+ الرد على الموضوع
اعرض النتائج 1 من 18 إلى 18

الموضوع: قضية اللفظ والمعنى

  1. #1
    جوهرة الفن
    زائر عزيز

    قضية اللفظ والمعنى

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أريد موضوعا متكاملا عن قضية اللفظ والمعنى بمعنى عندما يطرح هذا السؤال

    فماهو المطلوب مني أن أتحدث عنه ؟ بحيث تكون إجابتي دالة على ترتيب أفكاري ؟


    وشكرا .


  2. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 6339

    الكنية أو اللقب : أبو عبد الرحمن .

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : من كل بستان زهرة.

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 9

    التقويم : 13

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل2/8/2006

    آخر نشاط:06-11-2012
    الساعة:02:31 PM

    المشاركات
    1,751

    أنتِ تتحدثين عن قضية كبيرة يصعب إيجازها ولكن غداً أوفّيكِ ما شئتِ أنا أو غيري .

    التعديل الأخير من قِبَل زهرة متفائلة ; 10-02-2017 في 02:12 PM السبب: السهو في إشباع الحركة
    المعلم الناجح يدٌ تربى و يدٌ تعلم.


  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 8460

    الكنية أو اللقب : أبو أحمد

    الجنس : ذكر

    البلد
    الأردن

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة تركية وعثمانية

    معلومات أخرى

    التقويم : 10

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل15/12/2006

    آخر نشاط:26-11-2015
    الساعة:07:27 PM

    المشاركات
    497
    العمر
    66

    Lightbulb ياء المخاطبة ...

    عندما نخاطب الأنثى شاكرين فإننا نقول: "شكراً لكِ"
    نقول "لَكِ" بالكسر، ولا نقول "لَكي" بالياء
    نقول "منكِ" و "كتابكِ" و "أنتِ" و "قرأتِ" و "أرجوكِ"
    ولا نقول "منكي" و "كتابكي" و "أنتي" و "قرأتي" و "أرجوكي"

    مد كسرة "تاء المخاطبة" في صيغة الفعل الماضي للمخاطبة وتحويلها إلى ياء من الأخطاء الشائعة في اللهجات العامية، وينبغي أن نكتفي بكسرة التاء إذا أردنا أن يكون كلامنا فصيحا.

    نقول: فعلتِ وقرأتِ وكتبتِ،
    ولا نقول: فعلتي وقرأتي وكتبتي.

    وذلك لأن التاء المكسورة في حالة الفعل الماضي هي الفاعل، وتدل على المخاطبة، فلا نحتاج معها إلى ياء مخاطبة.

    وأما الفاعل في حالتي الأمر والمضارع فهو ياء المخاطبة التي يجب إثباتها وابقاؤها ولا يجوز حذفها. والذي يحذف في حالة بناء فعل الأمر افعلي أو في حالة جزم الفعل المضارع لم تفعلي أو نصب الفعل المضارع لن تفعلي فهو النون.




    خبير اللغتين التركية و العثمانية
    منذر أبو هواش
    Munzer Abu Hawash
    Turkish - Ottoman Translation
    Munzer Abu Havvaş
    Türkçe - Osmanlıca Tercüme


    munzer@mail.com
    http://ar-tr-en-babylon-sozluk.tr.gg

  4. #4
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 6339

    الكنية أو اللقب : أبو عبد الرحمن .

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : من كل بستان زهرة.

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 9

    التقويم : 13

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل2/8/2006

    آخر نشاط:06-11-2012
    الساعة:02:31 PM

    المشاركات
    1,751

    بوركت أستاذ منذر فوالله كان الوقت متأخراً ولم أنتبه لذلك بارك الله فيك.

    المعلم الناجح يدٌ تربى و يدٌ تعلم.


  5. #5
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 6339

    الكنية أو اللقب : أبو عبد الرحمن .

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : من كل بستان زهرة.

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 9

    التقويم : 13

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل2/8/2006

    آخر نشاط:06-11-2012
    الساعة:02:31 PM

    المشاركات
    1,751

    Post قضية اللفظ والمعنى.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
    سأتحدثُ إلى حضراتكم عن قضية اللفظ والمعنى محاولاً إيجازها قدر المستطاع ، أقول وبالله التوفيق:

    لم تنل قضية من قضايا النقد العربى ما نالته قضية "اللفظ والمعنى" من إتمام وشدة جدل، فقد فرغ لها جهابذة النقد العربى وأوسعوها تحليلاً وتقنيناً، منذ الجاحظ حتى عبد القاهر الجرجانى، مروراً بابن قتيبة وابن طبابا العلوى وقدامة بن جعفر وابن المعتز والآمدى والجرجانى وسواهم.

    وارتبط تحليل هذه القضية وكذلك نتائج هذا التحليل بعدد من القضايا الآخرى مثل قضية الصدق والكذب وقضية البديع وعمود الشعر وقضية التخييل الشعرى وقضية الإعجاز فى القرآن الكريم.
    ويعود السبب فى هذا الإهتمام وذلك التنوع إلى عدة أسباب بعض هذه الأسباب تاريخى وبعضها ثقافى حضارى:
    1/الصراع الذى كان يدور بين المتعصبين للعروبة وبين أنصار الشعوبية(إحدى حركات الفرس وهدفها الحط من لغة العرب وشأنهم ومجدهم ) إلى صراع بين اللفظ والمعنى فقد سادت فكرة مؤداها أن الألفاظ للعرب - فالعرب تمهروا فى ذلك ولهم قصب السبق فى اختراع الألفاظ - والمعانى فمن نصيب العجم.
    مما دفع بعض الباحثين عن الإعجاز فى القرآن الكريم إلى العناية بالجانب اللغوى فى القرآن بإعتباره المظهر الوحيد للتحدى فى القرآن الكريم .

    2/ اختلاف العلماء حول قدم القرآن وخلقه وتعود جذور القضية حول "هل القرآن نزل بلفظه أم بمعناه دون لفظه"

    3/اتصال البلاغيين والنقاد العرب بالثقافات النقدية والوافدة وبخاصة (كتابات اليونانيين فى الشعر) .

    [line]
    ولعل أول من أثار قضية اللفظ والمعنى بطريقة مكثفة هو الجاحظ فى كتابيه الحيوان والبيان والتبيين فهو يتحدث عن هذه القضية فى إطار نظريته عن البيان إذ يرى فى مقدمة كتابه البيان والتبيين أن هناك عيبان يلحقان بالكلام :
    الأول : سماه "السلاطة والهذر"
    والثانى: أطلق عليه "العى والحصر"

    ويقصد بالسلاطة والهذر :كثرة الكلام بلا فائدة، ويقصد بالعى والحصر: عجز الكلام عن أدا المعنى.
    فالأول زيادة فى الألفاظ والثانى عجز فى الألفاظ عن أداء المراد، والحد المتوسط الذى تؤدى فيه الألفاظ المعانى المرادة تأدية كاملة فقد أطلق عليها الجاحظ اسم " البيان"

    والجاحظ يفرق بين عنصرين :
    1-عنصر الألفاظ :وهى أصوات يجرى بها اللسان .
    2- وعنصر المعانى : تصور وتخيل فى الخواطروالأذهان.

    ويقسم الجاحظ درجة قيام الألفاظ بالمعانى إلى ثلاثة أقسام:أ- هذر : وهو سلاطة وزيادة وتشدق ومحاولة تأثير بالألفاظ.
    ب- بيان : قيام اللأفاظ بأداء المعانى تامة دون نقص.
    ج- حصر فينشأ عن نقصان آلة الكلام أو عدم التمييز أو انعدام الترتيب.

    فالمعانى كما يقول الجاحظ : محدودة مبسوطة إلى غير غايةويعرفها كلاً من العربى والعجمى والحضرى والبدوى.
    والمفاضلة عند الجاحظ تكون فى اللأفاظ لأنها محدودة محصورة.
    ويوضح الجاحظ بأن أحسن الكلام "ما كان قليله يغنيك عن كثيره ومعناه فى ظاهر لفظه"
    - ويذهب الجاحظ إلى تقسيم اللفظ والمعنى تقسيماً جديداً فيقول :
    اللفظ : منه الحقير ومنه الشريف.
    والمعنى: منه الساقط ومنه الكريم.

    وهنا يظهر لنا أربعة أنواع من الكلام عند الجاحظ وهى :
    1-فاسد اللفظ ساقط المعنى .
    2- شريف اللفظ كريم المعنى .
    3-شريف اللفظ ساقط المعنى.
    4- ساقط اللفظ كريم المعنى.
    وفى نهاية الحديث عن الجاحظ أورد لكم مثالاً اورده هو عن فساد اللفظ إذ يقول :
    "فهذا رجل نحوى يروى عنه الجاحظ أنه ذهب يشكو رجلاً للأمير فى دين ٍ كان عليه :
    فقال نحوى :أصلح الله الأمير لى عليه درهمان ، فقال خصمه لا والله أيها الأمير إن هى ثلاثة دراهم لكنه أراد أن يتشلدق بالإعراب فجعلها مثنى وترك حقه"

    ومثال أورده عن فساد المعنى :
    "يحكى أن رجلاً يقال يسمى أبا السرايا ذهب إلى الغداء على مائدة سليمان بن عبد الملك الأمير الأموى المعروف فقبيل له وهو جالس يأكل بجوار سليمان :
    كل من كلية الهذا الجدى فإنه يزيد الدماغ ، فقال أبو السرايا: لوكان هذا هكذا لكان رأس الأمير مثل رأس البغل"

    [line]
    أما ابن قتيبه ففى حديثه عن اللفظ والمعنى تأثر بالجاحظ فى تقسمه الرباعى للفظ والمعنى فيقسم اللفظ والمعنى على معيارى الجودة والرداءة والحسن فيقسم اللفظ والمعنى إلى :
    1-ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه.
    2- ضرب منه حسن لفظه وحلا فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة فى المعنى .
    3-وضرب منه جاد معناه وقصرت ألفاظه.
    4- وضرب منه تأخر معناه وتأخر لفظه.
    ويمثل لكل نوع عنده بمثال شعرى فى معرض حديثه عن القضية.

    ويقال أن الجاحظ كا نيفهم الجودة فى الشعر فهم الخبير ، أما ابن قتيبة فكان يفهمه فهم العالم المحلل.

    [line]
    ويطلع علينا قدامة بن جعفر ولكنه لم يضف جديداً فقسم الشعر إلى أربعة أضرب كابن قتيبة وفهم اللفظ والمعنىكما فهمه ابن قتيبة ولكنه أدخل عنصراً جديداً إلى اللأفاظ والمصطلحات وهو عنصر " التخيل -معانى الشعر-"


    والآمدى يطلق مصطلح المعنى على :
    1* المضمون.
    2* المحتوى الفكرى.
    3* الصورة الخيالية.

    [line]
    يتبقى لنا الجرجانى أرجئه فى وقت آخر إن كان لنا فى العمر بقية إن شاء الله وأرجو أن أكون أوجزت شيئاً ولو يسيراً عن قضية اللفظ والمعنى والله من وراء القصد .

    والسلام عليكم ورحمة اله وبركاته....

    المعلم الناجح يدٌ تربى و يدٌ تعلم.


  6. #6
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 6339

    الكنية أو اللقب : أبو عبد الرحمن .

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : من كل بستان زهرة.

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 9

    التقويم : 13

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل2/8/2006

    آخر نشاط:06-11-2012
    الساعة:02:31 PM

    المشاركات
    1,751
    المعلم الناجح يدٌ تربى و يدٌ تعلم.


  7. #7
    جوهرة الفن
    زائر عزيز

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    الغاية من السؤال الجاحظ وابن قدامة وابن قتيبة وعبد القاهر الجرجاني هكذا فهمت من كلامك .

    كانت لدي استفسارات أخي الكريم فأشكرك لتوضيحك .

    ( حين يطرح السؤال لا يحدد بالنقد في العصر الحديث فهل النقد في العصر القديم

    يكون مطلوبا بحيث أتحدث عن قضية اللفظ والمعنى في العصر الأموي والعباسي من

    حيث التلاعب باللفظ والمعنى والغموض والصدق الفني وما إلى ذلك ..

    أيضا لدي سؤال : هل أتحدث عن أرسطو ثم أذكر النقد العربي وانقسام العرب فيه

    إلى طوائف ثم أفصل الحديث فأتحدث عن أبي عمرو الشيباني والجاحظ و.. و ..) .

    جميل ما أتيت به أخي الكريم فقد جدت بفيض عذب وأنا في انتظار ما ستكتبه

    عن عبد القاهر الجرجاني .

    أعتذر إن وجدت أخطاء إملائية أو خلل في التنسيق لأن مؤشر الكتابة لا يظهر لدي

    في بداية السطر .


  8. #8
    جوهرة فنون العربية
    زائر عزيز

    أتمنى أن لا يطول الانتظار فاختباري الأسبوع القادم ولدي كتاب غنيمي هلال لكن تشوقي

    لما ستوجزه عن عبد القاهر الجرجاني مفعم بقوة تمنعني من الاستقرار ..


  9. #9
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 6339

    الكنية أو اللقب : أبو عبد الرحمن .

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : من كل بستان زهرة.

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 9

    التقويم : 13

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل2/8/2006

    آخر نشاط:06-11-2012
    الساعة:02:31 PM

    المشاركات
    1,751

    سأفعل بإذن الله وعذراً على الإطالة غير المقصودة ...

    المعلم الناجح يدٌ تربى و يدٌ تعلم.


  10. #10
    جوهرة فنون العربية
    زائر عزيز

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أمن الممكن أيها الأخ الكريم ناجى أحمد اسكندر أن تذكر اسم الكتاب الذي رجعت إليه لأن ما كتبته ليس من كتاب غنيمي وشكرا .


  11. #11
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 6339

    الكنية أو اللقب : أبو عبد الرحمن .

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : من كل بستان زهرة.

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 9

    التقويم : 13

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل2/8/2006

    آخر نشاط:06-11-2012
    الساعة:02:31 PM

    المشاركات
    1,751

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
    الكتاب درسته العام الماضى فى الدراسات الأكاديمية بكلية الآداب ولكن الدكتور لم يضع اسم صاحب الكتاب وسأبحث عن ذلك جاهداً بإذن المولى .


    أما ما وجدته لكِ فى هذا الشأن فيمكنكِ النظر هنا فى هذا المقال من إعداد الدكتورة مليكة حفان المغربية.
    ولكم أعجبنى مقالها لشموليته فى الحديث عن القضية فأتمنى أن تستفيدى منه وهى أوردت كل مراجعها التى استعانت بها ، فجزاها الله كل خير ، ونتمنى لكِ إستفادة طيبة معنا فى الفصيح وأعتذر عن التأخير أختنا الكريمة.

    المعلم الناجح يدٌ تربى و يدٌ تعلم.


  12. #12
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 6339

    الكنية أو اللقب : أبو عبد الرحمن .

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : من كل بستان زهرة.

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 9

    التقويم : 13

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل2/8/2006

    آخر نشاط:06-11-2012
    الساعة:02:31 PM

    المشاركات
    1,751

    وأنقل لكم هنا بعض المقالات التى أعجبتنى وأحد فيها فائدة:-

    لعل من أهم القضايا التي أثيرت في تاريخ الأدب العربي قضية اللفظ والمعنى والمفاضلة بينهما، وأول من أثارها الجاحظ بتفضيله اللفظ على المعنى بل ربما أنكر فضل المعاني، فهي كما يقول مطروحة لمن شاء أن يأخذ منها، وقد انتشرت هذه الفكرة وأولع بها الكثيرون حتى أن ابن خلدون –وهو في القرن الثامن- يدعوا إليها، ولعل السبب وراء ذلك اشتعال الخلاف بين المتكلمين والزنادقة حول إعجاز القرآن فقد حاول المتكلمون إثبات اعجازه، فزعموا أنه بالمعنى ولكنهم رأوا أن المعاني موجودة في غيره بل هي مشتركة بين الأمم و اللغات المختلفة، ثم قال النظام وهو أستاذ الجاحظ أن إعجاز القرآن بالصرفة حيث صرف الله العرب عن قول مثله، ولكن هذا لم يشف صدر الجاحظ حتى اهتدى إلى ما أسماه بالنظم، فقال بأن القرآن معجز بنظمه وتأليفه واندفع يشيد في الأدب كله بالنظم واعتبره وحده معيار البلاغة لما رآه مصدر إعجاز القرآن، وقد تصدى لهذه الفكرة الكثير من الأدباء كقدامة في كتابه نقد الشعر والجرجاني في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وابن قتيبه في كتابه الشعر و الشعراء، وابو هلال في كتابه الصناعتين، وابن رشيق في كتابه العمدة وغيرهم، وننقل هنا كلام لثلاثة ممن أثاروا هذه القضية وكان لهم آراء مختلفة وهم، الجاحظ وقد فضل اللفظ، وردُ الجرجاني عليه وقد فضل المعنى بعض الشيء، وكذلك كلام ابن رشيق وقد جمع بينهما.

    قول الجاحظ:

    يقول الجاحظ: "المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها الأعجمي والعربي والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتحبير اللفظ وسهولته وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير"، والعجيب أن الجاحظ من أئمة الأدب الذين اعتنوا بالمعنى و عرفوا شرفه، وحقا كان يعتني بألفاظه ولكنها عناية تابعة لمعانيه وهذا ما استخدمه الجرجاني للرد عليه كما سنرى.

    رد الجرجاني:

    تحدث الجرجاني في هذا الشأن في بداية كتابه أسرار البلاغة فبين أن الألفاظ لا تفيد بذاتها حتى تؤلف وترتب على وجه ما وحتى تحمل بين طياتها معنا يستحسن ويطلب، فهو يرى الألفاظ خدم للمعنى، فإن استجادة الشعر ليست لأجل اللفظ وحسب، وإلا لكان تغيير ترتيب كلمات بيت ما لا تضر بحسنه، غير أنها في الحقيقة تضر وتذهب ببهاء البيت بل ربما ذهب به كله ولم يعد قولا مفيدا، وبهذا فإن الألفاظ وحدها ليس لها فضل وليس بها إعجاز، فإنك إن استحسنت قولا فإنما ذلك لاستحسانك المعنى الذي طرق قلبك وعقلك، حتى أن فنون اللفظ التي تضفي عليه حسنا لا تستحسن بغير النظر إلى المعنى كالتجنيس مثلا: " فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعاً حميداً ، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيداً ، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله :

    ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت***فيه الظنون أمذهب أم مذهب



    واستحسنت تجنيس القائل : حتى نجا من خوفه ومانجا ، وقول المحدث :

    ناظراه فيما جنى ناظراه*** أو دعاني أمت بما أو دعاني



    لأمر يرجع إلى اللفظ ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأول وقويت في الثاني؟ ورأيتك لم يزدك بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفاً مكررة ، تروم لها فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة ، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها ، ويوهمك كأنه لم يزدك ، وقد أحسن الزيادة ووفاها، فبهذه السريرة صار التجنيس وخصوصاً المستوفي منه المتفق في الصورة من حلي الشعر ومذكوراً في أقسام البديع ، فقد تبين لك أن ما يعطى التجنيس من الفضيلة أمر لم يتم إلا بنصرة المعنى".

    وكذلك الأمر في السجع فعلى كونه من زينة اللفظ إلا أننا نجد المتقدمين يزهدون فيه إلا ما جاء على الطبع و السجية وتجده قليل، أما المتأخرين فإنك تجد اهتمامهم بزينة اللفظ وشغفهم به وتنكرهم للمعنى أنساهم أنهم يتكلمون لِيُفهَموا.

    وساق الجرجاني دلالة من كلام الجاحظ نفسه على أن اللفظ ومحسناته ليست هي الأهم في الأمر، يقول الجرجاني: "جَنَّبَك اللّهُ الشُّبْهةَ، وَعصَمك من الحَيرة، وجَعلَ بينك وبين المعرفة نسباً، وبين الصدق سَبَباً، وحبَّب إليك التثبُّت، وزيَّن في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعرَ قلبكِ عِزَّ الحقّ، وأودَعَ صدرَك بَرْدَ اليقين وطرد عنك ذلَّ اليأس، وعرَّفك ما في الباطل من الذلَّة، وما في الجهل من القِلَّة".

    ويجعل الجرجاني الفضل في للمعنى حيث يقول: "ومنَ المعلوم أنْ لا معنى لهذه العباراتِ وسائرِ ما يجري مَجراها مما يُفْرَدُ فيه اللفظُ بالنعتِ والصفةِ وينسبُ فيه الفضلُ والمزيَّةُ إليه دونَ المعنى غيرَ وصفِ الكلام بحسنِ الدَّلالة وتمامِها فيما له كانت دَلالةٌ ثم تبرُّجها في صورةٍ هي أبهى وأزْينُ وآنقُ وأعجبُ وأحقّ بأنْ تستوليَ على هَوى النفس وتنالَ الحظَّ الأوفرَ من ميل القلوب وأولى بأن تطلقَ لسانَ الحامدِ وتُطيلَ رُغمَ الحاسد . ولا جهةَ لاستعمال هذه الخصالِ غير أنْ يُؤتَى المعنى من الجهةِ التي هيَ أصحُّ لتأديتهِ ويختارُ له اللفظُ الذي هو أخصُّ به وأكشَفُ عنه وأتمُّ له وأَحرى بأن يُكسِبَه نُبلاً ويُظهرَ فيه مزيَّةً".

    فهو بهذا يجعل المعنى أصلا واللفظ فرعا وهو كلام حسن فإن أول ما يتبادر إلى ذهنك المعنى الذي تريد أن تكتب عنه ثم إنك تبحث عن اللفظ الملائم له، غير أنك باطلاعك على كتب الجرجاني تخرج بأنه قد وفق بينهما وحفظ لكل حقه غير أنه بدى لتفضيل المعنى أقرب لما كان منه من دفاع عنه.

    قول ابن رشيق:

    أما ابن رشيق في كتابه العمدة فقد جمع بين القولين ورأى أن لكلاهما فضل ومزية، يقول ابن رشيق: "اللفظ جسم، وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه، ويقوى بقوته، فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصاً للشعر وهجنة عليه، كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور وما أشبه ذلك، من غير أن تذهب الروح، وكذلك إن ضعف المعنى واختل بعضه كان للفظ من ذلك أوفر حظ، كالذي يعرض للأجسام من المرض بمرض الأرواح، ولا تجد معنى يختل إلا من جهة اللفظ، وجريه فيه على غير الواجب، قياساً على ما قدمت من أدواء الجسوم والأرواح، فإن اختل المعنى كله وفسد بقي اللفظ مواتاً لا فائدة فيه، وإن كان حسن الطلاوة في السمع، كما أن الميت لم ينقص من شخصه شيء في رأي العين، إلا أنه لا ينتفع به ولا يفيد فائدة، وكذلك إن اختل اللفظ جملة وتلاشى لم يصح له معنى؛ لأنا لا نجد روحاً في غير جسم البتة".

    وكذلك فعل قدامة في كتابه نقد الشعر حيث قسم الشعر أربعة أقسام، جيد اللفظ جيد المعنى، جيد اللفظ رديء المعنى، رديء اللفظ جيد المعنى، رديء اللفظ رديء المعنى وتعدث عن ائتلافهما، وهو بذلك يتفق مع ابن رشيق بتفصيل أكثر وهو الصواب والحق فإننا نرى البيت حسن معناه وساء لفظه و البيت ساء معناه وحسن لفظه.

    المعلم الناجح يدٌ تربى و يدٌ تعلم.


  13. #13
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 6339

    الكنية أو اللقب : أبو عبد الرحمن .

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : من كل بستان زهرة.

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 9

    التقويم : 13

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل2/8/2006

    آخر نشاط:06-11-2012
    الساعة:02:31 PM

    المشاركات
    1,751

    المقال رقم 2منقول بتصرف عن كتاب نظرية النقد العربي رؤية قرآنية معاصرة ... وصاحبه رجل شيعى ولكن أنقله للفائدة ...


    « قضية اللفظ والمعنى »
    1 ـ أبعاد هذه المعركة النقدية .
    2 ـ الفريق الأول : تفضيل الألفاظ .
    3 ـ الفريق الثاني : الجمع بين اللفظ والمعنى .
    4 ـ الفريق الثالث : وحدة اللفظ والمعنى .
    5 ـ الفريق الرابع : العلاقة القائمة بين اللفظ والمعنى .
    -------------------------------------------------


    أبعاد هذه المعركة النقدية :
    من المسائل الكبرى عند النقاد القدامى ، مسألة اللفظ والمعنى ، فقد قامت المعركة بينهم على أشدها في تحديد دور كل منهما في إعطاء النص الأدبي قيمته الفنية ، ومن ثم في تقويم شخصية كل منهما في السيادة والأولوية .
    ولعل المحفز لهذه المعركة الإعجاز القرآني ، أو لفكرة الإعجاز في القرآن وارتباط الفكر النقدي والبلاغي بمضامينها ، باعتباره عريباً إسلامياً ، فكان النزاع محتدماً في أين يكمن الإعجاز ، في اللفظ وتأليفه ، أو المعنى ودلالته ، أو بهما معاً ، أم بالعلاقة المتولدة بين ذا وذا .
    ويمكن حصر أبعاد هذه المعركة بأربعة فرقاء :
    1 ـ فريق اللفظ ، ويمثله الجاحظ ( ت 255 هـ ) وأبو هلال العسكري ( ت 395 هـ ) .
    2 ـ فريق اللفظ والمعنى ، ويمثله ابن قتيبة ( ت 276 هـ ) ، وقدامة بن جعفر ( ت 337 هـ ) .
    3 ـ فريق لم يفصل بين اللفظ والمعنى ، ويمثله ابن رشيق ( ت 414 هـ ) وابن الأثير ( ت 637 هـ ) .
    4 ـ فريق جرد اللفظ والمعنى ، وقال بالعلاقة القائمة بينهما ، ويمثله عبد القاهر ( ت 471 هـ ) .
    ولا بد لنا من المسير شوطاً في غمار هذه المعركة للكشف عن مراميها ، وسبر أغوارها ، لنصل بعد هذا المسير إلى الميناء الذي ترسو عليه الصورة الأدبية .
    -----------------------------------------------

    1 ـ الفريق الأول : ما من شك أن الجاحظ ( ت 255 هـ ) هو أول من ألقح شرارة هذه المعركة ، تعلقاً منه بمذهب الصيغة ، وتعصباً للفظ ، ومشايعة للصياغة سواء فيما رآه وقرره ، أو بما نقله وأقحمه من آراء العلماء والأدباء والنقاد ، وهو في كل ذلك يضع الأناقة والجودة والجمال في الألفاظ ، فالمقياس عنده للقيمة الأدبية إنما يتقوم في جزالة اللفظ ، وجودة السبك ، وحسن التركيب لأن « المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والقروي ، والبدوي والقروي ، إنما الشأن في إقامة الوزن ، و تخير اللفظ ، وسهولة المخرج ، وفي صحة الطبع وجودة السبك » (1) .
    وتبعه على هذا الرأي أبو هلال العسكري ، فحذا حذوه ، وسلك منهجه حتى تقاربت الألفاظ ، وتشابهت العبارات ، فنراه في فصل يعقده لذلك ، وهو الفصل الأول من الباب الثاني من الصناعتين ، يقول :
    الكلام ـ أيدك الله ـ يحسن بسلاسته ، وسهولته ، ونصاعته ، وتخير ألفاظه ، وإصابة معناه ، وجودة مطالعه ، وليس مقاطعه ، واستواء تقاسيمه ، وتعادل أطرافه ، وتشابه بواديه ، وموافقة أخيره فباديه ، حتى لا يكون في الألفاظ أثر ، فتجد المنظوم مثل المنثور في سهولة مطلعه ، وجودة مقطعه ، وحسن رصفه وتأليفه ، وكمال صوغه وتركيبه ، فإذا كان الكلام كذلك كان بالقبول حقيقاً ، وبالتحفظ خليقاً ) (2) .
    فعيار سلامة الكلام عنده تنحصر في سلامة اللفظ وسهولته ونصاعته ، وجودة مطالعه ، ورقة مقاطعه ، وتشابه أطرافه ، وما نسجه على هذا المنوال وفي هذا الهدف ، أما إصابة المعنى ( فليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا ) (3) .
    ثم يعزز رأيه بشواهد وأمثلة يختارها تعنى بالصياغة اللفظية ، تاركاً وراءه المعاني ، عازفاً عن قبولها قبولاً حسناً ، فهي مبتذلة يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي ـ كما عبر عن ذلك الجاحظ بالنص ـ فيقول
    ____________
    (1) الجاحظ ، الحيوان : 3|131 ـ 132 .
    (2) الصناعتين : 61 .
    (3) المصدر نفسه : 64 .
    ---------------------------------------------------

    « وليس الشأن في إيراد المعاني ، لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي ، وإنما هو جودة اللفظ وصفائه ، وحسنه وبهائه ، ونزاهته ونقائه ، وكثرة طلاوته ومائه ، مع صحة السبك والتركيب ، والخلو من أود النظم والتأليف » (1) .
    فالعسكري معني بالهيكل وأناقته ، ومفتتن بالألفاظ وإطارها باعتبارها الوسائل التي يتفاضل بحسن اختيارها الأدباء ، وهو يحكي ما قرره الجاحظ ويتناوله بالكشف والإيضاح ، ولا جديد عنده عليه ، فهما إذن يصدران عن قاعدة واحدة تشكل هذا الرأي الخاص ، ولعل مرد هذا الرأي في تعصبهما الظاهر للفظ إنما يرجع إلى دوافع نفسية وسياسية وعصبية قبلية ، وإن صح هذا فهذه الدوافع لا تشكل حكماً علمياً مجرداً ، ولنقف عندها قليلاً :
    أ ـ الدافع النفسي : لا شك أن اللفظ الرقيق ، والجرس الناغم ، والتركيب الناصع ، مظاهر تسيطر على النفوس فتنجذب نحوها انجذاباً ، وجزالة الأسلوب تهيمن على القلوب فتبهر بها وتنساق إليها ، سيراً وراء هذا المظهر البراق ، ولعل الجاحظ والعسكري قد افتتنا بهذا فسيطر عليهما نفسياً ، حتى عاد ذلك قناعة ورأياً ، فكانت أراؤهما تعبيراً عما يعتقدان .
    ب ـ الدافع السياسي : كانت السلطة الزمنية في الفترة ما بين عصري الجاحظ والعسكري فترة مزدهرة بالترجمة والتأليف والكتابة وصولة البيان ، وكان الخط السياسي معنياً بتقييم الكتاب ، فعليهم تقوم أركان الدولة ، وبهم ينهض مجد الحكم ، ومنهم يخرج عطاء الناس ، وبهم تتفاخر الأمراء والوزراء والولاة ، والكتاب إنما يتميزون بالأداة الصالحة والمهارة الفنية ، وهما يستقيمان باللفظ والتحكم فيه ، وإخضاع تلك المهارة لأغراض الدولة ومتطلبات السلطان ، وليست أغراض الدولة أغراضاً علمية فتحتاج إلى عميق المعاني وموضوعية البيان ، وإنما هي أغراض سياسية تحققها قعقعة الألفاظ وزبرجة الهياكل ، فإذا أضفنا إلى هذا مكانة الجاحظ وشخصية العسكري وما يقتضي مركزهما من التريث والتدبر حفاظاً على النفس ، وقضاء للمصالح ، فما المانع أن يندفعا هذا الاندفاع إرضاء لأولئك الكتاب ، أو حذراً من ولاة الأمور ، ولكن هذا التعليل يقضي بأن الجاحظ والعسكري وأنصارهما قد تجاهلوا كيانهم الحضاري ومجدهم العلمي ، وفرطوا بذوقهم الأدبي وتراثهم العقلي راغبين أو راهبين .
    ج ـ الدافع القومي : ومرده في إعطاء هذا الرأي وبخاصة من قبل الجاحظ هو محاولة دحض مزاعم الشعوبيين الذين حاولوا تفضيل نصوصهم الأدبية على النصوص العربية بكثرة معانيها ، وتدفق أغراضها ، و تعدد موضوعاتها ، فكان رد الفعل لدى النقاد العرب هو التقليل من قيمة المعاني وإعطاء القيمة للصناعة اللفظية .
    ____________
    (1) المصدر نفسه : 63 ـ 64 .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
    2 ـ الفريق الثاني : وذهب الفريق الثاني وفي طليعته ابن قتيبة ( ت 276 هـ ) إلى القول بالجمع بين اللفظ والمعنى مقياساً في البلاغة ، وميزاناً للقيمة الفنية ، فرأى أن الشعر يسمو بسموهما وينخفض تبعاً لهما ، وقد قسم الشعر إلى أربعة أضراب :
    1 ـ ضرب حسن لفظه وجاد معناه .
    2 ـ ضرب منه حسن لفظه وحلا ، فإذا فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى .
    3 ـ ضرب منه جاد معناه ، وقصرت ألفاظه .
    4 ـ ضرب منه تأخر معناه ، وتأخر لفظه (1) .
    فاللفظ والمعنى عند ابن قتيبه يتعرضان معاً للجودة والقبح ، ولا مزية لأحدهما على الآخر ، ولا استئثار بالأولوية لأحد القسيمين ، فقد يكون اللفظ حسناً وكذلك المعنى ، وقد يتساويان في القبح ، وقد يفترقان .
    ولم يعدم ابن قتيبة الموافقين له على رأيه ، وفيه من الوجاهة ما يدعمه ، فقد سار على منهاجه قدامة بن جعفر في نقد الشعر وتحدث عن اللفظ والمعنى ، وجعلهما قسيمين في تحمل مظاهر القبح وملامح الجودة فيما أورده من آراء في عيوب الالفاظ والمعاني (2) .
    ____________
    (1) ابن قتيبة ، الشعر والشعراء : 7 ـ 9 .
    (2) قدامة ، نقد الشعر ، الفصل الثالث : 194 ـ 214 .

    وإذا وافقنا ابن قتيبة في تقرير الموضوع الأصل وهو سليم جداً ، فإننا نخالفه في طبيعة فهمه ، وتطبيق الحكم على النماذج التي أختارها دليلاً على صحة دعواه . ولا سيما في الضرب الثاني الذي حسن لفظه وقصر معناه ، فإنه يستشهد بهذه الأبيات (1) .


    ولما قضينا من منى كل حاجة * ومسـح بالاركـان مـن هو ماسـح
    وشدت علـى حـدب المهاري * رحالنا ولا ينظر الغادي الذي هو رائح
    أخـذنا بأطــراف الأحـاديث * بينا وسالت بأعنـاق المطي الأباطـح


    ثم يعقب عليها ناقداً ومعلقاً بقوله « هذه الألفاظ كما ترى أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع ، وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته : ولما قطعنا أيام متى ، واستلمنا الاركان ، وعالينا إبلنا الانضاء ، ومضى الناس لا ينتظر الغادي منهم الرائح ، ابتدأنا في الحديث وسارت المطي في الأبطح (2) .
    فابن قتيبة ببساطة يحكم على سذاجة المعنى ، ويدعي في الألفاظ سلس العبارة ، وجودة المخارج ، وحسن المقاطع ، ولكنني ألمس مخالفته في الموضعين :
    أ ـ اعتبر الألفاظ في سياقها جيدة المخارج والمقاطع والمطالع ، وقد يكون بعضهما كما رأى ، ولكن أقل ما قبح البعض الآخر مجتمعاً توالي حروف الحلق في حاءاتها وهاءاتها والعين والغين مما يمنع تقاطرها في النطق وانصبابها في التحدث إلا بتكلف ، وهي على وجه الضبط : حاجة ، ومسح ، هو ، ماسح ، على ، حدب ، المهارى ، رحالنا ، الغادي ، هو ، رائح ، الأحاديث ، أعناق ، الأباطح ، فما رأيك في أبيات عدة ألفاظها ثلاثون لفظاً اشتمل منها أربعة عشر لفظاً على حروف مخرجها واحد لا يتعداه وهو الحلق
    ____________
    (1) تنسب الأبيات إلى كثير غزة كما في الديوان : 525 ، وقيل لابن الطثرية وقيل للمضرب كما في معاهد التنصيص : 241 . وتنسب للمضرب وحده كما في أمالي المرتضى : 1|458 ، وإلى هؤلاء وغيرهم كما في تخريج هامش أسرار البلاغة : 21 ، رقم 25 .
    (2) ابن قتيبة ، الشعر والشعراء : 8 .

    أو أقسى الحلق ؟ فأين حسن المخارج والمقاطع يا ترى ؟ .
    ب ـ أما المعاني وقد عابها ، ونثرها نثراً سوقياً ، فلا حاجة إلى بيان ما اشتملت عليه من رقة وزهو وسلاسة لا سيما في البيت الثالث منها ، ويكفي أن أحيلك على عبد القاهر في كشف جمالها وبيان روعتها ، فقد تناولها بالتعليق في قوله : إن أول ما يتلقاك من محاسن هذا الشعر أنه قال : ( ولما قضينا من منى كل حاجة ) فعبر عن قضاء المناسك بأجمعها والخروج من فروضها وسنتها من طريق أمكنه أن يقصر سعة اللفظ وهو طريقة العموم : ثم نبه بقوله : ( ومسح بالأركان من هو ماسح ) على طواف الوداع الذي هو آخر الأمر ، ودليل المسير الذي هو مقصوده من الشعر ، ثم قال ( أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ) فوصل بذكر مسح الأركان ما وليه من زم الركاب وركوب الركبان ، ثم دل بلفظة ( الأطراف ) على الصفة التي يختص بها الرفاق في السفر من التصرف في فنون القول وشجون الحديث ، أو ما هو عادة المتطوفين من الإشارة والتلويح والرمز والإيماء ، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس ، وقوة النشاط ، وفضل الاغتباط ، كما توجبه إلفة الأصحاب ، وأنسة الأحباب ، وكيف يليق بحال من وفق لقضاء العبادة الشريفة ورجا حسن الإياب .. ثم زان ذلك كله باستعارة لطيفة طبق بها معضل التشبيه ... فصرخ أولاً بما أومأ إليه في الأخذ بأطراف الأحاديث من أنهم تنازعوا أحاديثهم على ظهور الرواحل ، وفي حالة التوجه إلى المنازل وأخبر بعد بسرعة السير ، ووطأة الظهر ، إذ جعل سلاسة سيرها بهم كالماء تسيل به الأباطح ... » (1) .
    وما أبديناه بالنسبة للألفاظ ، وما قرره عبد القاهر بالنسبة للمعاني ، كان سبب مخالفتنا لابن قتيبة في التطبيق ، وموافقتنا له في الحكم وعموم الأصل .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ
    3 ـ الفريق الثالث : ويتمثل بابن رشيق ( ت 456 هـ ) فقد اعتبر اللفظ والمعنى شيئاً واحداً متلازماً ملازمة الروح للجسد ، فلا يمكن الفصل بينهما بحال ، قال :
    « اللفظ جسم ، وروحه المعنى ، وارتباطه كارتباط الروح بالجسم : يضعف بضعفه ، ويقوى بقوته ، فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصاً للشعر وهجنة عليه .. فإن اختل المعنى كله وفسد بقي اللفظ مواتاً لا فائدة فيه » (1) .
    ويبدو لي أن هذا النوع من التعقيد والتقرير أقرب إلى القصد والاعتدال منه إلى التمحل والتعقيد ، فالصورة عند ابن رشيق لا تكون واضحة الرؤية خصبة التخطيط إلا من خلال عنايتها باللفظ لتجعله الوسيط الدال على المعنى المراد لأكيد الصلة ووشيج النسب بينهما « لأن التفكير في اللفظ والمعنى تفكير جملي يفكر فيه الأديب مرة واحدة وبحركة عقلية واحدة ، فإذا رتبت المعاني في الذهن ترتيباً منطقياً ، وإذا تحددت في الفكر تحديداً يجمعه ترابط المعاني وتداعيها ، هذا الترابط وهذا التداعي الذي يرضاه المنطق أو يرضاه حسن الأديب ، انحدرت هذه المعاني على اللسان بألفاظها الملائمة بها خطابة ، وانحدرت على القلم بألفاظها المطاوعة لها كتابة وشعراً من غير تهذيب واختيار لهذه الألفاظ » (2) .
    وهذا المنهج الذي اختطه ابن رشيق تكاد تنجذب له نفوس قسم من النقاد القدامى والمعاصرين ، ففي طليعة القدماء ابن الأثير ، الذي يرى أن عناية العرب بالفاظها إنما هو عناية بمعانيها ، لانها أركز عندها وأكرم عليها ، وإن كان يسوغ بل يعترف أن عناية الشعراء منصبة على الجانب اللفظي ، ولكنها وسيلة لغاية محمودة وهي إبراز المعنى صقيلاً ، فإذا رايت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها ، ورققوا حواشيها ، وصقلوا أطرافها ، فلا تظن أن العناية إذ ذاك إنما هي بألفاظ فقط ، بل هي خدمة منهم للمعاني (3) .
    ولا تفسر هذه المحاولة من ابن الأثير بالاقتداء بخطوة ابن رشيق وهي وإن لم تصرح بمزج اللفظ والمعنى في قالب واحد ، ولكنها تشير إلى
    ____________
    (1) العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده : 1|124 .
    (2) إبراهيم سلامة ، بلاغة ارسطو بين العرب واليونان : 151 ـ 152 .
    (3) ابن الأثير ، المثل السائر : 1|353 .
    قيمة المضمون والشكل معاً في صقل الصورة ، وتلمح إلى طبيعة التلاؤم بينهما .
    وقد لاقى هذا الاتجاه سيرورة وانتشاراً عند كثير من النقاد المحدثين ـ وإن لم يثبت اطلاعهم عليه ، لأنهم لا يشيرون إلى مصدره وكأنهم مبتكرون ـ فربطوا بين اللفظ والمعنى حتى ليخيل إليك أنهما شيء واحد ، وحدبوا على تطوير نظرتهم هذه وصعدوا بها إلى مستوى الحقائق الثابتة من خلال إشباع البحوث استدلالاً لها ، ونسجاً على منوالها ، حتى أخذت طريقها إلى مستوى النظريات والصيغ النهائية .
    يرى الناقد الفرنسي دي جورمون « أن الأسلوب والفكر شيء واحد ، وإن من الخطأ محاولة فصل الشكل عن المادة » (1) .
    وطبيعي أنه ينظر إلى الألفاظ بأنها أساليب وإلى المعاني بأنها أفكار ، ثم يخطئ القائلين بفصل تلك الألفاظ عن هذه المعاني .
    ويقول ( دونالد استوفر ) باتحاد الشكل والمحتوى ، ويرى فيهما شخصية واحدة لا يمكن أن ينظر إلى أجزائها في استيعابها وتحديد النظرة الفاحصة إليها فيقول : إن القصيدة تتمتع بشخصية متماسكة حية ، وأنها وحدة تتألف من عناصر مختلفة كثيرة ، وهي متماسكة ومتوازنة ، من حيث الشكل والمحتوى بل يتداخل فيها الشكل والمحتوى على نحو لا يمكن معه تصور كل منهما على حد » (2) .
    ويعتقد الناقد الأمريكي « كلينث بروكس » باستحالة فصل المادة عن الشكل وبالعكس في أي حال من الأحوال لأن تركيبها قد اتحد فلا يبرز إلا كلا موحداً فيقول « إن جوهر القصيدة لا يبرز إلا كلاً موحداً ، أي يستحيل علينا تجريد الجوهر وصياغته في شكل آخر ، لأن الجوهر في هذه الحالة هو المركب الجديد من بناء لا ينفصل عن موسيقاه ، والصور والدلالات المتشابكة والمواقف المعينة ، أي القصيدة ذاتها » (3) .
    ____________
    (1) وليم فان أوكونور ، النقد الأدبي : 102 .
    (2) حياة جاسم ، وحدة القصيدة في الشعر العربي حتى نهاية العصر العباسي : 151 .
    (3) محمد محمد ، النقد التحليلي : 114 .

    هكذا كانت النظرة بالنسبة للنقاد الغربيين ، فإذا استقبلنا النقاد العرب المعاصرين وجدنا الفكرة أعمق رسوخاً ، وأصلب عوداً ، والنظرة أفحص إمعاناً ، وأكثر ذيوعاً ، تارة بالاتحاد بينهما ، وأخرى بعدم الانفصال ، وثالثة بوحدة المؤدى بين الشكل والمحتوى .
    يرى الأستاذ أحمد الشايب عدم إمكانية فصل القيمة الفنية بين اللفظ والمعنى ويرى كلاً منهما انعكاساً للآخر بسبب « شدة الارتباط بين المادة والصورة أو بين اللفظ والمعنى ، أو بين الفكرة والعاطفة من ناحية ، والخيال واللفظ من ناحية ثانية ، إذ كان هذان صورة لذينك ، وأي تغيير في المادة يستتبع نظيره في الصورة والعكس صحيح » (1) .
    ويرى الدكتور بدوي طبانة أن اللفظ والمعنى حقيقتان متحدتان ، ومنزلتهما واحدة لا تمايز بينهما ، والعناية بأحدهما عناية بالطرف الآخر ، والاهتمام يجب أن يقسم عليهما بالتساوي لأنه اهتمام بالعمل الأدبي وزنة للقيمة الفنية فيقول : « وليست منزلة المعنى دون منزلة اللفظ في تقدير القيمة الفنية للعمل الأدبي ، ولا شك عند المنصفين أن وجوب مراعات جانب المعنى لا يقل شأناً عن وجوب الاهتمام بالالفاظ » (2) .
    وقد أبدى الدكتور شوقي ضيف اهتماماً كبيراً بالمسألة ، ووجه لها عنايته الفائقة ، وأعار لها الصفحات العديدة في كتابه « النقد الأدبي » وتوصل إلى أن الفصل بين اللفظ والمعنى ، أو الشكل والمضمون أمر مستحيل ... « فليس هناك محتوى وصورة ، بل هما شيء واحد ، ووحدة واحدة ، إذ تتجمع في نفس الأديب الفنان مجموعة من الأحاسيس ويأخذ تصويرها بعبارات يتم بها عمل نموذج أدبي ، وأنت لا تستطيع أن تتصور مضمون هذا النموذج أو معناه بدون قراءته ، وكذلك لا تستطيع أن تتصور صورته أو شكله أو لفظه ، دون أن تقرأه ، فهو يعبر عن الجانبين جميعاً مرة واحدة ، وليسا هما جانبين ، بل هما شيء واحد ، أو جوهر واحد ممتزج متلاحم ،
    ____________
    (1) أحمد الشايب ، أصول النقد الأدبي : 246 .
    (2) بدوي طبانة ، دراسات في نقد الأدب العربي من الجاهلية إلى نهاية القرن الثالث : 138 ـ 139 .
    ولا يتم نموذج فني باحدهما دون الآخر ... وإذن فلا فارق بين المعنى والصورة أو اللفظ في نموذج أدبي ... ومعنى ذلك أن مادة النموذج الأدبي وصورته لا تفترقان فهما كل واحد . وهو كل يتألف من خصائص جمالية مختلفة ، قد يردها النظر السريع إلى الخارج أو الشكل ، ولكننا إن أنعمنا النظر وجدناها ترد إلى الداخل والمضمون ، فهي تنطوي فيه ، أو قل تنمو فيه ... وإذن فكل ما نلقاه في كتب البلاغة من وصف اللفظ إن تأملنا فيه وجدناه في حقيقته يرد إلى المعنى ، حتى الجناس وجرس الألفاظ ، فضلاً عما توصف به الكلمات من ابتذال أو غرابة . والمضمون بهذا المعنى يتحد مع الشكل ، فهو البناء الأدبي كله وهو الحقائق والأحاسيس النفسية الكامنة فيه » (1) .
    وهذه اللقطات مما خطط له شوقي ضيف ، وعزاه إلى أصحاب الفلسفة الجمالية ، يفتح آفاقاً جديدة في مفهوم الصورة الأدبية ودلالتها ، إذ يتخطى بها الشكل إلى المضمون ، فيعتبرها وحدة متماسكة الأجزاء ، متناسقة الأعظاء . والطريف فيه أن يعود بالمحسنات البديعية وأجناس التصنيع على المعنى في خلق الصورة ، ويرتبط بين موسيقية اللفظ وجرس الكلمة وبين إرادة المعنى في بناء الهيكل الأدبي للنص . ومن هنا ـ ويتحدد انطلاقنا مع الصورة الأدبية في أبعادها ـ كان لزاماً علينا أن نبحث بناء القصيدة في شكلها الخارجي باعتباره الإطار التكويني لمادة القصيدة ، ومادة القصيدة باعتبارها المحتوى الذي ازدحمت ـ نتيجة له ـ الأشكال والرسوم الأولية لهيكل القصيدة العام الذي يتبلور به الجمال التخطيطي لها ، بغية أن تكون معالم الرؤية بينة السمات للصورة الأدبية من خلال هذا التلاحم العضوي والاتصال الفعلي بين الصيغة الظاهرية والقيم الكامنة في المعاني التي جسدت حقيقتها الألفاظ .
    وقد يبدو هذا بعيداً عن مجال الصورة الأدبية ، باعتبارها الشكل الناطق والمعبر ، ولكن نظرة فاحصة لبناء القصيدة ـ في هذا الشكل الناطق والمعبر ـ تغني عن الأطناب ، وتكفي دلالة في التأكيد أن هذا الشكل نطق
    ____________
    (1) شوقي ضيف ، في النقد الأدبي : 163 ـ 165 .



    وعبر بما احتوى من مادة ولم يكن هيكلاً فارغاً عقيم الاصداء ، وإنما استقام سوياً متكاملاً بهذه العلاقة واللحمة الطبيعية بينه وبين المضمون فعاد متجاوب الأجراس .
    وامر آخر يقرب من الموضوع ويتابع من خطوه ، هو أن الإيقاع الموسيقي والميزان العروضي ، ليسا من المعاني والألفاظ في شيء فهما خارجان عن هاتين الحقيقتين ، ولكنهما متداخلان معهما ، وملازمان لهما ، ولا ينعدمان في الدلالة على الصورة في القصيدة ، وإن كانا شيئاً والقصيدة في محتواها شيئاً آخر .
    والحق أن إدراك هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى ، واعتبارهما وحدة متجانسة في دلالتها على الصورة ، يمكن اعتباره امتداداً منطقياً لجزء مهم من رأى الفريق الرابع من فرقاء المعركة .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
    4 ـ الفريق الرابع : وهذا الفريق يتمثل في عبد القاهر الجرجاني ( ت 471 هـ ) في كتابيه « دلائل الإعجاز » و « أسرار البلاغة » فقد هذب عبد القاهر من المفاهيم المرتجلة لدلالة الألفاظ والمعارف وأقامها على أصل لغوي وعلمي رصين ، وأدرك مسبقاً سر العلاقة القائمة بين اللفظ والمعنى ، ورفض القول بإيثار أحدهما على الآخر ، واعتبرهما بما لهما من مميزات وخصائص واسطة تكشف عن الصورة ، فقال بالنظم تارة ، وبالتأليف تارة أخرى ، مما لم يوفق إليه الفرقاء في النزاع ، والملاحظة عنده أن النظم عبارة عن العلاقة بين الالفاظ والمعاني ، وأنها تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل (1) .
    وقد يخيل للبعض أن عبد القاهر من أنصار المعنى دون اللفظ نظراً لتهجمه على القائلين بأولوية اللفظ ، وليست الألفاظ عنده « إلا خدم المعاني » (2) ، ولكن عبد القاهر يشن هذه الحملات ، ويصول ويجول في قلمه وما يضربه من أمثلة وشواهد ، وما يقرره من قواعد ، لا انتصاراً للمعنى ، وإنما هو تفنيد لآراء القوم وتدليل على مفهوم الصورة عنده بالنظم ،
    ____________
    (1) الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 40 .
    (2) المصدر نفسه ، وأسرار البلاغة : 5 .


    ولا نظم في الكلم وترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ، ويبنى بعضها على بعض ، وتجعل هذه بسبب من تلك » (1) .
    ويعود عبد القاهر بالنظم إلى أصل قائم على أساس من علم النحو ، وطبيعي أن النحو يعني ببناء الكلمة وإعرابها ، ومعرفة هذه الصيغة ـ وإن كانت منصبة على اللفظ ـ فإنها ترتبط بمعنى اللفظ في وضعه بمكانه من المعنى المراد ، لأن المعاني لا يحل إبهامها ما لم يقصد إليها من خلال الألفاظ ، والألفاظ لا يفهم مؤداها مالم تضبط صياغة وتصريفاً ونحواً بناء وإعراباً على حد سواء ، وهما متعاونان معاً على كشف العلاقة التي عبر عنها بالنظم و « ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه على النحو ، وتعمل على قوانينه وأصوله ، وتعرف منهاجه التي نهجت فلا تزيغ عنها ، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء » (2) متخذاً بالإضافة إلى هذا التشبيه والمجاز والاستعارة مضماراً لشرح آرائه ، وميداناً لاستدراكاته على أصحاب اللفظ ، وأن النظر إلى هذه المقومات اللفظية بأقسامها وأنواعها لا يعود لألفاظها فحسب ، وإنما للمعاني وما تضفيه على الألفاظ مما يكون حسن النظام وجوده التأليف ، وهو العلاقة المترتبة على فهم القسيمين اللفظ والمعنى (3) .
    وحقاً إنك لتجد عبد لقاهر قوي الحجة ، عجيب المناظرة ، في جولته النقدية هذه ، فلا تكاد تنتهي من فصل سفرية حتى تقع في فصل مثله ، يزيدك سخرية بأولئك جرحاً وتقويماً ، وإرجاعاً بآرائهم إلى ما اعتادوه دون روية وتمييز من شغف بالبديع وتعلق بالصناعة ، حتى ليصعب فهم ما يقصدون من الكلام ، فالسامع يخبط في عشواء ، من كثرة التكلف وشدة التمحل ، وهو يقرر هذا المعنى بقوله : إن في كلام المتأخرين كلاماً حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع ، إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم ، ويقول ليبين ، ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في
    ____________
    (1) دلائل الإعجاز : 43 .
    (2) المصدر نفسه : 61 .
    (3) الجرجاني ، أسرار البلاغة : 6 .

    بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء ، وأن يوقع السامع من طلبه خبط عشواء ، وربما طمس بكثرة ما يتكلفه على المعنى وأفسده كمن يثقل العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسهم .
    والحملة على المحسنات البديعية لا تقلل من أهمية اللفظ ، ومنزلته في تقويم المعنى ، ولكن الإغراق بأصناف البديع يجعل اللفظ فارغاً إلا من جمال الهيئة الذي قد يعود وبالاً على اللفظ ، كما تعود أشتات الحلي ثقلاً على الحسناء يوردها التلف .
    ومن خلال ما تقدم تتضح أبعاد المعركة النقدية بين اللفظ والمعنى ، وقد تجلى فيها أن الجاحظ والعسكري معنيان بحسن الصياغة وجزالة الألفاظ وقد عللنا هذا الرأي بصدوره عن دوافع نفسية وسياسية وقومية ، انتهت بأناقة اللفظ وجرس الكلمة .
    ولا حظنا بعد ذلك المقاييس النقدية عند ابن قتيبة بإرجاعها القيمة الفنية إلى القسيمين اللفظ والمعنى ، واتفقنا معه في أصل الحكم والموضوع وناقشنا عن صحة تطبيقه لهذا الحكم .
    ووقفنا عند رأي ابن رشيق في عدم الفصل بين اللفظ والمعنى وتكوينهما للوحدة الفنية في أي نموذج أدبي ، وصاحبنا سيرورة هذا الرأي عند القدامى والمحدثين الغربيين والعرب ، واستأنسنا بآراء ثلاثة من النقاد العرب : الشايب وطبانة وضيف ، ووقفنا مع الأخير وقفة المقوم لرأيه والقائل بتفصيله ورسمنا من خلال ذلك انطلاقنا في تحديد أبعاد القضية ، ثم عرضنا لرأي عبد القاهر ، واختتمنا الموضوع بلقطات من كلامه وشذرات من تحقيقاته ، ورأينا أن له الفضل في كشف العلاقة بين اللفظ والمعنى بما لهما من مميزات متنافرة ، وانتهينا عنده بالتعبير بالنظم وحسن التاليف عن الصورة الأدبية .

    أتمنى أن تستفيدى مما نقلته لكِ وإن لم يف بالغرض فقولى ولا حرج.

    المعلم الناجح يدٌ تربى و يدٌ تعلم.


  14. #14
    جوهرة فنون العربية
    زائر عزيز

    شكرا لما أمطرته مزن قراءاتك علينا من جواهر قيمة فقد أتعبناك بري حقول ذاكرتنا

    الظمأى

    أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعا إنه على ما يشاء قدير .


  15. #15
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 6339

    الكنية أو اللقب : أبو عبد الرحمن .

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : من كل بستان زهرة.

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 9

    التقويم : 13

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل2/8/2006

    آخر نشاط:06-11-2012
    الساعة:02:31 PM

    المشاركات
    1,751

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبها جوهرة فنون العربية اعرض المشاركة
    شكرا لما أمطرته مزن قراءاتك علينا من جواهر قيمة فقد أتعبناك بري حقول ذاكرتنا

    الظمأى

    أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعا إنه على ما يشاء قدير .
    جزاكِ لله كل خير أحتنا الفاضلة ونتمنى تسجيلكِ معنا فى الفصيح لتسفيدى وتفيدى ودمتِ بخير.

    المعلم الناجح يدٌ تربى و يدٌ تعلم.


  16. #16
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 52505

    الجنس : أنثى

    البلد
    العراق

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : دكتوراه

    التخصص : دلالي

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل4/11/2016

    آخر نشاط:23-12-2016
    الساعة:09:12 AM

    المشاركات
    1

    السلام عليكم لدي بحث بعنوان((المعنى في النقد العربي القديم)) هل من مساعدة في وضع خطة مناسبة أو مصادر يمكن العودة إليها؟...مع جزيل شكري وامتناني

    التعديل الأخير من قِبَل زهرة متفائلة ; 23-12-2016 في 01:29 PM السبب: سقوط بعض النقاط سهوا

  17. #17
    اللهم اغفر لها

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24759

    الكنية أو اللقب : بنت الإسلام

    الجنس : أنثى

    البلد
    دار الممر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 20

    التقويم : 693

    الوسام: ⁂ ۩ ۞
    تاريخ التسجيل12/6/2009

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:01:00 PM

    المشاركات
    20,687

    السيرة والإنجازات

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبها سدره المنتهى اعرض المشاركة
    السلام عليكم لدي بحث بعنوان((المعنى في النقد العربي القديم)) .................... أو مصادر يمكن العودة إليها؟...مع جزيل شكري وامتناني

    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

    أهلا بكِ أختي : سدرة !

    أولا : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
    ثانيا : حيَّاكِ الله وبيَّاكِ ، وأسعد الله مساكِ بالخير والبركة !

    فيما يخص الشطر الثاني من سؤالك ِ :

    سأحاول أن أضع بعض المراجع :

    _ المعنى في النقد العربي القديم حتى نهاية القرن السابع الهجري ، دكتوراه - حسين لفته حافظ الزيادي ( للتحميل بالضغط هنا ) .
    _ عيوب المعنى في التراث النقدي عند العرب من القرن الرابع الى نهاية القرن السابع الهجري أطروحة ماجستير عبد الرحمن جابر العاني جامعة الانبار ـ كلية الآداب ، مجلة الموروث العدد التاسع والستون - تشرين الثاني 2013 الملخص هنا .
    _ نظرية المعنى في النقد العربي المؤلف: د. مصطفى ناصيف الناشر: دار الأندلس - بيروت ( للتحميل هنا ) .
    _ نظرية المعنى عند حازم القرطاجني ، فاطمة عبد الله الوهيبي. مكتبة بستان المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع ( لشراء الكتاب من هنا ونسخة تجريبية لبعض صفحات الكتاب من هنا ).
    _ نظرية المعنى عند قدامة بن جعفر ، دكتور : عايش الحسن ( بالضغط هنا ) .
    _ مفهوم المعنى بين الأدب والبلاغة تأليف: د. محمد بركات حمدي أبو علي الناشر: دار البشير - عمَّان - 1988 ( للتحميل من هنا ) .
    _ مفهوم المعنى في التراث البلاغي عند العرب ، منصور الحلفي ( يمكن شراء الكتاب من هنا ) .
    _ المعنى الشعري في التراث النقدي - حسن طبل ( بالضغط هنا )
    _ بحث بعنوان : مفهوم المعنى في التراث النقدي عند العرب (من عصر ما قبل الإسلام وحتى نهاية عصر عبد القاهر الجرجاني) د. منصور شلس / بالنظر هنا
    _ مقال بعنوان : المعنى في النقد العربي القديم ، راشد فهد القثامي ( بالضغط هنا ) .

    وأما المصادر فلعلكِ تجدينها منثورة في هذه البحوث مع بعض المراجع الأخرى ...

    يا أختي ( سدرة ) :

    أنصحكِ أن تكتبي تساؤلك وخاصة الأول في نافذة مستقلة في منتدى الدراسات العليا ؟
    وعلى أثر الخطة سيسهل أيضا جلب مراجع أخرى مناسبة ...


    هذا والله أعلم بالصواب ، وأسأل الله لكِ كل التوفيق ...

    التعديل الأخير من قِبَل زهرة متفائلة ; 23-12-2016 في 02:35 PM
    "اجعل بينك وبين الله خبيئة صالحَة، لا تُخبر بها أحداً، فطُوبى لك لو اطَّلع الله على قلبك ووجد فيهِ سراً صالحاً بينهُ وبينك "
    اسأل نفسك الآن : ما العبادة التي تعملها والتي لايعلمها أحد من الناس؟
    العبادات الخفية والأعمال الصالحة السرية ، بها من كنوز الحسنات ما لا يعلمه إلا الله.
    "من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل"

  18. #18
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 52874

    الجنس : أنثى

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : نحو

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل10/2/2017

    آخر نشاط:10-02-2017
    الساعة:02:38 AM

    المشاركات
    1

    روعه موضوع رائع ومميز
    عاشت الايادي دوم التالق
    تحياتي


+ الرد على الموضوع

تعليمات المشاركة

  • إضافة موضوعات جديدة
  • إضافة ردود
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •