التبرع للفصيح
رابط محرك بحث قوقل الفصيح في القائمة تطبيقات إضافية
اعرض النتائج 1 من 11 إلى 11

الموضوع: من سورة الواقعة
1431/5/19 هـ

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد : مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات:3,975
    تاريخ التسجيل
    17/8/2005
    البلد
    مصر
    العمر
    36
    المشاركات
    3,975
    1431/3/30 هـ

    من سورة الواقعة

    ومن صدر سورة الواقعة :
    ومن قوله تعالى : (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا) :
    فــ : "إذا" قد جمعت بين معنى الظرفية والشرطية معا ، فالحوادث التي تليها كائنة إذا وقعت ، أي في ظرف وقوعها ، وهي في نفس الوقت مشروط قد علق على شرط وقوعها ، فيدور معها وجودا وعدما دوران المشروط مع شرطه ، فإنها لن تقع بإذن الرب ، جل وعلا ، الكوني النافذ إلا إذا وقع ظرفها وهو الواقعة ، وذلك جار مجرى دلالة اللفظ الواحد أو المبنى الواحد على أكثر من معنى على وجه لا يقع به التعارض ، كما اطرد في لسان العرب ، بل إن ذلك من محاسنه ، وهو أمر أشار إليه صاحب التحرير والتنوير ، رحمه الله ، في معرض بيان الفاء الرابطة لجواب هذا الشرط في قوله تعالى : (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) ، فإنها رابطة لجملة الجواب بالشرط ، ومفرعة مبينة لمجمل قوله تعالى : (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً) ، في نفس الوقت ، فأجملت أصناف الناس يوم البعث ، ثم جاء البيان عقيبها مصدرا بالفاء التفريعية التي بينت أفراد التقسيم الثلاثي ، فكان ورود البيان عقيب الإجمال مصدرا بالفاء الرابطة لشرط من شأنه ابتداء أن يثير انتباه السامع فيتطلع إلى جوابه فضلا عن ورود الإجمال ابتداء والتثنية بالبيان ، كما تقدم ، فذلك ، أيضا ، مما يسترعي انتباه المخاطب .
    وأشار ابن هشام ، رحمه الله ، في "مغني اللبيب" ، (1/115) ، إلى وجه آخر تقدر فيه : "إذا" الثانية في قوله تعالى : (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا) بدلا من إذا الأولى ، والذي حسنه طول الفاصل ، فيحسن التكرار تذكيرا بأصل الكلام ، كما في قوله تعالى : (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) ، فأعيد المؤكد لطول الفاصل ، وذلك ، أيضا ، أمر قد اطرد في التنزيل ، من ثم يقدر للشرط جواب محذوف من قبيل : انقسمتم أقساما ، فيكون ما بعده بيانا لمجمل تلك الأقسام ، فجاء البيان الأول بيانا لعددها : (أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً) ، ثم جاء البيان الثاني بيانا لأنواعها ، فالتدرج في حصول البيان مما يسترعي انتباه المخاطب ، ويرد على ذلك أن فيه تقدير محذوف ، والأصل عدم الحذف ، فمتى صح النظم بلا حاجة إلى تقدير محذوف ، كما في تخريج صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فذلك مما يرجح حمل النظم عليه .
    فإذا وقعت الواقعة : أي الكائنة أو الحادثة وهي علم بالغلبة على يوم القيامة ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فتكون : "أل" في : "الواقعة" : عهدية تشير إلى واقعة بعينها من جملة الوقائع هي الواقعة العظمى ، وفي الجناس الاشتقاقي بين الفعل والفاعل مزيد تنبيه على المعنى ، فإذا وقعت ، فعندئذ : ليس لوقعتها نفس كاذبة ، أو مكذبة ، على حذف الموصوف وإقامة الصفة محله ، وهو أمر اطرد في التنزيل وسبقت الإشارة إليه في مواضع أخر كقوله تعالى : (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ) ، أي : دروعا سابغات ، فوصف الجمع المكسر لغير العاقل يكون بجمع المؤنث السالم كما قرر النحاة في معرض بيان ما يجمع على حد جمع الإناث السالم ، والإيجاز بحذف الموصوف من أضرب إيجاز الحذف التي نص عليها البلاغيون ، وقد وقعت في التنزيل بحذف الموصوف وإقامة الوصف المفرد محله كما في هذه الآية ، أو بإقامة الوصف الذي هو شبه جملة متعلقة بالوصف المحذوف في نحو قوله تعالى : (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) ، فتقدير الكلام : وإن أحد من أهل الكتاب . فيؤمن النصارى جميعهم إذا رأوا الموت على قول ، ولا ينفع آنذاك نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل ، أو قبل موت المسيح عليه السلام إذا نزل فيضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام أو السيف .

    خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ : فذلك على تقدير مبتدأ محذوف على ما اطرد من حذف المبتدأ ، في مثل هذه المواضع ، مع كونه عمدة في الكلام ، فتقدير الكلام : هي خافضة رافعة ، فتخفض أقواما وترفع أقواما ، ونسبة الخفض والرفع إليها من نسبة المسبَّب إلى سببه ، فالخافض الرافع هو الرب ، جل وعلا ، وذلك عند من يقول بالمجاز ضرب من ضروب المجاز العقلي بإسناد الفعل إلى غير فاعله ، على وزان : أنبت الربيع البقل ، وذلك ما اعترض عليه منكرو المجاز بكونه ذريعة إلى نفي تأثير الأسباب في وقوع مسبًّباتها ، فنفي إنبات الربيع بما أودع فيه من قوى الإنبات ، نفي ذلك من كل وجه ، ولو من جهة السببية ، وجعل الرب ، جل وعلا ، فاعلا له من كل وجه ، مؤد إلى نفي قوى التأثير التي أودعها الله ، عز وجل ، في الأسباب ، وذلك مسلك نفاة الحكمة والتعليل بالأسباب ، كما أشار إلى ذلك بعض المحققين من أهل العلم ، والصحيح أن للفعل جهتين لا يمتنع اجتماعهما ، فجهة الرب ، جل وعلا جهة فعله بالخلق ، فيخلق السبب ويجريه على وفق سنن الكون ، فينتج مسبًّبه بما أودع فيه من القوى ، فتلك جهة السبب المخلوق فهو مؤد إلى وقوع مسبّبه ، بما أودع فيه من قوى التأثير ، كما تقدم ، فهو الفاعل بقواه ، والرب ، هو الخالق بمشيئته العامة ، فلا يخرج فعل السبب سواء أكان اختياريا كما في أفعال البشر ، أم اضطراريا كما في تأثير الأسباب غير العاقلة كتأثير النار في الحريق والماء في إطفائه ، لا يخرج كل ذلك عن المشيئة الكونية العامة ، فلا تعارض ، كما تقدم ، بين جهة الخلق ، فعل الرب ، جل وعلا ، مسبِّب الأسباب ومجريها وفق سنن الكون المحكم ، وجهة الفعل التي هي أثر القوى المودعة في السبب المخلوق ، فالفعل المخلوق لا بد أن يرجع إلى سبب يسبقه ، فلكل علة علة تسبقها حتى يصل الأمر إلى سبب أول لا سبب وراءه ، هو كلمة الرب ، جل وعلا ، الكونية فهي من وصفه ، ووصفه الفاعل لا خالق له ، فهو غير مخلوق قد قام بذات الرب ، جل وعلا ، القدسية على الوجه اللائق بجلاله ، وهذا أصل جليل في باب القضاء والقدر سبقت الإشارة إليه في مواضع سابقة .
    وعليه تكون الواقعة هي الخافضة الرافعة من جهة كونها السبب فأسند الوصف إليها من هذا الوجه ، وأسند الفعل إلى الرب ، جل وعلا ، من جهة خلق السبب وإجرائه وفق ما قدر في الغيب وقضى في الشهادة ، فتوارد على الفعل أثران : أثر مخلوق يؤثر فيه حقيقة لا مجازا ، وأثر يحكم الأثر المخلوق بل ويهيمن عليه وعلى كل الأسباب المخلوقة ، هو أثر وصف الرب الفعال لما يريد ، فمشيئته العامة تحكم كل حركات الكون الاختيارية والاضطرارية ، كما تقدم ، فلا تعارض بين الأثرين إذ أحدهما خاضع للآخر خضوع المخلوق لخالقه ، فالكلمة الكونية التقديرية من وصفه ، جل وعلا ، قد صدرت ، فهي أثر أوصافه الفاعلة ، كما تقدم ، فكان بها ما أراد من الحوادث الكونية المخلوقة ، فبها وجد السبب ، وبها أجري وفق السنن المحكم فذلك أثر حكمته البالغة ، جل وعلا ، في كونه ، فكان المسبَّب ، فذلك أثر قدرته النافذة ، فمرد الأمر عند التحقيق إلى وصف جلاله ، عز وجل ، فهو القدير على إيجاد ما يشاء ، ووصف جماله ، فهو الحكيم الذي يوجد ما أراد على أكمل الهيئات ، فإن كان فيه شر ، فعارض ، لا يكون مرادا لذاته ، بل هو الذريعة إلى خير أعظم ، وتلك ، كما تقدم مرارا ، أبلغ صور الحكمة ، فللرب ، جل وعلا ، من كل وصف أكمله .
    وفي الطباق إيجابا بين الخفض والرفع مئنة من عموم القدرة الربانية ، فالرب ، جل وعلا ، هو فاعل الشيء وضده ، فهو المحيي المميت ، النافع بفضله الضار بعدله فينسب الضر إليه خلقا لا فعلا ، فتعالى أن ينسب إليه شر فعلا ، وإنما ينسب إليه خلقا مرادا لغيره من الخير والنفع ، كما تقدم ، وفي تقديم الخفض على الرفع ما يناسب ذلك الموضع وهو موضع جلال تظهر فيه آثار قدرته ، عز وجل ، فالخفض لغيره أليق بموضع يظهر فيه كمال عزته ورفعته .

    إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا : فذلك جار على ما تقدم من إعادة الظرف لطول الفصل ، أو بدل الاشتمال من وقوع الواقعة ، فيكون ذلك من الإطناب بالخاص عقيب العام ، فذكرها عموما ثم خص بعض أحداثها بالذكر لعظم قدره ، فمن أعظم أحداثها رج الأرض وجاء التوكيد بالمصدر المنكر والمنون مئنة من التعظيم ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" ، رحمه الله ، والتقييد بالبدل كما قرر البلاغيون مؤذن بمزيد عناية بالبدل فهو المقصود بالحكم أصالة ، وإن كان المبدل منه في هذا السياق مرادا هو الآخر بل هو العنوان العام فكل ما بعده إنما يقع تبعا له ، فهو الظرف الذي يحوي كل ما يليه من الأحداث ، فكل تلك الحوادث العظام لا تقع إلا إذا وقعت الواقعة ، وإطنابا في بيان الأحداث الكونية الجليلة في ذلك اليوم جاء النص على صورة أخرى من صور التغير التي تطرأ على خلق عظيم راسخ هو الجبال فتبس الجبال وبس الشيء مئنة من تفتيته ، كالسويق الذي يبس ، ولا يخلو من معنى السوق فبس الشيء سوقه وتسييره ، وكلا المعنيين ثابت للجبال ، فقد جاء النص على كليهما في مواضع من التنزيل ، كقوله تعالى : (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) : فذلك من التفتيت ، و : (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا) فذلك من السوق والتسيير ، وفي "لسان العرب" : "وبست الجبال بسّاً أي فتت نقله اللحياني فصارت أرضاً قاله الفراء وقال أبو عبيدة فصارت تراباً وقيل نسفت كما قال تعالى : (ينسفها ربي نسفاً) وقيل سيقت كما قال تعالى : (وسيرت الجبال فكانت سراباً) وبست فتت فصارت أَرضاً وقيل نسفت كما قال تعالى : (ينسفها ربي نسفاً) وقيل سيقت كما قال تعالى : (وسيرت الجبال فكانت سراباً) وقال الزجاج بُسَّتْ لُتَّتْ وخلطت وبَسَّ الشيءَ إِذا فَتَّتَه" . اهــ

    فلفظ البس : مشترك بين المعنيين على جهة الاشتراك اللفظي ، والأصل في الاشتراك اللفظي : الإجمال ، لتوارد معان كثيرة على اللفظ على نحو لا يحصل به معرفة المراد منه ابتداء ، فلا بد من مبين ، فالقرينة اللفظية ، وإن كانت من خارج السياق ، فهي ورادة في مواضع أخر من التنزيل ، كما تقدم ، بينت المراد ، وشهدت في هذا الموضع بالذات ، على جواز حمل المشترك على كل معانيه ، بل إن ذلك مما يزيد المعنى بيانا ، فإن المعنيين وإن تباينا إلا أنهما لا يتعارضان ، بل يتعاضدان في بيان تلك الصورة الباهرة الكائنة يوم وقوع الواقعة . ثم جاء العطف المبين للبس ، فهو أثره ، فيكون من عطف المسبَّب على سببه ، فكانت كالهباء المنبث ، على حد التشبيه البليغ ، فكانت كالهباء المنبث المتفرق وصيغة المطاوعة من بثه فانبث فهو منبث مئنة من كمال قدرته ، عز وجل ، فيطاوع المحل الفعل ، ويظهر أثره فيه يقينا ، فذلك مئنة من كمال قدرته ، عز وجل ، فــ : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، ثم جاء التخلص ، كما يقول صاحب "التحرير والتنوير" إلى الغرض الأساسي من السورة وهو الموعظة ببيان أصناف الناس يوم القيامة ، فذلك ، أيضا ، من الأحداث الكائنة إذا وقعت الواقعة .

    والله أعلى وأعلم .

  2. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  3. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد : مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات:3,975
    تاريخ التسجيل
    17/8/2005
    البلد
    مصر
    العمر
    36
    المشاركات
    3,975
    1431/4/11 هـ
    فذكرت أحوال بعض الكائنات ثم جاء عقيبها بيان أصناف العقلاء ، فـــ :
    كُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً :
    فالزوج في اللغة يحتمل ، أيضا ، أكثر من معنى ، فهو من هذا الوجه مجمل إجمال الاشتراك فتزدحم فيه المعاني ولا يخلص المراد إلا بقرينة تعينه ، فيطلق ويراد به النظير من نفس النوع ، وإن اختلفت الزوجان في رتبة الفرد كالمرأة في مقابل الرجل ، فهي زوج له ، فكلاهما من نفس النوع ، فتناظره لاختلافهما في رتبة الفرد التي تلي رتبة النوع في سلم التصنيف البيولوجي في عالم الأحياء أو العقلي فإن رتبة الفرد أخص من رتبة النوع فرتبة النوع بالنسبة إليها جنس أعلى ، كما أن رتبة الحيوانية بالنسبة للإنسانية جنس أعلى ، فالإنسان حيوان بفصل النطق ، وإن لم يسلم لمن عرفه بذلك لوقوع الاشتراك في هذا الحد فلا يختص به الإنسان بل يعم الملك والجان فكلاهما حي ناطق ، فإن صح التعريف فهو محمول على الكائنات المشاهدة لا على سائر الكائنات . ويطلق على الضد كالموجب في مقابل السالب ، ويطلق على الصنف فيحتمل الزيادة على اثنين ، كما في هذه الآية ، فإن قرينة نعت الأزواج بالثلاثة وهي قرينة لفظية من نفس السياق قد دلت على المراد بالزوج في هذا الموضع بعينه ، فهو الصنف ، فزال الإجمال بالقرينة الدالة على المعنى المراد من المشترك المحتمل لمعان عدة ، وإنما أطلق على الصنف زوج باعتبار الغالب ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فلا يذكر الصنف غالبا إلا ويذكر نظيره معه ، فمعنى الزوجية معتبر في كل هذه المعاني .
    والزوجية سنة كونية ، كما في قوله تعالى : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فبها تظهر معاني الفردية والصمدية للرب الواحد في ذاته الأحد في صفاته فله وصف الجمال ونعت الجلال .

    والشاهد أن ذلك من الإجمال ، كما تقدم ، الذي جاء بيانه باعتبار معناه ، ثم جاء بيانه باعتبار أقسامه عقيبه فــ :
    فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ : فأعيد المبتدا في جملة الخبر فذلك الرابط بينهما كما قرر النحاة في باب المبتدأ والخبر ، فهو جار على حد قوله تعالى : (الحاقة * ما الحاقة) .

    والاستفهام مئنة من تعظيم شأن المستفهم عنه أو للتعجيب من شأنه ، لقرينة السياق ، فالإظهار في موضع الإضمار فيه مزيد عناية بالمظهر ، إذ أعيد بنفس اللفظ في جملة الخبر وكان يكفي في الربط ذكر ضميره ، فيقال في غير التنزيل على سبيل المثال : وأصحاب اليمين ما هم ؟ ، والاستفهام في مثل هذه التراكيب جار مجرى ما سبقت الإشارة إليه في أكثر من موضع من دلالة الاشتراك اللفظي ، إذ المبنى واحد فــ : "ما" من جهة مبناها واحدة ، ومع ذلك تعددت استعمالاتها ، على أنحاء متباينة ، وتلك حقيقة الاشتراك اللفظي ، فإن : "ما" تحتمل النفي في نحو : ما جاء زيد ، فتدخل على الفعل كما تقدم ، وتدخل على الاسم فتعمل عمل ليس ، وهي الحجازية ، لاختصاص أهل الحجاز بها ، كما في قوله تعالى : (مَا هَذَا بَشَرًا) ، وتحتمل الموصولية الحرفية ، في نحو قول القائل :
    يسر المرء ما ذهب الليالي ******* وكان ذهابهن له ذهابا
    أي : يسره ذهاب الليالي .
    وتحتمل الموصولية الاسمية في نحو قوله تعالى : (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، فهي دالة على عموم الخلائق عاقلها أو غيره ، وتحتمل الاستفهام ، وهو محل الشاهد ، ومع كون الاستفهام جنسا ، إلا أنها تدل على أنواع منه متباينة ، يحددها السياق الذي ترد فيه ، وذلك أدق ما يكون في تحديد المراد من اللفظ ، فإن التباين لا يقع بين الأجناس المختلفة من : نفي ، ومصدرية ، واستفهام ..... إلخ فقط ، وإنما يقع بين أنواع أو أفراد الجنس الواحد فالاستفهام بها إما أن يكون :
    لإيضاح الاسم ، بغض النظر عن ماهيته ، فالسؤال عن ماهيته تال له في الترتيب العقلي ، فيقال مثلا : ما العسجد ؟
    ولبيان ماهية الشيء ، فيقال : ما الذهب ؟ ، فيقال : هو المعدن الذي وصفه كذا وكذا ، فيعين الماهية بالحد الشارح الذي يبين إجمال اللفظ .
    أو للتعظيم ، كما في هذه الآية : (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ)
    أو التحقير : كما حكى الرب ، جل وعلا ، من مقالة فرعون : (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) ، فقالها استهزاء ، وهو الحقير ، فالمعنى هنا باعتبار ما قام بنفسه من وصف السوء في حق الرب ، جل وعلا ، لفساد تصوره ، فهو منكر جاحد للنبوات ، بل منكر للربوبية ، بل مدع لها ، لا باعتبار حقيقة وصفه ، جل وعلا ، فهو المنزه بداهة عن كل أوصاف النقص ، فلا يليق في حقه إلا التعظيم .
    والشاهد أن المبنى في كل ما تقدم واحد ، ومع ذلك تعددت المعاني التي يعينها السياق الذي يرد فيه ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مئنة من بلاغة الكتاب العزيز خصوصا ، ولسان العرب عموما ، فإن المشترك اللفظي وإن نظر إليه بعض أهل العلم على أنه نوع فقر في مواد اللغة المعجمية ، إذ المادة الواحدة قد استعملت في معان عديدة ، والأليق بثراء اللسان العربي أن تتعدد مواده ، وهو أمر حاصل ، ولكن في غير المشترك اللفظي ، وتتبع دلالة الترادف في اللسان العربي خير شاهد على ذلك فإنه بضد الاشتراك اللفظي ، إذ المعنى فيه واحد ومع ذلك تتعدد الألفاظ الدالة عليه ، إن سلم بوقوع الترادف من كل وجه ، فالمحققون من أهل العلم على أن الترادف إنما يكون نسبيا في بعض الأوجه لا كليا من كل وجه ، فلا يوجد مبنيان في لسان العرب مترادفان من كل وجه ، بل لا بد ان يستقل كل مبنى بمعنى يخصه ، فالثراء اللغوي ثابت من هذا الوجه ، ومع ذلك لا يخلو المشترك اللفظي من دلائل بلاغية في اللسان العربي ، إذ تتعدد معانيه بتعدد السياقات التي يرد فيها ، فتظهر بلاغة النظم في توجيه اللفظ الواحد إلى معان متباينة تبعا للسياقات التي يرد فيها ، كما تقدم ، بل قد يكون اللفظ دالا على المعنى وضده ، فيكون قد بلغ الغاية من الإجمال ، ومع ذلك يحسم السياق الإشكال برفع الإجمال وتعيين المعنى المراد من الضدين ، كما في دلالة : "ما" على التعظيم تارة والتحقير أخرى ، فوقع الإجمال فيه من هذا الوجه ، حتى عين السياق في نحو قوله تعالى : (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) : معنى التعظيم ، وبين في مقالة فرعون السوء : (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) : معنى التحقير الذي هو بالقائل أليق كما تقدم .
    وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ : فذلك من قبيل طباق الإيجاب بذكر ضد المذكور أولا ، فذلك أليق بمقام الحصر استيفاء للأنواع ، وفيه ما في الأول من دلالة إعادة المبتدأ مع دلالة الاستفهام ، أيضا ، على التعجيب من حالهم ، وقد يقال بأن وصف السوء يدل على إرادة التحقير في هذا الموضع ، بخلاف التعظيم في الموضع السابق ، إذ ثبت نقيض الوصف هنا فثبت نقيض الحكم على ما اطرد من الدلالة العقلية بدوران الحكم مع علته أو وصفه المؤثر وجودا وعدما .
    وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ : فاستوفى الشطر الثالث من القسمة الثلاثية التي تقدم إجمالها في قوله تعالى : (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً) ، ودلالة التعجيب هنا حاصلة بتطابق لفظي المبتدأ والخبر ، كما قال في "أضواء البيان" ، فذلك وجه آخر من وجوه التعجيب في نظم الكتاب العزيز ، والتنويع في الأساليب اللفظية الدالة على معنى واحد مع تجاورها في النظم مئنة من بلاغة الكلام ، فالتنويع في المباني مئنة من الثراء اللفظي ، فذلك جار مجرى :
    أنَا أبُو النَّجْم وشِعْري شِعْري .
    وقد أطلق لفظ : "السابقون" وقيده بعض أهل العلم بالسبق إلى جنس بعينه من أجناس الخير ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فسابق إلى الصلاة ، وآخر إلى الزكاة وثالث إلى الصيام ...... إلخ ، فيكون ذلك جار مجرى بيان العام بذكر بعض أفراده ، فلا تخصصه إذ قد وردت في معرض التمثيل له تقريبا إلى ذهن المخاطب ، فحمله على عمومه هو المتعين ، فالسبق إلى كل خير دل عليه الشرع الحنيف هو الواجب على طلاب الصلاح في الأولى والنجاة في الآخرة .

    والله أعلى وأعلم .

  4. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  5. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد : مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات:3,975
    تاريخ التسجيل
    17/8/2005
    البلد
    مصر
    العمر
    36
    المشاركات
    3,975
    1431/4/12 هـ
    ومن قوله تعالى : (أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ) :
    فجاءت الإشارة باسم الإشارة المستعمل للإشارة إلى البعيد مئنة من علو مكانتهم ، فقد حصل التفخيم بتكرار الوصف بالسبق ، على وجه يوحي إلى سامعه بتعذر الإحاطة بسبقهم ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فذلك أليق بمقام التعجيب من كمال حالهم ، فيلائمه التفخيم لبيان مآلهم في دار الجزاء ، فإذ كانوا على ذلك القدر من الفضل وتمام السبق ، فــ : أولئك ، مئنة من علو المنزلة : المقربون ، فكما علت هممهم فصلحت إراداتهم وأعمالهم فصاروا سابقين إلى كل مكرمة ، نائين عن كل منقصة ، علت منازلهم في دار الجزاء ، فصحت الإشارة إليهم بــ : "أولئك" ، فالجزاء من جنس العمل ، وذلك أكمل صور العدل فمن كان في الأولى عاليا برسم الإخلاص والمتابعة فهو في الآخرة عال برسم التكريم والمجاورة للرب ، جل وعلا ، فــ : "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ" ، فالبعد بعد معنوي لعلو المنزلة ، كما تقدم ، وهو ، أيضا ، بعد حسي ، فالجنان في أعالي السماء ، وأقربها إلى جوار الرحمن ، جل وعلا ، أعلاها منزلا : الفردوس الأعلى ، مطمح أصحاب الهمم العالية ، ولذلك أرشد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى سؤال الفردوس الأعلى فذلك الأليق بأصحاب العزائم الحرة الصادقة .
    وإمعانا في بيان هذا العلو : حسا في منازل الجنان ، ومعنى في منازل الكمال ، جاء الخبر بلفظ التقريب لا القرب ، فالمقرب ، كما يقول صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، أعلى منزلة من القريب ، فزيادة المبنى مئنة من زيادة المعنى ، كما اطرد في كلام البلاغيين ، فــ : قرَّب : بتضعيف عين الفعل : الراء ، أبلغ في الدلالة على معنى القرب من : قرُب : فدلالة التضعيف هنا : التعدية للفعل اللازم قرب ، فيقرب بنفسه ، بخلاف قُرِّب ، فإنه لا يقرب إلا إذا قربه غيره ، ولا يستوي من قرب من الله ، عز وجل ، وإن كان خالص النية صالح العمل ، لا يستوي من قرب منه ، جل وعلا ، ومن قرَّبه ، تبارك وتعالى ، فالثاني أكمل حالا ، فليس الشأن كما يقول بعض أهل العلم أن تُحِب ، وإنما الشأن أن تُحَب ، وليس كل مقترب بمقرب ، بل قد يقترب العبد فيرد لدخيلة سوء أو طوية خبث تفسد ما قدم من صالح القول والعمل ، ولذلك كان سؤال الرب ، جل وعلا ، القبول والإخلاص والمتابعة ، فلا قبول لعمل إلا بهذين القيدين : إخلاص النية فلا يشوبها رياء أو حظ نفس ، وإخلاص العمل بالمتابعة فلا تشوبه بدعة أو محدثة ، كان هذا السؤال من آكد وأعظم ما يسأله العبد ربه ، فإن امتن به ، تبارك وتعالى ، فذلك فضل منه عظيم ، وإن منعه ، فذلك عدل منه عظيم فلا يظلم أحدا ، وإنما يظلم العباد أنفسهم بالمعاصي الظاهرة والباطنة .
    والتقريب أعلى من القرب من وجه آخر : فالتقريب ، عند التدبر والنظر ، غاية القرب ، فكل يقترب ليقرب ، فغاية العامل طلبا للقرب أن يقرب فيكون من المقربين فرعا عن كونه من المقتربين ، فاقترابه : وسيلة ، وتقريبه : غاية ، والغاية أشرف بداهة من الوسيلة ، فذلك من جنس العبادة والاستعانة ، فالعبادة : غاية ، والاستعانة : وسيلة يتوصل بها إلى المراد الأعظم وهو العبادة فهي أشرف من هذا الوجه ، ولذلك قدمت في الذكر في سورة الحمد فــ : (إياك نعبد وإياك نستعين) : مع كون الاستعانة فردا من عموم العبادة ، ومع كونها سابقة لها في الوجود فهي السبب في حصولها ، ومع ذلك قدمت النتيجة في الذكر على السبب لشرف قدرها ، فهي الغاية كما تقدم .
    والإشارة بــ : "أولئك" ، أيضا ، كما ذكر صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، مئنة من التعليل ، فعلة كونهم مقربين ما تقدم من كونهم سابقين إلى كل خير ، قاعدين عن كل شر ، فذلك من جنس التعريف بالموصول ، فهو مئنة من تعليق الحكم على الوصف الذي اشتقت منه جملة الصلة : تعليق المعلول على علته ، أو الحكم على سببه .
    وقوله تعالى : (في جنات النعيم) : نوع بيان لما تقدم من وصف التقريب ، وهو يشير إلى التقريب حسا لقرينة ذكر الظرف المحسوس وهو الجنات التي جاءت مجموعة مضافة إلى النعيم المحلى بــ : "أل" الجنسية الاستغراقية لعموم ما دخلت عليه ، فهو نعيم بمعنى النعم التي لا تعد ولا تحصى ، فقد بلغت الغاية في القدر والوصف ، فهي أكثر من نعم الدنيا بداهة ، بل إن نعم الدنيا ما خلقت إلا للتذكير بها فليس من الآخرة في الدنيا إلا الأسماء ، كما أثر عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فالاختلاف في الحقيقة عظيم ، وإن اشترك الجنسان : نعيم الدنيا ونعيم الآخرة في المعنى الكلي المشترك في الذهن ، فشتان الحقيقتان في الخارج ، فتكون الإضافة من هذا الوجه آكد في مقام الامتنان على المقربين ببيان محلهم الحسي في الجنان ذات النعم العظام ، فالإضافة في : "جنات النعيم" : إضافة ظرف إلى مظروفه ، بينما الإضافة في نحو قوله تعالى : (جنة الخلد) : إضافة موصوف إلى صفته ، فهي جنات خالدة ، وأهلها فيها خالدون فلا تتحول عنهم ولا يتحولون عنها ، وذلك أبلغ في بيان عظم الثواب ، وبالإضافتين إلى النعيم ، وإلى الخلد ، تكتمل المنة الربانية ، على أهل الإيمان بسكنى جنان الرحمن التي اكتمل نعيمها وامتد زمانها فهي إلى أبد الآبدين ، فلا تفنى ، ولا يفنى نعيمها ، ولا يفنى أهلها ، فكل باق بإبقاء الرب الآخر ، جل وعلا ، له .
    وإن كانت الآية نصا في محل التقريب الحسي ، فهي دالة عليه دلالة مطابقة مباشرة ، إلا أنها دالة ، أيضا ، على درجات التقريب المعنوي التي ينالها أولئك المقربون ، فهي دالة عليها بدلالة اللزوم غير المباشرة ، فلا يسكن تلك المنازل العلية حسا إلا من علت درجاته معنى فذلك من اللزوم العقلي بمكان .

    ثم جاء بيان عددهم فهم :
    ثلة من الأولين وقليل من الآخرين :
    فمن فسر الأولين : بالأمم السابقة ، حمل ذلك ، على إلهاب وتهييج همم الآخرين ليلحقوا بهم ، على وزان : فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم .
    وقد استبعد ذلك بعض المحققين كابن كثير ، رحمه الله ، لخيرية هذه الأمة فيبعد أن تكون هي القلة ، ويكون غيرها من الأمم هم الكثرة ، إلا إذا نظر إلى مجموع الأفراد ، فالأمم السابقة بمجموعها أكثر عددا من الأمة الخاتمة ، فهم أمم وهي أمة واحدة ، وإن كان ذلك ، أيضا ، قد يبعد من جهة كون هذه الأمة قد امتد بها الزمان وكثر أفرادها سواء أكانت أمة الدعوة : فالبشر اليوم قد بلغوا من العدد ما بلغوا ، ولم يكن ذلك حاصلا في الزمان الأول بداهة ، أو كانت أمة الإجابة ، فعددها ، وإن كانوا كغثاء السيل ، أكثر من عدد المؤمنين في الزمان الأول ويرد على ذلك أن العبرة بالمعاني لا بالمباني ، فمبنى الأمة في الصدر الأول كان قليلا ، ولكن معناه كان عظيما ، فكانوا أفضل طباق هذه الأمة ، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم السلام فهم أفضل أتباع الرسالات ، بخلاف الحال في زماننا فالمبنى عظيم والمعني قليل وربما كان عديما .
    والشاهد أن أصحاب هذا القول قد حملوا الأولين : على سابقي هذه الأمة ، وحملوا الآخرين : على متأخريها ، وذلك بالواقع أليق ، فالصالحون قد كثروا في الزمان الأول ، وقلوا في الزمان المتأخر ، ووجه الإلهاب والتهييج لمشابهة الصدر الأول حاصل ، أيضا ، في هذا التأويل .

    ثم جاء الإطناب في بيان صنوف النعيم فذلك من الوعد الجميل الذي يدل على عظم ثواب الرب الرحيم الكريم ، تبارك وتعالى ، ففيه مئنة من كمال عنايته بعباده المؤمنين بتنعيمهم وتقريبهم ، فضلا عن دلالته الإنشائية بإلهاب المشاعر طلبا لنيل تلك المراتب العلية ، فذلك أمر مطرد في كل وعد رباني : فهو يفيد لزوما الحث على ملازمة ما يتوصل به إليه من الوسائل ، ولا تكون إلا مشروعة بداهة ، فما عند الله من ثواب دنيا أو دين لا ينال إلا بطاعته ، وكذلك الحال في نصوص الوعيد فهي خبرية المبنى إنشائية المعنى من جهة المعنى فتفيد لزوما ، على سبيل الضد من نصوص الوعد ، الحث على اجتناب ما يتوصل به إليه من الوسائل ولا تكون إلا غير مشروعة بداهة ، فالكفر والمعاصي ذرائع العذاب الأليم ، فالأمر مطرد منعكس ، فيطرد الوعد بالثواب في حال الطاعة ، ويدل بعكسه على اطراد ضده من الوعيد بالعقاب في حال المعصية ، وكذلك الشأن في الوعيد فــ : فيطرد الوعيد بالعقاب في حال المعصية ، ويدل بعكسه على اطراد ضده من الوعد بالثواب في حال الطاعة ، فالتلازم بينهما ، أيضا ، تلازم عقلي وثيق ، وهو مئنة من اطرد القياس القرآني وموافقته لصرائح المعقول ، فهو كتاب هاد بأخباره السمعية ودلالاته العقلية .

    فجاء الإطناب بــ :
    عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ : منسوجة بالذهب مشبكةٌ بالدرِّ والياقوتِ ، كما ذكر ذلك أبو السعود ، رحمهم الله ، فذلك وصف المجلس .
    و : مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ : فذلك وصف الجلوس إمعانا في تقرير المنة ، فكمال حال في المجلس والهيئة .
    يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ : فالمضارع مئنة من التجدد والحدوث فذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المنة ،
    بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ : فامتن بتعدد صور الآنية ، واحترز بالتذييل بنفي ما يصيب متعاطى خمر الدنيا من فساد العقل بالصداع والسكر ، فلا يصدعون ولا ينزفون بسببها فــ : "عن" هنا أفادت السببية كما أفاد ذلك أبو السعود رحمه الله . فذلك كمال المشرب .

    وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ : فذلك كمال المطعم ، وزيد في مبنى فعل الاشتهاء مئنة من المبالغة في التنعم ، كما ذكر ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، وفي السياق ملائمة بين فعل التخير والفاكهة ، إذ الفاكهة مما يلتذ بها الإنسان بتخير أجود أصنافها ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، ولا يكون ذلك إلا بعد كسر شهوة النفس بالمطعوم من اللحم والخبز والبقول ونحوه ، بينما المعطوم يلائمه فعل الاشتهاء ، فتشتهيه النفس ابتداء لكسر حدة الجوع ، فوجه الاختيار فيه غير ظاهر ، إذ التخير إنما يكون بعد زوال الاضطرار ، ولذلك يقبل الجائع على الطعام فيرضى إذا اشتد جوعه بما لا يرضى به إذا كان شبعانا ، فعندئذ يظهر الاختيار لزوال الاضطرار ، وأما المضطر فكل الأصناف عنده مشتهاة فلا يحتاج إلى أي مشهيات من مقدحات أو مخللات ... إلخ ! ، واسألوا أهل الابتلاء الخاص في الأنفس بجوع عارض ، أو أهل الابتلاء العام كحال الموحدين المحاصرين في كثير من الأمصار ، وأقربها : غزة ، فك الله حصار أهلها ، فليس عندهم من الاختيار من الأصناف المتعددة ما عندنا ! .
    والشاهد أن النفس إذا شبعت تطلعت إلى ما يلتذ به من صنوف الحلوى والفاكهة ، فتزهد في المطعوم الذي يسد الجوع ، وتطمع فيما يترفه به ، وهذا أمر يعم الغذاء المحسوس ، والغذاء المعقول ، فالنفس ، أيضا ، تطلب حظها من غذاء الروح فإذا تغذت بعلوم النبوات : مادة الوحي المريء ، زهدت فيما عداه من الغذاء المحدث الوبيء ، فإن اشتاقت إلى ما تترفه به تسلت بلطائف العلم ، ولذلك كان بعض أهل العلم كابن سيد الناس ، رحمه الله ، إذا انتهى مجلس الدرس دعا بما يخف على النفس من كتب التاريخ والأسمار ففيها المتعة بعد دسم العلم ، وفيها العظة والعبرة فلا تخلو من فائدة . وعلى العكس إن امتلأت بغذاء فاسد من ملة أو نحلة باطلة ، زهدت كما يقول بعض المحققين كابن تيمية رحمه الله ، في الغذاء النافع .

    و : حُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ : فذلك كمال المنكح وأطنب في وصف نساء الجنة على ما اطرد من الإمعان في بيان أوجه المنة بتعداد أوصاف النعمة على جهة الكمال المطلق ، وفيه ، أيضا ، تسلية لكثير من الصابرين في زماننا ، فما فات قد يستدرك على وجه أكمل إن امتن الرب ، جل وعلا ، بسكنى الجنان ! .
    وما سبق : جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ : فالباء للسببية لا للعوض ، على ما تقرر في مثل هذه المواضع إذ لا تعدل طاعة العمر كله مهما تطاولت أيامه نعمة واحدة في الدنيا على ما يعتريها من النقصان والفناء ، فكيف بنعم الآخرة وقد بلغت الغاية في الكمال فلا نقصان في وصفها ولا انقضاء لأجلها .
    لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا : فتكرار النفي مئنة من التوكيد فلا لغو فيها بباطل ولا تأثيم باللوم والإنكار بنسبة القائل إلى الإثم على ما اطرد في كلام الصرفيين من دلالة : "فعَّل" بتشديد العين على نسبة الفاعل إلى أصل الفعل كفَسَّق وأَثَّم ....... إلخ ، فلا لغو يصدر من القائل ولا لوم يتوجه إليه ، وذلك أبلغ ما يكون في سلامة اللسان والأذن من سيئ القول الصادر من القائل أو من غيره فلا ينطق إلا بخير ولا يسمع إلا خيرا .
    وجاء الاستثناء : إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا : منقطعا إذ السلام ليس من جنس اللغو والتأثيم ، فذلك وجه انقطاعه ، كما قرر النحاة ، وهو جار ، كما يقول صاحب "التحرير والتنوير" ، رحمه الله ، مجرى تأكيد المدح بما يشبه الذم ، فالاستثناء مشعر بأن الأمر قد لا يخلو من لغو أو تأثيم فجاء المستثنى على الضد من ذلك ، فكان ذلك أبلغ في تقرير المدح وحصول المنة بكمال الوصف .
    وشاهده من كلام العرب قول النابغة :
    ولا عيب فيهم غيرَ أنّ سيوفهم ******* بهن فلول من قراع الكتائب
    فلا عيب فيهم بل المستثنى مزيد بيان لكمال حالهم .
    وجعلها أبو السعود ، رحمه الله ، مما اصطلح على تسميته في المنطق بــ : "السالبة لا تقتضي وجود الموضوع" من قبيل :
    ولا ترَى الضبَّ بها ينجحِرُ
    فلا تراه يدخل جحرا وإن كان لا جحر فيها أصلا ، فذلك أبلغ في النفي ، فلا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ، وإن كان لا لغو فيها أصلا ولا تأثيم .

    والله أعلى وأعلم .

  6. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  7. #4
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد : مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات:3,975
    تاريخ التسجيل
    17/8/2005
    البلد
    مصر
    العمر
    36
    المشاركات
    3,975
    1431/4/13 هـ
    ومن قوله تعالى : (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ)

    فذلك من التنويه على ما تقدم في قوله تعالى : (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) ، فالاستفهام فيه نوع إبهام يدل على المبالغة في الوصف ، وهو جار على ما تقدم ، من إرادة التعظيم لقرينة السياق ، فهي من الأضداد التي تحتمل المعنى وضده ، فتحتمل التعظيم وتحتمل التحقير ، فهي من الأضداد ، والأضداد ، كما تقدم في مواضع سابقة ، من أشد الألفاظ غموضا وإجمالا ، فلا بد من قرينة تعين أحد المعنيين ، والمعنى المراد هنا لقرينة السياق المبين لصور النعيم الأخروي الذي قد بلغ من عظم القدر والوصف ما بلغ ، المعنى المراد لهذه القرينة السياقية هو التعظيم .

    وقد ذكروا أولا بوصف : "أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ" ، ثم ذكروا ثانيا بوصف : "أصحاب اليمين" ، والمعنى واحد ، فالاختلاف في المبنى نوع من التفنن يطرد السآمة ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فالتنوع مظنة نشاط السامع بتجدد المباني اللفظية ، فالنفس تتوق دوما إلى التجديد ، فيحصل بذلك نوع تنبيه للسامع ، فمثله في ذلك مثل الالتفات في باب الضمائر ، فيلتفت من الغائب إلى المتكلم شحذا لذهن السامع بتغيير سياق الكلام ، واستحضارا لصورة المخاطب ، فالتفنن بتغيير مباني الألفاظ : باب واسع في لغة العرب به يظهر ثراء لغة العرب ، فموادها المعجمية وصيغها التصريفية ، قد بلغت من الكثرة ما بلغت ، فهي أثرى لغات الدنيا من جهة مبانيها اللفظية ودلالاتها المعنوية ، فالمعنى الواحد قد تتعدد المباني الدالة عليه ، فيكون ذلك من باب الترادف ، وهو كما تقدم في مواضع سابقة ، مما أنكره المحققون كالجاحظ وهو من أئمة اللغة المحققين ، وكابن تيمية ، رحمه الله ، من المتأخرين ، فلا بد من معنى يستقل به كل مبنى ، وشاهد ذلك من علم الصرف ، تباين معاني الصيغ التصريفية بتباين حروف الزيادة ، ولذلك عقد الصرفيون في كتبهم مبحثا لبيان معاني حروف الزيادة ، فالمادة المعجمية واحدة ، ومع ذلك تستقل كل صيغة بمعنى لا يوجد في غيرها ، بل الصيغة الواحدة تدل على عدة معان ، مع اتحاد مبناها ، تبعا للسياق الذي ترد فيه فصيغة : "فعَّل" على سبيل المثال تدل على الإزالة كــ : "قشَّر" ، أي : أزال قشر الشيء ، وعلى النسبة إلى أصل الفعل كــ : "فسَّق" أي : نسبه إلى الفسق ، والتعدي كــ : "قعَّد" ، أي : أقعد ، وعليه يقال هنا بأنه لا بد من معنى زائد يستقل به لفظ : "الميمنة" عن لفظ : "اليمين" ، لاختلاف الصيغة الصرفية ، فاختلاف المعنى فرع عن اختلافها ، ولو لم يكن في ذلك إلا التفنن بالتنويع اللفظي ، كما تقدم ، لكان ذلك كافيا في معرض بيان ثراء لغة العرب .

    واللفظ الواحد قد تتعدد معانيه بتعدد السياقات التي يرد فيها ، فيحتمل المبنى الواحد معان عدة على جهة الاشتراك اللفظي ، فهو على الضد من الترادف فيظهر به ثراء لغة العرب من جهة تعدد سياقاتها وقرائنها اللفظية والحالية التي تعين المعنى المراد في كل سياق ، بل قد تكون الألفاظ ، كما تقدم ، أضدادا ، وذلك أشد صور الإجمال فلا يفصل في تعيين المراد إلا السياق ، فهو ، كما تقدم مرارا ، الأصل في معرفة مراد المتكلم ، فيكون الاشتراك في مقابل الترادف ، وفي كليهما إبراز لوجوه كثيرة من وجوه بلاغة اللسان العربي .

    ثم أطنب في بيان صور النعيم للنوع الثاني من الأزواج الثلاثة ، فقد أجملها في الذكر ثم بين جزاء كلٍ على طريقة اللف والنشر غير المرتبين ، وذلك خلاف الأصل ، فنشر الأخير بذكر نعيم السابقين ، ثم رجع إلى الأول : أصحاب اليمين ، ثم ثلث بالنوع الثاني وهو : أصحاب الشمال ، فنعيم أصحاب اليمين :
    الكينونة : فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ : فذلك أبلغ في بيان إحاطة وكثرة الشجر والثمار بهم ، فهو جار على ما تقدم من المبالغة في بيان صور نعيم الجنان ، ولا يمنع ذلك من إرادة الحقيقة فهو جار مجرى الكناية ، بل الحقيقة هي إحاطة أصناف النعيم بهم فهي ، كما تقدم ، عظيمة القدر والوصف ، فأصنافها متكاثرة ، وحقائقها متكاملة فليس فيها ما في أشجار وثمار الدنيا من النقص ، فتفنى ويسرع إليها الفساد ، وتنقطع في أزمان ، فليست موجودة على الدوام ، وإن حفظت ، فليست غضة طرية كما قطفت ، فذلك مما باينت فيه ثمار الجنة الكاملة ثمار الدنيا الناقصة ، والمقابلة بين وصفيهما تزيد معنى العناية بأصحاب الجنان والمنة عليهم بأكمل صور النعيم مطعما ومشربا ومنكحا ، كما تقدم ، فقد ذكرت الأصناف الثلاثة في سياق بيان نعيم السابقين ، ثم ذكرت ثانيا في سياق بيان نعيم أصحاب اليمين ، فذلك مما يقطع مادة اليأس من القلوب إن لم يصل أصحابها إلى مرتبة السابقين ، فهم قليل في الآخرين ، بخلاف أصحاب اليمين فهم في الآخرين كثير ، فالهمة قد تسمو إلى درجة الأولين ، فإن قصرت فلا تقصرن عن بلوغ درجة الآخرين ، وكل على خير ، ولكن الخير درجات فلا تستوي درجة المقربين ، ودرجة من دونهم ، وإن كانوا من أهل الإيمان الناجين ، فكل من يعبر الصراط ناج ، ومع ذلك تفاوتت سرعة عبورهم تبعا لتفاوت أقدارهم فلا يستوي عبور الأنبياء ، عليهم السلام ، وعبور من دونهم ، بل من دونهم يتفاوتون في سرعة السير ، فليس سير الصديقين كسير الشهداء ، وليس سير الشهداء كسير الصالحين ، وليس سير الصالحين كسير آحاد المؤمنين ، وليس سير أولئك كسير المخلطين ..... إلخ ، فيتفاوت النعيم في الجنان ، فهي جنان كثيرة ، بتفاوت السير على الصراط ، فمعنى النجاة في كل عابر : حاصل ، ولكنه يختلف من عابر إلى عابر ، ومرد ذلك ، عند التدبر والنظر ، إلى استقامة السير على صراط الشرع في دار الابتلاء ، فبقدر الاستقامة والمبادرة إلى قطع مراحل السير إلى الله ، عز وجل ، في دار التكليف ، على رسم النبوات الهاديات فلا بدع ولا محدثات ، بقدر هذه الاستقامة تكون الاستقامة في الدار الآخرة على الصراط ، ومن ثم تكون درجة النعيم في الجنة ، فهي جنان لا جنة ، يتفاوت أصحابها في أقدارهم تبعا لتفاوتهم في أعمالهم ، بل من المعاصي ما يحرم صاحبه من دخول جنان بعينها ، كما أثر عن بعض أهل العلم في تأويل نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ" ، وهو : النمام ، فلا يدخل الجنة التي أعدت لمن سلم من هذه المعصية ، وإن جاز دخوله غيرها إن كان من أهل التوحيد في الجملة ، فهو تحت المشيئة ، فإن شاء الرب ، جل وعلا ، عفا عنه وأدخله الجنة ابتداء وإن شاء عذبه عذابا غير مؤبد ، فإن طهر خرج إلى الجنة فيتبوأ منها مقعده الذي يلائمه ، فيحرم من دخول الجنة التي أعدت لمن لم يكن على معصيته ، كما تقدم ، وقال بعض أهل العلم : بل المعنى تأخر دخوله ، فلا يدخل الجنة ابتداء ، وإنما يحجب عنها بالعذاب المؤقت حتى يطهر من أثر المعصية ثم يدخلها برسم الطهر من خبث المعصية بكير عذاب السموم ، وتلك درجة دنية ، وإن كان مآلها النجاة ، فيقبح في حق كل مؤمن بل عاقل قد علت همته أن يقنع بها ، كما هو حال كثير من العصاة المغرورين بعفو الرب الكريم ، جل وعلا ، فلا يقدرون عذابه حق قدره ، فهو الغفور الرحيم فلا يقنط من عصاه ، فذلك وصف جماله ، وهو شديد العقاب فلا يأمن مكره إلا مغرور ، فذلك وصف جلاله ، ولا يكون السير إليه إلا بكليهما ، فيطمع الطامح في وصف جماله ، ويخشى الزائع وصف جلاله .
    وإمعانا في الامتنان على أصحاب الجنان : جاء وصف السدر مخضودا من الشوك ، فلا شوك فيه يؤذي من يتناوله ككثير من ثمار الدنيا فلا تنالها اليد إلا بعد معالجة الشوك والأغصان ، فيحصل لها من الأذى ما ينغص المنة بها على ما اطرد في شوب نعم الدنيا بالأكدار ، وإن قلت ، لتتمايز من نعم الآخرة الكاملة فلا شوب ولا كدر فيها ينغص على متعاطيها .

    وفي معرض الإطناب في أنواع الثمار ، ورد ذكر :
    طَلْحٍ مَنْضُودٍ : فهو متراكب طيب الريح ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فذلك مئنة من كثرته وجودة صنفه ، والتنكير الذي اطرد في بيان أجناس النعيم في هذا السياق محمول على التعظيم والتكثير لقرينة الامتنان ، فلا يكون إلا بكثير العدد كامل الوصف .
    وَظِلٍّ مَمْدُودٍ : فذلك فرع عن الشجر فناسب اقترانه به في الذكر .
    وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ : فذلك طيب المشرب ، وسكبه مئنة من رقة سيلانه فليس صبا كما يصب العذاب ، وليس منقطعا شحيحا يضجر الشاربون بما ينالهم من النصب قبل نواله ، كما يقع في زماننا ، إذا انقطعت المياه ، أو في البلاد التي لا تصلح المياه فيها للشرب ، وإن لم تنقطع ! ، فغايتها أن تغسل بها الأواني وتزال بها النجاسات ، فقد بلغ التلوث الكيميائي والبيولوجي فيها مبلغا عظيما صيرها غير صالحة للاستهلاك الآدمي ، فمن ابتلي بتناولها فليحترز قدر الاستطاعة بالإقلال من تناولها ، وغليها قبل استعمالها في مطعوم أو مشروب ، فتلك نصيحة المتخصيصين في مجال تلوث المياه ، وليتذكر كمال تلك النعمة في الدار الآخرة فذلك مما يهون عليه مرارة تعاطي ما ليس منه بد لحفظ المهج من التلف .

    وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ : فوصفها بالكثرة فذلك مما يؤيد كون التنكير في هذ السياق مئنة من الكثرة التي نص عليها ، فالتذييل بوصف الكثيرة على جهة المبالغة ينزل منزلة التوكيد للمعنى الذي دل عليه التنكير ، وأيده السياق ، وهو ، أيضا ، مئنة من الجودة ، فهو كثير العدد عظيم الوصف ، فيكون التنكير ، أيضا ، لتعظيم الوصف ، فهي فاكهة : لا تنقطع في زمان دون زمان فذلك مئنة من جودتها ، ولا تمتنع بشوك أو نحوه يحولها بينها وبين متناولها ، كما أثر ذلك عن قتادة رحمه الله ، وذلك وجه من أوجه الضر المنفية فينزل منزلة الإشارة إلى انتفاء بقية صور الضر من فساد للثمرة أو مرارة في الطعم ..... إلخ ، فيكون ذلك جاريا مجرى التنبيه بفرد من أفراد العموم على بقية أفراده ، كما تقدم في مواضع سابقة ، من كلام المحققين من أهل أصول التفسير الذين جعلوا ذلك من صور البيان بذكر بعض أفراد العام فلا يخصصه ، والسياق شاهد لذلك ، فنفي كل صور الضر التي تنغص على المتنعم نعمته آكد في بيان المنة الربانية عليه بكمال النعمة وصفا وقدرا ، وتكرار أداة النفي : لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ، جار ، أيضا ، مجرى التوكيد على نفي وصف السوء فذلك أكمل في بيان كمال النعمة ، كما تقدم .

    ثم جاء بيان كمال الفرش التي يجلس عليها المتنعم ، وكمال وصف من يجاوره عليها فــ :
    فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ : فإما أن تحمل على الحقيقة وهي الفرش المبسوطة ، وإما أن تحمل على المجاز ، عند من يقول به ، فيطلق الفراش ويراد الحال فيه من الحور العين ، فيكون مجازا مرسلا علاقتة المحلية ، إذ أطلق المحل وأراد الحال فيه ، أو يطلق الفراش ويراد المجاور له ، فالجالس عليه مجاور له بداهة ، فيكون ، أيضا ، مجازا مرسلا ، علاقته المجاورة ، كما أشار إلى ذلك صاحب : "منتهى الأرب" رحمه الله ، فهذان وجهان للمجاز تحمل فيهما الفرش على الجالس عليها على جهة الحلول أو المجاورة ، وذلك شاهد لمن جوز دلالة المشترك اللفظي على معنييه ، فله معنى حقيقي وآخر مجازي ، والسياق لا يمنع إرادة كليهما ، بل إن ذلك مما يثري المعنى ، بزيادة أوجه المنة ، وقد تفرع عن ذلك : حمل الرفع الذي وصفت به الفرش على : الرفع الحسي ، إن حمل المشترك على حقيقته ، وهي الفرش المحسوسة ، أو الرفع المعنوي إن حمل المشترك على مجازه ، وهو : الحور العين ، كما تقدم ، فهن مرفوعات على نساء الدنيا بجمال الخَلق والخُلُق ، ولا مانع هنا ، أيضا ، من حمل لفظ الرفع على كلا النوعين : الحسي والمعنوي ، فهو دال بأصله على معنى الرفعة ، وهو معنى كلي يقبل الانقسام إلى معنى يدرك بالحس ، فذلك ارتفاع الفرش ، وآخر يدرك بالعقل ، فذلك ارتفاع الحور العين ، فيكون ذلك ، أيضا ، شاهدا لمن جوز الجمع بين دلالتي المشترك : الحقيقية والمجازية .
    إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً : فدلالة الضمير هنا ، أيضا ، تحتمل المعنيين ، وإن كان ما جاء عقيبه من أوصاف الحور من البكارة والتحبب إلى الأزواج بطيب القول والفعل والاعتدال في السن والخُلق ، فضلا عن الإنشاء ، وفيه معنى الإعادة ، وهو الأليق بإعادة بعث أجساد نساء الدنيا من الزوجات اللاتي يدخلن الجنة مع أزواجهن ، وإن كان كل ذلك مما : يرجح إرادة النساء بالفرش ، فتلك قرينة لفظية قد يحتج بها منكر المجاز ، فقد عينت المراد بلا حاجة إلى قرائن وعلائق عقلية كالتي تكون في المجاز وعلى حمل الفرش على المعنى الحقيقي يكون الضمير في : "أنشأناهن" : عائدا على غير مذكور ، كما نقل ذلك ابن هشام ، رحمه الله ، عن أبي عبيدة ، رحمه الله ، في : "شرح شذور الذهب" ، فهو من قبيل قوله تعالى : (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) ، فالضمير عائد على الشمس ولم يتقدم لها ذكر ، ولا يخلو عود الضمير على النساء على هذا الوجه من وجه لطيف ، إذ السياق ، أيضا ، قد حسن ذلك بقرينة ذكر الفرش فينتقل العقل بداهة إلى الجالس عليها ، فذلك لازمها العقلي ، إذ الفراش لا ينتفع به إلا بالجلوس عليه ، وبكمال وصف المجاور تكتمل المنة بالجلوس عليه ، فلا يكفي طيب المحل إن كان المجاور فيه خبيثا ، فذلك من جنس جار السوء ، سواء أكان جارا جنبا في المسكن ، أو صاحبا بالجنب في الحياة والفراش ، فتلك ابتلاءات عظيمة يسلم منها أهل الجنان ! .

    ثم جاء الإطناب في ذكر أوصاف الحور ، فذلك ، كما تقدم آكد في تقرير المنة الربانية على أهل الجنان : فهن أبكار قد حسن لفظهن وفعلهن فالحورية : عروب تحسن التودد إلى زوجها ، وذلك ، أيضا ، مما يتسلى به كثير من الأزواج في هذا الزمان رجاء نيله بعد طول عناء وصبر على الابتلاء الكوني النافذ ! ، وهن معتدلات في الخُلق والخَلق ، فلا يقع بينهن ما يقع بين ضرائر الدنيا من الضر الذي اشتق اسمهن منه ! ، فهن ضر لبعضهن ، وضر لزوجهن المسكين الذي يعاني الأمرين في هذا الزمان الذي خفيت فيه معالم هذه السنة فالعامل بها : مبتلى في كل بيت يحل فيه من بيوت نسائه ! .
    لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ : فاللام مئنة من الاختصاص فذلك آكد في تقرير المنة .
    ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ : فالفريقان من هذه الأمة ، كما تقدم من ترجيح ابن كثير ، رحمه الله ، وذلك ، أيضا ، مما يزيد المنة ، فهو مما يعظم به الأمل في نفوس العاملين فإن لم تدرك الأولى فالثانية كما تقدم ، فما لا يدرك كله لا يترك كله .

    والله أعلى وأعلم .

  8. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  9. #5
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد : مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات:3,975
    تاريخ التسجيل
    17/8/2005
    البلد
    مصر
    العمر
    36
    المشاركات
    3,975
    1431/4/16 هـ
    ومن قوله تعالى : (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) :
    فذلك جار ، أيضا ، على ما اطرد من التهويل بالاستفهام ، وقد يحتمل هنا ، أيضا ، لقرينة سياق الذم : التحقير على وزان قولك في تحقير من لا يؤبه به : فلان وما فلان ؟! ، تقليلا لشأنه ، على ما تقدم من دلالة الاستفهام على الضدين : التعظيم والتحقير ، والسياق هو الذي يعين المراد ، فالسياق هنا يحتمل التهويل باعتبار سوء المآل ، ويحتمل التحقير لتعلق وصف الذم بهم ، فالمذموم شرعا : حقير الشأن بداهة .

    ثم جاء الإطناب ببيان صور العذاب ، فذلك من جنس الإطناب ببيان صور النعيم في سياق السابقين وأصحاب اليمين ، فيكون ذلك من المقابلة بذكر الشيء وضده ، فالإطناب في الأولين جار مجرى الوعد ، فيحمل السامع على امتثال ما يؤدي إليه ، والإطناب هنا جار مجرى الوعيد ، فيحمل السامع على اجتناب ما يؤدي إليه ، فأخبار الوعد والوعيد ، كما تقدم مرارا ، إنشائية باعتبار لازمها من الامتثال في معرض الترغيب بالوعد ، والاجتناب في معرض الترهيب بالوعيد ، فمن ذلك العذاب :
    فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ : فالظرفية مئنة من الإحاطة ، وذلك أبلغ في الإهانة في مقابل : (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ............) ، فالظرفية مئنة من الإحاطة ، أيضا ، ولكن في معرض الكرامة ، فذلك مما يشهد لمعنى المقابلة بين أوصاف النعيم وأوصاف الجحيم ، فالمقابلة بين الأضداد على جهة الاقتران ، أمر قد اطرد في التنزيل ، كما قرر ذلك الشاطبي ، رحمه الله ، فوعد يعقبه وعيد ، ونعيم يعقبه جحيم ، وثناء يعقبه ذم ...... إلخ ، ونكر السموم ، وهو الريح التي لا بلل فيها ، والحميم وهو الماء الساخن الذي يقطع الأمعاء ، كما في قوله تعالى : (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) : فذلك من بيان مجمل صورة التعذيب بالحميم في هذا الموضع ، كما تقدم مرارا من بيان مجمل التنزيل بمبينه ، فنكرا تعظيما فذلك من النكاية بمكان ، وهو أليق ، بداهة ، بسياق الوعيد تنفيرا مما يؤدي إليه ، وظل من يحموم ، وهو الدخان الأسود ، و : "من" بيانية فالظل نفسه من الدخان ، فهو ظل كلا ظل ، فذلك من التهكم بهم ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فالظل مظنة التنعم فتتلهف إليه النفس لا سيما مع طول المعاناة بالسموم والحميم فإذا به ظل عذاب ، فتكون المرارة أعظم ، وذلك ، أيضا ، جار مجرى المقابلة مع ظل المؤمنين : (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) .
    وأطنب في نفي أوصاف الحسن عنه بتكرار النفي : (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) ، فذلك من التوكيد ، إمعانا في النكاية بانقطاع أملهم من أي خير ينالهم منه .

    ثم جاء التعليل : (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ) :
    فصدرت العلة المركبة من أكثر من وصف استحقوا به الذم ، صدرت بالمؤكد ، فذلك مئنة من التعليل ، ويؤيده الفصل ، فلا عاطف ، كما اطرد مرارا من شبه كمال الاتصال بين العلة والمعلول ، وفعل الكينوية مئنة من الديمومة ، وذلك آكد في لحوق الذم بهم ، واستحقاقهم العذاب ، فكان حالهم المطرد فلا انقطاع له في الزمن الماضي ، كان حالهم الترف مع الإصرار على الكفر ، فــ : "أل" في : "الحنث" عهدية تشير إلى أعظم أنواعه ، وهو الكفر والوصف بالعظم يؤيد ذلك ، فإنه لا أعظم من الكفر والشرك ويؤيده من سياق آخر :
    قوله تعالى : (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ، وقد يقال بأن : "أل" : جنسية استغراقية لأنواع الحنث ، فتشمل الكفر وما دونه فقد تنوعت معاصيهم ، بل إن فساد الأصل ، بوقوع الخلل في الاعتقاد يؤدي لزوما إلى فساد العمل فتتعدد صور العصيان ، على ما اطرد مرارا ، من التلازم بين الظاهر والباطن ، فمتى فسد أصل الاعتقاد في القلب بالتصور الفاسد تولد عن ذلك من الإرادات القلبية الفاسدة ما تولد ، فظهر أثر هذا الفساد العلمي والعملي الباطن على الظاهر ، فالتلازم بينهما تلازم عقلي وثيق .
    وكانوا مع ذلك يتهكمون بالاستفهام في معرض الإنكار والإبطال لبعثهم وبعث من تقدم من آبائهم : (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ) . وقد جاء الإطناب بذكر ما بعد الموت والبلى من صيرورة الجسد المتحرك الحساس النامي عظاما ورفاتا ، مئنة من عظم استبعادهم للبعث بعد الموت ، وهو ما جاء الرد عليهم بالاستدلال بقياس الأولى في مواضع أخر من التنزيل : (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) ، وفي هذا الموضع بعينه : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) ، فقد علمتم النشأة الأولى ، وهي أعسر من الإعادة ، وكل على الرب ، جل وعلا ، هين ، ولكنه جار مجرى التنزل مع الخصم في الجدال ، فكيف تستبعدون الإعادة ، وهي الأهون ، فمن قدر على الأعلى قدر على الأدنى بداهة ، فذلك وجه قياس الأولى في هذا النوع من الاستدلال على وقوع البعث ، فهو لمن تأمله ضرورة شرعية فهي مما اتفقت عليه النبوات ، فجاء ذكرها متواترا في سائر الرسالات ، وضرورة عقلية ، فلا بد من دار بعد هذه الدار توفى فيها كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون فذلك العدل بعينه ، والعدل قيمة إنسانية فطرية وقع إجماع العقلاء على استحسانها .
    والترف في حد ذاته ليس سببا للعذاب ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فكم من مترف منعم في الدنيا ، وهو مع ذلك مؤمن مصدق بقلبه ولسانه وجوارحه ، فيكون ذكره باعتباره : مظنة التكذيب والإعراض عن قبول الحق ، فذلك حال أغلب المترفين الذين يخشون زوال ما هم فيه من النعيم العارض إذا امتثلوا حكم الوحي الشارع ، مع أن الشرع لم يأت بنزع ملكيات البشر ، كما فعلت الشيوعية الحمقاء التي قابلت الظلم بالظلم ، وصادمت ما جبل عليه الإنسان من حب التملك والاستقلال ، وسار على منهاجها ، أذنابها في الدول الاشتراكية ، التي روجت للشيوعية باسم الاشتراكية تلبيسا من جنس تلبيس إبليس بتسمية الأشياء بغير أسمائها الحقيقية كما يفعل مستحلو الخمر في زماننا فيسمونها بما قد علم من الأسماء المعاصرة ، فذلك ترويج للخمر المحسوس ، وأما الخمر المعقول من نحاتة أذهان الشرق الملحد والغرب العلماني الكافر فيروج لها بأسماء من قبيل : الاشتراكية ، ثم اليسار ، ثم حاول المضللون ، كما أشار بعض المفكرين المعاصرين ، الإمعان في الخداع فنسبوه إلى الإسلام ، فصار يسارا إسلاميا بعد أن كان شيوعية إلحادية ، فذلك من التلطف مع المخاطب ! ، لئلا يصدم بالحقائق ، ومن قبيل : الديمقراطية : التي حققت بعض المكاسب العقلية والمادية للغرب المأسور آنذاك في قيد كهنوت الكنيسة ، ولكنها في المقابل أخرجت معتنقها من عبادة أرباب الكنيسة إلى عبادة أرباب الهوى ، فصيرت الهوى مصدر التشريع فما رآه حسنا فهو حسن ، ولو خالف الأديان والأعراف ، بل والفطر ، كما هو الحال في الدول التي تقنن الفواحش المغلظة التي تأباها كل فطرة ، ولو كان صاحبها طالبا للذة العاجلة ، معرضا عن أي شريعة نازلة ، فمن لا دين له ، إن كان له بقية عقل وفطرة فإنه يأنف مما وقع فيه أرباب الديمقراطية الزائفة التي تستعمل حينا ، وتعطل حينا ، فيكون الخروج على الأخلاق والأديان حرية فكرية ، ويكون الرجوع إلى الأديان وإظهار شعائرها خطرا على قيم الديمقراطية الغربية ، فكيف لو حاول أصحاب هذا الفكر المتطرف ! ، إظهار أحكام الديانة وإقامة جماعة تأتمر بأمر الوحي ؟! .

    أو يقال بأن الترف بمفرده ليس بعلة كاملة لوقوع العذاب ، بل قد انظم إليه ما تلاه من الكفر والمعصية والتكذيب بالبعث ، فتكون العلة من قبيل العلة المركبة من أجزاء ورد ذكرها في الآيات الثلاثة المتعاقبة .

    ووصف الترف من وجه آخر : حاصل لكل كافر في هذه الدنيا ، وإن رق حاله ، فما هو فيه من ضنك في الحياة الدنيا : نعيم بل ترف إذا ما قورن بجزائه في الدار الآخرة ، فذلك وجه لطيف أشار إليه ابن حجر ، رحمه الله ، في سياق مناظرة له مع أحد فقراء اليهود في قصة معروفة .

    فجاء الرد عليهم : (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) : فأطنب في إثبات ما أنكروه بذكر الأولين والآخرين في مقابل إنكارهم بعثهم وبعث آبائهم الأولين ، وجاء الإثبات مؤكد بــ : "إن" ، واللام الداخلة على الخبر : "لمجموعون" .

    ثم جاء الإطناب في بيان صور من عذابهم إمعانا في النكاية :
    (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ) ، فجاء التوكيد مرة أخرى إمعانا في التهديد بالوعيد ، فضلا عن كون النداء في سياق الذم يدل على نوع تهديد ، وجاء النداء بأوصاف السوء ، فذلك أبلغ في الإهانة ، فالتكريم يكون بنداء الإنسان بأحسن أوصافه ، وليس لهم من ذلك نصيب ، فهم مكذبون ابتداء ، فذلك فساد الاعتقاد ، ضالون انتهاء فذلك فساد العمل الناشئ عنه ، على ما اطرد مرارا من التلازم بين القول الباطن والعمل الظاهر صحة وفسادا .
    ثم جاء التوكيد باللام : (لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ) ، وفرع عنها بالفاء ، وهي هنا سببية لعطفها وصفا على وصف ، كما أشار إلى ذلك صاحب "مغني اللبيب" رحمه الله ، فالوصف الثاني ناشئ عن الوصف الأول ، فآكلون منها إلى حد الامتلاء ، فذلك أبلغ في لحوق الأذى بهم من خبثها ونتنها ، فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ : فيكون ذلك من النكاية في المشروب بعد ورود النكاية في المطعوم ، فاستوفي الشطرين كما استوفاهما في حق الأولين من أصحاب النعيم في قوله تعالى في نعيم السابقين : (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) ، وقوله تعالى في نعيم أصحاب اليمين : (وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ) .
    ثم أعيد الوصف : (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) توكيدا في معرض الذم ، كما أشار إلى ذلك صاحب التحرير والتنوير ، رحمه الله ، وجاء المصدر مبينا لنوع عامله ، فشربهم شرب الهيم ، وهو شرب الدابة التي لا ينقطع شرابها لحمى في أمعائها فلا تزال تشرب ولا تروَى مع ما يعانونه من ألم الحميم ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فذلك ، أيضا ، من الذم بمكان ، ثم ختم السياق بالتهكم بهم فذلك ألم نفساني بعد سلسلة من الآلام الجسدية ، فهذا نزلهم ، فالتفت إلى الغيبة : "نزلهم" ، تحقيرا من شأنهم ، وجاء تصدير الكلام بالنزل وهو مظنة التكريم ، فذلك جار مجرى الإهانة في نحو قوله تعالى : (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) .

    والله أعلى وأعلم .

  10. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  11. #6
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد : مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات:3,975
    تاريخ التسجيل
    17/8/2005
    البلد
    مصر
    العمر
    36
    المشاركات
    3,975
    1431/5/6 هـ
    ومن قوله تعالى : (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) :
    فذلك جار مجرى الاستدلال بآيات الربوبية الكونية على وجوب تصديق آيات الألوهية الشرعية ، ولما كان السياق سياق امتنان وتذكير بنعمة الإيجاد المعجز ، بتقدير الخلق من الأزل ، والبرء من العدم ، والتصوير على هذا النحو من الإتقان ، ناسب ذلك أن يرد المسند إليه على حد ضمير الجمع ، فهو ، كما تقدم مرارا ، على وزان قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) ، فالجمع مئنة من التعظيم ودليل على تعدد أوصاف كماله التي بها كان الخلق ، فالجمع باعتبار المعاني القائمة بالذات القدسية ، التي عنها تصدر الكلمات الكونية النافذة بالتقدير الأزلي والخلق الإيجادي ، فعلم أزلي ثم كتابة ، ثم مشيئة لوقوع المقدور ، ثم خلق له ، بقدرة نافذة وحكمة بالغة ، فيقع كما قدره الرب ، جل وعلا ، أزلا ، بلا زيادة أو نقصان ، فذلك وصف صنعه المتقن ، فحياة الكائن الحساس من الحي الذي لا يموت ، نفخها فيه ، فهو الحي حياة الأزل والأبد على جهة الكمال المطلق فلا يعتريها ما يعتري حياة البشر من النقص والفناء والعدم ، المحيي لغيره فذلك فعله في خلقه ، وبعد الخلق العناية فهي من قيوميته ، عز وجل ، فمنها ، أيضا ، قيومية الذات فلا يفتقر إلى ما سواه ، وقيوميته لعباده إعدادا للمحال لقبول أسباب الصلاح الكوني والشرعي ، وإمدادا بأسباب ذلك من الوحي النازل والغذاء النابت ، فهو قيوم الروح بالوحي الشرعي ، قيوم البدن بالقدر الكوني ، إذ يسر أسباب الحياة فلم يخلق العباد هملا ، ولم يخلقهم ثم احتار كيف يرزقهم ! ، بل منته بالخلق ، ثم بالعناية بحفظ المخلوق بأسباب الشرع والكون ، وهما الدلالتان اللتان اطرد الاحتجاج بهما في مقام إثبات وجوب إفراده ، جل وعلا ، بأجناس التأله ، فجاء التذكير على حد الاختصاص والتوكيد بتقديم المسند إليه : (نحن) ، وإيراد المسند فعلا : (خلقناكم) ، فنحن تعيينا لا غيرنا خلقناكم ، إن كان المخاطب قد بلغ به فساد العقل أن يعتقد أن غير الله ، عز وجل ، قد خلقه ! ، أو نحن تعيينا وحدنا فلم يشركنا أحد لمن اعتقد مشاركة غير الله ، عز وجل ، له في الخلق ، فنحن على كلا التقديرين ، خلقناكم ، نفيا لانفراد غيره ، تبارك وتعالى ، بخصيصة من خصائص الربوبية التي لا يتصف بها غيره ، ونفيا لمشاركة غيره له فيها ، فهي ، كما تقدم ، خصيصة ، والخصيصة لا تتصور فيها الشراكة فذلك مبطل لمعنى الاختصاص فيها ، فلم يخلقكم غيرنا ، ولم يشركنا غيرنا في خلقكم ، فإذ كان الأمر كذلك ، وكان وصف الربوبية فيه ، تبارك وتعالى ، متحققا وفي غيره متخلفا ، صار الواجب شرعا وعقلا ، إفراده ، جل وعلا ، بالتأله الشرعي ، فرعا عن انفراده بالخلق والتدبير الكوني ، فلا إله إلا هو إذ لا رب إلا هو ، فلا يستقل بالخلق والإيجاد إلا هو ، فغيره سبب يتوصل به إلى الخلق ، فالتقاء النطف سبب لإيجاد الحياة فلا يوجبها فكم من نطف قد استقرت في الأرحام ، ولم يشأ الرب ، جل وعلا ، لها البقاء ففنيت قبل نفخ الروح أو بعده ، ونفخ الملك سبب ، فلا يدبر أمر النطفة وكتابة الرزق والأجل والمصير إلا بإذن الرب العلي القدير ، فلا بد أن تنتهي الأسباب إلى سبب ليس وراءه سبب ، هو كلمته الكونية النافذة الصادرة عن كمال أوصافه الفاعلة في خلقه إيجادا وإعدادا وإمدادا ، فهو الرب ، المستحق بذلك الإفراد بالتأله باطنا وظاهرا ، فهلا تصدقون ، على جهة الحض ، إذ الخطاب لمنكري البعث وجاحدي الشرع ، فهلا إذ علمتم انفراده بالربوبية أفردتموه بالألوهية ، فضمنت : "لولا" معنى الحض الذي يرد في سياق الإنكار ، وقد يرد في سياق الإكرام في نحو : هلا زرتنا ، فيكون عرضا لا إزعاج فيه كالحض الذي تزعج فيه النفوس إزعاجا فهي مظنة التقصير الذي يستوجب زجرا وتوبيخا ليمتثل المقصر ما فرط فيه ، والقرينة السياقية ، كما تقدم مرارا ، هي التي تعين مراد المتكلم من الألفاظ ذات الدلالة المعنوية المزدوجة ، فــ : "لولا" : للحض والتوبيخ في موضع ، وللعرض والتكريم في موضع ، وتلك دلالتان متضادتان للفظ واحد ، فينزل منزلة الأضداد من هذا الوجه ، وهي من أشد الألفاظ إجمالا لازدحام المعاني المتباينة بل المتضادة فيها ، فدلالة اللفظ على الشيء وضده توقع السامع في حيرة ، فلا ينجلي له الأمر إلا بقرينة سياقية تعين مراد المتكلم ، فقرينة خطاب المنكر في هذا السياق قد رجحت معنى الحض والتوبيخ ، فلا يتصور أن يكون الخطاب عرضا رفيقا ، فزجر المشرك مقام جلال لا يحسن فيه خطاب الجمال ، فزال الإجمال في اللفظ بقرينة السياق ، وذلك أصل مطرد في بيان دلالات الألفاظ المشكلة ، وبه استدل من استدل على نفي وقوع المجاز في الكتاب العزيز ، فلا يخلو السياق من قرينة تعين المراد فتحرف دلالته إلى المعنى المرجوح ، إن كان هو المراد ، فذلك مما يرجح خلاف ظاهر اللفظ ، وهو عند التحقيق ، الظاهر المراد في هذا الموضع ، وإن لم يكن كذلك في مواضع أخر ، أو كان خلاف الظاهر المتبادر من دلالة اللفظ المعجمية التي لا ينظر فيها إلى قرينة السياق ، فقرينة السياق التي لا يمكن معرفة المراد بمعزل عنها ، جزء من الدلالة المعنوية للفظ في هذا الموضع بعينه ، فيكون الظاهر المتبادر في هذا الموضع مركبا من اللفظ ذي الدلالة المعجمية والقرينة المعينة للمراد منه فهو محتمل لأكثر من معنى ولو مرجوحا ، وهو غير الظاهر المتبادر منه في مواضع أخر لاختلاف القرينة ، فهي هنا ، على سبيل المثال ، ترجح معنى التوبيخ ، وفي سياق العرض الرفيق من قبيل : هلا زرتنا ترجح معنى التكريم ، واللفظ في كلا السياقين حقيقة في المعنى المراد منه فانتفى المجاز من هذا الوجه ، ومن يثبت المجاز فإنه يعتمد القرينة أيضا في تعيين المعنى المراد ولكنه يزعم دلالة اللفظ ابتداء على غيره بحكم الوضع الأول الذي تحرف القرينة دلالته إلى المعنى المراد ، فدلالة اللفظ عنده إفرادية فليس السياق جزءا منها بل هو قرينة دالة عليها ، بخلاف الأول الذي يرى القرينة السياقية جزءا من معنى اللفظ ، فلكل لفظ معنى بعينه تبعا للسياق الذي يرد فيه كما تقدم . والخلاف في مثل هذه المواضع يكاد يكون نظريا ، فمؤدى القولين واحد ، وإنما يظهر أثر الخلاف ، كما تقدم في مواضع أخرى ، في الخبريات التي لا يدرك العقل أو الحس حقيقتها ، فلا قرينة من عقل أو حس تشهد لتأويلات المتأولة في باب كالأسماء والصفات ، فإن لم توجد قرينة لفظية تدل على خلاف الظاهر : وجب حمل اللفظ على الظاهر اللائق بجلاله عز وجل ، وإن وجدت القرينة فلا تأويل ، لأن الظاهر ، حينئذ هو المراد ، أيضا ، ولكنه ، كما تقدم : مركب من الدلالة المعجمية الإفرادية والدلالة السياقية التركيبية .


    فثبت معنى الزجر الحامل على التصديق ، فهلا صدقتكم بالوحي ، ولا يكون تصديق إلا بقرينة الامتثال ، فليس التصديق معرفة مجردة من العمل ، فالعمل بينة العلم ، فهو الشاهد له ، فلا ينفك عنه ، فذلك من التلازم الوثيق الذي سبقت الإشارة إليه مرارا ، فلا ظاهر إلا بباطن يصدر عنه صدور المعلول من علته ، أو اللازم من ملزومه ، أو النتيجة من سببها ، فكلها علائق وثيقة لا انفكاك بين طرفيها ، فالتصور العلمي مؤد لا محالة إلى حكم عملي ، يشهد له ، وإلا كان كذبا أو نفاقا ، فلم يتصور صاحبه ابتداء ، جحودا أو إنكارا أو جهلا أو نفاقا ، ليمتثل انتهاء ، فتصديق الخبر على جهة الإقرار الجازم نصف ، وامتثال الحكم على جهة الانقياد نصف آخر ، بهما تكتمل حقيقة التصديق ، وإلا كان ، كما تقدم ، دعوى عرية عن البرهان ، بل التصديق في نصوص الوحي قد جاء بمعنى البرهان العملي ، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ" ، فذلك نص في محل النزاع يحسم الخلاف في دلالة التصديق على العمل فهو دال عليه من كل وجه ، إما : تضمنا ، إذا أفرد عنه بالذكر ، فيدل على العلم الباطن ودليله من العمل الظاهر ، وإما لزوما إذا اقترنا ، فيستقل التصديق بالباطن ، ويستقل العمل بالظاهر ، وإن كان منه ما هو باطن كالتوكل والاستعانة والرجاء والإنابة ...... إلخ من الحركات القلبية بالإرادات العملية .

    وفي الآية من قياس الأولى ما يحتج به المستدل في معرض إبطال شبهة منكر البعث ، فإن من خلق ابتداء قادر على الإعادة انتهاء ، فذلك أهون عليه ، ففعله له ثابت من باب أولى ، فهلا صدقتم بالبعث اختيارا إذ أقررتم بالخلق الأول اضطرار فــ : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) ، فلم ينكر ذلك إلا مسفسط جاحد لسان حاله شاهد بكذب مقاله .

    أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ :
    فتلك إشارة إلى أصل الإنسان المهين ، وفيه إشارة إلى عظم قدرة الرب ، جل وعلا ، إذ أخرج الإنسان الكامل من هذه النطفة ، ولذلك ناسب ذلك الحال الاعتباري الذي يعمل فيه العقل في المحسوس توصلا إلى المعقول ، فيعتبر بما يدركه بحسه الظاهر من خلق النطف في الأصلاب ، ثم قرارها في الأرحام لتصير علقة فمضغة .... إلخ ، وكل ذلك مما تيسر إدراكه بالحس الظاهر ، فصار ذريعة إلى إعمال الحس الباطن فيه تدبرا وتأملا ، ليتوصل بذلك إلى أن إعادة الخلق أهون على الرب الخالق البارئ المصور ، جل وعلا ، من بدئه ، وفي التنزيل : (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) ، فيبدؤه من العدم تقديرا في الأزل فبرءا في عالم الشهادة على ما قد قدر ، فتصويرا لكل جنين في أحسن تقويم ، فامتاز كل إنسان بصورة جينية باطنة وخلقية ظاهرة ، فلا يشترك اثنان في صورة واحدة ، وإن كانا توأمين متماثلين ، فلكل صورته ، ولكل سره اللطيف الذي يسري في بدنه الكثيف ، فالملك قد نفخ في كل روحه ، بإذن الرب العلي القدير ، فلم تنفخ فيهما روح واحدة مع مسيس الاتصال بينهما في الرحم الواحد ، فلا بد أن يستقل كل كائن بقدر فارق يميزه عن بقية الكائنات ، ولو كانت من جنسه ونوعه ، بل لو كانت قسيمته في الخلق الظاهر ، فلكل توأم من التوأمين ، ولو كانا متماثلين ما يمتاز به عن توأمه ، فبينهما قدر مشترك ، يزيد أو ينقص ، فيزيد حتى يبلغ حد التماثل في الظاهر ، وينقص شيئا إن كان التوأمان غير متماثلين ، ويقل أكثر لو كانا أخوين متتاليين ، ويقل أكثر لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى ، فلكل خصائصه وطبائعه الظاهرة والباطنة ، ويقل أكثر وأكثر لو كانا متباينين ، فلا نسب قريب أو بعيد بينهما ، ويزيد أكثر باختلاف الأمصار والبيئات ، فمن كان في مصر بارد فله من الخصائص البيولوجية والنفسية ما يلائمه ، ومن كان في مصر حار فله أيضا من الخصائص ما يلائمه ، فذلك من إتقان صنع الرب القدير الحكيم ، جل وعلا ، بأن أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، فأعطى الأوروبي خلقة تلائم برودة مصره ، وأعطى الإفريقي خلقة تلائم حرارة مصره ، وأعطى أهل الشرق خلقة تلائم اعتدال أمصارهم ، فكان تنوع الخلق بإيجاد كل الأفراد والأجناس على هذه الهيئات المتقنات ، فلكل خلقه الملائم لحاله ، كما تقدم بيانه ، فللذكر ما يلائمه من القوى والملكات التي يغلب عليها القوة في : البدن والعقل ، وللأنثى ما يلائمها من الملكات التي يغلب عليها الضعف في البدن والقوة في : القلب لمكان الأمومة التي تقتضي عاطفة ورحمة ، ومكان السكن الذي يقتضي لطفا ومودة ، فتلك من آيات الرب ، جل وعلا ، في تنويع الملكات لتظهر حكمته في تكاملها لا تعارضها ، كما يظهر في المجتمعات التي تبادل فيها الجنسان الأدوار ، وتظهر قدرته في خلق المتضادات على نحو يقع به التكامل فينتظم أمر هذا العالم بما أجراه الرب ، جل وعلا ، من السنن الكونية المحكمة ، ويظهر غناه إذ لم يفتقر إلى الصاحبة أو الولد كما يفتقر كل جنس إلى زوجه ، فبفقر العبد يظهر كمال غنى الرب الذاتي ، فالغنى وصف ذات لازم له ، جل وعلا ، أبدا ، والفقر وصف ذات لازم أبدا للعبد ، فبفقر العبد الذاتي إلى الصاحبة شهوة والولد استبقاء للأصل ، يظهر غنى الرب ، جل وعلا ، الأول بذاته وصفات كماله .

    وذلك القدر الفارق بين كل نوعين أو فردين في الخلقة الظاهرة مما ينتفع به في سائر العلوم كما قرر ذلك المحققون من أهل العلم ، فبه يقع التمايز بين أي موجودين باستقلال كل بسمات لا توجد في غيره ، وذلك ، كما تقدم ، مئنة من إتقان صنع الباري ، عز وجل ، وبه يزول إشكال النفاة والمؤولة في باب الصفات الإلهية إذ القدر المشترك بين الأوصاف التي يجوز إطلاقها على الرب ، جل وعلا ، والعبد معا ، لا يلزم منه التماثل أو التشابه إلا في المعاني الكلية المشتركة التي لا توجد إلا في الأذهان فلا وجود لها في الخارج ليلزم من إثباتها تمثيل أو تشبيه ، والقدر الفارق هو الذي به يستقل كل موصوف بما يلائم ذاته كمالا أو نقصانا ، فكما وقع التفاوت بين البشر ، كمالا أو نقصانا ، فليس علم العالم كعلم الجاهل وإن اشتركا في أصله ، فالتباين كائن في العلم فرعا عن التباين في الذات ، فتتفاوت العلوم بتفاوت أصحابها ، فلم يلزم من اشتراكهم في أصل الصفة اشتراكهم في قدرها ، فلكل منهم قدر منها يلائم حاله ، فكما وقع ذلك في عالم الشهادة ، فوقوعه في عالم الغيب بالنظر إلى صفات الرب ، جل وعلا ، كائن من باب أولى ، فليس مجرد الاشتراك في الوصف الكلي الجامع بمقتض الاشتراك في المعنى الجزئي خارج الذهن ، بل لكل ، كما تقدم ، وصفه الذي يليق به كمالا أو نقصانا ، فالقدر الفارق بين علم الرب ، جل وعلا ، المحيط ، وعلم العبد ، كالقدر الفارق بين ذات الرب ، جل وعلا ، القدسية ، وذات العبد الأرضية الطينية .
    فناسب ذلك الحال الاعتباري : الإتيان بفعل الرؤية : (أفرأيتم) : الذي يدل على نوع تعجب من حال المرئي ، فالرؤية فيه تحتمل الرؤية القلبية العلمية ، نظرا وتدبرا ، وهي المراد الأول في هذا السياق ، ولا يمنع ذلك من إرادة الرؤية البصرية الحسية فبمدركاتها الحسية تعمل القوى الباطنة تصورا وحفظا وتعقلا ، فالقوة الحسية الظاهرة لا تنفك عن أثر ظاهر في القوة القلبية الباطنة ، فما تشاهده العين تخييلا ، تتحرك النفس فيه فكرا ونظرا ، فلا يتحرك القلب معنى إلا فرعا عن حركة العين حسا ، فذلك من التلازم الوثيق في التأثير والتأثر بين الباطن العلمي والظاهر العملي ، فالعين تؤثر في القلب بما تراه حسا ، فإن كان المرئي صالحا أفاد القلب صلاحا بما يكتسبه من صورة علمية نافعة يحفظها ثم يتحرك في أرجائها بما أوتيه من قوى الفكر فيتولد من تلك الحركة الباطنة إرادات عملية نافعة يظهر أثرها على القلب ، وأعماله من الدقة بمكان ، ولذلك كان مرد الأمر عند التحقيق إليه فالقيام بصورة العمل الظاهر وإن كان فيه مشقة إلا أن تحرير النية قبل الشروع فيه وأثناءه بل وبعده من أعسر ما يكون إذ لا حظ للنفس فيه ، وأعمال القلوب إجمالا من توكل ورجاء وإنابة ...... إلخ ، أعسر من أعمال اللسان والجوارح ، فالصور الظاهرة قد تتساوى في الأداء وبينها من التفاوت فرعا عن التفاوت في منشئها الباطن ما لا يحصيه إلا رب الأرض والسماوات ، والقلب يؤثر في العين أيضا ، فذلك من تأثير الباطن العلمي على الظاهر العملي ، فالأول تصور والثاني حكم يتولد منه ، والحكم على الشيء فرع عن تصوره ، فيصدق إيجابا أو سلبا ، قبولا أو ردا فرعا عن التصور الأول ، فمرتبة التصديق تلي مرتبة التصور كما اطرد في كلام أهل النظر ، فصار التلازم بين الباطن والظاهر كائنا بل واجبا ، بخلاف من توهم إمكان تجريدهما فافترض باطنا مجردا من ظاهر يدل عليه ، إذ بصلاح الباطن يصلح الظاهر لزوما ، فللتابع حكم المتبوع ، وللفرع حكم الأصل الذي تولد منه ، فجنود البدن الظاهر تأتمر بأمر الملك الباطن ، فلا تصدر إلا عن وحيه ، وافترض في المقابل ظاهرا مقطوع النسبة إلى الباطن ، فيصح عنده أن يكون الباطن في غاية الصلاح ، والظاهر الدال عليه لزوما في غاية الفساد ، وهذا قول في غاية الفساد ينقض ما يجده المكلف من نفسه اضطرارا من تلازم وثيق بين إرادته الباطنة وأفعاله الظاهرة فهو حساس متحرك بإرادة مختارة ، وإن كانت لا تخرج عن إرادة الرب الخالق ، جل وعلا ، الذي خلقه وخلق إرادته ويسر له أسباب الصلاح فضلا ، أو الفساد عدلا ، فبحكمته أعطى كل نفس ما يلائمها فأعد نفوسا للخير وأمدها بأسبابه ، وأعد أخرى للشر وأمدها بأسبابه ، وكل ميسر لما خلق له ، فلا يمكن أن يخالف الظاهر الباطن إلا لعارض من نفاق أو إكراه ، وذلك خروج عن الأصل فلا يقاس غيره عليه .


    ثم جاء الاستفهام في معرض التحدي واستنطاق الخصم بالحجة : (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) ، فلم يدع عاقل خلق النطف والأجنة إلا أن يكون مختل العقل فاسد المزاج .
    وفيه من قياس الأولى ما يبطل قياسهم الفاسد فقد قاسوا الغائب على الشاهد مما يرونه من فناء الأجساد ، فجعلوا ذلك ذريعة إلى إنكار البعث والنشور ، ولو قاسوا ذلك على خلقهم من النطف المذرة لكان ذلك أنفع لهم في تقرير أمر البعث ، بطريق الأولى ، فمن خلق ابتداء ، كما تقرر ، مرارا ، قادر على البعث انتهاء ، وتلك من إشارات صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله النافعات .
    وقدم المسند إليه في معرض الإنكار إمعانا في التوكيد على ما اطرد من كلام البلاغيين من تقديم المسند إليه : (أنتم) وتأخير المسند : (تخلقونه) ، إذا كان فعلا .


    نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ : فقد قدر الرب ، جل وعلا ، الموت والحياة ، أزلا ، وجاءت استعارة معنى التقسيم للأمور المادية لأمر الحياة والموت المعنوي . وما الله ، عز وجل ، بعاجز عن أن يستبدلهم بأمثالهم ، فسنة الاستبدال من السنن الكونية الجارية ، وفي التنزيل : (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) .
    أو هو من قياس الأولى ، فإن من أبدعهم ابتداء ، قادر على إنشائهم انتهاء ، فهو القادر ، عز وجل ، على أن ينشئ أجسادا أخر يودع فيها أرواحهم فتتنعم أو تتعذب فيها ، فإعادتهم ، كما تقدم ، أهون من إنشائهم ابتدا ، فإعادة الخلق وجمعه أهون من إنشائه وبدعه .
    وقدم المسند إليه وأخر المسند الفعلي الذي نسب عامله إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، على ما اطرد من دلالة التخصيص ، ففيه مزيد عناية ببيان تقديره ، عز وجل ، لأمر الموت والحياة ، فهو المنفرد بتقدير الآجال ، وإنما تجري الأسباب على وفق ما قد قدر أزلا ، فدلالة التخصيص في هذا الموضع تنفي نسبة الفعل إلى غيره على تقدير ، نحن لا غيرنا قدرنا بينكم الموت ، وتنفي اشتراك غيره ، تبارك وتعالى ، معه في ذلك ، على تقدير : نحن وحدنا قدرنا بينكم الموت ، فانتفى استقلال غيره بالفعل ، وانتفى اشتراك غيره معه ، فله ، تبارك وتعالى ، كمال الانفراد بالخلق تقديرا في الأزل وإيجادا في عالم الشهادة .

    والنفي ، كما اطرد في الكتاب العزيز ، مراد لغيره فما نحن بعاجزين لكمال قدرتنا ، فالنفي يتضمن إثبات كمال الضد كما اطرد في هذا الباب الجليل .
    والرب ، جل وعلا ، هو المنشئ من العدم ، فوصفه بالإنشاء من أوصاف أفعاله ، عز وجل ، فلا يطلق عليه المنشئ إطلاق الاسم ، وإنما يطلق عليه إطلاق الوصف أو الخبر .
    يقول ابن القيم رحمه الله :
    "وأما الإنشاء فإنما وقع إطلاقه عليه سبحانه فعلا كقوله : {وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} وقوله : {فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ} وقوله : {وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ} وهو كثير ولم يرد لفظ المنشئ وأما العبد فيطلق عليه الإنشاء باعتبار آخر وهو شروعه في الفعل وابتداؤه له يقول أنشأ يحدثنا وأنشأ السير فهو منشأ لذلك وهذا إنشاء مقيد وإنشاء الرب إنشاء مطلق وهذه اللفظة تدور على معنى الابتداء أنشأه الله أي ابتدأ خلقه وأنشأ يفعل كذا ابتداء وفلان ينشئ الأحاديث أي يبتدئ وضعها والناشئ أول ما ينشأ من السحاب" . اهــ
    "شفاء العليل" ، ص218 .

    والله أعلى وأعلم .

  12. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  13. #7
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد : مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات:3,975
    تاريخ التسجيل
    17/8/2005
    البلد
    مصر
    العمر
    36
    المشاركات
    3,975
    1431/5/8 هـ
    ومن قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ)
    فذلك جار مجرى ما تقدم من الرؤية التي تفيد التعجب ، والمعنى : الحض على التبصر في حال النبات الذي تحرث له الأرض ، فتقدير الكلام على جهة الحذف والإيصال كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله : أفرأيتم ما تحرثون له الأرض من النبات ، فالاستفهام يفيد التوبيخ للغافل والإرشاد للعاقل ، والحض على التدبر الذي جرى عليه السياق وفيه نوع زجر وحمل على التفكر يرجح معنى التوبيخ على ما اطرد مرارا من دلالة السياق على مراد المتكلم .
    وقدم المسند إليه على المسند الفعل على ما اطرد مرارا من دلالة التخصيص والتوكيد ، ووجه التدبر هو الجامع بين إنبات الزرع من البذر ، وإنبات الجسد من النطفة ، فضلا عن كون الإنسان باعتبار أصل نشأته نابتا من الأرض بل ناميا منها فإن كل ما يتغذى به يرجع في أصله هو الآخر إلى الأرض فــ : (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) ، فـ : "من" : ابتدائية ، فضلا عن دلالتها الجنسية ، فابتداء غاية الخلق من الأرض ، والإنسان قد خلق من جنس التراب الذي هو مادتها ، وكذلك القول في قوله تعالى : (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) : فابتداء غاية الإنبات من الأرض ، وهو كائن من مادة الأرض الطينية .

    ومن قوله تعالى : (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ)
    فلو شاء الله ، عز وجل ، لجعله حطاما ، فمشيئته نافذة لا راد لها ، فظلتم تفكهون إما :
    حزنا ، فيكون السياق جاريا على المعتاد من أحوال البشر الذين يندمون ولات ساعة مندم .
    وإما أن يحمل التفكه على معنى التبسط فهو الأضداد ، فيكون ذلك من التهكم بهم ، فذلك في مقابل استهزائهم بآيات الله عز وجل ، فالجزاء من جنس العمل .
    وذلك مما يشهد لمن قال بعموم دلالة المشترك على كل معانيه ، على سبيل الشمول ، فاللفظ مع كونه من الأضداد ، والأضداد مظنة الافتراق فلا تجتمع ، إلا أن السياق احتمل كلا على وجه يفيد معنى جديدا ، فكان الأولى حمله على معنييه ، إثراء للسياق على ما اطرد من وجوب حمل ألفاظ التنزيل على كل الوجوه التي تفيد معان صحيحة فذلك من وجوه إعجازه اللفظي ، إذ المباني قليلة والمعاني كثيرة .

    أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ :
    ثم انتقل إلى بيان المنة بإنزال الماء الذي تسقى به الأشجار التي تقدم ذكرها في معرض الدلالة على ربوبية الإيجاد من البذر والامتنان بالزرع والثمر ، فهو مادة الحياة التي تباشر البذر فتستثيره فينمو في الأرض ضاربا وفي السماء عاليا ، أو نجما ساجدا ، فالماء مادة الحياة من جنسه خلق الأحياء وبه تحفظ الحياة النباتية النامية والحياة الحيوانية المتحركة ، فجاء التذييل بالوصف بالموصول زيادة في الامتنان ، ففيه تعليق للمنة بوصف الشرب فهو من آكد صور الانتفاع بالماء النازل ، وذكر فرد من أفراد العام في معرض الامتنان لا يخصصه ، فليس الماء النازل للشرب فقط بل منه ما هو لسقي الزرع ، ومنه ما يعدن في باطن الأرض ومنه ما تسجر به البحار التي تجري فيها الفلك .
    ثم جاء استنطاق الخصم بالجواب الذي يظهر به عجزه في مقابل قدرة الرب ، جل وعلا ، فهو عاجز عن إنشاء السحاب ، وعاجز عن إنزال الماء الزلال منه ، فالرب ، جل وعلا ، هو منشئ السحاب على جهة التجدد والاستمرار فهو من أفعال ربوبية التدبير للأحداث الكونية فينشئ السحاب ويجري به الرياح ، فــ : (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) .

    لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ : ففيه طباق خفي يفيد بلطف معناه إلى عظم المنة الربانية ، فالطباق بين الأجاج والعذب ، والنازل من السماء عذب ، فحصل الطباق في المعنى وإن لم يحصل في اللفظ ، فلا طباق بين المزن والأجاج ، وإنما الطباق يكون بين العذب والأجاج .

    أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ : ففيه انتقال من نعمة الزرع النابت إلى ما يتعلق به من إشعال النار على ما اطرد في الرؤية العلمية التي توجب التعجب من خلق النار من مادة الشجر الرطبة ، على وزان قوله تعالى في معرض بيان قدرته الإيجادية : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) ، واستنطاق الخصم بالجواب بسؤال توبيخي تقريعي ، ثم جاء النص على وجه المنة فــ :
    نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ : على ما اطرد من التخصيص بتقديم المسند إليه وتأخير المسند الآتي على حد الفعل ، فاتصل به ضمير راجع إلى المسند إليه ، فأفاد التوكيد بتكرار الفاعل : ظاهرا معنويا ، فالمبتدأ فاعل في المعنى ، ومضمرا لفظيا ، وضمير الجمع ، كما اطرد ، أيضا ، مئنة من تعظيم المنة الربانية في معرض التذكير بعناية الرب ، جل وعلا ، فعظمها من عظم جاعلها ، عز وجل ، فوصف الجعل تنقسم مادته إلى :
    جعل كوني نافذ : وهو إما أن يكون في معرض الامتنان بأثر وصف جمال الرب ، جل وعلا ، عناية بعباده ، كما في هذا السياق ، وإما أن يكون في معرض الأخذ بالعذاب ، فذلك من أثر وصف جلال الرب ، جل وعلا ، كما في قوله تعالى : (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) .
    وجعل شرعي حاكم : فلا يكون بداهة إلا من آثار وصف جمال الرب ، جل وعلا ، كما في قوله تعالى : (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، فتكلم الرب ، جل وعلا ، به ، على الوجه اللائق بجلاله ، وأنزله ، قرآنا عربيا ، فالمنة حاصلة بإنزاله ، وجمعه في صدر النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو قرآن قد اقترنت سوره وآياته ، بأفصح لفظ وأبلغ عبارة ، ثم ذيلت الآية بعلة ذلك على ما تقرر مرارا من التلازم الوثيق بين الربوبية والألوهية ، فلعل : تفيد التعليل في مثل هذا الموضع ، كما ذكر ذلك الأخفش ، رحمه الله ، فتيسيره للذكر بتيسير تلاوته وتدبر معانيه لوضوح ألفاظه وعباراته ، فإذا تيسر ذكره ، وتيسر فهمه ، وحصل عقل المعنى في الباطن ، ظهر أثر ذلك لزوما من أعمال القلب من خشية وتوكل ورجاء ...... إلخ ، وأعمال اللسان والجوارح ، على ما اطرد مرارا من التلازم الوثيق بين : التصور العلمي الباطن ، وما يتولد عنه من الحكم العملي سواء أكان باطنا : كسائر حركات القلب النافعة ، أم ظاهرا كسائر حركات اللسان ، وأعمال الجوارح .
    فالعقل : عقل للمعاني بحصول صورة المعنى في الذهن ، فبه تقام الحجة الرسالية على السامع ، فذلك من جنس السمع العام الذي يدرك به المخاطب ألفاظ الحجة فتحصل معانيها في الذهن ، وعقل تال لا يكون إلا لمن سدده الرب ، جل وعلا ، فعقل عن الرب ، جل وعلا ، خبره وحكمه الذي جاءت به رسله ، عليهم السلام ، فصدق الخبر وامتثل الحكم فذلك العقل النافع ، الذي يختص به أعيان المسددين دون سائر المكلفين الذين اشتركوا في العقل العام الذي لا يكون تكليف إلا بوجوده فزواله زوال للتكليف ابتداء ، كما قرر الأصوليون والفقهاء في شروط التكليف الشرعي ، فهو من جملة أركان الاستطاعة الشرعية التي يتعلق بها التكليف فيتوجه إليها الخطاب بالتصديق ، والأمر والنهي ، بخلاف الاستطاعة الكونية التي يقع بها الفعل فهي قدر زائد من جنس السمع الزائد : سمع التصديق والامتثال ، والعقل الزائد فهو أيضا : عقل الانتفاع بالتصديق والامتثال كما تقدم .
    وناسب الجميع التعظيم بالإسناد إلى ضمير الفاعلين ، وقد نكرت التذكرة تعظيما لقدرها ، وكذلك المتاع فهو متاع لمن هو بأرض قفر ، ولمن خلا بطنه من الطعام باعتبارها آلة الطهي فالقواء معنى كلي مشترك يدل على الفراغ ، فحمله على كلا المعنيين : السير في الأرض القفر الفراغ ، والبطن الفارغ ، إثراء للمعنى إذ لا تعارض بينها ، فهي إما أن تكون على جهة الاشتراك المعنوي في الأصل وهو مادة القواء أو الفراغ ، وإما أن تكون على جهة الاشتراك اللفظي بالنظر إلى المعاني الفرعية إذ لا يظهر للوهلة الأولى معنى مشترك يجمع بين الأرض القفر والبطن الخاوية ، ولا يمنع ذلك ، أيضا ، حمل اللفظ على كلا المعنيين إذ يحتملهما بلا تكلف ، فضلا عما في ذلك من زيادة في تقرير المنة الربانية ، فيكون ذلك جاريا على مذهب من يقول بعموم المشترك اللفظي عموما شموليا لا بدليا ، فيشمل كل معانيه في سياق واحد لاحتماله إياها على نحو لا تكلف فيه ، بل هو ، كما تقدم ، يزيد في المعنى ويثريه ، وهذا اختيار صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله .

    فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ : فذلك تسبيح للرب الجليل ، تبارك وتعالى ، على ما تقدم في مواضع سابقة ، من دلالة الاسم على المسمى في هذا الموضع بعينه ، فالاسم للمسمى ، فلا يقال بأنه عينه أو غيره مطلقا ، بل لا بد من التفصيل لئلا يقع القائل في النفي والتعطيل ، فمن أطلق القول بأن الاسم هو عين المسمى ، فقد يقع في نفي الأسماء وما تتضمنها من صفات الكمال ، فبتسوية الاسم بالذات التي يطلق عليها ، تصير الأسماء كلها متماثلة من كل وجه ، فيكون السميع هو عين البصير هو عين العليم ..... إلخ ، فتؤول كلها إلى معنى واحد ، ولازم ذلك نفي ما تضمنته من صفات الكمال ، والصحيح أنها متماثلة من وجه دون وجه : فهي متماثلة من جهة دلالتها على الذات القدسية التي تطلق عليها ، وهي متباينة من جهة دلالتها على الصفات التي اشتقت منها ، فذلك ما أطلق عليه أهل العلم : "دلالة التكافؤ" ، فيدل الاسم على كليهما تضمنا ، فمن قال بالتسوية بين الاسم والمسمى من كل وجه ، لزمه نفي دلالة الأسماء على الصفات ، فتصير الأسماع عنده دالة على الذات فقط ، فهي أعلام محضة ، كالأسماء الجامدة التي لا تدل على معان ، وإنما هي محض أعلام دالة على الذات ، كاسم : الأسد والشجرة ........ إلخ ، فهي أسماء أجناس محسوسة لا تدل على معان ، فالأسدية والشجرية ليست معان اشتقت منها الأعلام الدالة على ذات الأسد وذات الشجر ، فذلك وجه الجمود فيها ، فالعلمية مظنة الجمود لدلالتها على ذات بعينها فذلك مظنة الخصوص ، بخلاف المعاني فهي مظنة العموم ، فالمعنى لا يحصر في ذات بعينها ، بل هو بمنزلة الكلي المشترك الذي يوجد في جميع الأفراد على جهة التقييد ، كمعنى العلم فإنه كلي مشترك يوجد في الذهن مطلقا ، ويوجد في الخارج مقيدا فعلم زيد غير علم عمرو ..... إلخ ، وإن كان المعنى الكلي في كلها حاصلا ، فهي متواطئة من جهة تحقق المعنى الكلي فيها ، فهو القدر المشترك بينها ، وهي مع ذلك متباينة من جهة حقائقها في الخارج لوقوع التباين بين الأفراد في قدر العلم ، فلكلٍ علم يخصه يباين علم غيره ، وذلك أمر ثابت بالحس فهو من جملة العلوم العقلية الضرورية ، ومن أطلق القول بأن الاسم غير المسمى ، فإنه قد يتذرع بذلك ، إن كان من أهل التجهم ، إلى القول بخلق أسماء الرب ، جل وعلا ، كما قال ابن الثلجي ، فتكون الأسماء الحسنى حادثة بعد أن لم تكن ، والقول بخلق أسماء الرب ، جل وعلا ، يلزم منه القول بخلق الصفات التي تدل عليها ، بل والذات القدسية التي تطلق عليها ، فذلك من جنس مقالة القول بخلق القرآن ، فإنه من كلام الرب ، جل وعلا ، وكلامه من وصفه ، كالصفات التي اشتقت منها الأسماء ، فيلزم من القول بخلق الصفة : خلق الموصوف ، كما يلزم من القول بخلق الاسم : خلق المسمى به ، فالمخلوق لا يوصف إلا بمخلوق ، والمخلوق لا يسمى إلا بمخلوق ، فالباب واحد في كليهما ، ويلزم منه أيضا : القول بخلق القرآن ، وما قال ذلك من قاله من أهل البدع إلا ليتوصل إلى هذا المعنى الفاسد ، فإن جملة كثيرة من أسماء الرب ، جل وعلا ، مذكورة في الكتاب العزيز ، فالقول بخلقها إثبات لخلق جملة كثيرة من آي التنزيل ، فضلا عما يلزم من ذلك ، أيضا ، من نفي كمال الرب ، جل وعلا ، الأزلي ، فكأنه لم يكن مسمى بما سمى به نفسه وسماه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الأسماء الحسنى ، فهو المبلغ عن ربه ، جل وعلا ، فلم يسمه بها ، كتسمية أصحاب المقالات الحادثة في الملل والنحل كمن سماه من النصارى أبا ، وإن صح وصفه ، جل وعلا ، بذلك ، من جهة أبوة العناية والتربية ، فتلك من معاني ربوبيته ، عز وجل ، لعباده فيربيهم بنعمه شيئا فشيئا كما يتعاهد الأب ابنه بصنوف الرعاية الجسدية والنفسية ، أو تسمية الفلاسفة له بالعلة الفاعلة ، على ما اطرد من مقالتهم بنفي صفات الرب ، جل وعلا ، الفاعلة ، وجعل ذاته القدسية : علة صدور الكون ، فقالوا باقترانهما ، فالعالم عندهم قديم ، وذلك إشراك بالله ، عز وجل ، في صفة الأولية ، فله الأولية المطلقة ، فكان ولم يكن معه مخلوق ، كما في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه ، أو تسمية المتكلمين له بالقديم ، فيصح الإخبار عنه بالقدم إن أريد بذلك وصف الأولية ، فهو ، كما تقدم ، الأول مطلقا فليس قبله شيء ، ولا تصح تسميته به لتوقيفية الباب ، فهو كسائر الأخبار الغيبية لا يتلقى إلا من مشكاة النبوات الصحيحة التي لم تنلها أيدي التحريف ، والشاهد أن هذا القول يلزم منه أنه ، عز وجل ، لم يكن مسمى بأسمائه الحسنى حتى أحدث لنفسه ، أو أحدث له البشر أسماء مخلوقة ، فيكون الكمال قد طرأ على ذاته القدسية بعد أن كانت عنه عرية ، وذلك معنى في غاية البطلان ، فهو من جنس من نفى أولية اتصاف الرب ، جل وعلا ، بصفات أفعاله التي بها كانت المخلوقات ، فكان معطلا عن الفعل حتى طرأ عليه الكمال بمباشرته ، فالأول : تعطيل لذاته القدسية عن الكمال في باب الأسماء ، والثاني : تعطيل لها عن الكمال في باب الصفات ، وصفات الأفعال تحديدا ، وهي محل النزاع الرئيس بين أهل السنة والمتكلمين ، والصحيح أنه ، عز وجل ، متصف بكمال الذات والأسماء والصفات أزلا وأبدا ، فلم يكن معطلا عن اسم من أسمائه الحسنى أو وصف من أوصافه العلى ذاتيا كان أو فعليا ، لم يكن معطلا عن شيء من ذلك ثم اكتسبه ، بل هو الأول والآخر مطلقا : بذاته القدسية وما قام بها من الأسماء الحسنى والصفات العلى ، فكلها داخلة في حد اسم : "الله" .
    وقد تعلق التسبيح بالرب ، جل وعلا ، لما تقدم من صور عنايته بعباده : العناية الكونية العامة ، فذلك من ربوبيته التي تدل على ألوهيته لزوما عقليا وثيقا ، والتسبيح من جملة أفعال التأله وجاء وصف الرب بالعظمة لما تقدم ، أيضا ، من أوصاف ربوبيته : إيجادا وعناية فهي مئنة من عظم ذاته ووصفه تبارك وتعالى .

    والله أعلى وأعلم .

  14. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  15. #8
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد : مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات:3,975
    تاريخ التسجيل
    17/8/2005
    البلد
    مصر
    العمر
    36
    المشاركات
    3,975
    1431/5/12 هـ
    ومن قوله تعالى :
    فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيم
    فــ : "لا" زائدة لتوكيد القسم ، على وزان قوله تعالى : (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، فالتقدير : أقسم قسما مؤكدا بمواقع النجوم ، أو لا أقسم فالأمر أظهر من أن يقسم عليه ، وهذا معنى ألطف ، أشار إليه ابن هشام ، رحمه الله ، في "مغني اللبيب" ، وذكره صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله .
    ثم جاء الاعتراض مئنة من عظم شأن القسم فهو تنويه بشأنه ، فجاء التوكيد بالناسخ ، والاعتراض : "لو تعلمون" ، فهو اعتراض في اعتراض ، كما حكى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، وأشار إليه ابن هشام ، رحمه الله ، بقوله :
    "السابع ، (أي من أوجه الاعتراض) : بين الموصوف وصفته كالآية ، (أي : قوله تعالى : "وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيم") ، فإن فيها اعتراضين : اعتراضاً بين الموصوف وبين قسَم وصفته وهو عظيم بجملة لو تعلمون ، واعتراضاً بين : (أقسم بمواقع النجوم) وجوابه وهو : (إنه لقرآن كريم) بالكلام الذي بينهما ، وأما قول ابن عطية ليس فيها إلا اعتراض واحد وهو : (لو تعلمون) لأن : (وإنه لقَسَم عظيم) توكيد لا اعتراض فمردود ؛ لأن التوكيد والاعتراض لا يتنافيان" . اهــ

    فضلا عن التوكيد باللام وتنكير القسم مئنة من عظم شأنه مع وصفه بالعظم صراحة ، فهو قسم من الرب ، جل وعلا ، عظيم فكل أسمائه وصفاته وأفعاله ، تبارك وتعالى ، عظيمة ، قد بلغت الغاية من عظم الشأن والقدر ، فذلك فرع عن عظم ذاته ، عز وجل ، وذلك معنى اسمه العظيم ، فهو دال على ذات عظيمة ، موصوفة بالعظم الذي عم ما تقدم من الذات القدسية وما قام بها من الأسماء الحسنى والصفات والأفعال العلية ، فالقسم من أوصاف الرب ، جل وعلا ، الفعلية ، فيثبت لله ، عز وجل ، على الوجه اللائق بجلاله ، فليس فعله من جنس أفعال البشر ، بل قد تفرد بوصف لا يماثله وصف ، كما انفرد بذات لا تماثلها ذات ، فلذلك صح في حقه ، جل وعلا ، الإقسام بما شاء من مخلوقاته ، فذلك مئنة من عظم المقسم به ، وهو الوجه الثاني في هذه الآية ، فالقسم مصدر قد يطلق على المقسم به ، فيكون ذلك من تبادل الصيغ ، أو مجاز التعلق الاشتقاقي ، عند من يقول بالمجاز ، ومن ينكره ، فإنه على أصله الذي سبقت الإشارة إليه مرارا ، فلسان العرب حكم عدل في هذا النزاع ، فما تكلمت به ، فهو حقيقة ، وإن خالف ما اصطلح عليه من دلالات الألفاظ ، فالتقسيمات الاصطلاحية المتأخرة ، لا تصلح للحكم على لسان تقدمها ، وإنما يحكم على الكلام بلسان أهل زمانه أو زمان تقدمه ، وذلك أصل جليل ، رد به أهل العلم كل ما أحدث في الملل والنحل ، بل والفروع العملية من أقوال حملت فيها ألفاظ التنزيل على اصطلاحات حادثة متأخرة ، بعد انقضاء زمن الرسالة ، فهي تخالف ما نطقت به الأنبياء ، عليهم السلام ، وما جاءت به الكتب السماوية ، وما تعارف عليه أهل الزمان ، من دلالة الألفاظ والتراكيب على معان بعينها ، فأحدثت معان باطلة ، وحملت عليها الألفاظ المتقدمة ، كما صنع النصارى في لفظ : "الابن" ، على سبيل المثال ، فهو محمول في لسان العبرانيين الذي نطق به المسيح عليه السلام على العبد المقرب ، وبه جاء التنزيل في مواضع من قبيل قوله تعالى : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) ، فحمله بعضهم على البنوة الحقيقية ، وهذا قول عوام النصارى ، فليس في كلامهم ما في كلام الخواص من الروغان بتأويلات متكلفة لو صحت لبطلت دلالة اللسان والعقل على المعاني ، فلكل أحد أن يبتكر ما شاء من المعاني ويحمل عليها الألفاظ حملا ، فيأتي التفسير : تأويلا باطنيا يأتي على أصول الديانات أخبارا وأحكاما بالبطلان ، فمؤدى هذا القول : حمل لفظ الابن على اللاهوت الذي حل في الناسوت ، بزعمهم ، وليس في لسان الأنبياء أو غيرهم إطلاق لفظ الابن على اللاهوت ، وإنما المشهور المتداول في الكلام عند سائر الأمم ، بل والعقلاء من البشر : حمل الابن على الناسوت المخلوق الذي يقره الرب ، جل وعلا ، في الأرحام ما شاء ، وحمله بعضه على الكلمة التي تجسدت في الناسوت ، وذلك ، أيضا ، من المحال بمكان ، فلا تظهر الصفة الربانية للخالق ، عز وجل ، في مخلوق ، لما تقدم من لزوم فناء الصفة بفناء المخلوق الذي تقوم به ، فكل مخلوق فان لا محالة ، إلا ما استثني في نحو قوله تعالى : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ، وذلك خلاف الأصل فلا يقاس عليه ، ووصف الرب ، جل وعلا ، أحق ما نفي عنه وصف المخلوقية ، لما يلزم من ذلك من طروء وصف الكمال عليه ، تبارك وتعالى ، بعد أن كان عنه عريا ، وذلك ، كما تقدم ، قول ظاهر البطلان لما يلزم منه من وصف الرب ، جل وعلا ، بالنقص قبل حدوث الكمال له بحدوث تلك الصفات ، فذلك من قياس الخالق ، عز وجل ، على المخلوق ، فالمخلوق هو الذي يكتسب الكمال من أفعاله ، فيأتي الفعل ناقصا ثم يطرأ عليه الكمال بالمزاولة والمداومة ، بينما الخالق ، عز وجل ، فعله كامل ابتداء ، إذ قد صدر عن ذات وصفات كاملة ، فلا نقص ابتداء ليجبر بتجربة أو محاولة ، فذلك مما يتنافى مع قدرة وعلم وحكمة الرب ، جل وعلا ، فعنها تصدر الأفعال التي بلغت الغاية في الكمال : قدرة ، فلا يعجزه ، جل وعلا ، شيء في الأرض ولا في السماء ، وحكمة ، فقد أحاط بكل شيء علما ، فلا يقع الفعل إلا على أبلغ وجوه الحكمة ، وإلى طرف من هذا الأصل في معرفة مراد المتكلم بحمله على العرف المعهود في زمانه ولسانه ، إن كان عرفا عاما ، ومصره أو صناعته ، إن كان عرفا خاصا ، إلى طرف منه أشار ابن تيمية ، رحمه الله ، بقوله :
    "وإنما يحمل كلام الأنبياء عليهم السلام وغيرهم على معنى لغتهم التي جرت عادتهم بالتكليم بها لا على لغة يحدثها من بعدهم ويحمل كلامهم عليها" . اهــ
    "الجواب الصحيح" ، (2/387) .

    فالعرف ، كما ذكر جمع من المحققين ، كابن القيم رحمه الله في "إعلام الموقعين" ، يؤثر في الفتوى ، لما للألفاظ من دلالة على المعاني المرادة إما باعتبار الدلالة الظاهرة البسيطة بالنظر إلى دلالاتها المعجمية الإفرادية وإما باعتبار الدلالة الظاهرة المركبة بالنظر إلى دلالتها السياقية التركيبية ، فهي القوالب الظاهرة التي تحمل المعاني الباطنة ، ولذلك كان للعرف أثر بارز في مسائل كالأيمان ، فالقرينة اللفظية والحالية ، أصل فيها ، فمن أقسم على سبيل المثال على أنه لا يقرب اللحم ، وكان عرف عصره أو مصره ، إطلاق اللحم على لحوم الأنعام دون الدجاج والسمك وسائر أصناف اللحوم ، فلا يحنث إن أكل لحما غير لحم الأنعام ، بخلاف من كان عرفه الجاري ، إطلاق اللحم على سائر أجناس اللحوم فيحنث بأكل أي لحم ، فصار العرف مخصصا لدلالات الألفاظ ، فيتصرف فيها إطلاقا أو تقييدا ، تعميما أو تخصيصا ، فهو من جملة القرائن التي تحتف بالألفاظ فترجح معان دون أخرى ، وإن كان ظاهر اللفظ المجرد من القرائن السياقية والحالية يدل عليها ، فالظاهر بما يحتف به من قرائن السياق والحال يصير نصا في معان بعينها دون أخرى ، وكذلك الحال في باب الكنايات ، فلكل زمان كناياته ، وهي باعتبار ظاهرها المجرد قد لا تدل على المعنى المراد أصالة ، ففيها ينتقل الذهن من الملزوم إلى لازمه ، وتلك عملية عقلية ينتقل فيها الذهن من الظاهر البسيط إلى معنى آخر لطيف لا يدركه إلا من له علم بتلك الكناية ودلالتها المعنوية على وجه التعيين ، كأن يكون من أهل اللسان والزمان ، فكلامه يقع بما يوافق عرف زمانه وكناياته ، أو يكون من أهل الاطلاع فله من الدراية بطرائق الكلام ووجوه الحقائق والكنايات ما يعرف به مراد المتكلم وإن لم يكن من أهل زمانه ، ولذلك كان لأصحاب الصنائع العقلية أو الحسية من إدراك معاني صناعاتهم ، ولو تقدمت على زمانهم ، كان لهم من ذلك ما ليس لغيرهم ، فالمحدثون على سبيل المثال ، أعلم الناس بمراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكثرة مباشرتهم لكلامه ، وإن تقدم زمانه على زمانهم ، فإنهم بعكوفهم على الروايات المسندة إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد حصل لهم صحبة ، وإن لم تكن حسية بالجسد ، فلهم صحبة معنوية بملازمة كلامه ، ولذلك يتواتر عندهم ما لا يتواتر عند غيرهم ، ولهم من ملكة التمييز بين الصحيح والضعيف ما ليس لغيرهم ، فالكنايات تدخل في أبواب كثيرة من الفقه يتوقف فيها الحكم على عرف اللسان السائد ، فباب الطلاق ، على سبيل المثال، تتوقف جملة من أحكامه على الكنايات التي تدل على الطلاق دلالة غير مباشرة ، فالألفاظ الصريحة يقع بها الطلاق ولو لم ينوه القائل ، بخلاف الكنايات فإنها تفتقر إلى العرف الذي يصيرها مئنة من الطلاق ، وإن لم تكن مباشرة فتفتقر إلى النية التي تصيرها نصا جازما في إرادة الطلاق . فالكنايات الخاصة تفتقر إلى قرينة عرفية ، بخلاف الكنايات العامة كسائر كنايات التنزيل فإنها معلومة عند كل مخاطب ، وذلك من بلاغة التنزيل ، فيدركها أهل كل زمان بلا تفاوت في الفهم ، ففي قوله تعالى : (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) ، كناية عن النساء بذكر خصلة نفسانية من خصال النساء ، وهي عامة في كل النساء ، فلا تختلف دلالتها باختلاف الأعصار أو الأمصار ، فلا توجد امرأة لا تحب الزينة .

    وفي المقابل لا يجوز للمخلوق أن يقسم إلا بالله ، عز وجل ، لما بين الخالق والمخلوق من التباين في الذات والوصف كما تقدم .


    إنه لقرآن كريم :
    فذلك من التوكيد بالناسخ المؤكد واللام المزحلقة ، فضلا عن تنكير القرآن ، على ما اطرد من التنكير تعظيما ، وهو في نفس الوقت ، موطئ لما بعده ، فليس المراد الإخبار عنه بأنه قرآن ، فذلك مما يعرفه كل أحد ، فهو القرآن المجموع ، كما تقدم ، في صدر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصدر الحفظة من بعده ، قد جمعت كلماته في الآي ، وآياته في السور ، ومعانيه الكثيرة في ألفاظه القليلة ، فذلك من وجوه إعجازه العديدة ، فذلك وجه من وجوه كرمه ، فإن الكرم مادة تدل على الكثرة ، فالناقة الكريمة : غزيرة اللبن ، فذلك الكتاب العزيز كريم في أخباره وأحكامه ، في وعده ووعيده . وفي وصفه بالكرم مئنة من رفعته عن بقية الكتب السماوية ، كما ذكر ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فارتفع عن التوراة والإنجيل ، ففي كل ما ليس في الآخر ، فالتوراة عمدة في الأحكام التي تغلب عليها الشدة والجلال ، والإنجيل عمدة في الرقائق والمواعظ ، فلم ينزل إلا بنسخ جزئي لجملة من أحكام التوراة تخفيفا فذلك مما يلائم وصف الجمال الذي غلب على رسالة المسيح عليه السلام ، فقد بعث ، كما تقدم ، بجملة من الرقائق علاجا لما أصاب قلوب بني إسرائيل من القسوة ، ففيهم نزل قوله تعالى : (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) ، على التوسع في أسباب النزول بجعل القصة الماضية سببا في نزول الخبر عنها ، مع الفارق الزمني الشاسع بينهما ، فجاء الكتاب العزيز مستوفيا لشطر الجلال الموسوي بأعدل الأحكام ، والجمال العيسوي بأرق المواعظ ، ففي القرآن زاد قلبي بأخباره عن الأمم السابقة ومواعظه ، وزاد عقلي بأحكامه وأقيسته التي بلغت الغاية في العدل والاستقامة على سنن العقل الصريح ، فليس في أخباره ما يعارض قياس العقل الصريح ، وليس في القياس المعتبر ما ينكر خبرا من أخباره أو يستدرك على حكم من أحكامه .

    ثم جاء الإطناب في معرض التكريم بتعداد أوصاف الكتاب العزيز فهو : فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ : فذلك وصف بمتعلق الجار والمجرور ، فيجري على ما اطرد في لسان العرب من تقديم الوصف المفرد على الوصف المركب : جملة كان أو شبه جملة ، ويحتمل الحالية لتقدم الوصف المخصص للنكرة ، كما أشار إلى ذلك ابن هشام ، رحمه الله ، في "مغني اللبيب" بقوله :
    "حكمهما ، (أي : الظرف والجار والمجرور) ، بعدهما ، (أي : بعد النكرة والمعرفة) ، حكم الجمل ، فهما صفتان في نحو : "رأيتُ طائراً فوقَ غُصنٍ ، أو على غُصْنٍ" ، لأنهما بعد نكرة محضة ، وحالان في نحو : "رأيتُ الهِلالَ بينَ السّحابِ ، أو في الأفق" ، لأنهما بعد معرفة محضة ، ومحتملان لهما في نحو : "يُعْجِبُني الزّهْرُ في أكمامِه ، والثمر على أغصانه" ، لأن المعرف الجنسي كالنكرة ، وفي نحو : "هذا ثمرٌ يانع على أغصانه" ، لأن النكرة الموصوفة كالمعرفة" . اهــ
    "مغني اللبيب" ، (2/104) .
    والكن مئنة من الحفظ ، فهو في اللوح المحفوظ قد سطر ، فــ : (بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) ، فجاء بيان الكتاب المكنون في آية البروج على ما اطرد من بيان المجملات القرآنية بمواضع أخر من التنزيل .

    لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ : فذلك وصف ثالث بالجملة المنفية ، والمضارعة فيها مئنة من الثبوت والدوام ، فضلا عن استحضار الصورة ، فلا يمسه إلا الملائكة المطهرون ، فيكون جاريا مجرى الخبر ، وقد حمله بعض أهل العلم على الإنشاء ، فلا يمسه إلا المطهرون من الحدث الأكبر والأصغر ، على خلاف معروف في كتاب الطهارة ، ولا مانع يمنع من حمل السياق على كلا المعنيين إثراء له بتوارد المعاني الصحيحة على الموضع الواحد ، فيكون خبرا من وجه ، إنشاء من وجه آخر ، كما في ألفاظ العقود كــ : "بعت" فإنه باعتبار الإخبار عما في نفس البائع : خبر محض ، وباعتبار الإنشاء لعقد البيع : إنشاء ، وعلى كلا الوجهين جاء السياق مؤكدا بالنفي والاستثناء ، فذلك أقوى أساليب القصر ، وهو قصر حقيقي ، وإن مسه غير المطهر ، بل دنسه علوج الروم والفرس ، فذلك لا يمنع توجه الخطاب الآمر لهم ولغيرهم ، فهم مكلفون بهذا الفرع وبما لا يكون إلا به من الأصل المصحح للملة ، فلئن وقعت المخالفة بمقتضى الإرادة الكونية ، فالأمر ثابت بمقتضى الإرادة الشرعية .


    تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ : فذلك وصف رابع ، عند من يجوز تعدد الأخبار ، فهي أوصاف في المعنى ، أو هي جارية مجرى ما تقدم من تقدير مبتدأ لتلك الأخبار المتعاقبة ، فهو تنزيل ، نكر تعظيما ، ومادته دالة على التكرار ، فهو منزل ، بفتح الزاي وتشديدها ، باعتبار آحاده ، منزل ، بفتح الزاي وتخفيفها ، باعتبار مجموعه ، فنزل جملة واحدة إلى بيت العزة ، فالتنكير قد يدل على تعدد مرات النزول من وجه ، إذ النكرة مظنة العموم ، فيشمل المرة وما زاد عنها من مرات الوقوع ، وابتدأت غايته من رب العالمين ، فذلك آكد في تقرير عظم وصفه ، فعضم الصادر من عظم من صدر عنه ، وعظم المنزل من عظم من نزل من عنده ، وفيه إثبات لوصف الرب ، جل وعلا ، بالفعل على جهة التكرار ، فإذا شاء أنزل من كلماته الكونيات ما ينتظم به أمر الكون ، فبها تكون الأعيان والأفعال القائمة بها ، وإذا شاء أنزل من كلماته الشرعيات ما تشفى به الصدور وتطمئن به القلوب .

    والتنزيل من رب العالمين الذي له عموم وكمال أوصاف الربوبية ، فهو رب العالمين على جهة العموم فلا مخصص له ، والعالمين : جمع ما يعقل ، فيكون ذلك من باب التنويه بالأعلى على الأدنى ، فهو رب ما لا يعقل من باب أولى ، فإن تدبير العاقل لأمره أيسر من تدبير غير العاقل ، فلو جاز ادعاء خروج شيء من عموم ربوبيته ، جل وعلا ، لكان خروج العاقل أولى فهو أقدر على تدبير شأنه من غير العاقل ، فلما كانت ربوبيته ، عز وجل ، إيجادا وإعدادا وإمدادا ، ثابتة للعاقل على نحو لا يستطيع معه الاستغناء عن تدبير الرب ، جل وعلا ، فهو في حاجة إلى تدبيره الكوني ، لبدنه ، وتدبيره الشرعي لروحه ، فذلك من ربوبيته ، عز وجل ، فالربوبية ، كما تقدم في مواضع سابقة ، تعم الملك للأعيان ، والتدبير للأحوال ، والأحوال إما كونية تختص بالبدن أو شرعية تختص بالروح ، وهو تدبير كوني عام لكل الأبدان ، وتدبير شرعي للأفراد في عقائدهم وعباداتهم ، والجماعات في شرائعهم ، فلا يستغني العباد عن الرب ، جل وعلا ، فافتقارهم إليه ذاتي لا يعلل ، كما أن غناه عنهم ذاتي لا يعلل ، والفقير يحتاج إلى عطاء الغني بداهة ، فإن ادعى فرد أو جماعة استغناءه عن القدر الكوني كالشيوعيين الملاحدة ، أو القدر الشرعي كالعلمانيين الذين عطلوا الشريعة الخاتمة ، فصيروا الدين رهبانية ، فلا حكم له في الشأن العام ، وإنما غايته أن يحكم الشأن الخاص ، تصورا علميا وشعائر تقام في أوقات بعينها ، فليس حكما على الحياة بقيده العاصم ، وإنما الحياة هي الحاكمة عليه ، وليس لأحد على الكتاب سلطان ، وإنما السلطان للكتاب العزيز ، فالوحي حاكم على التصورات والإرادات والأفعال ، فلا يخضع لهوى أو ذوق ، وإنما تخضع له الأهواء والأذواق ، فإذا كانت ربوبيته للعقلاء قد بلغت هذا الحد من العموم والكمال ، مع كونهم ذوي قوى وإرادات ، فكيف بغير العاقل حيا كان أو جمادا ، فافتقاره إلى الرب ، جل وعلا ، ليدبر شأنه ، ثابت من باب أولى ، فنص على ربوبيته ، جل وعلا ، للعقلاء ، مع عموم ربوبيته للعقلاء وغير العقلاء ، فذلك من تفسير العام بذكر فرد من أفراده تنويها بشأنه ، فربوبيته ، عز وجل ، للعقلاء ، أعظم في بيان كمال قدرته وحكمته ، من ربوبيته لغير العقلاء كما تقدم .
    وفي قرن التنزيل ، وهو مئنة من التشريع الإلهي ، باسم الرب ، وهو مئنة من وصف الربوبية فيدل عليها دلالة التضمن ، كما قرر أهل العلم في مبحث الدلالات اللفظية ، فيدل على الذات القدسية من وجه ، وعلى وصف الربوبية من وجه آخر ، في هذا القرن طرد لما تقدم ذكره مرارا من التلازم الوثيق بين الربوبية والألوهية .

    والله أعلى وأعلم .

  16. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  17. #9
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد : مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات:3,975
    تاريخ التسجيل
    17/8/2005
    البلد
    مصر
    العمر
    36
    المشاركات
    3,975
    1431/5/13 هـ
    ومن قوله تعالى : (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)
    فذلك استفهام توبيخي ، ضمن معنى التوبيخ ، فناسب ذلك تقدير محذوف يزيد المعنى تقريرا ، فــ : أغابت عقولكم وفسد قياسكم فبهذا الحديث تدهنون ؟ ، فيعطف محل الإنكار المذكور على المحذوف المقدر ، ومن أهل العلم من جعل ذلك على التقديم والتأخير : فلهمزة الاستفهام : الصدارة ، فقدمت على العاطف ، فالتوبيخ معطوف على ما بعده دون حاجة إلى تقدير محذوف يعطف عليه ، فذكر التنزيل وأشاد به ، فهو من رب العالمين ، ابتداء ، فقدره عظيم وشأنه جليل ، فخبره : خبر الصدق ، وحكمه حكم العدل ، فناسب ذلك أن يعطف عليه توبيخ من تولى عنه وعدل إلى غيره من أحاديث البشر : قصصا أو أحكاما ، فذلك مئنة من الكبر المستوجب لعقوبة الصرف الكوني عن آي الكتاب العزيز معدن الفلاح في الدارين ، فمن صرف عنه فله من الخيبة والخسران بقدر انصرافه ، فــ : (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) ، فجاء الاستفهام توبيخيا : وعدل عن ضمير التنزيل مع تقدم ذكره ، إلى اسم الإشارة الدال عليه ، تنويها بشأنه ، على ما اطرد من كلام أهل العلم ، في مسألة : الإظهار في موضع الإضمار ، فقد يكون تعظيما في باب المدح ، كما في هذه الآية ، وكما في قوله تعالى : (وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، وقد يكون على الضد : تعظيما في باب الذم ، كما في قوله تعالى : (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) ، فيكون هذا النوع من أنواع علوم البلاغة جاريا مجرى المشترك اللفظي ، والأضداد على وجه الخصوص ، فيدل على الشيء وضده ، ولا يبين المراد منه إلا بقرينة معتبرة ، فالقرينة هنا قد رجحت معنى التعظيم ، لمكان الكتاب العزيز فضلا عن تقدم التنويه بشأنه ، والإشارة بــ : "هذا" وهو اسم إشارة إلى القريب مئنة من تقدم ذكره ، قريبا ، فقد ذكر في الآية السابقة مباشرة ، فضلا عن قرب تناوله بالتلاوة والفهم مع علو شأنه ، فذلك من قبيل قوله تعالى : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ، فالإشارة بــ : "هذا" مئنة من القرب المعنوي ، لقرينة التذييل بــ : (يهدي) ، والهداية لا تكون إلا ببيان يسير اللفظ واضح الدلالة فــ : (لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ، وفيه ، أيضا ، مئنة من التعظيم ، فهو لنباهة ذكره قد استغنى عن التعريف ، فعلو شأنه أمر حاضر في كل الأذهان ، فذلك وجه آخر من أوجه القرب المعنوي فيجري مجرى الإشارة في قول الفرزدق في مدح علي زين العابدين رحمه الله :
    هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ ******* وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ وَالْحَرَمُ .
    و : "أل" في الحديث عهدية تشير إلى الكتاب العزيز ، وقد دل التنزيل على ذلك في مواضع أخرى من قبيل قوله تعالى : (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) ، وقوله تعالى : (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، ويرجحه تقدم ذكره ، كما تقدم ، فجاء الاستفهام توبيخيا : أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ، فمحل التوبيخ جملة : (أنتم مدهنون) ، واسميتها مئنة من الثبوت ، فذلك وصفهم اللازم ، وذلك آكد في تقرير المذمة المقتضية للتوبيخ ، والإدهان محمول على ثلاثة معان أشار إليها صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فقد يحمل على :
    إظهار خلاف الباطن ، فذلك من قبيل قوله تعالى : (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) .
    والإلانة في موضع تحسن فيه الشدة ، فمادة "دهن" كما في "اللسان" مادة تدل على الشيء اللين ، فالدُّهن هو : المطر اليسير الذي يبل وجه الأرض ، وقوم مُدَهَّنون بتشديد الهاء عليهم آثار النِّعَمة ، فذلك مئنة من الترف واللين الذي لا يلائم هذا الأمر ، فهو جد ليس بالهزل ، فقد أمر الأنبياء عليهم السلام بأخذه بقوة : (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) ، وأمر العباد بأخذه بقوة : (خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، فمن أخذه لاعبا لاهيا فذلك مئنة من ضعف نفسه واستفال همته ، فلا يعرف لهذا الأمر قدره إلا من عظمت نفسه وعلت همته ، ولذلك كان الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، خير طباق هذه الأمة ، بل خير طباق الأمم بعد أنبيائها ، عليهم السلام ، فقد علموا ما لهذا التنزيل من القدر والحق ، فقاموا به خير قيام ، فقامت به الألسنة تلاوة ، وقامت به الأبدان في جوف الليل ، وفي سائر أحيان الدهر ، فالجوارح بحكمه مقيدة ، والخواطر بتلاوته وتدبر معانيه مكفوفة ، فالمحل قد عمر بالتنزيل فلا مكان فيه لوساوس الشياطين ، فلم يكن في خلقهم لين أو تهاون فيما يختص بأمر الديانة ، وبذلوا مع ذلك الدنيا تأليفا للقلوب فهم ألين الناس في أمور المعاش بيعا وشراء فـــ : (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى) .
    فالشاهد أن الدهن ، كما ذكر صاحب "اللسان" رحمه الله ، مادة كلية تدل على اللين ، فمنه المحسوس كالدهن المعروف وكالمطر الرقيق الذي يبل وجه الأرض ، ومنه المعقول فيختص بالطبع ، فمنه الممدوح إذا كان في أمر الدنيا ، ومنه المذموم إذا كان في أمر الدين ، فلا يلائمه ، كما تقدم ، إلا الجد في غير حدة أو تنطع ، فــ : (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ) .
    فمن الإدهان المذموم : (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) ، فالمداهنة مذمومة إذ فيها يبذل الدين ، فتلك تقية مذمومة تحمل صاحبها على الغش والنفاق ، بخلاف الملاينة والمداراة ففيها تبذل الدنيا ، وعليه حمل أهل العلم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ" ، فبذل صلى الله عليه وعلى آله وسلم الدنيا ، ولم يبذل الدين دفعا لسوء خلق ذلك الداخل عليه ، فذلك ، عند التحقيق ، من كمال حكمته وخلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيدفع شره بالكلمة الطيبة ، فذلك من كمال الحكمة ، ويؤلف قلبه بها فذلك من كمال الخلق .

    وفسر الإدهان بالتكذيب ، فيكون ما بعده مفسرا له ، فقدم بالإجمال ثم ثنى بالبيان : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) .
    فيكون ذلك من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه على تقدير : وتجعلون شكر رزقكم ، فالرزق مظنة الشكران ، والسياق سياق إنكار على المكذب الذي قابل النعمة بالتكذيب ، فتلك قرينة تدل على المحذوف المقدر ، وجاء المضارع مئنة من تجدد هذا الفعل القبيح منهم ، فهو خلق لازم لهم ، وذلك آكد في تقرير المذمة ، وجاء المفعول الثاني لــ : "جعل" : مصدرا مؤولا من : "أنَّ" وما دخلت عليه ، فذلك آكد في تقرير المعنى من المصدر الصريح ، فيؤول المعنى إلى : وتجعلون شكر رزقكم التكذيب والإعراض ، وكان الأولى شرعا وعقلا ، أن يكون شكره التصديق والامتثال ، فكفر النعمة مستقبح بأصل الوضع قبل مجيء الشرع ، فكيف إذا انضم إليه الشرع الصحيح المؤيد لقياس العقل الصريح ، فمقابلة النعمة إنما تكون بشكر المنعم لا بالتكذيب والجحود ، والشكر ، كما تقدم في مواضع سابقة ، معنى يعم : القول والفعل ، فيشكر الإنسان بقلبه عرفانا ومحبة ، ويشكر اللسان لفظا ، ويشكر البدن عملا بما يرضي المنعِم ، وفسر الرزق بالشكر ، فلا حاجة على هذا التفسير إلى تقدير محذوف ، فالأصل عدم الحذف ، وتلك لغة أزد شنوءة ، وفي ذلك إشارة لطيفة إلى أن عموم قول عثمان رضي الله عنه : "إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ" ، مخصوص بمواضع يسيرة من التنزيل نزلت بغير لسان قريش ، وذلك مما حمل عليه حديث نزول القرآن على سبعة أحرف ، فقد نزل بحرف قريش ، فذلك العموم ، وجاءت بعض ألفاظه بأحرف قبائل أخر اختلف في تعيينها ، فذلك الخصوص ، وفسرت الأحرف السبعة بأنها أحرف قبائل أخر في مواضع من التنزيل يقرأ فيها اللفظ بأكثر من وجه ، تيسيرا على العرب حتى تعتاد ألسنتهم على القراءة بلسان قريش ، فكلها من الوحي ، وإن اختلفت مبانيها اللفظية ، فقد أنزلت رخصة ، ثم زال سببها ، بل صار بقاؤها مظنة الاختلاف ، فرأى عثمان ، رضي الله عنه ، جمع الناس على لسان قريش ، اللسان الأم ، فتواتر النقل به ، وذلك قدر كاف لحفظ التنزيل من التبديل أو التحريف ، فاندثرت بقية الأحرف ، وتواتر الحرف القرشي الذي نزل به الرسول الملكي على قلب النبي العربي القرشي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكان ذلك من رحمة الرب ، جل وعلا ، بهذه الأمة لئلا تختلف كما اختلفت الأمم من قبلها لما تعددت أناجيلها ، فصار ذلك مادة شقاق ونزاع لا زالت آثاره إلى اليوم كائنة ، فالاختلاف في الكتاب ذريعة إلى الاختلاف في القلوب ، والاختلاف في القلوب ذريعة إلى الاختلاف في الأقوال والأبدان ، فيقع التراشق بالألفاظ : تكفيرا وتبديعا ، كحال أصحاب المقالات الحادثة في الملل والنحل ، ويقع التقاتل بالأبدان ، فذلك من التلازم الوثيق بين الباطن والظاهر ، فاختلاف القلوب لاختلاف العقود ولاء وبراء مؤد حتما إلى اختلاف الألسنة والأبدان تدافعا ، فتلك سنة الرب ، جل وعلا ، في خلقه ، فبها تظهر آثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى ، فالأمة المرحومة قد وقيت شر القضاء بالاختلاف في حروف التنزيل ، وإنما وقع الاختلاف فيها في تأويله ، فأصحاب المقالات الحادثة قد حملوا نص الكتاب العزيز على وجوه من التأويل بعيدة ، فنظروا فيه نافلة ، فما شهد لهم ظاهره أخذوا به ، وما شهد عليهم ردوه إن لم يكن من الوحي المتلو ، فردوا جملة كثيرة من أخبار السنة : الوحي غير المتلو ، أو أولوه بما يوافق أهواءهم وأذواقهم إن كان من الوحي المتلو .

    ومع ذلك سلم لهم الحق فأهله هم السواد الأعظم ، فالمقالات ، وإن تكاثرت ، ليس لها من الظهور ما لمقالة الحق ، التي تواطئ الفطر السوية والعقول الصريحة ، فلا تحتاج تأويلا مركبا لا يدركه إلا الأذكياء ، بل هي من الوضوح والبيان بمكان ، فعموم المسلمين عليها ، وإن لم يصرحوا بذلك ، بل عموم البشر عليها حال الولادة قبل تبديل الفطرة الأولى فــ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِه" ، فليس في أخبار النبوات ما تحيله العقول أو تنكره القلوب ، وليس في أحكامها ما يعارض قياس العقل الصريح ، وإنما جهل ذلك من جهله من أصحاب المذاهب الردية : علمية كانت كأصحاب المقالات من سائر الملل المبدلة والنحل المركبة ، أو عملية : كأصحاب المذاهب الأرضية النابتة في عقول كاسدة ، قد جهلت إحكام النص ، فعدلت عنه إلى اضطراب القياس المقابل له ، فكل قياس في مقابلة النص فهو فاسد الاعتبار وإن كان صاحبه أذكى الأذكياء ، فذلك نبت خبيث ، لا كما صوره أنبياء العلمانية بقول أحدهم : "ودولة لا تلد علم حقوقها بنفسها وتقول في قانونها : "إنها نزلت من السماء لا تتبدل" ، فما هي بدولة أصلا ، ولا يكون لها استقلال ، والأرض لا تحمل موجودا غير متبدل" . فجعل مقياس التمدن : إقحام العقل فيما لم يخلق له ، فما خلق العقل إلا ليتدبر وينظر في آيات الشرع والكون ، فهو آلة التكليف ، فليس من شأنه أن يقيس غائبا على شاهد في العلميات ، أو يشرع تحليلا وتحريما في العمليات ، فذلك منصب النبوة الذي يخضع له العقل ، فهو التابع له السائر على هديه ، فلا يقوى على منازعته لقصور إدراكه واضطراب قياسه ، فما استحسنه عقل استقبحه آخر ، وما أحله عقل حرمه آخر ، فلا يفصل بين تلك الأهواء والأذواق المتنازعة إلا كتاب نازل من السماء ، به يحصل الهدى والبيان ، من العليم الخبير بأحوال عباده ، فلا يعلم ما يلائم عقولهم من الأخبار وجوارحهم من الأعمال إلا من خلقهم ، فــ : (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) .
    وأشار صاحب "التحرير والتنوير" ، رحمه الله ، إلى وجه لطيف ، في سبب نزول هذه الآية لا يخلو من وجه بلاغي ، إذ قد جاء تفسير الشكر بالتكذيب بأنه : نسبة المطر إلى "الأنواء" ، فيقول القائل : مطرنا بنوء كذا كذا ، كما في حديث زيد بن خالد الجهني ، رضي الله عنه ، وزيد في صحيح مسلم ، رحمه الله ، من رواية ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أن ذلك كان سبب نزول قوله تعالى : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) ، وسورة الواقعة : مكية ، وصلح الحديبية الذي نسب سبب نزول الآية إلى نزول المطر فيه ، قد وقع بعد الهجرة ، فرجحت رواية زيد بن خالد الجهني ، رضي الله عنه ، لأن زيدا كان حاضرا ولم يذكر نزول الآية ، بينما كان ابن عباس ، رضي الله عنهما ، صغيرا سواء قيل بأن الآية مكية ، فيكون قد تحمل ذلك عن صحابي آخر ، فذلك من مرسل الصحابي ، ورواية الصحابي الذي حضر الواقعة أرجح من رواية من أرسل عن صحابي آخر ، فذلك وجه الترجيح ، وقد يجاب عن ذلك بأجوبة منها :
    أن الآية مدنية ، فلا يلزم من وصف السورة بأنها مكية أن كل آياتها : مكية ، فذلك وصف أغلبي ، كما ورد في سبب نزول قوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) ، فهي آية مدنية بقرينة سبب نزولها ، والسورة ، وهي سورة هود ، مكية ، فحمل ذلك على أنها آية مدنية وردت ضمن سورة مكية ، فوصفها بالمكي : وصف أغلبي ، فترجح رواية ابن عباس ، رضي الله عنهما ، من هذا الوجه ، فقد نزلت الآية متأخرة لما نزل المطر في صلح الحديبية .

    أو : أن ذلك قد وقع في مكة ابتداء ، فنزلت الآية في مكة ، ثم تكررت الواقعة في صلح الحديبية ، فاستشهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذه الآية ، فلا يلزم من ذلك أنها نزلت في زمن صلح الحديبية ، وإن ورد ذكرها في واقعة نزول المطر فيه ، فذلك من قبيل استشهاد الفقيه بالآية أو الحديث إذا ورد سبب ذلك في فتوى حادثة فهي ثابتة قبل استشهاده بها بداهة . ويرد على ذلك أن القول بأن ذلك قد وقع في مكة : احتمال ممكن فيفتقر إلى دليل مرجح يثبته ، فلا يكفي لإثباته مجرد الاحتمال ، فباب الاحتمالات باب واسع .

    أو : أن الآية قد تكرر نزولها في مكة في واقعة نزول المطر التي سبقت الإشارة إلى احتمال وقوعها ، وفي الحديبية ، كما قيل في نزول سورة الفاتحة فقد ورد أنها نزلت في مكة ، ثم نزلت ثانية في المدينة ، وكذلك قيل في سورة الإخلاص ، وقد جوز ذلك الزركشي ، رحمه الله ، وأجاب بعض أهل العلم بأن ذلك خلاف الأصل ، فالأولى جعله جاريا مجرى الاستشهاد لواقعة تالية بآيات قد سبق نزولها .

    أو : أن قول ابن عباس ، رضي الله عنهما ، نزلت هذه الآية في كذا ، محمول على الاستشهاد بها في واقعة بعينها ، كما أثر عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، في سبب نزول قوله تعالى : (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) : نزلتْ في إتيان النساء في أدْبارهنّ ، أي في تحريم إتيانهن في أدبارهن ، فقوله : نزلت في كذا : أي في حكمها ، فلفظ الآية العام يشمل واقعة نزول المطر في صلح الحديبية ، وكل واقعة تماثلها تقدمت أو تأخرت ، فيكون تفسير ابن عباس ، رضي الله عنهما ، من قبيل تفسير العام بذكر فرد من أفراده ، فلا يخصصه ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا ، فذلك تحجير لواسع ، بقصر اللفظ العام على معنى خاص ، بلا مخصص معتبر ، وتوسيع دائرة اللفظ ليعم معان كثيرة أليق بالتنزيل ففيه من إثرائه بتوارد المعاني الكثيرة على مبانيه ما يظهر فيه وجه من وجوه إعجازه البلاغي .

    والله أعلى وأعلم .

  18. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  19. #10
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد : مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات:3,975
    تاريخ التسجيل
    17/8/2005
    البلد
    مصر
    العمر
    36
    المشاركات
    3,975
    1431/5/16 هـ
    ومن قوله تعالى : (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) :
    فذلك من التفريع في معرض التحدي توكيدا على قدرته ، عز وجل ، على البعث ، في مقابل عجزهم ، فهو المنفرد ببعث الأجساد ونشرها ، فلو كان لهم من ذلك نصيب لدفعوا قدر الموت عن المحتضر ، بل كل يحضره ، ولا يملك له نفعا ، فذلك أمر لا حيلة للبشر فيه ، فلا ينزع الأرواح إلا بارئها ، عز وجل ، فجنده الملكي تتوفى الأنفس إذا صدر لها الأمر الكوني ، فدلالة لولا في هذا السياق : تحضيضية في معرض التحدي ، فهلا إذا بلغت الروح التي أضمرت مع عدم تقدم ذكر لها لدلالة السياق عليها ، فالضمير عائد على غير مذكور ، وبلوغ الروح الحلقوم : كناية عن الموت ، وهي جارية على ما قرره البلاغيون في مبحث الكنايات ، من جواز إرادة المعنى الأصلي ، فالروح حال نزعها تبلغ الحلقوم ، فكني عن نزعها ببلوغها موضعا بعينه حال النزع الأخير .
    وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ : فذلك أبلغ في تقرير التحدي في معرض بيان عجز البشر عن رد قدر رب البشر ، جل وعلا ، فقدره الكوني نافذ بالإحياء أو الإماتة ، فإن شاء أحيى فضلا ، وإن شاء أمات عدلا ، بل الموت للمؤمن على حال كاملة من شهادة أو صلاة أو ..... إلخ ، خير له من الحياة يقينا ، فالموت قد يكون فضلا ، بل كل ما قدره الرب ، جل وعلا ، فهو خير ، وإن كان ظاهره بخلاف ذلك ، فــ : (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) ، فهو خير باعتبار المآل ، فبالموت يرتاح الميت إن كان صالحا فيخرج من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، وبالموت يرتاح البشر من الكافر ، بل يسلم من شؤمه الحيوان البهيم والطير والشجر ، وقد شاء الرب ، جل وعلا ، قبض أرواح لو عاش أصحابها لكفروا في أنفسهم وكفروا غيرهم ، كما في خبر الحضر عليه السلام فكان قبض الغلام خيرا له ولأبويه باعتبار المآل ، فمات قبل أن يكلف ويكفر ، وسلم أبواه من شره .
    والخطاب بضمير : "أنتم" فيه من العموم ما في ضمير المخاطب في قول أبي الطيب :
    إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيْمَ مَلَكْتَه ******* وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمرَّدَاً
    فليس المراد جماعة من المخاطبين بعينهم ، بل العموم المعنوي آكد في تقرير معنى التحدي ، فأنتم حينئذ تنظرون له بالأبصار ، فحذف متعلق فعل النظر ، وهو هنا نظر البصر ، لقرينة حضور الميت حال النزع ، حذف متعلقه لدلالة السياق عليه ، فتنظرون بالأبصار المجردة ويخفى عليكم ما غيب عنكم فلا تبصرونه .

    وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ :
    فذلك من الإسناد إلى ضمير الفاعلين على ما اطرد من التعظيم في سياق نزع الروح فهو مئنة من جلال الرب ، جل وعلا ، وانفراده بذلك الفعل الذي تظهر به آثار قدرته النافذة ، فنحن أقرب إليه ، فالقرب هنا : قرب ذاتي لا يلزم منه الحلول أو الاتحاد ، فإن الكون كله كالخردلة في قبضة أحدنا ، بل نسبته إلى الرب ، جل وعلا ، أصغر من ذلك ، فلا منتهى لكمال وسعة وعظم ذات ووصف الرب ، جل وعلا ، فلا يتصور حلول الكامل العظيم في الناقص الحقير ، فإن في ذلك من وصفه بالنقص ما يتنزه عنه بداهة ، فقربه بذاته ، عز وجل ، قرب المحيط بما في قبضته ، فالكون كله في قبضة يده ، جل علا ، على الوجه اللائق بجلاله ، وعليه حملت نصوص كنصوص النزول إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير ، فليس ذلك بمقتض للإحاطة أو التحيز في جهة مخلوقة ، فإن ذلك ، كما تقدم من النقص الذي يتنزه عنه الرب ، جل وعلا ، فجل الخالق أن يحيط به مخلوق محدود ، فالنزول نزول يليق بجلاله يقرب فيه من خلقه بذاته القدسية كيف شاء ، على وجه لا يقتضي حلولا أو اتحادا ، ولذلك نظير في عالم الشهادة يصح القياس عليه بطريق الأولى ، فلا يلزم منه تعيين حقيقة الفرع المقيس ، وإنما ينتفع بقياس الأولى في تصور المعاني الذهنية دون الحقائق الخارجية فقد استأثر الرب ، جل وعلا ، بعلم حقيقة ذاته القدسية وصفاته العلية ، فلا يعلم كيف هو ذاتا أو صفات إلا هو ، فإن الإنسان قد يقبض بيده على خردلة ويقرب منها دون أن تحيط به قبضته ، أو يحل في تلك الخردلة بداهة ، فإذا جاز تصور ذلك في حق المخلوق ، فهو في حق الخالق ، عز وجل ، ثابت من باب أولى ، فنصوص العلو : ذاتا وصفات : نصوص محكمة ، فلا تعارض بشبهة حلول أو اتحاد مستندها قياس تمثيل أو شمول ، يقيس فيها العقل وصف الرب ، جل وعلا ، على وصف العبد فلا يدرك من النزول إلى السماء إلا نزولا يماثل نزول المخلوق من أعلى إلى أسفل فتحده جهة السفل كما تحده جهة العلو فهو محدود محصور في علوه أو سفله ، في نزوله أو صعوده ، فكيف يقاس الخالق الذي له من وصف الكمال ما له على المخلوق ؟! ، فالخالق ، عز وجل ، لا تحده جهة ، بل علوه مطلق ، فجهته عدمية من المخلوق فليس ثم إلا الخالق ، عز وجل ، عاليا على عرشه سقف مخلوقاته علوا ذاتيا لازما ، فذلك من وصف ذاته المعنوي ، مستويا على عرشه على الوجه اللائق بجلاله ، فقد علا وارتفع على عرشه بلا افتقار أو حاجة ، فهو الغني بذاته وصفاته ، فذلك من وصف فعله الخبري ، فلا يدركه العقل إلا بتوقيف النقل الصحيح ، ، فإحكام هذه النصوص لا يعارض بشبهة واهية من قياس عقلي فاسد في باب خبري مستنده نص الوحي المحكم ، فيرد ما تشابه منه إلى ما أحكم ، فتلك طريقة أهل التحقيق في هذا الباب الجليل ، فما توهم العقل منه ابتداء ما يناقض كمال ذات ووصف الرب ، جل وعلا ، فهو متشابه من هذا الوجه ، وإن كان محكما في نفس الأمر ، فإنما يعرض التشابه لمن وقع في القياس الفاسد ، أما الذي أحكم قياس عقله بلجام القياس الصحيح ، فالنصوص في حقه كلها محكمة ، فلا تخلو من قرائن سياقية تدل على المعنى الصحيح ، كما يأتي في بيان الوجه الثاني من أوجه القرب في هذه الآية ، فما توهم العقل منه ما يناقض كمال الذات القدسية والصفات العلية فرده إلى المحكم يزيل الشبهة ، فمن توهم من القرب ، إن لم يدرك معناه الصحيح فالتبس عليه الأمر ، نقصا ، وليس فيه نقص ، وإنما الأمر كما تقدم لازم قياس فاسد صير المحكم متشابها ، من توهم منه نقصا فليرده إلى محكم نصوص العلو : ذاتا وصفات ، وهذا أصل جليل في كل نصوص الوحي : أخبارا أو أحكاما .
    وإما أن يكون قربا معنويا ، فهو مئنة من إحاطة الرب ، جل وعلا ، بخلقه ، فهو قريب منه بعلمه ، قريب منه بجنده ، حال الحياة فــ : (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) ، وحال الموت فــ : (هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) ، فالسياق يدل على إرادة القرب بملك الموت عليه السلام وأتباعه ، فتلك قرينة سياقية انضمت إلى دلالة القرب المعجمية ، فهي دلالة كلية تحتمل : القرب بالذات أو بالمعنى ، كما تقدم ، فيقرب الملك من أحد رعاياه بأتباعه ، فإذا أرسل إليه رسولا صح أن يقال بأن الملك بأمرك بكذا أو ينهاك عن كذا ، وإن كان الآمر أو الناهي هو الرسول ، فما أمر أو نهى إلا بأمر الملك ، فيكون قريبا منه من هذا الوجه ، ولله المثل الأعلى ، فإنه يقرب من عبده حال النزع بملائكته ، وإن لم يبصر من حوله ذلك ، فلا يرون إلا الجثمان ، فقد حجب عنهم ما يجده الميت من آثار النزع ، فيرى ما لا يرون ، فقد قرب الرحيل إلى دار البرزخ ، وأحوالها تغاير أحوال دار الدنيا ، فيرى الراحل إلى دار البرزخ ما لا يرى أهل دار الدنيا الذين لما يحن موعد رحيلهم ، والشاهد أن القرينة السياقية قد انضمت إلى الدلالة المعجمية الكلية فرجحت فردا من أفرادها هو : القرب المعنوي بالملائكة ، كما رجحت القرينة أيضا في نحو قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) : القرب بالعلم المحيط بالأعيان والأحوال ، فقرينة : (وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) ، أو : القرب بالملائكة الحفظة لقرينة الآية التالية : (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) ، قد انضمت إلى الدلالة المعجمية الكلية أيضا ، فرجحت فردا آخر هو : القرب بالعلم ، أو القرب بالملائكة ، فلكل موضع من القرائن ما يدل على مراد المتكلم ، فذلك وجه إحكامه ، فهو ، كما تقدم ، قد يتشابه على من نظر في المعنى الكلي مجردا من سياقه ، فيتصور منه معنى باطلا ، ولكنه بالنظر إلى مجموع المعنى والسياق الذي يرد فيه محكم لا يتطرق إليه التشابه من أي وجه ، فظاهره المركب من المعنى والسياق معا دال على مراد المتكلم ، وهذا ، أصل آخر في معرفة دلالات النصوص أخبارا كانت أو أحكاما .

    ثم جاء التحدي إمعانا في بيان عجزهم في مقابل كمال قدرة الرب جل وعلا : فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ : فهلا إن كنتم غير عبيد تدينون للرب ، جل وعلا ، اضطرارا أو اختيارا ، فكل مدين للرب ، جل وعلا ، مقهور بإرادته الكونية النافذة ، فتلك جهة العبودية العامة ، ومن آمن وانقاد فهو مقهور بإرادته الشرعية الحاكمة فلا حظ لنفسه مع حكم الشارع ، جل وعلا ، فتلك جهة العبودية الخاصة ، فالعباد منهم : عبيد خاضعون بالأمر الكوني النافذ ، ومنهم عباد خاضعون للأمر الشرعي الحاكم ، ولا يخرج جميعهم عن دائرة العبودية العامة فهي أعم من جهة أفرادها ، فكلهم تحت حكمه وقضائه ، إن شاء عافى فضلا ، وإن شاء ابتلى عدلا ، فلو صيغ الأمر على طرائق أهل النظر في العموم والخصوص : فالعبودية العامة : أعم من جهة أفرادها فلا يخرج عنها بر أو فاجر ، والعبودية الخاصة : أعم من جهة أوصافها ففيها قدر زائد عن العبودية العامة هو : الانقياد للأمر الشرعي ، فالانقياد للأمر الكوني : جنس عام يشمل المؤمن والكافر ، كما تقدم ، والانقياد للأمر الشرعي : فصل ، بلغة أهل المنطق يخرج به العبد الكافر ، فيتمحض التعريف للعابد المؤمن ، فهو عبد من جهة الكون ، عابد من جهة الشرع ، فهلا إن كنتم خارجين عن حد العبودية العامة ، فلكم إرادات تعارض الإرادة الكونية النافذة : تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ : فذلك من الشرط في معرض التحدي تهييجا وإلهابا للمخاطب ، فذلك أبلغ في بيان عجزه في مقابل كمال قدرة الرب جل وعلا . فهلا أرجعتم الروح التي شاء الرب جل وعلا : نزعها إن كان لكم من القدرة ما يصلح لمعارضة أمر الرب القدير الحكيم ، جل وعلا ، فلا راد لأمره لكمال قدرته ، ولا معارض له لكمال حكمته ، فبقدرته وحكمته يكون قضاؤه في عباده ، فلا يأتي القضاء إلا على أكمل الوجوه ، فبه تظهر آثار وصف الجلال قدرة ، وصفات الجمال حكمة .

    والله أعلى وأعلم .

  20. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  21. #11
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد : مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات:3,975
    تاريخ التسجيل
    17/8/2005
    البلد
    مصر
    العمر
    36
    المشاركات
    3,975
    1431/5/19 هـ
    ومن قوله تعالى : (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) :
    فالتفريع عما تقدم ذكره من منازل البشر ، فيكون ذلك من رد العجز على الصدر كما اطرد من كلام البلاغيين ، إذ رجع الكلام على صدر السورة ، فذلك من توزيع القصة ، كما سماه صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، وهو أمر قد اطرد في التنزيل ، إذ ترد القصة مجملة في موضع ، مبينة في آخر ، وأبرز مثال على ذلك توزيع خبر موسى الكليم عليه السلام ، في مواضع من التنزيل ، فهي أكثر القصص تكرارا ، وفي كل موضع ما ليس في البقية ، فتكتمل صورة الاستدلال بتتبع موارد الخبر ، فذلك مئنة من بلاغة التنزيل في تنويع السياق طردا للسآمة والملل ، وذلك جار على ما اطرد من طريقة أهل الحق في جمع أدلة الباب ، فذلك أسلم من الخطأ وأقرب إلى تحرير المسألة : علمية كانت أو عملية ، فالإجمال قد يبين في موضع ، والعموم قد يخص ، والإطلاق قد يقيد .... إلخ من صور البيان ، وتلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، طريقة أهل التحقيق من المفسرين ، فما أجمل في موضع من التنزيل بين في آخر ، فإن لم يرد البيان في الكتاب ففي السنة ، فإن لم يوجد ففي أقوال المفسرين من الصدر الأول ، ومن تلاهم من أهل القرون المفضلة ، فإن لم يوجد ففي كلام العرب فهو الحجة في بيان آي الكتاب العزيز فبلسانهم نزل ، وببيانهم ورد ، فنزل بلسان قريش ، لسان العرب العام ، فهو لسان عالمي بين قبائل العرب ، فآدابهم : نظما أو نثرا ، قد نقلت إلينا بلسانهم إلا ما ندر ، ففي كلام العرب المنقول بل في التنزيل من لسان بقية القبائل ألفاظ قليلة ، عني بها أهل القراءات .
    فجاء التفريع بــ : "أما" ، وجاء الشرط بــ : "إن" في معرض استيفاء أوجه القسمة العقلية .
    و : "من" بيانية جنسية لا تخلو من معنى التبعيض فهو فرد من أفراد المقربين ، فإن كان ذلك حاله فهو من المقربين أو السابقين الذين ورد ذكرهم في صدر السورة ، فجزاؤه : روح ، فحذف المبتدأ المسند إليه إيجازا لدلالة السياق عليه ، أو هو على تقدير : فله روح ، فيكون المحذوف هو الخبر المسند ، والربط بالفاء مئنة من الفورية فترتب على الوصف جزاؤه على جهة التعقيب ، على ما اطرد في دلالة الشرط ، فالمشروط يدور مع الشرط وجودا وعدما ، ففي الشرط وصف أو معنى يصلح لتعليق الحكم المستفاد من لفظ المشروط عليه ، فيدور معه وجودا وعدما ، على ما اطرد في كلام أهل البلاغة والأصول من دوران الحكم مع الوصف وجودا وعدما ، والتقديران جائزان ، فيجوز أن يكون المحذوف مبتدأ أو خبرا ، فكلا التقديرين جائز على وزان : يمين الله لأفعلن كذا ، فتقدير الكلام : قسمي يمين الله ، على تقدير المحذوف مبتدأ ، أو : يمين الله قسمي على تقدير المحذوف خبرا ، وقد يقال بأن تقدير المحذوف مبتدأ في الآية ، أليق بما اطرد في لسان العرب من حذف المسند إذا دل السياق عليه ، فالسياق سياق تقسيم في معرض بيان الجزاء ، فيكون التقدير بداهة من جنس مادة الجزاء ، فحذف المسند إليه إذا دل عليه السياق أمر قد اطرد في التنزيل وفي كلام العرب ، فمن شواهده في التنزيل : (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) ، أي : أنا عجوز عقيم ، بقرينة ظهور المسند إليه في موضع آخر من التنزيل : (قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) ، ومن شواهده في كلام العرب :
    قنافذ هداجون حول بيوتهم ******* بما كان إياهم عطيه عودا
    أي : هم قنافذ هداجون .

    وقد يقال بأن تقدير المحذوف مسندا : "له" ، فيكون تقدير السياق : فله روح ، آكد في تقرير المعنى لما اطرد في كلام البلاغيين من دلالة تقديم ما حقه التأخير على الحصر والتوكيد فله وحده لا لغيره ، باعتبار نوعه ، لا شخصه ، فالنعيم معنى عام لا يختص بأفراد بعينهم ، وإنما يختص بأفراد تحقق فيهم الوصف الجالب للحكم ، وجاء بيان الجزاء مطنبا فذلك آكد في سياق الترغيب : فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ :
    فروح مادة تدل على الخفة واللطافة ، فالروح ، كما يقول صاحب "اللسان" رحمه الله هو : نَسِيم الهواء ، فالنسيم مظنة الخفة واللطف ، وكذلك الروح المخلوق الساري في البدن ، فهو الحافظ له من الفساد ، فالروح : جسم لطيف لا يقر إلا في الأبدان الصحيحة ، فإن خالطتها الأغيار الكثيفة ففسد البدن بمرض عضال أو أخلاط غليظة لا تلائم خفة الروح فإنها ، بإذن الرب جل وعلا ، تغادر المحل الفاسد ، فتنزع من البدن حال القبض فلم يعد محلا ملائما لها ، فإن الخفيف اللطيف لا يقر إلا في محل صالح ، فإن فسد المحل وكثف وغلظ بما يرد عليه من أخلاط المرض ، فإن الروح لا يقر لها قرار فيه ، فتحين ساعة الرحيل ، فيعطب البدن بمفارقة مادة حياته ، بل لو كان صحيحا فنزعت الروح منه بموت فجأة لسقط وفسد ، فسرعان ما يدب فيه العطب ، والروح مادة تدل ، أيضا ، على الراحة ، وهي مظنة الخفة ، فذلك من أجناس النعيم في كلا الدارين ، ولكن راحة الدنيا لا تسلم من كدر المنغصات ، فلا راحة كاملة في دار الابتلاء ، بل لا بد من شوب ألم وهم وحزن ، به يبتلى العباد فيعرف الصابر من الجازع ، فتشتاق النفوس لزوما إلى دار الراحة الأبدية والنعيم الخالص الناصح من شوب الآلام ، في دار الرضوان ، فلا نصب ولا وصب ، فلا يشقى أهلها ولا يمرضون بأوجاع أهل الدنيا التي لا يسلم منها جسد وإن طالت عافيته ، فيناله شاء أو أبى حظه من المرض ، فضلا عما يجري عليه من أعراض النقص الجبلي ، فكل ذلك فرقان عظيم وبرزخ جليل ، بين الرب الكامل بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله والعبد الناقص ، فوصفه على الضد من وصف الرب ، جل وعلا ، وإن ادعى الكمال فتلك دعوى كذب يشهد حاله ببطلانها ، فلا يخلو في حال من أحواله عن افتقار لازم إلى أسباب الحياة التي يجريها رب الأسباب ، جل وعلا ، فهي من جملة رحماته الكونية العامة ، فتظهر آثارها على البر والفاجر ، فالروح تأتي بمعنى الرحمة ، كما أشار إلى ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فمنها الروح الكوني الذي تقوم به الأبدان ، ومنها الروح الشرعي الذي تقوم به الأرواح المخلوقة ، فتلك من جملة رحماته الخاصة ، فلا تظهر آثارها إلا على البر ، فهي الروح التي أوحى بها الرب ، جل وعلا ، إلى نبيه : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فهي روح من أمره الشرعي بكلمات شرعيات نازلة على قلب خاتم المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلسان عربي مبين ، كما أن الروح المخلوق وما يحتف بالبدن من الرحمات الكونية من أسباب الحياة من أمره الكوني النافذ ، فمن أمره ابتدئت غايات الشرع بكلمات الكتب المنزلة ، ومن أمره ابتدئت غايات الكون فخلقت الأرواح وأجريت الأرزاق بالكلمات الكونيات النافذة ، فالأرواح كلها منه صادرة ، مخلوقة كانت كالأرواح التي بالأبدان ، أو غير مخلوقة كالأرواح المدونة في الكتب السماوية المنزلة ، ، وإذا نظر القارئ إلى تفسير أبي السعود ، رحمه الله ، للروح بالرحمة ، فمن رحماته : رحمات الشرع فهي غير مخلوقة إذ هي من أوصافه العلية ، فله وصف الرحمة العامة : رحمة الرحمن : لسائر الخلائق ، والرحمة الخاصة : رحمة الرحيم : للأبرار ، ومن رحماته : الرحمات المخلوقة أسبابا في دار الدنيا ، فبها تقوم الأبدان ، كما تقوم الأرواح ، كما تقدم ، بالرحمات الشرعية النازلة ، وجزاء في دار الآخرة ، فالجنة : رحمة مخلوقة ، يرحم بها الرب ، جل وعلا ، من شاء من عباده ، والرحمات والأرواح المخلوقة ، عند التدبر والنظر ، أثر رحمات وأرواح الرب ، غير المخلوقة ، على ما اطرد بيانه من أثر الكلمات الكونيات في خلق الأبدان ، والكلمات الشرعيات في تزكية الأرواح ، فبرحمته أنزل الوحي لتزكو الروح فتحفظ من أسباب الضلال ، وبرحمته أنزل المطر ليخرج الزرع وينمو فتقتات به الأبدان فتحفظ من أسباب الهلاك ، وبذلك يظهر وجه القراءة الثانية بضم الراء ، فروح ، بفتح الراء ، فتلك الراحة ، وروح ، بضم الراء ، فالنعيم للروح والبدن معا ، وكلها معان تدل على عظم المنة الربانية على أهل دار السلام .
    ونكر الروح تعظيما وعطف عليه الريحان على حد التنكير ، فهو ، أيضا ، مئنة من التعظيم ، وهو مما تنتعش به الأرواح ، ثم عطف عليهما : عطف العموم على الخصوص : وجنة نعيم : فهي محل النعم الكاملة والرحمات المتتالية ، وإضافتها إلى النعيم : إضافة ظرف إلى مظروفه ، فهي محل النعيم الدائم فلا منع ولا قطع .

    ومن قوله تعالى : (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)
    فذلك تفريع آخر في معرض استيفاء الوجه الثاني من أوجه القسمة الثلاثية ، وهم أصحاب اليمين ، الذين تقدم ذكرهم في صدر السورة في قوله تعالى : (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) ، فذلك جار مجرى ما تقدم من رد العجز على الصدر ، فأما إن كان من أصحاب اليمين ، فجاء التفريع بــ : "أما" ، و : "إن" الشرطية أيضا ، وفعل الكينونة مئنة من الدوام والاستمرار ، فكينونة وصفهم بما يسرهم ، فرع عن كينونة وصفهم في الدنيا : (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) ، فكانت حالهم الإشفاق ، على جهة الديمومة والاستمرار ، أيضا ، فجاءت ديمومة وصف الثناء وما يتفرع عنه من الثواب فرعا عن ديمومة وصف الإشفاق وما يتفرع عنه من دوام المراقبة ، فالخوف يولد في نفس صاحبه إشفاقا ، فإذا انضم إليه إحسان الظن بالرب ، جل وعلا ، ولد ذلك المزيج المتوازن من الرهبة والرغبة ، ولد من الإرادات والأقوال والأفعال النافعة ما تحصل به الطمأنينة في دار الدنيا ، والنجاة في دار الآخرة ، فلا يكون صلاح دين ودنيا إلا بالمزج بين الرهبة بالخوف والرغبة بالرجاء في توازن عجيب لم يأت به وحي كما جاء الوحي الخاتم ، فالإسلام قد امتاز بوسطية حقيقية ، لا وهمية كوسطية زماننا ! ، فوسطية في الاعتقاد ، ووسطية في التصور العلمي فلا إفراط في الجانب الغيبي يخرج صاحبه عن حد المعقول الصريح إلى حد الخرافة ، كما هي حال من غلا في تتبع الغيب ، وجوز تعارض الإيمان والعقل ، فلا يكون الإنسان مؤمنا إلا إذا ألغى دلالة عقله بالكلية ، فآمن بمحال عقلي ، أو خرافة لا أصل لها تصير الأديان : موروثا ثقافيا شعبيا ، فهو قصص وحكايات ، وخوارق وكرامات ، تشبه ألف ليلة وليلة ، أو سيرة الهلالي ..... إلخ من صور الفلكلور الشعبي ! ، وهو الإسلام الذي يروق كثيرا للغرب ، ولذلك يحظى بتأييد كبير من دوائر صنع القرار في الغرب التي أوصت الحكومات هناك بمد جسور التعاون مع هذا التيار المعتدل ! ، فلا يعنيه إلا الغلو في صالح أو طالح ، فينسج له من الخوارق ما يضحك منه كل ذي عقل ، ولو لم يكن من أتباع النبوات التي قضت على تلك الخرافات قضاء مبرما ، ويعيش على اجترار مآثر وكرامات فلان أو فلان من الأئمة أو الأولياء ، وربما لم يكن متبوعه إماما أو وليا، بل هو طالح رقيق الديانة مخروم المروءة ، بل ربما كان كافرا ، بل ربما كان عدما لا وجود له ، فهو خرافة من الألف إلى الياء ، فمن هذا حاله كيف يصمد لقتال عدو ، وكيف يعد العدة الإيمانية والفكرية لمنازلة العدو الذي أجلب علينا بخيله ورجله المادي والمعنوي فألجأنا إلى رد عدوانه ، ولو بالكلمة الصادقة ، فقد عجز كثير منا إلا من رحم ربك عن حمل السلاح لرد الصائل ، فلا تزال طائفة قائمة بهذا الفرض ، فهو ماض إلى قيام الساعة ، ولكنها طائفة قليلة العدد والعدة ، لا تحظى بأي دعم أو تأييد ، بل حظها من أبناء جلدتها : التشويه والحصار والتجويع ، كما هي حال المقاومة في البؤر المشتعلة في الأرض المقدسة والعراق وبلاد الأفغان والقفقاز ..... إلخ ، فلا أقل من كف الألسن على طريقة :
    لا خَيْلَ عِندَكَ تُهْديهَا وَلا مالُ ******* فَليُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لم تُسعِدِ الحالُ .

    فمن راح في غيبوبة الخرافة ، كيف يكون له نصيب في جهاد جحة وبرهان ، أو سيف وسنان ، وهو قد عمره في الرقص في حلقات الذكر ؟! .
    وفي المقابل لا تفريط في الجانب الغيبي ، كرد فعل للإفراط فيه ، كما هي حال العلمانيين والملحدين الذين ردوا الغلو بغلو يماثله ، ولكن على الضد منه ، فلا يؤمنون إلا بالجانب المادي المحسوس من هذه الحياة ، مع أن الإنسان لا انفكاك له عن الإيمان بالغيب ، وإن جحد ذلك ، فتلك ضرورة يجدها كل إنسان ، فقد ركبه الرب ، جل وعلا ، من روح لطيفة غذاؤها الرئيس بل الوحيد : الوحي ، والوحي غيب لا يدرك كنهه إلا الأنبياء ، عليهم السلام ، فلا يدرك غيرهم منه إلا آثاره النافعة التي تقتات منها الأرواح غذائها المعنوي المعقول ، وجسد يقتات من خشاش الأرض فذلك غذاؤه المادي المحسوس ، فمن جعل الحياة كلها : مادة ، فهو بهيمة في مسلاخ بشر ، لا حظ لروحه من الآدمية ، إلا بقدر ما تتحرك به أعضاؤه لنيل شهواته : نيل الحيوان حظه من المطعم والمشرب والمنكح ..... إلخ ، فالإيمان بالغيب مئنة من كمال آدمية صاحبه ، وإنكاره بالكلية إنكار لقوى التصور العقلية ، وذلك انحطاط من رتبة الآدمية إلى رتبة الحيوانية التي يقبع فيها الغرب وأذنابه من العلمانيين فضلا عن الملاحدة الماديين ، فأولئك أكثر صراحة وشفافية ، فقد كفروا ابتداء بكل غيب ، فالأمر عندهم منته محسوم ! .

    والشاهد أن وسطية الإسلام في كل أبواب الدين والدنيا : ثابتة ثبوتا لا نظير له في دين آخر ، فبالرغبة ، يكون الرجاء والطمع في منزلة أصحاب اليمين ، فهي أثر من آثار أوصاف جمال الرب ، جل وعلا ، فالجنة من رحماته ، كما تقدم بيانه ، والرحمات المخلوقة من أظهر آثار وصف الرحمة الثابت للرب ، جل وعلا ، على الوجه اللائق بجلاله ، فالرحمة المخلوقة أثر صفة الرحمة غير المخلوقة ، وبالرهبة يكون الخوف من الحلول في منزلة أصحاب الشمال ، فهي أثر من آثار أوصاف جلال الرب ، جل وعلا ، فالنار ، على الجهة المقابلة ، من أظهر آثار وصف الجبروت وشدة العقاب الثابتة للرب ، جل وعلا ، على الوجه اللائق بجلاله .
    فــ : أما إن كان من أصحاب اليمين : فجواب ذلك : فسلام لك من أصحاب اليمين .
    فناب جواب : "أما" عن جواب الشرط ، إذ الجواب المذكور كاف في الدلالة على الجواب المحذوف ، فهما من جنس واحد ، فيكون ذكرهما معا تكرار معيبا ، فــ : سلام لك : نكر تعظيما ، ففيه معنى الدعاء الذي سوغ الابتداء بالنكرة ، وفي تفسير الآية ذكر صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله أوجها لطيفة منها :
    أن تكون الكاف خطابا لغير معين ، على وزان قولك : ناهيك به ، أو : حسبك به ..... إلخ ، فذلك من خطاب غير المعين مئنة من العموم على وزان قول أبي الطيب :
    إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ******* وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا .

    فالخطاب لغير معين وإن كان الخطاب في ظاهره باعتبار المواجهة صادرا لمخاطب بعينه يتوجه إليه الكلام أصالة ، وعلى ذلك حمل الخطاب في مواضع من التنزيل من قبيل : قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) : فالضمير المستكن في : "خذ" تقديره : "أنت" ، وهو باعتبار المواجهة صادر إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو المخاطب بالتنزيل أصالة ، فخذ من أموالهم أصلا ، وليأخذ من جاء بعدك إماما انعقدت له البيعة ، فمتعلق التكليف : منصب الإمامة لا منصب النبوة ، فتتصور الخلافة في الأول دون الثاني .
    فيؤول المعنى إلى : ذلك أمر يسر كل من بلغه ، فلهم سلام أجمل ليذهب العقل في تصور كنهه كل مذهب مئنة من عظم قدره ورفعة شأنه ، لهم سلام هذا وصفه يسر كل من بلغه ، فذلك جار مجرى المثل السائر ، كما ذكر ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله .

    وإما أن يكون المخاطب هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتكون المسرة خاصة به في هذا الخطاب ، فيسره ما ينال أهل الإسلام من الكرامة ، فهو من جملة أصحاب اليمين ، بل هم السواد الأعظم منهم ، كما في حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، مرفوعا وفيه : "وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرْنَا" ، فأمة الإجابة : أعظم أمة تدخل الجنة لعالمية الرسالة التي عم خطابها كافة أجناس البرية ، وذلك من رحمة الله ، عز وجل ، بعباده ، أن بعث فيهم رسولا قد عمت دعوته سائر أقطار المعمورة ، فلم يختص بها جنس دون جنس ، بل : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) ، فذلك ، أيضا ، من الخطاب لغير معين ، فليس الخطاب عنصريا لأمة بعينها ، بل هو عام في أمة الإجابة ، فيشمل العربي والعجمي ، الأبيض والأسود فــ : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، و : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى" .
    فيكون ذلك من كمال العناية بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلن يخذله ربه ، جل وعلا ، في أمته ، بل سيريه منهم ما تقر به عينه ، فقد بلغ ووفى بما عليه ، وأثمرت رسالته أجناسا من الصلاح في العلم والعمل ما لا ينكره إلا جاحد ، فنبوته قد صارت بإجماع العقلاء المنصفين : علة كل خير في هذا العالم ، فأخبارها أصدق الأخبار ، وأحكامها أعدل الأحكام ، فقد لجأ إلى شريعتها عقلاء العالم لحل المعضلات المعاصرة ، فنالهم من بركتها العاجلة ما نالهم ، وإن حرموا من بركتها الآجلة لقصور مداركهم وفساد تصورهم .

    وقد يقال بأن تقدير الكلام : فيقال للمؤمن : سلام لك ، فذلك من دعاء الملائكة له ، وتلك من صور العناية بالعبد المؤمن ، فلا يسمع إلا الثناء الجميل فــ : (سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) ، ثم ذيل الدعاء بالثناء على جهة التوكيد الرافع لكل خوف من فوات المحبوب : أنت من أصحاب اليمين ، فحذف المسند إليه لدلالة السياق عليه ، إذ هو المخاطب بالدعاء فالضمير المتقدم في : "لك" قد دل على الضمير المقدر المحذوف ، فتكون من على هذا الوجه : تبعيضية ، ولا تخلو من معنى الجنسية ، فأنت من جنس أصحاب اليمين ، وأنت فرد من عمومهم فذلك وجه التبعيض في هذا التأويل .

    وقد يقال بأن الضمير عائد على الضمير المستتر في : "وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ" : فيكون ذلك من الالتفات من الغيبة إلى الحضور ، وذلك ، أيضا ، من كمال العناية بالمخاطب ، فسلام له من أصحاب اليمين ، فيسلم عليه أصحاب اليمين ، وذلك مئنة من الكرامة ، فــ : "من" على هذا الوجه : ابتدائية ، فابتداء غاية التسليم من أصحاب اليمين .

    فيكون ذلك جاريا مجرى الاشتراك اللفظي في : "من" ، فتدل على أكثر من معنى لتعدد أوجه التأويل ، ولا مانع من الجمع بين تلك المعاني ، فلا تعارض بينها ، وذلك ، كما تقدم ، في أكثر من موضع ، إثراء للسياق بتوارد المعاني الصحيحة عليه . فكلها تدور حول معنى الرفعة والكرامة ، كما يقول صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله .

    وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ :
    فقدم الكذب على الضلال في سياق الجزاء لكونه السبب ، كما ذكر ذلك صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فذلك أقطع للعذر ، فالسبب مؤد إلى مسبَّبِه بداهة ، فالدلالة العقلية شاهدة بصحة ذلك .

    فنزل من حميم : على ما اطرد من التفريع فذلك الوجه الثالث : وصدر الجزاء بالنزل تهكما ، فالنزل لا يكون إلا للضيف على سبيل التكريم ! ، فتطلعت النفوس إلى الكرامة ، فجاء التذييل بجنس الحميم فذلك من النكاية بمكان ، والتنكير في : "نزل" مئنة من التعظيم ، وذلك ، أيضا ، جار مجرى التهكم ، فتعظيم النزل مئنة من زيادة التكريم ، فإذا به عين الإهانة ، وأما تنكير : "الحميم" فهو جار مجرى التعظيم على سبيل الإهانة .
    وتصلية جحيم : فذلك من التناسب مع النزل ، فالتصلية تكون للشواء الذي يكرم به الضيف ، فإذا بالتصلية له لا للشواء ! .
    ثم جاء التذييل في ختام السورة تقريرا لما تقدم من قسمة العدل بين الأنواع الثلاثة :
    إن هذا لهو حق اليقين : فاسم الإشارة عائد على ما تقدم ، لقرب ذكره ، ولا تخلو الإشارة من نوع تعظيم للمشار إليه على وزان :
    هذا الذي تعرف البطحاء وطئته ******* والبيت يعرفه والحـلُّ والحرم .
    ُ
    فهو غني عن التعريف ، فكذلك تلك القسمة الثلاثية لموافقتها لدلالة العقل الصريح قد صارت من البدهي الضروري الذي لا ينكره أحد لاشتهاره ، فالدلالات العقلية الضرورية لا يماري فيها إلا جاحد أو مسفسط . وأضيف الحق إلى اليقين : إضافة الموصوف إلى صفته ، فذلك من قبيل قوله تعالى : (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ) ، أي : وما كنت بالجانب الغربي ، وذكر صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، وجها آخر ، تكون فيه الإضافة من قبيل قولك : هذا يقين اليقين ، فذلك توكيد بإضافة الشيء إلى نفسه ، أو إضافة المرادف إلى مرادفه ، أو شبه المرادف إلى مرادفه ، فالحق مظنة اليقين من جهة المعنى الكلي ، ولكنهما يتباينان من جهة المعنى الجزئي فلكل دلالة يختص بها ، فلا يترادفان من كل وجه ، على ما قول من أنكر الترادف المطلق بين الألفاظ ، فضلا عن المؤكد الناسخ ، واللام المزحلقة الداخلة على ضمير الفصل ، وضمير الفصل ، وتعريف الجزأين ، فكل تلك المؤكدات لما تقدم من تلك القسمة الثلاثية التي تظهر فيها آثار قدرة وحكمة وعدل الرب ، جل وعلا ، وهو ما استوجب له الحمد والثناء المطلق فــ : سبح ، على جهة التنزيه من العجز والسفه والظلم ، فهو الحكم العدل بين تلك الأنواع فــ : (قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) .

    والله أعلى وأعلم .

  22. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •