أصوات العربية المعاصر معظم المصطلحات الصوتية التي استخدمها علماء العربية والتجويد ،وقد فضَّل بعض الدارسين مصطلحات عربية جديدة جاءت ترجمة للمصطلحات الصوتية الغربية ، ففي الوقت الذي استخدم فيه معظم المحدثين مصطلح المجهور والمهموس ، فإن بعضهم آثر مصطلح الانفجاري والاحتكاكي بدلاً من الشديد والرخو ، ولا يزال موضوع المصطلح الصوتي عند المحدثين من الموضوعات التي يكثر فيها الاختلاف والاضطراب ، لاسيما في التعبير عن المفاهيم الصوتية الحديثة ، وبعض ذلك راجع إلى عدم اطلاع الأصواتيين العرب المحدثين على كثير من التراث الصوتي عند علماء التجويد .

    (5) وسائل الدراسة : اعتمد علماء العربية الأوائل وعلماء التجويد على الملاحظة الذاتية والتجربة الشخصية في دراسة الأصوات ، ولا تزال هذه الوسيلة من الوسائل المهمة في الدرس الصوتي الحديث ، لكن التقدم العلمي قد وضع في أيدي علماء الصوت وسائل جديدة تعتمد على الأجهزة الحديثة ، وتمكنوا من خلالها من إحراز تقدم هائل في فهم الصوت اللغوي والكشف عن أسراره ، ولا يستغني المشتغلون بعلم التجويد وتعليم قراءة القرآن من الاستفادة من هذه الوسائل الحديثة ، إذا ما توفرت المستلزمات الضرورية لذلك .

    ويبدو من خلال هذا العرض الموجز أن أصل العلمين واحد ، وأن الموضوعات التي يدرسانها واحدة ، سوى أن علم التجويد يركز على المباحث الصوتية التطبيقية المتعلقة بقراءة القرآن ، وأن علم الأصوات يعنى بكل المباحث المتصلة بأصوات اللغة ، وأحسب أن ما يبدو من اختلاف بين العلمين في بعض الموضوعات والمصطلحات والوسائل إنما هو خلاف شكلي سوف يتلاشى في المستقبل القريب ، إن شاء الله تعالى ، بسبب زوال الموانع بين المشتغلين في ميدان التجويد والمشتغلين بعلم الصوت الحديث ، وحرص الكثير منهم على خدمة القرآن الكريم بأحدث ما وصل إليه العلم ، مع عدم التفريط بثوابت القراءة القرآنية ، هذا والله تعالى أعلم.













    وصف أعضاء آلة النطق :


    ينبغي أن نذكر في البدء أن علماء العربية منذ الخليل و سيبويه قد أوردوا في أثناء حديثهم عن مخارج الحروف معظم أسماء أعضاء آلة النطق و لكن علماء التجويد قد تميزوا في دراستهم هذا الموضوع عن علماء العربية بنواح هي :
    1- وصف أعضاء النطق.
    2- الاستعانة بعلم التشريح.
    3- تخصيص فصل مستقل لوصف بعض أعضاء النطق.
    4- الاستعانة بالرسم التوضيحي.

    وهذا بيان لهذه الأمور الأربعة التي تتميز بها علماء التجويد في كلامهم عن أعضاء النطق
    (1) وصف أعضاء النطق :
    لم يكتف علماء التجويد بذكر تلك الأعضاء في اثناء تحديد مخارج الحروف وإنما قدموا وصفا لها وتحديد ا لمدلولاتها وقد حدد بعضهم أعضاء آلة النطق إجمالا مثل قول مكي :" ورتب- تبارك وتعالى اسمه – لها مخارج تخرج منها عند النطق بها من أخر الصدر الاعلى وما يليه من الحلق والفم وأطراف الشفتين والى الخياشيم وقول عبد الوهاب القرطبي :"فحيث ما عرض ذلك المقطع سمي حرفا وسمي ما يسامته ويحاذيه من الحلق والفم واللسان والشفتين مخرجا" وكان الاستراباذي أكثر تحديدا في قوله :"فلولا اختلاف اوضاع الة الحروف – واعني بالتها مواضع تكونها في اللسان والحلق والسن والنطع (سقف الفم) والشفة وهي المسماة بالمخارج لم تختلف الحروف "
    و قد ذكر علماء التجويد أن أعضاء النطق أثنا عشر عضوا ألا و هي : الرئة و القصبة و الحنجرة و الحلق و اللهاة و الغار و اللثة و اللسان و الشفتان و الخياشيم و الأسنان و الجوف.
    2- الاستعانة بعلم التشريح :
    الناحية الثانية التي تميز بها علماء التجويد في كلامهم عن أعضاء النطق هي الاستعانة بكتب الطب و خاصة كتب التشريح و بالرغم من أن معظم علماء التجويد كانوا يعتمدون على الملاحظة الذاتية في وصف الأعضاء نجد من بعض المتأخرين من يستعين بكتب الطب فقد استعان الدركزلي في ( خلاصة العجالة ) بأكثر من كتاب من كتب الطب في وصف أعضاء النطق.
    وهذه ظاهرة جديدة تستحق الذكر وهي تبين منهجا صحيحا في دراسة الموضوع فإن كلمة علماء التشريح و وظائف الأعضاء تظل هي المستند العلمي الذي ينبغي على دارسي الأصوات اللغوية في وصف أعضاء النطق .
    فقد كان الدركزلي ينقل من كتب الطب في و صف أعضاء النطق و قد ذكر تلك الكتب في مذكرته و التي ألفها داوود الأنطاكي الحكيم و هي : تذكرة أولي الألباب و الجامع للعجب العجاب و كتاب النزهة المبهجة و كتاب مختصر المسيحي .
    و أهمية هذه الظاهرة لا تنبع من قيمة المادة المنقولة و إنما من المنهج الذي اتبعه الدركزلي و الذي لم يسبقه إليه إلا ابن سينا في رسالته ( أسباب حدوث الحروف ) مع العلم إن ابن سينا نفسه كان طبيبا لغويا و من ثم جاء كلامه أكثر مساسا بحاجة دارسو الأصوات و سار المحدثون على هذا النهج .
    3- تخصيص فصل مستقل لوصف بعض أعضاء النطق :
    يحرص دارسو الأصوات المحدثون على كتابة فيصل في صدر أبحاثهم لوصف أعضاء آلة النطق و لم يكن علماء العربية يفعلون ذلك بل كانوا يكتفون بتسمية تلك الأعضاء في اثناء حديثهم عن مخارج الحروف و تبعهم في ذلك متقدمو علماء التجويد و لكنهم تميزوا بوصف تلك الأعضاء في أثناء الحديث عن المخارج .
    وقد خصص محمد المرعشي في كتابه ( جهد المقل ) الفصل الرابع للحديث عن الأسنان في الإنسان وهذا نهج جديد سلكه المحدثون .
    4-الاستعانة بالرسم التوضيحي :
    الرسوم التوضيحية إحدى الوسائل التي يستعين بها المحدثون من علماء الأصوات ،لتوضيح أعضاء آلة النطق أو لبيان الحالة التي تتخذها تلك الأعضاء عند النطق بصوت معين .و كان علماء التجويد قد استخدموا هذه الوسيلة لبيان مخارج الحروف و توزيعها على أعضاء النطق ، فوزعوا تلك الأعضاء و بينوا مخارج الحروف في آن واد .
    و أقدم تلك الرسوم الرسم الذي أورده ابن وثيق الأندلسي في كتاب له في علم التجويد . فقد قال بعد أن ذكر حروف العربية : ( وهذه صورة الحروف المتقدمة كما ترى : صورة ما بين الرأس متصل بأول اللسان ) لو أورد رسما تخطيطيا يوضح الحلق والشفتين و اللسان ، و كتب على أجزائه : صورة الحلق و حروفه ) هذا أول اللسان وحروفه الحنك الأعلى والحنك الأسفل والشفة العليا ،والشفة السفلى ومقدم الرأس والعثنون وهو الذقن وقد وزع ابن وثيق الحروف العربية على أجزاء هذه الصورة .وكان السكاكي وهو من علماء العربية ومعاصر تقريبا لابن وثيق قد أورد صورة في كتابه (مفتاح العلوم ) وهو الوحيد من بين علماء العربية الذي استعان بالرسم التوضيحي .
    وهناك نماذج أخرى من الرسوم التوضيحية في بعض الرسائل المتأخرة في علم التجويد.
    لعل أكثرها توضيحا الرسم الوارد في كتاب اسمه (أرجوزة البيان في حكم تجويد الفران ) لمحمد حسين الأصفهاني وهو متأخر ينقل عن خالد الأزهري المتوفى سنة 905 هـ فقد جاء في أخر كتاب وهو نثر وليس نظما كما يفهم من العنوان صورة لمخارج الحروف وهي على شكل مقطعين : الأول يمثل اللسان وما يتصل به من الشفتين والأسنان والثاني يمثل الحلق .
    وقد كتبت على هذا الرسم كل أعضاء النطق مع الحروف التي تتكون عندها .
    وجاء في هذا الرسم كلمتان لم ترد في كتب علم التجويد الأخرى وهي الطنطنة او الطلطلة حيث كتبتا في الجزء الواقع بعد أقصى اللسان وكأنهما تشيران إلى عضو معين وقد وردفي لسان العرب لابن منظور اقرب الالفاظ دلالة على الموضع الذي كتبتا فيه وهي كلمة الطلاطلة التي قال عنها : ( لحمة في الحلق ) وقال الاصمعي ( الطلاطلة اللحمة السائلة على طرف المسترط أي اللهاة .
    إن كلام علماء التجويد في وصف أعضاء آلة النطق صحيح وتام بالنسبة لأكثر الأعضاء وكانت الحنجرة هي العضو الوحيد الذي لم يتمكن علماء التجويد من وصفه وصفا كاملا لأنها لا تقع تحت النظر مع أنهم عرفوها وادكو تأثيرها في إنتاج الأصوات ولم تكن معرفتهم نظرية بل كانت مقترنة بادراك تام لعملية إدراك الأصوات وتمايزها .
































    عدد حروف العربية عند علماء التجويد

    يقسم علماء العربية و علماء التجويد الحروف العربية إلى أصول و فروع . و هذه القسمة ترجع الى ما أورده سيبويه في الكتاب ، حيث قال : ( فأصل حروف العربية تسعة و عشرون حرفا ) .
    و تكون خمسة و ثلاثين حرفا بحروف هن فروع ، و أصلها من التسعة و العشرين ، وهي كثيرة يؤخذ بها و تستحسن في قراءة القرءآن و الأشعار وهي :
    النون الخفيفة و الهمزة التي بين بين والألف التي تمال امالة شديدة و الشين التي كالجيم و الصاد التي كالزاي و ألف التفخيم .
    وقد اقتفى معظم دارسي الأصوات العربية من المتقدمين خطى سيبويه في التقسيم الى الاصلية و الفرعية و حاول الكثيرون توضيح كلام سيبويه و ايراد الامثلة عليه و شرحها و ربما استدرك بعضهم على سيبويه حرفا و مثالا ولكن هنا نستوضح القسمة التي اعتمدها علماء التجويد و الذي مفاده الآتي :
    1- الحروف الأصلية :
    كان علماء التجويد يسيرون بالاتجاه القائل ان حروف العربية الأصول هي واحد و ثلاثون حرفا منذ وقت مبكر، وٌيَتمثل ذلك بحديثهم عن الطبيعة المزدوجة لكل من الواو و الياء حين يكونان حرفي مد مرة ’ وحين يكونان حرفي لين مرة اخرى عَلَى قَدْرِ مَا يُوْضِحُ قول عبد الوهاب القرطبي : ( الواو والياء تارة من حروف المد و الين بأن تسكنا و ينفتح ما قبلهما و تارة يتحيز مخرجهما اذا تغيرتا عن هذا الوضع بأن تسكنا وينفتح ما قبلهما و متى و جد ذلك زال عنهما معظم المد و بقي اللين و انبسط اللسان بهما و صارتا بمنزلة الحروف الجوامد ).
    وقد كان هذا الاقرار بهذا العدد من الحروف على يد محمد المرعشي الذي بحث في الفصل الخامس من كتاب (جهد المقل ) مسائل يتوقف عليها مسائل في المخارج .
    2- الحروف العربية الفرعية
    الحرف الفرعي هو الصوت الأصلي الذي تتغير صفة من صفاته الصوتية أو ينتقل مخرجه الى مخرج صوت آخر مجاور له . وذلك التغير ناتج من احد الاسباب الثلاثة الآتية :
    1-المجاورة ’ مثل الصاد التي كالزاي في نحو ( مصْدر ) ، و الشين التي كالجيم نحو
    ( أشْدق ) فقد لحق الجهر كلا من السين و الشين المهموستين لمجاورة الدال المجهورة
    2- لغات القبائل ، مثل همزة بين بين و ألف الامالة و الف التفخيم
    3- اللكنة الأعجمية ، مثل الطاء التي كالتاء والباء التي كالفاء .
    و قد ادرك علماء التجويد حقيقة الأصوات الفرعية ’ فقال مكي التوفى سنة (437هـ ) أن مخرج الحرف الفرعي ( متوسط بين مخرج الحرفين اللذين اشتركا فيه ) و قال أحمد بن أبي عمر المتوفى عام : ( وإنما كانت فروعا لامتزاجها بغيرها ’ و كانت مستحسنة لما يستفاد منها بالامتزاج من تسهيل في اللفظ و تحسينه في المسموع) .
    وق قسم علماء التجويد الحروف الفرعية الى قسمين :
    *-1- المستحسنة وهي كما ذكرها عبد الوهاب القرطبي : اللام المفخمة التي هي فرع المرققة و الراء المرققة التي هي فرع المغلظة و الواو التي ينحى بالضمة التي قبلها نحو الكسرة و الياء التي ينحى بالكسرة التي قبلها نحو الضمة و عد الهمزة المسهلة بين بين ثلاثة أحرف .
    2- الحروف غير المستحسنة: السين التي كالزاي و الجيم التي كالزاي و القاف التي بين القاف و الكاف .
    و قد أورد علماء التجويد أمثلة تلك الحروف و الفرعية و وضحوا صفاتها الصوتية وكيفية حصولها .



















    +مخارج الحروف

    اشترط علماء التجويد في القراءة الصحيحة للقران الكريم أن يخرج كل حرف من مخرجه و ؟أن أي انحراف بالحرف عن مخرجه يوقع في الخطأ و اللحن .أما كيفية معرفة مخرج الحرف فهي : أن تسكن الحرف أو تشدده بعد همزة الوصل ، فحيثما انتهى الصوت فهناك مخرجه . فلمعرفة مخرج الميم مثلا نقول : ( امْ) أو ( امَ ) فنجد بأن نهاية صوته عند الشفتين فهو إذا شفوي.
    و قد قسم العلماء المخارج الى خمسة رئيسة تنطوي على سبعة عشر مخارجا تفصيلا الامام ابن الجزري :مخارج الحروف سبعة عشر على الذي يختاره من اختبر أما المخارج الرئيسة فهي :الجوف _الحلق _اللسان _ الشفتان _الخيشوم .
    1-الجوف : وهو الخلاء الداخل في الحلق والفم ، وفيه مخرج واحد لثلاثة أحرف : الألف الساكنة المفتوح ما قبلها والواو الساكنة المضموم ما قبلها ، والياء الساكنة المكسور ما قبلها ) وهي حروف المد وتسمى حروف الجوف أو حروف العلة أو الحروف الهوائية .
    2-الحلق : وفيه ثلاثة مخارج لستة أحرف .
    أ-أقصى الحلق : مما يلي الصدر ويخرج منه ( الهمزة والهاء ).
    ب- وسط الحلق : ويخرج منه ( العين والحاء ) .
    ج- ادنى الحلق : من جهة الفم ويخرج منه (العين والخاء ).
    وهذه الحروف الستة هي نفس حروف الإظهار الحلقي التي مرت بنا سابقا ، وتسمى الحروف الحلقية .
    3-اللسان :وفيه عشرة مخارج لثمانية عشر حرفا :
    1-أقصى اللسان :أي أبعده مما يلي الحلق مع ما يقاربه من الحنك الأعلى ويخرج منه (القاف).
    ب- أقصى اللسان تحت مخرج القاف قليلا ويخرج منه (الكاف).
    وهذان الحرفان يسمى كل منهما ( لهويا ) نسبة إلى اللهاة وهي لحمة مشتبكة بآخر اللسان .
    ج-وسط اللسان وما يحاذيه من الحنك الأعلى ، ويخرج منه الحروف ( الجيم والشين والياء غير المدية ) وتسمى هذه الحروف بالحروف الشجرية نسبة إلى شجر اللسان أي وسطه .
    د-من احدى حافتي اللسان وما يحاذيها من الأضراس العليا ويخرج منه ( الضاد).
    هـ-مابين حافتي اللسان معا بعد مخرج الضاد وما يحاذيها من اللثة ويخرج منه (اللام ) وهو اوسع الحروف مخرجا .
    و- ما بين راس اللسان وما يحاذيه من لثة الثنيتين العلييين ويخرج منه (النون ).
    ز-ما بين راس اللسان مع ظهره ممايلي راسه وما يحاذيه من لثة الثنيتين العلييين ويخرج منه (الراء ).
    ح-مابين ظهر راس اللسان واصل الثنيتين العلييين ويخرج منه (الدال والتاء والطاء ) وتسمى (الحروف النطعية ).
    ط-من راس اللسان ومن بين الثنايا السفلى يخرج منه (الصاد والزاي والسين) وتسمى (حروف الصفير ) .
    ي-من بين راس اللسان وأطراف الثنايا العليا ويخرج منه (الذال والثاء والظاء) وتسمى (الحروف اللثوية ).
    4- الشفتان : ولهما مخرجان تفصيليان :
    ا-بطن الشفة السفلى واطراف الثنايا العليا ويخرج منه حرف (الفاء ).
    ب-من بين الشفتين : يخرج بانطباقهما (الميم والباء ) وبانفتاحهما الواو غير المدية .
    5-الخيشوم : وهو الأنف ويخرج منه أحرف الغنة وهي :
    النون والميم المشددتان النون الساكنة والتنوين حال إدغامهما بأحرف ينمو وحال اقلابهما ميما لدى الباء وحال إخفائهما لدى حروف الإخفاء والميم الساكين لدى إدغامها بالميم ولدى إخفائها عند الباء .























    صفات الحروف

    لكل حرف مخرج يخرج منه فان له كيفية تعرض له تميزه في المخرج وهذه الكيفية هي صفة :
    و الصفات تنقسم إلى قسمين :صفات متضادة وصفات غير متضادة .

    الصفات المتضادة :

    1- الهمس : لغة الخفاء واصطلاحا :جريان النفس عند النطق بالحرف لضعف الاعتماد على المخرج أما حروفه فعشرة يجمعها قولهم ( فحثه شخص سكت ) .
    2- الجهر : لغة الإعلان واصطلاحا :حبس النفس عند النطق بالحرف لقوة الاعتماد على المخرج وهو ضد الهمس وحروفه ما سوى حروف الهمس .
    3- الشدة لغة القوة واصطلاحا :انحباس الصوت عند النطق بالحرف لكمال الاعتماد على المخرج وحروفها ثمانية مجموعة في قولهم (أجد قط بكت ) وهناك حروف متوسطة بين الشدة والرخاوة وهي خمسة يجمعها قولهم( لن عمر ) .
    4- الرخاوة :لغة اللين واصطلاحا جريان الصوت مع الحرف لضعف الاعتماد على المخرج وحروفها ما سوى حروف الشدة والتوسط .
    5- الاستعلاء :لغة الارتفاع واصطلاحا ارتفاع اللسان عند النطق بالحرف الى الحنك الاعلى وحروفه ثمانية مجموعة في قولهم ( خص ضغط قظ ).
    6- الاستفال :لغة الانخفاض واصطلاحا انحطاط اللسان عند خروج الحرف من الحنك الى قاع الفم وحروفه ما عدا حروف الاستعلاء.
    7- الإطباق : الإطباق لغة هو الالتصاق واصطلاحا تلاصق اللسان مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى عند النطق بالحرف وحروفه أربعة ( الصاد والضاد والطاء والظاء ).
    8- الانفتاح : لغة الافتراق واصطلاحا تجافي اللسان او اكثره عن الحنك الاعلى عند خروج الحرف المنفتح وحروفه ما سوى حروف الإطباق
    9- الاذلاق : لغة الفصاحة وخفة الحرف على اللسان واصطلاحا الاعتماد عند النطق بالحرف على طرف اللسان والشفة ويجمعها قولهم ( فر من لب ).
    10-الاصمات :لغة المنع واصطلاحا ثقل النطق بالحرف وحروفه ما سوى حروف الاذلاق وق سميت بالمصمتة لامتناعها من بناء كلمة عربية إذا كانت رباعية او خماسية الأصول ما لم يكن معها بعض حروف الاذلاق وذلك لتعادل خفة الاذلاق ثقل المصمت.


    ثانيا الصفات غير المتضادة
    1- الصفير : لغة صوت يصوت به للبهائم واصطلاحا صوت زائد يخرج من الشفتين عند النطق بحروفه وهي( الصاد والسين والزاي ) .
    2- القلقلة : لغة التحريك واصطلاحا صوت زائد يحدث في المخرج بعد ضغطه وسميت بذلك لان اللسان يتقلقل بها عند النطق وحروفها خمسة يجمعها قولهم ( قطب جد).
    3- اللين : لغة ضد الخشونة واصطلاحا واو وياء سكنتا وانفتح ما قبلهما ووقف على ما بعدهما بالسكون وسميتا بذلك لأنهما تجريان في لين وبدون كلفة على اللسان.
    4- الانحراف : لغة الميل واصطلاحا ميل الحرف بعد خروجه إلى طرف اللسان وله حرفان وهما اللام والراء وسميا بذلك لانحرافهما عن مخرجيهما حتى يصلا مخرج غيرهما.
    5- التكرير : لغة إعادة الشئ أو أكثر واصطلاحا ارتعاد اللسان عند النطق بالحرف وله حرف واحد وهو الراء والمراد من هذه الصفة الاحتراز منها لا فعلها إذ كلما ارتعد اللسان مرة خرج حرف الراء ولا يجوز إخراج أكثر من راء واحدة وأما عن كيفية الاحتراز فهو إلصاق طرف اللسان بأعلى الحنك لصقا محكما ولفظها مرة واحدة
    6- التفشي : لغة الانتشار واصطلاحا انتشار الهواء في الفم عند النطق بحرفه وهو الشين .
    7- الاستطالة: لغة الامتداد واصطلاحا امتداد الصوت من اول اللسان الى اخره وحرفه هو الضاد .













    بعض الظواهر الصوتية التي عالجها علماء التجويد



    التنغيم:
    يمكن تعريف التنغيم بأنه (ارتفاع الصوت أو انخفاضه أثناء الكلام)وتستخدم كلمة (موسيقى الكلام عند بعض الباحثين أوالتلوين الموسيقي عند بعضهم .
    ودراسة التنغيم جديدة في الدرس الصوتي العربي نقلها دارسو الأصوات العربية عن الدرس الصوتي الغربي و لا تزال البحوث التطبيقية الخاصة باللغة العربية محدودة و هناكشكوىلامن دراسة نظام التنغيم في العربية حتى أن بعضهم قال أن تقعيده أمر يكاد يكون منستحيلا ) .؛ لأن معظم الأمثلة في اللغة العربية ولهجاتها من النوع اغير التميزي فهو إما خاصة لهجية أوعادة نطقية للأفراد .
    وتكاد الأمثلة القليلة لاستخدام التنغيم في العربية تكون مقصورة على التفريق بين الجمل الخبرية والإنشائية الاستفهامية وكذلك الجمل التعجبية فالتنغيم عنصر أساس في التمييز بين هذه الجمل على الرغم من وجود عناصر تركيبية أخرى للتمييز بينها .
    إن من الأمور التي أغفلها علماء الأصوات المحدثون أن علماء التجويد أدركوا ظاهرة التنغيم و عرفوا أمثلتها و أن بعضهم استخدم لفظة ( النغمة ) واكتفى بعضهم بعبارة ( رفع الصوت وخفضه ) وهومعنى التنغيم عند المحدثين .
    ومن أقدم النصوص التي تحدثت عن التنغيم ما قااله أبو العلاء الهمذاني العطار عن اللحن الخفي : ( و أما اللحن الخفي فهو اللحن الذي لا يقف عليه الا نحارير القراء و مشاهير العلماء وهو على ضربين : أحدهما لا تعرف كيفيته و لا تدرك حقيقته الا بالمشافهة و بالأخذ من أفواه أولي الضبط و الدراية . و ذلك نحو مقادير المدات و حدود الممالات و الملطفات و المشبعات و المختلسات و الفرق بين النفي و الاثبات و الخبر و الاستفهام و الاظهار و الادغام و الحذف و الاتمام و الروم و الاشمام الى ما سوى ذلك من الاسرار التي لا تتقيد بالخط و اللطائف التي لا تؤخذ الا من أهل الضبط و الاتقان ) فقول أبي العلاء : الفرق بين النفي و الاثبات و الخبر و الاستفهام داخل في مو ضوع التنغيم و إن جاءت العبارة موجزة .
    و كان ىمحمود السمرقندي الهمذاني قد فصل في هذا الموضوع تفصيلا لم يسبق اليه من الناحية التطبيقية ، وقد قال في قصيدته العقد الفريد :
    إذا ( ما) لنفي أو لجحد فصوتها ار فعن و للاستفهام مكنن وعدلا
    و في غير اخفض صوتها و الذي بما شبيه بمعناه فقسه لتفضلا
    كهمزة الاستفهام مع من وعن وأن و أفعل تفضيل و كيف و هل و لا
    قال في الشرح : ( مثال ذلك : ( ما قلت ) فبرفع الصوت يعرف أنها نافية و إذا خفض الصوت يعرف أنها خبريةو إذا جعلت بينم بين عرف أنها استفهامية .وهذه العادة جارية في جميع الكلام وفي جميع الالسن )وهذا كلام غاية في الوضوح والدقة وهويتميز بنظرة شمولية نادرة تتجاوز المثال الجزئ الواحد الى عموم اللغة وتتجاوز اللغة الواحدة الى غيرها من اللغات وقوله وهذه العادة جارية في جميع الكلام وفي جميع الالسن ) دليل اكيد على ما نقول .
    وقد طبق السمرقندي فكرة رفع الصوت وخفضه على عدة صور نطقية متماثلة في البنية ولا يقرق بينها الا عن طريق التنغيم . ومن ذلك صيغة (افعل )التي تكون للتفضيل فقد قال : ( فينبغي ان يفرق بالصوت بين الذي بمعنى التفضيل والذي ليس بمعنى التفضيل ). وكذلك الفرق بين (لا) النافية و(لا) الناهية . وكذلك الالم التي لتاكيد الفعل وبعدها همزة وصل مثل (لاتبعتم ) تشتبه بلا النافية التي بعدها همزة وصل في التلفظ نحو ( لا انفصام لها ) وقال السمرقندي : (والفرق بينهما انه في نحو (لا انفصام لها )يكتب بالفين وفي نحو (لاتبعتم) يكتب بالف واحدة ويرفع الصوت على (لا)ويخفض على اللام ... فهذا ما وصل الينا من الائمة رواية ودراية ومشافهة وبيانا ).
    واستخدم المرعشي كلمة (النغمة ( نقلا عن النسفي صاحب التفسير المسمى (مدارك التنزيل وحقاءق التاويل ) وذلك حيث قال : (قال صاحب المد\ارك في قوله تعالى :"قال الله على ما نقول وكيل "بعضهم يسكت على قال لان المعنى : قال يعقوب غير ان السكت يفصل بين القول والمقول وذا لايجوز فالاولى ان يفرق بينهما بالصوت فيقصر بقوة النغمة اسم الله تعالى انتهى. اقول( المرعشي ) : قوله(فيقصر ) معناه : يمنع اسم الله تعالى عن ان يكون فاعلا لقال بقوة النغمة فيعلم انه ليس بفاعل بقال وكذلك استخدم الدركزلي كلمة (نغمات) قال قال بعض المحققين ينبغي ان يقرأ القران على سبع نغمات :فما جاء من اسمائه تعالى وصفاته فبالتعظيم والتوقير وما جاء من المفتريات عليه فبالاخفاء والترقيق وما جاء في ردها فبالاعلان والتفخيم وماجاء من ذكر الجنة فبالشوق والطرب وما جاء من ذكر النار والعذاب فبالخوف والرهب وما جاء من ذكر الاوامر فالبطاعة والرهبة وما جاء بذكر النواهي فبالإبانة والرهبة . انتهى .
    ولا شك في ان اكثر هذه الاقسام امكانية تنويع النغمة عند نطقها ولكن بعضا منها لا يتبين فيه ذلك .
    ومهما هذه الملاحظات التي ابداها علماء التجويد في موضوع التنغيم موجزة وبحاجة الى التدقيق والتوضيح انها تبدو اسعد حظا مما كتبه دارسو الاصوات العربية في كثير من الجوانب لاسيما ما كتبه السمرقندي الذي له كتاب اسمه ( نجوم البيان في الوقوف وماءات القران ) ذكره في (روح المريد في شرح العقد الفريد ) اثناء كلامه عن الماءات .ولا نستبعد ان يكون فصل فيه فكرته عن رفع الصوت وخفضه التي ذكرها في روح المريد .

    ظواهر الادغام التي عالجها علماء التجويد :

    كانت عناية علماؤ التجويد الاوائل مثل مكي والداني وعبد الوهاب القرطبي متجهة الى ظواهر الادغام المتفق عليها بين القراء خاصة ادغام لام التعريف والنون الساكنة والتنوين اما ما اختلف القراء في ادغامه فانهم لم يتعرضوا له في كتب علم التجويد انما يذكره العلماء في كتب القراءات .
    وظل ذلك منهج علماء التجويد في دراسة موضوع الادغام ، الا ان بعض المتاخرين من علماء التجويد صاروا يشيرون الى بعض ظواهر الادغام المختلف فيها وسوف نلخص هنا راي المرعشي الذي يمثل راي علماء التجويد المتاخرين في طريقة دراسة ظواهر الادغام.
    قال المرعشي : ( و اعلم أن بيانالادغام على رأي أتهل العربية مستوفى في كتب التصريف . و المقصود بهذه الرسالة بيان ما وقع في القران من الادغام مما اتفقت القراء و أهل الاداء و اختلفوا فيه ، و لا نذكر منالمختلف فيه الا الادغام الصغير ، لأن الادغام الكبير لم يقع في قراءة عاصم أصلا . و هنا فصلان :
    الفصل الأول : في ادغام المثلين :
    اعلم أن المثلين اذا سكنا أولهما يجب الادغام عند أهل اللغة و القراء وأهل الاداء بلا خلاف سوى كانا في كلمة نحو ( يدرككم الموت ) أو في كلمتين نحو ( اضرب بعصاك الحجر ) و ( إذ ذهب ) ، ( ءاووا و نصروا ) الا اذا كان الاول حرف مد ...
    الفصل الثاني : في ادغام المتقاربين اللذين سكن أولهما ، و الواقع منه في القران أخذ
    عشر نوعا ..."ثم بين المرعشي تلك الانواع ، و هذا ملخص ما قاله فيها :
    النوع الاول :ادغام الذال المعجمة في مقاربها ، اتفق القراء على ادغام ذال (إذ ) في الظاء في نحو ( اذ ظلموا ) ثم ان القراء اختلفوا في ادغام الذال في التاء في نحو ( نبذتها ) و( عذت ) و( اتخذتم) وأمثالها . و كذا أختلفوا في ادغام ذال (اذ) في ستة أحرف : في التاء و الدال و السين و الصاد و الزاي و الجيم و قد أظهرها عاصم في الجميع .
    النوع الثاني :ادغام الثاء المثلثة في مقاربها و لم يأت في القران بعدها من مقاربها الا الذال و التاء . أما الذال ففي ( يلهث ذلك ) لا غير ، و قد اختلفوا في ادغام الثاء و اظهاره . و عاصم يدغمه . و أما في التاء ففي ( لبث ) و ( لبثتم م ) و ( أورثتموها ) اختلفوا في ادغام الثاء في التاء و عاصم يظهره .
    النوع الثالث : ادغام الدال المهملة في مقاربها . اتفق اغلقراء على ادغام الدال في التاء اذا كانا في كلمة نحو (عبدتم ) و( اردت ) واختلفوا في ادغامه في الثاء في قوله ( ومن يرد ثواب ) وعاصم يظهره .
    واما دال قد فقد اتفقوا على ادغامها في التاء نحو (قد تبين ) واختلفوا في ادغامه في ثماية احرف :في الجيم والذال والزاي والسين والشين والصاد والضاد والظاء واختار عاصم في الجميع الاظهار .
    النوع الرابع : ادغام التناء في مقاربها .اتفق القراء على ادغام التاء في الطاء والدال نحو( وقالت طائفة ) و(ودت طائفة ) و (اجيبت دعوتكما ) واختلفوا في اغام تاء التانيث الثاء والجيم والزاي والسين والصادوالظاء واختار عاصم اظهار في الجميع .
    النوع الخامس : ادغام الطاء في مقاربها والواقع منه في القران ادغامها في التاء فقط نحو ( احطت) و (بسطت ) و( فرطت ) و ( فرطتم ) .اتفق القراء على ادغام الطاء في التاء مع ابقاء صوت الاطباق وسموه ادغام ناقصا واختلفوا في حقيقته .
    النوع السادس : ادغام الباء في مقاربها .اختلف القراء في ادغامها في الميم في قوله تعالى: (يا بني اركب معنا ) ادغمه عاصم وبعض القراء واختلفوا ايضا في ادغامها في الفاء حيث وقع في قوله تعالى : ( او يغلب فسوف ) وشبهه اظهره عاصم وبعض القراء .
    اتلنوع السابع :ادغام الفاء في مقاربها . اختلفوا في ادغامها في البء في قوله تعالى :
    ( نخسف بهم ) أدغمه الكسائي و اظهره الباقون .
    النوع الثامن :ادغام القاف في مقاربها ، اتفق مشايخ الأداء على ادغام القاف في الكاف فينحو قوله تعالى : ( ألم نخلقكم ) لكن اختلفوا في بقاء الاستعلاء القاف مع الادغام و عدم بقائه .
    النوع التاسع : ادغام الام في مقاربه اعلمأن اللام اما حرف تعريف أولا . فإذا لم تكن حرف تعريف فإن القراء اتفقوا على ادغامها في الراء مثل قوله جل شأنه : ( بل ران ) و (قل رب ) الا حفصا فإنه يسكت على بل و من ثم فات الادغام .
    و اختلفوا في ادغام هل و بل في ثمانية أحرف : التاء و الثاء و الزاي و السين و الضاد و الطاء و الظاء و النون . و قد اختار عاصم الاظهار في الجميع . و ليس كل من ( هل و بل ) تلتقيان بالحروف الثمانية في القرءان ، و إنما تختص كل منهما ببعض الحروف و تشتركان في بعض .
    و إذا كانت اللام حرف تعريف فإنهم اتفقوا على ادغامها في أربعة عشر حرفا : اللام و التاء و الثاء و الذال و الراء و الزاي و السين و الشين و الصاد و الضاد و الطاء و الظاء و النون . و تسمى هذه الحروف الشمسية و يظهرونها وجوبا فيما عداها ، و هي أربعة عشر حرفا و تسمى قمرية ، و الألف لا تقع أولا لأنها مدة و من ثم لم تدخل عليها لام التعريف .
    تتميم الكلام المرعشي عن لام التعريف : عد بعض العلماء المتقدمين الحروف الني تدغم فيها لام التعريف ثلاثة عشر حرفا بإسقاط اللام و قد عدها بعضهم أربعة عشر حرفا .
    و يبدو أن تسمية الحروف الشمسية والقمرية بهذا الاسم ليست قديمة لفأقدم من ذكرها في المصادر ابن الجرزي و عبارته تفيد أنه ليس أول من استخدمها و علل مكي لإدغام لام التعريف في تلك الحروف بقوله : ( و علة إدغام لام التعريف في هذه الحروف أن مخارجها من مخارج هذه الحروف في الفم ، فلما سكنت و لزمها السكون أشبهت اجتماع المثلين )
    النوع العاشر : إدغام الراء في مقاربها و لم يأت في القرءان إدغامها في مقاربها الا في اللام نحو ( و يغفر لكم )و ( و اصبر لحكم ربك ) و لم يدغم فيها غير أبي عمرو بن العلاء .
    النوع الحادي عشر : إدغام النون الساكنة و لو تنوينا في مقاربها. أما الميم الساكنة فلم تدغم في مقاربها بل في مثلها .
    قال المرعشي : ( و لما جرت العادة في كتب هذا الفن بافراد أحوالهما بالتبويب نسلك مسلكهم
    و نضع بابين ، الباب الأول في النون الساكنة و التنوين ... و الباب الثاني في الميم الساكنة .













    تطبيق للظواهر الصوتية في القران الكريم


    نستطيع أن نصنف الموضوعات الصوتية بعلم الدلالة إلى ما يلي:
    1- الوقفات (pauses).
    2- التنغيم (Melody).
    3- النبر (Stress-Accent).
    4- التزمين (Tempo).
    5- الإيقاع (Rhythm).

    الوقفات:
    وتُسمّى أيضاً "الفواصل" وهي نوع من السكون يفصل بين مجموعة صوتية وأخرى، ويدعوه البعض وقفاً أو انتقالاً أو مفصلاً، وقد يفصل بين صوت وآخر، أو بين كلمة وأخرى، أو بين عبارة وأخرى في الجملة الواحدة، أو بين جملة وأخرى، والفاصل فونيم له تأثير في المعنى.
    وهذا المصطلح يتفق تماماً مع مبحث مهم تناوله علماء التجويد بالبحث والتفصيل هو "الوقف والابتداء" فلم يغفل القدماء دور "الوقف والابتداء" في تغيير المعاني والدلالات، وأضرب لذلك بعض الأمثلة كما يلي:

    الوقف التام: وعرفه علماء التجويد بأنه "الذي يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده" وأكثر ما يوجد في رؤوس الآي وعند انقضاء القصص.
    ونلاحظ أن التعريف مقيد بالمعني، فإذا تم المعنى بالوقوف على كلمة وحَسُن الابتداء بما بعدها، كان وقفاً تاماً، فهو قيد دلالي بالدرجة الأولى ومن أمثلة هذا الوقف.
    {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين} (البقرة:145)، والابتداء بقوله: {الذين آتيناهم الكتاب} لكي لا يوهم أن {الذين آتيناهم} صفة للظالمين، وهو مستأنف في مدح عبداللّه بن سلام وأصحابه، ولو وُصِل الكلام لأوهم معنىً غير المعنى المراد، ولذا سماه بعض العلماء بالوقف اللازم أو الواجب.
    {لقد سمع اللّه قول الذين قالوا إن اللّه فقير ونحن أغنياء} (آل عمران: 181) يجب الوقف والابتداء بقوله: {سنكتب ما قالوا} لأنه لو وصل الكلام لأوهم أن عبارة {سنكتب ما قالوا} من قولهم، وهي إخبار اللّه.
    {لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} (المائدة:51) والابتداء بقوله {بعضهم أولياء بعض} لأن الوصل يوهم أن الجملة صفة لأولياء فإذا انتفى هذا الوصف جاز اتخاذهم أولياء، وهو مُحال.

    الوقف الكافي: وهو الذي يجب الوقف عليه والابتداء بما بعده ومنه الوقف على قوله {ولقد همت به} (يوسف: 24) والابتداء بقوله {وهم بها} وبهذا يتخلص القارئ من شيء لا يليق بنبي معصوم أن يهم بامرأة، ويصير {وهم بها} كلاماً مستأنفاً، إذ الهمّ من يوسف عليه السلام منفي، والهمّ الثاني غير الهمّ الأول.

    الوقف الحسن: هو "الذي يحسن الوقف عليه، وفي الابتداء بما بعده خلاف الصحيح لتعلقه به من جهة اللفظ كقوله تعالى: {لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة} كلمة: {تتفكرون} رأس آية في سورة البقرة، ولكن لا يفيد ما بعده معنى، فلا يحسن الابتداء به، ويحسن العود إلى ما قبله.
    {وتعزروه وتوقروه} والابتداءب {وتسبحوه} لئلا يوهم اشتراك عود الضمائر على شيء واحد، فإن الضميرين الأولـــين عـــــائدان على الرسول صــــلى اللّه عليه وسلم وفي الثاني عـــــــائد على اللّه تعالى.

    التنغيم: نغمة الصوت هي إحدى صفاته، وكثيراً ما تكون عاملاً مهماً في أداء المعنى، وتتوقف النغمة على عدد ذبذبات الأوتار الصوتية في الثانية، وهذا العدد يعتمد على درجة توتر الأوتار الصوتية، وللنغمة أربعة مستويات وهي:
    أ- النغمة المنخفضة: وهي أدنى النغمات. وهي ما نختم به الجملة الإخبارية عادة، والجملة الاستفهامية، التي لا تجاب بنعم أو لا.
    ب- النغمة العادية: وهي التي نبدأ الكلام بها، ويستمر الكلام على مستواها من غير (انفعال).
    ج- النغمة العالية: وتأتي قبل نهاية الكلام متبوعة بنغمة منخفضة أو عالية مثلها.
    د- النغمة فوق العالية: التي تأتي مع الانفعال أو التعجب أو الأمر.
    وقد حاولت أن أمثل لكل نوع بشاهد قرآني، فكان اختياري على الوجه التالي:
    النغمة المنخفضة. نحو قوله تعالى: {أفمن هذا الحديث تعجبون} {وتضحكون ولا تبكون} {وأنتم سامدون} أما قوله {فاسجدوا للّه واعبدوا} فهي نغمة فوق عالية لأنها جاءت بصيغة الأمر.

    الأصوات والحيوان
    من الجدير بالذكر أن أديباًعالماً كالجاحظ تنبه لتأثير التنغيم على الحالة النفسية للحيوان، وأشار إلى ذلك تحت عنوان "أثر الأصوات في الحيوان" والدواب تصر آذانها إذا غنى المكاري، والإبل تصر آذانها إذا حدا في آثارها الحادي، وتزداد نشاطاً وتزيد في مشيها ويجمع بها الصيادون السمك في حظائرهم التي يتخذونها له.. والأيائل تصاد بالصفير والغناء، وهي لا تنام ما دامت تسمع ذلك من حاذق الصوت، والصفير تُسقى به الدواب الماء وتنفر به الطير عن البذور، ويقول عن "أثر الصوت في الحيّة":
    "فالحية واحدة من جميع أجناس الحيوان الذي للصوت في طبعه عمل فإذا، دنا الحواء وصفق بيديه، وتكلم رافعاً صوته حتى يزيد، خرج إليه كل شيء في الجُحْر، فلا يشك من لا علم له أن الحيــــة خــــرجت من جـــهة الطـــاعة وخوف المعصية.
    ولا يخفى على المتأمل أن هذا الأثر الذي يتركه الصوت على الكائنات الحية مرتبط بالتنغيم، فلو كان الصوت على طبقة صوتية واحدة من الصعود والهبوط، لما كان له أثر واضح.
    وقد أشار القرآن الكريم لهذه الظاهرة العجيبة حين تحدث عن داود عليه السلام: {ولقد ءاتينا داود منا فضلاً ياجبال أوبي معه والطير} والآية تصور من فضل اللّه على داود عليه السلام أنه بلغ من الشفافية والتجرد في تسابيحه أن انزاحت الحجب بينه وبين الكائنات فاتصلت حقيقتها بحقيقته، في تسبيح بارئها ورجعت الجبال والطير معه، إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز، حين اتصلت كلها باللّه صلة واحدة؛ وتجاوب الكون كله مع ترانيم داود.
    وقد أشار النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى هذه الظاهرة، حين سمع أبا موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف يستمع لقراءته، ثم قال: "لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود.

    النبــــــر
    "هو قوة التلفظ النسبية التي تعطي للصائت في كل مقطع من مقاطع الكلمة أو الجملة".
    فسيولوجية النبر: عند نطق المنبور نلاحظ عدة أنشــــــطة في الجهــاز الصوتي البشري منها:
    ● تنشط عضلات الرئتين، بشكل متميز لرفع الهواء بنشاط أكبر.
    ● تقوى حركات الوترين الصوتيين وتتسع الذبذبات.
    ● يتقارب الوتران أكثر في حالة الأصوات المجهورة، ويبتعدان أكثر في حالة الأصوات المهموسة. وقد أشار القدماء إلى ظاهرة النبر في اللغة العربية:
    جاء في معجم الصحاح: "نبرتُ الشيء أنبره نبراً، رفعته،... ونبرة المغني: لرفع صوته عن خفض". وفي تلاوة القرآن الكريم ينبه القراء على ضرورة الضغط على بعض الحروف، وهي:
    أ- الوقف على المشـــــدد، مــثل كلمة "الحي"، و"بثّ".
    ب- عند النطق بواو مشددة قبلها مضموم أو مفتوح: "القوة"، "قوامين".
    ج- عند النطق بياء مشددة قبلها مكسور أو مفتوح: "شرقيّا"، "صبيّا".
    د- عند الانتقال من حرف مد إلى حرف مشدد: {الحاقة}.
    وللنبر وظيفة مهمة في جميع اللغـــات، إذ لا تخلو منه لغة، فكل متحدث بلغة ما، يضغط على بعض المقاطع فيها، وإنما الاختلاف بينها في استخدامه فونيمًا صوتيًا يغير الصيغ أو المعاني أو عدم تأثيره فيها.
    ومن صور النبر، "نبر الجمل" الذي يقوم على الضغط على كلمة بعينها في إحدى الجمل المنطوقة؛ لتكون أوضح من غيرها من كلمات الجملة، وذلك للاهتمام بها أو التأكيد عليها ونفي الشك عنها من المتكلم أو السامع، وهذا السلوك اللغوي شائع في كثير من اللغات.
    النبر يكون في بعض المواضع في تلاوة القرآن الكريم مثل: {الحاقة}، {دابة} أي عند الانتقال من حرف مد إلى الحرف الأول المشدد، فإذا نظرنا إلى قوله تعالى: {فإذا جاءت الصاخة} نجد لهذا النبر على حرف "الخاء" تأثيراً دلالياً يفيد الإحساس بصوت الصاخة التي تصم الآذان لشدتها، وبذلك يكون للنبر وظيفة معنوية مهمة لا تتحقق إلا بواسطته.
    ومن مواضع النبر في القرآن الكريم عند النطق بواو مشددة قبلها مفتوح أو مضموم نحو {القوة}، {قوامين}. وإذا نظرنا إلى قوله تعالى {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة للّه جميعاً وأن اللّه شديد العذاب} فالنبر على حرف الواو في كلمة {القوة} له تعبير دلالي للتأكيد على أن القوة للّه وحـــــده، لا سيما والآية تتحدث عن اتخاذ الأنداد من دون اللّه، فكان لابد من التــــــأكيد على {القوة} التي تليق باللّه تبارك وتعالى.

    التـــــــزمين
    هو المرآة التي تعكس لنا عواطف المتكلم وانفعالاته ويعرف بأنه السرعة التي يتخذها المتكلم ويحسها السامع نحو الكلام المنطوق، سواء أكان كلمة أو جملة، ويمكن وصف هذه السرعة بأنها بطيئة أو سريعة أو متوسطة.
    وهو عنصر مهم في الأداء الذي يؤثر على فهم المسموع، والإحساس بانفعالات المتكلم أو الحالة النفسية المصاحبة للنص.
    وأمثل لهذه الظاهرة الصوتية ببعض الآيات الكريمة. {وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوســـــف وابيـــضت عينــــاه من الحزن فهو كظيم}.
    فالآية تصور حالة يعقوب عليه السلام بعدما فقد ابنه يوسف أحب أبنائه إليه، ولكي تنقل لنا الآية الكريمة شدة حزنه وحسرته على فقد فلذة كبده، جاء المقطع كله بتزمين طويل، فكلمة {تولى} فيها مد طبيعي يستغرق زمناً مقداره حركتان كما يسميه علماء التجويد، وكذلك الفعل {قال} ثم {ياأسفى} هذا المد المنفصل الذي يؤديه التالي للآية بنبرة طويلة توحي بهذه الحالة النفسية الأليمة، ثم كلمة {عيناه} بالمد الطبيعي، وأخيراً كلمة {كظيم} بالمد العارض للسكون، فنلاحظ أن سرعة المقطع كانت بطيئة، لتعبر عن المعنى المراد، بخلاف قوله تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر◘ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر◙ وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر}.
    فإن تلاحق الآيات بسرعة، يوحي بخطورة الموقف وهو اقتراب الساعة، وياله من هول يستلزم السرعة.

    الإيقــــــــاع
    هو إحساس بالتكرر المنتظم لمجموعات كل منها يشتمل على أحداث متشابهة ومتعاقبة. وللتفريق بين الإيقاع وبين عناصر الأداء التي تحدثنا عنها وهي:
    "النبر، التزمين، التنغيم، والوقفات" نقول: إن الأداء لا يشترط فيه التكرار المنتظم لعنصر من عناصره، أما الإيقاع فلابد فيه من التكرر المنتظم والدقيق لعنصر من عناصره أو لأكثر، والأداء يتصل بجانب المعنى والفكرة من حيث توضيحها، أما الإيقاع فإنه يتصل أكثر بجانب الإحساس والعاطفة. فهناك إيقاع يثير الحزن، وآخر يثير الفرح والســــرور، وإيقاع يبعث الحماسة والحيوية أو الشهامة.
    وقد عرف الجاحظ هذا الأثر العجيب للإيقاع وهو ما عبر عنه بـ"تأثير الأصوات" يقول: "وأمر الصوت عجيب، وتصرفه في الوجوه عجب، فمن ذلك أن منه ما يقتل كصوت الصاعقة، ومنه ما يسر النفوس حتى يفرط عليها السرور حتى ترقص، وحتى ربما رمى الرجل بنفسه من حالق، وذلك مثل هذه الأغاني المطربة، لأن من ذلك ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، كنحو هذه الأصـــــوات الشجية، والقراءات الملحنة، وليـــس يعتــريهم ذلك من قبل المعاني؛ لأنهم في كثير من ذلك لا يفهمون معاني كلامهـــم، وقد بكى ماسرجويه من قراءة أبي الخوخ، فقيل له: كيف بكيت من كتاب اللّه ولا تصدق به؟ قال: إنما أبكاني الشـــجــــا. وبالأصـــوات ينومــون الصبيان والأطفال.
    وقوله: "وليس يعتريهم ذلك من قبل المعاني" دليل واضح على أنَّ الجاحظ أدرك أن هذا التأثير للصـوت ليس سببه المعنى بل الإيقاع الذي ينقــل الحالة النفسية للمتكلم إلى السامع.
    وقد اســتخدم القرآن الكريم الإيقاع المناســب لأجواء كل سورة من سِوره، فهناك آيات كريمة تمتاز بالإيقاع السريع وأخرى تمتــاز بإيقاع بطيء وحزين، وهذا التنويع يتناسب مع معاني الآيات ومضامينها.
    فمثلاً نجد الإيقاع الذي يطلق في جو الدعـــاء والضراعة والخشوع والإنابة كما في قوله تعالى:
    {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على اللّه من شيء في الأرض ولا في السماء} (إبراهيم: 38)
    إيقاعاً بطيئاً متموجاً رخياً، مناسباً لمضمون الآيات.
    وفي قوله تعالى:
    {وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يابنيَّ اركب معنا ولا تكن مع الكفرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء} (هود: 42-34)
    الإيقاع هنا مختلف عن الآيات السابقة، فهو طويل وعميق يشترك في رسم الهول لجو الطوفان والرعب، والمدات المتوالية تساعد في إكمال الإيقاع وتكوينه واتسامه مع جو المشهد الرهيب العميق




















    الخاتمة

    بعدما تجولت في بساتين المعرفة الصوتية و من الله علي أن أنهيت هذا المبحث قطافا ناجعة لشغف قلبي بعلم التجويد و علمت يقينا سبق العرب في وضع أساسيات العلم الصوتي الحديث مصطلحا و ليس فكرة ذات قواعد و أسسس أسأل الله الجليل أن يوفق هذا المبحث المتواضع لبنة لبحوث تكمله فمهما يكن من أمر فالنقص سمته لما لهذا العلم من تشعبات و تداخلات مع غيره من علوم العربية و القراءات و الدراسة الصوتية الحديثة
    و المسؤول الله سبحانه عن التوفيق و هو أهل ذلك و القادر عليه .
    و السلا علكم و رحمة الله و بركاته






















    المراجع
    1- الدكتور /غانم قدوري الحمد – الدراسات الصوتية عند علماء التجويد – الطبعة الأولى – 1424هـ /2003م – دار عمار للنشر و التوزيع- الأردن.
    2- الشيخ الدكتور /فائز عبد القادر شيخ الزور – دروس في ترتيل القران الكريم – الطبعة التاسعة – 1421/2001 – مؤسسة علوم القران – الشارقة
    3- الشبكة المعلوماتية : www.tafsir.com
    ومن لم يذق مر التعلم ســـــــــــــــــاعة
    تجرع ذل الجهل طول حياتــــــــــــــــه
    وذات الفتى و الله بالعلم و التقـــــــــــى
    فإن لم يكونا لا اعتبار لذاتـــــــــــــــــه

  2. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (المشفقة على أمتها) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  3. #2
    فريق إعراب القرآن الكريم

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 27013

    الجنس : أنثى

    البلد
    حائل

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : اللغة والنحو وفقة اللغة

    معلومات أخرى

    التقويم : 18

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل15/10/2009

    آخر نشاط:16-07-2014
    الساعة:03:36 AM

    المشاركات
    431

    السيرة والإنجازات

    1431/9/11 هـ
    بوركت
    وجزاك الله خيرا

  4. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (نبض المدينة) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  5. #3
    فريق إعراب القرآن الكريم

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24759

    الكنية أو اللقب : بنت الإسلام

    الجنس : أنثى

    البلد
    دار الممر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 20

    التقويم : 557

    الوسام: ⁂ ۩ ۞
    تاريخ التسجيل11/6/2009

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:12:05 AM

    المشاركات
    16,794

    السيرة والإنجازات

    1431/12/22 هـ
    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ...أما بعد:

    أختي الحبيبة : المشفقة على أمتها

    جزاك الله خيرا ، بحث قيم ومفيد ، جعله الله في موازين حسناتك يوم تلقينه ، وكتب الله لكِ الأجر والمثوبة / اللهم آمين

    ودمت ِ موفقة ومسددة

  6. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (زهرة متفائلة) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •