رابط محرك بحث قوقل الفصيح في القائمة تطبيقات إضافية

التبرع للفصيح
اعرض النتائج 1 من 3 إلى 3

الموضوع: من حديث : "إن قلوب بني آدم ...."
1431/9/7 هـ

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 57

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:16-08-2013
    الساعة:07:08 AM

    المشاركات
    3,975
    العمر
    36
    1431/9/2 هـ

    من حديث : "إن قلوب بني آدم ...."

    من حديث : إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمان كقلب واحد يصرفها كيف يشاء ثم قال عليه السلام : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك :
    فذلك من التوكيد بالناسخ ، واسمية الجملة فضلا عن التوكيد اللفظي بــ : "كلها" ، وعرفت القلوب بالإضافة إلى بني آدم ، فهم محط التكليف بحمل الأمانة ، فليس المراد بالقلوب المضغ المحسوسة التي تنبض في الصدور ، فتلك توجد في صدور الطير والوحش ، وأفعال الطير والحيوان ، وإن كانت كلها مخلوقة بمشيئة الرب ، جل وعلا ، سواء أكانت اختيارية أم اضطرارية ، إلا أنها ليست محل تكليف ، وإن وقعت منها أفعال تأله وعبودية ، فــ : (إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) ، بخلاف أفعال المكلفين من الآدميين ، فهي محل تكليف ، إن كانت اختيارية لا اضطرار فيها بخطأ أو نسيان أو إكراه ، فــ : "إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به" ، فرفع الحكم لا الفعل فما وقع من الأفعال لا يرفع بداهة ، فدل السياق بدلالة الاقتضاء على محذوف يستقيم به الكلام ، فرفع الله ، عز وجل ، حكم الفعل لا عينه ، وذلك إجمال آخر ، يلزمه مزيد بيان ، فإن الحكم المرفوع جنس تندرج تحته أنواع ، أو نوع تندرج تحته أفراد ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، فتحته : التكليفي الذي يتعلق به الثواب والعقاب ، فذلك هو المرفوع ، والوضعي الذي يتعلق بقيم المتلفات ، فذلك الموضوع فلا يرفع ، فيلزم المخطئ والناسي قيم متلفاته وديات جناياته وأروش جراحاته ، وإن كان غير آثم ، والشاهد أن أفعال العباد من جهة الأمر الكوني كأفعال الحيوان فكلها خاضعة للمشيئة الربانية النافذة ، فما شاء الرب ، جل وعلا ، منها كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فهو خالق الذوات والأحداث التي تقوم بها اضطرارا واختيارا ، فحركات القلب منها الاضطراري كحركة المضغة خفقانا ، وحركة الدم جريانا ، ومنها الاختياري كحركة النفس في المعقولات فكرا ، وحركتها في المحسوسات تخييلا ، فقوى التخييل والتفكير مما يستدعيه المكلف اختيارا ، فيستحضر ما شاء من الصور المختزنة في ذاكرته ، ليعالجها قلبه بقوى الفكر فيولد منها تصورات وإرادات يظهر أثرها على اللسان والأركان ضرورة ، فاعتقاد الباطن لا بد أن يؤثر في الظاهر قولا وفعلا ، فذلك من التلازم بمكان ، وإنكاره : سفسطة وجحد للضرورات العقلية التي أجمع عليها عامة العقلاء من كل الأمم ، فلا يتصور ظاهر مقطوع الصلة والنسبة إلى الباطن ، فمهما تجمل أصحاب البواطن الخربة ، فلا بد أن يظهر فساد باطنهم على ظواهرهم ولو فلتات قولية أو فعلية ، فتجريد ظاهر لا علاقة له بالباطن بيانا لمجمل النفوس ، وباطن لا علاقة بالظاهر فهو منشأ حركاته وسكناته ، وتجويز وقوع باطن سليم التصورات والإرادات لا يؤثر في الظاهر مع صحة آلاته وانتفاء عوارض الأهلية ، فيكون الباطن في غاية الصلاح ، والظاهر في غاية الفساد ، في تناقض محض تقطع فيه الصلة الضرورية بينهما ، كل أولئك من المحالات العقلية التي وقع فيها من وقع من المتكلمين الذين أخرجوا القول والفعل من مسمى الإيمان فلا يدل عليهما تضمنا ، بل لزوما ، بل قد قال بعضهم : لا يدل عليه على وجه تحصل به نسبة بينهما ، بل هو خارج عن ماهيته تضمنا أو لزوما ، وإنما هو ثمرته ، وماهية الثمرة تباين ماهية الشجرة ، والقول والعمل ثمرة الإيمان فعلا ، فيصح هذا القول من وجه ، ولكنها ليست ثمرة مقطوعة لا نسبة بينها وبين أصلها ، بل هي جزء رئيس وركن ركين منه ، فدلالة الإيمان على أجزائه : الاعتقاد والقول والعمل : دلالة مطابقة فهو اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان ، ودلالته على بعضها : دلالة تضمن ، فيدل على الاعتقاد بمفرده ، أو الاعتقاد والقول معا ، أو الاعتقاد والعمل معا ..... إلخ من الصور الجزئية يدل عليها : دلالة كل على جزئه ، وحركات القلب منها الاختياري ، كحركة القلب في المعقولات والمحسوسات ، كما تقدم ، وتلك هي محل التكليف ، فتقع بإرادة المكلف ، فبها يناط الثواب والعقاب ، إلا ما كان خاطرة ترد اضطرارا فيدافعها صاحبها باستعاذة تذهب هاتف الشر الشيطاني فهو مؤثر خارجي ، واستغفار يقمع نازع الشر النفساني فهو مؤثر داخلي ، فلا مؤاخذة على حديث النفس إلا إن انتقل من دائرة الخواطر العابرة إلى دائرة الإرادات الجازمة ، فيتعلق به الثواب والعقاب وإن لم يقع الفعل في الخارج فمن هم بحسنة كتبت له حسنة ، فقد هم بها جزما ، لولا ورود المانع الكوني ، ومن هم بسيئة فإن تركها لله ، كتبت حسنة ، وإن تركها لعارض كوني لم تكتب شيئا ، وإن عقد النية الجازمة على اقترافها فعجز عن ذلك لمانع خارجي كتبت له سيئة ، فالجازم في حكم الفاعل في أحكام الثواب والعقاب الأخروي ، وإن لم يكن في حكمه في أحكام الثواب والعقاب الدنيوي .


    بين إصبعين من أصابع الرحمان كقلب واحد : فتلك كناية عن كمال تصرفه ، جل وعلا ، في القلوب إقامة أو إزاغة ، فمن شاء أقامه فضلا ، ومن شاء أزاغه عدلا ، ولا يلزم من التكنية بالأصابع ، نفي حقيقتها الثابتة لله ، عز وجل ، على الوجه اللائق بجلاله ، بلا قياس تمثيل أو شمول ، فهي من صفاته الذاتية الخبرية ، فلا يستقل العقل بإثباتها ، بل ذلك من الجائز ، فلا يوجبه العقل ولا يمنعه إلا إن وقع في قياس التمثيل أو الشمول فقاس وصف الرب ، جل وعلا ، على وصف عباده ، فنفرت نفسه من هذا الإلزام العقلي الباطل الذي ألزم به نفسه ، وليس بلازم ! ، فلا يمنع العقل شيئا ثابتا في هذا الباب بنص صريح إلا أن خاض فيه بقياس عقلي باطل ، فلا تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح الذي يثبت الوصف لكل موجود على وجه يليق بذاته ، فيثبت أوصاف الرب ، جل وعلا ، على الوجه اللائق بذاته القدسية ، ويثبت أوصاف المخلوق على الوجه اللائق بذاته الأرضية ، فالوصف فرع ، والذات أصل ، وللفرع حكم أصله بداهة ، فكما انتفت الشراكة في الحقيقة بين ذات الرب ، جل وعلا ، وذوات العباد ، وإن جمعها كلها اسم ومعنى الذات الكلي المطلق ، فذلك معنى ذهني لا يلزم من إثباته تشبيه إذ لا يمنع تصوره في الذهن وقوع الشركة فيه على وجه لا يلزم منه وقوع الشركة في الخارج ، فكما انتفت الشراكة في الذوات ، انتفت ، أيضا ، في الأوصاف ، لزوما ، فهي الفرع الذي يأخذ حكم أصله ، كما تقدم ، فلا يلزم ، أيضا ، من اشتراكها في الأسماء والمعاني الكلية المطلقة اشتراكها في الحقائق الخارجية ، بل لكل موصوف : وصف يليق بذاته ، والشاهد أن وصف الأصابع من : الجائز العقلي ، فلا يوجبه العقل ولا يمنعه ، فإذا أثبته النص الصحيح : سلم العقل له فهو التابع المقلد في باب الغيب ، والرب ، جل وعلا ، ذاتا وصفات ، أعظم الغيوب ، فلا يدرك العقل كنه ذاته القدسية أو صفاته العلية ، وإن أدرك معانيها الكلية فبالإيمان بها تعلق التكليف الشرعي دون خوض في كنه أو كيف .

    وإذا كان المراد في هذا الحديث : المعنى الكنائي أصالة ، دون نفي للمعنى الحقيقي ، كما اطرد في كلام البلاغيين في حد الكناية ، إذا كان ذلك هو المراد في هذا الحديث ، فإن المعنى الحقيقي قد أريد في نصوص أخر من قبيل حديث ابن عباس رضي الله عنهما : "مَرَّ يَهُودِيٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا يَهُودِيُّ حَدِّثْنَا فَقَالَ كَيْفَ تَقُولُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ عَلَى ذِهْ وَالْأَرْضَ عَلَى ذِهْ وَالْمَاءَ عَلَى ذِهْ وَالْجِبَالَ عَلَى ذِهْ وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى ذِهْ وَأَشَارَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ بِخِنْصَرِهِ أَوَّلًا ثُمَّ تَابَعَ حَتَّى بَلَغَ الْإِبْهَامَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ" ، وفي رواية عند ابن أبي عاصم ، رحمه الله ، في "السنة" : "قال أبو بكر : قلت لأبي الربيع : فضحك تصديقا ؟ قال : نعم ثنا محمد بن المثنى ، ثنا يحيى بن سعيد ، ثنا سفيان بن سعيد ، حدثني منصور ، وسليمان الأعمش ، عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه . قال يحيى : وكان فضيل بن عياض يزيد فيه عن منصور : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لقول الحبر ؟ قال : نعم" ، وفي رواية عند ابن منده ، رحمه الله ، في "كتاب التوحيد" حديث : 510 ، ص361 : "قال يحيى بن سعيد : وزاد فضيل ابن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم تعجبا وتصديقا له" ، فليس في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو فعله أو تقريره : قياس تشبيه ، بل ذلك من جنس ما روى سُلَيْمُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ، إِلَى قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ، يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا ، وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ قُلْتُ ، (أي الحافظ البيهقي ، رحمه الله ، في "الأسماء والصفات") : وَالْمُرَادُ بِالإِشَارَةِ الْمَرْوِيَّةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ تَحْقِيقُ الْوَصْفِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالسَّمْعِ .

    فالمراد : توكيد إثبات الوصف على جهة الحقيقة رفعا لاحتمال المجاز الذي تعلق به مؤولة الصفات ، فهي صفات حقيقية ثابتة للرب ، جل وعلا ، على الوجه اللائق بجلاله ، فمعانيها الكلية من جنس معاني الصفات التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يلزم من ذلك ، كما تقدم ، الاشتراك في الحقائق الخارجية التي تتبع الذات كمالا أو نقصانا ، فللرب ، جل وعلا ، منها أكمل وصف ، فهو اللائق بذاته القدسية ، وللعبد منها ما يليق بذاته الأرضية .

    فهي بين إصبعين من أصابع الرحمان كقلب واحد : فذلك تشبيه مرسل ذكر فيه المشبه به والمشبه وأداة التشبيه ، فهي كقلب واحد ، وذلك ، أيضا ، مئنة من كمال تصرفه ، عز وجل ، فيها ، فهي عنده كقلب واحد ، فكما يسمع العباد جميعا ، ويرزقهم جميعا ، ويحاسبهم جميعا ، ويبعثهم جميعا : فــ : (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) ، يقلب قلوبهم جميعا بأمره الكوني النافذ ، فلا تصدر حركة إرادية باطنة أو فعلية ظاهرة إلا بمشيئته ، جل وعلا ، فيقلب القلوب أصلا والجوارح تبعا في أجناس الإرادات والأقوال والأفعال ، صلاحا بفضله ، أو فسادا بعدله ، فهو خالق الخير والشر معا ، فالأول مراد لذاته يوافق الإرادة الشرعية الحاكمة والإرادة الكونية النافذة ، والثاني مراد لغيره يخالف الشرع وإن وافق القدر ، فلا شيء ، كما تقدم ، من السكنات أو الحركات ، دقت أو جلت ، إلا وقد علمه الرب ، جل وعلا ، أزلا ، وكتبه جزما في كتاب عنده فــ : (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) ، فما فرطنا في الأرزاق أو الهيئات أو الأخلاق أو الأفعال أو الأقوال من شيء ، فتسلط النفي على النكرة في سياق مؤكد بزيادة : "من" التي تفيد التنصيص على العموم ، تسلط النفي على النكرة على هذا الوجه : مئنة من العموم فلا يخرج شيء في الكون عن مشيئته ، جل وعلا ، ثم أخرجه جل وعلا إلى عالم الشهادة خلقا بإرادته النافذة ، فالمخلوق : ذاتا أو معنى ، لا يخرج عن علم وقدرة خالقه ، جل وعلا ، ولا يكون خلقه إلا لحكمة ظاهرة ، كما في خلق الخير ، أو آجلة كما في خلق الشر ، فبه يستخرج ، جل وعلا ، بحكمته البالغة ، من الخير العظيم ما يفوق مفسدته العاجلة ، وتلك عين الحكمة التي اتصف الرب ، جل وعلا ، بها وجوبا نقليا وعقليا ، فالخالق المدبر لا يكون إلا عليما بخلقه ، قديرا على إيجاده حكيما في تدبيره .

    وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : يصرفها كيف يشاء : قيد رافع لإجمال التشبيه ، فحسن الفصل لشبه كمال الاتصال بين المجمل ومبينه ، فوجه الشبه قد لا يظهر لكل مخاطب ، فيتولد في ذهنه التساؤل عنه ، فيأتي الجواب على جهة التذييل المبين ، أو وجه الشبه ، إن صح جعل هذا القيد وجه الشبه ، فيكون التشبيه مرسلا مفصلا ، وتلك أظهر صور التشبيه ، فلا إجمال فيها لاكتمال أركانه والتعقيب بذكر وجه الشبه ، وقد يقال بأن هذه الجملة خبر ثان ، ورد عقيب الخبر الأول إمعانا في البيان ، كما تقدم ، وحسن الفصل ، أيضا ، للتلازم الوثيق بين المبتدأ والخبر ، وإن تعدد ، فلعل ذلك مئنة من كونه : أبلغ في توكيد المعنى من الوصل بالعاطف ، فقولك : محمد شاعر كاتب ، أبلغ في إثبات المعاني التي دلت عليها الأخبار : "شاعر" ، و : "كاتب" ، من قولك : محمد كاتب وشاعر ، فالفصل ، ولو بالواو التي تفيد مطلق التشريك ، نوع تراخ في إثبات المعنى ، فلا يستوي والسياق الذي تذكر فيه المعاني متعاقبة بلا وصل ، فتتابع المعاني بلا فواصل من عواطف رابطة للألفاظ : آكد في تقرير المعاني وإثباتها ، وقد قال بعض أهل العلم باستواء الوجهين فجعل العطف من قبيل تعدد الأخبار ، أيضا ، فهو عنده على ضربين : ضرب ترد فيه الأخبار متعاقبة بلا عاطف ، وآخر ترد فيه متعاقبة موصولة بالعاطف الذي يفيد الاشتراك في حكم الإسناد إلى المبتدأ .
    وقد يقال بأن ذلك من قبيل : التقييد بالحال ، فيكون قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يصرفها كيف يشاء" : حالا مقيدة ، فتقدير الكلام : إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن حال كونه يقلبها كيف يشاء ، ولا تنفك القلوب عن التقليب ، بل قد اشتق اسمها من مادته فهي سريعة التقلب لا تثبت على حال إلا أن يثبتها الرب ، جل وعلا ، فتغلي غلي المراجل وتتقلب تقلب القدور ، فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن دوما ، فالمضارعة في : "يصرفها" : مئنة من التجدد والاستمرار ، فيحدث الرب ، جل وعلا ، من تصاريفه الكونية للقلوب ما يشاء ، فذلك من وصفه الفعلي المتجدد ، فــ : (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ، فيهدي ضالا بفضله ، ويضل مهديا بعدله ، ويغني فقيرا ، ويفقر غنيا ..... إلخ من التصاريف الكونية التي تتقلب فيها البرية ، فالكون ، خاضع لأمر خالقه ، جل وعلا ، فلا يخرج شيء منه عن تصريفه الكوني النافذ .

    ثم ذيل صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدعاء : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك ، فضمن فعل الدعاء "صرف" معنى الفعل : "اصرف" أو "وجه" ، وفي رواية أخرى جاء الفعل على وجهه متعديا بــ : "على" فــ : "يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ" فلا تضمين : فالرب ، جل وعلا ، مصرف القلوب ، فذلك من أسمائه المقيدة الدالة على وصف فعل كوني ثابت له على جهة التجدد ، فيتعلق بمشيئته الكونية النافذة ، وذلك وجه الإتيان باسم الفاعل ، فدلالته الزمانية من دلالة مضارعه ، وإن كان أضعف في العمل ، فليس اسمه : "مصرف القلوب" : اسما مطلقا ليصح التسمي به على جهة التعبيد ، بل هو ، كما تقدم ، من أسمائه المقيدة الدالة على كمال مشيئته ، ففعل التصريف مئنة من كمال القدرة والعلم والحكمة ، كما تقدم ، فصدر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الدعاء بإثبات وصف التصريف المطلق للرب ، جل وعلا ، فذلك من دعاء الثناء بين يدي دعاء المسألة الذي جاء مقيدا بتصريف قلبه على الطاعة ، فيا مصرف القلوب بأمرك الكوني النافذ : صرف قلبي على أمرك الشرعي الحاكم فلا يكون إلا طاعة ، فذلك من التوطئة بوصف الربوبية تذرعا إلى حكم الألوهية على ما اطرد من التلازم الوثيق بينهما ، وبين الوصف : "مصرف" ، وفعل الدعاء : "صرف" : جناس اشتقاقي فمادتهما واحدة ، وذلك آكد في بيان المعنى بظهور العلاقة الوثيقة بين وصف الرب ، جل وعلا ، وما يطلبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو أثر من آثار ذلك الوصف الجليل .

    وفي هذه الأيام الفاضلة خصوصا ، وفي هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن عموما ، لا يجد الإنسان خيرا من هذا الدعاء زادا يتقوى به على مدافعة الشبهات والشهوات ، فكم تقلبت قلوب كان ظاهرها الصلاح ، علم الرب ، جل وعلا ، فيها بعلمه المحيط : مادة فساد خفية ، فاستخرجها بمكره ، فهو خير الماكرين ، فظهر عوار صاحبها ، فبالفتنة تستخرج مكنونات النفوس ، وليس زمان السلامة والقوة الذي يدعي كلٌ فيه الإيمان ، كزمان الابتلاء والضعف الذي تزل فيه أقدام فــ : "يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا" ، وما أكثر من باع دينه في زماننا استرضاء لكافر أو مارق من الديانة ، أو طمعا فيما عنده من لعاعة هذه الدار ، وما أكثر من خذل المؤمنين في زماننا وأسلمهم إلى الكافرين طمعا في رضاهم ، ولن يرضوا ! ، فذلك خبر الوحي الصحيح ، فــ : (لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) ، فالقلوب عموما : متقلبة ، وفي أزمنة الفتن تصير : أشد تقلبا ، ولا يأمن الفتنة على نفسه إلا جاهل ، والجهل سبب رئيس في السقوط في الشبهات التي قد تأتي على أصل الديانة دون أن يشعر صاحبها لعظم جهله ، كمن فقد الإحساس بالألم فقد يبتر عضو من أعضائه ، وهو لا يشعر ! ، وما لجرح بميت إيلام .

    والله أعلى وأعلم .

  2. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (مهاجر) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  3. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 33310

    الجنس : ذكر

    البلد
    السعودية

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : نحوي

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 2

    التقويم : 16

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل22/6/2010

    آخر نشاط:19-10-2014
    الساعة:10:38 PM

    المشاركات
    445

    السيرة والإنجازات

    1431/9/7 هـ
    بارك الله فيك

  4. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (عبود) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  5. #3
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 33558

    الجنس : أنثى

    البلد
    سجن الأرض

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : الأدب والنقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 3

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل11/7/2010

    آخر نشاط:09-11-2010
    الساعة:09:28 PM

    المشاركات
    135
    1431/9/7 هـ
    جزاك الله خيرا

  6. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (معاني) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •