نظرية معنى المعنى بدأ الحديث عنها في العصر الحديث في كتاب معنى المعنى للدكتور ريتشاردز صاحب كتاب مبادئ النقد الأدبي والعلم والشعر،وهناك نسخة من هذا الكتاب في مكتبة جامعة القاهرة،وقد تحدثت عنها بشكل سريع في رسالتي للماجستير المقدمة لجامعة حلوان بعنوان نص اللذة ونص المتعة في التراث النقدي العربي الفصل الثاني المبحث الثاني.
ونظرية معنى المعنى تتعلق بشكل كبير بالبحث في وظيفة الشعر ،وهل من وظيفة الشعر تحقيق فائدة معينة أم أن الغرض منها هو المتعة الجمالية فحسب، فالأدب بشكل عام ليس من وظيفته توصيل معلومة أو خبر وإنما يمثل رؤية الأديب للمواقف أو كما قال لوسيان جولدمان هو رؤية العالم من منظور المبدع، فالأديب ليس معنيا بتقديم الخبر أو المعلومة فهذه ليست وظيفة الشعر ، ومن هنا فالمعنى الذي تحمله الجملة عند الأديب يختلف تمام الاختلاف عن الجملة نفسها عند غيره، فإذا قال شخص ما :شرب الولد الماء فهذه جملة طبيعية لكنه لو قال شرب الولد الحزن فهذا الانحراف في اللغة يمثل صورة مبسطة لفكرة الأدب، ومن هنا فالأديب لا يقصد المعنى الأول الناتج من الجملة لكنه يقصد معنى آخر هو الأدب وهذا المعنى الثاني هو ما يعرف بمعنى المعنى.
وهذا جزء من حديثي حول هذا الموضع في رسالتي للماجستير المذكورة آنفا:

• ومعنى المعنى: وقد أولاه عبد القاهر أهمية كبيرة في النص الشعري؛ ولذلك عني بالحديث عنه وتوضيحه بقوله:"وإذ قد عرفت هذه الجملة فها هنا عبارة مختصرة، وهي الغرض، المعنى ومعنى المعنى، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر"( ) وبين عبد القاهر الجرجاني أن الغموض يكون في المعنى الثاني غير الحقيقي، ويقصد به المستوى الفني الجمالي الذي يتمثل في العمل الأدبي ولا فرق في هذا أن يكون العمل الأدبي شعراً أو نثراً فيقول:"الكلام على ضربين:ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلاً بالخروج على الحقيقة فقلت خرج زيد وبالانطلاق عن عمرو فقلت:عمرو منطلق:وعلى هذا القياس.وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل"( ).
ولا يفضي مفهوم معنى المعنى إلى مستوى واحد من النصوص لكنه في داخله يختلف في التأثير تبعا للدلالة التي يحملها المعنى الثاني، وهو يلمح دائماً أن معنى المعنى" يقوم على مستويات متفاوتة في الدلالة والتأثير معاً، بنظرة عميقة شاملة تدل على عمق نفسي فكري في آن، وحسبنا أمثلة منه ذات صلة وثيقة بالمنهج النقدي"( )، وذلك أن إحدى العبارات إذا تشابهت مع مثيلاتها فيكون المعول عليه فيها هو مقدار التأثير الذي تحققه العبارة عن الأخرى إذ"لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها. فإن قلت: فإذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك فليستا عبارتين عن معنى واحد بل هما عبارتان عن معنيين اثنين"( )، ولعلنا هنا نقف على ما قدمه عبد القاهر والذي أكده في العصر الحديث الكثير من النقاد مثل ريتشاردز وخاصة في كتابه(معنى المعنى)( )، وقد قال الدكتور حمودة في مصطلح( معنى المعنى)عند عبد القاهر"إن الريادة الحقيقية لعبد القاهر الجرجاني تتمثل في جانب كبير منها في تقديمه لمصطلح مألوف في الدراسات اللغوية والأدبية في القرن العشرين هو معنى المعنى"( ).
وليس معنى اهتمام عبد القاهر بالغموض الشعري قبوله للنص الغامض بصورة مطلقة، فلقد بين عبد القاهر الجرجاني أهمية الغموض وحدد عناصره في تقدير الجودة اللازمة للنص الشعري، وميز بين الغموض المطلوب في العمل الأدبي والتعقيد السلبي الناشئ عن الضعف والركاكة وسوء الفهم من المبدع للمعاني والصيغ التي يقوم بالتعبير عنها، كما أبرز الفرق بين الغموض والوضوح وبخاصة في التأثير والدخول إلى أعماق المتلقي فقال:"إذا كان النظم سوياً، والتأليف مستقيماً، كان وصول المعنى إلى قلبك تلو وصول اللفظ إلى سمعك. وإذا كان على خلاف ما ينبغي وصل اللفظ إلى السمع، وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه. وإذا أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا: إنه يستهلك المعنى"( ).
فالغموض يجعل من النص الإبداعي العادي نصاً إبداعيا متميزا، له فضل على ما يشابهه من النصوص التي لا تحمل هذه الصفة، ومن هنا فإن الجرجاني يقدم رأيا فنيا عقليا لا يعارض الوضوح والقرب في المعاني الأدبية شريطة أن لا يصل هذا الوضوح إلى حد السطحية والركاكة والضعف -وإن كان الغموض أولى عنده كما سبق أن أشار الباحث- والذي يؤثر في جودة العمل الإبداعي مما يبعده عن جوهره في اجتذاب المتلقي وإثارته؛ للوصول إلى التأثير فيه، فالنص الذي تتعدد وجوه الرؤى والتأويل فيه، و يستفز القارئ، ويستنفر فيه الهمة والحمية إلى بذل الجهد في المتابعة والتفكير هو ذلك النص الإبداعي الأصيل الذي يحقق فيه القارئ رغباته، ويشبع فيه متطلباته، ويجد فيه نفسه بصورة متكاملة مما يحقق له درجة عالية من الجودة، "وعبد القاهر دقيق النظر في تفريقه بين هذا الغموض الضروري، الذي هو ركن من أركان الشعر المهمة وبين نوع آخر يسميه التعقيد الذي يذمه ويقصيه عن البلاغة والبيان وهو التعقيد الذي ينتج فيه الغموض عن اضطراب في النظم"( ).
إذ إن سمة الغموض ركيزة أساسية للعمل الإبداعي عنده، وهو ما يعكس مقدار الوعي النقدي الكبير عنده بضرورة الغموض أو درجة منه في الشعر الجيد الممتع، ولذا فقد عد الجرجاني سوء النظم والتأليف وانغلاق الكلام سبباً من أسباب التناهي في الغموض إلى درجة التعقيد، يقول"واعلم أن لم تضق العبارة ولم يقصر اللفظ ولم ينغلق الكلام في هذا الباب إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات( )"، ويكشف هذا الموقف للجرجاني عن إدراكه لأهمية الغموض في بنية النص الإبداعي، فهو جوهره وأساسه؛ فالغموض هو الذي يثير الدهشة والاستفزاز للمتلقي، "وما يؤكد تصور عبد القاهر لدور الغموض في حث القارئ على المشاركة واستمتاعه بلذة اكتشاف المعنى حديثه عن الكلام الدقيق الذي يحتاج إلى تأمل، فهو يرى أن الكلام قد يكون في نهاية الوضوح ولكنه مع ذلك يحتاج إلى إعمال فكر إذا كان لطيفا"( )، كذلك يبرر ذم الناس للغموض لأن صاحبه يجعل السهل صعبا، يجعل طريق الوصول إلى المعنى شائك"هذا والمعقَّد من الشعر والكلام لم يُذَمَّ لأنه مما تقعُ حاجةٌ فيه إلى الفكر على الجملة، بل لأنّ صاحبه يُعْثِرُ فِكرَك في متصرَّفه، ويُشيكُ طريقك إلى المعنى، ويُوعِّر مذهبَك نحوه، بل رُبّما قَسَّم فكرَك، وشعَّب ظَنَّك، حتى لا تدري من أين تتوصّل وكيف تطلب"( ).