التبرع للفصيح
رابط محرك بحث قوقل الفصيح في القائمة تطبيقات إضافية
اعرض النتائج 1 من 6 إلى 6

الموضوع: الرواية كملحمة بورجوازية (جورج لوكاش)
1429/8/27 هـ

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 18211

    الجنس : ذكر

    البلد : المغرب

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : نقد الأدبي

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل14/8/2008

    آخر نشاط:11-08-2010
    الساعة:11:52 PM

    المشاركات:17
    تاريخ التسجيل
    14/8/2008
    البلد
    المغرب
    العمر
    34
    المشاركات
    17
    1429/8/11 هـ

    الرواية كملحمة بورجوازية (جورج لوكاش)

    *تقديم الدراسة:
    "الرواية كملحمة بورجوازية" هذه الدراسة كتبها جورج لوكاش أثناء إقامته في موسكو في الثلاثينيات من القرن العشرين، وإبان هذه الفترة كون وصاغ مجموعة من المفاهيم الأساسية في مضمار النظرية الأدبية، وبخاصة نظرية الرواية، وفي مقدمتها الواقعية الكبرى .
    هذه الدراسة مكونة من نصين، الأول تحت عنوان (تقرير عن الرواية)، و هو عبارة عن مدخل لمناقشة حول الرواية نظمتها مجلة (النقد الأدبي) الروسية سنة 1934. والنص الثاني يحمل عنوان (الرواية كملحمة بورجوازية) نشر في المجلد التاسع من الموسوعة الأدبية سنة 1935.
    وفي هذا العرض اعتمدت ترجمة جورج طرابيشي ، الصادرة من دار الطليعة للطباعة والنشر (بيروت) سنة 1979، وسأحاول في هذا العمل التطرق للمحاور التالية:
    I-سيرة جورج لوكاش .
    II-التنظير الروائي قبل لوكاش .
    1-الحركة الرومانسية الألمانية .
    2-كتاب الاستتيقا لهيجل .
    III- الرواية والمجتمع.
    IV-المراحل الأساسية للرواية:
    1-الرواية في طور الولادة .
    2-اقتحام الواقع اليومي .
    3-شعر الملكوت الحيواني الروحي .
    4-المدرسة الروائية وانحلال الشكل الروائي .
    5-منظورات الواقعية الاشتراكية .
    -خاتمة.


    I-سيرة جورج لوكاش:
    ولد جورج لوكاش (Gyorgy Lukacs) عام 1885 في مدينة بودابست، ونال شهادة الدكتوراه في الفلسفة سنة 1909، وبعد أن أمضى فترة دراسية طويلة في برلين انتقل من هناك إلى هايدلبرغ حيث تردد على حلقات عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، وأقام صداقات مع مفكرين من طراز باول ارنست والفيلسوف الماركسي ارنست بلوخ، وفي عام 1911 كتب دراسة حول الدراما في جزئين، بلغت صفحاتها الألف، وفي العام نفسه نشر دراسة فلسفية بالألمانية بعنوان (الروح والأشكال). انضم لوكاش إلى الحزب الشيوعي الهنغاري سنة 1918، وشغل منصب مفوض الشعب لشؤون الثقافة في الحكومة الثورية، كما أسهم في معهد ماركس –انجلز- لينين بموسكو بمجموعة من الأعمال، إضافة إلى عضويته في البرلمان الهنغاري، وفي المجلس الرئاسي لأكاديمية العلوم المجرية، مثلما أنه نال كرسي الأستاذية لعلم الجمال وفلسفة الحضارة في جامعة بودابست، اشترك في ثورة المجر عام 1956 وشغل منصب وزير الثقافة في حكومة إيمري ناجي، وقد توفي لوكاش في صيف عام 1971 ، مخلفا مجموعة من الأعمال نذكر منها:"دراسات في الواقعية"، و "نظرية الرواية"، و"ماركسية أم وجودية؟" ، و" بلزاك والواقعية الفرنسية" ، و "التاريخ والوعي الطبقي" ، و"الرواية التاريخية"، إضافة إلى عمله "الرواية كملحمة بورجوازية" ، وهو موضوع دراستنا في هذا العرض.



    II-التنظير الروائي قبل لوكاش:
    1-الحركة الرومانسية الألمانية:
    ظهرت محاولة الحركة الرومانسية الأولى بألمانيا ، من خلال مجلة أتينيوم L’Athenoeum التي طرحت مسألة نظرية الرواية ضمن تصورها العام المتطلع إلى (المطلق الأدبي)، الذي يتخطى الأجناس التعبيرية ليقترب من (كلية عضوية) قادرة على أن تلد نفسها وتلد عالما مجزءا، ومن ثم فإن فردريك شليكل في رسالته عن الرواية، يلح على أن (كل نظرية للرواية يجب أن تكون هي نفسها رواية) مشتملة على النبرات الخالدة للنزوة . إن الرواية لا يمكن أن تستحق اسمها إذا (لم تكن خليطا من المحكي والنشيد ومن أشكال أخرى) لكن التصورات النظرية لهذه الحركة تظل محدودة (وتابعة) لفكرتهم الأساسية عن المطلق الأدبي: فهم لا يقبلون الرواية إلا بوصفها (جنسا) للحرية الذاتية وللتعبير عن النزوات في أشكال زخرفية .
    لكن العنصر الأساسي في تنظيرهم للرواية هو اعتبارهم لها جنسا قائما على تعدد الأجناس التعبيرية وعلى تجاوز العناصر الروائية مع الفكر الخالص، والغنائية النثرية المبتذلة. إن هذا العنصر سيصبح أحد المكونات البارزة في تشييدات نظرية الرواية التالية للرومانسية الألمانية .
    2-كتاب الاستتيقا لهيجل:
    يعد الفيلسوف الألماني هيجل أول من قدم نظرية للرواية في الغرب من خلال رؤية فلسفية جمالية مثالية مطلقة، ويعتبر كتابه الاستتيقا أبرز الكتب التي عنيت بالتنظير الروائي من خلال ربط شكلها ومضمونها بالتحولات التي عرفها المجتمع الأوربي في القرن 19م، فقد اهتم هيجل بالانتقال من الملحمة إلى الرواية اهتماما كبيرا .
    لكنه مع ذلك يصنف الرواية كأنها تفريع ثانوي من تفريعات الملحمة، ويرى أن الفرق بينهما يكمن في اللغة الشعرية من (حهة الملحمة) ، واللغة النثرية من جهة الرواية ، ويرى أيضا أن الواقع الذي تعالجه الرواية يستدعي الخروج من الشعر المرتبط بالنوازع والعواطف والوصول إلى النثر المرتبط أكثر بالظروف والمناسبات، ويستنتج أن الشكل الروائي الجديد ملتصق بصعود البورجوازية وبهاجسها الأخلاقي والتعليمي الذي يؤدي إلى ثورة البطل الرومانسية أو سقوطه أو مكابرته، وتعيش المغامرة الروائية بالتالي في الأوهام، نتيجة للفارق الكبير القائم بين الواقع المرجو والواقع المعيش.
    وقد استقى لوكاش الكثير من أفكار وتصورات أستاذه هيجل، ولكن ليس من منطلق مثالي، بل اعتمد في تصوراته على المادية الجدلية الماركسية في فهم المجتمع الرأسمالي وتفسير تناقضاته، وقد ألح على غرار هيجل بكون وجود الرواية مرتبط بالانتقال من الإقطاعية التي طورت الفن الملحمي إلى الرأسمالي التي أوجدت لها فنا متميزا هو الفن الروائي.

    III-الرواية والمجتمع:
    يذهب رولان بارت (R.Barthes) في بعض كتاباته إلى أن الرواية عمل قابل للتكيف مع المجتمع، وأن الرواية تبدو وكأنها مؤسسة أدبية ثابتة الكيان، فهي الجنس الأدبي الذي يعبر بشيء من الامتياز عن مؤسسات مجموعة اجتماعية، وبنوع من رؤية العالم الذي يجره معه، ويحتويه في داخله .
    أما عند جورج لوكاش، فالرواية في رأيه النوع الأدبي النموذجي للمجتمع البورجوازي: بولادته رأت النور، ومع تطوره تطورت، وبزواله وبقيام المجتمع الاشتراكي تعود إلى منابعها البطولية الأولى ، وتستعيد أبعادها الملحمية مع كبرى الإنجازات الروائية للواقعية الاشتراكية: (الأم) لمكسيم غوركي، و(الدون الهادئ) لشولوخوف .
    فالرواية تظل الشكل التعبيري الأمثل بالنسبة إلى كل مجتمع لم يحقق درجة متقدمة من الاندماج بين الذاتيية الفردية والموضوعية الاجتماعية، "إنها النوع الأدبي النموذجي للمجتمع البورجوازي"، والرواية هي التي تصور تناقضات المجتمع البورجوازي النوعية أصدق تصوير، وأكثر نموذجية. إذن فتناقضات المجتمع الرأسمالي هي التي تقدم لنا المفتاح لفهم الرواية من حيث إنها نوع أدبي قائم بذاته، في هذا الصدد يقول لوكاش:"إن الرواية، ذلك النوع الملحمي الكبير، ذلك التصوير الحكائي للكلية الاجتماعية، هي القطب المقابل لملحمة العصور القديمة ونقيضها الجذري" .

    V-المراحل الأساسية للرواية:
    يقول لوكاش بأن "الماركسي لا يستطيع أن يعالج نوعا من الأنواع الأدبية إلا من منظور منهجي وتاريخي، والمخطط الإجمالي الذي وضعناه للتعيينات الأساسية للرواية إنما يرتكز إلى معرفة تاريخ المجتمع، وقد عرفنا الرواية بأنها نوع أدبي قائم بذاته على أساس التصور الماركسي للتاريخ، ولهذا لا يمكن تحديد التحقيب الذي يحدث في داخل تطور الرواية إلا على أساس معرفة تطور الطبقات وصراعها في مراحلها الكبرى" .
    ومن هذا المنطلق يحدد لوكاش المراحل الأساسية التي شهدتها الرواية:
    1-الرواية في طور الولادة:
    وهي مرحلة المجتمع البورجوازي الصاعد، حيث تولد الرواية من وجهة نظر المضمون ، لكن التناقض الحاد مع عالم القرون الوسطى لا يحول دون انفتاح الرواية التي على وشك أن ترى النور على كل ميراث الثقافة الإقطاعية الحكائية، وهذا الميراث أهم بكثير من عناصر المغامرات المادية التي تبنتها الرواية الجديدة في شكل محاكاة هجائية ساخرة أو بعد أن أدخلت عليها تعديلات إيديولوجية أخرى .
    إن عظمة (رابليه) و(سرفانتس) المؤسسين الكبيرين للرواية الحديثة ترتكز أساسا على صراع خاض غماره على جبهتين بحكم وضعها التاريخي، والمقصود هو نضالهما ضد انحطاط الإنسان الناجم عن المجتمع البورجوازي الناشئ. فكان النضال ضد (بطولة) الفروسية (التي طفق خواؤها يفتضح)، وضد حطة نثر المجتمع البورجوازي (الذي انكشف أمره للعيان من البداية) .
    إن الخاصية الأسلوبية الأساسية لهذه المرحلة تتمثل في نزعة واقعية تسعى وراء الغرابة، فكان التغيير في بنى الشكل والمضمون من خلال تسرب عناصر عامية وشعبية موروثة من العصر الوسيط، يقول هايني:"لقد خلق سرفانتس الرواية الحديثة بإدخاله على رواية الفروسية تصويرا أمنيا للطبقات الدنيا، وبمزجه بها حياة الشعب" .

    2-اقتحام الواقع اليومي:
    هي مرحلة التراكم البدائي، حيث أفق الغرابة الفسيح يضيق وينكمش، وحبكة العمل وطبائع الشخصيات تغدو واقعية بالمعنى الضيق للكلمة. فالبورجوازية تحولت الآن إلى طبقة سائدة اقتصاديا، واكتسبت الحق في أن تغدو مصائرها الطبقة الخاصة، بما هي كذلك موضوعا في النوع الملحمي الكبير. لذا جرى التشديد في هذه المرحلة على المبدأ الفعال للبورجوازية ، أي على عامل التقدم أكثر مما في أي طور آخر من أطوار التطور، كذلك ظهرت في هذه المرحلة تحديد أجرأ المحاولات لخلق بطل بورجوازي (إيجابي). ويضيف لوكاش أن التأييد الذي محضه كبار كتاب تلك المرحلة لتقدمية ذلك التطور البورجوازي لم يمنعهم من أن يصوروا بملء الحقيقة أهوال انقلاب المجتمع في عصر التراكم البدائي وويلاته، وهذا التناقض الخصب بالنسبة إلى الرواية، هو هنا التناقض غير المحلول بين ويلات المشروع المطروح وبين تفاؤل الطبقة الصاعدة الكامل (ديفو). ونضال البورجوازية من أجل فرض أشكالها الحياتية الخاصة على الأدب أنتج في الوقت نفسه، وفي مواجهة تقليد إقطاعي متحجر، الرواية التي تكافح في سبيل تبرير العواطف والذاتوية (ريتشاردسن، روسو...) ، هذه الذاتوية التي تمثل ميلا تقدميا قابلا حتى لأن يتحول إلى ميل ثوري، تؤدي في الوقت نفسه إلى انحطاط نسبي وانحلال ذاتوي للشكل الروائي .
    3-شعر الملكوت الحيواني الروحي:
    هي المرحلة التي ظهرت فيها للملأ تناقضات المجتمع البورجوازي، فبعد الثورة الفرنسية التي وضعت حدا (للأوهام البطولية) لإيديولوجيي الطبقة البورجوازية، كما ذهب إلى ذلك كارل ماركس، ثم تلى ذلك صعود البروليتاريا إلى خشبة المسرح كقوة مستقلة بذاتها، وبالتالي ولادة الرومانسية كتيار عالمي هام .
    فالرومانسية تكافح الرأسمالية باسم الأشكال المجتمعية البائدة، ومن جهة ثانية تضع نفسها بنفسها من دون أن تعي ذلك في أكثر الأحيان على أرض الرأسمالية، إنها تمثل إذن كفاحا مثاليا، تحركه إيديولوجية ذاتوية، ضد الرأسمالية المنظور إليها على أنها مكتملة، أي أنها (قدر) .
    إن الرومانسية تشدد من جانب واحد، وعلى نحو يخدم في كثير من الأحيان الروح الرجعية على عامل الانحطاط الإنساني في الرأسمالية. ويتسم كتاب هذه المرحلة بأسلوب واقعي رفيع، وذلك بتغلبهم على الميول الرومانسية، وبنضالهم في سبيل فهم كلية عصرهم من خلال تظاهر تناقضاته كافة، بالرغم من أن محاولاتهم يكتنفها الالتباس، فمن جهة يتغلبون حقا على الميول الرومانسية ، ويدمجون العناصر الرومانسية في إبداعاتهم رغم ما في هذا الإدماج من عيوب. ومن جهة أخرى يحتوي نضالهم ضد نثر الحياة بالحتم والضرورة على عناصر رومانسية غير متجاوزة، هذا التجاوز الفعلي وهذا التجاوز الظاهري للرومانسية يتداخلان ويتمازجان على نحو شديد التناقض لدى نفس الكاتب.
    ومثال ذلك (البرج الغامض في "سنوات تدريب فلهلم مايستر"، رواية غوته، هو في آن واحد من باب النثر الذي قاوم الانحلال ومن باب المبالغة الرومانسية) .
    4-المدرسة الطبيعية وانحلال الشكل الروائي:
    وهي مرحلة الأفول الإيديولوجي للبورجوازية، وتنامي النزعة إلى المنافحة والتقريض في جميع الميادين الإيديولوجية .
    حيث غدا الصراع الطبقي بين البورجوازية والبروليتارية على نحو سافر ومكشوف مركز جميع أحداث المجتمع، اختفى طردا مع ذلك الأدب الروائي البورجوازي. لكن كلما تحاشى الكتاب عن وعي أو لا وعي مسألة عصرهم المركزية، وجدوا أنفسهم مكرهين على الانزلاق في نمط تصويرهم للأحداث نحو ما هو هامشي، وتظهر آثار ذلك أيضا حيثما لا يتشكل الصراع الطبقي بين البورجوازيا والبروليتاريا، وإبان هذه المرحلة يحل ميراث الرومانسية الإيديولوجي محل ميراث التقليد الواقعي الكبير.
    ويتسلط على أسلوب الرواية البورجوازية أكثر فأكثر الإحراج الكاذب بين الذاتوية الخاوية من كل مضمون ، والموضوعية المنفوخة اصطناعا. ويتضاءل أكثر فأكثر قدرة الكتاب الواقعيين على تصوير المجتمع في صورة سيرورة تطورية، ويتوجهون أكثر فأكثر نحو تصويره في صورة عالم ناجز وجامد، والنتيجة المحتمة لهذا التطور ابتعاد المدرسة الطبيعية والتيارات التي أعقبتها أكثر فأكثر عن نمط تشخيص النماذج المتفردة إلى أقصى حد، واستعاضتها عنه بتصوير الإنسان المتوسط .
    5-منظورات الواقعية الاشتراكية:
    بحكم كينونتها الاجتماعية، تقف البروليتاريا موقفا مغايرا تماما لذلك الذي تقفه البورجوازية من تناقضات المجتمع الرأسمالي التي تعين أيضا وجودها قبل سقوط الرأسمالية، وباعتبار أن البروليتاريا تعني الانحلال الثوري للمجتمع البورجوازي، وبدءا من أشكال الصراع الطبقي البروليتاري، وكذا الأخذ بعين الاعتبار تلك التجمعات العمالية في منظمات طبقية (نقابة، حزب) ، وبدءا أيضا من مشكلات صراع الطبقات بالذات، تنبجس بالضرورة إمكانية تصوير العامل الواعي في صورة بطل (إيجابي) .
    يقول لوكاش:"وهكذا أفضى كفاح خيرة ممثلي مرحلة الثورات البورجوازية البطولي في سبيل الإنسان المنسجم إلى رثاء حزين، إلى مأثم يندب فيه الإنسان الضياع الذي لا مرد له، لشروط تفتح جميع القدرات الإنسانية تفتحا منسجما، وهناك فقط حيث ينقلب نقد المجتمع البورجوازي إلى إحساس أولي بالاشتراكية" .
    يشير لوكاش إلى أن استيلاء البروليتاريا على السلطة وبناء الاشتراكية، تكتسب هذه الميول نوعية جديدة، فالطبقة العاملة ببنائها الاشتراكي وبإبدائها عدوها الطبقي، تلغي الأسباب الموضوعية لانحطاط الإنسان، وهي لا تخلق إمكانية إنسان جديد فحسب، بل تخلق هذا الإنسان الجديد عينه، وكل هذا يؤدي باتجاه تعديل عميق للغاية للشكل الروائي الموروث عن البورجوازية، ذلك الشكل الذي يطرأ عليه تحول جذري، فينزع إلى التوجه نحو الأسلوب الملحمي. إن هذا التفتح الجديد للعناصر الملحمية في الرواية ليس تجديدا إجمالي النزعة للعناصر الشكلية في الملحمة القديمة أو لمضمونها، ولكنه يأتي نتيجة ضرورية وعضوية لتطور الكينونة الاجتماعية، لتطور المجتمع اللاطبقي الذي هو قيد التكون .
    ويعضد لوكاش رأي ستالين في اعتبار الطبقة العاملة تعمل في سبيل الإنجاز التام لمهمتها العظيمة ، "والمتمثلة في التغلب على مخلفات الرأسمالية في الاقتصاد وفي وعي البشرية" ، هذا الكفاح هو الذي ينضج العناصر الملحمية، فهو يوقظ طاقات الجماهير ويستنهض من بين صفوفها رجالا ذوي شأن وعزيمة ويجعل منهم قادة لتلك الجماهير، وهم بذلك من خلال مشاركتهم في هذا الكفاح من أجل هدم القديم، وفي الكفاح من أجل البناء الاشتراكي يقهرون داخل أنفسهم المخلفات الإيديولوجية للرأسمالية، وفي هذا الإطار يعمل كتاب الواقعية الاشتراكية في الرواية.


    خاتمـــة:

    تعتبر أعمال جورج لوكاش محاولة جادة لتقعيد الرواية التي اعتبرها النوع الأدبي النموذجي للمجتمع البورجوازي، هذا الأخير الذي اتخذ الرواية أداة تعبيرية في صراعه مع الطبقات المعادية ولاسيما طبقة الإقطاع وطبقة البروليتاريا. وقد استفاد لوكاش من أعمال هيجل الذي أقر بأن الرواية ملحمة بورجوازية أفرزتها تناقضات المجتمع الرأسمالي، كما استفاد من أعمال المدرسة الرومانسية الألمانية الأولى، وكذا أعمال كل من ماركس وإنجلز.
    وهكذا اعتبر لوكاش الرواية جنسا أدبيا له بنية شديدة التعقيد، متراكبة التشكيل تطورت عبر مجموعة مراحل، وهو لا ينظر إليها باعتبارها ظاهرة معزولة أو جنسا أدبيا مستقلا، بل باعتبارها لاحقة لأجناس أخرى، وهي بذلك منفتحة على مستوى الشكل والمضمون بشكل مستمر.
    وقد استفاد اللاحقون من تصورات لوكاش خصوصا لوسيان غولدمان في دراسته السوسيولوجية للرواية، والذي ينطلق من تصور بنيوي في مقاربة الرواية الغربية التي أفرزتها البورجوازية الأوربية.






    لائحة المصادر والمراجع:

    -جورج لوكاش، الرواية كملحمة بورجوازية، تر: جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، 1979.
    -جورج لختهايم، سلسلة أعلام الفكر العالمي (جورج لوكاش)، تر: ماهر الكيالي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982.
    -ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، تر: محمد برادة، الرباط، دار الأمان للنشر والتوزيع، طبعة 2، 1987.
    -جورج لوكاش: دراسات في الواقعية، تر: نايف بلوز، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1985.
    -عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية (سلسلة عالم المعرفة)، العدد 240، الكويت، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، دجنبر 1998.
    التعديل الأخير من قِبَل هدى عبد العزيز ; 17-08-2012 في 07:45 AM

  2. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (فراي) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  3. #2
    المراقب العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2472

    الجنس : أنثى

    البلد : الرياض

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : النقد الأدبي.

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 54

    التقويم : 12

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل12/6/2005

    آخر نشاط:18-11-2013
    الساعة:06:19 AM

    المشاركات:1,775
    تاريخ التسجيل
    12/6/2005
    البلد
    الرياض
    المشاركات
    1,775
    تدوينات المدونة
    1
    1429/8/15 هـ
    أستاذ فراي

    بالنسبة لعمليات النقاد في تأطير العمل الأدبي ، وتحديد معالمه دائما ما تقصر عن استيعاب الرواية بوصفها عملا متمددا.
    و لكن الأهم برأيي المتواضع هو طرح وتسليط الضوء على محاولات النقاد وسعيهم لتحديد وتوضيح قواعد التحليل السردي؛ و ذلك للحاجة إليه.

    بانتظار ما لديك.

    كان الذي خفت أن يكونا ** إنـا إلى الله راجعـونـا

    أدعـــوكم لزيارة صفحتي على ناشر الفصيـــح

  4. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (وضحــــاء..) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  5. #3
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 18211

    الجنس : ذكر

    البلد : المغرب

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : نقد الأدبي

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل14/8/2008

    آخر نشاط:11-08-2010
    الساعة:11:52 PM

    المشاركات:17
    تاريخ التسجيل
    14/8/2008
    البلد
    المغرب
    العمر
    34
    المشاركات
    17
    1429/8/16 هـ
    إلى الزميلة وضحاء
    تدخلك في محله ، على اعتبار أن الرواية جنس أدبي إبداعي ذات ارتباط وثيق بكافة الأجناس الأدبية الأخرى ، بمعنى أنها تستوعب جميع الخطابات واللغات والأساليب ... فهي نوع أدبي منفتح وغير مكتمل ( حسب باختين ، فهي جنس لم يكتمل بعد )،
    ومن جهة أخرى فهي متفردة بذاتها ، وطبقا لهذه الخصوصية التي تتمتع بها الرواية فإننا نجد طرائق متعددة نهجها النقاد لتحليل وتسليط الضوء على مكوناتها ، مستفيدين من مجموعة من النظريات السردية والمناهج النقدية ، وقد سبق لي في هذا المنتدي أن قدمت نموذجا تنظيريا في الموضوع من خلال : بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي للدكتور حميد لحمداني ، الذي طبق في دراسته المنهج البنائي ، منطلقا من أعمال الشكلانيين الروس ومفاهيم غريماس و بارت وكلود بريمون و جوليا كريستيفا ... ، ثم عرض للنقد الفني الروائي في العالم العربي ( نموذج محمود أمين العالم و سيزا قاسم .
    وبالرجوع للدراسة التي علقت عليها ، فالمراد والمبتغى منها تقديم رؤية حول بدايات التنظير الروائي مع أبرز رواد هذا المجال ، جورج لوكاش .
    و الذي اعتبر الرواية جنسا أدبيا له بنية شديدة التعقيد، متراكبة التشكيل تطورت عبر مجموعة مراحل، وهو لا ينظر إليها باعتبارها ظاهرة معزولة أو جنسا أدبيا مستقلا، بل باعتبارها لاحقة لأجناس أخرى، وقد استفاد اللاحقون من تصورات لوكاش خصوصا لوسيان غولدمان في دراسته السوسيولوجية للرواية، والذي ينطلق من تصور بنيوي في مقاربة الرواية الغربية التي أفرزتها البورجوازية الأوربية.
    مع تحياتي .
    التعديل الأخير من قِبَل هدى عبد العزيز ; 17-08-2012 في 07:26 AM

  6. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (فراي) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  7. #4
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 17935

    الجنس : أنثى

    البلد : الجزائر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : نقد ولسانيات

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل28/7/2008

    آخر نشاط:01-11-2013
    الساعة:11:48 PM

    المشاركات:458
    تاريخ التسجيل
    28/7/2008
    البلد
    الجزائر
    العمر
    26
    المشاركات
    458
    1429/8/24 هـ

    Lightbulb

    موضوع ممتاز.
    مشكور أستاذ فراي على هذا الطرح ...أضيف إلى كلامك وهو كلام جورج لوكاتش:****الرواية وثيقة تارخية بإمتياز****
    فهي لسان حال الطبقة البيوريتالية بإمتياز.
    وأسألك مادام أنك فتحت الموضوع للنقاش : .... * هل يمكن أن نعتبر تأصيل الرواية عند جورج لوكاتش
    وظهور النظرية الماركسية في ألمانيا على علاقة ؟ على اعتبار أن ظروف الظهور لكليهما متشابهة إلى حد التماثل ..................جزيت خيرا
    أختك سهى
    التعديل الأخير من قِبَل هدى عبد العزيز ; 17-08-2012 في 07:09 AM
    إذا لم يجد المرء شيئا يعيش من أجله ، فإنَّ أغلب الظن أنه لن يجد شيئا يموت من أجله.
    أهلا بالجميع،،، في الحقيقة سعيدةٌ بعوْدتي

  8. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (سهى الجزائرية) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  9. #5
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 18211

    الجنس : ذكر

    البلد : المغرب

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : نقد الأدبي

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل14/8/2008

    آخر نشاط:11-08-2010
    الساعة:11:52 PM

    المشاركات:17
    تاريخ التسجيل
    14/8/2008
    البلد
    المغرب
    العمر
    34
    المشاركات
    17
    1429/8/26 هـ
    إلى الأخت سهى:
    مداخلتك في غاية الأهمية ، نعم لقد ارتبط تأصيل الرواية عند جورج لوكاتش مع الأفكار الماركسية ، فمعلوم أن لوكاتش من منظري هذا المذهب إيديولوجيا وأدبيا بالمجر ، فقد ظل يعتقد مع الماركسيين أن جوهر الفاعلية في الإبداع الأدبي بصفة عامة مرهون بتحولات الواقع الاقتصادي والاجتماعي ، و لقد رأى لوكاتش أن الإبداع الأدبي يمكن من الوعي بخصائص السياق التاريخي المعاصر له.
    و بناء على ذلك فقد حلل العلاقة بين الأدب والمجتمع باعتبار الأدب انعكاسا وتمثيلا للحياة ، و هنا يبرز المفهوم الذي شغل بال لوكاتش ( الانعكاس reflexion ) ، و من هذا المبدأ فإن الرواية انعكاس للواقع .
    و من جهة أخرى ، فان النظرية الماركسية تمثلت في النتاج الأدبي ( الرواية خصوصا ) طبقا لمحورين أساسيين :
    1 ) أن الانتاج الأدبي ( كالرواية ) ينبثق في الأساس من الواقع المادي في المجتمع و الحياة .
    2 ) ربط الانتاج الأدبي والفني بحتمية تاريخية جبرية لا فكاك منها ، و ذلك مؤداه أن الفنون تبدأ بطريقة نظرية انطباعية لتخضع للنظام الرأسمالي منتهية بالمستقبل الاشتراكي ، وهذا حال الرواية .
    أتمنى أن أكون وفقت في التوضيح . مع تحياتي
    التعديل الأخير من قِبَل هدى عبد العزيز ; 17-08-2012 في 07:12 AM السبب: تصويب

  10. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (فراي) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  11. #6
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 17935

    الجنس : أنثى

    البلد : الجزائر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : نقد ولسانيات

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل28/7/2008

    آخر نشاط:01-11-2013
    الساعة:11:48 PM

    المشاركات:458
    تاريخ التسجيل
    28/7/2008
    البلد
    الجزائر
    العمر
    26
    المشاركات
    458
    1429/8/27 هـ
    أجل لقد وضعت يدك على الجرح .شكرا جزيلا وبارك الله فيك
    إذا لم يجد المرء شيئا يعيش من أجله ، فإنَّ أغلب الظن أنه لن يجد شيئا يموت من أجله.
    أهلا بالجميع،،، في الحقيقة سعيدةٌ بعوْدتي

  12. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (سهى الجزائرية) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •