اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: فصل المقال عن الفلسفة والقرآن عند حكيم الزمان

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 17505

    الكنية أو اللقب : ييي

    الجنس : ذكر

    البلد
    فلسطين

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : أقل من جامعي

    التخصص : أدب

    معلومات أخرى

    التقويم : 3

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل9/6/2008

    آخر نشاط:05-08-2011
    الساعة:05:09 PM

    المشاركات
    47

    Post فصل المقال عن الفلسفة والقرآن عند حكيم الزمان

    فصل المقال
    فيما بين فلسفة البشر وحكمة القرآن من الانفصال
    عند الحكيم بديع الزمان

    (1) العدد: 3 (أبريل - يونيو) 2006


    أ.د. طه عبد الرحمن
    / الفلسفة الإسلامية

    تمت قراءة هذه المقالة 5593 مرة


    --------------------------------------------------------------------------------

    نستهل هذا البحث باتخاذ إجراء اصطلاحي أساسي، وهو أن نخصص (من الآن فصاعدا) لفظ «الفلسفة» بالدلالة على المعرفة التي وضعها الإنسان من عنده، فنقول: «الفلسفة الإنسانية»، ولا نقول: «الفلسفة القرآنية»، كما نخصص لفظ «الحكمة» بالدلالة على المعرفة التي جاء بها الوحي من عند الله، فنقول: «الحكمة الإلهية»، ولا نقول: «الحكمة الفلسفية» أو «حكمة الفلاسفة»، ولا بالأوْلى نُطلق اسم «علم الحكمة» على الفلسفة، ولا اسم «الحكماء» على الفلاسفة.(1)

    ولا يخفى أن هذا الإجراء الاصطلاحي يضاد كليا نظيره الذي قام به ابن رشد، فقد خص كلمة «الحكمة» بإفادة معنى «الفلسفة» في مقابل «الشريعة» كما جاء ذلك في عنوان كتابه المعروف: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال؛ ومن شأن تخصيص الفلسفة بالحكمة ومقابلتها بالشريعة أن يوهم بأن الحكمة اجتمعت كلُّها في الفلسفة وأن الشريعة ليس شيء فيها حكمة، بحيث تَرِد على هذا الإجراء شبهة التخليط أو التغليط؛ ولا دفع لهذه الشبهة إلا بتغيير عنوان هذا الكتاب بأحد الطريقين: إما الاستبدال أو التقييد؛ والطريق الأول منهما يقوم في أن نضع لفظ «الفلسفة» مكان لفظ «الحكمة»، فنقول: فصل المقال فيما بين الفلسفة والشريعة من الاتصال، ولا سيما أن المصطلح الذي اختار ابن رشد أن يستعمله في أول كلامه في كتابه هذا هو لفظ «الفلسفة»، وليس لفظ «الحكمة»؛ والطريق الثاني يقوم في أن نخصص طرف الحكمة من طرفَي هذه المقابلة بواسطة الإضافة، فنقول: فصل المقال فيما بين حكمة الفلسفة وحكمة الشريعة من الاتصال أو نخصصه بواسطة الإسناد، فنقول: فصل المقال فيما بين الحكمة الفلسفية والحكمة الشرعية من الاتصال.

    وبعد هذا التوضيح الاصطلاحي الضروري، نتَّبع في عرض موقف بديع الزمان من العلاقة بين «الفلسفة» و «الحكمة» الطريق الذي يُؤثِر هو نفسه اتباعَه في بسط أفكاره وآرائه، لأننا نكون بذلك أقرب إلى فهم هذا الموقف مما لو نحن نتَّبع في ذلك طريقا غيرَه من طرق العرض والإيضاح والتحليل المعلومة؛ وليس هذا الطريق المفضَّل لدى بديع الزمان إلا طريق التمثيل والتشبيه؛ فلنوضح إذن موقفه من هذه العلاقة بتشبيه تمثيلي مخصوص نتأوَّله ونتعرف من خلاله على الصفات التي يتميز بها هذا الموقف؛ وليكن هذا التشبيه كالتالي:

    فكما أن «كوبيرنيك» أحدث انقلابا في تصور العلاقة بين الأرض والشمس،(2) فكذلك بديع الزمان أحدث انقلابا في تصور العلاقة بين الفلسفة والحكمة،
    أو قُل على جهة التشبيه، بين أرض الفلسفة وشمس الحكمة؛ غير أن هذا الانقلاب الجديد أخذ مسارا معاكسا لانقلاب فكري آخر نُعِت هو أيضا بكونه «كوبرنيكيا»، وهو بالذات الانقلاب الذي أحدثه «كانط» في تصور العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف؛(3) فيتعين إذن أن نحدد خصوصية انقلاب بديع الزمان -هذه الخصوصية التي تَثْبُت له معها الصفة «الكوبرنيكية» وتنتفي عنه الصفة «الكانطية»- كما يتعين تحديد نوع الإنسان الذي يتولد من هذا الانقلاب الفكري الجديد.

    ومعلوم أن مفهوم «الانقلاب» أخص من مفهوم «التغيير»، إذ هو تغيير الشيء إلى ضده أو نقيضه، بحيث يكون الموقف من العلاقة بين الفلسفة والحكمة الذي انقلب إليه بديع الزمان مضادا للموقف الذي انقلب منه؛ فلننظر الآن في هذا الموقف المنقلَب منه، حتى نتبين قدر التحوّل الذي سوف يطرأ على فكر صاحبه.

    1. بديع الزمان الفيلسوف والوصل بين الفلسفة والحكمة

    يقر بديع الزمان بأنه اشتغل بالفلسفة مدة وتعلق بها تعلقه بالعلوم العقلية كما اشتغل وتعلق بها غيره من المفكرين،(4) بحيث يصح أن نَعُد هذه الفترة من حياته الفكرية فترة تفلسف صريح جعله يتخذ من العلاقة بين الفلسفة والحكمة نفس الموقف الذي اتخذه فلاسفة الإسلام من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد،(5) وهو، على التعيين، موقف الجمع أو الوصل بينهما، بمعنى أن الفلسفة لا تخالف الحكمة، وإنما توافقها.

    والواقع أننا إذا دققنا النظر في هذا الجمع -أو الوصل- وجدنا أنه يتخذ صورتين اثنتَين: إحداهما، الصورة التي اشتهر بها الكندي والفارابي وابن سينا؛ والثانية، الصورة التي اشتهر بها أبو سليمان السجستاني وابن رشد؛ فلنبسط الكلام في هاتين الصورتين للوصل بين الفلسفة والحكمة.

    1.1. جمع التداخل بين الفلسفة والحكمة:

    إن الصورة الأولى التي اتخذها الجمع بين الفلسفة والحكمة هو أنه عبارة عن تداخل، بمعنى أن الفلسفة والحكمة تدخل إحداهما في الأخرى، فما تقرره الحكمة تثبته الفلسفة وما تدّعيه الفلسفة تؤيده الحكمة، بحيث تنـزلان منـزلة الأختين الشقيقتين؛ ويقوم هذا الوصل التداخلي، حسب ما جاء في نصوص بديع الزمان، على مبدأين أساسيين:

    أحدهما، مبدأ تأسيس النقل على العقل: ومقتضاه أن النقل يُؤوَّل على مقتضى العقل متى ظهر تعارضه معه.

    والثاني، مبدأ التوسل بالعقل في النقل: ومقتضاه أن المفاهيم العقلية تكون وسائط في بيان الحقائق النقلية.

    وقد عَمل بديع الزمان بهذين المبدأين في فترة تفلسفه، إذ يخبرنا أنه كان يقيم الحقائق الإسلامية على أدلة عقلية كما هي طريقة الفلاسفة، داخلا في مناظرة خصومه وخصوم الإسلام.(6) كما نجد أنه كان يلجأ في توضيح المعاني الإسلامية إلى المفاهيم الفلسفية كشأنه مع معنى «العدل»، إذ لجأ في بيانه إلى نظرية «أفلاطون» في الفضائل الأربع -أي العفة والشجاعة والحكمة والعدل- وأيضا إلى نظرية «أرسطو» في مفهوم «الفضيلة» باعتبارها وسطا بين الإفراط والتفريط.(7)

    2.1. جمع التصاحب بين الفلسفة والحكمة:

    أما الصورة الثانية التي اتخذها الجمع بين الفلسفة والحكمة، فهي أنه عبارة عن تصاحب؛ بمعنى أن الفلسفة والحكمة، ولو أنهما تعبِّران عن حقيقة واحدة، تبقيان مستقلتين إحداهما عن الأخرى، إذ تكون لكل واحدة منهما لغتها وجمهورها ومنهجيتها ومقصديتها الخاصة، فتكون العلاقة بينهما علاقة تساوق وترافق أشبه بترافق الصديقتَين؛ والأصل في القول بهذا الوصل التصاحبي هو الاعتقاد بأن الفلسفة تأخذ بمبادئ ثلاثة لا تأخذ بها الحكمة:

    أحدها، مبدأ الاندهاش: ومقتضاه أن فعل التفلسف يتولد من الشعور بالدهشة -أو العجب- إزاء الآثار في النفس أو إزاء الأشياء في الأفق.

    والثاني،مبدأ الاستشكال: ومقتضاه أن الفيلسوف لا يفتأ يضع الأسئلة تلو الأخرى، باحثا عن الأجوبة عنها.

    والثالث، مبدأ الاسـتدلال: ومقتضاه أن الفلسفة تستند في إثبات حقائقها إلى الأدلة العقلية التي قد تبلغ أعلى مراتب اليقين.

    وقد عَمل بديع الزمان بهذه المبادئ الثلاثة، هي الأخرى، في فترة تفلسفه، إذ كان يتمتع بقدرة اندهاشية قَلَّ نظيرها، فلا يرى شيئا في نفسه أو في أفقه إلا ويرى فيه سرا عجيبا ينبغي استكناه أمره؛ وأيضا كانت الأسئلة المصيرية تملك عليه مشاعره وتستحوذ على مداركه، فيشغله طلب الأجوبة عنها طويلا، معاودا النظر فيها، إن تصحيحا أو تعميقا. ولم يكن بديع الزمان يجد من طريق أسلم في استكناه الأمور التي يندهش لها ولا في الجواب عن الأسئلة التي تهجم عليه إلا طريق البرهان العقلي، لكي تطمئن نفسه التي بين جنبيه ويقتنع خصمه الذي بين يديه.

    وعلى الجملة، كان بديع الزمان الفيلسوف كغيره من فلاسفة الإسلام يسلّم بمبدإ الجمع بين الفلسفة والحكمة، سواء اتخذ هذا الجمع شكل التداخل كما عند الفارابي وابن سينا أو شكل التصاحب كما عند ابن رشد.

    2. بديع الزمان الحكيم والفصل بين الفلسفة والحكمة
    ها هنا يجب التنبيه على حقيقة أساسية، وهي أن هذا الجمع بين الفلسفة والحكمة، إذا كان النظر العقلي المجرد يجوِّزه ولا يحيله، فإن الواقع الحي يكذبه ولا يؤيده؛ ذلك أنه حدثَ على مرأى ومسمع من بديع الزمان انقلاب سياسي اجتماعي تصدَّع له التاريخ واهتز له المجتمع وصعق له الإنسان؛ ولم يكن هذا الانقلاب السياسي الاجتماعي إلا أثرا من الآثار التي انعكس بها على المجتمعات الغربية الانقلاب الفكري الذي قامت به الفلسفة الحديثة ضد الحكمة الدينية والذي يمثله خير تمثيل فكر الفيلسوف الألماني «كانط».

    وكان لا بد لهذا التعارض الغريب بين تجويز العقل للجمع بين الفلسفة والحكمة وتكذيب الواقع المعيش له من أن يشغل بال بديع الزمان طويلا ويدعوه إلى مراجعة موقفه الفلسفي وبالتالي إلى تجديدِ النظر فيما تقرر بين فلاسفة الإسلام من أن الفلسفة والحكمة متصلتان اتصالَ تداخلٍ كالشقيقتين أو اتصالَ تصاحبٍ كالصديقتين.

    من هنا يبدأ العهد الجديد لبديع الزمان، إذ يتجرد من لباسـه الفلسفي القديم ليلبس لباسا جديدا، ألا وهـو لباس الحكمة، أو قل ها هنـا نشهد موت بديع الزمان الفيلسوف وولادة بديع الزمان الحكيم،

    (8) ونسوق في هذا المقام نصا بهذا الشأن لا غبار عليه، وهو التالي:

    «راجعت أول ما راجعت تلك العلوم التي اكتسبتها سابقا أبحث فيها السلوة والرجاء؛ ولكن كنت -ويا للأسف!- إلى ذلك الوقت مغترفا من العلوم الإسلامية مع العلوم الفلسفية ظنا مني -ظنا خطأ جدا- أن تلك العلوم الفلسفية هي مصدر الرقي والتكامل ومحور الثقافة وتنور القلب، بينما تلك المسائل الفلسفية هي التي لوثت روحي كثيرا، بل أصبحت عائقة أمام سموي المعنوي».

    «نعم، بينما كنت في هـذه الحالة، إذا بحكمة القرآن المقدسة تسعفني، رحمة مـن العلي القدير، وفضلا وكرما من عنـده سبحانه، فغسلت أدران تلك المسائل الفلسفية، وطهرت روحي منها -كما هو مبين في كثير من الرسـائل-
    إذ كان الظلام الروحي المنبثق من العلوم الفلسفية يغرق روحي ويطمسها في الكائنات، فأينما كنت أتوجه بنظري في تلك المسائل فلا أرى نورا ولا أجد قبسا، ولم أتمكن من التنفس والانشراح

    حتى جاء نور التوحيد الساطع النابع من القرآن الكريم الذي يلقن «لا إله إلا الله»، فمزق الظلام وبدده، فانشرح صدري وتنفّس بكل راحة واطمئنان».(9)

    ويتخذ هذا التحول الجذري في حياة بديع الزمان مظهرين اثنين:

    أحدهما مظهر نقدي والثاني مظهر بنائي.


    1.2. انقلاب بديـع الزمان ونقد الوصـل بين الفلسفة والحكمة؛

    يتجلى المظهر النقدي لهذا التحول في كون بديع الزمان اشتغل بنقد الجمع بين الفلسفة والحكمة في صورتيه الاثنتين: التداخل والتصاحب نقدا مثلَّثا: نقدا منطقيا ونقدا أخلاقيا ونقدا إشاريا؛ ولا عجب في ذلك، فالحكيم أصلا لا يكتفي بالنقد المنطقي للآراء كما يكتفي به الفيلسوف، بل يتعداه إلى النقد الأخلاقي لها، لأنه لا ينظر إليها مجردة، وإنما مقترنة بالعمل، فيقوّمها بحسب أثرها العملي، ثم يرتقي بها درجة، فينظر إليها من جهة قيمتها الجمالية، فيأتي بنقده الإشاري لها.

    فلنبدأ بتوضيح كيف مارس بديع الزمان هذا النقد المثلَّث على الضرب الأول من الوصل بين الفلسفة والحكمة، وهو الضرب التداخلي الذي ينبني، كما تقدم، على مبدأين اثنين هما: «مبدأ تأسيس النقل على العقل» و «مبدأ التوسل بالعقل في النقل».


    1.1.2. نقد التداخل بين الفلسفة والحكمة


    أ. النقد المنطقي:



    يرى بديع الزمان أن مبدأ تأسيس النقل على العقل الذي ينبني عليه جمع التداخل هو عبارة عن ترجيح بغير مرجِّح، ذلك لأن العقل ليس أقل من النقل حاجة إلى التأسيس، ولا يمكن أن يكون هذا التأسيس بطريق العقل نفسه متى كان هذا العقل هو «العقل الدائر بين الناس»(10) ولم يكن عقلا من نوع جديد لا عهد للفلسفة به؛(11) كما أن هذا المبدأ يحمل على تأويل النقل بما يفضي إلى تحريفه، لأن العقل المعلوم ليس له من السعة والتجرد ولا من القدرة على الانطلاق ما يستوجبه فهم هذا النقل.(12)

    ويرى بديع الزمان كذلك أن مبدأ التوسل بمفاهيم العقل في بيان معاني النقل الذي يقوم عليه هذا الضرب الأول من الوصل لا يرفع من شأن النقل، وإنما ينـزل به، لأن فيه إيهاما بأن الأسس العقلية أعمق وأرسخ من الأسس النقلية؛ كما أنه لا يفيد في الظهور على الخصم، لأنه يبقى منحصرا في دفع الاعتراضات بالطريق العقلي المجرد الذي يأخذ به هذا الخصم، ولا يرقى إلى عرض حقائق النقل بالطريق الذي يمتزج فيه العقل بالقلب والذي تختص به هذه الحقائق،(13) هذا إن لم يؤد إلى تزييفها تزييفا كاملا.(14)

    ب. النقد الأخلاقي:



    يؤكد بديع الزمان أن تعاطي المتفلسف لتأسيس النقل على العقل يصيبه بأمراض قلبية، في مقدمتها مرض الغرور، ذلك لأنه يجعل من عقله الناقص والمحدود معيارا للوحي الذي هو كلام لا حد لكماله؛(15) كما يؤكد أن التوسل بالمفاهيم الفلسفية -ولا سيما الطبيعية و «الميتافيزيقية»- في مباحث القرآن يفضي بصاحبه إلى تقديس الطبيعة وترك تقديس خالقها.

    ج. النقد الإشاري:



    إن مَثَل الفيلسوف القائل بالتداخل بين الفلسفة والحكمة عند بديع الزمان كمَثَل من يسلك طريقا في جـوف الأرض -أي نفَقا- أو من يـأوي إلى كهف،(16) فيكون عبارة عن شبح لا يُرى شخصه وإن عُرفت عينه وشُهِد أثره، وينتهي بالهلاك في هذا النفق اختناقا ولَمَّا يُكمِّل سيره، وتكون منـزلته في القرآن -الذي هو معدن الحكمة- منـزلة الضال.(17)

    من ثمَّ، يصبح الفيلسوفان اللذان ذكرهما بديع الزمان بالاسم مرات عديدة، وهما الفارابي وابن سينا معدودَين عنده في زمرة الضالين،(18) إذ كانا يقولان بالتداخل بين الفلسفة والحكمة، وهو قول أشبه بسفسطة النصارى؛ وقد ذهب ابن سينا في العمل بهذا القول إلى أبعد مما ذهب إليه الفارابي؛(19) ولما كان بديع الزمان قد أُعجب بدهائهما واعتقد الصحة في رأيهما، فقد كاد هو نفسه أن يَحار كما ضلَّا لولا أن الله تجلى عليه باسمه «الحكيم»، فأضحى أهدى سبيلا وأقوم قيلا.

    وعلى هذا، فإن العمل بمبدإ تداخل الفلسفة والحكمة يُنتِج إنسانا رقيق الإيمان ضعيف الحجة متعلقا بالظاهر مغترا بنفسه وتائها عن طريقه.

    ولننعطف الآن على الضرب الثاني من الوصل بين الفلسفة والحكمة، وهو الضرب التصاحبي، فنبين كيف مارس عليه بديع الزمان هذا النقد المثلَّث، مع العلم بأن هذا الضرب يقوم على مبادئ ثلاثة هي: «مبدأ الاندهاش» و «مبدأ الاستشكال» و«مبدأ الاستدلال».
    ____________________
    الهوامش:

    (1) الشاهد على أن بديع الزمان يميل إلى مثل هذا التخصيص تقييده في أكثر من موضع اسم «الفلسفة» بوصف «البشرية» كما في قوله: «إن سعيدا القديم والمفكرين قد ارتضوا بقسم من دساتير الفلسفة البشرية»، المكتوبات، ص 569؛ وأيضا حِرصُه على الإشارة إلى أن إطلاق لفظ «الحكمة» على الفلسفة هو من عمل غيره - أي الفلاسفة - كما جاء ذلك في قوله: «أما ما يسمونه بعلم الحكمة، وهي الفلسفة، فقد غرقت في تزيينات حروف الموجودات وظلت مبهوتة أمام علاقات بعضها ببعض، حتى ضلت عن الحقيقة»، الكلمات، ص 143؛ مما يشعر بأن ورود هذا الإطلاق في نصوصه هو من باب التساهل في الاستعمال ومجاراة الغير، لا من باب صحة هذا الاستعمال أو الاقتناع به. (نشير هنا إلى أن تسويد الكلمات في النصوص المنقولة هو من فعلنا).

    (2) «نيقولاوس كوبيرنيك» فلكي بولوني (1473-1543)، اشتهر ببرهنته على دوران الأرض على نفسها وحول الشمس، مبطلا بذلك الرأي القديم الذي يجعل الأرض ثابتة والشمس دائبة الدوران حولها.

    (3) «إيمانوئيل كانط» فيلسوف ألماني (1724-1804)، أثبت دور الذات الفاعل في تشكيل المعرفة الإنسانية، مفندا بذلك النظرية القديمة التي تجعل للموضوع الدور الفاعل في تشكيل هذه المعرفة.

    (4) يقول: «كان سعيد القديم -قبل حوالي خمسين سنة- لزيادة اشتغاله بالعلوم العقلية والفلسفية يتحرى مسلكا ومدخلا للوصول إلى حقيقة الحقائق، داخلا في عداد الجامعين بين الطريقة والحقيقة»، المثنوي العربي النوري، ص29؛ انظر أيضا المكتوبات، ص 569-570.

    (5) الملاحظ أن بديع الزمان لا يذكر الكندي كما يبدو أنه لم يذكر فيلسوف المغرب ابن رشد إلا قليلا جدّا، قد لا يتعدى ذلك المرتين: المكتوبات، ص 249؛ وأيضا الشعاعات، ص 663.

    (6) يقول: «لما كان اشتغال سعيد القديم بعلمي الحكمة [أي الفلسفة] والحقيقة [أي التصوف] ويناظر عظماء العلماء ويناقشهم في أدق المسائل وأعمقها […]، قد لا يُدرَك قسم منها [أي من ترقياته الفكرية وفيوضاته القلبية] -بعد جهد جهيد- إلا الراسخون في العلم»، المثنوي العربي النوري، ص 32.

    (7) إشارات الإعجاز، ص 23-33.

    (8) يعتبر بديع الزمان هذه الولادة الجديدة بمثابة تجل لاسم «الحكيم» من أسماء الله عليه، إذ يقول: «كذلك أخوكم هذا الذي لا يُعد شيئا يذكر، وهو لا شيء، قد وُهب له وضع يجعله يحظى باسم الله (الرحيم) واسم الله (الحكيم) من الأسماء الحسنى. وذلك أثناء ما يكون مستخدَماً لخدمة القرآن فحسب، وحينما يكون منادياً لتلك الخزينة العظمى التي لا تنتهي عجائبها […] فجميع «الكلمات» إنما هي جلوات تلك الحظوة؛ نرجو من الله تعالى أن تكون نائلة لمضمون الآية الكريمة (ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا)»، المكتوبات، ص 23-24؛ كما أنه يؤرخ لهذه الولادة برؤيا صادقة رآها قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، قائلا: «رأيت نفسي تحت جبل آرارات، وإذا بالجبل ينفلق انفلاقا هائلا- فيقذف صخورا عظيمة كالجبال إلى أنحاء الأرض كافة، وأنا في هذه الرهبة التي غشيتني رأيت والدتي - رحمة الله عليها - بقربي، قلت لها: «لا تخافي يا أماه ! إنه أمر الله، إنه رحيم، إنه حكيم»، نفس المصدر، ص 475؛ وفي كلامه عن «التجلي» و «الجبل» إشارة خفية إلى قصة موسى ، إذ سأل ربَّه الرؤية القدسية، فـ﴿تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (الأعراف: 143).
    (9) اللمعات، ص 367-368؛ ويقول أيضا في موضع سابق: «فما كان من «سعيد الجديد» إلا القيام بتمخيض فكره والعمل على نفضه من أدران الفلسفة المزخرفة ولوثات الحضارة السفيهة»، نفس المصدر، ص 176.

    (10) جاء هذا الوصف في قوله: «وشاهدت السُّنن كالجبال المتدلية من السماء، من استمسك ولو بجزئي استصعد واستسعد، ورأيت من خالفها واعتمد على العقل الدائر بين الناس كمن يريد أن يبلغ أسباب السماوات بالوسائل الأرضية فيتحمق كما تحمق فرعون بـ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ (غافر: 36)»، المثنوي العربي النوري، ص 165.

    (11) إذ يقول: «من الأصول المقررة أنه إذا تعارض العقل والنقل، يُعد العقل أصلا ويؤوَّل النقل، ولكن ينبغي لذلك أن يكون عقلا حقا»، صيقل الإسلام، ص 29؛ ويقول أيضا في موضع آخر: «إذا تعارض العقل والنقل، يكون الاعتبار للعقل والتأويل للفكر، لكن يجب أن يكون هذا العقل عقلا».

    (12) يقول: «اعلم أيها المتفلسف المرجح للعقل على النقل، فتؤول النقل، بل تحرف؛ إذ لم يسعه عقلك المتفسخ بالغرور والتغلغل في الفلسفيات […]؛ فعقلك عقالك وبالنقل نقلتك»، المثنوي العربي النوري، ص 190.

    (13) يقول: «ولهذا، لا يتمكنون من إعطاء الصورة الحقيقية للإسلام على تلك الصورة من العمل، إذ يطعّمون شجرة الإسلام بأغصان الحكمة التي يظنونها عميقة الجذور، وكأنهم بهذا يقوون الإسلام؛ ولكن لما كان الظهور على الأعداء بهذا النمط من العمل قليلا، ولأن فيه شيئا من التهوين لشأن الإسلام، فقد تركت ذلك المسلك وأظهرت فعلا أن أسس الإسلام عريقة وغائرة إلى درجة لا تبلغها أبدا أعمق أسس الفلسفة، بل تظل سطحية تجاهها…»، المكتوبات، ص 569-570؛ ويقول أيضا: «فلا تجعل مقايـيس العلوم الإنسانية مِحَكًّا لحقائقهما [أي القرآن والمنـزل عليه القرآن]، ولا تزنهما بميزانها […]؛ ولا تطلب تزكيتهما بها بجعل دساتيرها الأرضية مصداقا على تلك النواميس السماوية.»، المثنوي العربي النوري، ص 348.

    (14) صيقل الإسلام، ص 35-36.

    (15) يقول: «فما أجهل من اغتر بالفنون الفلسفية وصيرها محكا لمباحث القرآن القدسية!»، المثنوي العربي النوري: ص 77؛ ويقول في موضع آخر: «قد شاهدت ازدياد العلم الفلسفي في ازدياد المرض، كما رأيت ازدياد المرض في ازدياد العلم العقلي؛ فالأمراض المعنوية توصل إلى علوم عقلية، كما أن العلوم العقلية تولد أمراضا قلبية»، نفس المصدر، ص 158.

    (16) انظرْ كيف أن لِرمز «الكهف» عند بديع الزمان الحكيم مدلولا هو عكس مدلول «المغارة» عند «أفلاطون» ومدلول «القَبْوُ» عند «ديكارت»؛ فالنازل في المغارة عند «أفلاطون» هو الإنسان الجاهل الذي لا يعرف من الأشياء إلا ظلالها في مقابل الفيلسوف الذي يعرف أعيان الأشياء ذاتها (محاورة الجمهورية، الكتاب السابع)، وهو عند «ديكارت» الإنسان الأعمى الذي يعيش في الظلام الدامس في مقابل الفيلسوف الذي يعيش في النور الساطع (مقال في المنهج، الجزء السادس)، بينما هو عند بديع الزمان الإنسان الفيلسوف نفسه، هذا الذي يَعدّه «أفلاطون» العارف بحق ويعدّه «ديكارت» البصير بحق.

    (17) يقول: «وهكذا، فالطريق الأول هو طريق الضالين المشار إليه بـ(الضالين)، وهو مسلك الذين زلوا إلى مفهوم «الطبيعة» وتبنوا أفكار الطبيعيين…»، الكلمات، ص 650. ويقول (ولا الضَّالين) فالمراد منه: الذين ضلوا عن الطريق بسبب غلبة الوهم والهوى على العقل والوجدان. إشارة الإعجاز للنورسي، ص 36.

    (18) يقول: «إن تلك الأرض هي «الطبيعة» و«الفلسفة الطبيعية». أما النفق فهو المسلك الذي شقه أهل الفلسفة بأفكارهم لبلوغ الحقيقة؛ أما آثار الأقدام التي رأيتها فهي لمشاهير الفلاسفة كأفلاطون وأرسطو؛ وما سمعته من أصوات هو أصوات الدهاة كابن سينا والفارابي… نعم كنت أجد أقوالا لابن سينا وقوانين له في عدد من الأماكن، ولكن كانت الأصوات تنقطع كليا، بمعنى أنه لم يستطع أن يتقدم، أي أنه اختنق»، الكلمات، ص 648.

    (19) إشارات الإعجاز، ص 36.

    --------------------------------
    (*) كلية الآداب، جامعة محمد الخامس - المغرب.

    .
    اعلم يقيناً أن اسمى غاية للخلق، واعظم نتيجة للفطرة الانسانية.. هو (( الايمان بالله )).. واعلم ان أعلى مرتبة للانسانية، وافضل مقام للبشرية.. هو (( معرفة الله )) التي في ذلك الايمان.. واعلم ان أزهى سعادة للانس والجن، وأحلى نعمة.. هو (( محبة الله )) النابعة من تلك المعرفة.. واعلم أن اصفى سرور لروح الانسان، وانقى بهجة لقلبه.. هو (( اللذة الروحية )) المترشحة من تلك المحبة.
    .
    بديع الزمان النورسي
    .


  2. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 17505

    الكنية أو اللقب : ييي

    الجنس : ذكر

    البلد
    فلسطين

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : أقل من جامعي

    التخصص : أدب

    معلومات أخرى

    التقويم : 3

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل9/6/2008

    آخر نشاط:05-08-2011
    الساعة:05:09 PM

    المشاركات
    47

    ...........
    ولننعطف الآن على الضرب الثاني من الوصل بين الفلسفة والحكمة، وهو الضرب التصاحبي، فنبين كيف مارس عليه بديع الزمان هذا النقد المثلَّث، مع العلم بأن هذا الضرب يقوم على مبادئ ثلاثة هي: "مبدأ الاندهاش" و"مبدأ الاستشكال" و"مبدأ الاستدلال".

    2.1.2. نقد التصاحب بين الفلسفة والحكمة

    أ- النقد المنطقي:

    فبالنسبة لمبدإ الاندهاش الفلسفي، الصواب أن الفلسفة لا تصدر عن الشعور بالعجيب الخارق، وإنما عن الشعور بالغريب الشاذ؛(1) وشتان بين الشعورين، فالأول مداره على كمال الخلقة الذي في الأشياء، بينما مدار الثاني على نقص الخلقة الذي فيها؛ والدليل على ذلك أن الفلسفة لا تتأمل المألوفات، بل تحسب كل مألوف معلوما، بل إن أكثر معلوماتها مبنية على المألوف والعادي، وليس على المعجز والخارق.(2)
    وأما عن مبدإ الاستشكال الفلسفي، فالصواب أنه غير مضبوط في مقاصده المتعلقة بالكائنات، فيقع في الخبط والانتشار في كل اتجاه؛ كما أنه غير مشفوع بالجواب المطلوب، فيقع صاحبه في الحيرة البالغة، بل في العذاب الشديد.(3)
    وأما عن مبدإ الاستدلال الفلسفي، فالصواب أنه سلسلة من القضايا التي يتهددها الوهم على الدوام؛ فلو فرضنا أننا نريد أن ندفع عنها هذا التهديد، فحينئذ يلزم أن نستدل على كل قضية من هذه القضايا بسلسلة أخرى من القضايا يتهددها بدورها الوهم، وهكذا دواليك؛ فلا نكاد ندفع الوهم عن سلسلة حتى نجلبه إلى سلاسل من دونها بلا انقطاع.(4)

    ب - النقد الأخلاقي:


    لما كان الاندهاش الفلسفي في أصله استغرابا، ولم يكن أبدا استعجابا، أوقع المتفلسف في محذورَين:
    أحدهما، سد طريق الاعتبار: إذا كانت الفلسفة لا تتعجب من العاديات والمألوفات، فإنها لا تمكِّن صاحبها من استخراج العِبر والعظات منها.
    والثاني، فتح طريق النكران: إذا كانت الفلسفة تُلقي بغطاء الإلفة على الأشياء، فإنها تحول دون معرفة القدرة الإلهية والإقرار بأفضالها غير المتناهية.
    ولما كان الاستشكال الفلسفي تساؤلا غير منضبط، أفضى إلى أمرين كلاهما حرمان هالك:
    أحدهما، فقدان سر التوحيد: إن كثرة الأسئلة بدون مقاصد موجِّهة ولا أجوبة مُرْضية تدل على أن صاحبها محروم من سر التوحيد، إذ إنه لو كان متحققا بهذا السر، لدارت أسئلته على مقاصد محددة، وظفر بالأجوبة عليها ضمن هذه المقاصد التوحيدية.(5)
    والثاني، فقدان الشعور بالسعادة: إذا لم يجد المتفلسف أجوبة على أسئلته المتفرقة ولا استجابة لمطالبه المتباينة، فلا بد من أن يشقى شقاء عظيما.(6)
    ثم لما كان الاستدلال الفلسفي سلسلة مهددة بالوهم، أفضى إلى أمرين كلاهما شر بالغ:
    أحدهما، التعلق بالأسباب دون المسبِّب: تقتصر الفلسفة في استدلالاتها على الكائنات دون المكوِّن سبحانه، أي باصطلاح بديع الزمان تأخذ بالنظر الاسميّ، لا الحرفي؛(7) يلزم على ذلك أنها تُوقِع المشتغل بها في عبادة الأسباب.(8)
    والثاني، التعلق بالذات دون غيرها: كما ينظر المتفلسف من الكائنات إلى أسبابها الطبيعية، فكذلك ينظر إلى نفسه نفس النظر الاسمي؛(9) يلزم من ذلك أنه يقع في عبادة النفس.(10)

    ج- النقد الإشاري:


    إن مَثَل الفيلسوف القائل بالتصاحب بين الفلسفة والحكمة عند بديع الزمان كمَثَل من يسلك طريقا على وجه الأرض في صحراء شاسعة، فتأتيه الأهوال من كل جانب بين غضب البحر وتهديد العاصفة وظلمة السماء، فتصيِّره أشلاء مبعثرة على حافة الطريق، وتكون منـزلته في القرآن الحكيم منـزلة "المغضوب عليهم".(11)
    وإذا قارنا بين هذا النقد الإشاري للتصاحب والنقد الإشاري السابق للتداخل، تبيَّن أن القائل بالتصاحب أسوأ حالا من القائل بالتداخل، ذلك أن في سلوك الأول لطريق فوق الأرض، أي طريق تحت السماء -التي هي رمز الوحي- وتحت الشمس -التي هي رمز النور-، إشارةً إلى أن تحديه لربوبية الحكيم يزيد درجات عن غرور الثاني؛ فهذا لا يسلك إلا طريقا تحت الأرض، لا يرى فيه شمسا ولا سماء؛ كما أن في إلقاء البحر أشلاء الأول على جانب الطريق إشارةً إلى أن عمله أشبه بعمل فرعون، فاستحق أن يلقى نفس المصير موتا واعتبارا،(12) بينما لا نظفر من الثاني إلا بشبح، فلا يكون عبرة للناس ببدنه، وإنما بآثاره وحدها.
    من ثمَّ، يصبح الفيلسوف المشائي الكبير الذي لم يرد اسمه على لسان بديع الزمان إلا قليلا، وهو: ابن رشد، معدودا عنده في زمرة المغضوب عليهم،(13) إذ كان يقول بالتصاحب بين الفلسفة والحكمة ويعمل على مقتضاه، وهو عمَلٌ فَسق به فسوقا أشبه بتمرد اليهود؛(14) ولما كان بديع الزمان قد انخدع بدهائه هو الآخر -على حد تعبيره- واعتقد الصحة في رأيه، كاد أن يتعرض هو نفسه لغضب الله لولا أن الله تجلى عليه باسمه "الرحيم"، فهداه الصراط المستقيم.
    وعلى هذا، فإن العمل بمبدإ تصاحب الفلسفة والحكمة يُنتج إنسانا غير بصير ولا معتبِر ولا معترف ولا سعيد ولا ناج.
    وبعد أن أنهينا الكلام عن الجانب النقدي في الموقف الانقلابي الذي اتخذه بديع الزمان من العلاقة بين الفلسفة والحكمة، نمضي إلى بيان عناصر الجانب البنائي في هذا الموقف الجديد.


    2.2. انقلاب بديع الزمان والقول بالفصل بين الفلسفة والحكمة؛

    يتمثل الجانب البنائي من هذا الانقلاب الفكري في كون بديع الزمان يستبعد كلا الجمعين المذكورين بين الفلسفة والحكمة -أي جمع التداخل وجمع التصاحب- ويأخذ بضده، أي يأخذ بفصل أو تفريق مخصوص بينهما، متوسلا في ذلك بآلية خطابية محددة.

    1.2.2. الفصل الاستتباعي بين الفلسفة والحكمة:
    يستبعد بديع الزمان جمع التداخل الذي يُنـزل الفلسفة والحكمة رتبةً واحدة ما لم تتعارضا، ويأخذ بتفريق -أو فصل- في الرتبة بينهما ولو لم تتعارضا، ممارسا آلية القلب على المبدأين اللذين يتقوَّم بهما هذا الجمع، أي "مبدإ التأسيس العقلي للنقل" و"مبدأ التوسل بالعقل في النقل"؛ ومقتضى القلب، كما هو معروف، تغيير الرتبة، فإن كان الشيء مقدَّما، صيَّره مؤخَّرا، وإن كان مؤخرا، صيّره مقدما؛ وحينئذ، يصبح المبدآن اللذان ينبني عليهما هذا الفصل هما بالذات: "مبدأ التأسيس النقلي للعقل" و "مبدأ التوسل بالنقل في العقل"؛ وبيان ذلك كما يلي:

    أ- مبدأ تأسيس العقل على النقل:

    يذهب بديع الزمان إلى أن العقل -أي العقل الدائر بين الناس- والنقلَ -أي النقل في معناه الأعم- كليهما يحتاج إلى التأسيس، ولا يمكن أن يأتي التأسيس من هذا العقل الناقص كما لا يمكن أن يأتي من النقل العام، بل لا بد من طريق ثالث لا يكون فيه نقصان العقل ولا عموم النقل، بل يجمع إلى العقل الأكمل النقل الأخص؛ وليس هذا الطريق الثالث إلا القرآن الحكيم، ففيه من أسباب كمال العقل ما يؤهله لتأسيس العقل الدائر بين الناس، وفيه من أسباب خصوصية النقل ما يؤهله لتأسيس النقل عامة.(15)

    ب- مبدأ التوسل بالنقل في العقل:

    يذهب بديع الزمان إلى أن العقل -وتمثله الفلسفة البشرية خير تمثيل- لا يقدر على أن ينفع الناس وأن يحقق لهم السعادة حتى يتوسط بالنقل -ويمثله الوحي الإلهي أفضل تمثيل-؛ وبدون هذا التوسط، لا يخلو العقل من أسباب النفع والإسعاد فحسب، بل ينقلب بالضرر على الإنسان ويبلغ فيه هذا الضرر أقصاه،(16) لأنه لا مفر من أن يضل الطريق ويتعرض لغضب الله.
    وبهذا، يصير النقل -ممثَّلا بحكمة القرآن- هو الأصلَ، والعقلُ -ممثَّلا بفلسفة البشر- هو الفرع متى ثبتت موافقته لما جاء به النقل؛ لذا، جاز أن نسمي التفريق -أو الفصل- في الدرجة بين الحكمة والفلسفة الذي قابل به بديع الزمان الوصل التداخلي بينهما باسم "التفريق - أو الفصل – الاستتباعي"، حيث إن الفلسفة تصبح تابعة للحكمة وخادمة لها؛(17) وهذا بالذات ما يستفاد من تمييز بديع الزمان بين الفلسفة النافعة والفلسفة الضارة في رسالة موجهة إلى طلاب الفلسفة الحديثة(18) الذين أقبلوا على رسائل النور؛ فبصرف النظر عن الاعتبارات الظرفية التي قد تدعوه إلى مثل هذا التمييز كرغبته في استمالة هؤلاء الطلاب المتفلسفة وتشجيعهم على المضي في قراءة هذه الرسائل واتقاءِ شر الخصوم، فإنه يجعل الفلسفة النافعة خادمة لحكمة القرآن كما لو كانت متفرعة عليها، نظرا لأنها "تخدم الحياة الاجتماعية البشرية، وتعين الأخلاق والمثل الإنسانية، وتمهد السبل للرقي الصناعي".(19)
    ومن شأن العمل بهذا الفصل الاستتباعي أن يُخرج لنا إنسانا راسخ الإيمان قوي الحجة ناكرا لذاته غير متعلق بالظاهر ولا تائها عن الطريق، أو قل بإيجاز إنسانا مَهديا.

    2.2.2. الفصل الاستبدالي بين الفلسفة والحكمة:

    يستبعد بديع الزمان أيضا جمع التصاحب بين الفلسفة والحكمة، ويأخذ بتفريق -أو فصل- في النوع (أو الطبيعة) بينهما، ممارسا لآلية الاستبدال عليهما؛ ومقتضى الاستبدال هنا هو جعل الشيء بدلا من غيره، بحيث يصير البدل قائما بوظائف المُبدَل منه على أحسن وجه؛ وحينئذ، تصبح الحكمة عند بديع الزمان بديلا عن الفلسفة، ناهضة على أفضل وجه بالمبادئ الثلاثة التي تدعي الفلسفة الاختصاص بها، أي "مبدأ الاندهاش" و"مبدأ الاستشكال" و"مبدأ الاستدلال"؛ وتوضيح ذلك كما يلي:

    أ- مبدأ الاندهاش:

    يرى بديع الزمان أن الصورة الأبلغ والأكمل لمبدإ الاندهاش تتحقق في حكمة القرآن المبين، وذلك من وجهين:
    أن القرآن يخرق ستار العادة المسدول على الأشياء في أنفسنا وفي الآفاق من حولنا، فيجعلنا نتعجب من الأسرار المودعة فيها ونكتشف ما تنطوي عليه من خوارق القدرة الإلهية وعجائبها العظيمة.
    أن القرآن كلام معجز، ومعلوم أنه لا صفة أبلغ من "الإعجاز" في إثارة الاندهاش، فما بالك إذا كان إعجازا من قبيل الإعجاز القرآني! فعندئذ، لا بد أن يبلغ اندهاش المرء نهايته.
    وعلى هذا، فإذا كان التفلسف، كما قيل، يبدأ بالاندهاش، فإن الاندهاش الذي هو بداية الحكمة ليس فوقه اندهاش، حيث إنها تحظى به في تأمل إعجاز القرآن الداعي إلى منتهى الاندهاش، بما أنه هو مَجْلى اسم الحكيم من أسماء الله الحسنى؛ ومن هنا، ندرك لِمَ بدأ بديع الزمان مساره في الحكمة بالاشتعال ببيان إعجاز القرآن، عملا بالرؤية الصادقة التي رآها، وهي رؤية انفلاق الجبل المذكورة أعلاه، إذ جاءه فيها شخص عظيم بِأمر مخصوص، قائلا: "بيِّن إعجاز القرآن".(20)

    ب- مبدأ الاستشكال:

    يرى بديع الزمان أن الصورة الأصح والأتم لمبدإ الاستشكال تتحقق هي الأخرى في حكمة القرآن، وذلك من وجهين هما:
    • أن القرآن يحدد أفضل نطاق يمكن أن توضع فيه الأسئلة، ذلك أن السؤال لا يستقيم إلا إذا دار على مقصد مخصوص، والقرآن له مقاصد أصلية هي: "التوحيد" و"الوحي" و"الآخرة" و"الاستقامة" أو بتعبير بديع الزمان، "إثبات الصانع" و"النبوة" و"الحشر" و"العدالة"؛(21) فما من آية من آياته البينات إلا وتتعلق بمقصد واحد أو أكثر من هذه المقاصد الأربعة، بل إن الآية الواحدة، على قِصَرها، قد تشتمل عليها جميعها، نازلة بذلك منـزلة القرآن كله؛ وأما ما جاء فيه من مقاصد أخرى تتصل بالكائنات وخصائصها، فهو تابع لهذه المقاصد الأربعة وخادم لها؛ وعلى هذا، ينبغي أن تدور أسئلة الحكيم على هذه المقاصد وحدها، ولا تخرج إلى التساؤل عن الخواص الطبيعية للموجودات إلا أن يكون ذلك بغرض تبيُّن هذه المقاصد الأصلية من ورائها.
    أن القرآن يجيب على أفضل وجه عن الأسئلة الموضوعة، فقد تقدم أن هذه الأسئلة ينبغي أن تتعلق بالمقاصد الأربعة المذكورة، أي أن تكون كالتالي: "من أين؟ وبأمر من تأتون؟ مَن سلطانكم ودليلكم وخطيبكم؟ وما تصنعون؟ وإلى أين تصيرون؟"؛(22) والقرآن هو وحده القادر على إيراد الأجوبة الصحيحة على مثل هذه الأسئلة والتي تكون شفاء لما في الصدور.

    ج- مبدأ الاستدلال:

    يرى بديع الزمان أن الصورة الأشمل والأيقن لمبدإ الاستدلال تتحقق هي الأخرى في القياس التمثيلي الذي تأخذ به حكمة القرآن، وذلك من الوجوه الآتية:
    أن هذا القياس يفيد في إقناع كافة الناس ولا يقتصر على فئة معدودة منهم، كما أنه يتسع لفنون مختلفة ولا ينحصر في فن واحد منها،(23) نظرا لأنه يُلْبس الحقائق المخبَر بها لباس مألوفات الجمهور ومتخيلاته، ولا يكلفه إدراكَها على صورتها المجردة.(24)
    أنه يُمكِّن من تحصيل منظور تقريـبيّ لِما يجاوز طور العقل المجرد من الحقائق الإلهية وشؤون الربوبية،(25) فيكون أقدر من هذا العقل.
    أنه يؤمِّن طاعة الخيال للعقل، فيحُدُّ من تشكيكاته وتهويماته التي تتهدد عادة استدلالاته غير التمثيلية،(26) فيكون أقوى من هذه الاستدلالات.
    أنه يجمع بين الطريقين الإدراكيين المتقابلين للإنسان، وهما: طريق العقل وطريق الوجدان،(27) فيكون استدلالا متكاملا.
    أنه يُثبِت قانونا كليا بإظهار حالة خاصة منه في صورة مثال جزئي؛(28) ومعنى هذا أن المثال عند بديع الزمان ليس مجرد شيء مشابه للشيء المُمَثَّل، بل يحكمه نفس القانون الذي يحكم هذا الشيء، بحيث يكون التمثيل عنده أقرب إلى الاستقراء منه إلى الاستنباط (أو القياس الجامع).(29)
    ومما تقدم، يتبين أن الحكمة لا يمكن أن تجتمع مع الفلسفة، لأن الخير والحق يصيران كلَّهما في جانب الحكمة والشرَّ والباطلَ يصيران كلَّهما في جانب الفلسفة، فتكونان متباينتين تباين النوعين؛ لذا، صح أن نسمي هذا الفصل النوعي بينهما باسم "الفصل الاستبدالي"،(30) إذ تصبح الحكمة البديل الذي لا غنى عنه.

    ومن شأن العمل بهذا الفصل الثاني أن يُخرج لنا إنسانا متبصرا ومعتبرا ومعترفا وسعيدا وناجيا، أو قل إنسانا مَرْضيا عليه.
    وإذا اجتمعت للإنسان الهداية والرضى، كان إنسانا منعَما عليه؛ فإذن الحكيم الذي يختص بكونه يجعل الحكمة تسود الفلسفة، بل يجعلها تستغني كليا عن خدمة الفلسفة يكون حقّا من أولئك الذين أنعم الله عليهم.
    وخلاصة القول من هذا التحليل لموقف بديع الزمان من العلاقة بين الفلسفة والحكمة هي أن بديع الزمان انقلب من حال الفيلسوف الذي يوافق فلاسفة الإسلام في القول بالوصل بين الفلسفة والحكمة، إما وصْل تداخل يجلب الضلالة أو وصْل تصاحب يجلب غضب الله، إلى حال الحكيم الذي يقول بضرورة الفصل بينهما، إما فصلا استتباعيا يجلب الهداية، فتكون الفلسفة في خدمة الحكمة، أو فصلا استبداليا يجلب رضى الله، فتكون الحكمة بديلا عن الفلسفة.
    وواضح أن هذا الانقلاب انقلاب "كوبيرنيكي" بحق؛ فبعد أن كانت الفلسفة تُعَدّ موصولة بالحكمة، صارت تُعَدّ مفصولة عنها؛ وبعد أن كانت الفلسفة تستتبع الحكمة في حالة الاختلاف بينهما، أصبحت الحكمة هي التي تستتبع الفلسفة في حالة الاتفاق بينهما؛ وبعد أن كانت الفلسفة تضاهي الحكمة وجودا، أضحت لا تضاهيها في هذا الوجود، بل أضحت تفقده بوجود الحكمة.
    وحينئذ، لا نستغرب أن يلح بديع الزمان أيما إلحاح على وجود طورين متضادين في حياته: سعيد القديم وسعيد الجديد؛ ولذا، نعتقد أن العناصر التي تفرِّق بين هذين الطورين ينبغي البحث عنها في الموقفين المتعارضين اللذين وقفهما من العلاقة بين الفلسفة والحكمة، بحيث يكون الوصل بينهما هو المعيارَ الذي نحدد به فكر سعيد القديم ويكون الفصل بينهما هو المعيار الذي نحدد به فكر سعيد الجديد.
    لكن هذا الانقلاب "الكوبيرنيكي" هو نقيض للانقلاب "الكوبيرنيكي" الذي قام به "كانط"؛
    فإذا كان "كانط" قد جعل الحكمة تابعة للفلسفة في حال اتفاقهما، فإن بديع الزمان، على العكس من ذلك، يجعل الفلسفة تابعة للحكمة في الحال ذاته؛ وإذا كان "كانط" قد جعل الفلسفة بديلا عن الحكمة في حال تعارضهما، فإن بديع الزمان، على العكس من ذلك، يجعل الحكمة بديلا عن الفلسفة في الحال ذاته.


    ومن هنا، يظهر جليّا أن البعد الذي يكتسبه إنتاج بديع الزمان لا ينحصر في تركيا حيث آثار الفلسفة "الكانطية" قد فعلت فعلها وبدَّلت قِيَم أهلها تبديلا،

    ولا هو ينحصر في الأمة الإسلامية التي تفككت أوصالها وفقدت وِجهتها،

    وإنما يتعدى ذلك إلى العالم بأسْره لِيُنقذ الإنسان، خاصِيَّه وعامِيَّه،
    من سلطان فكر فلسفي أضرَّ بوجوده في هذا العالم؛
    ومن كان هذا عمله،
    فما أجدر به أن يُعدَّ في
    حكماء العالم
    الذين رفعوا همة الإنسان إلى الاضطلاع بأمور روحه كاضطلاعه بأمور جسمه، ومهّدوا الطريق إلى تجديده،
    فاستوى إنسانا آخر في عالم آخر.
    ________________
    الهوامش:
    (1) "إن الفلسفة التي توصَّل إليها الإنسان تحجب معجزات القدرة الإلهية وخوارق رحمته تعالى بستار العادات، فلا ترى دلائل الوحدانية المضمرة تحت تلك العاديات وتلك النعم الجليلة، ولا تبينها ولا تدل عليها، بينما إذا ما رأت ما هو خارج عن العادة من جزئيات خاصة، تتوجه إليه وتهتمّ به"، الملاحق، ص 358.
    (2) يقول: "أما حكمة الفلسفة، فهي تخفي جميع معجزات القدرة الإلهية وتسترها تحت غطاء الإلفة والعادة"، الكلمات، ص 150.
    (3) يقول: "إذا تخبط ذلك العقل في وحل الضلالة والكفر، فإنه يصبح آلة تعذيب ووسيلة إزعاج، بما يجمع من آلام الماضي الحزينة ومخاوف المستقبل الرهيبة"، الشعاعات، ص 19.
    (4) يقول: "إن الفرق بين طريقِي في "قطرة" المستفادة من القرآن وطريق أهل النظر والفلاسفة هو أني أحفر أينما كنت، فيخرج الماء؛ وهم تشبثوا بوضع ميازيب وأنابيب لمجيء الماء من طرف العالم ويُسلسلون سلاسل وسلالم إلى ما فوق العرش لجلب ماء الحياة، فيلزم عليهم بسبب قبول السبب وضع ملايين من حفظة البراهين في تلك الطريق الطويلة لحفظها من تخريب شياطين الأوهام"، المثنوي العربي النوري، ص 170.
    (5) يقول: "وبسر التوحيد [...]، ينكشف السر المغلق للأسئلة المحيرة: من أين يأتي سيل الموجودات وقافلة المخلوقات؟ وإلى أين المصير؟ ولم جاء؟ وماذا يعمل؟…"، الشعاعات، ص 14.
    (6) "فلولا التوحيد لأصبح الإنسان أشقى المخلوقات وأدنى الموجودات وأضعف الحيوانات وأشد ذوي المشاعر حزنا وأكثرهم عذابا وألما."، الشعاعات، ص 18.
    (7) يقول: "فالنظرة القرآنية إلى الموجودات تجعل الموجودات حروفا، أي إنها تعبر عن معنى في غيرها، بمعنى أنها تعبر عن تجليات الأسماء الحسنى والصفات الجليلة للخالق العظيم المتجلية في الموجودات؛ أما نظرة الفلسفة -المادية- الميّتة فتنظر في الأغلب بالنظر الاسمي إلى الموجودات، فتزل قدمها إلى مستنقع الطبيعة."، الملاحق، ص 90.
    (8) "أما الفلسفة، فإنما تنظر من الموجودات إلى وجوهها الناظرة إلى أنفسها وأسبابها"، المثنوي العربي النوري، ص 77.
    (9) الكلمات، ص 646.
    (10) "إن أهل الضلالة في هذا العصر قد امتطوا "أنا"، فهو يجوب بهم في وديان الضلالة؛ فأهل الحق لا يستطيعون خدمة الحق إلا بترك "أنا"، وحتى لو كانوا على حق وصواب في استعمالهم "أنا"، فعليهم تركه، لئلا يشبهوا أولئك، إذ يكونون موضع ظنهم أنهم مثلهم يعبدون النفس"، المكتوبات، ص 549.
    (11) "والطريق الثاني المشار إليه بـ ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، فهو مسلك عبدة الأسباب والذين يحيلون الخلق والإيجاد إلى الوسائط ويسندون إليها التأثير، ويريدون بلوغ حقيقة الحقائق ومعرفة واجب الوجود عن طريق العقل والفكر وحده كالحكماء المشائين"، الكلمات، ص 650.
    (12) وذلك مصداقا للآية الكريمة: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ (يونس: 92).
    (13) تحاشى بديع الزمان أن يذكر ابن رشد باسمه -على خلاف ما فعل مع الفارابي وابن سينا- ولكنه نبه عليه بالصفة التي اشتهر بها، وهي "المشائي"، إذ هو شارح "أرسطو" الأكبر؛ ولا نريد أن نخوض هنا في الأسباب التي تكون قد دعته إلى هذا التكتم، وإنما يكفي أن نقول بأنه يجوز أن يفعل ذلك، إشفاقا عليه ورفقا بأتباعه المعاصرين.
    (14) إشارات الإعجاز، ص 36.
    (15) يقول: "القرآن المبين أسمى وأغنى من أن يفتقر إلى تزكية العقل والنقل اللذين ألقيا إليه المقاليد، لأنه إن لم يزكهما، فشهادتهما لا تُسمَع"، صيقل الإسلام، ص 36.
    (16) يقول: "فمتى استجارت الفلسفة بالدين وانقادت إليه وأصبحت في طاعته، انتعشت الإنسانية بالسعادة وعاشت حياة اجتماعية هنيئة؛ ومتى انفرجت الشقة بينهما وافترقتا، احتشد النور والخير كله حول سلسلة النبوة والدين وتجمعت الشرور والضلالات كلها حول سلسلة الفلسفة"، الكلمات، ص 639.
    (17) لِتلاحظ أن الفصل الاستتباعي بين الحكمة والفلسفة، لما كان فصلا في الدرجة فحسب، جاز أن تجتمع فيه الحكمة والفلسفة اجتماع التابع مع المتبوع، بحيث يكون وضعه المنطقي أشبه بوضع ما يُسمى بـ"رابط الفصل الجامع"، وهو الفصل الذي يمكن أن يصدق فيه الطرفان المفصولان معا؛ ولا ينفع الاعتراض بأنه نوع من الوصل التداخلي، ذلك لأنه لا يشارك هذا الوصل إلا في هذه الحال من حالات الصدق، ويختلف عنه في إمكان أن يصدق بصدق أحد المفصولين دون الآخر، أو قل بإيجاز إن الجمع الذي يكون مع تخيير ليس كالجمع الذي لا تخيير معه.
    (18) يرى بديع الزمان أن الفلسفة الحديثة أقل ضررا من الفلسفة القديمة، لأنها أكثر منها أخذا بأسباب العقل والنقد والعلم؛ انظر صيقل الإسلام، ص 41، وأيضا ص 35-36.
    (19) الملاحق، ص 286-287.
    (20) المكتوبات، ص 475؛ الملاحق، ص 183.
    (21) إشارات الإعجاز، ص 24؛ صيقل الإسلام، ص 120.
    (22) صيقل الإسلام، ص 29؛ وأيضا، إشارات الإعجاز، ص 23.
    (23) صيقل الإسلام، ص 320.
    (24) صيقل الإسلام، ص 59.
    (25) المكتوبات، ص 376.
    (26) يقول: "ولقد أكثر القرآن الكريم من التمثيلات إلى أن بلغت الألف، لأن في التمثيل سرا لطيفا وحكمة عالية، إذ به يصير الوهم مغلوبا للعقل والخيال مجبورا للانقياد للفكر..."، إشارات الإعجاز، ص 113.
    (27) إشارات الإعجاز، ص 126.
    (28) الكلمات، ص 735-736.
    (29) معلوم أن فقهاء العلم اختلفوا كثيرا في تحديد البنية المنطقية لقياس التمثيل، فبعضهم جعلها بنية مستقلة وبعضهم جعلها أشبه ببنية الاستقراء في حين جعلها غيرهم أشبه ببنية الاستنباط، ورأينا أنها بنية كبرى مركبة من بنيتين فرعيتين: بنية استقرائية وبنية استنباطية، انظر التفاصيل في كتابنا: تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، بيروت، ص 65-66.
    (30) لِتلاحظ أن الوضع المنطقي للفصل الاستبدالي أشبه بوضع ما يُسمى بـ "رابط الفصل المانع" (أو "الفصل الاستبعادي")، ومعلوم أن هذا الرابط لا يصدق إلا بصدق أحد المفصولين دون الآخر.
    ــــــــــــــــــــــ
    (*) كلية الآداب، جامعة محمد الخامس - المغرب.

    المصدر :مجلّة حراء

    .
    اعلم يقيناً أن اسمى غاية للخلق، واعظم نتيجة للفطرة الانسانية.. هو (( الايمان بالله )).. واعلم ان أعلى مرتبة للانسانية، وافضل مقام للبشرية.. هو (( معرفة الله )) التي في ذلك الايمان.. واعلم ان أزهى سعادة للانس والجن، وأحلى نعمة.. هو (( محبة الله )) النابعة من تلك المعرفة.. واعلم أن اصفى سرور لروح الانسان، وانقى بهجة لقلبه.. هو (( اللذة الروحية )) المترشحة من تلك المحبة.
    .
    بديع الزمان النورسي
    .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •