رابط محرك بحث قوقل الفصيح في القائمة تطبيقات إضافية

التبرع للفصيح
اعرض النتائج 1 من 5 إلى 5

الموضوع: لَا أَبَا لَك

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 11697

    الكنية أو اللقب : أبو سهيل

    الجنس : ذكر

    البلد
    بلغ ربى مصر تحية عاني * في حبها متزايد الأشجان

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : الرياضة اللغوية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 6

    التقويم : 33

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل11/6/2007

    آخر نشاط:
    الساعة:

    المشاركات
    3,259

    لَا أَبَا لَك

    في خزانة الأدب للبغدادي
    " لا أبا لك " وهذا يكون للمدح: بأن يراد نفي نظير الممدوح بنفي أبيه، ويكون للذم: بأن يراد أنه مجهول النسب وهذا هو المراد هنا. وقال السيوطي في " شرح شواهد المغني " : " هي كلمة تستعمل عند الغلطة في الخطاب، وأصله أن ينسب المخاطب إلى غير أب معلوم، شتماً له واحتقاراً، ثم كثر في الاستعمال حتى صار يقال في كل خطاب يغلط فيه على المخاطب. وحكى أبو الحسن ابن الأخضر: كان العرب تستحسن لا أبا لك، وتستقبح لا أم لك، لأن الأم مشفقة حنينة " .
    وقال العيني: وقد يذكر في معرض التعجب دفعاً للعين، كقولهم: لله درك! وقد يستعمل بمعنى جد في أمرك وشمر، لأن من له أب يتكل عليه في بعض شأنه.
    قال اللخمي في شرح " أبيات الجمل " : اللام في لك مقحمة والكاف في محل خفض بها، لأنه لو كان الخفض بالإضافة أدى إلى تعليق حرف الجر، فالجر باللام وإن كانت مقحمة كالجر بالباء وهي زائدة؛ وإنما أقحمت مراعاة لعمل لا؛ لأنها لا تعمل إلا في النكرات، وثبتت الألف مراعاة للإضافة؛ فاجتمع في هذه المسألة شيئان متضادان: اتصال وانفصال: فثبات الألف دليل على الاتصال من جهة الإضافة في المعنى، وثبات اللام دليل على الانفصال في اللفظ مراعاة لعمل لا. فهذه مسألة قد روعيت لفظاً ومعنى. وخبر " لا " التبرئة محذوف، أي: لا أبا لك بالحضرة.
    قال المبرّد في " الكامل " : " لا أبا لك هي كلمة فيها جفاء وغلظة، والعرب تستعملها عند الحث على أخذ الحقّ والإغراء، وربّما استعملتها الجفاة من الأعراب عند المسألة والطلب، فيقول القائل للأمير والخليفة: انظر في أمر رعيّتك لا أبا لك.
    وسمع سليمان بن عبد الملك رجلاً من الأعراب في سنة مجدبة يقول: " الرجز "
    ربّ العباد ما لنا وما لكا ... قد كنت تسقينا فما بدا لكا
    أنزل علينا الغيث لا أبا لكا فأخرجه سليمان أحسن مخرج. فقال: أشهد أنّه لا أبا له ولا ولد ولا صاحبة، " وأشهد أن الخلق جميعاً عباده " وهو الأحد الصمد.
    وقال رجلٌ من بني عامر بن صعصعة، أبعد من هذه الكلمة لبعض قومه: " الكامل "
    أبني عقيلٍ لا أبا لأبيكم ... أبيّ وأيّ بني كلابٍ أكرم "
    .
    وقال ابن هشام في " شرح بانت سعاد " عند قوله: " البسيط "
    فقلت خلّوا سبيلي لا أبا لكم ... فكلّ ما قدّر الرّحمن مفعول
    اعلم أنّ قولهم: لا أبا له، كلامٌ يستعمل كناية عن المدح والذمّ، ووجه الأوّل أن يراد نفي النّظير الممدوح بنفي أبيه، ووجه الثاني أن يراد أنّه مجهول النسب. والمعنيان محتملان هنا؛ أمّا الثاني فواضح لأنّهم لما لم يغنوا عنه شيئاً أمرهم بتخلية سبيله ذامّاً لهم؛ وأمّا الأوّل فعلى وجه الاستهزاء انتهى.
    وزاد عليه شارحها البغداديّ قال: تقول العرب لا أبا لك ولا أب لك، يستعمل في التفجّع والتعجّب، ويقال في المدح والذم؛ وربّما قالوا لا أباك وهو نادر. وأمّا لا أمّ لك فلا يقال إلاّ في الذّم وحده، دلّ على ذلك استقراء كلام العرب.
    وقال ابن جنّي في " الخصائص " : إن قلت إنّ الألف في لا أبا لك تؤذن بالإضافة والتعريف، واللام تؤذن بالفضل والتنكير، فقد جمعت على الشيء الواحد في الوقت الواحد معنيين ضدّين " وهما التعريف والتنكير. وهذا كما ترى متدافعان، " قلت: الفرق واضح؛ فإنّه كلام جرى مجرى المثل، فإنّك لا تنفي في الحقيقة أباه وإنما تخرجه مخرج الدعاء عليه، أي: أنت عندي مّمن يستحقّ أن يدعى عليه بفقد أبيه. كذا فسّره أبو عليّ، وكذلك هو لمتأمّله؛ ألا ترى أنه قد أنشد توكيداً لما رآه من هذا المعنى فيه قوله: " الطويل " وتترك أخرى فردةً لا أخا لها ولم يقل لا أخت لها؛ ولكن لّما جرى هذا الكلام على أفواههم لا أبا لك ولا أخا لك، قيل مع المؤنّث على حدّ ما يكون عليه مع المذكّر، فجرى نحواً من قولهم لكلّ أحدٍ: من ذكر وأنثى، واثنين واثنتين وجماعة: الصّيف ضيّعت اللبن - على الأنيث، لأنّه كذا جرى أوّله.
    وأما قوله:
    أبا لموت الذي لا بدّ أنّي ... ملاقٍ لا أباك تخوّفيني
    فقد قال شارح أبي عليّ الفارسيّ: هو لأبي حيّة النّميريّ قاله أبو عمرو، قال: جلبه أبو عليّ شاهداً على حذف هذه اللام ضرورة، فثبوت الألف في أبا دليل الإضافة والتعريف، ووجود اللام دليل الفصل والتنكير. حذف لام الجرّ وهو يريدها؛ ولولا أنّها في حكم الثّابت في اللفظ لما عملت لا، لأنّها لا تعمل إلاّ في نكرة. فأمّا دلالة الألف فيه وحذف النون من نحو لا يدي بها لك على إرادة الإضافة، فلأنّ وجود العمل مانعٌ فيها من اللفظ، فضعف اقتضاء المعنى مع وجود المانع اللفظيّ. فإنّ هذا مثلٌ لم يقصد به نفي الأب وإنّما قصد به الذمّ. وكذلك لا يدي لك، إنّما المراد لا طاقة لك بها.
    وهو قياس من النّحويين على قولهم لا أبا لك. وفي الكتاب: لا أبا فاعلم لك؛ وفيه دليل على أنّه ليس بمضاف. ويجوز أن تكون الألف لام الكلمة كما قال: " الرجز " إنّ أباها وأبا أباها فأمّا قوله تخوّفيني، فإنّه أراد تخوفينني فحذف إحدى النونين: فقيل حذف الأولى كما حذف الإعراب، في قول امرئ القيس: " السريع " فاليوم أشرب غير مستحقبٍ وقال المبّرد حذف الثانية، وهو أولى لأنّها إنما زيدت مع الياء لتقي الفعل من الكسرة، والأولى علامة الرفع انتهى كلامه.
    وإذا كان الأمر كذلك علم أنّ قولهم لا أبا لك إنّما فيه تعادي ظاهره، واجتماع صورتي الفصل والوصل والتعريف والتنكير لفظاً لا معنى. ونحن إنّما عقدنا فساد الأمر وصلاحه على المعنى كأن يكون الشيء الواحد في الوقت الواحد قليلاً كثيراً. هذا ما لا يدّعيه مدّع.
    ويؤكد عندك خروجه مخرج المثل كثرته في الشعر، وأنّه يقال لمن له أب ولمن ليس له أب. وهو دعاء في المعنى لا محالة، وإن كان في اللفظ خبراً؛ ولو كان دعاءً مصرّحاً وأمراً مغنيّاً لما جاز أن يقال لمن لا أب له؛ لأنّه إذا كان لا أب له لم يجز أن يدعى عليه بما هو فيه لا محالة؛ فيعلم أنّه لا حقيقة لمعناه مطابقة للفظه، وإنّه لا حقيقة لمعناه مطابقة للفظه، وإنّما هي خارجة مخرج المثل، قال عنترة: " الكامل "
    فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أنّي امرؤٌ سأموت إن لم أقتل
    وقال: " الكامل "
    ألق الصّحيفة لا أبا لك إنّه ... يخشى عليك من الحباء النّقرس
    وقال:
    أبا لموت الذي لا بدّ أنّي ... ملاقٍ لا أباك تخوّفيني
    أراد: لا أبا لك فحذف اللام.
    وقال جرير: يا تيم تيم عديّ لا أبا لكم وهذا أقوى دليل على كونه مثلاً لا حقيقة. ألا ترى أنه لا يجوز أن يكون لتيم كلّها أبٌ واحد، ولكن معناه كلّكم أهل للدّعاء عليه والإغلاظ له.
    وقال الحطيئة: " الطويل "
    أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدّوا المكان الذي سدوا
    فإن قلت: فقد أثبت الحظيئة في هذا البيت ما نفيته في البيت قبله، فجعل للجماعة أباً واحداً، وأنت قلت إنّه لا يكون لجماعة تيم أبٌ واحد. قيل: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنّه مثلٌ لا يريد حقيقة الأب، وإنّما غرضه الدّعاء مرسلاً، ففحّش بذكر الأب.
    والآخر: يجوز أن يريد بأبيكم الجمع، أي: لا أبا لآبائكم، يريد الدّعاء على آبائهم من حيث ذكرها، فجاء به جمعاً مصحّحاً على قولك أب وأبون، قال: " المتقارب "
    فلمّا تبيّنّ أصواتنا ... بكين وفدّيننا بالأبينا
    انتهى كلامه باختصار. اهـ


    وفي الخصائص لابن جني أيضا توجيه آخر
    وأنشد أبو علي عن أبي الحسن:
    تقول ابنتي لما رأتني شاحباً ... كأنك فينا يا أبات غريب
    قال: فهذا تأنيث أبا، وإذا كان كذلك جاز جوازاً حسناً أن يكون قولهم: لا أبا لك " أبا " منه اسم مقصور كما كان ذلك في " أخا لك " ويحسنه أنك إذا حملت الكلام عليه جعلت له خبراً، ولم يكن في الكلام فصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر، غير أنه يؤنس بمعنى إرادة الإضافة قول الفرزدق:
    ظلمت ولكن لا يدى لك بالظلم
    فلهذا جوزناها جميعاً.

    وفي شرح الرضي على الكافية
    (استعمال) (لا أباله، وأمثالها) (قال ابن الحاجب: ) (ومثل: لا أبا له، ولا غلامي له، جائز لشبهه بالمضاف) (لمشاركته له في أصل معناه، ومن ثم لم يجز: لا أبا فيها،) (وليس بمضاف لفساد المعنى، خلافا لسيبويه)، (قال الرضي: ) يعني أن الكثير أن يقال: لا أب له، ولا غلامين له، فيكونان مبنيين، على ما ذكرنا،
    وجاز، أيضا، على قلة، لكن لا إلى حد الشذوذ، في المثنى وجمع المذكر السالم، وفي الأب والأخ من بين الأسماء الستة، إذا وليها لام الجر: أن تعطي حكم الأضافة بحذف نوني التثنية والجمع وإثبات الألف في الأب والأخ، فيقال: لا غلامي لك، ولا مسلمي لك، ولا أبا له، ولا أخا له، فتكون معربة اتفاقا، وأجاز سيبويه أن يكون: لا غلام لك، مثله، أعني أن يكون مضافا واللام زائدة فيكون معربا، ثم اعلم أن مذهب الخليل وسيبويه، وجمهور النجاة، أن هذا المذكور مضاف حقيقة باعتبار المعنى، فقيل لهم: اللام لا تظهر بين المضاف والمضاف إليه، بل تقدر، أجابوا بأن اللام ههنا، أيضا مقدرة، وهذه الظاهرة تأكيد لتلك المقدرة، كتيم، الثاني في: يا تيم تيم عدي ، علي مذهب من قال إن (تيم) الأول مضاف إلى (عدي) الظاهر، فيكون الفصل بين المضاف والمضاف إليه كلا فصل، فقيل لهم: ما الذي حملهم في هذه لأضافة على الفصل بين المضاف والمضاف إليه باللام المقحمة توكيدا دون سائر الأضافات المقدرة باللام، أجابوا بأنهم قصدوا نصب هذا المضاف المعرف، بلا، من غير تكريرها تخفيفا، وحق المعارف المنفية بلا: الرفع مع تكرير (لا)، ففضلوا بين المتضايفين لفظا،.
    حتى يصير المضاف بهذا الفصل، كأنه ليس بمضاف، فلا يستنكر نصبه وعدم تكرير (لا)، والدليل على قصدهم لهذا الغرض، أنهم لا يعاملون هذه المعاملة، المنفي المضاف إلى النكرة، فلا يقولون: لا أبا لرجل حاله كذا، ولا غلامي لشخص نعته كذا، والدليل على أنه مضاف، قوله: وقد مات شماخ ومات مزرد * وأي كريم لا أباك يخلد فصرح بالاضافة، وهو شاذ، لا يقاس عليه، فلا يقال: لا أخاك، و: لا يديك، وقد جاء الفصل باللام المقحمة بين المضافين لهذا الغرض، في المنادي، وهو شاذ، كقوله: يا بؤس للجهل ضرارا بأقوام
    قال المصنف: لا يجوز أن يكون مضافا حقيقة، إذ لو كان كذا، لكان معرفة، فوجب رفعه وتكرير (لا)، والجواب: لم يرفع ولم يكرر لكونه في صورة النكرة، والغرض من الفصل باللام: ألا يرفع ولا يكرر ، فكيف يرفع ويكرر مع الفصل باللام، وقال أيضا: لا أبا لك، ولا أب لك، سواء في المعنى اتفاقا، و: لا أب لك،نكرة بلا خلاف، فكذا يلزم أن يكون: لا أبا لك، إذ المعرفة لا توافق النكرة معنى، والجواب أنهم اتفقوا على أن معنى الجملتين، أعني: لا أبا لك ولا أب
    لك سواء، ولم يتفقوا على أن: أبا لك، وأب لك بمعنى واحد، وقد يكون المقصود من الجملتين واحدا، مع أن المسند إليه في احداهما معرفة، وفي الأخرى نكرة، فالمسند، أي خبر (لا) في: لا أبا لك، محذوف، أي: لا أبا لك موجود، وأما في: لا أب لك، فهو (لك) أي: لا أب موجود لك فالجملة الأولى بمعنى: لا كان أبوك موجودا، والثانية بمعنى: لا كان لك أن، ولا خلاف في اتحاد فحوى الجملتين مع كون المسند إليه في إحداهما معرفة وفي الأخرى نكرة، ثم قال المصنف: إن الوجه في مثله أن يقال: هو، وإن لم يكن مضافا للفساد المذكور، لكنه مشابه للمضاف، فأعطى حكم المضاف من إثبات الألف في: أبا، وأخا، وحذف النون في: غلامي ومسلمي، ولا يريد بمشابهته للمضاف أنه مضارع للمضاف بالتفسير الذي مر في باب المنادي، إذ لو كان كذلك لوجب تنوينه، كما في: لا حسنا وجمه، ولا حافظا لكتاب الله، وأيضا، فإن أبا لك وأب لك عنده شئ واحد، من حيث المعنى، و (لك) في: لا
    أب لك إما خبر (لا)، أو صفة لاسمها، واسم (لا) لا يصير بالصفة ولا بالخبر مضارعا للمضاف، وبدليل أنك تقول: لا رجل في الدار، ولا غلام ظريفا، ولو كان مضارعا للمضاف، لقلت: لا رجلا في الدار، ولا غلاما ظريفا، قوله: (لمشاركته له)، أي لمشاركة نحو: أبا لك، لأباك، المضاف في أصل معناه، أي في أصل معنى المضاف، وذلك أن أصل معنى المضاف الذي هو (أبوك)، وأصله (أب لك)، كان تخصيص الأب بالمخاطب فقط، ثم لما حذف اللام وأضيف، صار المضاف معرفة، ففي (أبوك) تخصيص أصلى وتعريف حادث بالأضافة كما يجيى في باب الأضافة، و (أب لك) يشارك (أبوك) في التخصيص الذي هو أصل معناه، ومن ثم لم يجز، أي من جهة أن اعطاءة حكم المضاف لمشاركته له في أصل معناه، لم يجز: لا أبا فيها، ولا رقيبي عليها، لأن المضاف قبل الأضافة لم يكن بمعنى في، وعلي،
    قوله: (لفساد المعنى)، يعني أن المعرف لا يكون بمعنى المنكر، كما ذكرنا من
    تقديره، ولو كان كما ذكر المصنف، لجاز، أيضا في المنكر: لا أبا لرجل طويل ونحوه، تشبيها بالمضاف، ولم يختص هذا الحكم بالمعرف، فإذا قلت: لا غلامين ظريفين لك، لم تحذف النون من غلامين، اتفاقا، أما على مذهب النجاة فلامتناع الفصل بين المضاف والمضاف إليه بنعت المضاف، وأما على مذهب المصنف، فالفصل بين شبه المضافين بما لا يفصل به بينهما، وأما إن فصلت بالظرف أو الجار والمجرور الناقص، دون الظرف المستقر نحو: لا يدي بها لك ولا غلامي اليوم لك فأجازه يونس اختيارا، لأن الفصل كلا فصل لكثرة ما يتسع في الظروف، ولم يجزه سيبويه والخليل، بل أوجبا إثبات النون، إلا لضرورة الشعر، كقوله: كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس إنقاض الفراريج



    وأختم بنص سيبويه في الكتاب
    باب المنفي المضاف بلام الإضافة
    اعلم أن التنوين يقع من المنفي في هذا الموضع إذا قلت: لا غلامَ لك كما يقع من المضاف الى اسم، وذلك إذا قلت: لا مثلَ زيد. والدليل على ذلك قول العرب: لا أبا لك، ولا غلامَيْ لك، ولا مُسلمَيْ لك.
    وزعم الخليل رحمه الله أن النون إنما ذهبت للإضافة، ولذلك ألحقت الألف التي لا تكون إلا في الإضافة.
    وإنما كان ذلك من قبل أن العرب قد تقول: لا أباك، في معنى لا أبالك، فعلموا أنهم لو لم يجيئوا باللام لكان التنوين ساقطاً كسقوطه في لا مثل زيد فلما جاءوا بلام الإضافة تركوا الاسم على حاله قبل أن تجيء اللام إذ كان المعنى واحداً، وصارت اللام بمنزلة الاسم الذي ثُنّي به في النداء، ولم يغيروا الأول عن حاله قبل أن تجيء به، وذلك قولك: يا تَيْم تَيْم عَديّ، وبمنزلة الهاء إذا لحقت طلحةَ في النداء، لم يغيّروا آخر طلحةَ عما كان عليه قبل أن تلحق، وذلك قولهم: كليني لهمٍّ يا أميمةَ ناصبِ ومثل هذا الكلام قول الشاعر إذا اضطُر، للنابغة: يا بؤسَ للجهل ضرّارا لأقوامِ حملوه على أن اللام لو لم تجئ لقلت يا بؤسَ الجهل.
    وإنما فُعل هذا في المنفي تخفيفاً، كأنهم لم يذكروا اللام كما أنهم إذ قالوا يا طلحةَ أقبلْ فكأنهم لم يذكروا الهاء، وصارت اللام من الاسم بمنزلة الهاء من طلحة لا تغيّر الاسم عن حاله قبل أن تلحق، كما لا تغيّر الهاء الاسمَ عن حاله قبل أن تلحق، فالنفيُ في موضع تخفيف كما أن النداء في موضع تخفيف، فمن ثم جاء فيه مثل ما جاء في النداء.
    وإنما ذهبت النون في لا مُسلمَيْ لك على هذا المثال، جعلوه بمنزلة ما لو حُذفت بعده اللام كان مضافاً الى اسم وكان في معناه إذا ثبتت بعده اللام، وذلك قولك: لا أباك؛ فكأنهم لو لم يجيئوا باللام قالوا لا مُسلمَيْك فعلى هذا الوجه حذفوا النون في لا مُسلمَي لك، وذا تمثيلٌ وإن لم يُتكلم بلا مسلمَيْكَ. قال مسكين الدارميّ:
    وقد مات شماخٌ ومات مزَرِّدٌ ... وأيُّ كريمٍ لا أباكَ يمتَّعُ
    ويُروى: مخلّدُ.
    وتقول: لا يَدَينِ بها لك، ولا يدينِ اليوم لك، إثبات النون أحسن، وهو الوجه. وذلك أنك إذا قلت: لا يَدَيْ لك ولا أبالك، فالاسمُ بمنزلة اسم ليس بينه وبين المضاف إليه شيء؛ نحو لا مِثل زيد؛ فكما قبح أن تقول لا مثل بها زيد فتفصل، قبح أن تقول لا يَدَي بها لك، ولكن تقول: لا يَدَين بها لك، ولا أبَ يوم الجمعة لك، كأنك قلت: لا يدين بها ولا أبَ يوم الجمعة، ثم جعلت لك خبراً، فراراً من القبح.
    وكذلك إن لم تجعل لك خبراً ولم تفصل بينهما، وجئت بلك بعد أن تضمر مكاناً وزماناً كإضمارك إذا قلت: لا رجلَ. ولا بأس، وإن أظهرت فحسن. ثم تقول لك لتبيّن المنفيّ عنه، وربما تركتَها استغناءً بعلم المخاطب، وقد تذكرها توكيداً وإن عُلم من تعني. فكما قبح أن تفصل بين المضاف والاسم المضاف إليه قُبح أن تفصل بين لك وبين المنفي الذي قبله؛ لأن المنفي الذي قبله إذا جعلته كأنه اسمٌ لم تفصل بينه وبين المضاف إليه بشيء، قبح فيه ما قُبح في الاسم المضاف الى اسم لم تجعل بينه وبينه شيئاً؛ لأن اللام كأنها ههنا لم تُذكر.
    ولو قلت هذا لقلت لا أخا هذينِ اليومين لك. وهذا يجوز في الشعر؛ لأن الشاعر إذا اضطرّ فصل بين المضاف والمضاف إليه. قال الشاعر، وهو ذو الرمة:
    كأن أصواتَ من إيغالهنّ بنا ... أواخرِ المَيس أصواتُ الفراريجِ
    وإنما اختير الوجهُ الذي تثبَت فيه النون في هذا الباب كما اختير في كم إذا قلت كم بها رجلاً مصاباً، وأنت تُخبر، لغة من ينصب بها، لئلا يفصَل بين الجار والمجرور: ومن قال: كم بها رجل مصاب فلم يُبالِ القبح قال: لا يَدَيْ بها لك، ولا أخا يوم الجمعة لك، ولا أخا فاعلم لك.
    والجرّ في كم بها رجلٍ مصابٍ، وترك النون في لا يَديْ بها لك، قول يونس، واحتج بأن الكلام لا يستغني إذا قلت كم بها رجلٍ. والذي يستغني به الكلام وما لا يستغني به قبحهما واحدٌ إذا فصلت بكل واحد منهما بين الجارّ والمجرور. ألا ترى أن قبح كم بها رجلٍ مصاب، كقبح رُبّ فيها رجل، فلو حسن بالذي لا يستغني به الكلام لحسُن بالذي يستغني به، كما أن كل مكان حسن لك أن تفصل فيه بين العامل والمعمول فيه بما يحسن عليه السكوت حسن لك أن تفصل فيه بينهما بما يقبح عليه السكوت. وذلك قولك: إن بها زيداً مصابٌ، وإن فيها زيداً قائمٌ، وكان بها زيد مصاباً، وكان فيها زيدٌ مصاباً. وإنما يفرَق بين الذي يحسُن عليه السكوت وبين الذي لا يحسن عليه في موضع غير هذا.
    وإثبات النون قول الخليل رحمه الله.
    وتقول: لا غلامَينِ ولا جريتَيْ لك، إذا جعلت الآخِر مضافاً ولم تجعله خبراً له، وصار الأول مضمَراً له خبرٌ، كأنك قلت: لا غلامين في مِلكك ولا جاريتيْ لك، كأنك قلت: ولا جاريتَيك في التمثيل، ولكنهم لا يتكلمون.
    فإنما اختُصّت لا في الأب بهذا كما اختُصّ لدُن مع غُدوةَ بما ذكرت لك. ومن كلامهم أن يجري الشيء على ما لا يستعمل في كلامهم، نحو قولهم: ملامحُ ومذاكيرُ، لا يستعملون لا مَلمَحةً ولا مِذكاراً؛ وكما جاء عذيرك على مثال ما يكون نكرة ومعرفة نحو ضَرباً وضرْبَك، ولا يُتكلم به إلا معرفةً مضافة. وسترى نحو هذا إن شاء الله. ومنه ما قد مضى.
    وإن شئت قلت: لا غلامين ولا جاريتين لك، إذا جعلت لك خبراً لهما، وهو قول أبي عمرو. وكذلك إذا قلت: لا غلامين لك وجعلت لك خبراً، لأنه لا يكون إضافة وهو خبرٌ لأن المضاف يحتاج إلى الخبر مضمَراً أو مظهَراً. ألا ترى أنه لو جاز تيمُ تَيمُ عديّ في غير النداء لم يستقم لك إلا أن تقول ذاهبون. فإذا قلت لا أبا لك فها هنا إضمارُ مكان، ولكنه تُرك استخفافاً واستغناء. قال الشاعر، وهو نهارُ بن تَوسِعة اليشكُريّ فيما جعله خبراً:
    أبي الإسلامُ لا أبَ لي سواهُ ... إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ
    وإذا ترك التنوين فليس الاسم مع لا بمنزلة خمسة عشر، لأنه لو أراد ذلك لجعل لك خبراً وأظهر النون، أو أضمر خبراً ثم جاء بعدها بلك توكيداً، ولكنه أجراه مجرى ما ذكرت لك في النداء، لأنه موضع حذف وتخفيف، كما أن النداء كذلك.
    وتقول أيضاً إن شئت: لا غلامين ولا جاريتين لك، ولا غلامين وجاريتين، كأنك قلت: لا غلامين ولا جاريتين في مكان كذا وكذا لك، فجاء بلك بعد ما بنى على الكلام الأول في مكان كذا وكذا، كما قال: لا يَدَين بها لك، حين صيّره كأنه جاء بلك فيه بعد ما قال لا يَدين بها في الدنيا.
    واعلم أن المنفي الواحد إذا لم يك لك فإنما يُذهب منه التنوين كما أُذهب من آخر خمسة عشر، كما أُذهب من المضاف. والدليل على ذلك أن العرب تقول: لا غلامين عندك، ولا غلامين فيها، ولا أبَ فيها؛ وأثبتوا النون لأن النون لا تُحذف من الاسم الذي يُجعل وما قبله أو وما بعده بمنزلة اسم واحد. ألا تراهم قالوا: الذين في الدار، فجعلوا الذين وما بعده من الكلام بمنزلة اسمين جُعلا اسماً واحداً، ولم يحذفوا النون لأنها لا تجيء على حدّ التنوين. ألا تراها تدخل في الألف واللام وما لا ينصرف.
    وإنما صارت الأسماء حين وَلِيَت لك بمنزلة المضاف لأنهم كأنهم ألحقوا اللام بعد اسمٍ كان مضافاً، كما أنك حين قلت: يا تيمَ تيمَ عَديّ فإنما ألحقتَ الاسم اسماً كان مضافاً، ولم يغيّر الثاني المعنى كما أن اللام لم تغيّر معنى لا أباكَ. وإذا قلت: لا أبَ فيها، فليست في من الحروف التي إذا لحقتْ بعد مضاف لم تغيّر المعنى الذي كان قبل أن تلحق. ألا ترى أن اللام لا تغيّر معنى المضاف إلى الاسم إذا صارت بينهما، كما أن الاسم الذي يثنّى به لا يغيّر المعنى إذا صار بين الأول والمضاف إليه، فمن ثمّ صارت اللام بمنزلة الاسم يثنّى به.
    وتقول: لا غلامَ وجارية فيها، لأن لا إنما تُجعل وما تعمل فيه اسماً واحداً إذا كانت إلى جنب الاسم، فكما لا يجوز أن تفصل خمسةً من عشر، كذلك لم يستقم هذا لأنه مشبّه به، فإذا فارقه جرى على الأصل. قال الشاعر:
    لا أبَ وابناً مثلُ مَروانَ وابنِه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزّرا
    وتقول: لا رجلَ ولا امرأةً يا فتى إذا كنت لا بمنزلتها في ليس حين تقول: ليس لك لا رجلٌ ولا امرأة فيها. وقال رجل من بني سُليم، وهو أنس بن العبّاس:
    لا نسبَ اليومَ ولا خُلةً ... اتّسع الخَرقُ على الراقع
    وتقول: لا رجلَ ولا امرأةَ فيها، فتُعيد لا الأولى كما تقول: ليس عبد الله وليس أخوه فيها، فتكون حالُ الآخرة في تثنيتها كحال الأولى. فإن قلت: لا غلامين ولا جاريتين لك، إذا كانت الثانية هي الأولى، أثبتّ النون، لأن لكَ خبرٌ عنهما، والنون لا تذهب إذا جعلتهما كاسم واحد، لأن النون أقوى من التنوين، فلم يُجروا عليها ما أجرَوا على التنوين في هذا الباب؛ لأنه مفارِق للنون، ولأنها تثبت فيما لا يَثبت فيه.
    يا مَنْ يُسَائِلُ مَنْ أَنَا؟ *** أَنَا كُنْتُ يَوْمًا هَاهُنَا
    رَكْبُ الفَصِيحِ يَضُمُّنِي *** لِلضَّادِ أَبْذُلُ مُؤْمِنا
    سَطَّرْتُ نَثْرًا رَائِقًا *** صُغْتُ القَصِيدَ مُلَحَّنا
    غُرَرَ الفَوَائِدِ سُقْتُهَا *** لِتَكُونَ ذُخْرًا بَعْدَنَا
    فَإِذَا مَرَرْتَ بِبَعْضِهَا *** مِنْ دَعْوَةٍ لَا تَنْسَنَا
    لَا تَنْسَنَا

  2. #2
    فريق إعراب القرآن الكريم

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24759

    الكنية أو اللقب : بنت الإسلام

    الجنس : أنثى

    البلد
    دار الممر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 20

    التقويم : 572

    الوسام: ⁂ ۩ ۞
    تاريخ التسجيل12/6/2009

    آخر نشاط:
    الساعة:

    المشاركات
    17,127

    السيرة والإنجازات


    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد:

    الأستاذ الفاضل : أبا سهيل

    جزاك الله خيرا على هذا الموضوع القيم ، كتب الله لكم الأجر والمثوبة ، وجعله الله في موازين حسناتكم يوم تلقونه ، اللهم آمين

  3. #3
    المراقب العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 19839

    الكنية أو اللقب : أبو عبد القيوم

    الجنس : ذكر

    البلد
    الإسكندرية - الخُبَر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 25

    التقويم : 268

    الوسام: ★★۩
    تاريخ التسجيل14/11/2008

    آخر نشاط:
    الساعة:

    المشاركات
    4,609
    جزاك الله خيرا.
    جهد مشكور طيب، ونقل نافع صيب

  4. #4
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 11697

    الكنية أو اللقب : أبو سهيل

    الجنس : ذكر

    البلد
    بلغ ربى مصر تحية عاني * في حبها متزايد الأشجان

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : الرياضة اللغوية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 6

    التقويم : 33

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل11/6/2007

    آخر نشاط:
    الساعة:

    المشاركات
    3,259
    أستاذي الفاضل عطوان عويضة
    الأخت الكريم زهرة

    لكما خالص الشكر
    يا مَنْ يُسَائِلُ مَنْ أَنَا؟ *** أَنَا كُنْتُ يَوْمًا هَاهُنَا
    رَكْبُ الفَصِيحِ يَضُمُّنِي *** لِلضَّادِ أَبْذُلُ مُؤْمِنا
    سَطَّرْتُ نَثْرًا رَائِقًا *** صُغْتُ القَصِيدَ مُلَحَّنا
    غُرَرَ الفَوَائِدِ سُقْتُهَا *** لِتَكُونَ ذُخْرًا بَعْدَنَا
    فَإِذَا مَرَرْتَ بِبَعْضِهَا *** مِنْ دَعْوَةٍ لَا تَنْسَنَا
    لَا تَنْسَنَا

  5. #5
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 11697

    الكنية أو اللقب : أبو سهيل

    الجنس : ذكر

    البلد
    بلغ ربى مصر تحية عاني * في حبها متزايد الأشجان

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : الرياضة اللغوية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 6

    التقويم : 33

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل11/6/2007

    آخر نشاط:
    الساعة:

    المشاركات
    3,259
    وإعراب هذه الجملة باختصار

    "تكون عادة جملة معترضة تقع في حشو الكلام لا محل لها من الإعراب نحو قول زهير:
    سئمت تكاليف الحياة ومن يعش *** ثمانين حولا ـ لا أبا لك ـ يسأم
    واختلف في إعرابها
    لا: نافية للجنس
    أبا: اسم لا مبني على الألف على لغة من يلزم الأسماء الخمسة الألف دائما.
    لك: جار ومجرور في محل رفع خبرها.

    ورأي ابن هشام أن (أبا) اسم مضاف والكاف مضاف إليه وللام مقحمة بين المضاف والمضاف إليه والخبر محذوف
    معتمدا على ما ورد في الشعر العربي من ذكرها دون اللام قال أبو حية النمري:
    أبالموت الذي لا بدّ أنّي ... ملاقٍ لا أباك تخوّفيني".اهـ المعجم الوافي في أدوات النحو العربي
    يا مَنْ يُسَائِلُ مَنْ أَنَا؟ *** أَنَا كُنْتُ يَوْمًا هَاهُنَا
    رَكْبُ الفَصِيحِ يَضُمُّنِي *** لِلضَّادِ أَبْذُلُ مُؤْمِنا
    سَطَّرْتُ نَثْرًا رَائِقًا *** صُغْتُ القَصِيدَ مُلَحَّنا
    غُرَرَ الفَوَائِدِ سُقْتُهَا *** لِتَكُونَ ذُخْرًا بَعْدَنَا
    فَإِذَا مَرَرْتَ بِبَعْضِهَا *** مِنْ دَعْوَةٍ لَا تَنْسَنَا
    لَا تَنْسَنَا

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •