ماهية الجملة
دكتور
أسامة عبد العزيز جاب الله
كلية الآداب – جامعة كفر الشيخ
الجملة هي الأساس الذي تقوم عليه الدراسة النحوية ، ودراستها هي الهدف الحقيقي من هذه الدراسة ، وهي الوحدة التي يتألف منها كل كلام ، كما أنها المركب الذي يحمل في ثناياه فكرة تامة ، وهي الوسيلة التي يعبر بها المتكلم عما في نفسه من أفكار ، فهي وسيلة نقل هذه الأفكار إلى الناس . فكل كلام ليس إلا مجموعة من الجمل المفيدة ، والجملة المفيدة في اللغة العربية على نوعين هما :جملة اسمية ، وجملة فعلية ، ولكل نوع ركنان أساسيان لا يمكن الاستغناء عنهما ، ولا يتم معنى الجملة إلى بهما معاً . وما عدا هذين الركنين فهو فضلات ، أو مكملات ، لكل منها وظيفتها التي توضح المعنى الأساسي في الجملة أو تفصله ، أو تحدده ، أو تخصصه تخصيصاً دلالياً .
ومع أن دراسة الجملة هي غاية النحو ، إلا أن حظها من عناية النحاة كان قليلاً ، إذ لم يخصصوا لها أبواباً مستقلة ، وإنما عرضوا لها في ثنايا بحثهم موضوعات أخرى مثل ؛ الخبر الجملة ، والنعت الجملة ، والحال الجملة .
وقد استعملت (الجملة) من قبل النحاة بمعنىً اصـطلاحي مرادف للكلام في القرن الثالث الهجري ، ولعلّ المبرّد أوّل من استعملها بهذا المعنى في مواضع متفرّقة من كتابه (المقتضب) ، حيث قال : " وإنّما كان الفاعل رفعاً ؛ لأنه هو والفعل جملة يحسن السكوت عليها وتجب بها الفائدة " ( ) .
ويقول الفارسيّ ( ت 377 هـ) في تعريفه الموجز للجملة أنها : " ما ائتلف من هذه الألفاظ الثلاثة [ الاسم والفعل والحرف ] كان كلاماً ، وهو الذي يسمّيه أهـل العربيّة : الجمل " ( ) .
وربّما كان الرمّاني من أوائل من عرّفها أيضاً بقوله : " الجملة هي المبنيّة من موضوع ومحمول للفائدة " ( ) . وهو تعريف يـمنحها مضموناً مماثلاً لمضمون الكلام اصطلاحاً .
ويساوي ابن جنّي بين الكلام والجملة إذ يقول : " أمّا الكـلام : فكل لفظ مستقلّ بنفسه مفيد لمعناه ، وهو الذي يسمّيه النحويّون : الجُـَمل " ( ) .
وقد درج على استعمالها بهذا المعنى جمع مـن النحاة كعبد القاهرالجرجاني ( ) ، والزمخشـري ( ) ، وابن الخشّاب (ت 567 هـ) ( ) ، وأبي البقاء العـكبري ( ) ، وابن يعيش ( ) . وجاء ابن مالك فصرّح بالفرق بيـن الجملة والكلام ، إذ عرّف الكلام بقوله : " الكلام ما تضمّن من الكلم إسناداً مفيداً مقصوداً لذاته " ( ) .
وقد أراد بقيد ( لذاته ) إخراج ما هو مقصود لغيره كجملة الصلة ( ) ، نحو: ( جاءَ أبوه ) ، من قولنا : ( جاء الـذي قام أبوه ) ، فهي جملة وليست كلاماً ؛ لاَنّ الإسناد فيها " ليس مقصوداً لذاته ، بل لتعيين الموصول وتوضيحه ، ومثلها الجملة الخبرية والحالية والنعتيّة " ( ) ؛ إذ لم تقصد لذاتها ، بل لغيرها ، فليست كلاماً ، بل جزء كلام .
وذهب الرضي هذا المذهب أيـضاً فقال: " والفرق بين الجملة والكلام : أنّ الجملة ما تضمّنَ الإسناد الأصلي ، سواءً كانت مقصودة لذاتها أو لا ... فكل كلام جملة ولا ينعكس " ( ) .
وقد عرّف ابن هشام الكلام والجملة للتفرقة بينهما ، فقال في تعريف الكلام : " هو القول المفيد بالقصد . والمراد بالمفيد ما دلّ على معنى يحسن السكوت عليه " ( ). أما تعريف الجملة فيرى أنها " عبارة عن الفعل وفاعله ، كـ(قام زيدٌ) ، والمبتدأ والخبر كـ( زيد قائم ) ، وما كان بمنزلة أحدهما نحو : ضُرِبَ اللصُّ ، وأقائم الزيدان ، وكان زيدُ قائماً ، وظننته قائماً " ( ).
ويتابع ابن هشام النحويين في التفرقة بين الكلام والجملة ، فقد قال بعد تعريف كلّ من الكلام والجملة : " أنهما ليسا مترادفين ... والصواب أنّها أعمّ منه ؛ إذ شرطه الإفادة بخلافها " ( ) ، " فكلّ كلام جملة ولا ينعكس ، ألا ترى أنّ نحو ( إنْ قام زيد ) من قولك : ( إنْ قام زيد قام عمرو ) يسـمّى جملة ولا يسمّى كلاماً " ( ) .
وتابعهم السيوطي قائلاً: " وعلى هذا فحدّ الجملة : القول المركّب ، كما أفصح شيخنا العلاّمة الكافيچي ، لكنه قد عدل عن هـذا واختار ( الترادف ) . قال : لاَنّا نعلم بالضرورة أنّ كلّ مركّب لا يطلق عليـه الجملة ، وسبقه إلى اختيار ذلك ناظر الجيش وقال : إنّه الذي يقتضيه كلام النحاة ، قال : وأمّا إطلاق الجملة على ما ذكر من الواقعة شرطاً أو جواباً أو صلة ، فإطلاقٌ مجازيّ ؛ لاَنّ كلاًّ منها كان جملة قبل ، فأُطلقت الجملة عليـه باعـتبار ما كان ، كإطلاق اليتامى على البالغين ؛ نظراً إلى أنّهم كانوا كذلك " ( ) .
وعليه فالجملة في خالص أمرها هي كل كلام يحسن السكوت عليه ، أي تحصل منه الفائدة ، ويدلّ على معنى . وعليه فإن جملة الصلة ، وجملة الشرط ، وجملة الجواب ، كل ذلك ليس مفيداً لعدم تمام الفائدة منه ( ) .
فالجملة تتشكل وفق مفهوم الإسناد المفيد لمعنى، فإذا تم بالمسند والمسند إليه تمت الجملة، وقد يستدعي أحدهما أو كلاهما كلاماً آخر لإتمام المعنى ، يقال له الفضلة ، وربما يحتاج ذلك كله إلى أدوات تسمى أدوات الربط . ولهذا فالكلام هو القول المفيد بالقصد . والمراد بالمفيد ما دل على معنىً يحسن السكوت عليه . فإذا لم يُفِد معنىً تاماً مكتفياً بنفسه فلا يسمى كلاماً .
والجملة كما قال د. إبراهيم أنيس: " أقل قدر من الكلام يفيد السامع معنىً مستقلاً بنفسه ؛ سواء تركب هذا القدر من كلمة واحدة أو أكثر " ( ) . وإلا فلا تسمى جملة مفيدة ولا ينطبق عليها تعريف الكلام . ونلحظ في بناء الجملة تقدم الذات الفاعلة على أنها ( المسند إليه ) دائماً ؛ والذات أبداً تأتي اسماً ثابتاً في حين أنّ الفعل متغير ؛ بمعنى أن الذات سبقت الحدث في الوجود . ولهذا قُدِّمت الجملة المسبوقة بالاسم على الجملة المسبوقة بالفعل عند البلاغيين ، وأهل اللغة في إطار المسند والمسند إليه ، ولا عبرة للفضلة في تقسيمها ، أو لأدوات الربط بينها وبينهما .
والجملة إما أن تكون جملة اسمية أو جملة فعلية ؛ في حين قسمها ابن هشام باعتبار صدرها إلى ثلاثة أقسام ؛ فما صدرها اسم هي جملة اسمية ، وما صدرها فِعْل هي جملة فعلية ؛ وما صدرها ظرف هي جملة ظرفية ( ) . وزاد الزمخشري الجملة الشرطية ( ) . واستنكر ابن هشام الجملة الشرطية وردَّها إلى الفعلية ؛ وذلك تبعاً لتقدير المعنى في الكلام ( ) . فإن قولنا : أعندك زيدٌ ؟ وقدرنا الكلام ( بكائن أو مستقر ) ، فالجملة اسمية ؛ ويعرب زيد ( مبتدأ ) ؛ وإن قدرناه فاعلاً لفعل محذوف تقديره (استقر) فالجملة فعلية. ويقاس على ذلك كل كلام يحتاج إلى تقدير سواء صُدِّر بظرف أم غيره .
أما الفضلة فهي اسم يذكر لتتميم معنى الجملة ( المكونة من المسند والمسند إليه ) إذا لم يتم بهما معنى مفيد . وقد يلزم التركيب وجود أدواتٍ تربط أجزاء الجملة كالشرط والقسم والاستفهام والتمني والترجي . وتقع الأدوات حرفاً واسماً ، وتسمى أدوات الربط .
وبناء على ذلك كله تنقسم الجملة إلى قسمين : ( الاسمية والفعلية ) ، باعتبار ركنيها فقط ؛ وسنوضح ذلك في إطار مفهوم البلاغة لا النحْو :
أ ـ الجملة الاسمية :
هي كل جملة تصدَّرت باسم ، ووضعت لإفادة ثبوت المسند للمسند إليه ؛ أو استمراره بالقرائن الدالة عليه ؛ أو الثبوت أو الاستمرار معاً . ولها عدة أشكال تتوارد عليها منها : المبتدأ والخبر؛ والاسم والخبر مع إن وأخواتها ، ولا النافية للجنس ، واسم الفعل ( ) .
والأصل في الخبر أن يأتي نكرة مشتقة في ذلك كله ، وقد يأتي جامداً ؛ نحو : ( هذا حَجَرٌ ) . وكذلك الأصل في الجملة الاسمية أن تدل على الثبات ودوامه كقولنا : ( الشمسُ مضيئةُ ) ، أو كقولنا : ( الماءُ تجمُّدُهُ في درجة الصفر ) . فالمبتدأ مسند إليه لأنه لم يسبقه عامل ، وهو الشمس ، والخبر أسند إليه (مضيئة) ، وتمت به الفائدة . والإضاءة ثابتة لها على الدوام والاستمرار في الفعل ؛ وكذا التجمد . فالجملة الاسمية تفيد الاستمرار بالقرائن إذا لم يكن في خبرها فعل ؛ نحو : ( العلمُ نافعٌ ) ، فالعلم نفعه مستمر - هذا هو الأصل فيه- والسياق لا ينكره كما أن المنطق والعقل لا ينكره . وعليه قوله تعالى في وصف رسول الله  :  وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ  ( ) . فهذه الصفة من الخُلُق الكَريم مقترنة على الدوام بذكر رسول الله ؛ ومدعاة لتمثلها من قبل الناس أجمعين .
ويطلق على هذا النمط من الاستمرار الاستمرارُ التجددي الذي يعرف كثيراً باستخدام الجملة الاسمية للقرائن فيها كما في قول النَّضْر بن جُؤَيَّة يتمدَّح الغنى والكرم ( ) :
لا يألف الدرهمُ المضروب صُرَّتَنا لكنْ يمرُّ عليها؛ وهو منطلقُ
فالشاهد قولـه : ( وهو منطلق ) فالدرهم لا يستقر عنده ؛ لذلك فهو باستمرار ينطلق كرماً وإغاثة للمحتاجين . وقد قدَّم السياق القرائن الدالة على ذلك ، وعليه قوله تعالى:  وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ( ) . فالأخذ على يد المجرم حياة للمجتمع واطمئنان له.
وقد يكون السياق في معرض ذم يراد به الاستمرار والثبوت معاً كما في قوله تعالى :  إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ  ( ) ، فالشاهد ( وهو خادعهم ) ؛ فالسياق أن المخادع ما يخدع إلا نفسه ، ولن يوقعه فعله إلا في الشرور على الدوام والثبات ، ولهذا كان الفعل ( يخادعون ) مفيداً للتجدد مرة بعد مرة ، ولم يقيد بزمن وإن كانت صورته صورة المضارع ، فقوَّى المعنى في ( خادعهم ) .
وأما إذا كان خبر الجملة الاسمية جملة فعلية فإنها تفيد لفت السامع إلى حدوث الفعل مجدداً في زمن ما ؛ وصار على وجه الثبات كقولنا : ( زيدٌ سافرَ ) . وهذا مغاير تماماً لقولنا : ( سافرَ زيدٌ ) ، فهنا زيد لم يسافر إلا مرة واحدة في وقت مضى ، فالزمن الماضي المخصوص بالسفر محدد . وكذا نقول في الزمن المضارع (الحاضر) فهو مخصوص بوقت ما وإن تضمن معنى التجدد والاستمرار من بعدُ ، نحو : ( زيدُ يدرسُ ) ، و( محمدٌ يأكلُ ) ، فالفعل ليس على جهة الدوام الأزلي ، أو الثبات المطلق . فقد يأتي وقت لا يدرس فيه زيد ، ولا يأكل فيه محمد ( ) .
ومن الشواهد الشعرية على الحَدَث الذي جرى في الزمن الماضي المخصوص ما قاله المتنبي لسيف الدولة في تكثير حساده ؛ ( أنت الذي صيرتهم ) ، وخاطبه بصيغة الأمر في مطلع البيت بقوله ( ) :
أَزِلْ حَسَدَ الحُسَّاد عني بكبْتهم فأنتَ الذي صَيَّرْتَهم لي حُسَّدا
ب ـ الجملة الفعلية :
هي كل جملة صدرها فعل ، وتوضع لإفادة الحدوث في زمن مخصوص كالماضي والمضارع مع الاختصار ؛ أو تفيد الاستمرار التجددي إذا دلت عليه القرائن . ولها أشكال تتوارد عليها منها : الفعل التام مع فاعله أو نائبه ، والفعل الناقص مع الاسم والخبر ؛ والفعل اللازم والمتعدي ؛ والجامد والمتصرف . فمن الجمل التي تفيْد الحدوث في زمن مخصوص قولنا : ( وَصَلَ زيدُ إلى المدينة ) . فالمتكلم أراد إفادة السامع بأن زيداً وصل في الزمن الماضي . ويصبح هذا الزمن أكثر خصوصية ؛ إذا قلنا : ( وَصَلَ زيدٌ إلى المدينة مساءً ) . أما إذا قلنا : ( يَصِلُ زيدُ إلى المدينة ) فالزمن مخصوص بالحاضر لا الماضي . وقد يفيد الفعل سواء كان ماضياً أم مضارعاً التجدد والاستمرار إذا وجدت القرائن ؛ كقوله تعالى :  كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  ( ) ، فالخيرية ما زالت مستمرة دوام تجدد هذه الأمة وبقاء البشرية على الأرض . وعليه قوله تعالى :  لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ  ( ). أراد : لو استمر في إطاعتكم وقتاً بعد وقت لحصل لكم مشقة وَعَنَتٌ .
وكلما زاد القيد زادت الخصوصية ؛ ومن ثم زادت الفائدة بزيادة الخصوصية . ويرى د. شوقي ضيف أن لواحق الجملة الاسمية التي جاء خبرها فعلاً تزيد على الجملة الفعلية ، فكل ما يحمله الفعل من لواحق تحمله الجملة الاسمية معه ، كقولنا : ( زيدٌ كتبَ مقالةً كتابةً حسنةً ) ( ) . ومن لواحق الجملة الاسمية التوابع كالنعت والعطف والبدل والتوكيد .
وهذا كله جعل علماء المعاني لا يتبعون خطوات النحويين كلها فتراهم يقسمون الجملة إلى جملة رئيسية وجملة غير رئيسية . فالرئيسية ما لم تكن قيداً في غيرها ؛ وغير الرئيسية ما كانت قيداً في غيرها وليست مستقلة بنفسها . ويخلصون من ذلك إلى أن المسند والمسند إليه ركنا الجملة وكل ما عداهما يعد زائداً عليها ، وهو من القيود التي تقدم فائدة ما تبعاً لنوع القيد وطبيعته . وبناء على ذلك كله فأقسام المسند والمسند إليه أربعة ؛ هي :
1 ـ أن يكون المسند والمسند إليه كلمتين حقيقة ، نحو : ( زيدٌ قائمٌ ) .
2 ـ أو أن يكونا كلمتين حكماً ؛ نحو : (لا إله إلا الله) ؛ فقائلها ينجو من النار ؛ لأنها تعني ؛ توحيدُ الله نجاةٌ من النار .
3 ـ أو أن يكون المسند إليه كلمة ( حكماً ) والمسند كلمة ( حقيقة ) كالمثل المشهور : تسمع بالمُعَيْدِي خَيرٌ من أن تراه ؛ أي : سماعُكَ بالمعيدي خَيْرٌ من رؤيته ( ) .
4 ـ أو أن يكون المسند إليه كلمة ( حقيقة ) والمسند كلمة ( حكماً ) كقولنا : ( الأميرُ يحكمُ بالعدلِ ) .
فالحقيقة في المسند أو المسند إليه أن تكون ثابتة لا تؤول ولا تقدَّر ؛ بينما الحكم فيهما يقدَّر ؛ أو يؤول على النحْو الذي يحتاج إليه أي منهما ، أو كلاهما مع تمام الفائدة في المعنى .
ومن المهم هنا أن نسوق ما أثبته د. صلاح فضل حول مفهوم البلاغيين الغربيين للتغير التركيبي في الجمل الناجم عن النَّحو سواء كان النَّحو التحويلي أو الاتجاه الوظيفي في اللغة . فالوصف النحوي المنطقي لا يستبعد القيم الدلالية . ونعتذر - مسبقاً- عن طول النص المقتبس إذ لا مناص لنا من ذكره كاملاً . يقول : " إن ترتيب الكلمات في معظم اللغات المعروفة يستجيب لعوامل عدة طبقاً لمنطق المعنى ، كما يستجيب لتتابع الأفعَال طبقاً لترتيب الأحداث الزمني . ويجعل الأولوية للفاعل على المفعُول ؛ فهو بطل الرسالة ، إلى غير ذلك من المراتب المحددة . وهذا يعني كما يقول البلاغيون الجدد أنه بدون أن نتخلى عن تمديد التغيرات التركيبية طبقاً للمنظور التوزيعي (distributionnel) لا ننسى أنها تعمل بطريقة ملائمة لارتباط المحتوى بالتعبير . وهنا يطرح هؤلاء الباحثون سؤالاً أولياً عن درجة الصفر النحوية موازياً لما أشرنا إليه من قبل عن درجة الصفر البلاغية . ويقولون : إنه بدون الدخول في مناقشات مطولة عن الجملة والعبارة وقواعدها فإن علينا أن نقيم نموذجاً بسيطاً مقبولاً من غالبية الباحثين يخدم هدفنا كمنطلق أولي . ويرون أن درجة الصفر النَّحْوَية يمكن أن تنحصر في اللغة الفرنسية- ومثلها في ذلك العربية بشكل عام- في وصف عملي لما يطلق عليه ( الحد الأدنى من الجملة التامة ) ويتكون من وحدتين إحداهما اسمية والأخرى فعلية ، ومن ترتيبهما ، بل يكون مبتدأ و خبراً ، أو فعلاً وفاعلاً ، ومن التوافق الضروري بين علاميتهما . هاتان الوحدتان تعرفان تركيباً بسيطاً يتمثل في حضور اسم معرف وفعل محدد الزمن والشخص والعدد . وسواء كان الأمر يتعلق بالمنظور البلاغي أو النحوي فإن ترتيب الكلمات هو المظهر الرئيسي للتركيب وما ينجم عنه من مسائل التقديم والتأخير . وعندما يتلاعب الشاعر بالجملة العادية ليجري على نظامها عشرات التحويلات فإنه يعطينا فكرة واضحة عن التنويعات المختلفة التي يقدمها توزيع الوحدات بعناصرها العديدة . ولا يمكن أن تكون هذه التنويعات دون جدوى . وربما يكون من المثمر على المستوى البلاغي أن نقيم تمييزاً بين النظام العقلي والنظام العاطفي للكلمات " ( ) .
فنقطة الصفر البلاغية تتمثل في الحد الأدنى للجملة المكونة من المسند والمسند إليه في العربية ، ثم تأتي التنوعات في الفضلة والأداة لتزيد فيهما تنوعاً آخر ، وتُحَوِّل الشكل المعياري إلى شكل بلاغي مثير . فالجملة الصغيرة المكونة من الحد الأدنى ( المسند والمسند إليه ) على قيمة الانزياح اللغوي فيها تبقى ذات عناصر أولية مكونة للجملة البلاغية ؛ في حالة التقديم والتأخير ، والحذف والذكر والفصل والوصل . وهو عينه الذي انتهى إليه عبد القاهر الجرجاني فسبق به (جاكبسون) وأمثاله كما تحدث عنهم د. صلاح فضل . فعلم الدلالة البنيوي الحديث ؛ على إصلاحه للنظم المعيارية التراكمية ظل متصلاً بالدرس البلاغي والدلالي الذي نشأ في مفهوم الجملة نحوياً وبلاغياً عند العرب ، وإن عمد أصحابه الجدد إلى وصف العمليات البلاغية " باعتبارها تحولات أو انحرافات تتضمن تصورات عديدة " ( ) ، وتوحي بنظريات متطورة ابتعدت كثيراً عن الأصل .
وهنا لا يفوتنا أن نشير إلى نزعة الاقتصاد في أساليب القول التي فَضَّلتها العربية ، والتي تقوم على أركان عديدة . وفيها تميل العربية إلى التقليل من الفضلة والأدوات إلا إذا اقتضتها البلاغة ، واحتاجت إليها الدلالة . وإضافة أي كلمة إلى المسند أو المسند إليه في الاستهلال أو الوسط أو الختام إنما يكون لاستيفاء العناصر التي تشكل الجملة البلاغية المفيدة . ومن هنا يصبح لترتيب الكلمات في أشكالها النحوية ثم البلاغية غايات كبرى في الدلالة والتأثير . وبهذا الترتيب تتنوع أساليب البلاغة العربية ، فضلاً عن تنوعها بسبب تنوع الكلمة وبنيتها . فالتوزيع في التركيب النَّحْوي ليس إلا شكلاً بلاغياً في الجملة العربية ؛ ويتفاوت أصحابه بمدى قدرتهم على امتلاك هذا النسق اللغوي البلاغي في الإمتاع والإفادة . وهو نسق مليء بالمجازات البلاغية والعلاقات الدلالية .
ولم يأت دو سوسيير بشيء كثير في حديثه عن نظام الجملة اللغوية ونسقِها عما هو موجود في العربية ؛ وإن اخترع نظام العلاقات اللغوية القائم على محورين : أحدهما استبدالي ، والآخر تركيبي ، وبهما تكتسب كل كلمة قيمتها ودلالتها من نظام وضعها في إطارهما وعلاقاتهما . وما تفعله اللغة الأدبية هي أنها تقوم بتكثيف وتوظيف هذه الممارسات المجازية ، مما يجعل الاستبدال فيها أصعب منالاً وأعز طلباً . وذلك نتيجة لتوخي العلاقات البعيدة ، أو لارتباطها بمنظومات قيَميَّة ثقافية ليست في متناول الجميع ( ).
ولعل هذا الكلام الجميل يعد إنجازاً في ذاته حين أدرك طبيعية الجملة الثابتة ؛ وعبر عنها بـ( التركيبي ) وهو يقابل في العربية ركني الجملة ( المسند والمسند إليه ) ، ويقصر عنهما لما يمتلكانه من خصائص أسلوبية في العربية ؛ وكذلك حين أدرك طبيعة الجملة المتغيرة بما يلحقها من تحولات في المحور الاستبدالي . وهذا كله موجود في لواحق المسند والمسند إليه في العربية من الفضلة والأدوات ، فضلاً عن التبدُّل الذي يطرأ على ترتيب المسند والمسند إليه ، وتعريفهما ، أو تنكير أحدهما . وأسلوب الجملة في نهاية المطاف لغةً ، ولكنه لغة ذات نظام خاص .
وقد تحدث علماء العربية عن ذلك ابتداءً بسيبويه واللغويين وليس انتهاء بالجرجاني والبلاغيين جميعاً . ورأوا في أسلوب الجملة مستويين المستوى الحقيقي المباشر للدلالة ، والمستوى البعيد غير المباشر وفيه تتكثف دلالات رمزية كثيرة ، وتتغير طبيعة المستويين بتغير الإضافات ونمط التأليف وتناسبه .
إن المتغيرات الأسلوبية في الجملة ترتبط بالصوت والتركيب والدلالة ، وهذا كله مما عُنِيَ به في البلاغة العربية ، والنحْو العربي وصرفه . فكل شكل يظهر للجملة يمكن أن يتخذ وجوهاً عدة نتيجة التحولات التي تطرأ عليه بدخول الفضلة والأداة ، فحين نقول : ( محمدٌ رسولُ الله ) ؛ فإن دلالة هذه الجملة تختلف عن دلالتها لو قلنا : ( ما محمدٌ إلا رسولٌ ) . وكذا الأمر حين نقول : ( ذهبَ محمدٌ ) ؛ فهذا غير قولنا : ( أينَ ذهبَ محمدٌ ؟ ) ، فأي أداة أو فضلة لا تترك طبيعة التركيب ثابتة في العربية . فالجملة الأولى جملة خبرية، والثانية إنشائية . فبلاغة الجملة العربية منذ وجود العربية ليست سكونية جامدة ، وإنما تتجسد كائناً إبداعياً يتجاوز الظرف الوصفي ، وتربو فوقه إلى إبداعية خالصة نابعة من تجلياتها الشاملة لكل مستوياتها .
وعليه فالجملة البلاغية العربية في خالص صورها تستند إلى عناصرها المرتبطة بالكلمة ثم بالجملة . في وحداتها المعنوية الصغرى ، ولو اتصلت بالسياق النصي فهو سياق مرتبط بالفضلة والأداة . فمفهوم البلاغة وإن راعى مقتضى الحال والمقام عند المتكلم والمخاطب ظل مشدوداً - كما قلنا من قبل- إلى نزعة الاقتصاد اللغوي والبلاغي ، فالبلاغة الإيجاز عند العرب . لهذا لا تنظر البلاغة العربية إلى النص المتكامل باعتباره وحدة بنيوية عضوية متعاونة. ولا يعيبها أنها بنيت على ذلك التصور لأنها نتيجة فطرية طبيعية وحتمية للبنية الفكرية والنفسية والاجتماعية للذهنية العربية الأصيلة المتجذرة بالاعتزاز الذاتي الفردي ؛ وإن اعتز الفرد منهم بجماعته .
لهذا يصبح اختيار الصورة اللغوية في حالة الأشكال البلاغية رفضاً مطلقاً للوضوح المباشر الذي يميز العلاقات اللغوية الثابتة في نظام (دي سوسيير) التركيبي . وتغدو الوظيفة البلاغية متنوعة وثرية بثراء أساليب البلاغة العربية ؛ بحيث لا نجد نظائر لها في أية لغة من لغات الأمم الحية . ولا يمكن للبلاغي أن يتجاوز تلك الإشارات الهامة للجملة عند بعض الباحثين الغربيين أمثال ( جوليا كريستيفا ، وجيرار جينيت ، وتودورف ، ورولان بارت) ، وقد تخطت إشاراتهم عالم الأسلوبية إلى ما بعدها . فالجملة يعرفها (تودوروف) في سياق مفهومه للنص بقوله : " يمكن للنص أن يكون جملة ، كما يمكنه أن يكون كتاباً تاماً ، وهو يعرف باستقلاله وانغلاقه " ( ) .
وترى كريستيفا أن للجملة دور هام في إنتاجية نص ما ، فباعتبار " أن المحتمل الدلالي شرط أوّليّ لكل ملفوظ ، فإنه يتطلّب في لحظة ثانية ( مُكَمِّلُهُ ) ، أي البنية التركيبية ( الجملة ) التي ستملأ بتمفصلاتها الفضاء الذي رسم الجمع الدلالي ملامحه الأولى " ( ) . فالجملة هي النص الشاغل للنص المنتج ، أو النص الأهم في البناء المهم .
وتربط كريستيفا بين النحو والبلاغة من خلال الجملة فهي البنية الوصلية بينهما لإدراك ما يناط من مقاصد جمالية من تعانق النحو بالحكاية ( البلاغة ) . تقول كريستيفا : " الحكاية ( البلاغة ) تتبع الخيط التركيبي للجملة. فالمركبات البلاغية للحكاية هي امتدادات للمركبات النحوية " ( ) .
والجملة في العربية قد تأخذ الموقع نفسه الذي أراده ( تودوروف ) ، في كونها نصاً ، وفي كونها تتمتع بالانغلاق ، فالمتلقي ليس له الحق في تغييرها ، وإن كان له الحق في إثرائها بواسطة تأملها تأملاً واعياً . فالجملة البلاغية العربية تتضمن في ذاتها قيماً أسلوبية ؛ ثم تستمد قيماً جديدة متحولة من النص والموقف والبيئة ، ومن طبيعة اللغة التي تنتمي إليها ؛ وفي إطار العناصر المكونة لها والعلاقات التي تربط بينها . ومن هنا نقول : إن مفهوم الجملة باعتبارها نصّاً لدى الغربيين يخالف على نحو ما مفهوم الجملة البلاغية عند العرب في أساليبها المتنوعة .
1- الجملة القرآنية و صياغتها :
إن خير ما تُوصف به الجملة في القرآن الكريم أنها بناء أُحْكِمَت لبناته ، ونسقت أدق تنسيق ، لا نحس فيها بكلمة تضيق بمكانها ، أو تنبو عن موضعها ، أو لا تتعايش مع أخواتها . يقول ابن عطية : " وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد ، ونحن يتبيَّن لنا البراعة في أكثره ، ويخفى علينا وجهها في مواضع ، لقصورنا عن مرتبة العرب – يومئذ – في سلامة الذوق ، وجودة القريحة " ( ) .
ويتحدث الرافعي عن هذا الإعجاز في بناء الجملة القرآنية بقوله : " وإنك لتحار إذا تأملت تركيب القرآن ونظم كلماته في الوجوه المختلفة ، التي يتصرف فيها ، وتقعد بك العبارة إذا أنت حاولت أن تمضي في وصفه ، حتى لا ترى في اللغة كلها أدلّ على غرضك ، وأجمع لما في نفسك ، وأبين لهذه الحقيقة غير كلمة الإعجاز ... فترى اللفظ قارّاً في موضعه ، لأنه الأليق به في النظم ، ثم لأنه مع ذلك الأوسع في المعنى ، ومع ذلك الأقوى في الدلالة ، ومع ذلك الأحكم في الإبانة ، ومع ذلك الأبدع في وجوه البلاغة ، ومع ذلك الأكثر مناسبة لمفردات الآية ، مما يتقدمه أو يترادف عليه " ( ).
والجملة القرآنية تَتَبَّع المعنى النفسي ، فتصوره بألفاظها لتلقيه في النفس ، حتى إذا استكملت الجملة أركانها ، برز المعنى ظاهراً ، فليس تقديم كلمة على أحرى صناعة لفظية فحسب ، ولكن المعنى هو الذي جعل ترتيب الجملة ضرورة لا مَحيد عنها ، وإلاّ اختلَّ وانهار .
* فقوله تعالى :  وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  ( ) ، نجد فيها كلمة ( إسماعيل ) معطوفة على ( إبراهيم ) ، فهو كأبيه يقوم بالفعل ، يرفع القواعد من البيت الحرام ، لكن تأخره في الذكر دون المعطوف عليه ، يوحي بأن دوره في هذا الفعل دور ثانوي ، أما الدور الأساس فقد قام به إبراهيم  . يقو الزمخشري : " قيل : كان إبراهيم يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة " ( ) .
* وكذلك قوله تعالى :  وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ  ( ) . إذ نجد " المستعان عليه في الآية غير مذكور ، لا تخفّفاً من ذكره ، ولكن ليوحي هذا الحذف إلى النفس أن كل ما يقوم أمام المرء من مشقة ، وما يعترضه من صعوبات ، يُستعان على التغلّب عليه بالصبر والصلاة " ( ) .
ودراسة الجملة القرآنية تتصل اتصالاً مباشراً بدراسة المفردة القرآنية لأنها أساس الجملة ، ومنها تركيبها . وإذا كان علماء البلاغة يجعلون البلاغة درجات ، فإنهم مقرون دون جدل أن صياغة العبارة القرآنية في الطرف الأعلى من البلاغة الذي هو الإعجاز ذاته . وللإعجاز فيها وجوه كثيرة ، فمنها :
* ما تجده من التلاؤم والاتساق الكاملين بين كلماتها ، وبين ملاحق حركاتها ، وسكناتها ، فالجملة في القرآن تجدها دائماً مؤلفة من كلمات وحروف ، وأصوات يستريح لتألفها السمع والصوت والمنطق ، ويتكون من تضامها نسق جميل ينطوي على إيقاع رائع ، ما كان ليتم لو نقصت من الجملة كلمة أو حرف أو اختلف ترتيب ما بينها بشكل من الأشكال .لنقرأ قوله تعالى :  فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( ) ، و لنتأمل تناسق الكلمات في كل جملة منها ، ثم ندقق النظر في تألف الحروف الرخوة مع الشديدة والمهموسة والمجهورة وغيرها ، ثم نتمعن في تأليف وتعاطف الحركات والسكنات والمدود اللاحقة ببعضها ، لنعلم أن هذه الجملة القرآنية إنما صبت من الكلمات والحروف والحركات في مقدار ، وأن ذلك إنما قدر تقديراً بعلم اللطيف الخبير ، وهيهات للمقاييس البشرية أن تضبط الكلام بهذه القوالب الدقيقة .
* ومنها : إنك تجد الجملة القرآنية تدل بأقصر عبارة على أوسع معنى تام متكامل ، لا يكاد الإنسان يستطيع التعبير عنه إلا بأسطر وجمل كثيرة ، دون أن تجد فيه اختصاراً مخلا ، أو ضعفاً في الأدلة . لنقرأ قوله تعالى :  خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ  ( ) ، ثم لنتأمل كيف جمع الله بهذا الكلام كل خُلُقٍ عظيمٍ ، لأن في أخذ العفو صلة القاطعين والصفح عن الظالمين .
*ولنقرأ قوله تعالى مخاطباً آدم  :  إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى  ( ) ، لنقف على فرادة التعبير بهذه الجمل إذ جمع الله بها أصول معايش الإنسان كلها من طعام وشراب وملبس ، ومأوى .
* ولنقرأ قوله تعالى :  وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ  ( ) ، و لنتأمل كيف جمعت هذه الآية الكريمة بين أمْريْن ونهيين وخبرين وبشارتين . أما الأمرين فهما : ( أرضعيه ، وألقيه في اليم ) . وأما النهيان فهما : ( لا تخافي ، ولا تحزني ) . وأما الخبران فهما : ( أوحينا ، وخفت ) . وأما البشارتان فهما : ( إنا رادوه إليك ، وجاعلوه من المرسلين ) .
*ولنتأمل سورة الكوثر  إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ( ) ، إذ هي ثلاثة آيات قصار كيف تضمنت على قلة آياتها الأخبار عن مُغَيَّبَيْن : أحدهما الإخبار عن الكوثر ، وهو نهر في الجنة وعظمته وسعته وكثرة أوانيه , والثاني : الإخبار عن الوليد بن المغيرة ، وكان عند نزولها ذا مال وولد ، ثم أهلكَ الله سبحانه ماله وولده ، وانقطع نسله .
ومنها : أخراج المعنى المجرد في مظهر الأمر المحس الملموس ، ثم بث الروح و الحركة في هذا المظهر نفسه . ومكمن الإعجاز في ذلك ، أن الألفاظ ليست إلا حروفاً جامدة ذات دلالة لغوية على ما أنيط بها من المعاني ، فمن العسير جداً أن تصبح هذه الألفاظ وسيلة لصب المعاني الفكرية المجردة في قوالب من الشخوص والأجرام والمحسوسات ، تتحرك في داخل الخيال كأنها قصة تمر أحداثها على مسرح يفيض بالحياة و الحركة المشاهدة الملموسة . أستمع إلى القرآن الكريم و هو يصور لك قيام الكون على أساس من النظام الرتيب و التنسيق البديع الذي لا يتخلف ، و لا يلحقه الفساد ، فيقول :  إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر ( ) إنه يصور لك هذا المعنى في مظهر من الحركة المحسوسة الدائرة بين عينيك ، و كأنها أمام آلات تتحرك بسرعة دائبة في نظام مستمر يعيها و تصورها الشعور و الخيال .
كما أن النظم السائد على أجزائه ، والذي يظهر في التعبير بأركان ثلاثة هي :
1- انسجام أجزاء الكلام والتئامها .
2- وضع كل لفظ في موضعه اللائق .
3- رعاية قوانين اللغة وقواعدها .
فالقرآن بلغ من ترابط أجزائه وتماسك كلماته وجمله وآياته مبلغاً لا يدانيه فيه أي كلام آخر مع طول نفسه ، وتنوّع مقاصده ، وافتنانه وتلوينه في الموضوع الواحد ، فبين كلمات الجملة الواحدة من التآخي والتناسق ما جعلها رائعة التجانس والتجاذب ، وبين جمل السورة الواحدة من التشابك والترابط ما جعلها واحدة متعانقة الآيات ، ولأجل ذلك يقول سبحانه :  قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ  ( ) .
وبما أن قرينة الترابط والتآخي في الآيات القرآنية واضحة لمن أمعن فيها ، فلذلك نطوي الكلام عن الإكثار فيها ونعطف الكلام إلى الأمر الثاني وهو : وضع كل كلمة في موضعها :
فلكل نوع من المعنى نوعٌ من اللفظ هو به أولى وأنسب ، وكان إلى الفهم أقرب وبالقبول أليق ، وكان السمع له أدعى والنفس إليه أميل ، وهذا حكم سائر حتى في الألفاظ المتقاربة من حيث المعنى ، كالحمد والشكر ، والبخل والشح ، والقعود والجلوس ، والعلم والمعرفة وغير ذلك من الحروف والأسماء والأفعال ، فإن لكل لفظة منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها ، وإن كانا يشتركان في بعضها . وقد اهتم القرآن ، باستعمال كل كلمة في موضعها بحيث لو أزيلت الكلمة أقيم مكانها ما يظن كونه مرادفاً لها ، لفسد المعنى ، وزال الرونق ، ولأجل إيضاح ذلك نأتي بنماذج :
* نرى أنه سبحانه يأمر بالحمد فيقول :  وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ( ) . وفي موضع آخر يأمر بالشكر ويقول :  اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً  ( ) .
وما هذا إلا لأن الحمد هو الثناء على الجميل ، والشكر هو الثناء في مقابل المعروف ، فالحمد ضد الذم ، والشكر ضد الكفران . والآية الأولى ناظرة إلى صفة الله سبحانه وتعالى أي التنزه عن الولد والشريك فناسب الأمر بالحمد . والآية الثانية ناظرة إلى معروفه وإحسانه تعالى على آل داود فناسب الأمر بالشكر على المعروف .
* جاءت كلمة السهو في القرآن تارة متعدية بلفظة (في) في قوله تعالى :  الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ) ) .وأخرى بلفظة (عن) في قوله تعالى :  الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ  ( ) .
وما هذا إلا لأن المراد في الآية الأولى أن الغفلة تعلوهم وتغمرهم ، فناسب لفظة (في) الدالة على الظرفية ، ولكن المراد من الآية الثانية هو السهو عن نفس الصلاة فناسب لفظة (عن) .
ومن هنا نقف على سبب ما اشتهر بين أئمة البلاغة من أن الكلمة في نظم القرآن ، تأخذ أعدل مكان في بناء هذا البنيان ، ولا يصلح للحلول مكانها أي كلمة أخرى ، لاستلزامه إما فساد المعنى ، أو عدم إفادة المقصود .
الهوامش :
1. - المبرد ، المقتضب ، 1 / 8 .
2. - أبو علي الفارسي ، المسائل العسكريات ، تحقيق : علي جابر المنصوري ، دار القلم ، دمشق ، 1988 ، 83 .
3. - الرماني ، الحدود في النحو ، ضمن كتاب «رسائل في النحو واللغة» تحقيق : مصطفى جواد ويوسف مسكوني ، دار المعرفة ، بيروت ، 1978 ،39 .
4. - ابن جني ، الخصائص ، 1 / 17 . وينظر : ابن جني ، اللمع ، تحقيق : فائز فارس ، دار الفكر ، دمشق ، 1995 ، 26 .
5. - ينظر : عبد القاهر الجرجاني ، المقتصد في شرح الإيضاح في النحو ، تحقيق : د. كاظم بحر المرجان ، دار الرشيد ، بغداد ، 1982 ، 1 / 68 .
6. - ينظر : الزمخشري ، المفصل في علم العربية ، 6 .
7. - ينظر : ابن الخشاب ، المرتجل في النحو ، تحقيق : علي حيدر ، مجمع اللغة العربية ، دمشق ، 1988 ، 28 ، 340 .
8. - ينظر : العكبري ، مسائل خلافية في النحو ، تحقيق : محمد الحلواني ، دار المدني ، القاهرة ، 1992 ، 31 .
9. - ينظر : ابن يعيش ، شرح المفصل ، 1 / 21 .
10. - ابن مالك ، تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، ابن مالك، تحقيق محمّد كامل بركات ، دار المعرفة ، بيروت ، 1995 ، 3 .
11. - ينظر : الأشموني ، شرح ألفية ابن مالك ، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ، المكتبة التوفيقية ، القاهرة ، 2000 ، 1 / 21 .
12. - الصبان ، حاشية الصبان على شرح الأشموني للألفية ، المكتبة التوفيقية ، القاهرة ، 2000 ، 1 / 21 .
13. - الرضي ، شرح الكافية ، 1 / 33 .
14. - ابن هشام ، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب ، تحقيق مازن المبارك ومحمد علي حمد الله ، دار الفكر ، بيروت ، 1998، 363 .
15. - نفسه .
16. - نفسه .
17. - ابن هشام ، الإعراب عن قواعد الإعراب ، تحقيق : رشيد العبيدي ، دار النفائس ، بيروت ، 2001 ، 60 .
18. - السيوطي ، همع الهوامع ، تحقيق: عبد السلام هارون وعبد العال سالم مكرم ، عالم الكتب ، القاهرة ، 1997 ،1|37 .‎
19. - ينظر : د. مهدي المخزومي ، في النحو العربي ، 39 . – د . أحمد ماهر البقري ، النواسخ الفعلية والحرفية ، دار المعارف ، القاهرة ، 1984 ، 20 . – د. عبد الله جاد الكريم ، المعنى والنحو ، مكتبة الآداب ، القاهرة ، 2002 ، 59 .
20. - د . إبراهيم أنيس ، من أسرار اللغة ، 276 .
21. - ينظر : ابن هشام ، مغني اللبيب ، 346 .
22. - ينظر : الزمخشري ، المفصل ، 7 .
23. - ينظر : ابن هشام ، مغني اللبيب ، 346 .
24. - ينظر: عبد القاهر ، المقتصد ،1/337 .- ابن يعيش ، شرح المفصل ،1/94 .– ابن مالك ، شرح التسهيل ،1/265.- ابن هشام ، مغني اللبيب ، 364 .
25. - سورة القلم : آية رقم ( 4 ) .
26. - ينظر: العباسي ، معاهد التنصيص ، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد ، مطبعة البابي الحلبي ، القاهرة ، 1979 ،1 /207.
27. - سورة البقرة : آية رقم ( 179 ) .
28. - سورة النساء : آية رقم ( 142 ) .
29. - ينظر : د. شوقي ضيف ، تجديد النحو ، دار المعارف ، القاهرة ، 1982 ، 253 – 255 .
30. - ينظر : المتنبي ، الديوان ، 1 / 286 .
31. - سورة آل عمران : آية رقم ( 110 ) .
32. - سورة الحجرات : آية رقم ( 7 ) .
33. - ينظر : د. شوقي ضيف ، تجديد النحو ، 254 .
34. - ينظر : الميداني ، مجمع الأمثال ، 3 / 345 .
35. - د. صلاح فضل ، بلاغة الخطاب وعلم النص ، 86 .
36. - السابق ، 83 .
37. - د. صلاح فضل ، بلاغة الخطاب وعلم النص ، 216 .
38. - د. منذر عياشي ، مقالات في الأسلوبية ، 128 .
39. - جوليا كريستيفا ، علم النص ، 58 .
40. - نفسه .
41. - ابن عطية ، المحرر الوجيز ، 1 / 44 .
42. - الرافعي ، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ، 282 .
43. - سورة البقرة : آية رقم ( 127 ) .
44. - الزمخشري ، الكشاف ، 1 / 361 .
45. - سورة البقرة : آية رقم ( 45 ) .
46. - د. منير سلطان ، بلاغة الكلمة والجملة والجمل ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، 1993 ، 108 .
47. - سورة القمر : الآيتان رقم ( 11 ، 12 ) .
48. - سورة الأعراف : آية رقم ( 199 ) .
49. - سورة طه : الآيتان رقم ( 118 ، 119 ) .
50. - سورة القصص : آية رقم ( 7 ) .
51. - سورة الكوثر : الآيات من ( 1 – 3 ) .
52. - سورة الأعراف : آية رقم ( 54 ) .
53. - سورة الزمر : آية رقم ( 28 ) .
54. - سورة الإسراء : آية رقم ( 111 ) .
55. - سورة سبأ : آية رقم ( 13 ) .
56. - سورة الذاريات : آية رقم ( 11 ) .
57. - سورة الماعون : آية رقم ( 5 ) .