الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
اعرض النتائج 1 من 20 إلى 34

الموضوع: ال العهدية

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 9207

    الجنس : ذكر

    البلد
    استراليا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : طالب

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل1/2/2007

    آخر نشاط:27-12-2008
    الساعة:02:15 PM

    المشاركات
    14

    ال العهدية

    السلام عليكم,

    كما تعلمون, أكرمك الله و زادكم علماً, أنّ أسماء الإشارة مبنية لشبهها لحرف كان ينبغي أن تضعه العرب و لكنّها لم تفعل.
    نقل ابن فلاح عن أبي علي الفارسي أنّ أسماء الإشارة مبنية لأنّها في المعنى أشبهت حرفاً موجوداً و هو (ال العهدية) التي تشيرالى عهود بين المتكلم و المخاطب.

    فما هي (ال العهدية) ؟ اين اجدها؟ هل من امثلة ؟

    جزاكم الله خيرًا

    التعديل الأخير من قِبَل أبو أسيد ; 06-07-2008 في 11:14 AM السبب: خطأ طباعي

  2. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 17477

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : أقل من جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل6/6/2008

    آخر نشاط:18-07-2008
    الساعة:02:45 AM

    المشاركات
    56

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    (أل) العهدية ثلاثة أنواع:
    1ـ العهد الذِّكْري:وهي ما سبق لما دخلت عليه ذكر في الكلام.
    مثل: جاءني رجل فأكرمت الرجل.
    وقال تعالى: (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول)
    2ـ العهد الحضوري: وهي ما يكون ما دخلت عليه حاضرا.
    مثل: جئت اليوم ( أي: اليوم الحاضر)
    3ـ العهد الذهني: وهي ما يكون ما دخلت عليه معهودا ذهناً.
    مثل: حضر الرجل. ( أي: الرجل المعهود ذهنا بينك وبين من تخاطبه)
    تحياتي وتقديري للجميع


  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته أيها الكريمان .

    وبالإضافة إلى ما تفضل به الأستاذ جمال :
    هناك عهد كنائي ، كما في قوله تعالى : (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) ، فهو كناية عن أمر استقر في أذهانهم ، وهو أنهم كانوا ينذرون الذكور لخدمة بيت العبادة دون الإناث ، فلما وضعتها أنثى ، اعتذرت بأن هذه خلاف ما عهدوه من نذر الذكور .

    والله أعلى وأعلم .


  4. #4
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2797

    الجنس : ذكر

    البلد
    بلد الحرمين الشريفين.

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : آخر

    التخصص : باحث في لغة القرآن الكريم.

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل14/8/2005

    آخر نشاط:01-08-2019
    الساعة:09:33 PM

    المشاركات
    680

    من الشواهد القرآنية على أل العهد الحضوري, قوله تعالى :

    { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [المائدة: 3] فإن "أل" في اليوم هي للعهد الحضوري.

    اللهم صل على محمد وآل محمد في الأولين، وصل على محمد وآل محمد في الآخرين، وصل على محمد وآل محمد في الملإ الأعلى .

  5. #5
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    وقد يجتمع لــ : "أل" أكثر من معنى :
    ففي قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) .
    قد يقال بأن : "أل" في : "الصلاة" للعهد ، فالذهن ينصرف أول ما ينصرف إلى الصلاة المكتوبة ، وهي من جهة أخرى : جنسية استغراقية فتعم جميع المكتوبات .

    *****

    وفي قولك : جمع الأمير التجار .
    قد يقال بأن "أل" في "التجار" : عهدية من جهة أن الذهن ينصرف أول ما ينصرف إلى تجار البلد ، لاستحالة جمع جميع تجار زمانه ، وهي استغراقية : من جهة استغراقها جميع تجار بلده ، فتكون مجازا ، على قول من يقول بالمجاز ، إذ أطلق الكل : عموم "أل" الاستغراقي الحقيقي الذي يشمل كل التجار ، وأراد البعض ، عموم "أل" الاستغراقي العرفي الذي يشمل تجار البلد فقط .

    ولكل مسألة ذوق خاص ، فـــ : "أل" مما يستحق الإفراد بالتصنيف .

    والله أعلى وأعلم .


  6. #6
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    وفي قوله تعالى : (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)

    إما أن تكون : "أل" للعهد : فيكون المعنى : وأحل الله البيوع التي استقر في أذهانكم حلها ، فخرج بهذا القيد كل بيع محرم لربا أو جهالة أو غرر .

    وإما أن تكون : "جنسية استغراقية" ، فتكون : عاما قد خص بأدلة النهي عن بيوع بعينها .
    أو تكون عاما أريد به الخصوص : فتكون مجازا ، عند من يقول بالمجاز ، إذ أطلق العموم ، وأراد خصوص البيوع المباحة .

    وإما أن تكون "جنسية استغراقية مجازية" فيتوجه العموم ابتداء إلى البيوع المباحة .

    وهي مسالك على اختلافها تؤدي إلى نتيجة واحدة ، وهي : حل البيوع المباحة ، وحظر البيوع المحرمة .

    والله أعلى وأعلم .


  7. #7
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    ومن ذلك :
    حديث : (ويل للأعقاب من النار) .
    فإما أن تكون "أل" :
    للعموم ، وهذا بعيد ، لأنه ليس كل عقب متوعدا بالنار ، وإنما توعد العقب الذي فرط صاحبه في غسله .
    أو : العهد ، أي الأعقاب المعهودة التي رآها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم تغسل ، فيكون اللفظ : عاما في كل عقب أريد به خصوص الأعقاب التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم .

    أو تكون المسألة من باب : تخصيص الحكم بصورة السبب ، فيكون في اللفظ تخصيص باعتبار : صورة السبب ، فالأعقاب المتوعدة هي التي لم تغسل جيدا ، وعموم من جهة دخول كل عقب تحققت فيه صورة السبب في هذا الوعيد ، كما قيل في حديث : (لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ) ، فــ : "أل" في : "الصيام" ليست جنسية استغراقية ، أو لبيان الماهية ، وإنما هي : عهدية ، أي ليس من البر ذلك الصيام المعهود الذي يؤدي بصاحبه إلى حال ذلك الصائم الذي شق على نفسه حتى ازدحم الناس عليه وظللوا عليه .

    والله أعلى وأعلم .


  8. #8
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    ومن ذلك أيضا :
    حديث : (إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ) :
    فقد حمل جمهور أهل العلم "أل" في "الكلب" على : "الجنسية الاستغراقية" : فتعم كل أنواع الكلاب ، بينما حملها المالكية ، رحمهم الله ، على ما سوى المأذون فيه من كلاب : الصيد والزرع والماشية ، فتكون "أل" عندهم "عهدية" فيما سوى المأذون فيه ، والراجح قول الجمهور لعدم الدليل المفرق .

    *****

    ومنه أيضا :
    حديث : (مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ) :
    فمن حمل "أل" في "الصيام" على العهد ، قال بأن المقصود هو : الصيام الواجب ، فلا يجب تبييت النية من الليل في صيام النافلة ، وهو الراجح فيجوز إحداث نية النافلة في أي وقت من اليوم قبل الزوال أو بعده بشرط عدم تناول مفطر قبله ، ومن حملها على الاستغراق الجنسي ، قال بأن تبييت النية واجب في كل صيام ولو كان نفلا .

    والله أعلى وأعلم .


  9. #9
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    ومن ذلك أيضا :
    قوله تعالى : (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) ، فـــ : "أل" في "الرسول" : للعهد الذهني فالمعهود المذكور هو : رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعينه ، والسياق يؤيد ذلك إذ قوله تعالى قبله : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، محكي على لسان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

    بخلاف الرسول في قوله تعالى : (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا) ، فــ : "أل" للعهد الذكري ، لتقدم ذكره في الآية السابقة كما ذكر الأخ جمال في أول مداخلة بعد إيراد السؤال في هذه النافذة .

    وبخلاف :
    "الرسول" في قوله تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) .
    فــ : "أل" هنا جنسية تفيد الماهية ، فليست خاصة برسول بعينه ، وإنما هي دالة على جنس الرسل الذين ابتلوا مع أتباعهم بظلم أقوامهم ، ويصح أن يقال هي مع ذلك : للاستغراق لأن الابتلاء سنة جارية على الرسل وأتباعهم ، لم يسلم منها أحد في أي زمان أو مكان ، فاتباع منهاج الرسالة مظنة : الابتلاء والاضطهاد ابتداء والتمكين انتهاء .

    *****

    وكذا لفظ "النبي" في نحو :
    قوله تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) ، فــ : "أل" في "النبي" للعهد الذهني فالمقصود به : النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقرينة ذكر أزواجه وتوجه الخطاب إلى عموم المؤمنين .

    بخلاف "النبي" في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطَ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلَ وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) ، فليس المقصود نبيا بعينه ، وإنما المقصود جنس الأنبياء الذين بعثوا إلى أقوامهم .

    *****

    ومنه أيضا :
    "الكتاب" : في قوله تعالى : (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) ، فــ : "أل" فيه للعهد الذهني ، فالمعهود المقصود هو : القرآن الكريم ، بقرينة سبق ذكره بـــ : "الم" ، فذلك القرآن الذي صيغت ألفاظه من هذه الحروف المقطعة التي استعملتها العرب في نطقها لا ريب فيه .

    بخلاف "أل" في "الكتاب" في قوله تعالى : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) ، فهي جنسية لاستغراق عموم ما دخلت عليه ، فالمعنى : وأنزل معهم الكتب من توراة وإنجيل وقرآن ......... إلخ .

    والله أعلى وأعلم .


  10. #10
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    ومنه أيضا :
    قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (........ وإنا لا تحل لنا الصدقة) .
    فــ : "أل" في الصدقة :
    إن قيل هي للعهد الذهني : أي : الصدقة المعهودة وهي : الزكاة المفروضة ، فإن المعنى يصير : عدم جواز الزكاة الواجبة على آل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنها أوساخ الناس ، فبها يطهر الناس أموالهم ، وآل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم منزهون عن أوساخ الناس لمنزلتهم من صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام .
    وهذا يفيد بمفهومه : جواز ما عدا الزكاة الواجبة على آل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لانتفاء علة النهي فصدقة التطوع ليست أوساخا يتنزه عنها آل البيت ، وهذا اختيار أكثر الأحناف والصحيح عند الشافعية والحنابلة وكثير من الزيدية .

    وإن قيل بأنها للعموم ، فإنها تشمل كل أنواع الصدقات ، فيحرم عليهم قبول أي صدقة ، وهذا اختيار الشوكاني رحمه الله .

    *****

    ومنه أيضا :
    "أل" في "الفحشاء" : فإنها جنسية تفيد استغراق عموم الفواحش ، كما في :

    قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .
    وقوله تعالى : (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) .

    وقد تفيد العهد كما في قوله تعالى : (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ، فالفحشاء هنا : فرد بعينه وهو : البخل ومنع الزكاة والسياق يرجحه .

    قال أبو السعود رحمه الله :
    "والعربُ تسمي البخيلَ فاحشاً قال طرفةُ بن العبد :
    أرى الموتَ يعتامُ الكرامَ ويصطفي ******* عقيلةَ مالِ الفاحشِ المتشدِّدِ" . اهــــ .

    والله أعلى وأعلم .


  11. #11
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    ومنه أيضا :
    "أل" في "الملك" في قوله تعالى : (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) ، فهي جنسية تفيد استغراق عموم ما دخلت عليه ، فيؤول الكلام إلى : والملائكة على أرجائها .
    بخلاف "أل" في "الملك" في حديث عائشة ، رضي الله عنها ، مرفوعا : (وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ) ، فإن : "أل" في "الملك" للعهد الذهني ، فهو ملك بعينه : جبريل عليه السلام أمين الوحي وروح القدس .

    وكذلك "أل" في "الملك" في حديث بدء الوحي : (فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ، فهي للعهد الذهني ، فالمقصود أيضا : جبريل عليه السلام .

    *****

    ومنه "أل" في لفظ : "المرأة" في حديث :
    "ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَبِلَالٌ مَعَهُنَّ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ ، فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تَصَدَّقَ بِخُرْصِهَا وَسِخَابِهَا " : فهي جنسية تفيد استغراق عموم النساء اللاتي وعظهن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما أشار إلى ذلك الشوكاني ، رحمه الله ، في "نيل الأوطار" بقوله : "قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ ) الْمُرَادُ بِالْمَرْأَةِ جِنْسُ النِّسَاءِ" . اهـــ

    بخلاف "أل" في حديث جابر رضي الله عنه : (فَدَخَلْنَا حِين أَمْسَيْنَا ، فَقُلْت لِلْمَرْأَةِ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا كَيِّسًا ، قَالَتْ : سَمْعًا وَطَاعَة ، فَدُونك . قَالَ : فَبِتّ مَعَهَا حَتَّى أَصْبَحْت) ، فإن "أل" في : "للمرأة" للعهد الذهني ، فالمقصود بها امرأة بعينها هي امرأته .

    *****

    ومنه أيضا :
    "أل" في "الروح" في حديث أم سلمة ، رضي الله عنها ، مرفوعا :
    "إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ" ، فهي جنسية تفيد استغراق عموم الأرواح كلها .
    بخلاف "أل" في "الروح" في قوله تعالى : (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ) ، فهي للعهد الذهني ، فالمقصود بالروح في الآية : جبريل عليه السلام ، أو ملك عظيم ، على خلاف بين المفسرين ، فيكون عطف الملائكة عليه من باب : عطف العام على الخاص تنويها بذكره ، فقد أفرد بالذكر ابتداء ، ثم شمله العموم المعطوف انتهاء ، فتكرر ذكره ، وتكرار الذكر مظنة العناية .

    *****
    ومنه أيضا :
    "أل" في "الفتنة" في قوله تعالى : (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) ، فإنها جنسية تفيد استغراق كل أنواع الشرك بالله عز وجل .

    بخلاف "أل" في "الفتنة" في قول محمد بن سيرين رحمه الله :
    "لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنْ الْإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ قَالُوا سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ" ، فهي للعهد الذهني فالمقصود فتنة بعينها وهي : فتنة الجمل وصفين ، فقد كانت بداية ظهور الفرق الضالة من خوارج وسبئية ، فظهر الكذب نصرة للمذهب ، فوجب التحري في قبول الأخبار بالنظر في رجال أسانيدها ، فيؤخذ حديث العدول ويرد حديث المجروحين ، وقد كانت هذه الأقوال لأهل العلم المتقدمين الأساس الذي بنى عليه من بعدهم : علم الجرح والتعديل ، أحد مآثر هذه الأمة بشهادة أعدائها قبل أصدقائها ، ففيه من الدقة والتحري ما حير الباحثين المتخصصين في هذا الشأن في العصور الحاضرة .

    وقد تكفل الله ، عز وجل ، بحفظ دينه ، مصداق قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، وحفظ السنة حفظ للذكر المنزل .

    والله أعلى وأعلم .


  12. #12
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    ومنه أيضا :
    قوله تعالى : (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) ، فــ : "أل" في "الجنة" للعهد الذهني ، فهي الجنة التي منع أصحابها صدقتها كما جاء في قصتهم المعروفة .

    بخلاف "أل" في "الجنة" في قوله تعالى : (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) ، فـــ : "أل" في "الجنة" في هذه الآية : جنسية تستغرق عموم الجنان التي أعدها الله ، عز وجل ، لعباده المؤمنين يوم القيامة ، بدليل إبدال : "جنات عدن" في الآية التالية : (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا) منها بدل كل من كل ، و "جنات عدن" : جمع معرف بالإضافة فيدل ابتداء على استغراق عموم الجنان ، جعلنا الله ، عز وجل ، وإياكم من ساكنيها .

    *****

    ومن ذلك أيضا :
    قوله تعالى : (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ، فـــ : "أل" في "اللهو" و "التجارة" للعهد الذكري المتقدم في : (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا) ، ويصح أن يقال بأنها : جنسية استغراقية ، لأنها قابلت نكرتين في سياق الشرط : "تجارة" و "لهوا" ، وقد تقرر في الأصول أن النكرة في سياق الشرط تعم ، فيكون ما دل عليها ، ولو بالعهد ، عاما مثلها ، لوجوب التطابق المعنوي بينهما ، فيقال : "اللهو" و "التجارة" : اسمان محليان بــ : "أل" الجنسية" التي تفيد العموم ، وهذا ما يتناسب مع العموم المستفاد من "تجارة" و "لهوا" الواردين في سياق الشرط ، لأن المحلى بــ : "أل" الجنسية ، وإن كان معرفة في اللفظ ، إلا أنه يؤول إلى الشيوع في المعنى ، كالنكرة التي تدل على الشيوع ، أيضا ، فإذا ما جاءت في سياق الشرط صارت نصا في العموم ، فقابل عمومها عموم الاسم المحلى بـــ : "أل" الجنسية .
    ومما يؤيد صيرورة المحلى بـــ "أل" الجنسية إلى معنى الشيوع في النكرة ، أنه نزل منزلتها في نحو :
    ولقد أمر على اللئيم يسبني ******* فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
    فـــ : "اللئيم" : محلى بــ : "أل" الجنسية ، فهو معرفة لفظا ، كما تقدم ، والقياس في الجملة التي تلي المعرفة : أن تعرب حالا ، ومع ذلك أعربها النحاة في هذا البيت : نعتا ، كالجملة التي تلي النكرة ، فنزلوا المحلى بــ : "أل" الجنسية منزلة النكرة في دلالتها على الشيوع ، فالمقصود هنا : جنس اللئام لا لئيم بعينه ، وجنس اللئام ، معنى شائع لا حصر له لاسيما في أزماننا هذه !!!! .

    ويؤيد ذلك أيضا :
    أن العبرة في النصوص بــ : عموم اللفظ لا بخصوص السبب ، كما تقرر في الأصول ، فلا يحسن حمل "التجارة" في الآية على التجارة التي وفدت على المدينة ، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائم يخطب ، فإن في ذلك قصرا لعموم النص على صورة سببه ، والأصل في النصوص : العموم ، كما تقدم ، وغاية الأمر أن تكون الآية من قبيل : العام الوارد على سبب ، وهو حجة فيما عدا صورة السبب ، كما قرر الأصوليون ، فالسبب لا يعدو كونه فردا من أفراده ، وذكره في قصة نزول الآية من قبيل : ذكر بعض أفراد العام ، و : ذكر بعض أفراد العام لا يخصصه ، وإنما هو من قبيل المثال عليه ، فبه تعرف علة الحكم لتتعدى إلى بقية الأمثلة إما بنفس النص ، أو بالقياس عليه ، والخلاف لفظي ، فالنص ، في كلا الحالين ، يشمل كل الأمثلة التي تتساوى مع المثال المذكور في تحقق علة الحكم فيها ، وإنما ذكر تنبيها على البقية ، فهو بمنزلة النائب عنها ، ولو اشترطنا ذكر كل الصور المماثلة له في نفس النص الذي ورد فيه لنجري عليها حكمه لاحتجنا إلى آلاف الصفحات ، ولما امتاز القرآن الكريم عن أي مدونة فقهية تذكر فيها أحكام الفروع تفصيلا .

    *****

    ومن ذلك أيضا :
    "أل" في : "البيت" في قوله تعالى : (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) ، فهي للعهد الذهني ، لأن المقصود بها أهل بيت بعينهم : إبراهيم الخليل عليه السلام وسارة رضي الله عنها .

    وكذلك "أل" في "البيت" في قوله تعالى : (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) ، فالمقصود أهل بيت بعينهم : النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وزوجاته ، أمهات المؤمنين ، رضي الله عنهن ، بقرينة : "وقرن" و "لا تبرجن" و "أقمن" و "آتين" و "أطعن" ..... إلخ ، وإنما لم يقل في آخرها : "عنكن" لدخول سيد البيت صلى الله عليه وعلى آله وسلم معهن في إرادة الله ، عز وجل ، الشرعية ، تطهير أهل بيت النبوة ، بامتثال المأمور واجتناب المحظور فذلك لازم الإرادة الشرعية : إرادة افعل ولا تفعل ، فتكون "أل" هنا ، أيضا ، للعهد الذهني ، ولكنه عهد ذهني آخر غير المذكور في الآية الأولى ، لاختلاف السياق ، فهو العمدة في تحديد المعنى المراد .

    وقد يراد به عهد آخر إذا ما دل عليه السياق ، وهو : آل البيت ، رضوان الله عليهم ، ممن تحرم عليهم الصدقة ، وقد حدهم أهل العلم بــ : آل علي ، وآل العباس ، وآل جعفر ، وآل عقيل ، رضي الله عنهم جميعا ، كما في حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه ، فهذا عهد ثالث .

    وأما "أل" في "البيت" في مثل قوله تعالى : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) ، فهي لعهد رابع ، وهو : الكعبة : البيت الحرام كما دل عليه السياق فهو ، كما تقدم ، الفيصل في تحديد العهد المراد .

    والله أعلى وأعلم .


  13. #13
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    ومن ذلك أيضا :
    قولك : ضربت زيدا الضربَ :
    أي : الضرب المعهود ، فــ : "أل" في الضرب : للعهد الذهني .

    *****

    ومن ذلك أيضا :
    "أل" في "الناس" في :
    قوله تعالى : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) .
    فــ : "أل" في "الناس" الأولى لعهد ذهني بينه سبب نزول الآية ، فهو : شخص بعينه : نعيم بن مسعود ، رضي الله عنه ، فيكون من باب : العام الذي أريد به خاص ، وهو مجاز عند من يقول بالمجاز ، إذ أطلق الكل وأراد البعض .

    وكذا فــ : "أل" في "الناس" الثانية ، فهي ، أيضا ، لعهد ذهني فهو : شخص بعينه : أبو سفيان ، رضي الله عنه ، وكان قائد المشركين يوم أحد .

    ومثله :
    "الناس" في قوله تعالى : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .
    يقول أبو السعود رحمه الله :
    "واللام في الناس للعهد والإشارةِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وحملُه على الجنس إيذاناً بحيازتهم للكمالات البشريةِ قاطبةً فكأنهم هم الناسُ لا غيرُ" . اهــ

    ومنه أيضا :
    قوله تعالى : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)
    فالمقصود بــ : "الناس" : في الآية ، كل من عدا قريش ، فيكون ، أيضا ، من باب : العام الذي أريد به خاص ، ودلالته ، كما تقدم ، عهدية لأنه يدل على أفراد بعينهم من أفراد العموم الذي يدل عليه اللفظ بمادته ، وإن كانوا هم الأغلب ، ففي هذه الآية : عدد الأفراد الداخلين أكبر من عدد الأفراد الخارجين ، لأن العرب قاطبة أكثر عددا ، بلا شك ، من قريش بمفردها ، بخلاف "الناس" في المثالين السابقين ، إذ : عدد الأفراد الداخلين أقل من عدد الأفراد الخارجين ، فنعيم بن مسعود وأبو سفيان ، رضي الله عنهما ، يقابلان كل من يشملهم لفظ "الناس" ، فعددهم ، بلا شك ، أقل من عدد أفراد العام .

    وكذلك :
    قوله تعالى : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) ، فــ "أل" في "الناس" عهدية تدل على جماعة معهودة ، وهي : الجماعة المسلمة في عهد النبوة .

    بخلاف :
    "الناس" في مثل قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ، فهي جنسية استغراقية على بابها .

    و : (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فهو عام لا مخصص له ، فكل الناس واقف أمام الباري ، عز وجل ، لا محالة .

    والله أعلى وأعلم .


  14. #14
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    ومن ذلك أيضا :
    لفظ "الأرض" :
    فـــ : "أل" ، في "الأرض" في قوله تعالى : (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، جنسية استغراقية تفيد استغراق عموم ما دخلت عليه ، فهي بمعنى : "الأرضين" ، كما في حديث ابن مسعود ، رضي الله عنه ، مرفوعا : (يَا مُحَمَّدُ إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ ..............) ، والحديث عند البخاري ومسلم رحمهما الله .

    بخلاف "أل" في حديث الخصائص : (وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) ، فالأصل فيها أنها أيضا : جنسية استغراقية ، ويقوي ذلك أنها جاءت في معرض الامتنان ، والعموم مظنة الامتنان ، فإن تخصيص عموم المنة ينغصها ، ولكن هذا العموم قد خص بأدلة النهي عن الصلاة في أماكن بعينها كالمقبرة والحمام ، فصارت "أل" في "الأرض" : عموما أريد به خصوص بعينه ، وهو ما عدا الأماكن المنهي عن الصلاة فيها ، وهذا فيه معنى العهد الذي يتبادر إلى ذهن السامع الذي يعرف هذا الحكم .
    والسر في تخصيص عموم هذه المنة مع أن الأصل فيها ، كما تقدم ، العموم : أن التخصيص إنما ورد صيانة للتوحيد : حق الله ، عز وجل ، على العبيد ، فلما تعلق الأمر بحق الله ، عز وجل ، خص العموم ، كما ذكر ذلك حافظ المغرب : أبو عمر يوسف ابن عبد البر المالكي ، صاحب "التمهيد" ، رحمه الله .

    ومنه :
    "أل" في "الأرض" في قوله تعالى : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) ، فالمقصود أرض معهودة بعينها وهي : مصر ، كما ذكر ذلك القرطبي ، رحمه الله ، في تفسيره .

    و :
    "أل" في "الأرض" في قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا) ، فالمقصود أرض معهودة بعينها وهي : أرض باليمن ، كما أثر ذلك عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وعينها مجاهد ، رحمه الله ، بـــ : "أبين" ، كما ذكر ذلك القرطبي ، رحمه الله ، في تفسيره .
    ويرد على ذلك أنهما لم يقصدا تحديد هذه الأرض دون ما سواها ، فوصف "الجرز" : وهي الأرض التي قطع نباتها لعدم الماء أو لرعيه وإزالته ، يجري عليها وعلى غيرها ، فيكون قولهما من باب : التعريف بالمثال ، أو ذكر فرد من أفراد العموم ، وذكر بعض أفراد العام لا يخصصه كما قرر الأصوليون ، فالعموم المقيد بوصف عدم الإنبات أرجح في هذا الموضع من العهد .



    *****
    ومنه أيضا :
    "أل" في "الصلاة"
    فقد تكون جنسية كما في :
    قوله تعالى : (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) .
    وقد تكون عهدية كما في :
    قول المؤذن في صلاة الفجر : "الصلاة خير من النوم" ، فالمقصود صلاة معهودة بعينها وهي : صلاة الفجر بدليل عدم مشروعية هذا الذكر ، ويسميه الفقهاء : التثويب ، في غير أذان الفجر ، وورد عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، أنه خرج من المسجد لما سمع المؤذن يثوب في أذان الظهر إنكارا على فاعله ، فدل ذلك على اختصاصه بصلاة معهودة وهي ، كما تقدم ، صلاة الفجر .

    و :
    قول المؤذن في الإقامة :
    "قد قامت الصلاة" ، فهو يعني ، بداهة ، صلاة معهودة ، وهي الصلاة المقامة ، أيا كانت .

    و :
    قول المؤذن في صلاة الكسوف : "الصلاة جامعة" :
    فلا تقال إلا في صلاة الكسوف ، خلافا لبعض الشافعية ، رحمهم الله ، الذين أجازوا النداء بها في صلاة العيد قياسا على الكسوف بجامع : دعوة الناس إلى الاجتماع ، وأورد عليهم أنه أمر تعبدي ، ولا قياس في الأمور التعبدية لأن مبناها التوقيف .
    فالعهد فيها قاصر على صلاة الكسوف دون ما سواها .

    والله أعلى وأعلم .


  15. #15
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    ومن ذلك أيضا :
    قوله تعالى : (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) .
    يقول الفخر الرازي رحمه الله : "الصلح مفرد دخل فيه حرف التعريف ، والمفرد الذي دخل فيه حرف التعريف هل يفيد العموم أم لا ؟ والذي نصرناه في أصول الفقه أنه لا يفيده ، وذكرنا الدلائل الكثيرة فيه ، (وهذا خلاف قول الجمهور من الأصوليين الذين يرون عموم الاسم المحلى بــ "أل" الجنسية الاستغراقية) .
    وأما إذا قلنا : إنه يفيد العموم فها هنا بحث ، وهو أنه إذا حصل هناك معهود سابق فحمله على العموم أولى أم على المعهود السابق ؟ الأصح أن حمله على المعهود السابق أولى ، وذلك لأنا إنما حملناه على الاستغراق ضرورة أنا لو لم نقل ذلك لصار مجملاً ويخرج عن الإفادة ، فإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور فوجب حمله عليه ، (ويرد على ذلك أن اللفظ بين بنفسه فليس مجملا يحتاج إلى بيان كلفظ : "الصلاة" ، فلها شروط وأركان وواجبات وسنن ومباحات ومكروهات ومبطلات ......... إلخ بينتها السنة) .

    ويواصل ، رحمه الله ، فيقول :
    إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : من الناس من حمل قوله { والصلح خَيْرٌ } على الاستغراق ، ومنهم من حمله على المعهود السابق ، يعني الصلح بين الزوجين خير من الفرقة ، والأولون تمسكوا به في مسألة أن الصلح على الإنكار جائز كما هو قول أبي حنيفة ، وأما نحن فقد بينا أن حمل هذا اللفظ على المعهود السابق أولى ، فاندفع استدلالهم والله أعلم" . اهــ بتصرف .

    فجعل الفخر ، رحمه الله ، "أل" في "الصلح" : عهدية راجعة إلى الصلح المذكور قبلها ، فهي عنده من باب : "المعهود الذكري" إذ قد تقدم ذكره قريبا ، فحمله عليه عنده أولى من القول بالعموم .

    وقصر اللفظ العام على فرد بعينه : خلاف الأصل ، فالأصل في ألفاظ الشارع ، عز وجل ، العموم ، وكثيرا ما يعبر الأصوليين عن ذلك بقولهم : "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" ، فاللفظ العام على أصله ، وإن ورد على سبب خاص ، وإن احتمل التخصيص بهذا السبب ، فهو احتمال بعيد وإن كان جائزا ، فلا يصار إليه إلا مع قرينة قوية تؤيد ذلك ، فجعل الصلح هنا : صلح من خافت من بعلها نشوزا دون غيره من صور الصلح : قصر للفظ العام على صورة السبب الذي ورد عليه دون بقية صور الصلح ، وفي هذا إهدار لعموم لفظ "الصلح" ، والأصل في النصوص : الإعمال لا الإهمال فيعمل بعمومها ما أمكن ، وهذا من أوجه بلاغة نصوص هذه الشريعة التي توي ألفاظها القليلة المعاني الكثيرة ، فلا يعدل عن ذلك ، كما تقدم ، إلا بقرينة ترجح الخصوص ، وهو خلاف الأصل ، على العموم الذي هو الأصل في هذا الباب .

    وحتى الأصوليون الذين منعوا إفادة العموم بنفس مادة اللفظ ، لم يمنعوا إفادته بالقياس عليه ، فعموم العلة عندهم معتبر ، بخلاف من حملها على العهد فإنه يهدر المعنى الذي بني عليه الحكم ، بقصره على صورة بعينها .

    *****

    ومنه "أل" في "المنبر" في حديث عمر ، رضي الله عنه ، وفيه : ...... سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ : قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ..............

    فهي للعهد الذهني فهو منبر بعينه ، وهو : منبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما أشار إلى ذلك الحافظ ، رحمه الله ، في "الفتح" .

    ويلتحق به نحو حديث ابن عباس رضي الله عنهما : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ .

    *****

    ومنه قوله تعالى : (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) .
    فــ : "أل" في : "الحجر" للعهد الذهني فهو حجر بعينه كان موسى عليه الصلاة والسلام يحمله معه ، وقيل : ليس حجرا بعينه ، ورجحه أبو السعود ، رحمه الله ، في تفسيره ، فتكون "أل" : جنسية تفيد ماهية الحجر ، أي : اضرب حجرا من جنس الحجارة التي تقابلك أيا كان .

    *****

    ومنه لفظ "الإمام" ، فإنه إن أطلق في :
    باب السياسة كان دالا على ماهية من يتولى أمر الأمة .
    أو أطلق في باب الصلاة : كان دالا على ماهية من يؤم الناس في الصلاة .
    أو أطلق في العلم والديانة كان دالا على ماهية من يقتدى به .
    و "أل" في كلها : "جنسية" تفيد ماهية ما دخلت عليه ، وقد تفيد العموم بقرينة .

    ولكنه إن أطلق في علوم القرآن ، في مبحث : "جمع القرآن" تحديدا ، انصرف إلى معهود بعينه وهو : "مصحف عثمان رضي الله عنه" فصارت "أل" عهدية بهذا الاعتبار .

    والله أعلى وأعلم .


  16. #16
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 16812

    الكنية أو اللقب : الآداب

    الجنس : ذكر

    البلد
    المملكة العربية السعودية-الرياض

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : دكتوراه

    التخصص : النحو والصرف

    معلومات أخرى

    التقويم : 6

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل31/3/2008

    آخر نشاط:06-05-2014
    الساعة:10:47 PM

    المشاركات
    2,080

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبها مهاجر اعرض المشاركة
    وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته أيها الكريمان .

    وبالإضافة إلى ما تفضل به الأستاذ جمال :
    هناك عهد كنائي ، كما في قوله تعالى : (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) ، فهو كناية عن أمر استقر في أذهانهم ، وهو أنهم كانوا ينذرون الذكور لخدمة بيت العبادة دون الإناث ، فلما وضعتها أنثى ، اعتذرت بأن هذه خلاف ما عهدوه من نذر الذكور .

    والله أعلى وأعلم .
    عزيزي مهاجر
    لست أراها إلا ذهنية وإنما تختلف أحوال ذلك العهد.


  17. #17
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 16812

    الكنية أو اللقب : الآداب

    الجنس : ذكر

    البلد
    المملكة العربية السعودية-الرياض

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : دكتوراه

    التخصص : النحو والصرف

    معلومات أخرى

    التقويم : 6

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل31/3/2008

    آخر نشاط:06-05-2014
    الساعة:10:47 PM

    المشاركات
    2,080

    إضافة يسيرة

    قد يتوهم بعض الناس فيعد ما هي من قبيل العهد الحضوري من قبيل العهد الذكري، مثل:
    دخل علينا رجل فقال والدي أكرموا الرجل.
    فالعهد حضوري لا ذكري لأنهما وردتا في سياقين أحدهما الرواية والآخر مقول القول. وتأمل:
    دخل علينا رجل فأكرمنا الرجل.
    فالعهد هنا ذكري.


  18. #18
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    جزاك الله خيرا د . أبا أوس ، أيها الكريم ، على المرور والتعليق .
    التقسيم الاصطلاحي يبدو شديد التداخل ، فهي ، كما قلت : ذهنية ، لأن الذهن لا ينتقل من ظاهر الكناية إلى المراد منها إلا إن كان عنده تصور سابق عن مقصود المتكلم منها ، فهي أشبه ما تكون بالأمثال الجارية على الألسن ، فقد يفهم المصري من أمثال بلده ، التي تجري مجرى الكنى ، ما لا يفهمه المغربي ، لتداول المعنى وحضوره في ذهنه ، بخلاف المغربي ، الذي يجهل مرادات أهل مصر ، وإن كان يفهم لغتهم إجمالا ، والعكس صحيح ، فتلك كهذه .

    والعهد الذكري ، كما تفضلت ، يكون المعهود فيه قريب الذكر ، فلا يستدعي إلا مجرد إشارة إليه ، لقرب العهد به ، ولعل من أشهر شواهده القرآنية : "أل" في "الزجاجة" في قوله تعالى : (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ) ، فلم يفصل بين "أل" العهدية والمعهود الذي تدل عليه أي فاصل ، فالعهد قريب جدا ، بل يكاد يكون حاضرا ماثلا في ذهن القارئ أو المستمع .


    ومن الأمثلة التي تتعلق بالموضوع الأصلي لهذه المداخلات :

    قوله تعالى : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) :
    فإن : "الأشهر الحرم" تحتمل أحد معنيين :
    الأول : الأشهرَ الحرم المعهودة : رجب الفرد وذا القعدة وذا الحجة والمحرم ، فتكون "أل" : للتعريف .
    أو : "الأشهر الحرم" التي تقدم ذكرها في قوله تعالى : (فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) :
    فتكون "أل" للعهد الذكري ، لتقدم ذكرها ، وهي الأشهر التي أُجِل المشركون ممن لا عهد لهم ، أو لهم عهد أقل من أربعة أشهر ، إلى آخرها ، بخلاف من له عهد مؤقت بأكثر من أربعة أشهر ، فيوفى له عهده ، كما اختار ذلك جمع من المفسرين .

    وهذا اختيار ابن كثير ، رحمه الله ، إذ يقول :
    "والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه ، وبه قال مجاهد ، وعمرو بن شعيب ، ومحمد بن إسحاق ، وقتادة ، والسدي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله : { فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } [التوبة: 2] ثُمَّ قَالَ : { فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ } أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم فيها قتالهم ، وأجلناهم فيها ، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم ، لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر ، ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة الكريمة" . اهــ
    "تفسير القرآن العظيم" ، (4/53) ، طبعة الشعب .

    فإن في حملها على الأشهر الحرم المعهودة يلزم منه أن مدة سياحتهم في الأرض لن تتجاوز خمسين يوما ، لأن هذه الأذان ، أُذِنَ به يوم النحر ، فيكون بينه وبين نهاية المحرم : خمسون يوما : عشرون من ذي الحجة ، وشهر المحرم ، وهذا خلاف النص الذي قدر العهد بــ : أربعة أشهر .

    فحملها على المذكور سابقا أولى من هذه الوجه ، فتكون "أل" فيها للعهد الذكري .
    فضلا عن كون الأشهر الحرم المعهودة سيأتي ذكرها في قوله تعالى : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) ، فالقول بأن أشهر العهد المضروب في الآية الأولى هي نفسها : الأشهر الحرم في الآية الثانية حمل للكلام على التكرار توكيدا ، بخلاف حمل الأول : على معنى ، والآخر على معنى مغاير ، ففيه تأسيس لمعنى جديد ، وقد قرر أهل العلم في مواضع كثيرة : أن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التوكيد إذا احتملهما الكلام ، إذ الأصل في نصوص الشرع : تأسيس معان وأحكام جديدة ما أمكن ، فلا يصار إلى التكرار الذي لا يفيد إلا التوكيد إلا عند تعذر استنباط معنى جديد ، كما قال أهل العلم في مثل قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا) ، فإنه يحتمل :
    توكيد معنى الإيمان المذكور في جملة الصلة ، وتأسيس : الأمر بالثبات على هذا الإيمان ، فيكون فيه معنى زائد ، يحسن ترجيحه من جهة إفادته معنى جديدا لم يفده التوكيد المجرد .

    وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (أَسْلِمْ تَسْلَمْ ، أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْن) :
    فإن الأمر الثاني يحتمل توكيد الأول ، ويحتمل تأسيس أمر جديد بالثبات على الإسلام ، فيكون الأول : أمر بالإنشاء ، والثاني : أمرا بالثبات ، كما أشار إلى ذلك الحافظ ، رحمه الله ، في "الفتح" .

    *****

    ومنه أيضا :
    لفظ : "المدينة" ، في قوله تعالى : (قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ) .
    فإن "أل" في "المدينة" : للعهد الذهني ، وهي مصر ، فلا يمكن حملها على الماهية ، أو على معهود آخر غير مصر ، فإن فرعون لم يظهر إلا في مصر !!!! .

    وكذلك في قوله تعالى : (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) :
    "أل" للعهد الذهني ، فهي تشير إلى أرض الحجر التي بعث إليها صالح عليه الصلاة والسلام ، كما أشار إلى ذلك القرطبي رحمه الله .
    وقوله تعالى : (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا) : فإن هذه المدينة : مدينة بعينها هي : مدينة منف ، إحدى مدن مصر ، كما أشار إلى ذلك القرطبي رحمه الله .

    وكذلك "المدينة" في قوله تعالى : (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) ، فإن "أل" في "المدينة" هنا تفيد عهدا ذهنيا ، اختار جمع من المفسرين أنه مدينة "أنطاكية" ، المدينة المعروفة في بلاد الشام ، وخالف جمع آخر ، منهم شيخ الإسلام ، رحمه الله ، في "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" ، إذ المعروف أن أهل أنطاكية أسلموا لما بعث إليهم المسيح صلى الله عليه وعلى آله وسلم اثنين من أتباعه يدعوانهم إلى الحق ، بخلاف المدينة المذكورة في سورة يس ، فقد أُرْسِلَ إليها ثلاثة رسل ، يوحى إليهم ، فكذبوا ، فكان من أمرهم ما كان ، وعليه رجح أصحاب هذا القول أن هذه المدينة ليست أنطاكية ، وأن هذا البعث كان قبل زمن المسيح صلى الله عليه وعلى آله وسلم .


    بخلاف "المدينة" في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا) .
    فإن المدينة هنا هي : المدينة النبوية ، على ساكنها ، أفضل الصلاة والسلام ، فهي أشهر معهود تدل عليه "أل" في لفظة "المدينة" ، فإليها ينصرف العقل والقلب ابتداء ، إذا أطلقت ، وقد اصطلح النحاة على تسمية هذا النوع من الأعلام بــ : "العلم بالغلبة" ، ومثلوا بنحو قولك : "الكتاب" : علما على كتاب سيبويه رحمه الله ، وإلى ذلك أشار صاحب الألفية ، رحمه الله ، بقوله :
    وقد يصير علما بالغلبة ******* مضاف أو مصحوب "أل" كالعقبة
    يقول ابن عقيل ، رحمه الله ، شارحا :
    "من أقسام الألف واللام أنها تكون للغلبة ، نحو : "المدينة" ، و "الكتاب" ، فإن حقهما الصدق على كل مدينة وكل كتاب ، لكن غلبت "المدينة" على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، و "الكتاب" على كتاب سيبويه ، رحمه الله تعالى ، حتى إنهما إذا أطلقا لم يتبادر إلى الفهم غيرهما" . اهــ

    والله أعلى وأعلم .


  19. #19
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 16812

    الكنية أو اللقب : الآداب

    الجنس : ذكر

    البلد
    المملكة العربية السعودية-الرياض

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : دكتوراه

    التخصص : النحو والصرف

    معلومات أخرى

    التقويم : 6

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل31/3/2008

    آخر نشاط:06-05-2014
    الساعة:10:47 PM

    المشاركات
    2,080

    بوركت يا مهاجر لا مزيد على ما أفضت به وفصلت فاسلم ودم في رعاية من الله.


  20. #20
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-01-2020
    الساعة:07:05 AM

    المشاركات
    4,898
    العمر
    41

    وبوركت د : أبا أوس وسلمت ودمت في رعاية الله وجوزيت خيرا على المرور والدعاء أيها الكريم .

    ومن ذلك أيضا :
    قوله تعالى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) ، فإن "أل" في "اليهود" : عهدية تعود على قوم بعينهم ، فليس كل اليهود قال هذا القول الباطل ، بل إن جفاء الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، كان أصلا فيهم ، فخرج من خرج منهم عن طريقة القوم المطردة في الجفاء ، إلى طريقة النصارى في الغلو ، فمن طرف إلى طرف ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم .
    فيكون إطلاق لفظ "اليهود" في هذه الآية من باب : إطلاق الكل ، وإرادة البعض ، أو : إطلاق العام وإرادة الخاص ، فيكون من قبيل العام الذي أريد به خاص ، وإلى ذلك أشار القرطبي ، رحمه الله ، بقوله : "قوله تعالى : (وقالت اليهود) هذا لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص ، لأن ليس كل اليهود قالوا ذلك . وهذا مثل قوله تعالى : (الذين قال لهم الناس) . [ آل عمران : 173 ] ولم يقل ذلك كل الناس" . اهــــ
    "الجامع لأحكام القرآن" ، (8/100) .
    والعام الذي يراد به الخاص من صور المجاز عند من يقول به ، لأن عمومه غير مراد .

    وقد يقال بأن اللفظ ، وإن اختص بقوم بعينهم ، إلا أن الذم اللاحق بهم ، يلحق من سار على طريقتهم ، فلو وجد في زماننا من يغلو في العزير ، عليه السلام ، لانسحب عليه الحكم ، إما بنفس اللفظ ، وإما بالقياس عليه ، فكلا الطريقتين صحيحة في الاستدلال ، وإن كانت الأولى أرجح من جهة كون الأصل في الألفاظ ، بل والمعاني ، عند جمع من الأصوليين : العموم ، لا خصوص من نزلت فيه ابتداء .

    ومثل ذلك خطاب بني إسرائيل في القرآن ، في نحو قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، فالخطاب موجه إلى بني إسرائيل في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قياسا على أسلافهم ، فإن الميثاق لم يؤخذ منهم ، وإنما لزمهم باعتبار لزومه من قبلهم ، فإما أن ينسحب عليهم بنفس اللفظ إذ المعنى معلق على وصف : "اليهودية" فكل من دان بها لزمه ما لزم اليهود الأوائل ، وإما أن ينسحب عليهم قياسا على الأوائل ، وعلى هذا فقس .

    وفي آية الطور : عهد في "أل" في "الطور" ، أشار إليه الألوسي ، رحمه الله ، بقوله : "والطور قيل : جبل من الجبال ، وهو سرياني معرب ، وقيل : الجبل المعين" . اهـــ
    فإما أن يكون مكافئ لفظ "الطور" في لغة العرب : "الجبل" ، باعتبار ماهيته ، فتكون "أل" فيه : جنسية تفيد ماهية الصخر المتجمع ، فالمقصود جبل من الجبال بغض النظر عن عينه ، وإما أن تكون عهدية في جبل معين ، رفع فوقهم ، وهو جبل الطور في سيناء ، وهو الأقرب .

    ومنه قوله تعالى : (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)
    فإن "أل" في "الإنسان" : عهدية من جهة أن المقصود بــ : "الإنسان" هنا : الكافر ، فيكون ، أيضا ، من العام الذي أريد به الخاص ، وهذا من أدلة من قال بأن : "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" ، فالعام الوارد على سبب يعم كل من تحققت فيه صورة السبب ، فمناط العموم هنا : "وصف الجدل" ، وهو وصف قد يتحقق في آحاد المؤمنين بل في ساداتهم ، ولا يعني ذلك أنهم كفار لمجرد تلبسهم بأمر وقع فيه الكفار ، فإن الجدل أمر جبلت عليه نفوس البشر ، وإن امتاز الكفار بكونهم أكثر الناس جدلا ، ولهذا انصرف عموم لفظ "الإنسان" في الآية إلى إليهم .

    ولهذا استدل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذه الآية ، لما أيقظ عليا وفاطمة ، رضي الله عنهما ، ليصليا ، فقال علي رضي الله عنه : "يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا" . فَانْصَرَفَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ : { وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا } ، فلا يقول عاقل بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد مساواة علي ، رضي الله عنه ، بالكفار من كل وجه لمجرد أنه استدل في حقه بآية نزلت في الكفار ، وإنما أراد عليه الصلاة والسلام : عموم وصف الجدل .

    وهذا اختيار الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، رحمه الله ، في مذكرته في أصول الفقه على روضة ابن قدامة رحمه الله .


    ونظيره ما رواه مالك ، رحمه الله ، في "الموطأ" : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
    أَدْرَكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ حِمَالُ لَحْمٍ فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرِمْنَا إِلَى اللَّحْمِ فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا فَقَالَ عُمَرُ أَمَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ أَوْ ابْنِ عَمِّهِ أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ
    { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } .
    فهذه الآية ، أيضا ، في حق الكفار ، ومع ذلك لم يقل أحد بأن جابرا ، رضي الله عنه ، داخل فيها من كل وجه ، وإن صح استدلال عمر ، رضي الله عنه ، بعمومها من هذا الوجه بجامع وصف : تلبية كل رغبات النفس وعدم حجزها عن شهواتها ، وهو ما دل عليه لفظ عمر ، رضي الله عنه ، في رواية ابن أبي شيبة ، رحمه الله ، في مصنفه : "كلما اشتهيت شيئا اشتريته ؟" .
    وهذا أصل في إعمال عمومات النصوص ما أمكن ، فالأصل فيها ، كما تقدم ، العموم ، وإن وردت على أسباب أو أشخاص بعينهم .

    وفي الآية عهد آخر في "الناس" ، وهو من أشهر الألفاظ التي أريد بها العهد في الكتاب العزيز ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في مداخلة سابقة ، والمقصود به هنا : أهل مكة ، باعتبار أن السورة مكية ، كما أشار إلى ذلك أبو السعود ، رحمه الله ، في تفسير الآية التالية : (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا) ، بقوله : "{ وَمَا مَنَعَ الناس } أي أهلَ مكةَ الذين حُكيت أباطيلُهم" . اهـــــ
    ويقال هنا ، أيضا : هي خاصة بهم باعتبار السبب ، فدخولهم فيها قطعي لا يقبل التخصيص ، عامة في كل مكذب باعتبار المعنى ، إما بنفس اللفظ ، أو قياسا عليه ، وعموم اللفظ أرجح من القياس عليه .


    ومنه أيضا :
    قوله تعالى : (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) .
    فإن "أل" في "الظالم" هنا : عهدية ، إذ المقصود في الآية إما :
    "عقبة بن أبي معيط" ، عليه من الله ما يستحق ، الذي آذى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإيعاز من خليله الآثم : أمية بن خلف .
    وإما "الكافر" فيكون المقصود هنا ، نوعا من الظلم بعينه وهو : الكفر ، أعظم وأقبح أنواع الظلم ، فتكون "أل" عهدية في الكفر لا مطلق الظلم ، ويكون تفسير هذه الآية ، كتفسير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الظلم في قوله تعالى : (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) ، بالشرك في قوله تعالى : (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) .
    ويقال هنا ، أيضا ، بعموم لفظ الآية ، وإن وردت على سبب خاص ، كما اطرد في الآيات السابقة ، وإليه أشار الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، رحمه الله ، في "أضواء البيان" بقوله : "من المشهور عند علماء التفسير أن الظالم الذي نزلت فيه هذه الآية ، هو عقبة بن أبي معيط ، وأن فلاناً الذي أضله عن الذكر أمية بن خلف ، أو أخوه أبي بن خلف ، وذكر بعضهم أن في قراءة بعض الصحابة : "ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً" ، وهو على تقدير ثبوته من قبيل التفسير ، لا القراءة ، وعلى كل حال فالعبرة بعموم الألفاظ ، لا بخصوص الأسباب ، فكل ظالم أطاع خليله في الكفر ، حتى مات على ذلك يجري له مثل ما جرى لابن أبي معيط" . اهــ

    وقول الشيخ رحمه الله :
    "...................... "ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً" ، وهو على تقدير ثبوته من قبيل التفسير ، لا القراءة " ، إشارة منه إلى نوع من القراءة اصطلح أهل العلم على تسميته بـــ : "القراءة التفسيرية" ، كقراءة ابن مسعود ، وأبي ، رضي الله عنهما : "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غَصْبًا" ، وقراءة ابن عباس رضي الله عنهما : "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا" .

    فــ : "صالحة" وصف يصلح لتعليق علة الاستيلاء عليه ، وإلا صار عيبها : عبثا لا طائل منه ، إذ ما فائدة ذلك إذا كان الملك يستولي على كل سفينة سواء أكانت صحيحة أم معيبة ؟!!! ، فصار تقديره من قبيل : "دلالة الاقتضاء" ليتم المعنى باللفظ المقدر ، وصار حذفه من باب : "الإيجاز بالحذف" ، لدلالة السياق عليه ، ومثله قوله تعالى : (قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) ، أي : البين ، وإلا فهو قد جاء به ابتداء ، ولكنه خفي عليهم لتعنتهم وتكلفهم في السؤال .

    وكذلك قراءة ابن عباس رضي لله عنهما : "أمامهم" ، فــ : "الوراء" في الآية بمعنى : "الأمام" كما ذكر ذلك جمع من المفسرين ، لأنهم وفدوا على أرض ذلك الملك لا أنه كان يطاردهم ليصح حمل اللفظ على "الوراء" المعهود ، فيصير اللفظ بذلك من "الأضداد" التي تدل على المعنى وضده ، والسياق هو الذي يحدد المعنى المراد .

    فقراءة : "ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً" : يصح حملها على أنها قراءة تفسيرية بينت عين من نزلت فيه الآية ابتداء ، فهي إلى بيان سبب النزول أقرب منها إلى القراءة . أو يقال هي من باب : "التفسير بالمثال" ، فيكون ذكر "أبي" مثالا يفسر عموم "الظالم" ، فيقاس عليه أمثاله ، ولا يختص اللفظ به ، لأن ذكر بعض أفراد العام على سبيل التمثيل لا يخصصه كما قرر الأصوليون .

    ومثله : ما رواه الحاكم ، رحمه الله ، في "مستدركه" من طريق : مسروق ، قال : قرأت عند عبد الله بن مسعود : (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله) قال : فقال ابن مسعود : إن معاذا كان أمة قانتا . قال : فأعادوا عليه فأعاد ، ثم قال : أتدرون ما الأمة ؟ الذي يعلم الناس الخير ، والقانت الذي يطيع الله ورسوله .
    وهو عند الطبراني ، رحمه الله ، في "معجمه الكبير" ، وفيه اختلاف ليس هذا موضع بيانه .
    فإن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، استدل بعموم المعنى ، فذكر معاذا ، رضي الله عنه ، لتحقق وصف "الأمة" فيه ، لا أنه قصد تبديل القراءة ، فيكون ذكره لمعاذ ، رضي الله عنه ، من باب ذكر فرد من أفراد العام ، فلا يخصصه ، على التفصيل المتقدم ، فإن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، ما قصد إلا بيان فضل إمام العلماء : معاذ رضي الله عنه .

    وهذه القراءات ، بطبيعة الحال ، تحمل على أنها موقوفات على من رويت عنهم ، فلم تثبت قرآنا ، لأن أصحابها ، لم ينسبوها إلى القرآن أصلا ، فتجري مجرى التفسير ، كما تقدم ، ولو نسب القارئ قراءة كهذه إلى القرآن بسند آحاد ، فالأصوليون مجمعون على أنها لا تثبت قرآنا ، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ، فتحمل على أنها خبر آحاد ، يحتج به ، على الراجح من أقوال أهل العلم ، في الأحكام الشرعية ، ولا تجوز قراءته قرآنا ، فلا تنعقد به صلاة ، ولا يثاب قارئه ثواب قارئ القرآن ، وإلى هذا التفصيل جنح الماوردي رحمه الله . وبه تزول شبهة من تعلق بهذه القراءات التفسيرية أو الآحادية ليثبت وقوع التبديل في آي الكتاب العزيز ، وما درى المسكين أن ما يستدل به ليس داخلا في حد القرآن أصلا ، لعدم تواتر نقله !!!! .

    وفي الآية ، أيضا ، عهد ذكري ، في لفظ : "السفينة" في قوله تعالى : (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) ، لتقدم ذكرها في قوله تعالى : (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) ، بخلاف العهد في قوله تعالى : (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) ، فهو عهد ذهني في سفينة نوح عليه الصلاة والسلام إذ لم يتقدم ذكرها في السياق الذي وردت فيه .

    ومنه أيضا :
    "الأعمى" ، في قوله تعالى : (أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) ، فــ : "أل" فيه لمعهود ذهني هو : عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه .
    بخلاف "أل" في "الأعمى" في قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ) ، فهي جنسية استغراقية لعموم من ابتلي بعلة العمى .

    ومن ذلك أيضا :
    الألقاب التي صارت أعلاما على أصحابها كــــ :
    الصديق ، والفاروق : فقد نزلا منزلة العلم الدال على شخص شيخي قريش : أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، فصح وقوعهما عطف بيان ، مع كونهما مشتقين ، والأصل في عطف البيان أن يكون جامدا ، لأنهما نزلا منزلة العلم ، والعلم من الجوامد التي يصح وقوعها عطف بيان .

    ومثله :
    الأعرج : علما على الراوي الشهير : عبد الرحمن بن هرمز ، رحمه الله ، الذي يروي عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، وقد عد أهل العلم : ترجمة : أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة من أصح الأسانيد ، لاسيما إن كان الراوي عن أبي الزناد : "مالكا بن أنس" رحمه الله .
    و : الأعمش : علما على الراوي الشهير : سليمان بن مهران ، رحمه الله ، وهو من أئمة الحديث في الكوفة .
    والأخفش : علما على أبي الحسن ، رحمه الله ، النحوي الشهير ، وإن اشترك معه غيره في هذا اللقب ، ولكنه ينصرف إليه أول ما ينصرف .
    والأعشى : علما على الشاعر المشهور : "أعشى قيس" .
    وهكذا في بقية الألقاب المحلاة بـــ : "أل" التي صارت أعلاما على أشخاص بعينهم فينصرف الذهن إليهم أول ما ينصرف عند سماعها ، فتحقق فيها معنى العهد من هذا الوجه .

    والله أعلى وأعلم .


الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •